Indexed OCR Text
Pages 41-60
شركة العقد ٢٩ - ٣٠
(٣) أن تكون التجارة المقصودة بالشراء في
نفس بلد الشراء ، لا في مكان آخر، ولو
جد قريب (١).
وثلاثة خاصة بالشريك المقحم :
(١) أن يحضر الشراء.
(٢) أن لا يزايد على المشتري .
(٣) أن يكون من تجار السلعة المشتراة .
واعتمدوا أنه لا يشترط أن يكون من تجار
هذا السوق .
وشريطة واحدة في الشاري : أن لا یبین
لمن حضر من التجار أنه يريد الاستئثار
بالسلعة ، ولا يقبل الشركة فيها ، فمن شاء
أن يزايد فليفعل .
فإذا توافرت هذه الشرائط جميعها ثبت
حق الإِجبار على الشركة لمن حضر من
التجار، مهما طال الأمد - ما دامت السلعة
المشتراة باقية . ويسجن الشاري حتى يقبل
الشركة إذا امتنع منها . وهناك احتمال آخر
بسقوط هذا الحق بمضي سنة كالشفعة .
أما الشاري ، فليس له مع توافر الشرائط
إجبار من حضر من التجار على مشاركته في
السلعة لسبب ما - كتحقق الخسارة أو
توقعها - إلا إذا قالوا له أثناء السوم :
(١) الفواكه الدواني ٢ / ١٧٤، الخرشي علي خليل
٤ / ٣٦٧،٢٦٦ ٠
أشركنا ، فأجاب : بنعم أو سكت .
والمتبادر من كلامهم تنزيل قول التجار :
أشركنا - مع إجابة بنعم - منزلة حضورهم
الشراء : فلا يضير إذن انصرافهم قبل إتمام
الصفقة . بخلاف ما إذا خرج بالصمت عن
((لا ونعم)) إلا أن من حقهم حينئذ أن
يحلفوه : ما اشتری علیهم (١).
صيغة عقد الشركة :
٣٠ - تنعقد الشركة بالإِيجاب والقبول :
مثال ذلك في شركة العنان في الأموال :
أن يقول شخص لآخر :" شاركتك في ألف
دينار مناصفة ، على أن نتجر بها ويكون
الربح بيننا مناصفة كذلك : ويطلق ، أو
يقيد الاتجار بنوع من أنواع التجارة - كتجارة
المنسوجات الصوفية ، أو المنسوجات
مطلقا ، فيقبل الآخر .
ومثاله في شركة المفاوضة في الأموال : أن
يقول شخص لآخر - وهما حران بالغان
مسلمان أو ذمیان - شاركتك في کل نقودي
ونقودك ( ونقود هذا تساوي نقود ذاك ) على
أن نتجر بها في جميع أنواع التجارة ، وكل
واحد منا كفيل عن الآخر بديون التجارة ،
فيقبل الآخر .
(١) الخرشي علي خليل ٤ / ٢٦٦، ٢٦٧، الفواكه الدواني
٢ / ١٧٤، بلغة السالك ٢ / ١٧٢ .
- ٤١ -
شركة العقد ٣١ - ٣٣
٣١ - وتقوم دلالة الفعل مقام دلالة
اللفظ (١). فلو أن شخصا ما أخرج جميع ما
يملك من نقد ، وقال لآخر: أخرج مثل
هذا واشتر، وما رزق الله من ربح فهو بيننا
على التساوي أو لك فيه الثلثان ولي الثلث ،
فلم يتكلم الآخر، ولكنه أخذ وأعطى وفعل
كما أشار صاحبه - فهذه شركة عنان
صحيحة . ومثل ذلك يجيء أيضا في شركة
المفاوضة: كأن يخرج هذا كل ما يملك من
النقود ، ويقول لصحابه الذي لا يملك من
النقود إلا مثل هذا القدر: أخرج مثل
هذا ، على أن نتجر بمجموع المالين في جميع
أنواع التجارات ، والربح بيننا على سواء ،
وكل واحد منا كفيل عن الآخر بديون
التجارة ، فلا يتكلم صاحبه هذا ، وإنما
يفعل مثل ما أشار. هذا مذهب الحنفية .
٣٢ - والاكتفاء بدلالة الفعل ، هو أيضا
مذهب المالكية والحنابلة . إذ هم لا يعتبرون
في الصيغة هنا إلا ما يدل علي الإذن عرفا ،
ولو لم يكن من قبيل الألفاظ أو ما يجري
مجراها - كالكتابة وإشارة الأخرس المفهمة .
(١) فتح القدير ٥ / ٧، رد المحتار ٣ / ٣٤٨، الخرشي على
خليل ٤ / ٢٥٥، الفواكه الدواني ٢ / ١٧٢ ، مطالب
أولي النهى ٣ / ٥٠١ ، وهذا من آثار عدم التقيد
بالألفاظ ، والتعديل على المعنى ، كما
سلف (ر: ف / ٢٢ ).
ولذا ينص المالكية علي أنه لو قال أحد اثنين
للآخر : شاركني ، فرضي بالسكوت ،
كفى ، وأنه يكفي خلط المالين ، أو الشروع
في أعمال التجارة للشركة . كما ينص الحنابلة
على أنه يكفي أن يتكلما في الشركة ، ثم
يحضرا المال عن قرب ، ويشرعا في العمل .
وعند الشافعية لا تغني دلالة الفعل عن
اللفظ أو ما في معناه ، لأن الأصل حفظ
الأموال على أربابها ، فلا ينتقل عنه إلا
بدلالة لها فضل قوة - حتى لقد ضعف
الشافعية وجها عندهم بانعقاد الشركة
بلفظ : اشتركنا - لدلالته عرفا على الإذن في
التصرف ، ورأوا أن لا کفایة فیه حتى يقترن
بالإذن في التصرف من الجانبین - لاحتمال أن
يكون إخبارا عن شركة ماضية ، أو عن شركة
ملك قائمة لا تصرف فيها . وهم يصححون
انعقادها شركة عنان بلفظ المفاوضة ، إذا
اقترن بنية العنان ، وإلا فلغو، إذ لا
مفاوضة عندهم : وغاية ما يصلح له لفظها
عندهم أن یکون کناية عنان - بناء على صحة
العقود بالكنایات (١).
٣٣ - ومثال شركة المفاوضة في التقبل: أن
يقول شخص لآخر وكلاهما من أهل
الكفالة - شارکتك في تقبل جميع الأعمال ، أو
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢١٢، ٢١٣.
- ٤٢ -
شركة العقد ٣٣ - ٣٦
في هذه الحرفة ( خياطة ، أو نجارة ، أو
حدادة ، مثلا ) (١) على أن يتقبل كل منا
الأعمال ، وأن أكون أنا وأنت سواء في ضمان
العمل وفي الربح والخسران ، وفي أن كلا
كفيل عن الآخر فيما يلزمه بسبب الشركة ،
فيقبل الآخر. فإذا وقع التعاقد مع اختلال
قيد مما ورد في هذه الصيغة ، فالشركة شركة
عنان - إلا أنه لا بد أن يكون الشريكان من
أهل الوكالة كما لا يخفى (٢).
٣٤ - ومثال شركة المفاوضة في الوجوه : أن
يقول شخص لآخر - وكلاهما من أهل
الكفالة - شاركتك على أن نتجر أنا وأنت
بالشراء نسيئة والبيع نقدا ، مع التساوي في
كل شيء نشتريه وفي ثمنه وربحه ، وكفالة
كل ما يلزم الآخر من ديون التجارة وما يجري
مجراها ، فيقبل الآخر .
وإذا اختل شيء مما ورد في هذه الصيغة
من قيود ، فالشرکة شرکة عنان - إلا أنه لابد
(١) هذا الأخیر یؤخذ من قول الكاساني - دون فصل بين
مفاوضة وعنان - ( وأما شركة الأعمال فهي أن يشتركا على
عمل من الخياطة أو القصارة أو غيرهما) (بدائع
الصنائع ٦ / ٥٧ ) وإن كان القياس على المفاوضة في غيرها
يقتضي التعميم في جميع الصنائع والأعمال ، أو بالحري
الإطلاق ، بحيث لا يكون على أحد الشريكين حجر مّا في
تقبل أي عمل صالح للتقبل . وهذا هو الذي جروا عليه في
المجلة ( م ١٣٥٩ ) .
(٢) رد المحتار ٣ / ٣٥٩، بدائع الصنائع
٦ / ٥٧، ٦٣، ٠٦٥
فيها على كل حال من أن يكون الشريكان
من أهل الوكالة ، وأن يكون الربح بينهما
بنسبة ضمانهما الثمن ، كما سيجيء في
الشرائط بيانه .
وإن قال أحدهما لصاحبه فاوضتك فقبل
كفى ، لأن لفظها علم على تمام المساواة في
أمر الشركة ، فإذا ذكراه تثبت أحكامها إقامة
للفظ مقام المعنى (١).
شروط شركة العقد :
الشروط العامة :
٣٥ - وهي تلك التي لا تخص نوعا دون نوع
من أنواع الشركة الرئيسية الثلاثة ( شركة
الأموال ، وشركة الأعمال ، وشركة الوجوه ) .
وهذه الشروط العامة تتنوع أنواعا :
النوع الأول : في كل من شركتي المفاوضة
والعنان .
أولا - قابلية الوكالة :
٣٦ - ويمكن تفسيرها بأمرين :
(١) قابلية التصرف المتعاقد عليه
للوكالة ، ليتحقق مقصود الشركة ، وهو
الاشتراك في الربح ، لأن سبيل ذلك أن
یکون کل واحد من الشریکین وكيلا عن
صاحبه في نصف ما تصرف فيه ، وأصيلا في
(١) رد المحتار ٣٥٩/٣، بدائع الصنائع ٥٧/٦،
٦٣، ٠٦٥
- ٤٣ -
شركة العقد ٣٦ - ٣٧
نصفه الآخر- وإلا فالأصيل في الكل يختص
بکل ربحه ، والمتصرف عن الغیر لا يتصرف
إلا بولاية أو وكالة ، والفرض أن لا ولاية ،
فلم يبق إلا الوكالة (١). فالاحتشاش
والاحتطاب والاصطياد والتكدي ، أعمال لا
تصح الشركة فيها ، لعدم قبولها الوكالة ، إذ
الملك فيها يقع لمن باشر السبب - وهو
الأخذ : شأن المباحات كلها ، فقد جعل
الشارع سبب الملك فيها هو سبق اليد (٢).
(٢) أهلية كل شريك للتوكيل والتوكل ، لأنه
وکیل في أحد النصفین ، أصيل في الآخر،
فلا تصح الشركة من الصبي غير المأذون في
التجارة ، والمعتوه الذي لا يعقل (٣).
٣٧ - وهذا الشرط بشقيه موضع وفاق (٤).
لأن الجميع مطبقون على أن الشركة تتضمن
الوكالة . ولكن الخلاف يقع في طريق
التطبيق : فمثلا :
أ - المباحات : لا يراها الحنفية مما يقبل
الوكالة ، بينما هي عند غيرهم مما يقبلها .
ولذا مثل المالكية لشركة الأبدان بشركة
الصيادين في الصيد ، والحفارين في البحث
عن المعادن - كشركات النفط القائمة الآن ،
(١) فتح القدير ٥ / ٣٠ .
(٢) فتح القدير ٥ / ٥، وتمامه في بدائع الصنائع ٦ / ٦٣ .
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ٥٨ .
(٤) المغني لابن قدامة ٥ / ١٠٩ . .
وأبرز الحنابلة الشركة في تحصيل المباحات ،
حتى جعلوها نوعا متميزا من شركة
الأعمال (١).
ب - شركة ولي المحجور: وينص
الشافعية والحنابلة على أن لولي المحجور
الشرکة في مال محجوره ، لأنه يجوز له أن
يضارب بهذا المال ، مع أن المضارب يذهب
بجزء من نمائه ، فأولى أن تجوز الشرکة حیث
یکون ربحه كله موفراً عليه . ومن هذا
القبيل تقريرهم أنه إذا مات أحد
الشريكين ، وورثه محجور عليه ، فإنه يجب
على وليه أن يستمر في الشركة إذا رأى
المصلحة في ذلك - ومن شريطتها أن يكون
الشريك المتصرف أمينا : فلو تبين عدم هذه
الأمانة ، وضاع المال ، كان الضمان على
الولي ، لتقصيره بعدم البحث (٢).
ثم لا يخفى أن اعتبار الأهليتين : أهلية
التوكيل ، وأهلية التوكل ، إنما هو حيث
يكون العمل لكلا الشريكين . أما إذا كان
لأحدهما فحسب - وذلك عند الحنفية لا
يكون إلا في شركة العنان - فالشريطة هي
(١) الخرشي على خليل ٤ /٢٢٥، ٢٦٩، الفواكه الدواني
٢ / ١٧١، ١٧٢، ومطالب أولى النهي ٣ / ٥٤٥ ،
دليل الطالب ١٢٧ .
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢١٣، نهاية المحتاج وحواشيها
٥ / ٥، المغني لابن قدامة ٥ / ١٣٤.
- ٤٤ -
شركة العقد ٣٧ - ٣٩
أهلية الآذن للتوكيل ، وأهلية المأذون
للتوكل : ولذا ينص الشافعية على أنه في هذه
الحالة ، يصح أن یکون الآذن أعمى ، وإن
كان لا بد أن يوكل في خلط المالين ، أما
المأذون فلا بد أن يكون بصيراً (١).
ثانيا - أن يكون الربح معلوما بالنسبة :
٣٨- أي أن تكون حصة كل شريك من
الربح محددة بجزء شائع منه معلوم النسبة إلى
جملته : كنصفه . فإذا تم العقد على أن
یکون للشريك حصة في الربح من غیر بیان
مقدار، كان عقدا فاسداً ، لأن الربح هو
مقصود الشرکة فتفسد بجهالته ، کالعوض
والمعوض في البيع والإِجارة . وكذلك إذا علم
مقدار حصة الشريك في الربح ، ولكن
جهلت نسبتها إلى جملته : كمائة أو أكثر أو
أقل ، لأن هذا قد يؤدي إلى خلاف مقتضى
العقد - أعني الاشتراك في الربح ، فقد لا
يحصل منه إلا ما جعل لأحد الشركاء ، فيقع
ملکا خاصا لواحد ، لا شرکة فیه لسواه . بل
قالوا إن هذا يقطع الشركة لأن المشروط إذا
كان هو كل المتحصل من الربح ، تحولت
الشركة إلى قرض ممن لم يصب شيئا من
الربح ، أو إيضاع من الآخر .
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢١٣.
فإذا جعل للشريك أجر معلوم المقدار من
خارج مال الشركة : کخمسين أو مائة دينار
كل شهر، فقد نقلوا في الهندية عن المحيط
أن الشركة صحيحة ، والشرط باطل (١).
٣٩ - وهذا الشرط موضع وفاق . وقد حكى
ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لا شركة
مع اشتراط مقدار معين من الربح - كمائة -
لأحد الشريكين سواء اقتصر على اشتراط
هذا المقدار المعين لأحدهما ، أم جعل زيادة
على النسبة المشروطة له من الربح ، أم
انتقص من هذه النسبة ، لأن ذلك في
الأحوال كلها قد يفضي إلى اختصاص
أحدهما بالربح ، وهو خلاف موضوع
الشركة ، أو- كما عبر الحنفية - قاطع لها .
ومن هذا القبيل ، ما لو شرط لأحدهما ربح
عين معينة أو مبهمة من أعیان الشرکة ۔ کهذا
الثوب أو أحد هذين الثوبین ۔ أو ربح سفرة
کذلك۔ کهذه السفرة إلى باريس ، أو هي أو
التى تليها إلى لندن - أو ربح هذا الشهر أو
هذه السنة .
ونص الحنابلة على أن من هذا القبيل
أيضا ، أن يقول أحد الشريكين للآخر :
لك ربح النصف ، لأنه يؤدي إلى أن يستأثر
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٥٩، ٨١، فتح القدير ٥ / ٢٥،
الفتاوى الهندية ٢ / ٣٥٠، رد المحتار ٣ / ٣٥٤.
- ٤٥ -
شركة العقد ٣٩ - ٤١
واحد بشيء من الربح ، زاعما أنه من عمله
في النصف الآخر. خلافا لمن ذهب إلى أن
ربح النصف هو نصف الربح (١)
النوع الثاني : في شركة المفاوضة خاصة :
فتنعقد عنانا إذا اختل شرط منه :
أولا : أهلية الكفالة :
٤٠ - وهذا شرط الحنفية في كل من
الشریکین ، لأن كل واحد منهما بمنزلة
الكفيل عن صاحبه فيما يجب من دين التجارة
أو ما يجري مجراها ، كالاقتراض إذ كل
ما يلزم أحدهما من هذا القبيل يلزم الآخر.
فمن لم تتوافر فيه شروط هذه الأهلية - من
بلوغ وعقل - لم تصح منه شركة المفاوضة :
ولو فعلها الصغير بإذن وليه ، لأن المانع
ذاتي ، إذ هو ليس من أهل التبرعات ولأن
الكفالة المقصودة هنا هي كفالة كل شريك
جميع ما يلزم الآخر من الديون الآنفة الذكر .
ومن هنا يمنع محمد شركة المفاوضة من
المريض مرض الموت ، ومن في معناه -
کالمرتد۔۔ لأن کفالتہ إنما تکون في حدود ثلث
تركته ، والكفالة في شركة المفاوضة غير
محدودة .
وأما الذين وافقوا الحنفية في أصل القول
(١) المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٤، ١٤٨، ١٤٩، مطالب
أولي النهى ٣ / ٥٠٠ .
بشركة المفاوضة ، وخالفوهم في التفصيل -
وهم المالكية والحنابلة - فلم يبنوها على
الكفالة ، واكتفوا بما فيها من معنى الوكالة :
فليس على الشريك فيها عندهم ضمان
غرامات لزمت شریکه دون أن يأذن هو في
أسبابها (١) .
٤١ - ثانیا -يشترط أبو حنيفة ومحمد التساوي
في أهلية التصرف : فتصح بين الحرين
الكبیرین ، اللذين يعتنقان دينا واحدا -
کمسلمین ونصرانیین - أو ما هو في حكم
الدین الواحد- کذمیین ، ولو کان أحدهما
كتابيا والآخر مجوسيا ، إذ الكفر كله ملة
واحدة (٢).
ولا تصح شركة المفاوضة بين حر وملوك ،
ولو مکاتبا أو مأذونا في التجارة ، ولا بین بالغ
وصبي ، ولا بین مسلم وکافر، لاختلال
هذه الشريطة - إذ المملوك والصبي محجور
عليهما ، بخلاف الحر البالغ ، والكافر يسعه
أن يشتري الخمر والخنزير ويبيعها ، ولا
كذلك المسلم .
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٠، ٦١، رد المحتار ٣ / ٣٤٨،
٣٤٩، الخرشي على خليل ٤ / ٢٦١، الشرح الكبير مع
المغني ٥ / ١٩٨ .
(٢) هذا هو تعليل صاحب فتح القدير. وتعليل صاحب
العناية يوهم خلافه ، إذ يقول : لتحقق التساوي في
كونهما ذميين ( العناية على الهداية مع فتح
القدير ٥ / ٧ ).
- ٤٦ -
شركة العقد ٤١ - ٤٢
أما أبو يوسف فيكتفي بالتساوي في أهلية
الوكالة والكفالة ، ولا يعتد بتفاوت الأهلية
فيما عداهما ، ولذا فهو يصحح شركة
المفاوضة بين المسلم والذمي - قياسا على
المفاوضة بين الكتابي والمجوسي ، فإنها تصح
برغم التفاوت في أهلية التصرف ، بعد
التساوي في أهلية الوكالة والكفالة ، ولا یری
أبو يوسف فرقا ، إلا من حيث الكراهة ،
فإنه يكره الشركة بين المسلم والكافر، لأن
الكافر لا يهتدى إلى وجوه التصرفات المشروعة
في الإسلام ، وإن اهتدی فإنه لا یتحرز من
غيرها كالربا وما إليه ، فيتورط المسلم
بمشاركته في أكل ما لا يحل (١) .
ويرى الشافعية كراهة الشركة بين المسلم
والكافر .
وأما المالكية والحنابلة ، فنفوا الكراهة
بشرط أن لا يتصرف الكافر إلا بحضور
شريكه المسلم ، لأن ارتكابه المحظورات
الشرعية في تصرفاته للشركة يؤمن حينئذ . ثم
ما لا يحضره منها شريكه المسلم ، وتبين وقوعه
على غير وجهه من الوجهة الإِسلامية - كعقود
الربا، وشراء الخمر والميتة - فقد نص
الحنابلة على أنه۔۔ مع فسادہ۔ یکون فيه
الضمان على الكافر. وما لم يتبين فالأصل فيه
(١) فتح القدير ٥ / ٧، ٨، رد المحتار ٣ / ٣٤٨.
الحل . واحتجوا للجواز بأنه صلوات الله
علیه عامل أهل خیبر۔ وهم يهود - بنصف ما
يخرج منها وهذه شركة ، وابتاع طعاما من
هودي بالمدينة ، ورهنه درعه ، ومات وهي
مرهونه (١) - وهذه معاملة . ولا يبدو في كلام
المالكية خلاف عن هذا ، إلا أنهم قالوا :
إذا شك الشريك المسلم في عمل شريكه
الكافر بالربا استحب له التصدق بالربح ،
وإذا شك في عمله بالخمر استحب له
التصدق بالجمیع (٢).
ثالثا - أن لا يشترط العمل على أحد
الشريكين :
٤٢ - فلو شرط العمل على أحد المتفاوضين
بطلت الشركة عند الحنفية (٣). لأن هذا
تصريح بما ينافي طبيعة المفاوضة من المساواة
فيما يمكن الاشتراك فيه من أصول
التصرفات . وللمالکية شيء قریب من هذا ،
إذ شرطوا - في شركة الأموال مطلقا - أن يكون
(١) حديث: ( أنه عامل أهل خيبر) . أخرجه البخاري
( الفتح ٥ / ١٣ - ط السلفية)، ومسلم
(٣ /١١٨٦ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
وحديث : ( أن النبي # توفى ودرعه مرهونة). أخرجه
البخاري ( الفتح ٦ / ٩٩ - ط السلفية ).
(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ١١٠، مطالب أولي النهى
٣ / ٢٤٥، الفواكه الدواني ٢ / ١٧٢، بدائع الصنائع
٦ / ٦١، رد المحتار ٣ / ٣٤٨.
(٣) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٥٠.
- ٤٧ -
شركة العقد ٤٢ - ٤٤
العمل بقدر المالین ، أي عمل کل واحد من
الشریکین بقدر ماله : إن كان له النصف في
رأس المال فعليه النصف في العمل ، أو
الثلثان فعلیه الثلثان ، وهکذا بحیث إذا
شرط خلاف ذلك : كأن جعل ثلثا العمل أو
ثلثه على الشريك بالنصف ، كانت الشركة
فاسدة ، والربح على قدر المالين : ويرجع
كل من الشريكين على الآخر بما يستحقه
عنده من أجرة . أما إذا وقعت الزيادة في
العمل تبرعا من أحد الشريكين دون أن
تكون مشروطة عليه ، فلا بأس ، إذ ذلك
تفضل منه وإحسان (١).
شروط خاصة بشركة الأموال مطلقا :
أي سواء كانت شركة مفاوضة أم شركة
عنـــان :
٤٣ - الشرط الأول : أن يكون رأس المال
عينا ، لا دينا : لأن التجارة التي بها يحصل
مقصود الشركة وهو الربح ، لا تكون
بالدين . فجعله رأس مال الشركة مناف
المقصودها (٢).
٤٤ - الشرط الثاني : أن يكون المال من
الأثمان :
(١) فتح القدير ٥ / ٥، بلغة السالك ٢ / ١٧٠، الفواكه
الدواني ٢ / ١٧٣ .
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٦٠، رد المحتار ٣ / ٣٥١، والمغني
٥ /٠١٢٧
سواء أكان من النقدين ، أعني الذهب
والفضة المضروبين ، أم الفلوس النافقة أم
الذهب والفضة غير المضروبين (١). إذا
جرى بهما التعامل وعلى هذا استقر الفقه
الحنفي .
والعروض كلها - وهي ما عدا النقدین من
الأعیان ۔ لا تصلح رأس مال شركة ولا حصة
فیه لشريك (٢) . ولو كانت مکیلا أو موزونا أو
عدديا متقاربا ، في ظاهر الرواية عن أبي
حنيفة ، ومعه أبو يوسف وبعض الحنابلة .
وذهب محمد وجماهير الشافعية إلى التفرقة
بين نوعين من العروض :
النوع الأول : المكيل والموزون والعددي
المتقارب .
والثاني : سائر العروض .
وبعبارة أخرى : فرقوا بين المثليّ ،
والمتقوم : فمنعوا انعقاد الشركة في النوع
الثاني بإطلاق ، وأجازوها في النوع الأول ،
بعد الخلط مع اتحاد الجنس ، ذهابا إلى أن
هذا النوع ليس من العروض المحضة ، وإنما
(١) ویسمیان لغة باسم التبر، ما لم يذابا على النار ( أي قبل
تخليصهما من تراب المعدن ) وإلا فهما النقرة ، كما في
المغرب ، والذي في المصباح قصر النقرة على الفضة التي
أذيبت وخلصت .
(٢) رد المحتار ٣ / ٣٥٠، بدائع الصنائع ٦ / ٥٩،
٣٦١، فتح القدير ٥ / ١٥، ١٦، الفتاوى الهندية
٢ /٣٠٦، الفروع ٢ / ٤١٧ .
- ٤٨ -
شركة العقد ٤٤
هو عرض من وجه - لأنه یتعین بالتعيين ،
ثمن من وجه - لأنه يصح الشراء به دينا في
الذمة ، شأن الأثمان : فناسب أن يعمل فيه
بكلا الشبهين ، كل في حال - فأعمل الشبه
بالعروض قبل الخلط ، ومنع انعقاد الشركة
فيه حينئذ ، والشبه بالأثمان بعده ،
فصححت إذ ذاك الشركة فيه ، لأن شركة
الملك تتحقق بالخلط ، فیعتضد بها جانب
شركة العقد ، وإنما قصر التصحيح على
حالة اتحاد الجنس ، لأن الخلط بغیر الجنس -
كخلط القمح بالشعير، والزيت بالسمن -
يخرج المثليّ عن مثليته ، وهذا يؤدي إلى
جهالة الأصل والربح والمنازعة عند القسمة ،
لمكان الحاجة إلى تقويمه إذ ذاك لمعرفة مقداره
والتقويم حزر وتخمین ، ويختلف باختلاف
المقومين ، بخلاف المثليّ فإنه يحصل مثله .
وذهب أكثر الحنابلة وبعض الشافعية إلى
اشتراط أن يكون رأس المال من النقد
المضروب . بأية سكة ، ويصرح ابن قدامة
من الحنابلة بأن لا تسامح في شيء من الغش
إلا أن يكون في حدود القدر الضروري الذي
لا غنى لصناعة النقد عنه (١).
وأما المالكية : فتصح الشركة عندهم إذا
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٦، المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٦،
مطالب أولي النهي ٣ / ٤٩٧ .
أخرج كل واحد من الشركاء ذهبا أو فضة .
كما تصح إذا أخرج أحدهما ذهبا وفضة
وأخرج الثاني مثل ذلك . وتصح أيضا
عندهم بعین من جانب وعرض من الآخر،
أو بعرض من كل منهما سواء اتفقا في الجنس
أو اختلفا . ولا تصح عندهم بذهب من
أحد الجانبین وفضة من الجانب الآخر ، ولو
عجل كل منهما ما أخرجه لصاحبه ، وذلك
لاجتماع شركة وصرف ، ولا تصح بطعامين
وإن اتفقا في القدر والصفة (١).
وذهب ابن أبي ليلى إلى تصحيح الشركة
بالعروض مطلقا ، ويعتمد في القسمة قيمتها
عند العقد . وهي رواية عن أحمد ، اعتمدها
من أصحابہ أبو بکر وأبو الخطاب ، إذ لیس
في تصحيحها بالعروض على هذا النحو
إخلال بمقصود الشرکة - فليس مقصودها إلا
جواز تصرف الشريكين في المالين ، ثم
اقتسام الربح ، وهذا كما يكون بالأثمان ،
یکون بغيرها . واستأنسوا لذلك باعتبار قيمة
عروض التجارة عند تقدير نصاب زكاتها (٢).
الشرط الثالث : أن يكون رأس المال
حاضرا :
(١) الشرح الصغير ٣ / ٤٥٨ - ٤٦١، الخرشي على خليل
٤ / ٢٥٦، البهجة شرح التحفة ٢ / ٢١٢ .
. (٢) المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٥.
- ٤٩ -
شركة العقد ٤٥ - ٤٦
٤٥ - اشترط الحنفية أن يكون رأس المال
حاضرا ، قال الكاساني : إنما يشترط
الحضور عند الشراء لا عند العقد لأن هذا
كاف في حصول المقصود ، وهو الاتجار ابتغاء
الربح: ولذا فالذي يدفع ألفا إلى آخر،
على أن يضم إليها مثلها ، ويتجر ويكون
الربح بینهما ، يكون قد عاقده عقد شركة
صحیحة ، إذا فعل الآخر ذلك - وإن كان
هذا الآخر لا يستطيع إشراكه في الخسارة إلا
إذا أقام البينة على أنه فعل ما اتفقا عليه .
هكذا قرره الكاساني ، والكمال بن
الهمام ، وجاراهما ابن عابدين وعبارة
الهندية ، عن الخانية وخزانة المفتين ، أن
الشرط هو أن يكون المال حاضرا عند العقد
أو عند الشراء . فلا تصح الشركة بمال غائب
في الحالين : عند العقد وعند الشراء(١) .
واشترط الحنابلة حضور المالين عند العقد
قیاسا ذلك على المضاربة ، ویرون أن حضور
المالين عند العقد هو الذي يقرر معنى
الشركة ، إذ يتيح الشروع في تصريف أعمالها
على الفور، ولا یتراخی بمقصودها ، لكنهم
یقولون إذا عقدت الشركة بمال غائب أو دین
في الذمة ، وأحضر المال وشرع الشريكان في
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٠، فتح القدير ٥ / ١٤،
٢٢، رد المحتار ٣٥١/٣، الفتاوى الهندية
٢ /٣٠٦.
التصرف فيه تصرف الشركاء ، فإن الشركة
تنعقد بهذا التصرف نفسه .
أما المالكية فقد فسر اخرشي کلام خليل
بما يفيد اشتراط حضور رأس المال ، أوما هو
بمثابة حضوره ۔ إلا أنه قصر ذلك على رأس
مال هو نقد : فذكر أنه إذا غاب نقد أحد
الشريكين ، فإن الشركة لا تصح ، إلا إن
كانت غيبته قريبة ، ومع ذلك لم يقع الاتفاق
على البدء في أعمال التجارة قبل حضوره .
فإذا كانت غيبته بعيدة ، أو قريبة واتفق على
الشروع في التجارة قبل حضوره ، أو غاب
النقدان كلاهما ( نقدا الشريكين ) ولو غيبة
قريبة ، فإن الشركة حينئذ لا تكون
صحيحة ، ومنهم من حد البعد بمسيرة
أربعة أيام ، ومنهم من حده بمسيرة عشرة
أيام ، واستقر به الخرشي . ولكن الخرشي
أشار إلى تفسير آخر، يجعل هذا الشرط شرط
لزوم، لا شرط صحة (١).
الشرط الرابع : الخلط
٤٦ - لا يشترط الحنفية ولا الحنابلة في شركة
الأموال خلط المالين . أما المالكية ،
فالصواب أنه عندهم ليس بشرط صحة
أصلا ، بل ولا بشرط لزوم عند ابن القاسم
(١) المغني لابن قدامة ٥ / ١٢٧، مطالب أولي النهى
٣ / ٤٩٧، ٤٩٩، ٥٠١، الخرشي ٤ / ٥٨ .
٥ -
٦
شركة العقد ٤٦ - ٤٧
ومعه أكثرهم ، لأن الشركة تلزم عندهم -
خلافا لابن رشد - بمجرد العقد ، أي بمجرد
تمام الصيغة ، ولو بلفظ: (( اشتركنا )) أو ما
يدل على هذا المعنى أية دلالة : قولية أو
فعلية . وإنما هو شرط ضمان المال على
الشريكين : فما تلف قبله ، إنما يتلف من
ضمان صاحبه . والشركة ماضية في الباقي -
فما اشترى به فللشركة وفق شروط عقدها ،
إلا أن يكون صاحب المال الباقي هو الذي
اشتراه بعد علمه بتلف مال شريكه ، ولم يرد
شریکه مشاركته ، أو ادعى هو أنه إنما اشتراه
لنفسه ۔ فإنه یکون لشاریه خاصة ، على أن
شرط الخلط عند المالكية خاصة بالمثلیات أما
العروض القيمية ، فلا يتوقف ضمانها على
خلطها ، كما أن الخلط ، ليس حتما أن
یکون حقیقیا بحيث لا یتمیز المالان - فيما
قرره ابن القاسم ، وجرى عليه الأكثرون ،
بل يكفي الخلط الحكمي : بأن يجعل المالان
في حوز شخص واحد ، أو في حوز
الشریکین معا ۔ کان یوضع المالان منفصلین
في دكان وبيد واحد من الشريكين مفتاح له
أو يوضع كل مال في حافظة على حدة ،
وتسلم الحافظتان إلى أحد الشريكين أو إلى
صراف محلهما أو أي أمين يختارانه .
وعند الشافعية : إذا لم يخلط المالان فلا
شركة . وكذلك إذا خلطا وبقيا متميزين -
لاختلاف الجنس کنقود بلدین بسکتین أو
نقود ذهبية وفضية ، أو الوصف كنقود قديمة
وجديدة لأن بقاء التمايز يجعل الخلط كلا
خلط . وإذن يكون لكل واحد من
الشريكين ربح ماله ووضيعته ، أي
خسارته ، وإذا هلك أحد المالين قبل الخلط
هلك من ضمان صاحبه فحسب ، ولا رجوع
له على الآخر بشيء ، وهم لا يعتدون بالخلط
بعد العقد ، وإن کان منهم من یتسامح إذا
وقع الخلط بعد العقد قبل انفضاض
مجلسه : فیحتاج الشریکان إلى تجدید الإِذن
في التصرف بعد الخلط المتراخي ومن البين
بنفسه أن المال یرثه اثنان أو یشتریانه أو یوهب
لهما ، يكون بطبيعته مخلوطا أبلغ خلط ، ولو
كان من العروض القيمية (١).
شروط خاصة بشركة المفاوضة في الأموال :
وهي شروط إذا اختلت كانت الشركة
عنانا
٤٧ - الشرط الأول : اشترط الحنفية المساواة
في رأس المال
ويعتبر ابتداء وانتهاء فلا بد من قيام
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٠، بلغة السالك ٢ / ١٦٨،
حواشي تحفة ابن عاصم ٢ / ٢١٣ ، بداية المجتهد
٢ / ٢٥٣، الخرشي على خليل ٤ / ٢٥٧، نهاية
المحتاج ٦ / ٥، مغني المحتاج ٢ / ٢١٣ .
- ٥١ -
شركة العقد ٤٧ - ٤٨
المساواة ما دامت الشركة في رأس المال قائمة
كألف دينار من هذا ، وألف دينار من ذاك ،
لأن الشركة عقد غير لازم ، لكل من
الشريكين فسخه متى شاء ، فصارت
كالمتجددة كل ساعة ، والتحق استمرارها
بابتدائها في اشتراط المساواة بمقتضي اسمها
( مفاوضة ) فإذا اتفق ، بعد عقد الشركة
على التساوي ، أن ملك أحد الشريكين ،
بإرث أو غيره ولو صدقة ، ما تصح فيه
الشركة - وهو الأثمان - وقبضه ، فإن المفاوضة
تبطل ، وتنقلب عنانا لفوات المساواة . أما
إذا ملك ما لاتصح فيه الشركة كالعروض ،
عقارية أو غيرها ، وکالدیون فإن هذا لا ينافي
المساواة فيما يصلح رأس مال للشركة ، فلا
ينافي استمرار المفاوضة إلا إذا قبض الديون
أثمانا فحينئذ تحصل المنافاة وتبطل المفاوضة .
وتتحول عنانا (١).
ولا يخل بهذه المساواة - في أشهر الروايتين
عن أبي حنيفة - اختلاف النوع : كنقود
ذهبية لهذا وفضية لذاك ، إذا استويا في
القيمة ، فإذا زادت قيمة حصة أحدهما
خرجت الشركة عن المفاوضة إلى العنان - إلا
أن تكون الزيادة قد طرأت بعد الشراء
بالحصتين ، أو إحداهما . لأن الشركة في
(١) بدائع الصنائع ٦ /٧٨، رد المحتار ٣ / ٣٥٠ .
الحالة الأولى : قد انتقلت من رأس المال إلى
ما اشترى به ، فلم يجتمع في رأس المال شركة
وتفاوت ، وفي الحالة الثانية تكون الحصة
الباقية کأنها بينهما ، لأن نصف ثمن ما
اشترى مستحق على صاحبها ، وقلما يتفق
الشراء بالحصتين جميعا ، فاقتضى
الاستحسان ، تفاديا للحرج ، إلحاقها
بالحالة الأولى : وإن كان القياس فساد
المفاوضة فيها . وقد تقدم (١) أن المالكية
والحنابلة لا يشترطون المساواة بين الشريكين
في رأس المال لصحة المفاوضة (٢).
الشرط الثاني : شمول رأس المال لكل
ما يصلح له من مال الشريكين :
٤٨ - وقد تقدم أن الأثمان وحدها هي
الصالحة لذلك عند الحنفية ، إذا كانت عينا
لا دینا ، حاضرة لا غائبة ۔ سواء أكانت أثمانا
بأصل الخلقة أم بجريان التعامل .
فإذا كان لأحد الشريكين شيء من ذلك
آثر بقاءه خارج رأس المال - ولو لم يكن
بيده ، كأن كان وديعة عند غيره - فالشركة
عنان ، لا مفاوضة لعدم صدق اسمها
إذ ذاك .
أما ما خرج عن هذا النمط ، فلا يضير
(١) ر: ف / ٢٧ .
(٢) فتح القدير ٥ / ٦، بدائع الصنائع ٦ / ٦١.
- ٥٢ -
شركة العقد ٤٨ - ٥٠
المفاوضة أن يختص أحد الشریکین منه بما
شاء لأنه لا يقبل الشركة ، فأشبه اختصاص
أحدهما بزوجة أو أولاد ، فليحتفظ لنفسه بما
أحب من العروض ( بالمعنى الشامل
للمثليّ - على ما فيه من نزاع محمد -
والعقار) ، أو الديون أو النقود الغائبة - ما
دامت كذلك . فإذا قبض الدین نقودا ، أو
حضرت النقود الغائبة - تحولت المفاوضة إلى
عنان ، لما تقدم من اشتراط استمرار
المساواة (١).
الشرط الثالث : إطلاق التصرف لكل
شريك في جميع أنواع التجارة :
٤٩ - وهو شرط عند الحنفية . فيتجر كل
شريك في أي نوع أراد ، قل أو كثر، سهل
أو عسر، رخص أو غلا. حتى لو أن
الشريكين تشارطا على أن يتقيدا هما أو
أحدهما ببعض أنواع التجارات - كأن لا
يتجرا في الحاصلات الزراعية ، أو الآلات
المیکانیکیة ، أو أن يتجر أحدهما في هذه دون
تلك ، والآخر بالعكس - لم تكن الشركة
مفاوضة ، بل عنانا ، لأن المفاوضة تقتضي
تفويض الرأي في كل ما يصلح للاتجار فيه ،
وعدم التقیید بنوع دون نوع ، کما صرح به
صاحب الهداية .
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦١، فتح القدير والعناية على
الهداية ٥ / ٦، رد المحتار ٣ / ٣٤٨ .
وشرط إطلاق التصرف لكلا الشريكين
غير مقرر عند المالكية والحنابلة ، لأن المالكية
ينوعون المفاوضة إلى عامة لم تقيد بنوع من
أنواع المتاجر دون نوع ، وخاصة -
بخلافها . كما أن الحنابلة يئول كلامهم إلى
مثل هذا ، لأنهم ۔ وإن کانوا یقرون منها نوعا
شاملا لجميع أنواع التصرفات - فإنهم
يقررون نوعا آخر يمكن أن يقيد فيه الشركاء
بعضهم بعضا بقيود بعينها (١).
شروط خاصة بشركة الأعمال :
٥٠ - الشرط الأول : أن يكون محلها عملا :
لأن العمل هو رأس المال في شركة الأعمال -
فإذا لم يكن من أحد الشريكين عمل ، لم
تصح الشركة . ولكن يكفي لتحقق هذا
العمل أن يتعاقدا على التقبل : سواء أجعلا
التقبل لکلیھما أم لأحدهما عملیا ، وإن كان
للآخر أيضا نظريا أي من حقه ( بمقتضى
عقد الشركة ) أن يتقبل الأعمال المتفق على
تقبل نوعها - إذ كل شريك بمقتضى عقد
الشركة وكيل عن شريكه فى هذا التقبل ،
وإن لم يحسن العمل المتقبل - لكنه ، لأمر
ما ، ترك التقبل لشريكه ، فربما كان ذلك
(١) فتح القدير ٥ / ٥، ٦، الفتاوى الهندية ٢ / ٣٠٨،
ومن قبلهم ابن نجیم ، ومن بعدهم ابن عابدین رد
المحتار ٣ / ٣٥١، الخرشي على خليل ٤ / ٢٥٩،
مطالب أولي النهى ٣ / ٥٥٣ .
- ٥٣ -
شركة العقد ٥٠ - ٥١
أجدى على الشركة والشريكين . حتى لو أنَّه
شاء ، بعد هذا الترك ، أن يمارس حقه في
التقبل ، لم يكن لشريكه أن يمنعه ، فإذا
تقبل العمل أحد الشريكين بعد قيام الشركة
وقام به وحده - كأن تقبل الثوب للخياطة ،
وقطعه وخاطه - فالأجر بينه وبين شريكه
مناصفة ، إن كانت الشركة مفاوضة ، وعلى
ما اتفقا إن كانت عنانا . ذلك أن التقبل وقع
عنهما - إذ شطره عن الشريك الآخر بطريق
الوكالة - وصار العمل مضمونا عليهما بعد
التقبل : فانفراد أحدهما به إعانة متبرع بها
بالنسبة لما كان منه على شريكه ، والخراج
بالضمان (١).
ومن أمثلة الشركة الفاسدة التي خلت من
عمل أحد الشريكين : شركة قصارة (٢) يتفق
فيها الشريكان أن يقدم أحدهما آلة
القصارة ، ويقوم الآخر بالعمل كله : تقبلا
وانجازا - ولا شأن للأول بعد ، إلا في اقتسام
الربح . ولفساد هذه الشركة ، تكون الأجرة
للعامل ، لأنها استحقت بعمله ، وعليه
لصاحب الآلة أجرة مثل آلته .
وقد نص الحنفية على فساد هذه الصورة
(١) رد المحتار ٣ / ٣٥٨، الفتاوى الهندية ٢ / ٣٢٩.
(٢) هي المعروفة الآن بالمنجلة : فقد جاء في المصباح :
قصرت الثوب قصرا بيضته ، والقصارة - بالكسر-
الصناعة ، والفاعل قصار.
مع تصريحهم - كالحنابلة - بصحة شركة
القصارة - وغيرها من سائر الصناعات - على
أن يعمل الشريكان بآلة أحدهما ، في بيت
الآخر۔ وتکون الأجرة بينهما ، لأنها بدل عن
العمل ، لا عن آلته ومكانه : وكل ما في
الأمر، أن أحدهما أعان متبرعا بنصف
الآلة ، وأعان الآخر بنصف المكان ، نعم إن
فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر
أجر عملهما ، وأجر الدار والآلة ونحوهما مما
قدمه كل شريك ، نص عليه الحنابلة (١) .
٥١ - وكون الشريك في شركة الأعمال ،
يستحق حصته في الربح ، ولو لم يعمل ، هو
مبدأ مقرر أيضا عند الحنابلة . على أن
منہم ـ کابن قدامة - من یبدي احتمال أن
يحرم من حصته في الربح من يترك العمل بلا
عذر، لإِخلاله بما شرط على نفسه .
ومما قرره المالكية - وإن لم يصرحوا بأن فيه
فسخا للشركة - أن الشريك يختص بما يتقبله
من أعمال الشركة - بعد طول مرض شريكه ،
أو طول غيبته - ضمانا ، وعملا ، وأجرة
عمل . بخلاف ما تقبله في حضوره صحيحا
أو بعد غيبته أو مرضه لفترة وجيزة (٢).
(١) رد المحتار ٣ / ٣٥٨، بدائع الصنائع ٦ / ٦٤،
مطالب أولي النهى ٣ / ٥٥٠ .
、
(٢) فتح القدير ٥ / ٣٣، رد المحتار ٣ / ٣٦١، المغني
لابن قدامة ٥ / ١١٥ .
- ٥٤ -
شركة العقد ٥٢ - ٥٣
٥٢ - أما الآلة ، فإن المالكية يعتبرونها متممة
للعمل . فلا بد أن تكون مساوية لحصة
الشريك في العمل : بحيث لا يجوز أن
يشرط عليه تقديم ثلثي الآلة على حين أن
حصته في العمل هي الثلث أو النصف ،
دون أن يحسب حساب هذه الزيادة في صلب
العقد - فإن ذلك يفسد الشركة للتفاوت بين
الربح والعمل نظرا إلى تكملة الاعتبارية ،
وإن کان یمکن التجاوز عن فرق يسير يتبرع
به في العقد ، أما التبرع بعد العقد ، فلا
حد له . فكيف إذا قدم أحد الشريكين آلة
العمل كلها مجانا في العقد ؟ على أن غير
سحنون وصحبه۔۔ من المالکیة ۔ لا یکتفون
بهذا . بل يشترطون أن تكون الآلة بين
الشريكين شركة ملك : إما ملك عين ، أو
ملك منفعة ، أو ملك عین من جانب وملك
منفعة من الآخر۔ کما إذا كانت ملكا لأحدهما
ولکنه أجر لشریکه حصة منها تساوي حصته
في العمل ، أو كانت لكل منهما آلة هي ملك
له خاص ، إلا أنهما تكاريا بعض هذه
ببعض تلك في حدود النسبة المطلوبة . بل
إن ابن القاسم ليحتم أن يكونا في ضمان الآلة
سواء : فلا يسوغ أن تكون بينهما بملك رقبة
لأحدهما ، وملك منفعة للآخر .
وأكثر الحنابلة يوافقون على الحكم بالفساد
في حالة اشتراط العمل على واحد منهم
بعينه . لكن اختار ابن قدامة الصحة ،
وقال : إنه قياس نص أحمد والأوزاعي فيمن
دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها والكسب
بينهما . وجرى عليه ابن تيمية (١).
والشافعية يطلقون القول بالفساد : سواء
اشترط العمل على الجمیع أم على بعض دون
بعض ، لأن هذه أموال متمايزة فلا يمكن أن
تجمعها شركة صحيحة . فتطبق أحكام
الشركة الفاسدة (٢).
٥٣ - الشرط الثاني : أن يكون العمل
المشترك فيه يمكن استحقاقه بعقد الإجارة :
كالنساجة والصباغة والخياطة وكالصياغة
والحدادة والنجارة ، وكتعليم الكتابة أو
الحساب أو الطب أو الهندسة أو العلوم
الأدبية - وكذلك ، عل ما أفتى به المتأخرون
استحسانا تعليم القرآن والفقه والحديث
وسائر العلوم الشرعية - وإن كان الأصل فيها
عدم صحة الإِجارة عليها كسائر القرب .
أما ما لا يستحق بعقد الإِجارة ، فلا
تصح فيه شركة الأعمال . وهذا ينتظم جميع
المحظورات الشرعية : كالنياحة على الموتى ،
(١) الخرشي علي خليل ٤ / ٢٦٨، ٢٧٠ - ٢٧١، بلغة
السالك ٢ / ١٧٢، مطالب أولي النهى ٣ / ٥٥٠ ،
المغني ٥ / ١٧ .
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٢٦، مغني المحتاج ٢ / ٢١٦ .
- ٥٥ -
شركة العقد ٥٣ - ٥٤
والأغاني الخليعة وقراءة القرآن بالأنغام المخلة
بصحة الأداء - كما ينتظم جميع القُرَبِ - عدا
ما استثناه المتأخرون للضرورة ، لئلا تضيع
العلوم الشرعية ، أو تتعطل الشعائر
الدينية : كالإِمامة والأذان وتعليم
القرآن (١). فلا يصح التعاقد على إنشاء
شركة وعاظ تعظ الناس وتذكرهم بالأجرة ،
وكذلك لا تصح شركة الشهود ، لأن الشهادة
من محظورات الشرع إن كانت زورا ، ومن
القربات أو الفرائض إن کانت حقا - سواء في
ذلك التحمل والأداء ، على ما هو مفصل في
موضعه (٢).
شرط خاص بشركة الوجوه :
٥٤ - اشترط الحنفية وكذلك القاضي وابن
عقيل من الحنابلة : أن يكون الربح بين
الشريكين بنسبة ضمانهما الثمن : وضمانهما
الثمن إنما هو بنسبة حصصهما فيما يشتریانه
معا ، أو كل على انفراد . ومقدار هذه
الحصص يتبع الشرط الذي وقع التشارط
عليه عند عقد الشركة . فمن الجائز المشروع
أن يتعاقدا في شرکة الوجوه علی أن یکون کل
ما يشتریانه أو يشتريه أحدهما بينهما
(١) مجمع الأنهر ٢ / ٣٦٩، رد المحتار ٣ / ٣٥٨، ٣٥٩.
(٢) مجمع الأنهر ٢ / ١٧٧، ١٧٨، الفواكه الداوني
٢ / ١٧٢، حواشي التحفة لابن عاصم ٢ / ٢١٥،
الفروع ٢ / ٧٢٩ .
مناصفة ، أو على التفاوت المعلوم أيما كان .
كأن يكون لأحدهما الثلث أو الربع ، أو أكثر
من ذلك أو أقل ، وللآخر الثلثان أو الثلاثة
الأرباع الخ . وإذ كان معلوما أن شركة
المفاوضة لا تكون إلا على التساوي في الربح
عند الحنفية ، فإنه يجب هنا أن تكون على
التساوي في حصص المشترى وثمنه أيضا .
فإذا شرط لأحد الشريكين في الربح أكثر
أو أقل مما عليه من الضمان فهو شرط باطل لا
أثر له ، ویظل الربح بينهما بنسبة ضمانهما ،
لأنه لا يوجد في هذه الشركة سبب لاستحقاق .
الربح سوى الضمان ، فيتقدر بقدره . ذلك
أن الربح إنما يستحق بالمال أو العمل أو
الضمان ، كما سيجيء في الأحكام ، ولا مال
هنا ولا عمل ، فیتعین أن یکون الربح بسبب
الضمان ، وإذن تكون قسمته بحسبه . لئلا
يلزم ربح ما لم يضمن .
والمذهب عند الحنابلة أن الربح في شركة
الوجوه یکون علی حسب ما اتفقا علیه ، لأن
الشريكين شركة وجوه يتجران ، والتجارة
عمل يتفاوت كيفا ، كما يتفاوت كما ،
ويختلف باختلاف القائمين به نشاطا وخبرة -
فالعدالة أن تترك الحرية للمتعاقدين لیقدرا
كل حالة بحسبها : حتى إذا اقتضت
التفاوت في الربح ، لم یکن علیھما من حرج
- ٥٦ -
٠
شركة العقد ٥٤ - ٥٦
في التشارط عليه وفق ما يريان . نظيره ،
لنفس هذا المدرك ، شركات العنان
الأخرى ، والمضاربة ، إذ يكفي فيهما أن
يكون الربح بين مستحقيه بنسبة معلومة ،
على التساوي أو التفاوت - بالغا ما بلغ هذا
التفاوت (١).
أحكام الشركة والآثار المترتبة عليها :
أولا - أحكام عامة
أ - الاشتراك في الأصل والغلة :
٥٥ - حكم شركة العقد صيرورة المعقود
عليه ، وما يستفاد به مشتركا بينهما ( أي
العاقدين ) (٢).
ب - عدم لزوم العقد :
٥٦ - وهذا متفق عليه عند غير المالكية .
فلكل واحد من الشريكين أن يستقل بفسخ
الشركة ، رضي الآخر أم أبى ، حضر أم
غاب ، كان نقوداً أم عروضاً .
لكن الفسخ لا ينفد عند الحنفية إلا من
حین علم الآخر به ، لما فيه من عزله عما كان
له من التصرفات بمقتضى عقد الشركة ،
وهو عزل قصدي آثره الفاسخ باختياره ، فلا
يسلط على الإِضرار بغيره .
(١) الفروع ٢ / ٧٣١، والمغني لابن قدامة
٥ / ١٢٣، ١٤١ .
(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٠٢ .
أما الشافعية والحنابلة ، فلم يشترطوا
علم الشريك بالفسخ ، كما في عزل
الوكيل (١) .
نعم شرط الطحاوي ، وأيده الزيلعي من
الحنفية - ومعهما ابن رشد المالكي وحفيده
وبعض الحنابلة (٢) - أن يكون المال ناضا لا
عروضا ، وإلا فالشركة باقية ، والفسخ
لاغ . إلا أن هذا البعض من الحنابلة لا
يلغون الفسخ ، وإنما يوقفونه إلى
النضوض : فيظل لكل من الشريكين
عندهم التصرف في مال الشركة من أجل
نضوضہ ـ حتی یتم ، وليس لهما أي تصرف
آخر، كالرهن أو الحوالة أو البيع بغير النقد
الذي ينض به المال (٣) .
ويعد من قبيل الفسخ ، أن يقول
الشريك لشريكه : لا أعمل معك في
الشركة . فإذا تصرف الآخر في مال الشركة
بعد هذا ، فهو ضامن لحصة شريكه في هذا
المال عند الفسخ : مثلا في المثلي ، وقيمة في
المتقوم (٤) .
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢١٥، مطالب أولي
النهى ٣ / ٥٠٢ .
(٢) بلغة السالك ٢ / ١٦٨، بداية المجتهد ٢ / ٢٥٥،
الفروع ٢ / ٧٢٧ .
(٣) المغني لابن قدامة ٥ / ٣٣، الفروع ٢ / ٧٢٧ ،
بدائع الصنائع. فتح القدير ٣٤/٥، رد المحتار ٣ / ٣٦٢.
(٤) فتح القدير ٥ / ٣٤، مجمع الأنهر ٢ / ٤٣٩.
- ٥٧ -
شركة العقد ٥٧ - ٥٨
٥٧ - وبناء على عدم اشتراط النضوض ، إذا
اتفق إن كان المال عروضا عندما انتهت
الشركة ، فإن للشريكين أن يفعلا
ما يريانه : من قسمته ، أو بيعه وقسمة
ثمنه . فإن اختلفا ، فأراد أحدهما القسمة ،
وآثر الآخر البيع ، أجيب طالب القسمة ،
لأنها تحقق لكل منهما ما يستحقه أصلا
وربحا ، دون حاجة إلی تکلف مزید من
التصرفات . ومن هنا يفارق الشريك
المضارب ، إذ المضارب إنما يظهر حقه
بالبيع . فإذا طلبه أجيب إليه . هكذا قرره
الحنابلة (١)
أما المالکیة - عدا ابن رشد وحفيده ومن
تابعهما - فعندهم أن عقد الشركة عقد لازم .
ويستمر هذا اللزوم إلى أن ينض المال ،
أو يتم العمل الذي تقبل ، وقد استظهر
بعض الحنابلة القول عندهم أيضا بلزوم
شركة الأعمال بعد التقبل (٢).
ج - يد الشريك يد أمانة :
٥٨ - اتفق الفقهاء على أن يد الشريك يد
أمانة بالنسبة لمال الشركة ، أيا كان نوعها .
٢
(١) المغني لابن قدامة ٥ / ١٣٣، ١٣٤.
(٢) فتح القدير ٥ / ٢٧، مجمع الأشهر ٢ / ٥٨٠ بلغة
السالك ٢ / ١٦٥، الفواكه الدواني ٢ / ١٨٢،
الخرشي على خليل ٤ / ٢٥٥، ٢٦٧، مطالب أولي
النهى ٣ / ٥٤٧ .
لأنه كالوديعة مال مقبوض بإذن مالكه ، لا
ليستوفي بدله ، ولا یستوثق به (١).
والقاعدة في الأمانات أنها لا تضمن إلا
بالتعدي أو التقصير، وإذن فما لم يتعد
الشريك أو يقصر، فإنه لا يضمن حصة
شريكه ، ولو ضاع مال الشركة أو تلف .
ويصدق بيمينه في مقدار الربح والخسارة ،
وضياع المال أو تلفه كلا أو بعضا ، ودعوى
دفعه إلی شریکه (٢).
٢٥٨- ومن النتائج المترتبة على أمانة
الشريك ، وقبول قوله بيمينه في مقدار الربح
والخسارة ، والذاهب والمتبقي ، أنه - کسائر
الأمناء ، مثل الوصي وناظر الوقف - لا يلزمه
أن يقدم حسابا مفصلا . فحسبه أن يقول
على الإِجمال : لم يبق عندي من رأس مال
الشركة إلا كذا ، أو تجشمت من الخسارة
كذا ، أو لم أصب من الربح إلا كذا . فإن
قبل منه فذاك ، وإلا حلف ، ولا مزید .
هكذا أفتى قارىء الهداية ، وأطلق
(١) تبيين الحقائق ٥ / ٦٤، الخرشي على خليل ٤ / ٢٦٢،
مطالب أولي النهى ٣ / ٥٠٣ ، أشباه السيوطي ٢٨٣ ،
غواعد ابن رجب ٦٧، رد المحتار ٤ / ٥٠٥ ، بلغة
السالك ٢ / ١٦٩، ١٧٠، دليل الطالب ١٤٣،
الفروع ٢ / ٧٢٧، نهاية المحتاج ، ٥ / ١٢ مغني
المحتاج ٢ / ٢١٦، البجيرمي على المنهج ٣ / ٢٩٧.
(٢) رد المحتار ٣ / ٣٥٦، ٣٥٧، الإتحاف بأشباه
ابن نجيم ٣٣٨ .
- ٥٨ -
شركة العقد ٥٨
الفتوى ولكنهم قيدوها من الناحية القضائية -
بما إذا كان الأمين معروفا بالأمانة في واقع
الأمر، وإلا فإنه يطالب بالتفصيل ويهدده
القاضي إن لم يفعل . بيد أنه إن أصر على
الإِجمال فلا سبيل عليه وراء يمينه (١).
وهكذا يقول الشافعية ، إذ ينصون على
أن الشريك إذا ادعيت علیه خيانة فالأصل
عدمها (٢).
ومن التعدي : مخالفة نهي شریکه : فإن
کل ما للشريك فعله من کیفیات التصرف إذا
نهاه عنه شريكه امتنع عليه - فإذا خالفه
ضمن حصة شريكه : كما لو قال له : لا
تركب البحر بمال التجارة ، فركب ، أو لا
تبع إلا نقدا ، فباع نسيئة (٣).
وهذا هو الذي قرره الحنابلة : إذ
يقولون : إن لم يكن للشريك بيع النسيئة
فباعه ، كان البيع باطلا ، لأنه وقع بلا
إذن - إلا إذا جرينا على أن بيع الفضولي
موقوف ، فیکون موقوفا ، وإن كان ظاهر
كلام الخرقي - منهم الصحة مع الضمان - إلا
أنه ضمان الثمن ، بخلافه في قول البطلان ،
(١) رد المحتار ٣ / ٣٥٧، ٤٣٨، الإتحاف بأشباه ابن نجيم
٣٣٧، رد المحتار ٣ / ٣٥٧ .
(٢) المهذب ١ / ٣٤٥، بداية المجتهد ٢ / ٢٨٠، المغني
والشرح الكبير ٥ / ١٢٩ .
(٣) وانظر استدراك ابن عابدين عليه في المسألة الأولي ، دون .
جدوى ( رد المحتار ٣ / ٣٥٧).
فإنه ضمان القيمة ، ويحتمل أن يكون الضمان
هو ضمان القيمة على كل حال - لأنه لم يفت
من المال سواها (١).
ومن التعدي أن يحمل نصيب شريكه
حتی یموت ، فإن مات دون أن یبین حال
نصيب شريكه : هل استوفاه شريكه ، أو
ضاع ، أو تلف بتعد ، أو بدونه ، أم لا؟
وهل هو عين عنده أم عند غيره أم ديون على
الناس ؟ فإنه إذن يكون مضمونا عليه في مال
تركته - إلا إذا عرفه الوارث ، وبرهن على
معرفته إياه ، وبين حاله بما ينفي ضمانه .
وهذا هو مفاد قول ابن نجيم في الأشباه :
( ومعنی موتہ مجھلا ، أن لا یبین حال
الأمانة ، وكان يعلم أن وارثه لا
يعلمها )) (٢).
وقد عبر الشافعية والحنابلة عن التجهيل
المذكور بترك الإيصاء . لكنهم فيه أشد من
الحنفية : إذ لا يعفى الشريك من الضمان
عندهم أن یوصي إلی وارثه بما لديه لشریکه ،
بل لا بد أن تكون الوصية إلى القاضي ، فإن
لم يكن فإلى أمين مع الإِشهاد عليها (٣).
أما المالكية فكالحنفية إلا أنهم يسقطون
الضمان بمضي عشر سنين ، ويقولون يحمل
(١) المغني لابن قدامة ٥ / ١٥٠، ١٥١.
(٢) الإتحاف بأشباه ابن نجيم ٤١٥ .
(٣) البجيرمي على المنهج ٣ / ٢٩٣، الفروع ٢ / ٧٨٧ .
- ٥٩ -
شركة العقد ٥٨ - ٦٠
علی أنه رد المال ، إذا كان أخذه بدون بينة
توثيق (١).
د - استحقاق الربح :
٥٩ - لا يستحق الربح إلا بالمال أو العمل أو
الضمان ؛ فهو يستحق بالمال ، لأنه ناؤه
فیکون لمالكه . ومن هنا استحقه رب المال في
ربح المضاربة . وهو يستحق بالعمل حين
يكون العمل : سببه : كنصيب المضارب في
ربح المضاربة ، اعتباراً بالإِجارة .
ويستحق بالضمان كما في شركة الوجوه .
لقوله صلوات الله وسلامه عليه: ((الخراج
بالضمان)) أو ((الغلة بالضمان)) (٢) أي من
ضمن شيئا فله غلته . ولذا ساغ للشخص
أن يتقبل العمل من الأعمال كخياطة ثوب -
ويتعهد بإنجازه لقاء أجر معلوم ثم يتفق مع
آخر على القيام بهذا العمل بأجر أقل من
الأجر الأول ، ویربح هو فرق ما بينهما حلالا
طیبا ۔ لمجرد أنه ضمن العمل ، دون أن يقوم
به : وعسی أن لا یکون له مال أصلا .
فإذا لم يوجد أحد هذه الأسباب الثلاثة ،
التي لا يستحق الربح إلا بواحد منها ، لم
(١) الخرشي علي خليل ٤ / ٣٢٩، بلغة السالك
٢ /٢٠٣.
(٢) حديث : ( الخراج بالضمان ) أخرجه أبو داود
(٣ / ٧٨٠ - تحقیق عزت عبید دعاس ) من حديث
عائشة ، وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير
(٣ / ٢٢ - ط شركة الطباعة الفنية).
يكن ثم سبيل إليه . ولذا لا يستقيم أن يقول
شخص لآخر : تصرف في مالك على أن
یکون الربح لي ، أو على أن يكون الربح
بيننا - فإن هذا عبث من العبث عند جميع
أهل الفقه ، والربح كله لرب المال دون {
مزاحم (١).
٦٠ - وفي شركتي الأموال ( المفاوضة والعنان )
مال وعمل عادة .. والربح في شركة المفاوضة
دائما على التساوي كما علمناه . أما في شركة
العنان : فالربح بحسب المالين ، إذا رأى
الشريكان إغفال النظر إلى العمل ، ولهما أن
يجعلا لشرط العمل قسطا من الربح يستأثر
به ـ زائدا عما يستحقه في الربح بمقتضى
حصته في رأس المال - من شرط عليه أن
يعمل في الشركة : لئلا يكون قد استحقه بلا
مال ولا عمل ولا ضمان : سواء أشرط على
شريكه أن يعمل أيضا أم لا ، وسواء عمل
هو بمقتضى الشرط أم لا ، لأن المناط هو
اشتراط العمل ، لا وجوده .
ومن هنا كان سائغا في شركة العنان أن
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٢، فتح القدير ٥ / ٣١،
حواشي تحفة ابن عاصم ٢ / ٢١٤ نهاية
المحتاج ٦ / ٨، رد المحتار ٣ / ٣٥٢ بلغة السالك
٢ / ٧٠، الفواكه الدواني ٢ / ١٧٣، مغني المحتاج
٢ / ٢١٥، الشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٢ ،
الباجوري على ابن قاسم ١ / ٤٠٠ . المغني لابن قدامة
٥ / ١٤٠.
- ٦٠ -
...