Indexed OCR Text
Pages 221-240
سَلَم ٣٢ - ٣٣ ٠٠ ذلك جائز، إذ يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب )) (١). قال ابن جزى: ((من أسلم في طعام لم يجز له أن يأخذ عنه غير طعام ، ولا أن يأخذ طعاما من جنس آخر، سواء كان ذلك قبل الأجل أو بعده ، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه . فإن أسلم في غير طعام جاز أن يأخذ غيره إذا قبض الجنس الآخر مكانه . فإن تأخر القبض عن العقد لم يجز لمصيره إلی الدین بالدین . ويجوز أن يأخذ طعاما من نوع آخر مع اتفاق الجنس کزبیب أبیض عن أسود ، إلا إن کان أحدهما أجود من الآخر أو أدنى ، فيجوز بعد الأجل ، لأنه من الرفق والمسامحة ولا يجوز قبله ، لأنه في الدون وضع على التعجيل ، وفي الأجود عوض عن الضمان)) وقال بعد ذلك: (( يجوز بيع العوض المسلم فیه قبل قبضه من بائعه بمثل ثمنه أو أقل لا أكثر، لأنه يتهم في الأكثر بسلف جرّ منفعة . ويجوز بيعه من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يدا بيد ، ولا يجوز بالتأخير للغرر، لأنه انتقال من ذمة إلى ذمة ، ولو كان البيع الأول نقدا لجاز)) (٢). (١) شرح اخرشي ٢٢٧/٥ (٢) القوانين الفقهية (ط - الدار العربية للكتاب بتونس ) ص ٢٧٤، ٢٧٥ . ج - إيفاء المسلم فيه : ٣٣ - اتفق الفقهاء على أنه إذا حل أجل السلم المتفق عليه في العقد ، وجب على المسلم إليه إيفاء الدين المسلم فيه . فإن جاء به وفق الصفات المشروطة المبينة في العقد وجب على المسلم قبوله (١) (( لأنه أتاه بحقه في محله ، فلزمه قبوله ، كالمبيع المعين ، سواء كان عليه في قبضه ضرر أو لم يكن . فإن أبى قيل له : إما أن تقبض حقك ، وإما أن تبرىء منه . فإن امتنع قبضه الحاكم من المسلم إليه للمسلم ، وبرئت ذمته منه ، لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته (٢). أما قبل حلول الأجل ، فلا يخفى أنه ليس للمسلم مطالبة المسلم إليه بالدين المسلم فيه (٣). ولكن إذا أتى به المسلم إليه قبل الأجل ، وامتنع المسلم من قبوله ، فهل يجبر على أخذه أم لا ؟ اختلف الفقهاء في ذلك علی قولین : (١) روضة الطالبين ٣٠،٢٩/٤. (٢) المغني ٣٣٩/٤، وانظر كشاف القناع ٢٨٨/٣ وما بعدها . (٣) روضة الطالبین ٤/ ٣٠ - ٢٢١ - سَلَم ٣٣ - ٣٤ أ - قال الشافعية والحنابلة : إذا أتى به المسلم إليه قبل محله ، فينظر فيه : فإن کان مما في قبضه قبل محله ضرر ۔ على المسلم - ، إما لكونه مما يتغير، كالفاكهة ، والأطعمة كلها ، أو كان قدیمه دون حديثه ، كالحبوب ونحوها ، لم يلزم المسلم قبوله ، لأن له غرضا في تأخيره ، بأن يحتاج إلی أکله أو إطعامه في ذلك الوقت . وكذلك الحيوان ، لأنه لا يأمن تلفه ، ويحتاج إلى الإنفاق علیه إلى ذلك الوقت ، وربما يحتاج إليه في ذلك الوقت دون ما قبله . وهذا إن كان مما يحتاج في حفظه إلى مؤنة ، كالقطن ونحوه ، أو کان الوقت مخوفا يخشی نهب ما يقبضه ، فلا يلزمه الأخذ في هذه الأحوال كلها ، لأن عليه ضررا في قبضه ، ولم يأت محل استحقاقه له ، فجری مجری نقص صفة فيه . وإن کان مما لا ضرر في قبضه . بأن يكون مما لا يتغير، كالحديد والرصاص والنحاس ، فإنه يستوى قديمه وحديثه ، ونحو ذلك الزيت والعسل ، ولا في قبضه ضرر لخوف ولا تحمل مؤنة ، فعليه قبضه ، لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجيل المنفعة ، فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل . وصرح الشافعية بأنه إذا لم یکن للمسلم غرض في الامتناع وکان للمسلم إليه غرض آخر سوى براءة الذمة بأن كان بالمسلم فيه رهن أو كفيل أجبر المسلم على القبول على المذهب وإلا فقولان أصحهما يجبر (١). ب - وقال المالكية: ((إذا دفع المسلم فيه قبل الأجل ، جاز قبوله ، ولم يلزم . وألزم المتأخرون قبوله في اليوم واليومين)) (٢). ٣٤ - ولو أحضر المسلم إليه الدين المسلم فيه على الصفة المشروطة بعد محل الأجل . فقال الحنابلة : يلزمه قبضه ، كما لو أحضر البائع المبيع المعين بعد تفرقهما (٣). وقال المالكية: ((اختلف في ذلك أصحاب مالك ، فروى عنه أنه يلزمه قبضه ، مثل أن يسلم في قطائف الشتاء (٤) (١) المغني لابن قدامة ٣٣٩/٤، وانظر روضة الطالبين ٤ /٣٠، شرح منتهى الإرادات ٢١٩/٢. (٢) القوانين الفقهية ص ٢٧٥، وانظر بداية المجتهد ٢٣٢/٢، المنتقى للباجي ٣٠٤/٤، المدونة ٤٣/٩. (٣) المغني ٣٣٩/٤، شرح منتهى الإرادات ٢١٩/٢، كشاف القناع ٢٨٨/٣ . (٤) جمع قطيفة : وهي دثار مخمل - ٢٢٢ - سَلَم ٣٤ فيأتي بها في الصيف ، وقال ابن وهب وجماعة : لا يلزمه ذلك (١). وقد أوضح ابن رشد الحفيد منشأ الخلاف في المسألة بأن من لم يلزمه بقبضه بعد الأجل رأى أن المقصود من العروض إنما كان وقت الأجل لا غيره . أما من أجاز ذلك وألزمه بقبضه فقد شبههه بالدنانير والدراهم (٢). أما إذا أتی المسلم إلیه بالمسلم فيه في محله على غير الصفة المشروطة في العقد ، فينظر : فإن أحضره بجنسه ونوعه ، ولکن على صفة دون صفته المشروطة جاز للمسلم قبوله ، لكنه لا يلزمه ، لأن فيه إسقاطا لحقه ، فلا يجب عليه أخذه. وإن أحضره بجنسه ونوعه ، وبصفة أجود من الموصوف ، لزمه قبوله ، لأنه أتى بما تناوله العقد ، وزيادة تابعة له ، فينفعه ولا يضره ، إذ لم يفته غرض (٣). وإن أتى بنوع آخر من نفس الجنس ، کأن أسلم بتمر خضری ، فأحضر البرنی ، أو في ثوب هروى ، فأتى بمروى فعند الشافعية ثلاثة أوجه (١) بداية المجتهد ٢٣٢/٢ (٢) بداية المجتهد ٢٣٣/٢ (٣) روضة الطالبين ٢٩/٤، المغني ٣٤٠/٤، شرح منتهى الإِرادات ٢١٧/٢ . قال النووى: ((أصحها : يحرم قبوله . والثاني: يجب. والثالث: يجوز ((قال المحلى لأنه يشبه الاعتياض عنه أى الاعتياض عن ربوى بجنسه مع تأخير التسليم (١) . وقال الحنابلة : « لا يلزمه قبوله ، لأن العقد تناول ما وصفناه على الصفة التى شرطاها ، وقد فات بعض الصفات ، فإن النوع صفة ، وقد فات ، فأشبه ما لو فات غيره من الصفات . وقال أبو يعلى : يلزمه قبوله ، لأنهما جنس واحد يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة ، فأشبه الزيادة في الصفة مع اتفاق النوع)) (٢). أما المعيار الذى يحتكم إليه في حد الصفة الواجب توفره في المسلم فيه فقد بينه ابن قدامة بقوله: ( وليس له - أى : للمسلم - إلا أقل ما تقع عليه الصفة ، لأنه إذا أسلم إليه ذلك ، فقد سلم إليه ماتناوله العقد ، فبرئت ذمته منه (٣). (١) روضة الطالبين ٣٠/٤، القليوبي على شرح المحلى للمنهاج ٢٥٥/٢. (٢) المغني ٣٤٠/٤، وانظر شرح منتهى الإرادات ٢١٧/٢ (٣) المغني ٣٤١/٤، وانظر شرح منتهى الإرادات ٢٢٠/٢، كشاف القناع ٢٨٩/٣. - ٢٢٣ - سَلَم ٣٥ - ٣٦ ٣۵ ۔ وحیث وجب على المسلم إليه تسلیم الدین المسلم فيه في مکان معین ، فإن جاء به فيه لم يكن للمسلم الامتناع عن تسلمه فيه . فإن شاء المسلم إليه أداءه في غيره فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : أ - فقال الحنفية والمالكية والحنابلة : لايلزم المسلم قبوله بغير محله ، ولو خفّ حمله ، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان المعين ، ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين لأنهما بمنزلة الأجلين . وقد جاء في البدائع : ولو سلم في غیر المكان المشروط ، فلرب السلم أن يأبى لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون على شروطهم)) (١). فإن أعطاه على ذلك أجرا ، لم يجز له أخذ الأجر عليه ، لأنه لما قبض المسلم فيه فقد تعين ملكه في المقبوض ، فتبين أنه أخذ الأجر على نقل ملكه ، فلم يجز، فيرد الأجر، وله أن يرد المسلم فيه حتى يسلم في المكان المشروط ، لأن حقه في التسليم فيه ، ولم يرض ببطلان حقه إلا (١) حديث: ((المسلمون على شروطهم)). أخرجه أبو داود (٤ / ٢٠ - تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث أبي هريرة ، وفي إسناده مقال ، ولکن أورد له ابن حجر فى التغليق (٢٨٢/٣ - ط المكتب الإسلامي) ما يقويه . بعوض ، ولم يسلم له ، فبقى حقه في التسليم في المكان المشروط (١). ب- وقال الشافعية : (إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه في غير مكان التسليم فامتنع المستحق من أخذه ، فإن كان لنقله مؤنة ، أو كان الموضع مخوفاً ، لم يجبر. وإلا فوجهان بناء على القولين في التعجيل قبل المحل . فلو رضي وأخذه ، لم يكن له أن يكلفه مؤنة النقل . قال النووى : قلت : أصحهما إجباره) (٢). د - تعذر المسلم فيه عند حلول الأجل: ٣٦ - إذا انقطع المسلم فيه عند حلول الأجل ، بحيث تعذر على المسلم إليه إيفاؤه للمسلم فى وقته ، فقد اختلف الفقهاء فيما يترتب على ذلك من أحكام على ثلاثة مذاهب : أ - فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنه يخير رب السلم بين أن يصبر إلى وجوده ، (١) بدائع الصنائع ٢١٣/٥، الخرشي ٢٢٨/٥، القوانين الفقهية ص ٢٧٥، وانظر المدونة ٤٢/٩ (مطبعة السعادة ١٣٢٣ هـ)، وانظر كشاف القناع ٢٩٢/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢. (٢) روضة الطالبين ٣١/٤ . - ٢٢٤ - سَلَم ٣٦ فيطالب به عنده ، وبين أن يفسخ السلم ويرجع برأس ماله إن وجد ، أو عوضه إن عدم ، لتعذر رده . قال صاحب الهداية ((لأن السلم قد صح ، والعجز طارىء على شرف الزوال ، فصار كإياق المبيع قبل القبض)) . وقال ابن رشد الحفيد: ((وحجتهما أنَّ العقد وقع على موصوف في الذمة ، فهو باق على أصله ، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة ، وإنما هو شىء شرطه المسلم ، فهو في ذلك بالخيار)) (١). وقد ذكر النووى ضابط الانقطاع بقوله : « فإذا لم يوجد المسلم فيه أصلا ، بأن كان ذلك الشىء ينشأ بتلك البلدة ، فأصابته جائحة مستأصلة ، فهذا انقطاع حقيقى . ولو وجد في غیر ذلك البلد ، لكن يفسد بنقله ، أو لم يوجد إلا عند قوم امتنعوا من بیعه ، فهو انقطاع . ولو کانوا یبیعونه بثمن غال ، فليس بانقطاع ، بل يجب تحصيله . ولو أمكن نقله ، وجب إن كان قريباً )) (٢). (١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٠، كشاف القناع ٢٩٠/٣، القوانين الفقهية ص ٢٧٥، بداية المجتهد ٢٣٠/٢، الخرشي ٢٢١/٥، المغني ٣٢٦/٤، الهداية مع فتح القدير والعناية ٢١٤/٦، المهذب ٣٠٩/١ ، روضة الطالبين ٤ / ١١ . (٢) روضة الطالبين ١٢/٤ . ب - وقال زفر وأشهب والشافعي في قول : ینفسخ السلم ضرورة ، ويسترد رب السلم رأس المال ، ولا يجوز التأخير. قال ابن رشد معللا رأى أشهب : «وكأنه رآه من باب الكالىء بالکالیء» . وقال الشيرازى معللاً قول الشافعى هذا: ((لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام ، وقد هلكت ، فانفسخ العقد ، كما لو اشترى قفیزا من صبرة ، فهلكت الصبرة )) . وهي نفس حجة زفر التى حكاها ابن الهمام مبسوطة أن البطلان للعجز عن التسليم قبل القبض ، فصار كما لو هلك المبيع قبل القبض في المبيع المعين ، فإن الشىء كما لايثبت في غير محله ، لا یبقی عند فواته ، كما لو اشترى بفلوس ، ثم كسدت قبل القبض ، يبطل العقد ، فكذا هنا (١) . ج - وقال سحنون : ليس لرب السلم فسخ السلم ، وإنما له أن يصبر إلى القابل (٢). (١) الهداية مع العناية وفتح القدير ٢١٤/٦، القوانين الفقهية ص ٢٧٥، المهذب ٣٠٩/١، بداية المجتهد ٢٣٠/٢، روضة الطالبين ١١/٤. (٢) القوانين الفقهية ص ٢٧٥، بداية المجتهد ٢٣٠/٢. - ٢٢٥ - سَلَم ٣٧ هـ - الإِقالة في السلم : ٣٧ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الإقالة في السلم . فإذا أقاله رب السلم وجب على المسلم إليه رد الثمن إن كان باقيا ، أو مثله إن كان مثليا ، أو قيمته إن كان قيميا إذا لم یکن باقيا . قال ابن المنذر، أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة (١). ويراجع مصطلح ( إقالة ) . ولو اتفق العاقدان بعد الإِقالة على أن يعطي المسلم إلیه رب السلم عوضا عن رأس المال من الأعيان أو الأثمان ، فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على قولين : أ - فذهب الحنفية ومالك وأصحابه وبعض الحنابلة إلى أنه لا يجوز ذلك (٢). ودليل أبي حنيفة قول النبي مثل: ((من (١) المغني ٣٣٦/٤، ٣٣٧، المهذب ٣٠٩/١، المدونة ٦٩/٩ (مطبعة السعادة ١٣٢٣ هـ)، بدائع الصنائع ٢١٤/٥، بداية المجتهد ٢٣١/٢، شرح منتهى الإرادات ٢٢٣/٢، المنتقى ٣٠٢/٤ . (٢) رد المحتار ٢٠٩/٤ (بولاق ١٢٧٢ هـ)، البدائع ٢٠٣/٥، بداية المجتهد ٢٣٢/٢، المغني ٣٣٧/٤ . أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره)) (١)، ولأن هذا مضمون على المسلم إليه بعقد السلم ، فلم يجز التصرف فيه قبل قبضه ، كما لو كان في يد المشترى (٢). وحجة مالك ((أن هذه الإقالة ذريعة إلى أن يجوز من ذلك ما لا يجوز)) (٣). ب - وذهب الشافعي والثوری وأبو يعلى من الحنابلة إلى جواز أخذ العوض عن المسلم فيه (٤) (( لأنه عوض مستقر في الذمة ، فجاز أخذ العوض عنه ، كما لو كان قرضا . ولأنه مال عاد إليه بفسخ العقد ، فجاز أخذ العوض عنه ، كالثمن في البيع إذا فسخ ، والمسلم فیه مضمون بالعقد ، وهذا مضمون بعد فسخه . والخبر أراد به المسلم فيه ، فلم يتناول هذا)) . قال ابن قدامة: (( فإن قلنا بهذا ، فحکمه حکم ما لو کان قرضا أو ثمنا في بيوع الأعيان لا يجوز جعله سلما في شيء آخر، لأنه یکون بیع دین بدین ، ويجوز فیه ما يجوز (١) حديث: ((من أسلم في شيء ، فلا يصرفه .... تقدم تخريجه ف ٣٠ . (٢) انظر المغني ٣٣٧/٤ . (٣) بداية المجتهد ٢٣٢/٢. (٤) المغني ٣٣٧/٤، بداية المجتهد ٢٣٢/٢، المهذب ٣٠٩/١. - ٢٢٦ - .......... ٠٠ سَلَم ٣٨ في القرض وأثمان البياعات إذا فسخت)(١). وقال الشیرازی: « فإن أراد أن يسلمه في شيء آخر، لم يجز؛ لأنه بیع دین بدين ، وإن أراد أن يشترى به عينا ، نظرت : فإن کان تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل القبض ، کما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينا بعين . وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا ، كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان ، أحدهما : يجوز أن يتفرقا من غير قبض ، کما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عينا بعين أن يتفرقا من غير قبض . والثاني : لا يجوز، لأن المبيع في الذمة ، فلا : يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه ، كالمسلم فيه)) (٢). و- توثيق الدين المسلم فيه : ٣٨ - لا يخفى أن توثيق الدين المسلم فيه یکون بأحد أمرين : أ - إما بتأكيد حق رب السلم في الدين المسلم فيه بالكتابة أو الشهادة ، لمنع المسلم إليه من الإِنكار وتذكيره عند النسيان ، (١) المغني ٤ /٣٣٧ . (٢) المهذب ٣٠٩/١. وللحيلولة ،دون ادعائه أقل من الدین المسلم فيه قدرا أو صفة ، ونحو ذلك . والتفصيل في مصطلح ( توثيق ) . ب - وإما بالكفالة والرهن . فقد اختلف الفقهاء في توثيق الدين المسلم فيه بالكفالة على أقوال : (١) ذهب الحنفية ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر إلى جواز ذلك . وهو رواية عن أحمد ورأى عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والحكم وغيرهم (١). قال الشافعي في الأم: ((السلم السلف ، وبذلك أقول : لا بأس فيه بالرهن والحميل ، لأنه بيع من البيوع ، وقد أمر الله جل ثناؤه بالرهن ، فأقل أمره تبارك وتعالى أن يكون إباحة له ، فالسلم بيع من البيوع )»(٢). ١ (٢) وذهب الحنابلة في المعتمد عندهم إلى أنه لا يصح أخذ رهن ولا كفيل عن المسلم إليه (٣) (( لأن الراهن إن أخذ برأس مال (١) القوانين الفقهية ص ٣٢٨، منح الجليل ٢٥٢/٣، رد المحتار ٢٦٣/٤، ٣١٨/٥، المغني ٣٤٢/٤، الأم ٩٤/٣ . (٢) الأم ٩٤/٣. (٣) شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢، المغني ٣٤٢/٤، كشاف القناع ٢٩٨/٣ . - ٢٢٧ - سَلَم ٣٨ - ٣٩ .... السلم الرهن والضمین ، فقد أخذ بما ليس بواجب ولا مآله إلی الوجوب ، لأن ذلك قد ملكه المسلم إليه . وإن أخذ بالمسلم فيه فالرهن إنما يجوز بشيء یمکن استيفاؤه من ثمن الرهن ، والمسلم فيه لايمكن استيفاؤه من الرهن ولا من ذمة الضامن . ولأنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان ، فیصیر مستوفیا حقه من غير المسلم فيه ، وقد قال النبي ◌َ ﴾ (( من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) (١) ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة المضمون عنه ، فیکون في حکم أخذ العوض والبدل عنه ، وهذا لا يجوز)» (٢). (٣) وروى عن علي وابن عمر وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والأوزاعي كراهة ذلك (٣). وقال ابن قدامة: (( إذا حكمنا بصحة ضمان السلم فلصاحب الحق مطالبة من شاء منهما ، وأيهما قضاه برئت ذمتهما منه ، فإن سلم المسلم إليه المسلم فيه إلى الضامن ليدفعه إلى المسلم جاز وكان وكيلا . وإن (١) حديث: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره )). تقدم تخريجه ف ٣٠ . (٢) المغني ٣٤٢/٤ (٣) المغني ٤ /٣٤٢، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢. قال : خذه عن الذى ضمنت عني لم يصح ، وكان قبضا فاسدا مضمونا عليه . لأنه إنما يستحق الأخذ بعد الوفاء ، فإن أوصله إلى المسلم برئ بذلك ، لأنه سلم إليه ما سلطه المسلم إليه في التصرف فيه ، وإن أتلفه فعليه ضمانه ، لأنه قبضه على ذلك))(١). وأيضا (( إن أخذ رهنا أو ضمينا بالمسلم فيه ، ثم تقايلا السلم ، أو فسخ العقد لتعذر المسلم فيه ، بطل الرهن ، لزوال الدين الذى به الرهن ، وبرئ الضامن . وعلى المسلم إلیه رد رأس مال السلم في الحال ، ولا يشترط قبضه في المجلس ، لأنه لیس بعوض)) (٢). ز- الاتفاق على تقسيط المسلم فيه على نجوم : ٣٩- إذا أسلم شخص في شيء واحد على أن يقبضه بالتقسيط في أوقات متفرقة أجزاء معلومة ، کسمن يأخذ بعضه في أول رجب وبعضه في أول رمضان وبعضه في منتصف شوال مثلا . (١) المغني ٣٤٣/٤ (٢) المغني ٤ /٣٤٢ وما بعدها . - ٢٢٨ - سَلَم ٣٩ فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على ثلاثة أقوال : أ - فذهب المالكية والشافعية في الأظهر إلى أنه يصح ذلك. ((لأن كل ما جاز أن یکون في الذمة إلى أجل ، جاز أن یکون إلى أجلين وآجال كالأثمان في بيوع الأعيان)»(١). ب- وذهب الشافعي في قول ثان له إلى أنه لا يصح ذلك ((لأن ما يقابل أبعدهما أجلا أقل مما يقابل الآخر، وذلك مجهول ، فلم يجز)) (٢). ج - وذهب الحنابلة في المعتمد عندهم إلى التفصيل حيث قالوا: (( يصح أن يسلم في جنس واحد إلى أجلین ، کسمن یأخذ بعضه في رجب ، وبعضه في رمضان ، لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال إن بين قسط كل أجل وثمنه ، لأن الأجل الأبعد له زيادة وقع على الأقرب ، فما يقابله أقل . فاعتبر معرفة قسطه وثمنه . فإن لم يبينهما لم يصح .. ٠ ويصح أن يسلم في شيء كلحم وخبز (١) روضة الطالبين ١١/٤، أسنى المطالب ١٢٦/٢، المغني ٣٣٨/٤، الإشراف على مسائل الخلاف ٢٨٠/١، المهذب ٣٠٧/١. (٢) المهذب ٣٠٧/١ وعسل يأخذه كل يوم جزءا معلوما مطلقا ، أى سواء بين ثمن كل قسط أو لا ، لدعاء الحاجة إليه)). (( فإن قبض البعض مما أسلم فيه ليأخذ منه كل يوم قدرا معلوما ، وتعذر قبض الباقي ، رجع بقسطه من الثمن ، ولا يجعل الباقي فضلا على المقبوض ، لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء ، فقسط الثمن على أجزائه بالسوية. كما لو اتحد أجله)) (١). 0 (١) كشاف القناع ٢٨٦/٣، ٢٨٧، وانظر شرح منتهى الإرادات ٢١٨/٢، ٢١٩، المغني ٣٣٨/٤ . - ٢٢٩ - سلم ١ - ٣ سِلْم التعريف : ١ - السّلم : بفتح السين وكسرها : الصلح یذکر ويؤنث . والسلم : المسالم ، يقال : أنا سلم لمن سالمنى . والتسالم : التصالح ، والمسالمة : المصالحة . ويأتى السلم بمعنى الإِسلام ومنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ (١). قالوا : الإِسلام : إظهار الخضوع وإظهار الشريعة ، والتزام ما أتى به النبي حجر، وبذلك يحقن الدم ويستدفع المکروہ (٢). (١) سورة البقرة / ٢٠٨. (٢) لسان العرب ، المصباح المنير مادة: (سلم ) النهاية لابن = والسلم : في حقيقته الشرعية ، لايبعد عن حقيقته اللغوية ، ولذا قالوا : هو الصلح ، خلاف الحرب ، أو هو : ترك الجهاد مع الكافرين بشروطه (١). قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ- الهدنة : ٢ - المهادنة : المسالمة - وتسمى : الموادعة ، والمعاهدة . وشرعا : مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره (٣). ب - الأمان : ٣ - الأمان في اللغة : عدم توقع مكروه في الزمن الآتي . وشرعا : رفع استباحة دم الحربي ، ورقه ، وماله ، حين قتاله ، أو الغرم عليه ، = الأثير ٣٩٤/٢، الجامع لأحكام القرآن ٢٣/٣، فتح البارى ٧٥٨/٨ ط السلفية . (١) قواعد الفقه للمجددى / ٣٢٥، والمعجم الوسيط. (٢) سورة الأنفال / ٦١ . (٣) شرح روض الطالب ٣٢٤/٤ ط: المكتبة الإسلامية ، المغني ٤٥٩/٨ . - ٢٣٠ - سلم ٤ - ٩ مع استقراره تحت حكم الإِسلام مدة ما (١). ج - الذمة : ٤ - الذمة في اللغة : العهد والأمان . وعند الفقهاء : التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم ، والذب عنهم ، ببذل الجزية . الموسوعة ١٢١/٧ د - المعاهدة : ٥ - وهي المعاقدة والمحالفة . والمعاهد : من کان بينك وبينه عهد . قال ابن الأثير أكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة ، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما (٢). و- الموادعة : ٦ - وهي المصالحة والمسالمة على ترك الحرب والأذى ، وحقيقة الموادعة المتاركة ، أى يدع كل واحد منهما ما هو فيه (٣). الحكم الإجمالي : أولا : السلم بمعنى الإِسلام : (١) الحطاب ٣٦٠/٣ نقلا عن ابن عرفة . (٢) لسان العرب ، المصباح المنير. (٣) النهاية ١٦٧/٥ . ٧ - السّلم المطلق الذى يكون بأصل الملة . غیر ناشیء عن عقد ، ولا يكون إلا للمسلم بأصل النشأة ، أو بالدخول في الإِسلام . (ر: إسلام ) الموسوعة ٢٥٩/٤ - ٢٧٣. ثانيا : السلم بمعنى المصالحة : ٨ - وهو الذى يكون عقدا بين المسلمين وغيرهم من الكفار ويتنوع إلى أنواع : النوع الأول : ما كان مؤبدا . وهو عقد الذمة . والمقصود به : إقرار بعض الكفار على كفرهم في ديار الإسلام بشرط بذل الجزية ، والتزام أحكام الإِسلام الدنيوية . ولتفصيل ذلك انظر: ( أهل الذمة . الموسوعة ١٢٠/٧ -١٣٩ - جزية الموسوعة ١٥/ ١٤٩، ٢٠٧) النوع الثاني : ما كان مؤقتا . ويأتى في صورتين : الأولى : عقد الهدنة : ٩ - الأصل فيها : قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾ (١). (١) سورة الأنفال / ٦١ . - ٢٣١ - سلم ٩ - ١٠ وقد أجمع الفقهاء على جواز المهادنة متى كانت في ذلك مصلحة للمسلمين (١). لقوله تعالى : ﴿ فلا تهنوا وتَدعوا إلى السّلم وأنتم الأعلوْن﴾ (٢). فأما إذا لم يكن في الموادعة مصلحة فلا يجوز بالإجماع (٣). وقال صاحب روض الطالب : الأصل فيها - قبل الإِجماع - قوله تعالى: ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ (٤) وقوله : ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾ (٥). ومهادنته ◌َل قريشا عام الحديبية (٦) وهى جائزة لا واجبة (٧) . وقال ابن العربي : فإذا كان المسلمون على عزة ومنعة وقوة وجماعة عديدة وشدة شديدة فلا صلح . (١) الجامع لأحكام القرآن ٣٩/٨ - ٤١، المغني ٤٥٩/٨ ، حاشية الطحطاوى على الدر المختار ٤٤٣/٢، جواهر الإكلیل شرح مختصر خليل ٢٦٩/١ ، شرح روض الطالب من أسنى المطالب ٤ / ٢٢٤ . (٢) سورة محمد / ٣٥ . (٣) حاشية الطحطاوى ٤٤٣/٢. (٤) سورة التوبة /١ . (٥) سورة الأنفال / ٦١ . (٦) حديث: (( مهادنته قريشا عام الحديبية )) أخرجه البخارى ( فتح ٣١٢/٥ ط السلفية ) ومسلم (١٤٠٩/٣ - ١٤١٠ ط - الحلبي ) عن غير واحد من الصحابة . (٧) روض الطالب - ٢٢٤/٤. وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لنفع يحتلبونه ، أو ضرر يدفعونه فلا بأس أن يبتدىء المسلمون إذا احتاجوا إليه .. وقد صالح رسول الله ◌َفي أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم في عهد عمر وقد صالح الضمرێّ ، وأکیدر دومة ۔ وأهل نجران وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده . وما زالت الخلفاء والصحابة رضي الله عنهم على هذه السبيل (١) وانظر للتفصيل (هدنة، صلح، ومعاهدة). الصورة الثانية من عقد السّلم المؤقت : عقد الأمان ١٠ - وهو عقد غير لازم، قابل للنقض بشروطه، وحكمه الجواز مع شرط انتفاء الضرر - وإن لم يظهر المصلحة فيه على ما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة ، خلافا للحنفية الذين يشترطون : أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين . ومن الفروق الظاهرة بين عقد الأمان (١) القرطبي ٤٠/٨. - ٢٣٢ - سلم ١٠ - ١٢ وعقد الهدنة أنه لا تجوز الهدنة إلا بعقد الإِمام أو نائبه ، أما الأمان فإنه يجوز من الإِمام ومن جماعة من المسلمين ومن آحادهم ولو من امرأة عند جمهور الفقهاء . وقال ابن الماجشون من المالكية : إن أمان المرأة والعبد والصبي لا يجوز ابتداء ، ولكن إن وقع يمضي إن أمضاه الإِمام وإن شاء رده . وقد فصل الفقهاء أحكامه في أبواب السير والجهاد انظر مصطلح ( أمان ) من الموسوعة (٢٣٣/٦ - ٢٣٥) . الدعوة إلى السلم مع أهل الحرب : ١١ - الدعوة إلى السلم مع الكفار وموادعتهم ومهادنتهم من قبل إمام المسلمين جائزة إن كان فى ذلك مصلحة تعود على المسلمين . فقد ذكر الحنفية أن الإِمام إذا رأى أن يصالح أهل الحرب أو فريقا منهم وكان ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله تعالى : ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾ (١) ووادع رسول الله - وَ لجر - أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين (١). ولأن الموادعة جهاد معنی إذا كان خيرا للمسلمين لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل بهما ، ولا يقتصر الحكم على المدة المروية لتعدى المعنى إلى مازاد عليها ، بخلاف ما إذا لم تكن الموادعة خيرا ، لأنها ترك الجهاد صورة ومعنی ، وإن صالحهم مدة ثم رأی نقض الصلح أنفع نبذ إليهم وقاتلهم ، لأن المصلحة لما تبدلت کان النبذ جهادا وإيفاء العهد ترك الجهاد صورة ومعنى ولابد من النبذ تحرزا عن الغدر وقد قال عليه السلام فى العهود: (( وفاء لاغدر )) (٢) ولابد من اعتبار مدة يبلغ فيها خبر النبذ إلی جمیعهم ویکتفی في ذلك بمضى مدة يتمكن ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف بلاده ، لأن بذلك ينتفى الغدر (٣). ١٢ - ذكر المالكية والشافعية لذلك شروطا: (١) حديث: ((وادع رسول الله وَّي أهل مكة .. )) سبق تخريجه ف ٩ . (٢) حديث: ((وفاء لاغدر)) أخرجه أبو داود (١٩٠/٣ - تحقيق عزت عبيد الدعاس) والترمذى (١٤٣/٤ ط الحلبي) موقوفا على عمرو بن عبسه. وقال الترمذى: ((حسن صحيح)). (٣) الهداية مع فتح القدير ٢٩٣/٤ - ٢٩٤ ط الأميرية ، الاختيار ١٢٠/٤ - ١٢١ ط. المعرفة - حاشية الطحطاوى على الدر المختار ٢ / ٤٤٣ - ٤٤٤ ط بولاق ، ابن عابدين ٢٢٦/٣ ط المصرية - تبیین الحقائق ٢٤٥/٣ - ٢٤٦ ط الأميرية. (١) سورة الأنفال / ٦١ . - ٢٣٣ - سلم ١٢ - ١٣ الأول : أن يكون العاقد لها الإِمام أو نائبه بخلاف الأمان فإنه يصح ولو من آحاد الناس . الثاني : أن يكون ذلك لمصلحة كالعجز عن القتال مطلقا أو في الوقت ، مجانا أو بعوض ، فإن لم تظهر المصلحة بأن ظهر المسلمون عليهم لم يجز. الثالث : أن يخلو عقدها عن شرط فاسد وإلا لم يجز کشرط بقاء مسلم أسیر بأيديهم أو بقاء قرية للمسلمين خالية منهم وأن يأخذوا منا مالا إلا لخوف منهم فيجوز كل مامنع . الرابع : وهو المالكية خاصة : عدم تحديد مدتها بطول أو قصر بل يترك ذلك لاجتهاد الإِمام وبقدر الحاجة ولا یطیل لما قد يحدث من قوة الإِسلام (١). وخالف الشافعية في الشرط الرابع فهو عندهم كما في الروضة أن يقتصر على المدة المشروعة . ثم لا يخلو إما أن يكون بالمسلمين ضعف أو لا يكون . فإن لم يكن ورأى الإِمام (١) الدسوقي ٢٠٥/٢ - ٢٠٦ ط الفكر - الخرشي ١٥٠/٣ - ١٥١ ط بولاق، شرح الزرقاني ١٤٨/٣ - ١٤٩ ط ، الفكر، جواهر الإكليل ٢٦٩/١ ط . دار المعرفة . المصلحة في الهدنة هادن أربعة أشهر فأقل ولا يجوز أكثر من سنة قطعا ، ولا سنة على المذهب، ولا مابينهما وبين أربعة أشهر على الأظهر . وإن کان بالمسلمین ضعف جازت الزيادة إلى عشر سنين بحسب الحاجة ، ولا تجوز الزيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية ، استؤنف العقد (١). ١٣ - وجوز الحنابلة مهادنة الكفار عند المصلحة ولو بمال يدفعه المسلمون للكفار ضرورة مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر، لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال فكذا ، هنا وجاز تحمل صغار لدفع صغار أعظم منه وهو القتل أو الأسر وسبي الذرية المفضى إلى كفرهم . قال الزهرى: ((أرسل رسول الله - وَلـ ـ إلی عيينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان أو تخذّل بين الأحزاب ؟ فأرسل إليه عيينة إن (١) المهذب ٢٦٠/٢ - ٢٦١ ط حلب، روضة الطالبين ٣٣٤/١٠ - ٣٣٦ ط . المكتب الإسلامي ، حاشية القليوبي ٢٣٧/٤ - ٢٣٨ ط حلب ، الجمل على المنهج ٢٢٨/٥ - ٢٢٩ ط التراث. - ٢٣٤ - سلم ١٣ - ١٤ جعلت الشطر فعلت)) (١)، ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبى صل# . وأن تكون المدة فيها معلومة، لأن ما وجب تقديره وجب أن يكون معلوما کخیار الشرط،ولو فوق عشر سنین لأنها تجوز في أقل من عشر فجازت في أکثر منها كمدة الإِجارة ، ولأنه إنما جاز عقدها للمصلحة فحيث وجدت جاز عقدها تحصيلا للمصلحة ، وإن هادنهم مطلقا بأن لم يقيد بمدة لم يصح . لأن الإطلاق يقتضى التأبيد وذلك يفضى إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز أو هادنهم معلقا بمشيئة كما شئنا أو شئتم أو شاء فلان أو ما أقركم الله عليه لم يصح كالإِجارة ولجهالة المدة . ١٤ - قال القرطبي : واختلف العلماء في حكمها ، فقيل : إنها ناسخة لقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ (٢) لأن الله تعالی منع من المیل إلی الصلح إذا لم یکن بالمسلمين حاجة إلى الصلح . وقيل : منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها ﴾ . وقيل : هي محكمة . والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال . (١) حديث: ((أرسل رسول الله ﴿ إلى عيينة بن حصن .. )). أخرجه عبد الرزاق (٣٦٧/٥ - ٣٦٨ ط المجلس العلمي ) عن الزهري مرسلا . (٢) سورة الأنفال / ٦١ . وقيل : إن قوله تعالى ﴿ وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها ﴾ مخصوص في قوم بأعيانهم ، والأخرى عامة . فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة ، وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين (١). CON (١) تفسير القرطبي ٢٥٦/١٦. - ٢٣٥ - سَماد التعريف : ١ - السماد ما تسمد به الأرض ، من سمد الأرض : أی أصلحها بالسماد . وتسميد الأرض : أن يجعل فيها السماد . والسماد مايطرح في أصول الزرع والخضر من تراب وسرجين ، ونحو ذلك ليجود نباته . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوى (١). الحكم الإجمالي : أ - الحكم بطهارة السماد ونجاسته : ٢ - الأسمدة المتخذة من رجيع الحيوانات (١) لسان العرب ، المصباح المنير ( مادة: سمد ) ، وکشاف القناع للبهوتى ١٩٤/٦ - ط عالم الكتب ، مغني المحتاج ١١/٢. سماد ١ - ٢ التي لا يؤكل لحمها من غير الطيور لا خلاف بين الفقهاء في نجاستها . أما الأسمدة المتخذة من ذرق الطيور مما لا يؤكل لحمها ، وهي کل ذی مخلب کالشاهین والبازى ، فهي نجسة عند الجمهور . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى طهارتها (١). أما الأسمدة المتخذة من رجيع الحيوانات التي يؤكل لحمها فاختلفوا فيها . فذهب المالكية والحنابلة وزفر من الحنفية ورواية عن محمد أيضا إلى أنها طاهرة مطلقا ، سواء من الطيور أو سائر الحيوانات وهذا قول عند الشافعية أيضا ، أورده النووى في الروضة . وقيد المالكية طهارة سماد ما يؤكل لحمه بعدم أكله للنجاسات ، فإن أکل نجسا فسماده نجس عندهم أيضا (٢). والمذهب عند الشافعية وفي رواية عن أحمد أن رجيع جميع الحيوانات ، سواء المأكولة (١) ابن عابدين ٢١٤/١، الدسوقي ١٥١/١، جواهر الإكليل ٩/١، مغني المحتاج ٧٥/١، القليوبي ٧١٤/١، كشاف القناع ١٩٣/١. (٢) ابن عابدين ١٢٦/١، جواهر الإكليل ٩/١، ٢١٧، القليوبي وعميره ٧٠/١ ، كشاف القناع ١٩٤/١، المغني ٨٨/٢ . - ٢٣٦ - سماد ٣ - ٤ لحومها أم غير المأكولة من طيور أو غيرها نجس . وذهب الحنفية إلى مثل ذلك ما عدا زفر ومحمد إلا أنهم استثنوا ذرق ما يؤكل لحمه من الطيور لعموم البلوى وعدّوه من المعفو عنه (١). وهناك أقوال في المسألة ينظر تفصيلها في مصطلح (روث، عذرة، زبل، نجاسة). حکم التسميد بالنجاسة والأکل من ثمار الأشجار المسمدة بها : ٣ - ذهب المالكية والشافعية إلى أن من الطاهر الزرع الذی سقي بنجس أو نبت من بذر نجس وظاهره نجس فیغسل قبل أكله وإذا سنبل فحباته الخارجة طاهرة قطعا ولا حاجة إلى غسلها ، وهكذا القثاء والخيار وشبيههما يكون طاهرا ولا حاجة إلى غسله . واستثنى الشافعية روث الكلب والخنزير فلم یجیزوا التسميد بأى منهما . وذهب الحنفية إلى أنه يجوز التسميد بالنجاسات والزروع المسقية بالنجاسات لا تحرم ولا تكره . وظاهر مذهب الحنابلة تحرم الزروع والثمار (١) مغني المحتاج ٧٩/١، الاختيار ٣٤/١، المغني ٨٨/٢. التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها . لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنا نكرى أراضى رسول الله وله ونشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس ولأنه تترك أجزاء النبات بالنجاسة والاستحالة لا تطهر النجس عندهم . وقال ابن عقيل : يحتمل أن یکره ذلك ولا يحرم ولا یحکم بتنجیسها لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا ، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يدمل أرضه بالعرة ويقول : مكتل عرة مكتل برة والعرة عذرة الناس )). أهـ (١). ب - بيع السماد : ٤ - ذهب الحنفية إلى جواز بيع السماد سواء أكان من المأكولة لحومها أم من غيرها وکرهوا بيع العذرة ( رجيع بني آدم ) خالصة بخلاف ما خلط منها بالتراب أو الرماد فلا كراهة . وفصل ( المالكية والحنابلة ) في المسألة وقالوا : بجواز بيع الزبل والسِّرقين والأسمدة (١) ابن عابدين ٢١٧/٥، بدائع الصنائع ١٤٤/٥، الفتاوى الهندية ١١٦/٣، جواهر الإكليل ١٢/١٠/١، حاشية الجمل ٨٦/٢، المجموع شرح المهذب ٥٧٣/٢، المغني ٥٩٤/٨، ٢٨٣/٤، وكشاف القناع ١٩٤/٦ . - ٢٣٧ - سماد ٤ - ٥ الطاهرة كخرء الحمام ، وخثى البقر وبعر الإِبل ونحوها . أما الأسمدة النجسة فيحرم بيعها عند الحنابلة لقوله وسلم: ((إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) (١) وهذا ظاهر مذهب المالكية أيضا حيث أوردوا في باب البيع : أنه لا يصح بيع ما هو نجاسة أصلية أو لا يمكن طهارته کزبل من غير مباح وذلك لاشتراطهم الطهارة فى البيع لكن العمل عند المالكية على جواز بيع الزبل ( الأسمدة ) غير المتخذة من عذرة بني آدم وذلك للضرورة . أما الشافعية فقد ذهبوا إلى عدم جواز بيع الأسمدة مطلقا سواء أكانت من المأكول اللحم أم من غیرہ لأنه نجس ولا یصح بيع النجس سواء أمكن تطهيره بالاستحالة كجلد الميتة أم لم يمكن تطهيره كسرجين وأسمدة وغيرها (٢). ( ر: نجاسة ). (١) حديث: ((إن الله إذا حرم على قوم ..... )) أخرجه أبو داود (٧٥٨/٣ - تحقیق عزت عبيد دعاس) من حديث ابن عباس وإسناده صحيح . (٢) ابن عابدين ٢٤٦/٥، ٢٤٧، الدسوقي ١٠/٣، كشاف القناع ١٥٦/٣، الحطاب ٢٦٠/٤، أسنى المطالب ٨/٢، الروضة ٣٤٨/٣، المغني ٢٨٣/٤، الفتاوى الهندية ١١٦/٣، بدائع الصنائع ١٤٤/٥. ج - السماد في المزارعة أو المساقاة ونحوها : ٥ ۔ ذهب الجمهور إلی أن کل شرط لیس من أعمال الزراعة إذا اشترطه المالك يفسد المزارعة ومن ذلك تسميد الأرض بالزبل فشراء ذلك على رب المال لأنه ليس من العمل فجرى مجری ما يلقح به ، وتفریق ذلك في الأرض على العامل كالتلقيح . فإن شرطا ذلك كان تأکیدا . أما إن شرط على أحدهما شيئا مما يلزم الآخر كاشتراط شراء السماد على العامل ، فقال القاضي وأبو الخطاب لا يجوز ذلك لأنه شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال . وزاد الحنفية قولهم کل شرط ینتفع به رب الأرض بعد انقضاء المدة يفسدها كطرح السرقين ( السماد ) في الأرض (١). (١) المغني ٤٠٢/٥، نهاية المحتاج ٢٥٤/٥، الاختيار ٧٨/٣ - ط دار المعرفة - بيروت . - ٢٣٨ - سماع ١ - ٣ ..... سَماع التعريف : ١ - السماع : مصدر سمع ، وسمع له يسمع سَمعا وسِمعا وسماعا ومن معانية : أ - الإِدراك: يقال : سمع الصوت سماعا إذا أدركه بحاسة السمع فهو سامع ، ومنه السماع بمعنى استماع الغناء والآلات المطربة وقد يطلق على الغناء ذاته (١). ب - ومنها الإِجابة : كما في أدعية الصلاة: ((سمع الله لمن حمده)) أى : أجاب من حمده وتقبله منه . ج - ومنها الفهم: يقال: «سمعت كلامه إذا فهمت معنى لفظه)) . د - القبول : مثل سمع عذره إذا قبل ، (١) النهاية ولسان العرب وتاج العروس والمصباح . وسمع القاضي البينة قبلها ، وسمع الدعوى لم يردها (١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحى عن هذه المعانى اللغوية . الألفاظ ذات الصلة : أ- الاستماع : ٢ - السماع یکون بقصد وبغير قصد في حین لا یکون الاستماع إلابقصد ، ویکون السماع اسما للمسموع فيقال للغناء سماع (٢). ب - الإنصات : ٣ - الإِنصات هو السكوت وترك اللغو من أجل السماع والاستماع (ر: استماع) ، وقد أورد الله تعالى الكلمتين بهذا المعنى في قوله - جل ذكره - : ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (٣) والمعنى حسبما نص على ذلك أهل اللغة والتفسير -: ((إذا قرأ الإِمام فاستمعوا إلى قراءته ولا تتكلموا)» (٤) کما وردتا معا في أحاديث نبوية كثيرة ، ووردتا كذلك في قول عثمان بن عفان ۔ فیما رواه مالك ۔إذا (١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤٠١/٢، ولسان العرب ، والمصباح المنير، وتاج العروس . (٢) الفروق للعسكرى ص ٧٠ . (٣) سورة الأعراف / ٢٠٤. (٤) لسان العرب . - ٢٣٩ - : سماع ٤ - ٦ قام الإِمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا (١). ج - الإصغاء : ٤ - هو أن يجمع إلى حسن السماع الاستماع مبالغة في الإِنصات ، لما تتضمنه هذه الصيغة من دلالة على أن المستمع قد أمال سمعه أو أذنه إلى المتكلم أو مصدر الصوت حتى ينقطع عن كل شيء يشغله عنه (٢). د - الغناء : ٥ - الغناء بالمد - لغة : صوت مرتفع متوال ، وقال ابن سيده : الغناء - من الصوت ما طرب به . واصطلاحا : عرفه القرطبى في كتابه : كشف القناع : أنه رفع الصوت بالشعر وما يقاربه من الرجز على نحو مخصوص (٣). فالغناء نوع من السماع . (١) أثر (إذا قام الإِمام بخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا) . أخرجه مالك من حديث عثمان بن عفان موقوفا عليه (الموطأ ١٠٤/١ ط عيسى الحلبى). (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر . (٣) الإِمتاع بأحكام السماع . مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس ورقم ١٧ وجه ، وانظر أيضا : فرح الأسماع برخص السماع ص ٤٩ الدار العربية للكتاب بتونس تحقيق وتقديم : محمد الشريف الرحمونى ط ١ سنة ١٩٨٥م . والنهاية في غريب الحديث والأثر، ولسان العرب . والتغبير : ضرب من الغناء يذكِّر بالغابرة وهي الآخرة .. والمغُبِرة قوم يُغَبِّرُونَ بذكر الله تعالی بدعاء وتضرع ، وقد أطلق عليهم هذا الاسم لتزهيدهم الناس في الفانية وهي الدنيا وترغيبهم في الباقية وهى الآخرة، وهو من (غَرَ) الذى يستعمل للباقي كما يستعمل للماضي ، وقد كرهه الإِمام الشافعى لأنه يلهى عن القرآن واعتبره من عمل الزنادقة ، وقال فيه الشيخ ابن تيمية إنه من أمثل أنواع السماع ومع ذلك كرهه الأئمة فكيف بغيره (١) . الحكم الإجمالى : ١ - حكم صلاة الجماعة والجمعة في حق من يسمع الأذان : ٦ - اختلف الفقهاء فيمن سمع الأذان للصلوات الخمس ، ما عدا الجمعة فذهب (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٨/١١، ٦٢٩، ٢٠٠/٣٦، والمقدمة لابن خلدون ص ٤٢٦ وما بعدها ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، وإحياء علوم الدين ٢٦٨/٢، ٢٦٩ دار المعرفة بيروت ١٩٨٢ م، وكتاب السماع ص ٣٧ وما بعدها تحقيق المراغي ، لجنة إحياء التراث القاهرة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠م، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢١٥/٢ - ٢٢٢، دار الشروق للطباعة القاهرة سنة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م . وفرح الأسماع برخص السماع ص ٤٩ ، والمعيار ٢٩/١١ وما بعدها، ص ١٠٦ وما بعدها . دار الغرب الإِسلامى سنة ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م. - ٢٤٠ -