Indexed OCR Text
Pages 321-340
سرقة ٣٩
المسجد: تذهب الأولى إلى إقامة الحد على من
يسرق من بناء المسجد، كالحائط أو الباب أو
السقف، وعلى من يسرق من أدواته المعدة
للاستعمال فيه كالحصر أو البسط أو القناديل،
لأنها محرزة بنفسها .
أما الرواية الأخرى فتفرق في أدوات المسجد
بين ما هو مثبت كالبلاط. أوما هو مسمر
كالقناديل المشدودة بالسلاسل، أوما شد بعضه
إلى بعض كالبسط المخيط بعضها في بعض،
وهذه يقام الحد على سارقها، وبين غير المثبت
أو المسمر أو المشدود بعضه إلى بعض فلا يقام
الحد على سارقها. (١)
٤٠ ۔۔ جـ۔ وعند الشافعية لا یکون حرزا بنفسه
إلا المكان المغلق المعد لحفظ المال داخل
العمران، كالبيوت والحوانيت وحظائر الماشية .
فإن کان المکان غیر مغلق، بأن کان بابه
مفتوحا، أو لیس له باب، أو كان حائطه متهدما
أو به نقب، فلا یکون حرزا بنفسه. وإن کان
المكان غير معد لحفظ المال كالسوق
والمسجد والطريق، فإنه لا يعتبر حرزا بنفسه.
وإن كان المكان خارج العمران، بأن كان
منفصلا عن مباني القرية أو البلدة ولو ببستان،
فلا يكون حرزا بنفسه. ولا يرى الشافعية
ما يمنع من اعتبار الحرز بنفسه حرزا بالحافظ إذا
اختل الحرز بالمكان، بأن أذن للسارق
بالدخول، أو فتح الباب، أو أحدث به نقب
وعلى ذلك: يقام الحد عندهم على الضيف إذا
سرق من غیر المکان الذي نزل به، لأنه سرق
مالا محرزا لا شبهة له فيه، بخلاف ما لوسرق
من المكان الذي نزل به، لاختلال الحرز
بالإِذن، إلا إذا كان بالمكان الذي نزل فيه حافظ
يقع بصره عليه، فإن المكان يعتبر حرزا
بالحافظ، ولو كان الحافظ نائما اختل الحرز، إلا
إذا سرق الضيف شيئا يلبسه النائم، أو
یتوسده، أو يتكىء عليه، أو يلتف به، فيقطع
بسرقته. ويقام الحد عند الشافعية على من
يسرق نفس الحرز، لأنه محرز بإقامته، وعلى
ذلك يقطع من يسرق حجارة الحائط أوباب
البيت أو خشب السقف.
أما الحرز بغيره: فهو كل مكان لم يعد لحفظ
المال، أو كان خارج العمران، أو غير مغلق.(١)
وهو لا يكون حرزا إلا بملاحظ يقوم بحراسة
المال بحيث لا يعتبر العرف صاحبه مقصرا عند
سرقته. فالملاحظة يختلف مداها باختلاف نوع
الحرز:
١ - فإن کان المال في مكان لا حصانة له،
(١) أسنى المطالب ١٤١/٤ - ١٤٢، القليوبي وعميرة
١٩٢/٤، المهذب ٢/ ٢٨٠، مغني المحتاج ٤/ ١٦٥
(١) مواهب الجليل ٣٠٩/٦، ٣١٣
- ٣٢١ -
سرقة ٤٠
كصحراء أو مسجد أوشارع، اشترط الشافعية
لاعتباره محرزا دوام ملاحظته من المالك أو ممن
استحفظه المالك، ولا يقطع هذا الدوام
الفترات العارضة في العادة التي يغفل فيها
الملاحظ، فيقام الحد على من يسرق أثناءها.
ولذلك لا یعتبرهذا المكان حرزا، إذا كان
الملاحظ بعیدا عرفا عن المال، أو كان نائما أو
أعطاه ظهره، أو كان ثمة ازدحام يحول بين
الملاحظ وبين المال.
ودوام الملاحظة يقتضي أن يكون الملاحظ
قادرا على منع السارق من السرقة بقوة من
نفسه، أو بقوة من غيره کاستغاثة، فإن كان
ضعيفا لا يقدر على دفع السارق، والموضوع
بعید عن الغوث، فإن المال لا یعتبر محرزا به .
ويعتبر المرعى من الأماكن التي تحتاج إلى لحاظ
دائم، فلا يعتبر حرزا للماشية إلا إذا كان معها
حافظ يراها ويسمع صوتها إذا بعدت عنه. وإن
كانت الماشية مقطورة يقودها قائد، فلا تكون
محرزة به إلا إذا كان يلتفت إليها كل ساعة
بحيث يراها، فإن كانت غير مقطورة، أو كان
القائد لا يستطيع رؤية بعضها حائل، اختل
الحرز، ويدرأ الحد عن السارق.
٢ - وإن كان المال في مكان محصن، كدار
وحانوت واصطبل، کفی حاظ معتاد، فإن كان
هذا المکان متصلا بالعمران، وله باب مغلق،
اعتبر حرزا، سواء كان الحافظ قويا أو ضعيفا،
نائما أو يقظا، في النهار أو في الليل، وسواء أكان
الزمن زمن أمن، أم كان زمن خوف. وإن لم
يكن به حافظ، فلا يعتبر حرزا إلا إذا كان
الباب مغلقا والوقت نهارا والزمن زمن أمن، وإلا
فلا.(١)
وإن كان هذا المكان بعيدا عن العمران، وبه
حافظ قوي یقظان، اعتبر حرزا سواء كان
الباب مفتوحا أو مغلقا، والأصح عندهم أنه
یکون حرزا إذا كان به شخص قوي نائم،
والباب مغلق. فإن لم یکن بالمكان أحد، أو كان
به شخص ضعيف، فلا یعتبر حرزا لما فیه،
حتى لو كان الباب مغلقا.
والمذهب أن المسجد يعتبر حرزا بنفسه فيما
جعل لعمارته كالبناء والسقف، أو لتحصينه
کالأبواب والشبابيك، أولزينته كالستائر
والقناديل المعلقة للزينة .
فأما ما أعد لانتفاع الناس به كالحصر
والقناديل التي تسرج فيه والمصاحف،فالأصح أنه
لا یقام الحد علی سارقها إذا كان له حق
الانتفاع، لوجود الشبهة. ومقابل الأصح :
وجوب إقامة الحد على سارق الحصر
والقناديل . (٢)
(١) القليوبي وعميرة ١٩٢/٤، مغني المحتاج ١٦٦/٤، نهاية
المحتاج ٧/ ٤٢٨، ٤٥٠، ٤٥٢
(٢) أسنى المطالب ١٤٢/٤، القليوبي وعميرة ٤/ ١٩٢،
المهذب ٢٧٣/٢، نهاية المحتاج ٤٢٥/٧
- ٣٢٢ -
سرقة ٤١
.....
.......
٤١ - د. ويتفق الحنابلة مع الشافعية في أن الحرز
بنفسه: هو كل موضع مغلق معدّ لحفظ المال
داخل العمران كالبيوت والحوانيت وحظائر
الماشية .
فإن لم یکن مغلقا: بأن كان بابه مفتوحا أو به
نقب، فلا یعتبر حرزا بنفسه، وإن لم یکن معدا
لحفظ المال کالسوق والمسجد، فلا یعتبر حرزا
بنفسه. وإن كان خارج العمران فلا یعتبرحرزا
بنفسه. ولا يرى الحنابلة مانعا من اعتبار الحرز
بنفسه حرزا بالحافظ إذا اختل الحرز بالمكان
بأن أذن للسارق بالدخول، أو کان الباب
مفتوحا، أو أحدث بالمكان نقب. ولهذا لا يقام
الحد عندهم على الضيف إذا سرق من الموضع
الذي أذن له بدخوله لاختلال الحرز بالإِذن.
فأما إذا سرق من موضع لم يؤذن له بدخوله، فإن
الحكم يختلف باختلاف معاملة الضيف: فإن
كان المضيف قد منعه قراه فسرق بقدره لا يقام
الحد عليه، وإن لم يكن منعه قراه يقام عليه حد
السرقة .
ويذهب الحنابلة إلى إقامة الحد على من
يسرق نفس الحرز، لأنه محرز بإقامته. وعلى
ذلك یقطع من يسرق حجارة من حائط الدار،
أو بابه، أو نحوه.
أما الحرز بغيره: فهو الموضع الذي لم يعد
لحفظ المال دون حافظ في العادة، كالخيام
والمضارب، أو الموضع المنفصل عن العمران،
كالبيوت في البساتين والطرق والصحراء، مغلقة
کانت أو مفتوحة، فلا تکون حرزا إلا بحافظ أیا
كان: صغيرا أو كبيرا، قويا أو ضعيفا، مادام لم
يفرط في الحفظ بنحونوم، أو يشتغل عن
الملاحظة بنحولهو. وعلى ذلك تحرز الماشية في
المرعى بملاحظة الراعي لها، بأن يراها ويبلغها
صوته. فإن نام أو غفل عنها أو استتربعضها عنه
فلا تكون محرزة. أما الإِبل فإنها تحرزوهي باركة
إذا عقلت وکان معها حافظ ولو نائما . (١)
وعند الحنابلة رأيان في حكم السرقة من
المسجد، أحدهما: أن المسجد ليس حرزا بنفسه
إلا فيما جعل لعمارته أولزينته، كالسقف
والأبواب ونحوها، فأما ما أعد لانتفاع الناس
به، كالحصر أو البسط أو قناديل الإضاءة، فلا
يقام الحد على سارقها، ولو كانت محرزة
بحافظ، لأن حق السارق في الانتفاع بها يعتبر
شبهة تدرأ عنه الحد. والرأي الآخر: لا يقام
الحد على من يسرق من المسجد، سواء كان
المسروق لعمارته وزينته، أو كان معدا لانتفاع
الناس به، لأن المسجد لا مالك له من
المخلوقين، ولأنه معد لانتفاع المسلمین به،
(١) كشاف القناع ٨١/٤ وما بعدها، المغني والشرح الكبير
١٠ / ٢٥٧،٢٥٠
- ٣٢٣ -
سرقة ٤٢ - ٤٣
فكان ذلك شبهة تدرأ الحد، سواء اعتبرت
السرقة من حرز بنفسه أو من حرز بالحافظ. (١)
الركن الرابع: الأخذ خفية :
٤٢ - يشترط لإِقامة حد السرقة أن يأخذ
السارق المسروق خفية، وأن يخرجه من الحرز.
فإذا شرع في الأخذ ولم یتمه، فلا یقطع، بل
يعزر. وقد يقام الحد على الشريك إذا بلغ فعله
حدا يمكن معه نسبة السرقة إليه .
١ - الأخذ :
٤٣ - لا يعتبر مجرد الأخذ سرقة عند جمهور
الفقهاء، إلا إذا نتج عن هتك الحرز، كأن يفتح
السارق أغلاقه ويدخل، أویکسربابه أو
شباكه، أو ینقب في سطحه أو جداره، أويدخل
یده في الجيب لأخذ ما به، أو يأخذ ثوبا توسده
شخص نائم، أو نحوذلك. ولكنهم لم يتفقوا
على طريقة الأخذ التي تؤدي إلى إقامة الحد :
فذهب الحنفیة ۔ إلا أبا یوسف - إلى أن الأخذ
لا يتحقق إلا إذا كان هتك الحرز ھتكا كاملا
تحرزا عن شبهة العدم، بأن يدخل الحرز فعلا،
إذا کان مما یمکن دخوله، کبیت وحانوت، فإذا
(١) كشاف القناع ٨٣/٤، المغني والشرح الكبير ١٠/ ٢٥٤
کان مما لا یمکن دخوله، کصندوق وجیب، فلا
يشترط الدخول. (١)
وحجتهم في ذلك: ما روي عن عليّ كرّم الله
وجهه أنه قال: اللص إذا كان ظريفا لا يقطع.
قيل: وكيف ذلك؟ قال: أن ینقب البيت
فيدخل يده ويخرج المتاع من غير أن يدخله. (٢)
وذهب أبو يوسف، والمالكية والشافعية
والحنابلة: إلى أن دخول الحرز ليس شرطا
لتحقق الأخذ وهتك الحرز، فدخول الحرز لیس
مقصودا لذاته، بل لأخذ المال، فإذا تحقق
المقصود بمد اليد داخل الحرز وإخراج المال،
كان ذلك كافيا في هتك الحرز وأخذ المال. (٣)
وحجتهم في ذلك: ما روي من أن رجلا كان
يسرق الحجاج بمحجنه، فقيل له: أتسرق
متاع الحجاج؟ قال: لست أسرق، وإنما يسرق
المحجن. فروي عن النبي صل أنه قال: ((رأيته
يجر قصبه في النار)). يعني: أمعاءه، لما كان
يتناول من مال الحجاج. (٤)
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٦٦، الهداية ٩٣/٢
(٢) المبسوط ٩/ ١٤٧
(٣) فتح القدير ٢٤٥/٤، مواهب الجليل ٦/ ٣١٠، المهذب
٢٩٧/٢، المغني ٢٥٩/١٠
(٤) حديث المحجن. أخرجه مسلم (٢/ ٦٢٣ - ط الحلبي) من
حديث جابر بلفظ: ((حتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر
قصبه في النار وكان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له
قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به»
والمحجن: كل معوج الرأس كالصولجان.
- ٣٢٤ -
سرقة ٤٤ - ٤٦
٢ - الخفية :
٤٤ - يشترط لإقامة حد السرقة أن يؤخذ
الشيء خفية واستتارا، بأن یکون ذلك دون
علم المأخوذ منه ودون رضاه. فإن أخذ الشيء
على سبيل المجاهرة، سمي : مغالبة أونهبا أو
خلسة أو اغتصابا أو انتهابا، لا سرقة. وإن
حدث الأخذ دون علم المالك أومن يقوم
مقامه، ثم رضي، فلا سرقة. وقد سبق بيان
حكم الأخذ في: الاختلاس، وجحد الأمانة،
والحرابة، والغصب، والنبش، والنشل،
والنہب.(١)
٣ - الإِخراج :
٤٥ - لا تكتمل صورة الأخذ خفية إلا إذا أخرج
السارق الشيء المسروق من حرزه، ومن حيازة
المسروق منه، وأدخله في حيازة نفسه.
أ - الإِخراج من الحرز :
٤٦ - اتفق جمهور الفقهاء على وجوب إخراج
المسروق(٢) من الحرز لكي يقام حد السرقة،
(١) بدائع الصنائع ٦٤/٧ - ٦٥، بداية المجتهد ٢ / ٤٣٦،
القليوبي وعميرة ١٨٦/٤، شرح منتهى الإرادات
٣٦٢/٣. وانظر: استعراض الألفاظ ذات الصلة في أول
هذا البحث.
(٢) البحر الرائق ٥٥/٥، الخرشي على خليل ٨/ ٩٧،
القليوبي وعميرة ١٩٠/٤، شرح منتهى الإرادات
٣٦٧/٣
فإن كانت السرقة من حرز بالحافظ فيكفي مجرد
الأخذ، حيث لا اعتبار للمكان في الحرز
بالحافظ. وإن كانت السرقة من حرز بنفسه
فلابد من إخراج المسروق من المكان المعد
لحفظه، فإذا ضبط السارق داخل الحرز، قبل
أن يخرج بما سرقه، فلا يقطع بل يعزر. (١).
والإِخراج من الحرز إما أن يكون مباشرا،
بأن يقوم السارق بأخذ المسروق خفية من الحرز
ويخرج به منه، أو بأن يؤدي فعله مباشرة إلى
إخراجه، كأن يدخل الحرز ويأخذ المسروق ثم
یرمي به خارج الحرز، وإما أن يكون غير مباشر
ويطلق عليه الفقهاء الأخذ بالتسبب، بأن
يؤدي فعل السارق - بطريق غير مباشر - إلى
إخراج المسروق من الحرز، كأن يضعه على
ظهر دابة ويقودها خارج الحرز، أويلقيه في ماء
راکد ثم يفتح مصدر الماء فيخرجه التيار من
الحرز. وسواء كان الإِخراج مباشرا أو غير مباشر
فإن شروط الأخذ خفية تكون تامة ويقام الحد
على السارق لأنه هو المخرج للشيء: إما بنفسه
وإما بالته. غير أن بعض صور الإِخراج كانت
محلا لاختلاف الفقهاء، تبعا لاختلافهم في
مفهوم الأخذ التام. فمن ذلك أن يهتك
(١) البحر الرائق ٥/ ٦٤ - ٦٥، بدائع الصنائع ٦٥/٧، شرح
الزرقاني ٩٨/٨، المهذب ٢٩٥/٢ ومابعدها، كشاف
القناع ٤ / ٧٩
- ٣٢٥ -
سرقة ٤٦ - ٤٧
السارق الحرز، ويدخله، ويأخذ الشيء خفية،
ثم يرمي به خارج الحرز، وبعد ذلك يخرج
فيأخذه، وفي هذه الصورة يتفق جمهور الفقهاء
من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن
الأخذ تام فيقام الحد على السارق، وخالفهم
في ذلك زفر، حیث یری أن الأخذ لا يتم إلا
بالإِخراج، والرمي ليس بإخراج، والأخذ من
الخارج لا يعتبر أخذا من الحرز. (١)
ب - إخراج المسروق من حيازة مالكه أو من
يقوم مقامه :
٤٦م - يترتب على إخراج المسروق من الحرز أن
يخرج كذلك من حيازة المسروق منه، ذلك أن
السارق إذا أخرج المسروق من البيت أو
الحانوت أو الحظيرة أو الجیب فإنه یکون بذلك
قد أخرجه من حيازة المسروق منه، حیث إنه قد
أزال يد الحائز عن الشيء المسروق. ولكن
إخراج المسروق من حيازة مالكه أومن يقوم
مقامه لا يتوقف على خروج السارق به من
الحرز، فقد تزول يد الحائز عن المسروق رغم
بقاء السارق في الحرز وعدم إخراج المسروق من
ذلك الحرز، کما إذا ابتلع السارق ماسرقه دون
(١) فتح القدير ٢٤٤/٤، المبسوط ١٤٨/٩، الهداية ٩٣/٢،
بدائع الصنائع ٧/ ٦٥، مواهب الجليل ٣٠٨/٦، نهاية
المحتاج ٧/ ٤٣٧، المغني والشرح الكبير ٢٥٩/١٠،
الفتاوى الهندية ١٧٩/٢
أن يغادر الحرز، ففي هذه الصورة ونحوها
يخرج المسروق من حيازة المسروق منه، من غير
أن يخرج به السارق من الحرز.
جـ ـ دخول المسروق في حيازة السارق:
٤٧ - يرى الحنفية أن إخراج المسروق من
حرزه، ومن حيازة المسروق منه، لا يستتبع حتما
دخوله في حيازة السارق، ومن ثم لا يقام عليه
الحد. مثال ذلك: أن يهتك السارق الحرز،
ويدخله، ويأخذ الشيء خفية، ثم يرمي به
خارج الحرز، وبعد ذلك لا يتمكن من الخروج
لأخذه، أو يخرج من الحرز ليأخذه فيجد غيره
قد عثر عليه وأخذه. وهنا يعتبر المسروق قد
أخرج من الحرز، ومن حيازة المسروق منه،
ولكنه لم يدخل في حيازة السارق. لأنه إذا لم
يتمكن من الخروج فلا تثبت يده على المسروق
ولا يعتبر في حيازته فعلا. وإن خرج ولم يجد
المسروق، تکون ید الآخذ قد اعترضت ید
السارق، فدخل المسروق في حيازة من أخذه،
ولم يدخل في حيازة من سرقه، وحينئذ تحول هذه
((اليد المعترضة)) دون إقامة الحد على السارق،
وإن كان يعزّر. (١) وينطبق نفس الحكم - عند
الحنفية - على من يهتك الحرز، ويدخله،
(١) بدائع الصنائع ٦٥/٧، فتح القدير ٢٤٤/٤، المبسوط
١٤٨/٩
- ٣٢٦ -
سرقة ٤٧
ويأخذ الشيء خفية ولكنه يتلفه وهو داخل
الحرز، لأنه إن أتلف مايفسد بالإِتلاف کأن أكل
الطعام، أو أحرق المتاع، أو مزق الثوب، أو
كسر الآنية، فلا يعد سارقا، بل متلفا، وعليه
الضمان والتعزير. أما إن أتلف بعضه وأخرج
البعض الآخر، وكانت قيمة ما أخرجه تساوي
نصابا، فإنه يكون سارقا، لتحقق تمام الأخذ
بالهتك والإِخراج، وخالفهم أبويوسف، لأن
السارق إذا أتلف البعض یصیر ضامنا،
والمضمونات تملك بالضمان، فيكون سبب الملك
قد انعقد له قبل الإِخراج، ولا يقطع أحد في
مال نفسه. وإن كان ما أتلفه - وهو داخل
الحرز- لا يفسد بالإِتلاف، کأن يبتلع جوهرة أو
دینارا فإنه لا يعد سارقا أيضا، حتى لو خرج بما
ابتلعه، لأن الابتلاع يعتبر استهلاكا للشيء،
فهو من قبيل الإِتلاف، وعليه الضمان.(١)
أما غير الحنفية من المالكية والشافعية
والحنابلة فقد اتفقوا على أن إخراج المسروق من
حرزه ومن حيازة المسروق منه يستتبع حتما
إدخاله في حيازة السارق إدخالا فعليا أو
حكميا. وعلى ذلك: فلو دخل السارق الحرز،
وأخذ الشيء خفية، ورمی به خارج الحرز، فإن
الحد يقام عليه، لأنه حين أخرج الشيء من
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٧٠، ٧١ - ٨٤، فتح القدير ٢٦٤/٤،
المبسوط ٩/ ١٦٤، حاشية ابن عابدين ١٩٩/٣
حرزه ومن حيازة المسروق منه، يكون أدخله
حكما في حيازة نفسه، فإذا خرج بعد ذلك
وأخذه، فإن وضع اليد الفعلي على المسروق
ينضم إلى الحيازة الحکمیة، وکل منهما یوجب
الحد بمفرده. وكذلك إذا خرج من الحرز فوجد
أن غيره قد أخذ الشيء المسروق، لأن هذا
الشيء دخل في حيازة السارق حكما، ولولم
يضع يده عليه فعلا، وصاحب اليد المعترضة لا
يغير من هذا الحكم - عندهم - لأن اليد
المعترضة لا تحوز المسروق إلا بعد دخوله في
حيازة السارق.
ويقام الحد على السارق أيضا - عند المالكية
والشافعية والحنابلة - إذا رمى الشيء المسروق
خارج الحرز، ثم تعذر عليه الخروج لأخذه،
بأن تم ضبطه داخل الحرز أو منع من الخروج
منه، لأنه دخل في حيازته حكما بمجرد خروجه
من حيازة المسروق منه، والحيازة الحكمية تكفي
لاعتبار الأخذ تاما كالحيازة الفعلية سواء بسواء.
ولئن كان مالك تردد في إقامة الحد على السارق
إذا ضبط في الحرز، بعد أن أخرج المسروق وقبل
أن يخرج لأخذه، إلا أن المذهب على إقامة الحد
كما قال ابن عرفة: (١) والمدار في القطع على
(١) مواهب الجليل ٣٠٨/٦، المهذب ٢٩٧/٢، المغني
والشرح الكبير ٢٥٩/١٠، شرح الزرقاني ٩٨/٨، =
- ٣٢٧ -
٠٠
سرقة ٤٧ - ٤٨
إخراج النصاب من الحرز، خرج منه السارق
إذا دخل أم لا، حتى إن السارق لو أخرج
النصاب من الحرز، ثم عاد به فأدخله، قطع.
وقد اتفق المالكية والشافعية والحنابلة مع
جمهور الحنفية على أن من يهتك الحرز ويدخله،
ويأخذ منه شيئا يفسد بالإِتلاف، ثم يتلفه وهو
داخل الحرز، فلا يقام عليه الحد، لأن فعله هذا
يعتبر استهلاكا، لا سرقة، وعليه الضمان
والتعزير. أما إذا أتلف بعضه داخل الحرز،
وأخرج البعض الآخر منه، وكانت قيمة
ما أخرج تساوي النصاب، فإنه يعتبر سارقا
ويقام عليه الحد، لتحقق الأخذ بهتك الحرز
وإخراج النصاب منه. ولكنهم اختلفوا في حكم
من يتلف وهو داخل الحرز شيئا لا يفسد
بالإِتلاف، كأن يبتلع دينارا أو جوهرة، ثم يخرج
من الحرز. فذهب المالكية إلى أن الابتلاع في
هذه الحالة يعتبر أخذا تاما، كأنه وضع المسروق
في وعاء وخرج به، ولهذا يقام عليه الحد، قولا
واحدا .
وذهب الشافعية إلى اعتبار الفعل إتلافا، إذا
لم يخرج المسروق من جوفه بعد ابتلاعه، ومن ثم
لا یقام عليه الحد، لأنه استهلكه داخل الحرز،
فصار كأكل الطعام. أما إذا خرج المسروق من
= أسنى المطالب ١٣٨/٤، ١٤٧، حاشية الدسوقي
٣٣٨/٤
جوفه بعد ابتلاعه، فالأصح أنه یقام علیه حد
السرقة، لأن المسروق باق بحاله لم يفسد،
فأشبه ما إذا أخرجه في فيه أو في وعاء.
ولدى الحنابلة وجهان: أولهما: يعتبر الفعل
إتلافا في كل حال، فلا قطع، بل يجب
الضمان، والآخر: يعتبر الفعل إتلافا إذا لم يخرج
المسروق من جوف من ابتلعه، ومن ثم لا يقام
عليه الحد، ويعتبره سرقة إذا خرج من جوفه
بعد الابتلاع، وکأنه أخرجه في جيبه، ومن ثم
يقام عليه حد السرقة. (١)
د - الشروع في الأخذ:
٤٨ - يعتبر شروعا في السرقة كل فعل يمكن أن
يؤدي إلى سرقة، ولكن السرقة لم تكتمل معه،
وذلك كالوسائل المؤدية إلى هتك الحرز، أو أخذ
الشيء دون علم المأخوذ منه ورضاه، أو إخراج
الشيء المسروق من حرزه، ومن حيازة المسروق
منه، دون أن يدخل في حيازة الآخذ، أو إخراج
ما دون النصاب. أما إذا تمت السرقة فإن الحد
يقام على السارق باعتباره قد ارتكب جريمة
موجبة للحد شرعا، وذلك دون نظر إلی کل
فعل بمفرده من الأفعال التي كونت السرقة .
(١) شرح الخرشي ٩٧/٨، شرح الزرقاني ٩٩/٨، الشرح
الكبير للدردير ٣٣٨/٤، أسنى المطالب ١٨٤/٤، المهذب
٢٩٧/٢، مغني المحتاج ١٧٣/٤، روضة الطالبين
١٣٦/١٠، المغني والشرح الكبير ١٠/ ٢٦١
- ٣٢٨ -
سرقة ٤٩ - ٥٠
حكم الشروع في السرقة :
٤٩ - من المقرر في الشرع الإسلامي: أن كل
معصیة ینجم عنها عدوان على حق إنسان أو
على حق الأمة فإن مرتكبها يخضع للحد أو
للتعزير أو للكفارة، وحيث إن الحدود
والكفارات محددة شرعا، فکل معصية لا حد
فيها ولا كفارة يمكن أن يعاقب مرتكبها على
وجه التعزير باعتبار أنه أتى جريمة كاملة،
بغض النظر عن كون فعله يعتبر شروعا في
جريمة أخرى. (١) انظر مصطلح: (تعزير).
وعلى ذلك جمهور الفقهاء، فإنهم يمنعون
إقامة الحد إذا لم تتم السرقة، ولكنهم يوجبون
التعزير على من يبدأ في الأفعال التي تكوّن
بمجموعها جريمة السرقة. ليس باعتباره شارعا
في السرقة، ولكن باعتباره مرتكبا لمعصية
تستوجب التعزیر. (٢) وقد روي عن عمرو بن
شعيب: أن سارقا نقب خزانة المطلب بن أبي
وداعة، فوجد بها، قد جمع المتاع ولم يخرج به.
فأتي به إلى ابن الزبير، فجلده، وأمر به أن
يقطع. فمر بابن عمر، فسأل فأخبر، فأتى ابن
(١) المبسوط ٣٦/٩، مواهب الجليل ٦/ ٣٢٠، القليوبي
وعميرة ٤/ ٢٠٥، كشاف القناع ٧٢/٤
(٢) المبسوط ٩/ ١٤٧، حاشية الدسوقي ٣٠٦/٤، الأحكام
السلطانية للماوردي ص٢٣٧، الأحكام السلطانية لأبي
يعلى ص٢٨١
الزبير، فقال: أمرت به أن يقطع؟ فقال: نعم،
فقال: فما شأن الجلد؟ قال: غضبت، فقال ابن
عمر: ليس عليه قطع حتى يخرج من البيت،
أرأيت لورأيت رجلا بين رجلي امرأة لم يصبها،
أأنت حاده؟ قال: لا.(١)
وجمهور الفقهاء: على أن الشروع في السرقة
ليس له عقوبة مقدرة، وإنما تطبق فيه القواعد
العامة للتعزير. (٢)
الاشتراك في الأخذ :
٥٠ - يفرق الفقهاء في مسائل الاشتراك في
السرقة بين الشريك المباشر والشريك
بالتسبب، (٣) فأما الشريك المباشر فهو الذي
يباشر أحد الأفعال التي تكون الأخذ التام،
وهي : إخراج المسروق من حرزه ومن حيازة
المسروق منه وإدخاله في حيازة السارق.
وأما الشريك بالتسبب فهو الذي لا يباشر
أحد هذه الأفعال المكونة للأخذ المتكامل، وإنما
يقتصر فعله علی مد يد العون للسارق، بأن
يرشده إلى مكان المسروقات، أو بأن يقف
خارج الحرز ليمنع استغاثة الجيران، أو لينقل
المسروقات بعد أن يخرجها السارق من الحرز.
(١) أورده ابن حزم في المحلى ٣٢٠/١١
(٢) الأحكام السلطانية ص٢٣٧، ٢٨١
(٣) بدائع الصنائع ٧/ ٦٦، شرح الزرقاني ٩٦/٨، نهاية
المحتاج ٧/ ٤٢١، كشاف القناع ٧٩/٤
- ٣٢٩ -
سرقة ٥٠ - ٥١
ولا يقام الحد إلا على المباشر، أما المتسبب فإنه
يعزّر.(١)
ويبدومن كلام الفقهاء في الاشتراك: أنهم
یمیزون بین الشریك والمعین فیعتبرون الشريك
هو الذي يقوم مع غيره بعمل من الأعمال المكونة
للسرقة، وخاصة: هتك الحرز، وإخراج
المسروق من حيازة المسروق منه، وإدخاله في
حيازة السارق، أما المعين فهو من يساعد
السارق، في داخل الحرز أو في خارجه، ولکن
عمله لا يصل إلى درجة يمكن معها نسبة
السرقة إليه
وکان هذا أساس اختلافهم في تطبيق الحد
على بعض الشركاء دون البعض، وذلك على
الوجه الآتي :
١ - الحنفية :
٥١ - يرى الحنفية أن كل من دخل الحرز يعتبر
شريكا في السرقة سواء قام بعمل مادي، كان
وضع المسروق على ظهر زميله فأخرجه من
الحرز، أوقام بعمل معنوي، كأن وقف للمراقبة
أو للإشراف على نقل المسروق من الحرز، وفي
هذه الحالة يقام الحد على الجميع إذا بلغ
(١) القليوبي وعميرة ١٩٤/٤: ((الحد إنما يجب بالمباشرة، دون
السبب».
نصیب کل منهم نصابا، أما إذا كانت قيمة
المسروق لا تكفي ليصيب كل واحد نصابا، فلا
يقام الحد، بل ينتقل إلى التعزير. وينطبق نفس
الحكم على الشركاء إذا أخرج بعضهم ما قيمته
نصابا فأكثر، وأخرج البعض الآخر ما قيمته
دون النصاب، فإذا بلغت قيمة المسروق
ما یکفي لأن يخص كل واحد منهم نصابا،
قطعوا جميعا، وإن لم يبلغ حظ كل واحد نصابا،
قطع من أخرج نصابا، وعزر الآخرون. (١)
أما إذا دخل الحرز أحد الشريكين، وبقي
الآخر خارجه، ثم أخرج من بالداخل يده
بالمسروق إلى خارج الحرز فتناولها شريكه، فإن
أبا حنيفة يرى أن الأخذ غيرتام بالنسبة
للداخل، لأنه أخرج المسروق من الحرز ومن
حيازة المسروق منه، ولكنه لم يدخله في حيازة
نفسه، بل في حيازة الخارج، فلا يقام عليه
الحد. ويرى كذلك أن الأخذ غيرتام بالنسبة
للخارج، لأنه وإن كان المسروق دخل في
حيازته، إلا أنه لم يخرجه لا من حرزه ولا من
حيازة المسروق منه، فلا يقام عليه الحد أيضا.
وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الأخذ تام
بالنسبة للداخل دون الخارج، لأن المسروق
دخل في حيازته، حيث أقام شريكه الخارج
(١) بدائع الصنائع ٦٦/٧، ٧٨، فتح القدير ٢٢٥/٤،
الفتاوى الهندية ٢/ ١٧١، المبسوط ١٤٣/٩
- ٣٣٠ -
سرقة ٥٢ - ٥٣
مقامه عندما سلمه المسروق. (١) وتفصيل الحكم
في الصور التي يمكن حدوثها يبنى على مسألة
الهتك المتكامل ومسألة ((اليد المعترضة)) التي
سبق بيانهما. في ف٤٣، ٤٧.
٢ - المالكية :
٥٢ - ذهب جمهور المالكية إلى أن صفة الشريك
تطلق على من يعين السارق إذا قام بعمل مادي
لابد منه لإِخراج المسروق من الحرز، سواء
حدثت الإعانة وهو في داخل الحرز، بأن وضع
المسروق على ظهر زميله، فأخرجه من الحرز،
أو حدثت وهو في خارج الحرز، بأن مد يده
داخل الحرز وأخذ المسروق من يد زميله الذي
في الداخل، بحيث تصاحب فعلاهما في حال
الإخراج، أو بأن يربط الداخل المسروق بحبل
ونحوه فيجره الخارج، بحيث لا يعتبر الداخل
مستقلا بالإِخراج. أما إذا كانت الإعانة بأمر
معنوي کأن يدخل الحرز أو یبقی خارجه ليحمي
السارق أويرشده إلى مكان المسروق، فلا يعتبر
شریکا في السرقة، ومن ثم فلا حد علیه، بل
يعزر.
فإذا ثبت أن المسروق لم يخرج إلا بعمل
جماعي، وجب إقامة الحد على كل من شارك
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٦٥، فتح القدير ٢٤٣/٤، مواهب
الجليل ٦/ ٣١٠، المهذب ٢٩٧/٢، كشاف القناع ٤/ ١٠
في هذا العمل، إذا بلغت قيمة المسروق نصابا
واحدا، سواء باشر السرقة، بأن تعاون مع زميله
في حمل المسروق حتى خرجا به من الحرز، أو لم
يباشر السرقة، بأن وضع المسروق على ظهر
صاحبه فخرج به وحده، مادام کل واحد
لا يمكنه أن يستقل بإخراج المسروق. أما إذا لم
يحصل تعاون بأن استقل كل واحد بإخراج
بعض المسروق، فلا يقام الحد إلا على من
أخرج نصابا كاملا، وذلك لعدم ظهور التعاون
الذي لابد منه لإثبات الاشتراك في السرقة . (١)
٣ - الشافعية :
٥٣ - ذهب الشافعية إلى أن صفة الشريك
لا تطلق إلا علی من قام بفعل مباشر مع غیرہ،
ترتب عليه إخراج المسروق من الحرز، كأن
يتعاون السارقون في حمل شيء ثقيل ويخرجونه
من الحرز، أو يحمل كل واحد منهم شيئا ويخرج
به. وفي هذه الحالة ينطبق وصف السارق على
كل واحد، ولكن يظهر أثر الاشتراك في إقامة
الحد عليهم جميعا إذا خص كل واحد منهم
(١) شرح الزرقاني ٩٦/٨، ١٠٦، المدونة ٦٨/١٦ -
٦٩ - ٧٣، الموطأ ٢/ ٨٣٧ بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي،
ط. الحلبي، تفسير القرطبي ١٦٣/٣، بداية المجتهد
٤٤٨/٢
- ٣٣١ -
....
سرقة ٥٣ - ٥٦
نصاب من قيمة ما أخرجوه، دون نظر إلى قيمة
ما أخرجه كل منهم. أما إذا كان كل سارق
يستقل بفعله وقصده عن الآخرين، فلا اشتراك
بينهم، ولا يقام الحد إلا على من يخرج نصابا
کاملا، ويعزر الآخرون.
ولا يعتبر شريكا - عند الشافعية - من يعين
السارق، سواء قام بعمل مادي أو معنوي،
وسواء حدثت الإعانة من داخل الحرز أو من
خارجه، فلا يقام عليه حد السرقة، بل
يعزر. (١)
٤ - الحنابلة :
٥٤ - يرى الحنابلة إطلاق صفة الشريك على
من يعين السارق بفعل مادي أو معنوي، قام به
وهو داخل الحرز أو كان خارجه، فإذا بلغت
قيمة المسروق نصابا واحدا، أقيم الحد على كل
من اشترك في السرقة، سواء كان الاشتراك في
الإِخراج، أو كان بإخراج البعض وإعانة
البعض الآخر، وسواء حدثت الإِعانة من
الداخل أو من الخارج، بفعل مادي كالإِعانة
على حمل المسروق، أوبفعل معنوي کالإِرشاد
إلى مكان المسروق، أو لم يأت بعمل ما، كمن
دخل الحرز مع السارق لتنبيهه إذا انكشف
(١) مغني المحتاج ١٦٠/٤، المهذب ٢٤٩/٢، ٢٩٧، أسنى
المطالب ١٣٨/٤، نهاية المحتاج ٧/ ٤٢١، ٤٥٨
أمره. لأن فعل السرقة يضاف إلى كل واحد
منهم. (١)
إثبات السرقة :
٥٥ - اتفق الفقهاء على أن السرقة تثبت بالإِقرار
أو بالبينة. (٢) وعند بعضهم أن السرقة تثبت
باليمين المردودة(٣) وعند غيرهم يجوز إثباتها
بالقرائن . (٤)
أولا - الإِقرار : (٥)
٥٦ - تثبت السرقة بإقرار السارق إذا كان مكلفا
بأن كان بالغا عاقلا، على التفصيل الذي
سبق .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن السارق يجب
أن يكون مختارا في إقراره، فإن أكره على الإِقرار
بحبس أو ضرب أو نحوهما، فلا يعتد بهذا
(١) كشاف القناع ٧٩/٤، المغني ٢٩٥/١٠، ٢٩٦،
الإفصاح لا بن هبيرة ص٣٦٣
(٢) بدائع الصنائع ٤٦/٧، ٨١، فتح القدير ٢١٩/٤،
مواهب الجليل ٣٠٦/٦، بداية المجتهد ٢/ ٤٤٤، مغني
المحتاج ١٧٥/٤، ١٧٦، نهاية المحتاج ٤١٨/٧، كشاف
القناع ١١٧/٦، المغني والشرح الكبير ٢٨٩/١٠، ٢٩٠
(٣) القليوبي وعميرة ١٩٦/٤، نهاية المحتاج ٧/ ٤٤١
(٤) الطرق الحكمية ٣، ١٧
(٥) انظر في تعريف الإِقرار، وحكمه، وأثره، وحجیته،
وأركانه، وشروط كل ركن، وفي الرجوع عنه: مصطلح :
(إقرار) ٦/ ٤٦ - ٧٩
- ٣٣٢ -
٠٠
....
سرقة ٥٦ - ٥٨
الإِقرار. وقد أفتى بعض متأخري الحنفية
بصحة إقرار السارق مع الإِكراه لأن السراق قد
غدوا لا يقرون طائعين.
وذهب بعض المالكية إلى أنه يعمل بإقرار
المتهم مع الإِکراه إن ثبت عند الحاكم أنه من
أهل التهم .
ويشترط الحنفية أن يكون المقر بالسرقة
ناطقا، ولهذا فإنهم لا يعتدون بإشارة الأخرس،
ولو كانت مفهمة، لاحتمال إشارته الإِقرار
وغيره، وهذا یورث شبهة تدرأ عنه الحد. ویری
الجمهور صحة إقراره، إن كانت إشارته مفهمة
قبل هذا الإقرار. (١)
ولا يكون الإِقرار كافيا لإِقامة الحد، إلا إذا
كان صريحا وتبين القاضي منه توافر أركان
السرقة، بحيث لا تبقى معه أي شبهة. (٢)
واشترط جمهور الفقهاء أن يصدر الإقرار عند
من له ولاية إقامة الحد، فلا يعتد بالإِقرار
الصادر عند غيره، ولا بالإِقرار قبل الدعوى. (٣)
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٤٩، فتح القدير ٢١٨/٥، المبسوط
١٨٤/٩، ١٨٥، مواهب الجليل ٢١٦/٥، القليوبي
وعميرة ٤/ ١٩٦، نيل المآرب ٢/ ٢٨٠، الدسوقي
٣٤٥/٤، المغني ١٩٥/٨، ١٩٦
(٢) الفتاوى الهندية ٢/ ١٧١، شرح الزرقاني ٨/ ٩٧، أسنى
المطالب ٤/ ١٥٠، كشاف القناع ١١٧/٦
(٣) ابن عابدين ١٩٦/٣، بدائع الصنائع ٢٧٧/٦
٥٧ - وقد اختلف الفقهاء في عدد مرات الإِقرار
التي توجب إقامة حد السرقة: فالحنفية - ما عدا
أبا يوسف - ومالك في رواية عنه، والشافعية
وعطاء، والثوري، يكتفون بإقرار السارق مرة
واحدة، لأن النبي ◌ُّه ((قطع سارق خميصة
صفوان وسارق المجن))، (١) ولم ينقل أن أحدهما
تكرر منه الإقرار، ولأن الإقرار بالحقوق يكتفى
بإيراده مرة واحدة، ولأن الإِقرار إخبار ترجح فيه
جانب الصدق على جانب الكذب، فلن یزیده
التكرار رجحانا. أما أبو يوسف وزفر، ومالك في
روایة أخری، والحنابلة، وابن أبي لیلی، وابن
شبرمة، فإنهم يوجبون صدور الإِقرار مرتین، في
مجلسين مختلفين، فإن أقر السارق مرة واحدة،
لا يقام عليه الحد، وإنما يعزر ويجب عليه
الضمان. لأن النبي ﴾ أتي بلص قد اعترف،
ولم يوجد معه متاع، فقال له النبي ◌َّلاير: ((ما أخا
لك سرقت)) فقال: بلى يارسول الله، فأعادها
عليه ◌َله مرتين أو ثلاثا، ولم يقطعه إلا بعد أن
تكرر إقراره، فلو كان القطع يجب بالإِقرار مرة
واحدة لما أخره النبي ◌َلچر .
٥٨ - وكذلك اختلفوا في اشتراط الخصومة مع
(١) حديث: (لأن النبي ﴿ قطع سارق خميصة صفوان)).
أخرجه أبوداود (٥٥٣/٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والنسائي (٨/ ٦٩ ط دار البشائر) والحاكم (٤/ ٣٨٠ ط دار
المعارف العثمانية) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي.
- ٣٣٣ -
سرقة ٥٨ - ٥٩
الإِقرار: فالحنفية - ما عدا أبا يوسف -
والشافعية، والحنابلة، يشترطون لقبول الإِقرار
مطالبة من له حق المطالبة بالمسروق، لأن عدم
مطالبته يورث شبهة تدرأ الحد، وبناء على
ذلك: لا يقام الحد على من أقر بسرقة مال من
مجهول أو من غائب.(١)
ويرى أبو يوسف، والمالكية، وأبو ثور، وابن
المنذر وابن أبي ليلى عدم توقف إقامة حد
السرقة على دعوى المسروق منه، لعموم آية
السرقة، وعدم وجود ما يصلح مخصصا لهذا
العموم، وبناء على ذلك: يقام الحد على من
يقر بسرقة نصاب من مجهول أو غائب إذا ثبتت
السرقة، لأن المقر لا يتهم في الإِقرار على
نفسه . (٢)
:
ثانيا - البينة :
٥٩ - تثبت السرقة بشهادة رجلين تتوافر فيهما
شروط تحمل الشهادة وشروط أدائها. (٣)
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٨١ - ٨٢، شرح الزرقاني ٨/ ١٠٦،
القليوبي وعميرة ١٩٦/٤، المغني ٢٩١/١٠، أسنى
المطالب ١٥٢/٤، كشاف القناع ١١٧/٦ -١١٨، نيل
الأوطار ٧/ ١٥٠ - ١٥١
(٢) المبسوط ١٤٤/٩، شرح الزرقاني ١٠٦/٨، المغني
٢٩٩/١٠، شرح الهروي على الكنز ٢٩٠/١
(٣) يرجع في تفصيل أحكام الشهادة إلى مصطلح :
(شهادة) وانظر: فتح القدير ١١/٦، الدسوقي والشرح
الكبير ١٤٦/٤، حاشية الجمل على شرح المنهج =
وعلى ذلك يجب أن يكون الشاهد وقت
الأداء ذكرا، مسلما، بالغا، عاقلا، حرا
بصيرا، عدلا، مختارا.
فلا يقام حد السرقة بشهادة النساء منفردات
أو مع رجال، ولا بد من شهادة رجلین، فلا تقبل
شهادة رجل واحد ولو مع يمين المسروق منه . (١)
والتفصيل في مصطلح : (شهادة).
إذا توافرت الشروط المتقدمة، أدى الشاهد
شهادته على السرقة بدون يمين، لأن لفظ
الشهادة يتضمن اليمين، ولأن تحليف الشاهد
يتنافى مع إكرامه الذي أمر به النبي ◌ّيه في قوله:
((أكرموا الشهود، فإن الله يحيي بهم
الحقوق)). (٢) ويرى بعض الفقهاء ضرورة
تحلیف الشاهد الیمین للتأكد من صدقه، ولما
فيه من عموم المصلحة، وتحليف الشاهد
لا يتعارض مع أمر الرسول ® بإكرامه، لأنه
= ٣٧٧/٥، كشاف القناع ٣٢٨/٦، المغني ٢٨٩/١٠ -
٢٩٠
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٨١، ابن عابدين ١٩٦/٣، شرح
الزرقاني ١٠٦/٨، القليوبي وعميرة ١٩٧/٤، المغني
والشرح الكبير ٢٨٩/١٠، بداية المجتهد ٢/ ٤٤٤، نهاية
المحتاج ٤٤٣/٧، كشاف القناع ١١٧/٦
(٢) حديث: ((أكرموا الشهود ... )) أخرجه الخطيب في تاريخه
(١٣٨/٦ ط. السعادة) من حديث ابن عباس. قال ابن
حجر: قال العقيلي: هذا الحديث غير محفوظ، وصرح
الصغاني بأنه موضوع. (التلخيص الحبير ١٩٨/٤ ط شركة
الطباعة الفنية).
- ٣٣٤ -
سرقة ٦٠ - ٦٢
لا ينطوي على إهانة له.(١)
ثالثا : اليمين المردودة :
٦٠ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والحنابلة أن حد السرقة لا يقام باليمين المردودة،
فإن ادعی شخص على آخر سرقة يجب فيها
القطع، فأنكر المدعى عليه السرقة، فطلب
المدعي منه أن يحلف لإثبات براءته، فنكل عن
اليمين، ردت اليمين على المدعي، فإن حلف
أن المدعی علیه سرق ما ادعاه، ثبت المال
المسروق بهذه اليمين المردودة، ولا يقام الحد إلا
بالإِقرار أو بالبينة.
أما الشافعية فالأصح عندهم أن السرقة
تثبت بيمين المدعي المردودة، فیثبت المال ويقام
الحد، لأن اليمين المردودة كالبينة أو كإقرار
المدعى عليه، وكل منهما يوجب القطع بلا
خلاف. ومقابل الأصح: أن اليمين المردودة
يثبت بها المال، ولا يقام بها الحد، لأن القطع في
السرقة حق الله تعالی، وهو لا يثبت إلا بالإِقرار
أو البينة. ومقابل الأصح هو المعتمد في المذهب،
كما ذكره النووي في الروضة والرافعي في الشرح
(١) ابن عابدين ١٩٦/٣، فتح القدير ١٦٢/٤، المدونة
٢٨٦/٦، مغني المحتاج ١٥١/٤، المغني والشرح الكبير
١٨٧/١٠، الطرق الحكمية ص١٤٢، ١٤٣
الكبير وصاحب الحاوي الصغير، وقال
الأذرعي : إنه المذهب والصواب الذي قطع به
جمهور الأصحاب. وقال البلقيني: إنه المعتمد،
لنص الأم، وفي المختصر: لا يثبت القطع إلا
بشاهدين أو إقرار السارق. (١)
رابعا - القرائن :
٦١ - جمهور الفقهاء على أن حد السرقة لا يثبت
إلا بالإِقرار أو البينة. ويرى بعضهم جواز ثبوت
السرقة، ومن ثم إقامة الحد وضمان المال،
بالقرائن والأمارات إذا كانت ظاهرة الدلالة
باعتبارها من السياسة الشرعية، التي تخرج الحق
من الظالم الفاجر. قال ابن القيم: (٢) ((لم يزل
الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال
المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من
البينة والإِقرار فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق
والكذب ووجود المال معه نص صريح لا تتطرق
إليه شبهة)).
حد السرقة :
٦٢ - اتفق الفقهاء على أن عقوبة السارق قطع
(١) البحر الرائق ٧/ ٢٤٠، تبصرة الحكام ٢٧٢/١، المغني
والشرح الكبير ١٢٤/١٢ وما بعدها، القليوبي وعميرة
١٩٦/٤، نهاية المحتاج ٧/ ٤٤١، أسنى المطالب
٤ / ١٥٠، حاشية البجيرمي على حاشية المنهج ٤/ ٢٣٥،
روضة الطالبين ١٠/ ١٤٣، مغني المحتاج ٤/ ١٧٥
(٢) الطرق الحكمية ص٨
- ٣٣٥ -
٠٠
سرقة ٦٢ - ٦٣
يده لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز
حكيم).(١) وهو الحد الذي أقامه النبي ◌َّير
على من سرق في عهده، كما تواترت الأخبار
بذلك. (٢) وجرى عليه عمل الخلفاء الراشدين
دون اعتراض عليهم. (٣) وأجمعت عليه الأمة.
واختلف الفقهاء في أمور تتعلق بمحل
القطع، ومقداره، وکیفیته، وتكرره، مع تکرر
السرقة ونحو ذلك.
١ - محل القطع:
٦٣ - من المتفق عليه - عند الفقهاء - وجوب
قطع اليد اليمنى، إذا ثبتت السرقة الأولى . لما
روي من أن النبي ◌ّ لل قطع اليد اليمنى،
وكذلك فعل الأئمة من بعده، ولقراءة
عبدالله بن مسعود: ((فاقطعوا أيمانهما)). (٤) وهي
قراءة مشهورة عنه، ولم يجمع على أنها قرآن
لمخالفتها للمصحف الإِمام، فکانت خبرا
(١) سورة المائدة/ ٣٨
(٢) أول سارق قطع في الإِسلام: الخيار بن عدي بن نوفل بن
عبد مناف ((تفسير القرطبي ٦/ ١٦٠)) وقطع المخزومية التي
شفع فيها أسامة بن زيد فأغضب بشفاعته النبي وقالالقرآن
((البخاري ومسلم)) وقطع سارق رداء صفوان ابن أمية
((رواه الخمسة إلا الترمذي)).
(٣) طرح التثريب بشرح التقريب ٢٣/٨
(٤) سورة المائدة/ ٣٨
مشهورا، فيقيد إطلاق النص. (١) ولو كان
الإطلاق مرادا، والامتثال للأمر في الآية يحصل
بقطع اليمين أو الشمال، لما قطع النبي وَلا و إلا
اليسار على عادته من طلب الأيسر لهم ما أمكن
جريا على عادته #/، في: ((أنه ما خيربين
أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما)). (٢)
فإذا كانت ید السارق الیمنی غیر صحیحة،
بأن كانت شلاء أو ذهب أكثر أصابعها، فقد
اختلف الفقهاء في محل القطع.
فالحنفية يرون أن القطع يتعلق أولا باليد
اليمنى، لعموم آية السرقة فإنها لم تفرق بين
الصحيحة وغيرها. ولأنه إذا تعلق الحكم
بالسليمة فإنها تقطع، فلأن تقطع المعيبة من
باب أولى. (٣)
ويرى المالكية أن قطع المعيبة لا يجزىء، لأن
مقصود الحد إزالة المنفعة التي يستعان بها على
(١) بدائع الصنائع ٨٦/٧، فتح القدير ٢٤٧/٤، الخرشي
على خليل ٩٢/٨، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٣٣٢/٤، المهذب ٢/ ٣٠٠، مغني المحتاج ٤/ ١٧٧، نهاية
المحتاج ٧/ ٤٤٣، كشاف القناع ١١٨/٦، المغني والشرح
الكبير ١٠/ ٢٦٤، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٦٠، تفسير
الطبري ٢٢٨/٦
(٢) حديث: ((ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما)). أخرجه
البخاري (الفتح ٨٦/١٢ - ط السلفية) ومسلم (١٨١٣/٤
- ط الحلبي).
(٣) بدائع الصنائع ٧/ ٨٧، حاشية ابن عابدين ٢٨٥/٣
- ٣٣٦ -
سرقة ٦٣ - ٦٥
السرقة، والشلاء وما في حكمها لا نفع فيها فلا
يتحقق مقصود الشرع بقطعها، لأن منفعتها
التي يراد إبطالها باطلة من غير قطع. ولذلك
ينتقل القطع إلى الرجل اليسرى. (١)
أما الشافعية فإنهم يفصلون القول في قطع
اليد اليمنى إذا كانت معيبة على النحو التالي:
يجزىء في حد السرقة قطع اليد اليمنى إذا
كانت شلاء إلا إذا خيف من قطعها ألا يكف
الدم، فلو قرر أهل الخبرة أن عروقها لن تنسد
وأن دمها لن يجف فلا تقطع، وينتقل بالقطع
إلى الرجل اليسرى، أما إذا كانت اليد اليمنى
قد ذهب بعض أصابعها، فإنهم متفقون على
أنه يجزیء قطعها، ولو کان بها أصبح واحد.
فإذا نقصت الأصابع کلها، فالأصح عندهم:
الاكتفاء بقطعها، لأن اسم اليد يطلق عليها مع
نقصان الأصابع كلها. والقول الثاني في ناقصة
الخمس: أنها لا تجزىء في تمام الحد، فلا
تقطع، وينتقل إلى الرجل اليسرى. (٢)
وعند الحنابلة روايتان: تكتفي أولاهما بقطع
اليد اليمنى ولو كانت شلاء، إذا رأى أهل
الخبرة أنها لوقطعت رقا دمها وانحسمت
عروقها. والرواية الأخرى: يمنع قطع اليد
الشلاء، لأنها لا نفع فيها ولا جمال لها، وينتقل
(١) شرح الزرقاني ٩٢/٨ - ٩٣
(٢) أسنى المطالب ١٥٢/٤ - ١٥٣، المهذب ٢٨٣/٢
القطع إلى الرجل الیسری. وإذا كانت الید
اليمنى مقطوعة الأصابع ففي المذهب رأيان
أولهما: الاكتفاء بقطع الید الیمنی ولو ذهبت کل
أصابعها .
والثاني: عدم الاكتفاء بقطع اليمنى إذا
ذهب معظم نفعها، لأنها تكون في حكم
المعدومة وينتقل القطع إلى الرجل اليسرى. (١)
٦٤ - واختلف الفقهاء فيما لو تعلق القطع باليد
اليمنى، وكانت الید الیسری قد ذهبت
منفعتها، أو كانت مقطوعة في قصاص أوبآفة
سماوية، فعند الحنفية لا تقطع اليد اليمنى،
لأن قطعها يؤدي إلى تفویت منفعة الجنس
كلية، والحد إنما شرع زاجرا لا مهلكا. وبهذا
قال أحمد في إحدى الروایتین عنه. والرواية
الأخرى تتفق مع ما قال به المالكية والشافعية(٢)
من وجوب القطع في هذه الحالة، لأن اليد
اليسرى محل للقطع أيضا إذا تكررت السرقة .
ولا يختلف الحكم إذا تعلق القطع بالرجل
اليسرى، وكانت الرجل اليمنى قد قطعت أو
ذهبت منفعتها .
٦٥ - واختلفوا كذلك فيما لو تعلق القطع باليد
اليمنى، وكانت مقطوعة: فذهب الحنفية إلى
(١) كشاف القناع ٨٧/٤ - ٨٨، المغني ٢٦٨/١٠، ٢٦٩
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٨٧، شرح الزرقاني ٩٢/٨، ٩٣،
أسنى المطالب ١٥٢/٤ - ١٥٣، الإقناع ٢٨٦/٤
- ٣٣٧ -
سرقة ٦٥ - ٦٦
انتقال القطع إلی الرجل الیسری إذا کان ذهاب
اليد اليمنى قد حدث قبل السرقة، أوبعدها
وقبل المخاصمة، لأن الحد لم يتعلق بالعضو
الذاهب، فلا يسقط بذهابه. بخلاف ما لو
ذهبت اليد اليمنى بعد المخاصمة وقبل
القضاء، أو بعد المخاصمة والقضاء، فلا ينتقل
الحد إلى الرجل اليسرى، بل يسقط، لأن
المخاصمة تؤدي إلى تعلق القطع باليد
اليمنى، فإذا ذهبت سقط الحد لذهاب محله.
وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية
والحنابلة(١) إلى انتقال القطع إلى الرجل
اليسرى إذا ذهبت اليد اليمنى قبل السرقة.
وإلى سقوط الحد إذا ذهبت بعد السرقة، سواء
كان ذهابها قبل الخصومة أو بعدها، وقبل
القضاء أو بعده، بآفة أو جناية، أو قصاص لأنه
بمجرد السرقة تعلق القطع باليد اليمنى، فإذا
ذهبت زال ما تعلق به القطع فسقط .
٢ - موضع القطع ومقداره :
٦٦ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة وغيرهم إلى أن قطع اليد
يكون من الكوع، وهو مفصل الكف، لأن
(١) بدائع الصنائع ٨٨/٧، حاشية الدسوقي ٣٧٤/٤، شرح
الزرقاني ١٠٨/٨، أسنى المطالب ١٥٣/٤، مغني المحتاج
٤/ ١٧٩، كشاف القناع ١٤٨/٤، المغني ٢٦٩/١٠
النبي # قطع يد السارق من الكوع. (١) ولقول
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: إذا سرق
السارق فاقطعوا يمينه من الكوع.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن موضع القطع
من اليد: المنكب، لأن اليد اسم للعضومن
أطراف الأصابع إلى المنكب. وذهب بعضهم
إلى أن موضع القطع: مفاصل الأصابع التي
تلى الكف. (٢)
وموضع قطع الرجل هو مفصل الكعب من
الساق، فعل ذلك عمر رضى الله عنه، وذهب
إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية وغيرهم، وهورواية عن أحمد،
والرواية الأخرى عنه أن موضع القطع:
أصول أصابع الرجل وبهذا قال بعض الفقهاء،
لما روي من أن عليا رضي الله عنه كان يقطع من
شطر القدم، ويترك للسارق عقبه يمشي
عليها. (٣)
(١) حديث: ((قطع يد السارق من الكوع)). أخرجه البيهقي
(٢٧١/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
عبدالله بن عمر وقال: ((قطع النبي * سارقا من المفصل)).
وفي إسناده مقال، ولكن أورد قبله شاهدا من حديث
جابر بن عبدالله يتقوی به.
(٢) المبسوط ١٣٣/٩، ابن عابدين ٢٨٥/٣، حاشية
الدسوقي ٣٣٢/٤، بداية المجتهد ٤٤٣/٢
(٣) المهذب ٣٠١/٢، كشاف القناع ١١٨/٦، البحر الرائق
٦٦/٥، شرح الزرقاني ٩٢/٨ - ٩٣، أسنى المطالب
٤ /١٥٢، المغني ٢٦٦/١٠، أحكام القرآن للجصاص
٤/ ٧٠ - ٧١، شرح منتهى الإرادات ٢٧٢/٣، فتح
الباري ١٠٤/١٥، المهذب ٣٠١/٢
- ٣٣٨ -
....
...---
سرقة ٦٧ - ٦٨
٣ - كيفية القطع .
٦٧ - من المتفق عليه بين الفقهاء مراعاة
الإحسان في إقامة الحد، لقوله{چ#: ((لا تكونوا
عون الشيطان على أخيكم))(١) وعلى ذلك
ينبغي أن يتخير الحاكم الوقت الملائم للقطع،
بحیث یجتنب الحر والبرد الشدیدین، إن كان
ذلك يؤدي إلى الإضرار بالسارق، ولا یقیم
الحد أثناء مرض یرجی زواله، ولا يقيم الحد
على الحامل أو النفساء، ولا على العائد في
السرقة قبل أن يندمل الجرح السابق. كما ينبغي
أن یساق السارق إلی مکان القطع سوقا رفيقا،
فلا یعنف به، ولا یعیر، ولا یسب. فإذا وصل
إلى مكان القطع (يجلس، ويضبط لئلا يتحرك
فیجني علی نفسه، وتشد یده بحبل ويجر حتی
يبين مفصل الذراع، ثم توضع بينهما سكين
حادة، ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة واحدة، أو
توضع علی المفصل وتمد مدة واحدة، وإن علم
قطع أوحى من ذلك - أي أسرع - قطع به). (٢)
ولا خلاف بين الفقهاء على حسم موضع
القطع، وذلك باستعمال ما يسد العروق ويوقف
نزف الدم، لقوله ◌َلّ فيمن ثبتت عليه السرقة:
(١) حديث: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)). أخرجه
البخاري (الفتح ٧٥/١٢ - ط السلفية) من حديث أبي
هريرة .
(٢) المغني والشرح الكبير ٢٦٦/١٠ وما بعدها.
((اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه)). (١) ولكن
الخلاف بينهم في حكم الحسم: فمذهب
الحنفية والحنابلة أنه واجب عيني على من قام
بالقطع، لأن صيغة الأمر في الحديث تفيد الوجوب.
وذهب المالكية - في المشهور عنهم - إلى أن
الحسم واجب على الكفاية، فلا يلزم واحدا
بعينه، فإذا قام به القاطع أو المقطوع أو غيرهما
فقد حصل المطلوب. والأصح عند الشافعية:
أن الأمر بالحسم يحمل على الندب،
لا الوجوب، لأنه حق للمقطوع، لا لتمام
الحد، فیجوزللإمام أن یتركه. وحينئذ یندب
للإِمام ولغيره أن يفعله، لما فيه من مصلحة
السارق وحفظه من الهلاك. ولا يمنع ذلك من
وجوبه على السارق إذا لم يقم به أحد، فإذا
تعذر على المقطوع فعل الحسم، لإِغماء ونحوه
وترتب على تركه تلف محقق، فلا يجوز للإِمام
إهماله، بل يجب عليه فعله، كما قاله البلقيني
وغيره. ومقابل الأصح عندهم: أن الحسم تتمة
للحد، فيجب على الإِمام فعله، ولا يجوز أن يهمله(٢)
٦٨ - ويسن - عند الشافعية والحنابلة - تعليق
(١) حديث: ((اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه)). أخرجه
الدار قطني (١٠٢/٣ - ط دار المحاسن) من حديث أبي
هريرة، ثم أشار إلى إعلاله بأنه روي مرسلا.
(٢) ابن عابدين ٢٨٥/٣، الفتاوى الهندية ٢/ ١٨٢، كشاف
القناع ١١٩/٦، المغني والشرح الكبير ٢٦٦/١٠،
الخرشي على خليل ٩٢/٨، القليوبي وعميرة ١٩٨/٤،
مغني المحتاج ١٧٨/٤
- ٣٣٩ -
سرقة ٦٨ - ٧٠
اليد المقطوعة في عنق السارق، ردعا للناس،
استنادا إلى ماروي من أن النبي # أتي بسارق
فقطعت يده، ثم أمربها فعلقت في عنقه. (١)
وقد حدد الشافعية مدة التعليق بساعة واحدة،
أما الحنابلة فلم يحددوا مدة التعليق.
وذهب الحنفية إلی أن تعلیق الید لا یسن،
بل يترك الأمر للإِمام، إن رأى فيه مصلحة
فعله، وإلا فلا. (٢) ولم يذكر المالكية شيئا عن
تعلیق الید.
٤ - تكرر القطع بتكرر السرقة:
تداخل الحد :
٦٩ - من القواعد العامة التي استقرت في الفقه
الإِسلامي على اختلاف مذاهبه: أن مبنى
الحدود على التداخل، إذا اتحد موجبها ولم
يتعلق بالحد حق لآدمي. وبناء على ذلك : إذا
تكررت السرقة، قبل إقامة الحد، وكانت في کل
مرة توجب القطع، قطع السارق لجميعها قطعا
واحدا، لأن الحدود تدرأ بالشبهة فيتداخل
بعضها في بعض، ولأن المقصود هو الردع
(١) حديث: ((أن النبي ﴾ أُتي بسارق فقطعت يده ثم أمر بها
فعلقت في عنقه)). أخرجه النسائي (٩٢/٨ - ط. المكتبة
التجاریة) من حديث فضالة بن عبيد، ثم ذكر تضعيف
أحد رواته.
(٢) ابن عابدين ٣/ ٢٨٥، ابن نجيم ٦٦/٥، أسنى المطالب
١٥٣/٤، المهذب ٣٠١/٢، كشاف القناع ١١٩/٦،
المغني ١٠/ ٢٦٧
والزجر، وذلك يحصل بإقامة الحد الواحد. (١)
السرقة بعد القطع :
٧٠ - اختلف الفقهاء في حکم السارق، إذا
قطعت يمينه ثم عاد للسرقة، على النحو
التالي:
ذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن: من
قطعت یمینه في السرقة الأولى، ثم سرق بعد
ذلك، فإنه يضرب ويحبس، إذ لا قطع إلا في
السرقة الأولى. لقول الله تبارك وتعالى :
﴿فاقطعوا أيديهما﴾(٢) أي الید الیمنی، كما جاء
في قراءة ابن مسعود: ((فاقطعوا أيمانهما)) ولو
شاء الله لأمر بقطع الرجل ﴿وما كان ربك
نسيا﴾(٣)
وذهب ربيعة وبعض الفقهاء إلى أن: من
قطعت يمينه في السرقة الأولى، ثم سرق مرة
ثانية، تقطع يده اليسرى، فإن عاد إلى السرقة
بعد ذلك، فليس عليه قطع، بل يعزر، وذلك
لأن الله تعالى أمر بقطع الأيدي، وهي تشمل
اليمنى واليسرى، وإدخال الأرجل في القطع
زيادة على النص. (٤)
(١) المبسوط ٩/ ١٧٧، شرح الزرقاني ١٠٨/٨، نهاية المحتاج
٧/ ٤٦٧، المغني والشرح الكبير ٢٦٨/١٠
(٢) سورة المائدة / ٣٨
(٣) سورة مريم / ٦٤
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦١٣/٢، المحلى ٣٥٤/١١،
المغني ٢٦٥/١٠، فتح الباري ١٠٥/١٥ - ١٠٦
- ٣٤٠ -