Indexed OCR Text

Pages 161-180

سبي ٢١ - ٢٣
بالقول أو بالتصرف فيهم کما يتصرف في الرقيق
أو بدلالة الحال. (١)
التصرف في السبي بالبيع وغيره:
٢١ - السبي يعتبر من الغنائم والإِمام مخير في
التصرف فيه على ما سبق بيانه من جواز المن أو
الفداء أو الاسترقاق على الخلاف الذي سبق.
والسبي بعد القسمة يكون ملكا لمن وقع في
سهمه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره.
أما قبل القسمة فالحق في ذلك للإِمام،
والإِمام منوط به التصرف بما فيه الأصلح
للغانمين. (٢) وينظر مصطلح (غنيمة).
التفريق بين الأم ووليدها المسبيين:
٢٢ - لا يجوز التفرقة بين الأم ووليدها المسبيين
في البيع أو في قسمة الغنيمة، والأصل فيه ما
روي عن رسول الله له أنه قال: ((لا توله والدة
عن ولدها)).(٣) والتفريق بينهما تولیه فكان منهيا
عنه، وروى أبو أيوب قال: سمعت
(١) البدائع ١١٩/٧، وابن عابدين ٣/ ٢٣٠، والفتاوى
الهندية ٢٠٦/٢ - ٢٠٧، والدسوقي ١٨٤/٢، ومغني
المحتاج ٢٢٨/٤، والمغني ٣٧٦/٨، ٤٨١
(٢) المغني ٨/ ٤٤٥، ٤٤٦، ٤٤٧، والاختيار ١٢٦/٤، ومنح
الجلیل ٧٤٥/١ - ٧٤٩
(٣) حديث: ((لا توله والدة عن ولدها)). أخرجه البيهقي (٨/ ٥
- ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي بكر، وضعف
إسناده ابن حجر في التلخيص (١٥/٣ - ط شركة الطباعة
الفنية).
رسول الله لي يقول: ((من فرّق بين الوالدة
وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم
القيامة)). (١) وقد ((رأى النبي عليه امرأة والهة في
السبي فسأل عن شأنها فقيل قد بيع ولدها فأمر
بالرد)». (٢) وهذا باتفاق. (٣) وفي الموضوع
تفصيل من حيث شمول التفريق لغير الأم من
ذوي الأرحام، أولا، وهل يختص التفريق
يكون الولد صغيرا أو يشمل ذلك حالة الكبر
أيضا.
وينظر هذا التفصيل في: (بيع منهي عنه)
ف١٠١) و(رق ف٣٩).
أثر السبي في الحكم بإسلام المسبي:
٢٣ - إذا سبي من لم يبلغ من أولاد الكفار صار
رقيقا على ما تقدم، أما الحكم بإسلام الصغير
المسبي فله ثلاثة أحوال:
الأول: أن یسبی منفردا عن أبويه فإنه يصیر
مسلما، لأن الدین إنما يثبت له تبعا، وقد
انقطعت تبعيته لأبویه لانقطاعه عنهما وإخراجه
(١) حديث: «من فرق بین الوالدة وولدها فرق الله بینه وبین
أحبته يوم القيامة)). أخرجه الترمذي (٥١١/٣ - ط الحلبي)
وقال: ((حدیث حسن غريب».
(٢) حديث: ((رأى في السبي امرأة والهة)). أورد الزيلعي في
نصب الراية (٤/ ٢٤ - ط المجلس العلمي) حديثا بمعناه.
وعزاه إلى البيهقي في المعرفة .
(٣) البدائع ٢٢٨/٥، والقوانين الفقهية / ١٤٥، ١٤٦،
والمهذب ٢/ ٢٤٠، والمغني ٤٢٢/٨
- ١٦١ -

سبي ٢٣ - ٢٤
عن دارهما، ومصيره إلى دار الإِسلام تبعا
لسابیه المسلم فکان تابعا له في دينه، وهو قول
الحنفية والحنابلة ورواية أهل المدينة عن مالك،
ومقابل ظاهر المذهب عند الشافعية.
وعند ابن القاسم من المالكية وهو ظاهر
المذهب عند الشافعية أنه باق علی کفره تبعا
لأبيه، ولا يتبع السابي في الإِسلام، لأن يد
السابي يد ملك فلا توجب إسلامه كيد
المشتري .
الثاني: أن یسبی مع أحد أبویه، فعند جمهور
الفقهاء - الحنفية والمالكية والشافعية - يعتبر كافرا
تبعا لأبيه أو أمه في الكفر، لأنه لم ینفرد عن أحد
أبويه فلم يحكم بإسلامه ولقول النبي مهار: ((كل
مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه
أو يمجسانه)).(١)
وعند الحنابلة يحكم بإسلامه، وبهذا قال
الأوزاعي لقول النبي ◌َله: ((كل مولود يولد على
الفطرة))، الحديث، فمفهومه أنه لا يتبع
أحدهما، لأن الحكم متی علق بشیئین لا یثبت
بأحدهما، ولأنه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد
أبويه قياسا على ما لو أسلم أحد الأبوين.
الثالث: أن یسبی مع أبويه فإنه یکون علی
دينهما لقول النبي قال: ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه
(١) حديث: ((كل مولود يولد على الفطرة)). أخرجه البخاري
(الفتح ٢٤٦/٣ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
أو يمجسانه))، وهما معه وملك السابي له
لا يمنع اتباعه لأبويه بدليل ما لوولد في ملكه
من عبده وأمته الكافرين.
وإن أسلم أحد الأبوين فهو مسلم تبعاله
لأن الإِسلام أعلى، فكان إلحاقه بالمسلم منهما
أولی .
وعند المالكية هو على دين أبيه ولا عبرة
بإسلام أمه أو جده. (١)
وينظر تفصيله في بحث : (إسلام ف٢٥)
(٤ / ٢٧٠)
أثر السبي في النكاح:
سبي المتزوجات من الكفار لا يخلو من ثلاثة
أحوال:
٢٤ - أحدها: أن يسبى الزوجان معا، فعند
المالكية والشافعية ینفسخ نكاحهما، وهو قول
الثوري واللیث وأبي ثور، كما روى أبو سعيد
الخدري رضي الله عنه قال: ((أصابوا سبيا يوم
أوطاس لهن أزواج فتخوفوا فأنزلت هذه الآية
﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت
أيمانكم﴾ (٢) فحرم المتزوجات إلا المملوكات
(١) البدائع ١٠٤/٧، والكافي لابن عبدالبر ٤٦٧/١ - ٤٦٨،
الدسوقي ٣٠٥/٤، والمهذب ٢/ ٢٤٠، والمغني ٤٢٦/٨
(٢) سورة النساء/ ٢٤. وحديث أبي سعيد: ((أصابوا سبيا يوم
أوطاس)). أخرجه مسلم ٢/ ١٠٨٠ - ط الحلبي).
- ١٦٢ -

سبي ٢٤ - ٢٦
بالسبي فدل على ارتفاع النكاح ،
قال الشافعي: «سبی رسول الله ێ أوطاس
وبنى المصطلق وقسم الفيء، وأمر ألا توطأ
حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض، ولم
يسأل عن ذات زوج ولا غيرها))(١) قال
الشافعية: وإن کان الزوجان مملوکین فسبیا فلا
نص فيه، والذي يقتضيه قياس المذهب أن
لا ینفسخ النكاح، لأنه لم يحدث بالسبي رق،
وإنما حدث انتقال الملك فلم ینفسخ النكاح كما
لو انتقل الملك فيهما بالبيع، قال أبو إسحاق
الشيرازي : ومن أصحابنا من قال: ینفسخ
النكاح، لأنه حدث سبي یوجب الاسترقاق
وإن صادف رقا كما أن الزنا يوجب الحد وإن
صادف حدا. (٢).
وعند الحنفية والحنابلة لا ينفسخ نكاحهما
بالسبي معا. قال الحنفية: لعدم اختلاف
الدارين ، فسبب البينونة هوتباين الدارين
دون السبي، لأن مصالح النكاح لا تحصل مع
التباين حقيقة وحكما، لأن مصالحه إنما تحصل
بالاجتماع، والتباين مانع منه، أما السبي فإنه
يقتضي ملك الرقبة وذلك لا ينافي النكاح ابتداء
(١) حديث: ((أمر ألا توطأ حامل حتى تضع ... )) أخرجه
أبوداود (٢/ ٦١٤ ۔۔ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث
أبي سعيد الخدري، وحسنه ابن حجر في التلخيص
(١٧٢/١ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) الدسوقي ٢/ ٢٠٠، والمهذب ٢٤١/٢
فكذا بقاء. وقال الحنابلة: إن الرق معنى
لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته
كالعتق، وقوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء
إلا ما ملكت أيمانكم﴾،(١) نزلت في سبايا
أوطاس، وکانوا أخذوا النساء دون أزواجهن،
وعموم الآية مخصوص بالمملوكة المزوجة في دار
الإِسلام فيخص منه محل النزاع بالقياس
عليه . (٢)
٢٥ - الثاني: أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ
النكاح بلا خلاف عند الفقهاء، والآية دالة
علیه، وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري وهو
الحديث السابق، وتعلیل الفسخ وسببه عند
جمهور الفقهاء هو السبي، أما عند الحنفية فهو
اختلاف الدار. (٣)
٢٦ - الثالث: أن يسبى الرجل وحده فعند
جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والشافعية وأبي
الخطاب من الحنابلة ۔ینفسخ النكاح لاختلاف
الدار عند الحنفية، وللسبي عند غيرهم.
وعند الحنابلة - غير أبي الخطاب - لا ينفسخ
النكاح لأنه لا نص فيه، ولا القياس يقتضيه.
وقد سبى النبي ◌َ ﴿ سبعين من الكفاريوم بدر
فَمَنَّ علىْ بَعْضِهم وفادى بعضا. (٤) ولم يحكم
(١) سورة النساء/ ٢٤
(٢) الاختيار ١١٣/٣، والبدائع ٣٣٩/٢، والمغني ٤٢٧/٨
(٣) الاختيار ١١٣/٣، والبدائع ٣٣٩/٢، والدسوقي
٢/ ٢٠٠، والمهذب ٢٤١/٢، والمغني ٨/ ٤٢٧
(٤) حديث: سبى النبي* سبعين من الكفاريوم بدر . =
- ١٦٣ -

سبي ٢٧، سبيكة ١ - ٢
عليهم بفسخ أنكحتهم، ولأننا إذا لم نحكم
بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا مع الاستيلاء
علی محل حقه، فلأن لا ینفسخ نكاحه مع عدم
الاستيلاء أولى. (١) (ر: نكاح).
الزواج بالمسبية :
٢٧ - السبايا من النساء يعتبرن من الغنائم إلى
أن تتم قسمة الغنيمة، فإذا قسمت بين الغانمين
فکل من وقع في سهمه سبية ملکها وصارت أمة
له، ويحل له وطؤها بملك الیمین بعد استبرائها
لقول الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا
ما ملكت أيمانكم﴾.(٢) وقد نزلت في سبایا
أوطاس على ما روى أبو سعيد الخدري . (٣)
أما حل نكاحها فهو محل اختلاف الفقهاء في
جواز نكاح الأمة، وما يشترط في ذلك، وقد
سبق تفصيل القول في ذلك في بحث: (رق:
ف ٧٤ وما بعدها).
= أخرجه البخاري (الفتح ٧/ ٣٠٧ - ط السلفية) من
حدیث البرار بن عازب. وأما فداء بعضهم فقد ورد من
حديث ابن عباس. أخرجه أبو داود (١٣٩/٣ - تحقيق
عزت عبيد دعاس).
(١) المراجع السابقة.
(٢) سورة النساء/ ٢٤
(٣) ينظر البدائع ٢/ ٢٧١، ٣٣٩، والمغني ٦/ ٥٩٦ - ٥٩٧،
٤٢٧/٨، والأحكام السلطانية للماوردي/ ٥٤
سبيكة
التعريف :
١ - السبيكة القطعة المستطيلة من الذهب،
والجمع سبائك، وربما أطلقت على كل قطعة
متطاولة من أي معدن كان، وربما أطلقت على
القطعة المذوبة من المعدن ولو لم تكن متطاولة،
وهي مأخوذة من سبكت الذهب أو الفضة سبكا
من باب قتل إذا أذبته وخلصته من خبثه.(١)
الألفاظ ذات الصلة :
التبر :
٢ - من معاني التبر في اللغة ما كان من الذهب
غير مضروب، فإذا ضرب دنانير فهو عين،
ولا يقال تبرإلا للذهب. وبعضهم يقوله للفضة
أيضا. وقد يطلق التبر على غير الذهب والفضة
من المعادن.
وعرفه الشافعية بأنه اسم للذهب والفضة
قبل ضربهما، أو للذهب فقط، وهو تعريف
للمالكية. (٢)
(١) المصباح والمغرب مادة: (سبك).
(٢) الصحاح واللسان والمصباح مادة: (تبر)، وابن عابدين =
- ١٦٤ -

سبيكة ٣ - ٦
تراب الصاغة :
٣ - عرفه المالكية بأنه هو الرماد الذي يوجد في
حوانیت الصاغة ولا یدری مافيه.
انظر مصطلح: ( تراب الصاغة : ف ١ )
(١٤٥/١١).
الأحكام المتعلقة بالسبائك :
أ - الزكاة في سبائك الذهب والفضة:
٤ - الزكاة واجبة في الذهب والفضة ولا فرق في
ذلك بین أن یکونا مضروبین أو غیرمضروبین
إذا بلغ كل منهما نصابا، وحال عليه الحول. (١)
والتفصيل في مصطلح (زكاة).
وأما السبائك المستخرجة من الأرض فالزكاة
واجبة فيها أيضا، وفي مقدار الواجب إخراجه
منها خلاف في كونه الخمس أوربع العشر. (٢)
انظر: (ركاز، ومعدن، وزكاة).
= ٤٤/٢ - ط المصرية، وجواهر الإكليل ٢/ ١٧١ - ط دار
المعرفة، وحاشية القليوبي ٥٢/٣ - ط الحلبي.
(١) فتح الباري ٣/ ٢١٠، وانظر تفسير القرطبي والطبري،
وأحكام القرآن للجصاص كلهم في تفسير الآيتين ٣٤، ٣٥
من سورة التوبة .
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٤ - ٤٦ - ط المصرية، جواهر
الإكليل ١٣٧/١ ط المعرفة، شرح الزرقاني ١٦٩/٢ -
١٧١ - ط الفكر، حاشية القليوبي ٢٥/٢ - ٢٦ - ط
الحلبي، ونيل الأوطار ١٤٧/٤ - ١٤٨ - ط/٣، والمغني
١٨/٣ - ٢٣ - ط الرياض.
ب - تحريم الربا في سبائك الذهب والفضة:
٥ - أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب
والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل، یدا بید،
لما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري
أن رسول الله صل قال: ((لا تبيعوا الذهب
بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على
بعض، ولا تبیعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل،
ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها
غائبا بناجز)). (١)
ولا فرق في ذلك بين المصوغ منهما وغيره. (٢)
والتفصيل في مصطلح : (ربا).
جـ - جعل السبيكة رأس مال في الشركة:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة والراجح عند الحنفية) إلى أنه لا يجوز
أن یکون رأس مال الشرکة سبائك. ويجوز عند
بعض الحنفية جعل السبائك رأس مال في شركة
المفاوضة إن جرى التعامل بها، فينزل التعامل
(١) حديث أبي سعيد الخدري: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا
مثلا بمثل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٣٨٠ - ط
السلفية).
(٢) فتح الباري ٤/ ٣٨٠ - ط السلفية، صحيح مسلم
١٢٠٨/٣، ١٢١٠، ١٢١٢ - ط الحلبي، سنن أبي داود
٦٤٤/٣ - ٦٤٦، والاختيار ٣٩/٢ - ط المعرفة، بداية
المجتهد ١٣٨/٢ - ١٣٩، شرح روض الطالب ١٢٢/٢ -
ط الريان، المغني ٤/ ١٠ - ١١ ط الرياض.
- ١٦٥ -

سبیکة ٧، سبيل الله ١ - ٣
حينئذ منزلة الضرب، فيكون ثمنا، ويصلح أن
یکون رأس مال.(١)
وتفصيل ذلك في مصطلح : (شركة).
أما التبر والحلي والسبائك فأطلقوا منع
الشركة فيها، ويجوز أن يبنى على أن التبرمثلي
أم لا؟ وفيه خلاف. (٢)
د - قطع يد سارق السبيكة :
٧ - تقطع يد السارق إذا كان مكلفا، وأخذ مالا
خلسة لا شبهة له فیه، وأخرجه من حرزه،
وبلغ ذلك المال نصابا .
والقول الراجح في قدر ذلك النصاب هوربع
دينار، وفي الاعتبار بذلك بالذهب المضروب أو
بغيره خلاف.
فعلى القول بأن الاعتبار بالذهب المضروب
فإنه لا قطع بسرقة سبیکة أو حلي لا تبلغ قيمتهما
ربع دينار على وجه عند الشافعية.
والتفصيل في: (سرقة).
(١) الاختيار ١٥/٣ - ط المعرفة، تبيين الحقائق ٣١٦/٣ - ط
الأميرية، فتح القدير ١٤/٥ - ١٦ ط الأميرية.
(٢) روضة الطالبين ٢٧٦/٤ - ط المكتب الإسلامي، الإقناع
٢/ ٤١ - ط الحلبي
سبيل الله
التعريف :
١ - السبيل هو الطريق، يذكر ويؤنث. قال الله
تعالی: ﴿قل هذه سبيلي﴾. (١)
ع
وسبيل الله في أصل الوضع هو: الطريق
الموصلة إليه تعالی، فیدخل فيه کل سعي في
طاعة الله، وفي سبيل الخير.
وفي الاصطلاح هو الجهاد. (٢)
الحكم التكليفي :
٢ - قال جمهور الفقهاء وعامة المفسرين: سبيل
الله وضعا هو الطريق الموصلة إلى الله، ويشمل
جميع القرب إلى الله، إلا أنه عند الإطلاق
ينصرف إلى الجهاد لكثرة استعماله فيه في
القرآن، کقوله تعالى : ﴿وقاتلوا في سبيل الله
الذين يقاتلونكم﴾(٣) وقوله: ﴿إن الله يحب
(١) سورة يوسف/ ١٠٨
(٢) مختار الصحاح وبدائع الصنائع ٤٥/٢ - ٤٦، وفتح القدير
٢/ ٢٥٠، وابن عابدين ٢/ ٦٠، ونهاية المحتاج ١٥٨/٦،
والقليوبي ١٩٨/٣، وروض الطالب ٣٩٨/٢، والمغني
٤٣٥/٦، وكشاف القناع ٢٨٣/٢
(٣) سورة البقرة/ ١٩٠
- ١٦٦ -

سبيل الله ٢
الذين يقاتلون في سبيله صفا﴾ . (١)
وما في القرآن من ذكر ((سبيل الله)) إنما أريد به
الجهاد إلا الیسیر منه فيحمل عليه.
ولأن الجهاد هو سبب الشهادة الموصلة إلى
الله، و(سبيل الله) في مصارف الزكاة يعطى
للغزاة المتطوعین الذین لیس لهم سهم في دیوان
الجند لفضلهم علی غیرهم، لأنهم جاهدوا من
غير أرزاق مرتبة لهم. (٢) فيعطون ما يشترون به
الدواب والسلاح، وما ينفقون به على العدو
وإن كانوا أغنياء، وبهذا قال مالك والشافعي
وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور وأبو عبيد
وابن المنذر، واحتجوا بما روى أبو سعيد
الخدري رضي الله عنه عن النبي ويلي: ((لا تحل
الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو
رجل اشتراها باله، أو غارم، أو غاز في سبيل
الله، أو مسکین تصدق علیه منها فأهدی منها
لغني» .(٦)
وقالوا: ولأن الله تعالى جعل الفقراء
والمساكين صنفين، وعد بعدهما ستة أصناف فلا
يلزم وجود صفة الصنفين في بقية الأصناف كما
(١) سورة الصف/ ٤
(٢) المصادر السابقة.
(٣) حديث: ((لا تحل الصدقة إلا لخمسة ... )) أخرجه أحمد
(٥٦/٣ - ط اليمنية) وأخرج شطرا منه الحاكم (١/ ٤٠٧ -
٤٠٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه
الدهبي.
لا یلزم صفة الأصناف فیھما. (١)
وقال الحنفية: لا تدفع إلا لمن كان محتاجا
إليها، وذلك لحديث ابن عباس في قصة بعث
الرسول* لمعاذ بن جبل إلى اليمن وفيه:
«أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ
من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). (٢)
فقد جعل الناس قسمين: قسما يؤخذ
منهم، وقسما یصرف إليهم، فلوجاز صرف
الصدقة إلى الغني لبطلت القسمة، وهذا
لا يجوز.(٣)
وقال محمد بن الحسن: المراد من قوله
تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ الحاج المنقطع، لما
روي ((أن رجلا جعل بعیرا له في سبيل الله فأمره
النبي : أن يحمل عليه الحجاج)) (٤) وروي
أيضا أن رجلا جعل جملا له في سبيل الله فأرادت
امرأته الحج، فقال رسول الله صل: ((فهلا
(١) المصادر السابقة.
(٢) حديث ابن عباس: ((أخبرهم أن الله قد فرض عليهم
صدقة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣/ ٣٥٧ - ط السلفية).
(٣) بدائع الصنائع ٤٦/٢، وابن عابدين ٢/ ٦٠، وفتح
القدیر ٢٠٥/٢
(٤) حديث ((أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله)). استشهد به
الكاساني في بدائع الصنائع (٤٦/٢ - نشر دار الكتاب
العربي)، وذكره الزیلمي في نصب الراية (٣٩٥/٢ - ط
المجلس العلمي) ولم يعزه إلى أي مصدر حديثي، وإنما
أشار إلى الحديث الذي يليه في هذا البحث.
- ١٦٧ -

٠٠
سبيل الله ٢، ستر ١
خرجت علیه، فإن الحج في سبيل الله».(١) وعن
أبي طليق: قال: طلبت مني أم طليق جملا تحج
علیه فقلت: قد جعلته في سبيل الله، فسألت
رسول الله له، فقال: ((صدقت، لو أعطيتها
كان في سبيل الله)). (٢)
ويؤثر عن أحمد وإسحاق أنهما قالا : سبيل
الله : الحج، وقال ابن عمر رضي الله عنهما:
سبيل الله الحجاج والعمار.
وقال بعض الحنفية: سبيل الله طلبة العلم.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: ((ظاهر اللفظ
في قوله تعالى : ﴿وفي سبیل الله﴾ لا یوجب
القصر على الغزاة، فلهذا نقل القفال في
تفسيره عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف
الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين
الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد، لأن
سبيل الله عام في الكل. (٣)
وتفصيل الكلام عن مصرف سبيل الله في
(زكاة: ف ١٧٢)
(١) حديث: ((فهلا خرجت عليه، فإن الحج في سبيل الله)).
أخرجه أبوداود (٢ / ٥٠٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله
الشوكاني بجهالة راوٍ فیه، وبالاضطراب في سنده. کذا في
نيل الأوطار (٤ /١٩١ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((أبي طليق قال: طلبت ... )) أخرجه البزار
(كشف الأستار ٣٨/٢ - ٣٩ - ط الرسالة) وقال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٠ - ط
القدسي).
(٣) ابن عابدين ٢/ ٦٠ وتفسير الرازي.
ستر
التعريف :
١ - السترلغة: تغطية الشيء، وستر الشيء
يستره سترا أي أخفاه، وتسترأي تغطى، وفي
الحديث: ((إن الله حبيٌ ستير يحب الحياء
والستر)). (١) أي من شأنه وإرادته حب الستر
والصون لعباده.
ويقال: رجل ستور وستير، أي عفيف.
والسترما يستتربه، والاستتار: الاختفاء،
ومنه قوله تعالى : ﴿وما کنتم تستترون أن يشهد
عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودکم﴾(٢)
والسترة ما استترت به من شيء كائنا
ما كان. (٣)
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه
اللغوي .
(١) حديث: ((إن الله حبي ستير يجب الحياء والستر)). أخرجه
أبو داود (٤ / ٣٠٢ ۔ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث
يعلى بن أمية وإسناده صحيح.
(٢) سورة فصلت / ٢٢
(٣) لسان العرب، غريب القرآن للأصفهاني.
- ١٦٨ -

ستر ٢
الأحكام المتعلقة بالستر :
أ - ستر عيوب المؤمن :
٢ - أجمع العلماء على أن من اطلع على عيب أو
ذنب أو فجور لمؤمن من ذوي الهيئات أو نحوهم
ممن لم يعرف بالشر والأذى ولم يشتهر بالفساد، ولم
یکن داعیا إلیه، کان یشرب مسکرا أویزني أو
یفجر متخوفا متخفیا غیر متهتك ولا مجاهر یندب
له أن يستره، ولا یکشفه للعامة أو الخاصة،
ولا للحاكم أو غير الحاكم، الأحاديث الكثيرة
التي وردت في الحث على سترعورة المسلم
والحذر من تتبع زلاته، ومن هذه الأحاديث:
قوله# *: ((من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة))
وفي رواية ((ستره الله في الدنيا والآخرة))(١)
وقوله{#: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)). (٢)
وقوله وله: ((من ستر عورة أخيه المسلم ستر
الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه
(١) حديث: (من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) وفي رواية:
((ستره الله في ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥/ ٩٧ - ط
السلفية) ومسلم (١٩٩٦/٤ - ط الحليي) في حديث ابن
عمر.
والرواية الاخرى أخرجها الترمذي (١٩٥/٥ -ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)). أخرجه أبوداود
(٤/ ٥٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة:
وضعف المنذري أحد رواته، ونقل عن ابن عدي أنه:
استنكر الحديث بهذا الإسناد. وقال: روي هذا الحديث
من أوجه أخر، ليس منها شيء يثبت. كذا في مختصر السنن
(٢١٣/٦ - نشر دار المعرفة).
المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في
بیته)». (١)
ولأن كشف هذه العورات، والعيوب
والتحدث بما وقع منه قد يؤدي إلى غيبة محرمة
وإشاعة الفاحشة.
قال بعض العلماء: اجتهد أن تستر العصاة،
فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإِسلام،
وأولى الأمور ستر العيوب. قال الفضيل بن
عياض: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك
ويعير.
أما من عرف بالأذى والفساد والمجاهرة
بالفسق وعدم المبالاة بما یرتکب، ولا یکترث لما
یقال عنه فیندب کشف حاله للناس وإشاعة
أمره بینهم حتی یتوقوه وحذروا شره، بل ترفع
قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف مفسدة أكبر،
لأن السترعلى هذا يطمعه في الإيذاء والفساد
وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله.
فإن اشتد فسقه ولم يرتدع من الناس فیجب أن
لا یسترعلیه بل یرفع حاله إلى ولي الأمر حتی
یؤدبه ویقیم علیه ما يترتب على فساده شرعا
من حد أو تعزير ما لم يخش مفسدة أكبر.
وهذا كله في ستر معصية وقعت في الماضي
(١) حديث: ((من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم
القيامة)). أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٥٠ - ط الحلبي) من
حديث ابن عباس، وضعف إسناده - البوصيري في مصباح
الزجاجة (٢/ ٧٠ - ط دار الجنان).
- ١٦٩ -

ستر ٢ - ٣
وانقضت. أما المعصية التي رآه عليها وهو
متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها ومنعه منها
على من قدر على ذلك، فلا يحل تأخيره
ولا السكوت عنها، فإن عجز لزمه رفعها إلى
ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أكبر،
لقوله وله: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده
فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه
وذلك أضعف الإيمان)).(١)
ومن هذا الباب قول العلماء: إنه لا ينبغي
لأحد أن يتجسس على أحد من المسلمين أو
يتتبع عوراته لقوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾(٢)
الآية.
ولما ورد عن النبي عليه من النهي عن
التجسس(٣) والتحسس على عورات المسلمين.
إلا أنهم استثنوا من ذلك ما يتعلق بجرح
الرواة، والشهود، والأمناء على الصدقات،
والأوقاف، والأيتام، ونحوهم، فيجب جرحهم
عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى
منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة
المحرمة، بل هو من النصيحة الواجبة بإجماع
(١) حديث: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ... ))
أخرجه مسلم (١/ ٦٩ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد
الخدري.
(٢) سورة الحجرات/ ١٢
(٣) حديث: النهي عن التجسس . ورد من حديث أبي
هريرة، أخرجه مسلم (١٩٨٥/٤ - ط الحلبي).
العلماء.
كما أجمعوا على أنه لورفع من يندب الستر
علیه إلى السلطان فلا إثم في ذلك، ولكن
الستر عليه أولى. (١)
ستر المؤمن على نفسه :
٣ - يندب للمسلم إذا وقعت منه هفوة أوزلة أن
یسترعلى نفسه ویتوب بينه وبين الله عز وجل
وأن لا يرفع أمره إلى السلطان، ولا يكشفه
لأحد كائنا ما كان، لأن هذا من إشاعة
الفاحشة التي توعد على فاعلها بقوله تعالى :
﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين
آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾(٢) ولأنه
هتك لستر الله سبحانه وتعالى، ومجاهرة
بالمعصية. (٣) قال النبي ﴾ ((اجتنبوا هذه
القاذورة، فمن ألم فليستتربستر الله ولیتب إلى
الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه
كتاب الله)). (٤)
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٣، الآداب الشرعية ٢٦٣/١،
دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٢/ ١٥، روضة
الطالبين ٨/ ٣٢٨، القوانين الفقهية ص٤٣٣
(٢) سورة النور/ ١٩
(٣) دليل الفالحين ٢/ ٢٩، الآداب الشرعية ١/ ٢٦٧، الأذكار
للإمام النووي ص٥٦٧، جواهر الإكليل ٢/ ٢٨٩، مغني
المحتاج ٤ / ١٥٠
(٤) حديث: ((اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها)). أخرجه
الحاكم (٤/ ٢٤٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
ابن عمر. وصححه ووافقه الذهبي.
- ١٧٠ -
٠

ستر ٤ - ٦
وقال: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين،
وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا
ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: یافلان عملت
البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح
یکشف ستر الله علیه» . (١)
ستر السلطان على العاصي :
٤ - يندب لولي الأمر إذا رفع العاصي أمره إليه
مما فيه حدٍّ أو تعزير في شيء من حقوق الله
تعالی معلنا توبته أن یتجاهله وأن لا یستفسره،
بل یأمره بالستر على نفسه، ويأمر غيره بالستر
عليه، ويحاول أن يصرفه عن الإقرار، ولاسيما إذا
كان معروفا بالصلاح والاستقامة أو كان مستور
الحال.
لما رواه أنس رضي الله عنه قال: «جاء رجل
إلى النبي له فقال: يارسول الله: أصبت
حدا، فأقمه علي قال: وحضرت الصلاة فصلى
مع رسول الله ﴿ فلما قضى الصلاة قال:
يارسول الله إني أصبت حدا فأقم فيَّ كتاب الله
قال: هل حضرت الصلاة معنا؟ قال: نعم:
قال: قد غفر لك)). (٢)
(١) حديث: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين)). أخرجه
البخاري (الفتح ٤٨٦/١٠ - ط السلفية) ومسلم
(٢٢٩١/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ
للبخاري.
(٢) حديث أنس: ((جاء رجل إلى النبي﴾ فقال:
يارسول الله ... )) أخرجه مسلم (٤/ ٢١١٧ - ط الحلبي).
ستر المظلوم عن الظالم :
٥ - قال العلماء: إنه يجب على المسلم أن يستر
أخاه المسلم إذا سأله عنه إنسان ظالم یرید قتله أو
أخذ ماله ظلما، وكذا لو كان عنده أو عند غيره
وديعة وسأل عنها ظالم يريد أخذها يجب عليه
سترها وإخفاؤها، ويجب عليه الكذب بإخفاء
ذلك، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف، ولکن
الأحوط في هذا كله أن يوري، ولوترك التورية
وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذه
الحال(١) واستدلوا بجواز الكذب في هذه الحال
بحديث أم كلثوم رضي الله عنها: أنها سمعت
رسول الله # يقول: ((ليس الكذاب الذي
يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول
خيرا)). (٢)
ستر الأسرار :
٦ - يندب للمسلم أن يستر أسرار إخوانه التي
علم بها، وأن لا يفشیها لأحد كائنا ما كان،
حتى وإن لم يطلب منه ذلك لأن إفشاء السر
يعتبر خيانة للأمانة، ويستدل لهذا بأدلة منها :
١) قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان
مسئولا﴾. (٣)
(١) القوانين الفقهية ص٤٣٤، دليل الفالحين ٣٨٢/٤،
الأذكار للإمام النووي ص٥٨٠
(٢) حديث: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ... ))
أخرجه مسلم (٢٠١١/٤ - ٢٠١٢ - ط الحلبي).
(٣) سورة الإسراء/ ٣٤
- ١٧١ -

ستر ٦
٢) وقول أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله
عنه: لعلك وجدت علي حین عرضت علي
حفصة فلم أرجع إليك شيئا، قال عمر:
فقلت: نعم، قال ((فإنه لم يمنعني أن أرجع
إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن
رسول الله﴾﴾ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر
رسول الله ﴿، ولو تركها النبي ( له لقبلتها)) (١)
٣) وعن أنس رضي الله عنه قال: أتى علي
النبي 18 وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا،
فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت
قالت: ماحبسك؟ قلت: بعثني رسول اللّه ◌َل﴾
لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر.
قالت: لا تحدثن بسر رسول الله أحد)). (٢)
:
٤) وقول السيدة فاطمة رضي الله عنها لأم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سألتها
ما قال لك رسول الله صل#1: ((ما كنت لأفشي
على رسول الله (َ﴾ سره)). (٣)
٥) وقد جاء في الأثر: ((إذا حدث الرجل
(١) قول أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: ((لعلك
وجدت ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٧٦/٩ - ط
السلفية).
(٢) حديث أنس: ((أتى علي النبي - وأنا ألعب ... )) أخرجه
مسلم (٤/ ١٤٢٩ - ط الحلبي).
(٣) قول السيدة فاطمة: (ما كنت لأفشي على رسول الله وَطي
سره)». أخرجه البخاري (الفتح ١١/ ٨٠ - ط السلفية)
ومسلم (٤ /١٩٠٥ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
الحديث ثم التفت فهي أمانة)).(١)
ويدخل في هذا الباب حفظ الأسرار
الزوجية، حيث يجب على كل واحد من
الزوجین أن يسترسر الآخر سواء كان ذلك
تفاصیل ما يقع حال الجماع وقبله من مقدماته أو
غير ذلك من الأسرار البيتية. (٢) لقوله وي ليه: ((إن
من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل
يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر
سرها)) . (٣)
ولأن الرسول : أقبل على صف الرجال
بعد الصلاة فقال لهم: ((هل منكم إذا أتى على
أهله أرخی بابه وأرخی ستره ثم يخرج فیحدث
فيقول: فعلت بأهلي كذا وفعلت بأهلي كذا؟
فسكتوا. فأقبل على النساء. فقال: هل منكن
من تحدث؟ فقالت فتاة منهن: والله إنهم
لیحدثون وإنہن لیحدثن. فقال: هل تدرون
ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك
مثل شيطان وشيطانة ، لقي أحدهما صاحبه
(١) دليل الفالحين ١٤٨/٣، القوانين الفقهية ص٤٣٥
وحديث: ((إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي
أمانة)». أخرجه الترمذي (٤ /٣٠١ - ط دار الكتب العلمية)
من حديث جابر بن عبدالله وقال: حديث حسن.
(٢) كشاف القناع ٥/ ١٩٤، دليل الفالحين ٣/ ١٤٩
(٣) حديث: ((إن من أشر الناس عند الله منزلة)). أخرجه مسلم
(٢/ ١٠٦٠ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري
- ١٧٢ -

...
٠٠
ستر ٦، ستر العورة ١
بالسكة قضى حاجته منها والناس ينظرون
إليهما)). (١)
ستر العورة
التعريف :
١ - السترلغة: ما يستربه، وجمعه ستور،
والسترة - بضم السين - مثله.
قال ابن فارس: السترة ما استترت به کائنا
ما كان، والستارة مثله، وسترت الشيء سترا
من باب قتل.
والعورة لغة: الخلل في الثغر وفي غيره، قال
الأزهري: العورة في الثغور وفي الحرب خلل
يتخوف منه القتل، والعورة كل مَكْمن للستر،
وعورة الرجل والمرأة سوأتهما.
ويقول الفقهاء: ما يحرم كشفه من الرجل
والمرأة فهو عورة.
وفي المصباح: كل شيء يستره الإِنسان أنفة
وحياء فهو عورة. (١)
وستر العورة في اصطلاح الفقهاء هو: تغطية
الإنسان ما یقبح ظهوره ویستحی منه، ذكرا
كان أو أنثى أو خنثى على ماسيأتي تفصيله.(٢)
(١) حديث: ((هل منكم إذا أتى على أهله ... )) أخرجه أحمد
(٥٤١/٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وهو حسن
لشواهده.
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) كشاف القناع ٢٦٤/١، ومغني المحتاج ١/ ١٨٥
- ١٧٣ -

ستر العورة ٢ - ٤
ما يتعلق بستر العورة من أحكام:
أولا - ستر العورة عمن لا يحل له النظر:
٢ - اتفق الفقهاء على أن ستر العورة من الرجل
والمرأة واجب عمن لا يحل له النظر إليها.
وما يجب ستره في الجملة بالنسبة للمرأة جميع
جسدها عدا الوجه والكفين، وهذا بالنسبة
للأجنبي .
أما بالنسبة لمحارمها من الرجال فعورتها عند
المالكية والحنابلة ماعدا الوجه والأطراف (الرأس
والعنق). وضبط الحنابلة ذلك بأنه مايستتر
غالبا وهو ماعدا الوجه والرأس والرقبة واليدين
والقدمين والساقين. وقال الحنفية: ماعدا
الصدر أيضا. وقال الشافعية: مابين السرة
والركبة، كما أن عورة المرأة التي يجب سترها
بالنسبة لغيرها من النساء هي مابين السرة
والركبة.
أما عورة الرجل فهي مابين السرة
والركبة . (١)
وفي كل ذلك تفصيل ينظر في مصطلح
(عورة)
والدليل على وجوب ستر العورة قول الله
تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
ويحفظوا فروجهم ذلك أزکی لهم إن الله خبيربما
(١) المغني ٦/ ٥٥٤، وكشاف القناع ١١/٥، الدسوقي
٢١٤/١، مغني المحتاج ١٨٥/١، ١٣١/٣، حاشية ابن
عابدين ١/ ٢٧١
يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من
أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن
إلا ما ظهر منها﴾ .(١)
وقول النبي 18 لأسماء بنت أبي بكر:
((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن
يرى منها إلا هذا وهذا)) وأشار إلى وجهه
وكفيه))، (٢) وورد عن النبي عليه بالنسبة لعورة
الرجال أنها مابين السرة إلى الركبة. (٣)
٣ - ويشترط في الساتر أن لا يكون رقيقا يصف
ماتحته بل يكون كثيفا لا يرى منه لون البشرة
ويشترط كذلك أن لا يكون مهلهلا ترى منه
أجزاء الجسم لأن مقصود الستر لا يحصل
بذلك.
ومن المعلوم أن ستر العورة غير واجب بين
الرجل وزوجته، إذ كشف العورة مباح بينهما،
فقد قال النبي قال: ((احفظ عورتك إلا من
(١) سورة النور/ ٢٩، ٣٠
(٢) حديث: ((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض)). أخرجه
أبو داود (٣٥٨/٤ - تحقیق عزت عبيد دعاس) من حديث
عائشة، وأعله بالانقطاع.
(٣) ورد في ذلك حديث: ((إذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا
ينظر ن إلى شيء من عورته، فإن ما أسفل من سرته إلى
ركبتيه من عورته)). أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧ - ط الميمنية)
من حديث عبدالله بن عمرو، وإسناده حسن. وفي رواية
البيهقي ٢٢٦/٢: ((إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا
ينظرن إلى عورتها)، وعلى هذه الرواية لا يكون الحديث
دليلا على حد عورة الرجل.
- ١٧٤ -

ستر العورة ٤ - ٥
زوجتك أو ما ملکت یمینك».(١)
٤ ۔ والصغیرة إن کانت کبنت سبع سنين إلى
تسع فعورتها التي يجب سترها هي مابين السرة
والرکبة، وإن كانت أقل من سبع سنين فلا
حکم لعورتها ۔ وهذا كما يقول الحنابلة - وينظر
تفصيل ذلك في: ((عورة)».
والمراهق الذي يميز بين العورة وغيرها يجب
على المرأة أن تسترعورتها عنه، أما إن كان
لا يميز بين العورة وغیرها فلا بأس من إبداء
مواضع الزينة أمامه.(٢) لقوله تعالى: ﴿وقل
للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
فروجهن ولا ییدین زینتهن إلا ما ظهر منها
وليضربن بخمرهن علی جیوبهن ولا یبدین
زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو
أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني
إخوانهن أو بني أخواتهن أونسائهن أو ماملكت
أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو
الطفل الذين لم يظهروا على عورات
النساء﴾. (٣)
(١) حديث: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت
یمینك». أخرجه الترمذي (٩٧/٥ - ٩٨ ط الحلبي) وقال:
حديث حسن.
(٢) ابن عابدين ١/ ٢٧٠ وما بعدها، ٢٣٣/٥ وما بعدها،
والفواكه الدواني ٣٦٧/٢، ٤٠٧، ٤٠٩، ٤١٠، ونهاية
المحتاج ١٨٤/٦ إلى ١٩٦، والقليوبي ١/ ١٧٧،
والمهذب ٢/ ٣٥، والمغني ٦/ ٥٥٣ - ٥٦٠، وشرح منتهى
الإرادات ٤/٣ - ٧، ومغني المحتاج ١/ ١٨٥
(٣) سورة النور/ ٣١
ويستثنى من وجوب ستر العورة ماكان
لضرورة، كعلاج وشهادة، جاء في الشرح
الصغير: يجب ستر العورة عمن يحرم النظر إليها
من غير الزوجة والأمة إلا لضرورة فلا يحرم بل
قد يجب، وإذا كشف للضرورة کالطبیب یبقر له
ثوب على قدر موضع العلة . (١)
ستر العورة في الصلاة:
٥ - ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة
لقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل
مسجد﴾(٢) والآية وإن كانت نزلت بسبب
خاص فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد
بالزينة في الآية: الثياب في الصلاة، ولقول
النبي ◌َله: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا
بخمار)). (٣)
وقد أجمع الفقهاء على فساد صلاة من ترك
ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلی عريانا.
ويشترط في الساتر أنه يمنع إدراك لون البشرة.
ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا أو ثوبا من الحرير
(١) الشرح الصغير ٧٣٦/٤، وابن عابدين ٢٣٧/٥، ومغني
المحتاج ١٣٤/٣، وكشاف القناع ١٣/٥
(٢) سورة الأعراف/ ٣١
(٣) حديث: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)). أخرجه أبو
داود (١ / ٤٢١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي
(٢١٥/١ - ط الحلبي) من حديث عائشة واللفظ لأبي
داود، وحسنه الترمذي.
- ١٧٥ -
٠

..-
ستر العورة ٦
صلى به ولا يصلي عريانا، لأن فرض الستر
أقوى من منع النجس والحرير في هذه الحالة . (١)
على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح:
(صلاة).
هذا ويختلف الفقهاء في تحديد العورة
الواجب سترها في الصلاة.
وينظر تفصيل ذلك في (عورة).
ثانيا: ستر العورة في الخلوة :
٦ - كما يجب ستر العورة عن أعين الناس يجب
كذلك سترها ولو كان الإنسان في خلوة، أي في
مكان خال من الناس. والقول بالوجوب هو
مذهب الحنفية على الصحيح، وهو مذهب
الشافعية والحنابلة، وقال المالكية: یندب ستر
العورة في الخلوة .
والستر في الخلوة مطلوب حياء من الله تعالى
وملائكته، والقائلون بالوجوب قالوا : إنما وجب
لإطلاق الأمر بالستر، ولأن الله تعالى أحق أن
یستحیی منه، وفي حديث بهز بن حکیم عن
أبيه عن جده قال: قلت: يارسول الله، عوراتنا
ما نأتي منها وما نذر؟ قال: ((احفظ عورتك إلا
من زوجتك أو مما ملكت يمينك))، فقال:
الرجل يكون مع الرجل؟ قال: ((إن استطعت
(١) ابن عابدين ١/ ٢٧٠ وما بعدها، والدسوقي ٢١٦/١ -
٢١٧، ومغني المحتاج ١٨٤/١ - ١٨٦، وكشاف القناع
٢٦٣/١
أن لا يراها أحد فافعل، قلت: والرجل یکون
خالیا؟ قال: (فالله أحق أن یستحیی منه)).(١)
والستر في الخلوة مطلوب إلا لحاجة،
کاغتسال وتبرد ونحوه . (٢)
4 37977
(١) حديث: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك)). أخرجه
الترمذي (٩٧/٥ - ٩٨ ط الحلبي) وقال: هذا حديث
حسن.
(٢) ابن عابدين ١/ ٢٧٠، والفواكه الدواني ٢/ ٤٠٧، ومنح
الجليل ١٣٤/١ - ١٣٥، ومغني المحتاج ١٨٥/١،
وكشاف القناع ٢٦٤/١
- ١٧٦ -

سترة المصلى ١ - ٢
سترة المصلي
التعريف :
١ - السترة بالضم مأخوذة من الستر، وهي في
اللغة ما استترت به من شيء کائنا ما کان،
وكذا الستار والستارة، والجمع: الستائر
والسُّتر، ويقال: ستره سَتْا وسَتَرًا: أخفاه.(١)
وسترة المصلي في الاصطلاح: هي ما يغرز أو
ینصب أمام المصلي من عصا أو غير ذلك، (٢) أو
ما يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بين يديه . (٣)
وعرفها البهوتي : بأنها ما يستتربه من جدار
أو شيء شاخص ... أو غير ذلك يصلى
إليه. (٤) وجميع هذه التعريفات متقاربة.
الحكم التكليفي :
٢ - يسن للمصلي إذا كان فذا (منفردا) أو إماما
(١) المصباح المنير ولسان العرب ومتن اللغة مادة: (ستر).
(٢) قواعد الفقه للبركتي ص٣١٩
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠٠، والشرح
الصغير للدردير ٣٣٤/١
(٤) حاشية مراقي الفلاح ص ٢٠٠، ٢٠١، وجواهر الإكليل
٥٠/١، ومغني المحتاج ١/ ٢٠٠، وكشاف القناع ٣٨٢/١
أن يتخذ أمامه سترة تمنع المرور بين يديه، وتمكنه
من الخشوع في أفعال الصلاة، وذلك لما ورد عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ◌َل#
قال: «إذا صلی أحدكم فليصل إلى سترة،
ولیدن منها، ولا يدع أحدا یمر بین یدیه». (١)
ولقوله چل: ((ليستتر أحدكم في صلاته ولو
بسهم))، (٢) وهذا يشمل السفر والحضر، كما
يشمل الفرض والنفل.
والمقصود منها كف بصر المصلي عما وراءها،
وجمع الخاطر بربط خياله كي لا ينتشر، ومنع المار
کي لا یرتکب الإثم بالمرور بین یدیه. (٣)
والأمر في الحدیث للاستحباب لا للوجوب،
قال ابن عابدين: (٤) صرح في المنية بكراهة
ترکها، وهي تنزيهیة، والصارف للأمر عن
حقيقته ما رواه أبو داود عن الفضل بن العباس
(١) حديث: «إذا صلی أحدكم فليصل إلی سترة ولیدن منها،
ولا يدع أحدا يمر بين يديه)). أخرجه ابن ماجة (٣٠٧/١ -
ط الحلبي) وأصله في البخاري (الفتح ٥٨٢/١ ط السلفية)
ومسلم (٣٦٣/١ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((ليستتر أحدكم في صلاته ولوبسهم)). أخرجه
أحمد (٣/ ٤٠٤ - ط اليمنية) والطبراني في المعجم الكبير
(١٣٤/٧ - ط وزارة الأوقاف العراقية) واللفظ له، من
حديث سبرة بن معبد، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٥٨ -
ط القدسي): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد
رجال الصحيح .
(٣) المراجع السابقة.
(٤) رد المحتار ٤٢٨/١
- ١٧٧ -

سترة المصلي ٢ - ٤
رضي الله عنهما: قال أتانا رسول الله پڑ ونحن
في بادية لنا فصلى في صحراء ليس بين يديه
سترة» .(١)
ومثله ما ذکره الحنابلة قال البهوتي : (٢) ولیس
ذلك بواجب لحديث ابن عباس رضي الله عنهما
((أن النبي ◌َّ صلى في فضاء ليس بين يديه
شيء))(٣) هذا، ويستحب ذلك عند الحنفية
والمالكية في المشهور، للإِمام والمنفرد إذا ظن
مرورا بين يديه، وإلا فلا تسن السترة لهما. (٤)
ونقل عن مالك الأمر بها مطلقا، وبه قال ابن
حبيب واختاره اللخمي . (٥)
أما الشافعية فأطلقوا القول بأنها سنة، ولم
یذکروا قیدا. (٦)
وقال الحنابلة: تسن السترة للإِمام والمنفرد
ولو لم يخش مارا . (٧)
(١) حديث: ((الفضل بن العباس)). أخرجه أبوداود (٤٥٩/١
- ٤٦٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي إسناده مقال كما في
مختصر السنن للمنذري (١/ ٣٥٠ - نشر دار المعرفة).
(٢) كشاف القناع ١/ ٣٨٢، ونحوه ماذكره الطحطاوي الحنفي
في حاشيته على الدر (٢٦٩/١)
(٣) حديث: ((أن النبي صلى في فضاء ليس بين يديه
شيء)». أخرجه أحمد (٢٢٤/١ - ط اليمنية)، وإسناده
صحيح .
(٤) مراقي الفلاح ١/ ٢٠٠، وابن عابدين ٤٢٨/١، وجواهر
الإكليل ١/ ٥٠
(٥) جواهر الإكليل ١/ ٥٠
(٦) مغني المحتاج ١/ ٢٠٠
(٧) كشاف القناع ٣٨٢/١
أما المأموم فلا يستحب له اتخاذ السترة
اتفاقا، لأن سترة الإِمام سترة لمن خلفه، أو لأن
الإِمام سترة له، على اختلاف عند الفقهاء. (١)
وسیأتي تفصيله.
ما يجعل سترة :
٣ - اتفق الفقهاء على أنه يصح أن يستتر المصلي
بكل ما انتصب من الأشياء كالجدار والشجر
والاسطوانة والعمود، أو بما غرز كالعصا والرمح
والسهم وما شاكلها، وينبغي أن يكون ثابتا
غير شاغل للمصلي عن الخشوع. (٢)
واستثنى المالكية الاستتار بحجر واحد
وقالوا: يكره به مع وجود غيره لشبهه بعبادة
الصنم، فإن لم يجد غيره جاز، کما يجوز بأكثر من
واحد . (٣) .
أما الاستتار بالآدمي أو الدابة أو الخط أو
نحوها فللفقهاء في ذلك تفصيل وخلاف، وبيانه
فيما يلي :
أ - الاستتار بالآدمي :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية
(١) مراقي الفلاح ١/ ٢٠١، وجواهر الإكليل ١/ ٥٠،
وكشاف القناع ٣٨٣/١
(٢) مراقي الفلاح ١/ ٢٠٠، ٢٠١، وجواهر الإكليل ١/ ٥٠،
والخطاب ٥٢٤/١، ٥٣٣، ومغني المحتاج ٢٠٠/١،
٢٠١، كشاف القناع ٣٨٣/١، ٣٨٤
(٣) جواهر الإكليل ١/ ٥٠
- ١٧٨ -

سترة المصلي ٤ - ٥
والحنابلة، وهو قول عند الشافعية إلى صحة
الاستتار بالآدمي في الصلاة، (١) وذلك في
الجملة، لكنهم اختلفوا في التفاصيل.
فقال الحنفية والمالكية : يصح أن يستتربظهر
كل رجل قائم أو قاعد، لا بوجهه، ولا بنائم،
ومنعوا الاستتار بالمرأة غير المحرم.
أما ظهر المرأة المحرم فاختلف الحنفية في جواز
الاستتار به، کما ذکر المالكية فيه قولین أرجحهما
عند المتأخرين الجواز.(٢)
والأوجه عند الشافعية عدم الاكتفاء بالسترة
بالآدمي، ولهذا قرروا أن بعض الصفوف
لا یکون سترة لبعض آخر. (٣)
وفصل بعضهم فقالوا: لو كانت السترة آدمیا
أو بهيمة ولم يحصل بسبب ذلك اشتغال ینافي
خشوعه فقيل يكفى، وإن حصل له الاشتغال
لا يعتد بتلك السترة . (٤)
أما الحنابلة فقد أطلقوا جواز الاستتار بآدمي
غير كافر. (٥)
وأما الصلاة إلى وجه الإِنسان فتكره عند
(١) حاشية مراقي الفلاح ١/ ٢٠١، والدسوقي ٢٤٦/١،
ونهاية المحتاج ٢/ ٥٢ ومابعدها.
(٢) جواهر الإكليل ١/ ٥٠، وحاشية الدسوقي ١/ ٤٤٦،
وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١/ ٢٠١
(٣) نهاية المحتاج ٢/ ٥٢
(٤) نفس المرجع السابق.
(٥) كشاف القناع ٣٨٢/١، ٣٨٣
الجميع، لما ورد عن عائشة رضي الله عنها
قالت: ((كان النبي لم يصلي وسط السرير وأنا
مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة
فأكره أن أقوم فأستقبله، فأنسل انسلالا)). (١)
وروي أن عمر رضي الله عنه أدب على
ذلك. (٢)
ب - الاستتار بالدابة :
٥ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز الاستتار
بالدابة مطلقا، (٣) قال المقدسي في الشرح الكبير
على المقنع: (٤) لا بأس أن يستترببعير أو
حيوان، فعله ابن عمر وأنس رضي الله تعالى
عنهما، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما ((أن
النبي ◌َّ صلى إلى بعير)). (٥)
ومنع المالكية الاستتار بالدابة، إما لنجاسة
فضلتها كالبغل والحمار ونحوهما، وإما لعدم
ثباتها كالشاة، وإما لكلتا العلتين كالفرس.
(١) حديث عائشة: ((كان النبي، و لا يصلي وسط السرير)).
أخرجه البخاري (الفتح ٦٧/١١ - ط السلفية) ومسلم
(٣٦٦/١ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٢) المراجع السابقة، والشرح الكبير مع المغني ١/ ٦٢٤
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١/ ٢٠١
(٤) الشرح الكبير مع المغني ١/ ٦٢٤
(٥) حديث ابن عمر: ((أن النبي ◌َ ◌ّصلى إلى بعير)). أخرجه
البخاري (الفتح ١/ ٥٨٠ - ط السلفية) بلفظ: ((كان
یعرض راحلته فيصلي إليها)). وأخرجه مسلم (٣٥٩/١ -
٣٤٠ ط الحلبي) بلفظ: ((صلى إلى بعير)).
- ١٧٩ -
..... ..-
٠٠٠٠٠ .....
... -
1
.:
......
..........
:1
........
.. .. ...
....--- - --
.....

سترة المصلي ٦ - ٧
وقالوا: إن كانت فضلتها طاهرة وربطت جاز
الاستتاربها . (١)
أما الشافعية فالأوجه عندهم أنه لا يجوز
الاستتار بالدابة كما لا يجوز بالإنسان. ولأنه
لا یؤمن أن يشتغل به فیتغافل عن صلاته.(٢)
وفي قول عندهم: يجوز الاستتار بالبهيمة.
قال محمد الرملي: أما الدابة ففي الصحيحين أن
النبي 18 كان يفعله، وكأنه لم يبلغ الشافعي،
ويتعين العمل به، وحمل بعضهم المنع على غير
البعير. (٣)
جـ - التستر بالخط :
٦ - إن لم يجد المصلي ما ينصبه أمامه فليخط
خطا، وهذا عند جمهور الفقهاء: (الشافعية
والحنابلة، والراجح عند متأخري الحنفية) لما ورد
أن النبي # قال: ((إذا صلى أحدكم فليجعل
تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلینصب عصا، فإن
لم يكن معه عصا فليخط خطا، ثم لا يضره
ما مر أمامه)). (٤)
(١) جواهر الإكليل ١/ ٥٠
(٢) نهاية المحتاج ٥٢/٢، وحاشية الرملي على شرح الروض
١٨٤/١
(٣) حاشية الرملي على أسنى المطالب ١٨٤/١
(٤) حديث: ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا)).
أخرجه أبوداود (١/ ٤٤٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من
حديث أبي هريرة، وضعفه الشافعي والبغوي كما في =
ولأن المقصود جمع الخاطر بربط الخيال كي
لا ينتشر، وهو يحصل بالخط.
ورجح الكمال ابن الهمام من الحنفية صحة
التستر بالخط وقال: لأن السنة أولى
بالاتباع.(١)
وقاس الحنفية والشافعية على الخط
المصلّى، كسجادة مفروشة، قال الطحطاوي :
وهو قیاس أولى، لأن المصلّنى أبلغ في دفع المار
من الخط. (٢) ولهذا قدم الشافعية المصلَّى على
الخط وقالوا: قدم على الخط لأنه أظهر في
المراد. (٣)
وقال المالكية: لا يصح التستربخط يخطه في
الأرض، وهذا قول متقدمي الحنفية أيضا
واختاره في الهداية، لأنه لا يحصل به المقصود،
إذ لا يظهر من بعيد. (٤)
الترتيب فيما يجعل سترة :
٧ - ذكر الشافعية لاتخاذ السترة أربع مراتب
= التلخيص لابن حجر (٢٨٦/١ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٠١، وفتح
القدير مع الهداية ٣٥٤/١، ٣٥٥، ومغني المحتاج
١/ ٢٠٠، ٢٠١، وكشاف القناع ٣٨٢/١، ٣٨٣
(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص١٠١
(٣) مغني المحتاج ١/ ٢٠٠
(٤) ابن عابدين ٤٢٨/١، والهداية مع الفتح ٣٥٤/١، ٣٥٥
- ١٨٠ -