Indexed OCR Text

Pages 161-180

رمي ١٢
ف/ ١٩٥ - ١٩٦) وسبق الحكم في ترتيب رمي
الجمرات الثلاث (ف/٦)
سنن الرمي :
١٢ -یسن في الرمي ما يلي:
أ - أن يكون بين الرامي وبين الجمرة خمسة أذرع
فأكثر، کما نص الحنفية، لأن ما دون ذلك یکون
طرحا، ولو طرحها طرحا أجزأه إلا أنه مخالف
للسنّة.
ب - الموالاة بين الرميات السبع، بحيث لا يزيد
الفصل بينها عن الذكر الوارد.
جـ - لقط الحصیات دون کسرها، وله أخذها
من منزله بمنى .
د - طهارة الحصيات، فيكره الرمي بحصى
نجس، ويندب إعادته بطاهر، وفي وجه اختاره
بعض الحنابلة: لا يجزىء الرمي بنجس، ويجب
إعادته بطاهر، لكن الصحيح في مذهبهم
الإِجزاء مع الكراهة . (١)
هـ - ألا يكون الحصى مما رمي به، فلوخالف
ورمی بها کړه، سواء کان مما رمی به هو أو غيره،
وهو مذهب الجمهور.
وقال بعض المالكية: (٢) لا يجزىء، ومذهب
(١) الفروع وحاشية تصحيح الفروع ٣/ ٥١١
(٢) وهو اللخمي كما نقل عنه الخطاب ٣/ ١٣٩، وجعله
الكاساني في البدائع ١٥٦/٢ قول مالك: وهو خلاف
المنصوص في المصادر أنه يكره، وانظر الشرح الكبير
٥٤/٢.
الحنابلة: إن رمى بحجر أُخِذ من المرمى لم
يجزه. (١)
استدل الجمهور بعموم لفظ الحصى الوارد في
الأحاديث الواردة في تعليم النبي مَّ الرمي،
وذلك یفید صحة الرمي بما رمي به ولو أخذ من
المرمى .
واستدل الحنابلة بأن ((النبي لل أخذ من غير
المرمى، وقال: خذوا عني مناسككم))(٢) ولأنه لو
جاز الرمي بها رمي به، لما احتاج أحد إلى أخذ
الحصى من غير مكانه ولا تكسيره، والإجماع
على خلافه.
و- التكبير مع كل حصاة، ويقطع التلبية مع
أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة يوم النحر عند
الجمهور. (٣)
وينظر الخلاف والتفصيل في بحث:
(تلبية).
ز - الوقوف للدعاء: وذلك إثر كل رمي بعده
رمي آخر، فيقف بين الرميين مدة ويطيل
الوقوف يدعو، وقدر ذلك بمدة ثلاثة أرباع الجزء
من القرآن، وأدناه قدر عشرين آية. فيسن أن
يقف بعد رمي الجمرة الصغرى وبعد الوسطى ،
(١) انظر المغني ٤٢٦/٣، والفروع ٥١١/٣
(٢) حديث: ((خذوا عني مناسككم ... )) تقدم تخريجه
(ف/ ٥).
(٣) الهداية ١٧٥/٢، والبدائع ١٥٦/٢، والأم ٢٠٥/٢،
ومغني المحتاج ٥٠١/١، والفروع ٣٤٧/٣، والمغني
٤٣٠/٣
- ١٦١ -

رمي ١٣ - ١٤
لأنه في وسط العبادة، فيأتي بالدعاء فيه، وکل
رمي ليس بعده رمي لا يقف فيه للدعاء، لأن
العبادة قد انتهت، فلا يقف بعد رمي جمرة
العقبة يوم النحر، ولا بعد رميها أيام التشريق
أيضا.
ودليل هذه السنة فعل النبي پر، كما ثبت
عنه في حديث ابن عمر السابق . (١)
مکروهات الرمي :
١٣ - یکره في الرمي ما يلي :
أ - الرمي بعد المغرب في يوم النحر عند الحنفية،
وبعد زواله عند المالكية، قال السرخسي :
((ففي ظاهر المذهب وقته إلى غروب الشمس،
ولکنه لو رمی بالليل لا يلزمه شيء)). (٢)
ب ۔ الرمي بالحجر الکبیر، سواء رمی به کبیرا،
أو رمی به مکسورا.
جـ - الرمي بحصى المسجد، فلا يأخذه من
(١) الهداية وشروحها ٢ / ١٧٤ - ١٧٦، ١٨٣ - ١٨٥، وشرح"
اللباب ١٥٨ - ١٥٩، ١٦٢ - ١٦٣، ونهاية المحتاج
٤٢٦/٢ - ٤٣٤، ومغني المحتاج ١/ ٥٠٠، و٥٠١
و٥٠٦، و٥٠٨، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ٤٧٨/١
وعبر عنها بشروط الكمال، وأدرج بعض المندوبات فيها
وانظر ص ٤٨٠، والمغني ٤٢٦/٣، ٤٥٠
(٢) المبسوط ٤/ ٦٤، شرح اللباب ص١٦٧، ومواهب الجليل
١٣٦/٣، وقال الشلبي في حاشيته على الزيلعي ٢/ ٣١:
((ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه)».
مسجد الخيف، لأن الحصى تابع للمسجد،
فلا يخرج منه .
د - الرمي بالحصى النجس عند الجمهور،
وقيل: لا يجزىء الرمي بالحصى النجس.
هـ ـ الزيادة على العدد، أي السبع، في رمي
كل جمرة من الجمرات. (١)
صفة الرمي المستحبة :
١٤ - يستعد الحاج لرمي الجمرات فيرفع
الحصى قبل الوصول إلى الجمرة، ويستحب أن
يرفع من المزدلفة سبع حصيات مثل حصى
اخذف، فوق الحمصة ودون البندقة لیرمي بها
جمرة العقبة في اليوم الأول من أيام الرمي، وهو
يوم عيد النحر، وإن رفع سبعين حصاة من
المزدلفة أو من طريق مزدلفة فهو جائز، وقيل
مستحب، وهذا هو عدد الحصی الذي يرمى في
كل أيام الرمي، ويجوز أخذ الحصيات من كل
موضع بلا كراهة. إلا من عند الجمرة، فإنه
مکروه، ویکره أخذها من مسجد الخيف، لأن
حصى المسجد تابع له فیصیر محترما، ويندب
غسل الحصى مطلقا، ولو لم تكن نجسة عند
الحنفية، ورواية عند الحنابلة.
ثم يأتي الحاج منى يوم العاشر من ذي
(١) انظر عن مكروهات الرمي في شرح اللباب ص١٦٧ ،
وانظر الأم ٢١٣/٢ - ٢١٤
- ١٦٢ -

رمي ١٥ - ١٦
الحجة وهو يوم النحر، وعليه في هذا اليوم أربعة
أعمال على هذا الترتيب: رمي جمرة العقبة، ثم
ذبح الهدي وهو واجب على المتمتع والقارن، ثم
يحلق أو يقصر، ثم يطوف طواف الإفاضة، وإن
لم يكن قدم السعي عند طواف القدوم فإنه
يسعى بعد طواف الإفاضة، ويتوجه الحاج فور
وصوله منى إلى جمرة العقبة، وتقع آخر منى تجاه
مکة، من غير أن يشتغل بشيء آخر قبل رميها،
فیرميها بعد دخول وقتها بسبع حصيات من أي
جهة يرميها واحدة فواحدة یکبر مع كل حصاة
ويدعو، وكيفما أمسك الحصاة ورماها صح،
دون تقييد بهيئة، لكن لا يجوز وضع الحصاة في
المرمى وضعا، ويسن أن يرمي بعد طلوع
الشمس، ویمتد وقت السنة إلى الزوال، ويباح
بعده إلى المغرب.
١٥ - أما كيفية الرمي فهي أن يبعد عن الجمرة
التي يجتمع فيها الحصى قدر خمسة أذرع فأكثر
على ما اختاره الحنفية، ويمسك بالحصاة بطر في
إبهام ومسبحة یده الیمنی، ویرفع يده حتی یری
بياض إبطيه، ويقذفها ويكبر. وقيل : يضع
الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين
بالمسبحة، وقيل: يستحب أن يضع الحصاة بين
سبابتي یدیه الیمنی والیسری ویرمي بها. (١)
١٦ - أما صيغة التكبير فقد جاءت في الحديث
(١) ولتفصيل من أين يلتقط الحصى، تنظر الموسوعة ٢١٨/٥
مطلقة ((يكبر مع كل حصاة)). (١) فيجوز بأي
صيغة من صيغ التكبير.
واختار العلماء نحو هذه الصيغة: ((بسم الله
والله أكبر، رغما للشيطان ورضا للرحمن، اللهم
اجعله حجا مبرورا وسعیا مشكورا، وذنبا
مغفورا)» والمستند في ذلك ما ورد من الآثار
الكثيرة عن الصحابة . (٢)
ولو رمی وترك الذکر فلم یکېر ولم يأت بأي
ذكر جاز، وقد أساء لتركه السنة .
ويقطع التلبية مع أول حصاة يرميها ويشتغل
بالتکبیر.
وينصرف من الرمي وهو يقول: ((اللهم
اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا وذنبا
مغفورا)).
ووقت الرمي في هذه الأيام بعد الزوال،
ويندب تقديم الرمي قبل صلاة الظهر في
المذاهب الثلاثة، وعند الحنفية يقدم صلاة
الظهر على الرمي. (٣)
(١) حديث: ((يكبر مع كل حصاة)). تقدم تخريجه ف/ ٦.
وانظر فتح القدير ٢/ ١٧٤
(٢) انظر طائفة منها في المغني ٤٢٧/٣ - ٤٢٨، وقال الحنفية:
((لو سبح مكان التكبير أو ذكر الله أو حمده أو وحده أجزأه،
لأن المقصود من تكبيره # الذكر)). الهداية ٢/ ٧٥، وانظر
تحقيق الكمال بن الهمام وتعليقه على هذا في شرحه عليها.
(٣) الشرح الكبير ٥٢/٢، والمجموع ٨/ ١٧٩ (وقارن بمغني
المحتاج ٥٠٧/١)، والفروع ٥١٨/٨، ولباب المناسك
بشرحه ص١٦٢
- ١٦٣ -

رمي ١٧ - ١٨
١٧ - وقد بحثوا في أفضلية الركوب أو المشي في
رمي الجمار، واختلفوا في ذلك وكانوا يركبون
الدواب فکان الرمي للراکب ممكنا.
فذهب أبو يوسف وهو المختار عند الحنفية
إلى أنه يرمي جمرة العقبة راكبا وغيرها ماشيا في
جميع أيام الرمي، وقال أبو حنيفة ومحمد: الرمي
کله راكبا أفضل.
وعند المالكية يرمي جمرة العقبة يوم النحر
کیفما کان وغیرها ماشيا .
وقال الشافعي: ((يرمي جمرة العقبة يوم النحر
راکبا، وکذلك يرميها يوم النفر راكبا، ويمشي
في الیومین الآخرین أحب إليّ))، واختار صاحب
الفتاوى الظهيرية الحنفي استحباب المشي إلى
الجمار مطلقا، وهو الأكثر عند الحنابلة . (١)
عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أنه كا يأتي
الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيا ذاهبا
وراجعا، ويخبر أن النبي ◌َ ل ◌ّ كان يفعل
ذلك)) . (٢)
ثم إذا فرغ من الرمي ثاني أيام العيد وهو أول
أيام التشريق رجع إلى منزله في منی، ويبيت
(١) شرح اللباب ص١٦٣، الأم ٢١٣/٢، وانظر المجموع
١٨٣/٨، الفروع ٥١٢/٣، وقارن بالمغني ٤٢٨/٣
(٢) حديث ابن عمر: ((كان يأتي الجمار في الأيام الثلاث)).
أخرجه أبو داود (٢/ ٤٩٥ - تحقیق عزت عبيد دعاس) وقال
المنذري: ((في إسناده عبدالله بن عمر بن حفص العمري»،
وفيه مقال (مختصر السنن ٤١٦/٢ - نشر دار المعرفة).
تلك الليلة فيها، فإذا كان من الغد وهو ثاني
عشر ذي الحجة، وثالث أيام النحر، وثاني أيام
التشريق رمى الجمار الثلاثة بعد الزوال على
كيفية رمي اليوم السابق.
ثم إذا رمى في هذا اليوم فله أن ينفر أي
يرحل، بلا كراهة لقوله تعالى : ﴿فمن تعجل
في یومین فلا إثم عليه﴾ .(١)
ویسقط عنه رمي اليوم الرابع، لذلك يسمى
هذا اليوم يوم النفر الأول.
١٨ - وإن لم ينفر لزمه رمي اليوم الرابع، وهو
الثالث عشر من ذي الحجة، ثالث أيام
التشريق، يرمي فيه الجمرات الثلاث على
الكيفية السابقة في ثاني يوم أيضا، لكن عند أبي
حنيفة يصح الرمي في هذا اليوم من الفجر مع
الكراهة لمخالفته السنة، وينتهي وقت الرمي في
هذا اليوم بغروب الشمس أداء وقضاء، فإن لم
یرم حتى غربت شمس اليوم فات الرمي وتعين
الدم فداء عن الواجب الذي تركه، ویرحل بعد
الرمي، ولا یسن المکث في منی بعده، ویسمی
هذا النفر الثاني، وهذا اليوم يوم النفر الثاني.
والأفضل أن يتأخر بمنى ويرمي اليوم الرابع،
لقوله تعالى: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه لمن
اتقى﴾(٢) واتباعا للنبي والر، تكميلا للعبادة.
(١) سورة البقرة/ ٢٠٣
(٢) سورة البقرة/ ٢٠٣
- ١٦٤ -

رمي ١٩ - ٢٢
أما ما ورد من ركوب النبي 10 في الرمي
فأجيب عنه بأنه «محمول على رمي لا رمي
بعده، أو على التعليم ليراه الناس فيتعلموا منه
مناسك الحج)» والجواب الثاني أولی وأقوى، يدل
عليه قوله في اليوم الأول وهو راكب: ((لتأخذوا
عني مناسككم».
آثار الرمي :
يترتب على رمي الجمار أحكام هامة في
الحج، سوى براءة الذمة من وجوبه، وهذه
الآثار هي :
أ - أثر رمي جمرة العقبة :
١٩ - يترتب على رمي جمرة العقبة يوم النحر
التحلل الأول من إحرام الحج عند المالكية، وهو
قول عند الحنابلة، خلافا للحنفية الذين قالوا:
إن التحلل الأول يكون بالحلق، وعلى تفصيل
عند الشافعية والحنابلة (ر: مصطلح إحرام
ف/ ١٢٢ - ١٢٥).
ب - أثر رمي الجمار يومي التشريق: النفر
الأول:
٢٠ - إذا رمى الحاج الجمار أول وثاني أيام
التشريق يجوز له أن ينفر، أي يرحل إن أحب
التعجل في الانصراف من منى، هذا هو النفر
الأول، وبهذا النفر يسقط رمي اليوم الأخير،
وهو قول عامة العلماء، لقوله تعالى: ﴿فمن
تعجل في یومین فلا إثم علیه ومن تأخر فلا إثم
عليه لمن اتقي﴾. (١).
وفي حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي
الصحيح: قال رسول الله وَ له: ((أيام منى
ثلاثة: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن
تأخر فلا إثم عليه)). (٢)
جـ - أثر الرمي ثالث أيام التشريق: النفر
الثاني :
٢١ - إذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من
أيام التشريق انصرف من منى إلى مكة،
ولا یقیم بمنی بعد رمیه هذا الیوم، ویسمی هذا
النفر النفر الثاني، واليوم يوم النفر الثاني، وهو
آخر أيام التشريق، وبه ينتهي وقت رمي الجمار،
ویفوت علی من لا یتداركه قبل غروب شمس
هذا اليوم، وبه تنتهي مناسك منى .
حکم ترك الرمي :
٢٢ - يلزم من ترك الرمي بغير عذر الإِثم
ووجوب الدم، وإن ترکه بعذر لا یأثم، لكن
لا یسقط الدم عنه، ولو ترك حصاة واحدة عند
(١) سورة البقرة/ ٢٠٣
(٢) حديث: ((أيام منى ثلاثة)) أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩ - ط
الميمنية) والحاكم (١/ ٤٦٤ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وصححه الذهبي.
- ١٦٥ -

رمي ٢٣ - ٢٤
المالكية، ويجزئه شاة عن ترك الرمي کله، أو عن
ترك رمي يوم.
وتسامح الشافعية والحنابلة في حصاة
وحصاتین فجعلوا في ذلك صدقة، وأنزل
الجنفية الأكثر منزلة الكل مع وجوب جزاء عن
الناقص.
(انظر تفصيل أحوال ترك الرمي في مصطلح :
حج ف/ ٢٧٣).
النيابة في الرمي :
٢٣ - وهي رخصة خاصة بالمعذور، تفصيل
حكمها فيما يلي:
أ - المعذور الذي لا يستطيع الرمي بنفسه،
کالمریض، يجب أن یستنیب من یرمي عنه،
وينبغي أن یکون النائب قد رمی عن نفسه، فإن
لم يكن رمى عن نفسه فليرم عن نفسه أولا
الرمي کله، ثم يرمي عمن استنابه، ويجزىء
هذا الرمي عن الأصيل عند الحنفية والشافعية
والحنابلة، إلا أن الحنفية والمالكية قالوا: لورمى
حصاة عن نفسه وأخرى عن الآخر جاز ويكره.
وقال الشافعية: إن الإنابة خاصة بمن به
علة لا يرجى زوالها قبل انتهاء أيام التشريق
کمریض أو محبوس.
وعند الشافعية قول: أنه يرمي حصیات كل
جمرة عن نفسه أولا، ثم يرميها عن المريض
الذي أنابه إلى أن ينتهي من الرمي، وهو مَخْلَصُ
حسن لمن خشي خطر الزحام.
ب - من عجز عن الاستنابة كالصبي الصغير،
والمغمى عليه، فيرمي عن الصبي وليه اتفاقا،
وعن المغمى عليه رفاقه عند الحنفية، ولا فدية
عليه وإن لم يرم عند الحنفية.
وقال المالكية: فائدة الاستنابة أن يسقط
الإِثم عنه إن استناب وقت الأداء ((وإلا فالدم
عليه، استناب، أم لا، إلا الصغير ومن ألحق
به، وإنما وجب عليه الدم دون الصغير ومن
ألحق به كالمغمى عليه، لأنه المخاطب بسائر
الأرکان». (١)
( ثانيا )
الرمي في الصيد
الصيد بالرمي بالمحدد :
٢٤ - يجوز الصيد بالرمي بالسهام المحددة
الأحاديث الصحيحة والإِجماع، فإن رمى
(١) انظر مذهب الحنفية في المبسوط ٤/ ٦٩، وبدائع الصنائع
١٣٢/٢، وحاشية شلبي على شرح الكنز ٣٤/٤،
والمسلك المتقسط شرح اللباب ص١٦٦، والفتاوى الهندية
٢٢١/١، ومذهب الشافعية في الأم ٢١٤/٢، والمجموع
١٨٤/٨ - ١٨٦، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي
١٢٢/٢ - ١٢٣، ونهاية المحتاج ٤٣٥/٢، ومغني المحتاج
٥٠٨/١، وانظر المغني في فقه الحنابلة ٣/ ٤٩١، وانظر
شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني ٣/ ٢٨٢،
والشرح الکبیر بحاشیته ٢/ ٤٧ - ٤٨ و٥٢
- ١٦٦ -

رمي ٢٥
الصيد من هو أهل للتذكية من مسلم أو كتابي
فقتله بحد ما رماه به کالسهم الذي له نصل
محدد، والسيف، والسكين، والسنان، والحجر
المحدد والخشبة المحددة وغير ذلك من
المحددات حل أكله بشروط ذكرها الفقهاء لحل
ما يصاد بالرمي . (١)
الصيد بالرمي بالمثقل
٢٥ - يرى جمهور الفقهاء أنه لا يحل ما صيد
بالمثقل ويعتبر وقيذا. (٢) فلا يحل ما أصابه
الرامي بما لا حد له فقتله كالحجر، وخشبة
لا حد لها، أو رماه بمحدد فقتله بعرضه لا بحده
لما روى عدي بن حاتم رضي الله عنه قال:
سألت رسول الله يل عن صيد المعراض قال:
((إذا أصبت بحده فكل، فإذا أصاب بعرضه
فقتل فلا تأكل فإنه وقيذ)). (٣) ولما ورد أنه عليه
(١) تبیین الحقائق ٥٦/٦، وابن عابدين ٥/ ٣٠١ ومابعدها،
والمنتقى ١١٨/٣، ١١٩، والمجموع ١١٠/٩، ١١١،
والمغني ٨/ ٥٥٩، ٥٦٩
لقد اشترط الحنفية لحل الصيد بالرمي التسمية والجرح،
وعدم القعود عن طلب الصيد عند غيابه. (ابن عابدين
٣٠١/٥، ٣٠٢).
(٢) ابن عابدين ٣٠٤/٥، والزيلعي ٥٨/٦، والمغني
٥٥٨/٨، ٥٥٩، ٥٦٩، والمجموع ١١٠/٩، ١١١،
والمنتقى ١١٨/٣، وسبل السلام ١٣٠/٤، ١٣١ نشر
المكتبة التجارية.
(٣) حديث: ((إذا أصبت بحده فكل)). أخرجه البخاري
(الفتح ٦٠٣/٩ - ط السلفية).
الصلاة والسلام (نهى عن الخذف وقال: إنه
لا یصاد به صید ولا ینکا به عدو، ولكنها قد
تكسر السن وتفقأ العين)). (١) والخذف: الرمي
بحصى صغار بطريقة مخصوصة بين الأصابع .
وينظر تفصيله في بحث (خذف).
وصرح الحنفية والشافعية أنه إذا أصاب
الصيد بما لا حد له لا يحل وإن جرحه. (٢)
وذهب الأوزاعي ومکحول وغيرهما من علماء
الشام إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقا فيباح
ما قتله بحده وعرضه. (٣)
قال النووي: إنه إذا كان الرمي بالبنادق
وبالخذف (بالمثقل) إنما هو لتحصيل الصيد،
وکان الغالب فیه عدم قتله فإنه يجوز ذلك إذا
أدركه الصائد وذكاه، كرمي الطيور الكبار
بالبنادق . (٤)
وللتفصيل (ر: صيد) والمراد بالبندق في كلام
النووي ومن عهده: كرات من الطين بحجم
حبة البندقة .
(١) حديث: ((نهى عن الخذف)). أخرجه البخاري (الفتح
٦٠٧/٩ - ط السلفية)، ومسلم (١٥٤٧/٣، ١٥٤٨ ط
الحلبي) من حديث عبدالله بن مغفل، واللفظ للبخاري.
(٢) ابن عابدين ٣٠٤/٥، والمجموع ٩/ ١١١، والزيلعي
٥٨/٦، ٥٩
(٣) سبل السلام ١٣١/٤ ط المكتبة التجارية، والمغني
٥٥٩/٨
(٤) سبل السلام ١٣٣/٤، وصحيح مسلم بشرح النووي
١٠٦/١٣
- ١٦٧ -

رمي ٢٦ - ٢٧
اتخاذ الحیوان هدفا یرمی إليه :
٢٦ - يحرم اتخاذ شيء فيه الروح غرضا. (١) فقد
قال رسول الله له: ((لا تتخذوا شيئا فيه الروح
غرضا)). (٢) أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا
ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها، وهذا
النهي للتحریم لأنه أصله، ويؤيده حدیث
ابن عمر ((أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة
يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها. فقال
ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول اللّه ◌ُ ل لعن
من فعل هذا))(٣)
وروی مسلم من حديث هشام بن زید بن
أنس بن مالك أنه قال: دخلت مع جدي
أنس بن مالك دار الحكم بن أيوب فإذا قوم قد
نصبوا دجاجة یرمونها. قال: فقال أنس: ((نهى
رسول الله ◌َ﴿ أن تصبر البهائم)). (٤).
قال العلماء: صبر البهائم أن تحبس وهي
حية لتقتل بالرمي ونحوه .
(١) الغرض (بالمعجمتين وفتح الراء) هو الذي ينصب للرمي
ویسمی أيضا الهدف.
(٢) حديث: ((لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا)). أخرجه
مسلم (٢ / ١٥٤٩ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث ابن عمر: ((أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها،
فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها. فقال ابن عمر: من فعل
هذا؟ إن رسول الله ﴿ لعن من فعل هذا)). أخرجه مسلم
(١٥٥٠/٣ - ط الحلبي).
(٤) حديث: ((نهى أن تصبر البهائم)). أخرجه مسلم
(١٥٤٩/٣ - ط الحلبي).
قال الصنعاني وغيره في وجه حكمة النهي :
إن فيه إيلاما للحيوان، وتضييعا لمالیته، وتفویتا
لذکاته إن کان مما یذکی، ومنفعته إن كان غیر
مذکی . (١)
وينظر بحث: (تعذيب).
( ثالثا )
الرمي في الجهاد
تعلم الرمي :
٢٧ - حث النبي ◌َّ أصحابه على الرمي
وحضهم على مواصلة التدرب عليه، وحذر من
تعلم الرمي فتركه، روى سلمة بن الأكوع
رضي الله عنه أن النبي ◌َ ◌ّ مر على نفر من أسلم
ينتضلون فقال النبي ◌َّة: «ارموا بني إسماعيل
فإن أباکم کان راميا، ارموا، وأنا مع بني فلان.
قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال
رسول اللّه ◌َله: مالكم لا ترمون؟ قالوا: كيف
نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي ◌َّ: ((ارموا فأنا
معكم كلكم)). (٢)
وفسر النبي ◌َّ القوة التي أمر الله بها في قوله
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٠٧/١٣، ١٠٨، وسبل
السلام ٤/ ١٣٣، ونيل الأوطار ٢٤٩/٨ نشر دار الجيل،
وعمدة القاري ٢١/ ١٢٤
(٢) حديث: ((ارموا بني إسماعيل)). أخرجه البخاري (الفتح
٩١/٦ - ط السلفية).
- ١٦٨ -

٠١٩٠٠
رمي ٢٧ - ٢٨
تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾(١)
بالرمي، كما في حديث عقبة بن عامر قال:
سمعت رسول الله له وهو على المنبريقول:
((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة
الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة
الرمي)).(٢)
وعن خالد بن زيد قال: كنت راميا أرامي
عقبة بن عامر الجهني، فمرذات يوم فقال
ياخالد: اخرج بنا نرمي، فأبطأت عليه فقال:
یاخالد: تعال أحدثك ما حدثني رسول الله لآ
وأقول لك كما قال رسول الله وَله: ((إن الله
يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه
الذي احتسب في صنعته الخیر، ومتنبله،
والرامي به، ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليّ
من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاثة: تأديب
الرجل فرسه، وملاعبته زوجته، ورميه بنبله عن
قوسه، ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة
كفرها)). (٣)
وهناك أحاديث أخرى تدل على فضل
الرمي والتحريض عليه (٤) منها ما روى أبو نجيح
(١) سورة الأنفال/ ٦٠
(٢) حديث: ((ألا إن القوة الرمي)). أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٢
- ط الحلبي).
(٣) حديث: ((إن الله يدخل بالسهم الواحد)). أخرجه الحاكم
(٩٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
(٤) المغني ٦٥٢/٨، وعمدة القاري ١٤/ ١٨٢
أن رسول اللهپ﴾ قال: «من رمی بسهم في سبیل
الله فهو له عَدْل مُحرَّر)). (١)
وقال النووي في تعليقه على الأحاديث التي
ذكرها مسلم في فضل الرمي، والحث عليه: في
هذه الأحاديث فضيلة الرمي والمناضلة،
والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى،
وكذلك المشاجعة، وسائر أنواع استعمال
. السلاح، وكذا المسابقة بالخيل وغيرها، والمراد
بهذا كله التمرن على القتال، والتدرب،
والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك. (٢)
وقال القرطبي : فضل الرمي عظيم، ومنفعته
عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على
الكافرين، قال لي: ((يابني إسماعيل ارموا فإن
أباكم كان رامي))(٣) وتعلم الفروسية واستعمال
الأسلحة فرض كفاية وقد يتعين. (٤)
المناضلة :
٢٨ - المناضلة هي المسابقة في الرمي بالسهام،
والمناضلة مصدر ناضلته نضالا ومناضلة،
وسمي الرمي نضالا لأن السهم التام يسمى
(١) حديث: ((من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر)).
أخرجه الترمذي (١٧٤/٣ - ط الحلبي) وقال: ((حديث
حسن صحيح)).
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/ ٦٤
(٣) حديث: ((يابني اسماعيل ارموا ... )) سبق تخريجه ف/ ٢٦
(٤) تفسير القرطبي ٣٦/٨
- ١٦٩ -

رمي ٢٩، رمي الجمار
نضلا، فالرمي به عمل بالنضل فسمي نضالا
ومناضلة . (١)
وتصح المناضلة على الرمي بالسهام
بالاتفاق. (٢) وأجاز الشافعية المناضلة - بجانب
ما تقدم - على رماح، وعلى رمي بأحجار
بمقلاع، أو بید، ورمي بمنجنیق، وكل نافع في
الحرب بما يشبه ذلك کالرمي بالمسلات، والإِبر،
والتردد بالسيوف والرماح
وقد تجب المناضلة إذا تعينت طريقا لقتال
الكفار، وقد یکرہ أو يحرم - حسب اختلاف
المذاهب - إذا كان سببا في قتال قريب كافر لم
يسب الله ورسوله، وبذلك تعتري المناضلة
الأحكام التكليفية الخمسة. (٣)
( رابعا )
الرمي في القذف
الرمي بالزنى :
٢٩ - الرمي بالزنى لا في معرض الشهادة يوجب
حد القذف لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون
المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم
(١) المغني ٨/ ٦٦١
(٢) ابن عابدين ٢٥٧/٥، وبدائع الصنائع ٢٠٦/٦، والمغني
٦٥٢/٨ - ٦٥٣ والإقناع ٢٤٧/٢، وجواهر الإكليل
٢٧١/١
(٣) الإِقناع وحاشية الباجوري عليه ٢ / ٢٤٧، والموسوعة
الفقهية ١٦/ ١٥٠
ثمانين جلدة﴾(١) والمراد: الرمي بالزنى بإجماع
العلماء .
وأما الرمي في معرض الشهادة فينظر: إن تم
عدد الشهود أربعة وثبتوا على شهادتهم أقيم حد
الزنى على المرمي ولا شيء عليهم، وإن لم يتم
العدد، بأن شهد اثنان أو ثلاثة فعلیهم حد
القذف عند أكثر الفقهاء.
ويرى الشافعية في القول المقابل للأظهر
والحنابلة في إحدى الروایتین: أن الشهود- عند
عدم تمام العدد- لا حد علیھم لأنهم شهود فلم
يجب عليهم الحد كما لو كانوا أربعة أحدهم
فاسق . (٢)
وللتفصيل ( ر: قذف )
.
رمي الجمار
انظر : رمي
(١) سورة النور/ ٤
(٢) البناية ٤٤٣/٥، وروضة الطالبين ١٠٧/١٠، ١٠٨،
والمغني مع الشرح الكبير ١٧٩/١٠، والشرح الصغير
٢٦٥/٤
- ١٧٠ -

رهان ١ - ٢
رهان
التعريف :
يأتي الرهان على معان منها:
١ - المخاطرة: جاء في لسان العرب: الرهان
والمراهنة: المخاطرة. يقال: راهنه في كذا، وهم
يتراهنون، وأرهنوا بينهم خطرا، وصورة هذا
المعنى من معاني الرهان: أن یتراهن شخصان
أو حزبان علی شيء یمکن حصوله کما یمکن
عدم حصوله بدونه، كأن يقولا مثلا: إن لم تمطر
السماء غدا فلك عليّ كذا من المال، وإلا فلي
عليك مثله من المال، والرهان بهذا المعنى حرام
باتفاق الفقهاء بين الملتزمين بأحكام الإِسلام من
المسلمين والذميين، لأن كلا منهم متردد بين أن
يغنم أو يغرم، وهو صورة القمار المحرم. (١)
وأما الرهان بين الملتزم وبين الحربي فقد
(١) القليوبي ٤/ ٢٦٦، نهاية المحتاج ١٦٨/٨، المغني
٨/ ٦٥٤، فتح القدير ١٧٨/٦
اختلف الفقهاء في تحريمه، فذهب الجمهور
إلى أنه محرم لعموم الأدلة (ر: ميسر، ربا).
وقال أبو حنيفة: الرهان جائز بين الملتزم
والحربي، لأن مالهم مباح في دارهم، فبأي
طريقة أخذه المسلم أخذ مالا مباحا إذا لم يكن
غدرا، واستدل بقصة أبي بكر مع قريش في مكة
قبل الهجرة، لما نزلت آية ﴿ألم. غلبت الروم.
في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون.
في بضع سنین لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ
يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو
العزيز الرحيم﴾(١).
فقالت قريش لأبي بكر: ترون أن الروم
تغلب فارسا قال: نعم، فقالوا: أتخاطرنا على
ذلك؟ فخاطرهم، فأخبر النبي وَلّر، فقال عليه
الصلاة والسلام: اذهب إليهم فزد في الخطر
ففعل، وغلبت الروم فارسا، فأخذ أبوبكر
خطره، فأجاز النبي ◌َ # ذلك. (٢) قال ابن
الهمام: وهذا هو القمار بعينه. (٣)
وينظر التفصيل في: (ميسر).
٢ - ويأتي الرهان بمعنى المسابقة بالخيل أو
الرمي، وهذا جائز بشروطه - (ر: مسابقة).
(١) سورة الروم ١ - ٥
(٢) حديث: ((نزول آية الروم ورهان أبي بكر مع قريش)).
أخرجه الترمذي (٣٤٤/٥ - ط الحلبي) بلفظ مقارب،
وقال: ((حدیث حسن صحیح)).
(٣) فتح القدير ١٧٨/٦
- ١٧١ -

رهان ٣ - ٦
٣ - ويأتي بمعنى: رهن، والرهان جمعه، وهو
جعل مال وثيقة بدین يستوفى منها عند تعذر
وفائه. (ر: رهن).
٤ - ويطلق الرهان على المال المشروط في سباق
الخيل ونحوه، جاء في لسان العرب: السبق -
بفتح الباء - الخطر الذي يوضع في الرهان على
الخيل والنضال، والرهان بهذا المعنى مشروع
باتفاق الفقهاء، بل هو مستحب إذا قصد به
التأهب للجهاد.
٥ - واختلف الفقهاء فيما يجوز فيه الرهان من
الحيوان فقال الشافعية: يكون في الخيل،
والإِبل، والفيل، والبغل، والحمار في القول
الأظهر عندهم، وقال المالكية: لا يجوز إلا في
الخيل والإِبل، وقال الحنفية: يجوز في الخيل
والإِبل وعلى الأرجل.
شروط جواز الرهان في السباق:
٦ - يشترط لجواز الرهان على ماذكر: علم
الموقف الذي يجريان منه، والغاية التي يجريان
إليها، وتساوهما فيهما، والعلم بالمشروط،
وتعیین الفرسین ونحوهما، وإمكان سبق كل
واحد منهما، ويجوز المال من غيرهما ومن
أحدهما، فیقول: إن سبقتني فلك علی کذا،
وإن سبقتك فلا شيء لي عليك، وإن شرط أن
من سبق منهما فله على الآخر کذا لم يصح، لأن
كلا منهما متردد بين أن يغنم وأن يغرم، وهو
صورة القمار المحرم، إلا أن يكون هناك محلل
فرسہ کفء لفرسیھما، إن سبق أخذ مالهما، وإن
سبق لم يغرم شيئا.(١)
والتفصيل وأقوال الفقهاء في (مسابقة).
(١) القليوبي ٢٦٥/٤ - ٢٦٦، مواهب الجليل ٣٩٠/٣، ابن
عابدین ٤٧٩/٥
- ١٧٢ -

رهبانية ١ - ٣
رهبانية
التعريف :
١ - الرهبانية لغة: من الرهبة، وهي الخوف
والفزع مع تحرز واضطراب، ومنها الراهب: وهو
المتعبد في صومعة من النصارى يتخلى عن
أشغال الدنیا وملاذها زاهدا فيها معتزلا أهلها،
والجمع: رهبان، وقد یکون الرهبان واحدا،
والجمع رهابین.
وترهب الرجل إذا صار راهبا .
والرهبانية : - بفتح الياء - منسوبة إلى
الرهبان وهو الخائف، فعلان من رهب،
کخشیان من خشي. وتكون أيضا - بضم
الراء - نسبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب
ورکبان. (١)
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وغريب القرآن للأصفهاني
مادة (رهب)، وروح المعاني ٩/ ١٩٠، وأحكام القرآن
لابن العربي ١٧٣٢/٤، والتفسير الكبير ٢٤٤/٢٩،
تفسير الزمخشري ٤ / ٦٧
والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العزلة :
٢ - العزلة لغة: التجنب وهي اسم مصدر،
وهي ضد المخالطة .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن ذلك.
والفرق بينها وبين الرهبانية: أن العزلة من
وسائل الرهبانية، وهي على خلاف الأصل،
وقد تقع عند فساد الزمان لغير الترهب فلا
تحرم .
ب - السياحة :
٣ - من معاني السياحة في اللغة: الذهاب في
الأرض للتعبد والترهب، ولا يخرج المعنى
الاصطلاحي عن ذلك.
وكانت السياحة هکذا مما يتعبد به رهبان
النصارى، ولذا جاء في الحديث: ((سياحة أمتي
الجهاد))، (١) وتأتي السياحة بمعنى إدامة
الصوم .
فالسياحة بالمعنى الأول قريبة من الرهبانية .
وينظر مصطلح (سياحة).
(١) حديث: ((سياحة أمتي الجهاد)). أخرجه أبو داود (١٢/٣ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٧٣/٢ - ط دائرة
المعارف العثمانية) من حديث أبي أمامة وصححه الحاكم،
ووافقه الذهبي.
- ١٧٣ -

رهبانية ٤
الحكم التكليفي :
٤ - نهت الشريعة عن الرهبانية - بمعناها الذي
كان يمارسه رهبان النصارى - وهو الغلوفي
العبادات، والتخلي عن أشغال الدنيا وترك
ملاذها، واعتزال النساء، والفرار من مخالطة
الناس، ولزوم الصوامع والديارات أو التعبد في
الغيران والكهوف، والسياحة في الأرض على
غیر ھدی بلحوقهم بالبراري والجبال، وحمل
أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم
والمشرب والملبس والمنكح، وتعذيب النفس
بالأعمال التعبدية الشاقة كأن يخصي نفسه أو
يضع سلسلة في عنقه .
ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿قل يا أهل الكتاب
لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم
قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء
السبيل﴾. (١)
وقول النبي وقال: ((عليك بالجهاد، فإنه
رهبانية الإِسلام)). (٢) وقوله صل: ((ولن يشاد
الدين أحد إلا غلبه)). (٣) وقوله ◌َ له: ((من رغب
(١) سورة المائدة / ٧٧
(٢) حديث: ((عليك بالجهاد فإنه رهبانية الإِسلام)). أخرجه
أحمد (٨٢/٣ - ط الميمنية) من حديث أبي سعيد الخدري،
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٥/٤ - ط القدسي)
وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات)).
(٣) حديث: ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)). أخرجه
البخاري (الفتح ٩٣/١ - ط السلفية) من حديث أبي
هريرة .
عن سنتي فليس مني)) .(١)
واتفق العلماء على أن الأفضل للمسلم أن
يختلط بالناس، ويحضر جماعاتهم ومشاهد الخير
ومجالس العلم، وأن يعود مريضهم، ويحضر
جنائزهم، ويواسي محتاجهم، ویرشد
جاهلهم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،
ويدعوللخير، وينشر الحق والفضيلة، ويجاهد
في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه مع
قمع نفسه عن إيذاء المسلمين والصبر على
أذاهم .
قال النووي : إن الاختلاط بالناس على
هذا الوجه هو المختار الذي كان عليه
رسول الله ◌َ ل﴿ وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون، ومن
بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من
علماء المسلمين وأخيارهم لقوله تعالى :
﴿وتعاونوا على البروالتقوى﴾(٢) وقوله تعالى :
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾(٣) وقوله تعالى:
﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا
كأنهم بنيان مرصوص﴾. (٤)
(١) حديث: ((من رغب عن سنتي فليس مني)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٠٤/٩ - ط السلفية)، ومسلم
(١٠٢٠/٢ - ط الحلبي) من حديث أنس.
(٢) سورة المائدة/ ٢
(٣) سورة آل عمران/ ١١٠
(٤) سورة الصف/ ٤
- ١٧٤ -

رهبانية ٤، رهن ١
وقوله مَّة: ((العبادة في الهرج كهجرة إليّ))(١)
وقوله ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر
على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالطهم
ولا يصبر على أذاهم)). (٢)
هذا إذا لم تكن هناك فتنة عامة أو فساد سائد
لا یستطیع إصلاحه، أو غلب على ظنه وقوعه
في الحرام بسبب المخالطة فيستحب له في هذه
الحالة العزلة لقوله تعالى : ﴿واتقوا فتنة
لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة﴾. (٣)
وقوله مثل: ((خير الناس رجل جاهد بنفسه
وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه
ويدع الناس من شره)) . (٤)
وقوله ◌َله: ((يوشك أن يكون خيرمال المسلم
غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطريفر
بدينه من الفتن)). (٥)
(١) حديث: ((العبادة في الهرج كهجرة إليّ)). أخرجه مسلم
(٢٢٦٨/٤ - ط الحلبي) من حديث معقل بن يسار)).
(٢) حديث: ((المؤمن الذي يخالط الناس ... )). أخرجه أحمد
(٤٣/٢ - ط اليمنية) من حديث أبي هريرة، وإسناده
صحيح .
(٣) سورة الأنفال/ ٢٥
(٤) حديث: ((خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٣١/١١ - ط السلفية) من
حديث أبي سعيد الخدري.
(٥) تفسير القرطبي ٢٦٣/١٧، أحكام القرآن لابن
العربي ١٧٣٢/٤، الاعتصام للشاطبي ص٢٣٣، دليل
الفالحين ٣٧/٣، ٤٥
وحديث: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٤٠ - ط السلفية) من حديث
أبي سعيد الخدري.
رهن
التعريف :
١ - الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، يقال:
ماء راهن أي: راكد ودائم، ونعمة راهنة أي :
ثابتة دائمة .
ويأتي بمعنى الحبس. (١) ومن هذا المعنى :
قوله تعالى: ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾(٢)
وحديث: ((نفس المؤمن مرهونة - أي محبوسة -
١)
بدینه حتی یقضی عنه دينه)) .
وشرعا: جعل عين مالية وثيقة بدين يستوفى
منها أومن ثمنها إذا تعذر الوفاء . (٤)
(١) لسان العرب، وأسنى المطالب ٢/ ١٤٤، وابن عابدين
٣٠٧/٥، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٣١، والمغني ٤/ ٣٦١،
ونهاية المحتاج ٢٣٣/٤
(٢) سورة الطور/ ٢١
(٣) حديث: ((نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه
دينه)). ورد بلفظ: ((معلقة)) بدلا من ((مرهونة)) أخرجه
الترمذي (٣/ ٣٨٠ - ط الحلبي) وقال: ((حديث حسن)).
(٤) المصادر السابقة مع اختلافات لفظية بين تعريفاتهم.
- ١٧٥ -

رهن ٢ - ٥
الألفاظ ذات الصلة :
الضمان :
٢ - وهو في اللغة الالتزام. (١)
وشرعا هو التزام بحق ثابت في ذمة الغير، أو
بإحضار من عليه الحق، ویسمی الملتزم ضامنا،
وكفيلا، وقال الماوردي: إن العرف جار
باستعمال لفظ الضمان في الأموال والكفالة في
النفوس. (٢)
والفرق بينهما: أن كلا من الرهن والضمان
عقد وثيقة للدین، لكن الضمان يكون ضم ذمة
إلى ذمة في المطالبة، أما الرهن فلابد من تقديم
عين مالية يستوفى منها الدين عند عدم القدرة
على الوفاء.
مشروعية الرهن :
٣ - الأصل في مشروعية الرهن قوله تعالى:
﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان
مقبوضة)، (٣) والمعنى: فارهنوا، واقبضوا،
كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾. (٤)
وخبر أن النبي ◌َلي: اشترى طعاما من
يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد)). (٥)
(١) المصباح المنير.
(٢) أسنى المطالب ٢/ ٢٣٥
(٣) سورة البقرة/ ٢٨٣
(٤) سورة النساء/ ٩٢
(٥) حديث: «أن رسول الله ﴾ اشتری طعاما من يهودي» =
وقد أجمعت الأمة على مشروعية الرهن،
وتعاملت به من لدن عهد النبي صل﴾ إلى يومنا
هذا، ولم ينكره أحد.(١)
الحكم التكليفي :
٤ - الرهن جائز ولیس واجبا. وقال صاحب
المغني: لا نعلم خلافا في ذلك، لأنه وثيقة
بدين، فلم يجب كالضمان، والكفالة. والأمر
الوارد به أمر إرشاد، لا أمر إيجاب، بدليل قوله
تعالی: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي
أؤتمن أمانته﴾(٢) ولأنه أمر بعد تعذر الكتابة،
والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها. (٣)
جواز الرهن في الحضر :
٥ - الرهن في الحضر جائز جوازه في السفر، ونقل
صاحب المغني عن ابن المنذر أنه قال: لا نعلم
أحدا خالف ذلك إلا مجاهدا، وقال القرطبي :
وخالف فيه الضحاك أيضا . (٤)
= أخرجه البخاري (الفتح ٥/ ٥٣ - ط السلفية) من حديث
عائشة .
(١) المغني ٣٦٢/٤، المجموع ١٧٧/١٣، نيل الأوطار
٣٥٢/٥
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٣
(٣) المصادر السابقة.
(٤) المغني ٣٦٢/٤، نيل الأوطار ٣٥٢/٥، المجموع
١٧٧/١٣
- ١٧٦ -

رهن ٦ - ٧
واستدلوا بخبر: أن النبي قال: توفي ودرعه
مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير))(١)
ولأنها وثيقة تجوز في السفر، فجازت في الحضر
کالضمان، وقد تترتب الأعذار في الحضر أيضا
فيقاس على السفر.
والتقييد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب
فلا مفهوم له، لدلالة الأحاديث على مشروعيته
في الحضر، وأيضا السفر مظنة فقد الكاتب، فلا
يحتاج إلى الرهن غالبا إلا فيه. (٢)
أركان الرهن :
أ - ما ینعقد به الرهن :
٦ - ينعقد الرهن بالإيجاب والقبول وهذا محل
اتفاق بين الفقهاء، واختلفوا في انعقاده
بالمعاطاة، فذهب الشافعية في المعتمد إلى أن
الرهن لا ينعقد إلا بإيجاب وقبول قوليين
کالبیع. وقالوا: لأنه عقد مالي فافتقر إليهما.
ولأن الرضا أمر خفي لا اطلاع لنا عليه
فجعلت الصيغة دليلا على الرضى، فلا ينعقد
بالمعاطاة، ونحوه. (٣)
وقال المالكية والحنابلة: إن الرهن ینعقد بکل
ما يدل على الرضى عرفا فيصح بالمعاطاة،
(١) حديث: ((أن النبي # توفي ودرعه مرهونة عند
يهودي)). أخرجه البخاري (الفتح ٦/ ٩٩ - ط السلفية).
(٢) المصادر السابقة .
(٣) نهاية المحتاج ٣٧٥/٣، ٢٣٤/٤، وحاشية ابن عابدين
٣٠٧/٥
والإِشارة المفهمة، والكتابة، لعموم الأدلة كسائر
العقود، ولأنه لم ينقل عن النبي وَ لير، ولا عن
أحد من الصحابة استعمال إيجاب وقبول في
معاملاتهم، ولو استعملوا ذلك لنقل إلينا
شائعا، ولم يزل المسلمون يتعاملون في عقودهم
بالمعاطاة . (١)
ويشترط في الصيغة ما يشترط في صيغة
البيع. (ر: بيع).
ب ۔ العاقد :
٧ - شرط في کل من الراهن والمرتهن أن يكون
مطلق التصرف في المال بأن يكون عاقلا بالغا
رشيدا، غير محجور من التصرف، فأما الصبي،
والمجنون، والمحجور عليه في التصرف المالي فلا
يصح منه الرهن، ولا الارتهان لأنه عقد على
المال فلم يصح منهم. (٢)
والرهن نوع تبرع، لأنه حبس مال بغير
عوض فلم يصح إلا من أهل التبرع، فيصح
رهن البالغ العاقل الرشيد ماله، أو مال موليه
بشرط وقوعه على وجه الغبطة الظاهرة، فيكون
بها مطلق التصرف في مال مولیه، بأن تكون في
(١) شرح الزرقاني ٣/٥ - ٤، ٢٣٢، الإنصاف ١٣٧/٥،
کشاف القناع ١٤٨/٣ - ٣٢٢
(٢) المجموع ١٧٩/١٣، الإنصاف ١٣٩/٥، الزرقاني
٢٣٣/٥
- ١٧٧ -

رهن ٨
رهنه إياه غبطة ظاهرة أو ضرورة . (١)
وصرح الحنفية بأن الصبي المأذون يجوز له
الرهن والارتهان. لأن الرهن من توابع التجارة
فيملكه من يملك التجارة.
وصرح المالكية بأن الصبي المميز والسفيه
يصح رهنهما ويكون موقوفا على إجازة
الولي. (٢)
جـ ـ المرهون به :
٨ - اتفق الفقهاء على أنه يجوز أخذ الرهن بكل
حق لازم في الذمة، أو آيل إلى اللزوم، ثم
اختلفوا في بعض التفاصيل.
فقال الشافعية : يشترط فيما يجوز أخذ الرهن
به ثلاثة شروط :
١ - أن يكون دينا، فلا يصح أخذ الرهن
بالأعیان مضمونة كانت أو أمانة، وسواء كان
ضمان العين بحكم العقد أوبحكم اليد،
كالمستعار، والمأخوذ بالسوم، والمغصوب،
والأمانات الشرعیة کالوديعة ونحوها، وقالوا :
لأن الله تعالى ذكر الرهن في المداينة فلا يثبت في
غیرها، ولأن الأعیان لا تستوفی من ثمن
المرهون، وذلك مخالف لقرض الرهن عند بيعه.
٢ - أن يكون الدين ثابتا، فلا يصح أخذ الرهن
(١) نهاية المحتاج ٢٣٦/٤، المغني ٣٦٤/٤، كشاف القناع
٣٢٢/٣
(٢) البدائع ١٣٥/٥، والخرشي ٠٥ ٢٣٦
بما لیس بثابت، وإن وجد سبب وجوبه، فلا
يصح بما سيقرضه غدا، أو نفقة زوجته غدا،
لأن الرهن وثيقة حق فلا يتقدم عليه، وهو رأي
الحنابلة .
٣ - أن يكون الدين لازما أو آيلا إلى اللزوم،
فلا يصح بجعل الجعالة قبل الفراغ من العمل،
لأنه لا فائدة في الوثيقة مع تمكن المديون من
إسقاطها .
فيصح عندهم أخذ الرهن بكل حق لازم في
الذمة ثابت غير معرض للإسقاط من الراهن،
كدين السلم، وعوض القرض، وثمن
المبيعات، وقيم المتلفات، والمهر، وعوض الخلع
غير المعينين، والدية على العاقلة بعد حلول
الحول، والأجرة في إجارة العين. (١)
وقال المالكية: يجوز أخذ الرهن بجميع
الأثمان الواقعة في جميع البيوعات، إلا الصرف،
ورأس مال السلم، لأنه يشترط فيهما التقابض
في المجلس، ويجوز أخذ الرهن بدين السلم
والقرض، والمغصوب، وقيم المتلفات، وأرش
الجنايات في الأموال، وجراح العمد الذي لا قود
فيه کالمأمومة، والجائفة، وارتهان قبل الدین من
قرض أوبيع، وما يلزم المستأجر من الأجرة
بسبب عمل يعمله الأجيرله بنفسه أو دابته،
(١) روضة الطالبين ٥٣/٤، أسنى المطالب ٢/ ١٥٠، نهاية
المحتاج ٢٤٨/٤
- ١٧٨ -

رهن ٨
وما يلزم بسبب جعالة ما يلزم بالعارية
المضمونة . (١)
وقال الحنفية: يجوز أخذ الرهن بعوض
القرض وإن کان قبل ثبوته، بأن یرهنه ليقرضه
مبلغا من النقود في الشهر القادم، فإن هلك
الرهن في ید المرتهن كان مضمونا بما وعد من
الدين، وبرأس مال السلم، وثمن الصرف،
والمسلم فیه، فإن هلك الرهن في المجلس تم
الصرف والسلم، وصار المرتهن مستوفيا حقه
حكما، وإن افترقا قبل نقد (قبض) أو هلاك
بطلا .
ويجوز الرهن بالأعيان المضمونة بعينها
كالمغصوبة، وبدل الخلع، والصداق، وبدل
الصلح عن دم العمد، لأن الضمان متقرر، فإنه
إن کان قائما وجب تسلیمه، وإن کان ھالکا
تجب قیمته، فكان رهنا بما هو مضمون.
أما الأعيان المضمونة بغيرها كالمبيع في يد
البائع، والأمانات الشرعية كالودائع،
والعواري، والمضاربات، ومال الشركة، فلا
يجوز أخذ الرهن بها. (٢)
وقال الحنابلة : يصح الرهن بکل دین واجب
أو مآله إلى الوجوب، کقرض، وقيمة متلف،
وثمن في مدة الخيار، وعلى العين المضمونة
(١) بداية المجتهد ٢/ ٢٤٤، بلغة السالك ١١٦/٢
(٢) حاشية الطحطاوي ٤/ ٢٤٠، الهداية ١٣٣/٤
كالمغصوب والعواري، والمقبوض على وجه
السوم، والمقبوض بعقد فاسد.
لأن المقصود من الرهن الوثيقة بالحق، وهو
حاصل، فإن الرهن بهذه الأعيان يحمل الراهن
علی أدائها، فإن تعذر أداؤها استوفى بدلها من
ثمن الرهن، فأشبهت ما في الذمة .
ويجوز أخذ الرهن على منفعة إجارة في
الذمة، كمن استؤجر لبناء دار، وحمل شيء
معلوم إلى محل معين، فإن لم يعمل الأجير
العمل بیع الرهن، واستؤجر منه من یعمله.
ويجوز أخذ الرهن بدية على عاقلة بعد حلول
الحول لوجوبها، أما قبل حلول الحول فلا يصح
لعدم وجوبها. ولا يجوز أخذ الرهن على جعل
الجعالة قبل العمل، ولا على عوض مسابقة
قبل العمل لعدم وجوب ذلك، ولا يتحقق أنه
يؤول إلى الوجوب. وبعد العمل جاز فيهما.
ولا يصح أخذ الرهن بعوض غير ثابت في
الذمة كالثمن المعين كقطعة من الذهب جعلت
بعينها ثمنا. والأجرة المعينة في الإِجارة، والمنفعة
المعينة المعقود عليها في الإِجارة، کدار معينة،
ودابة معينة، لحمل شيء معين إلى مكان
معلوم، لأن الذمة لم يتعلق بها في هذه الصور
حق واجب، ولا يؤول إلى الوجوب، ولأن
الحق يتعلق بأعيان هذه الأشياء. (١)
(١) كشاف القناع ٣٢٤/٣، الإنصاف ١٣٧/٥ - ١٣٨
- ١٧٩ -

رهن ٩ - ١١
د - المرهون :
٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز رهن کل
متمول یمکن أخذ الدین منه، أومن ثمنه عند
تعذر وفاء الدين من ذمة الراهن.
ثم اختلفوا في بعض التفاصيل. فقال
الشافعية والحنابلة: إن كل عين جاز بيعها جاز
رهنها، لأن المقصود من الرهن أن يباع ويستوفى
الحق منه إذا تعذر استيفاؤه من ذمة الراهن،
وهذا يتحقق في کل عین جاز بيعها، ولأن
ما کان محلا للبیع کان محلا لحكمة الرهن،
فيصح عندهم بيع المشاع سواء رهن عند شريكه
أم عند غيره قَبِل القسمة أم لم يقبلها،
وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، فلا يصح رهن
المسلم، أو ارتهانه كلبا، أو خنزيرا، أو خمرا.
وقال المالكية: يجوز رهن ما فيه غرریسیر،
کبعیر شارد، وثمر لم يبد صلاحه، لأن للمرتهن
دفع ماله بغير وثيقة، فساغ أخذه بما فيه غرر،
لأنه شيء في الجملة وهو خيرمن لا شيء،
بخلاف ما فيه غرر شديد كالجنين، وزرع لم
يخلق .(١)
واشترط الحنفية في المرهون ما يلي:
١- أن یکون محوزا أي مقسوما، فلا يجوز رهن
المشاع.
(١) المغني ٣٧٤/٤، المجموع ١٩٨/١٣، نهاية المحتاج
٢٣٨/٤، بلغة السالك ١٠٩/٢، وشرح الرزقاني
٢٣٧/٥
٢ - وأن يكون مفرغا عن ملك الراهن، فلا يجوز
رهن مشغول بحق الراهن، كدار فيها متاعه .
٣ - وأن يكون مميزا، فلا يجوزرهن المتصل بغيره
اتصال خلقة كالثمر على الشجر بدون الشجر،
لأن المرهون متصل بغير المرهون خلقة فصار
کالشائع .(١)
رهن المستعار :
١٠ - لا يشترط أن يكون المرهون ملكا للراهن،
فيصح رهن المستعار بإذن المعير باتفاق الفقهاء.
ونقل صاحب المغني عن ابن المنذر إجماع أهل
العلم على جواز الاستعارة للرهن، لأنه توثق،
وهو يحصل بما لا يملكه الراهن بدليل صحة
الإشهاد والكفالة، ولأن للمعير أن يلزم ذمته
دین غيره، فيملك أن يلزم عین ماله، لأن كلا
منهما محل حقه، وتصرفه. (٢)
شروط صحة رهن المستعار للرهن :
١١ - يشترط في عقد العارية للرهن: ذكر قدر
الدين، وجنسه وصفته، وحلوله وتأجيله،
والشخص المرهون عنده، ومدة الرهن لأن الغرر
يختلف بذلك فاحتیج إلیه. وإلى هذا ذهب
(١) حاشية الطحطاوي ٢٣٥/٤، والهداية ١٢٦/٤، وفتح
الباري ٦٩/٩ - ٧٠
(٢) المغني ٤ / ٣٨٠، روضة الطالبين ٤/ ٥٠، ابن عابدين
٥/ ٣٣٠، شرح الزرقاني ٥/ ٢٤٠
- ١٨٠ -