Indexed OCR Text
Pages 141-160
رمضان ٢
واستدل القائلون بثبوت الشهر برؤية
العدل، بحديث عبدالله بن عمر - رضي الله
عنهما - قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت
النبي ◌َّ أني رأيته فصامه، وأمر الناس
بصيامه)). (١)
واستدلوا کذلك بحديث ابن عباس
رضي الله عنهما قال: ((جاء أعرابي إلى
النبي ﴾ فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان
- قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن
محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يابلال،
أذن في الناس أن يصوموا غدا)). (٢)
وذهب المالكية وهو قول عند الشافعية: إلى
أنه لا يثبت شهر رمضان إلا برؤية عدلين
واستدلوا بحديث الحسين بن الحارث الجدلي
قال: (إن أمیر مکة ۔ الحارث بن حاطب - قال:
عهد إلينا رسول الله لي أن ننسك للرؤية، فإن
لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما)). (٣)
والإِخبار برؤية هلال رمضان متردد بين كونه
(١) حديث ابن عمر: ((تراءى الناس الهلال)). أخرجه أبوداود
(٢ /٧٥٦ - ٧٥٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٤٢٣/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه
الذهبي.
(٢) حديث ابن عباس: ((جاء أعرابي إلى النبي مَثية)) أخرجه
الترمذي (٦٥/٣ - ط الحلبي) والنسائي (١٣٢/٤ - ط
المكتبة التجارية) ورجحا إرساله.
(٣) حديث: ((الحارث بن حاطب)). أخرجه الدار قطني
(٢ /١٦٧ - ط دار المحاسن) وصححه .
رواية أو شهادة، فمن اعتبره رواية وهم الحنفية
والحنابلة وهو قول عند الشافعية قبل فيه قول
المرأة. ومن اعتبره شهادة وهم المالكية وهو
الأصح عند الشافعية لم يقبل فيه قول المرأة .
فإن لم تمکن رؤية الهلال وجب استكمال عدة
شعبان ثلاثين يوما، وهو قول الجمهور - الحنفية
والمالكية والشافعية ورواية في مذهب الحنابلة -
واستدلوا بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -
أن النبي ◌َ ل قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة، فأكملوا
العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا)). (١)
وفي رواية: ((لا تصوموا قبل رمضان، صوموا
للرؤية وأفطروا للرؤية، فإن حالت دونه غیایة
فأكملوا ثلاثين)). (٢)
وفي رواية أخرى هي المذهب عند الحنابلة
أنه إذا كانت السماء مصحية ولم ير الهلال ليلة
الثلاثين أكملت عدة شعبان ثلاثين يوما، فإذا
كان في السماء قتر أوغيم ولم ير الهلال، قدر
شعبان تسعة وعشرين يوما، وصيم يوم الثلاثين
(يوم الشك) احتياطا بنية رمضان، واستدلوا
(١) حديث ابن عباس: ((صوموا لرؤيته)). أخرجه النسائي
(١٣٦/٤ - ط المكتبة التجارية) والحاكم (٤٢٥/١ - ط
دائرة المعارف العثمانية) واللفظ للنسائي، وصححه
الحاكم. ووافقه الذهبي.
(٢) حديث: ((لا تصوموا قبل رمضان، صوموا للرؤية ... ))
أخرجه النسائي (٤ /١٣٦ - ط المكتبة التجارية) والترمذي
(٦٣/٣ - ط الحلبي) وقال: ((حديث حسن صحيح)).
- ١٤١ -
...
رمضان ٣ - ٤
بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال:
سمعت رسول الله إليه يقول: ((إذا رأيتموه
فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم
فاقدروا له))(١) وفسروا قوله: «فاقدروا له)) أي
ضيقوا له، وهو أن يجعل شعبان تسعة وعشرين
يوما .
وجمهور الفقهاء على عدم اعتبار الحساب في
إثبات شهر رمضان، بناء على أننا لم نتعبد إلا
بالرؤية .
وخالف في هذا بعض الشافعية. وانظر
التفصيل في مصطلح : ( رؤية الهلال ،
وتنجیم).
اختلاف مطالع هلال رمضان :
٣ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول
عند الشافعية: إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع
في إثبات شهر رمضان، فإذا ثبت رؤية هلال
رمضان في بلد لزم الصوم جميع المسلمين في جميع
البلاد، وذلك لقوله چل#1: ((صوموا لرؤيته))(٢) وهو
خطاب للأمة كافة .
والأصح عند الشافعية اعتبار اختلاف
(١) حديث: ((إذا رأيتموه فصوموا)). أخرجه مسلم (٢/ ٧٦٠ -
ط الحلبي).
(٢) حديث: ((صوموا لرؤيته)). تقدم تخريجه ف٢
المطالع، وتفصيل ذلك في مصطلحي : (رؤية
الهلال، ومطالع).
٤ - واتفق الفقهاء على اعتبار شهادة عدلين في
رؤية هلال شوال، وبه ينتهي رمضان، ولم
يخالف في هذا إلا أبو ثور، فقال: يقبل قول
الواحد. ودليل اعتبار شهادة العدلین حدیث
ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ «أنه أجاز
شهادة رجل واحد على رؤية الهلال - هلال
رمضان - وكان لا يجيز على شهادة الإِفطار إلا
بشهادة رجلين)). (١)
وقياسا على باقي الشهادات التي ليست
مالا، ولا يقصد منها المال، كالقصاص والتي
يطلع عليها الرجال غالبا، ولأنها شهادة على
هلال لا يدخل بها في العبادة، فلم تقبل فيها إلا
شهادة اثنين كسائر الشهود. (٢)
خصائص شهر رمضان :
يختص شهر رمضان عن غيره من الشهور
بجملة من الأحكام والفضائل :
(١) حديث ابن عمر: ((أن النبي ◌َّر أجاز شهادة رجل واحد)).
أخرجه الدارقطني (٢ /١٥٦ - ط دار المحاسن) وقال: تفرد
به حفص بن عمر الأبلي أبو اسماعيل، وهو ضعيف
الحديث .
(٢) الاختيار ١٢٩/١ - ١٣٠، كشاف القناع ٣٠١/٢ -
٣٠٥، المغني ١٥٩/٣، المجموع ٦/ ٢٧٣، ٢٧٧ -
٢٨٠، حاشية ابن عابدين ٢/ ٩٢، حاشية الدسوقي
٥٠٩/١ - ٥١٢، الخرشي ٢٣٤/٢
- ١٤٢ -
رمضان ٥ - ٧
الأولى : نزول القرآن فيه:
٥ - نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ
إلى بيت العزة في السماء الدنیا، وذلك في شهر
رمضان، وفي ليلة القدر منه على التعيين. ثم
نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين
سنة. كما ورد في القرآن الكريم: ﴿شهر رمضان
الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من
الهدى والفرقان﴾(١) وقوله سبحانه تعالى: ﴿إنا
أنزلناه في ليلة القدر﴾.(٢)
وقد جاء في التفسير عن مجاهد - رضي الله
عنه - قوله: ((ليلة القدر خير من ألف شهر،
ليس في تلك الشهور ليلة القدر)). وورد مثله
عن قتادة والشافعي وغيرهما، وهو اختيار ابن
جریر وابن كثير. (٣)
الثانية : وجوب صومه :
٦ - صوم رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة
كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -
أن النبي ◌َّ قال: ((بني الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،
(١) سورة البقرة/ ١٨٥
(٢) سورة القدر/ ١
(٣) تفسير ابن كثير ٣٨٠/١، ٣٣٢/٧ ط دار
الأندلسي/ بيروت.
وصوم رمضان)). (١) ودل الكتاب الكريم على
وجوب صومه، كما في قوله تعالى : ﴿ياأيها
الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾(٢) وقوله
تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن
شهد منكم الشهر فليصمه﴾. (٣) الآية.
وفرضية صومه مما أجمعت عليه الأمة .
وينظر التفصيل في مصطلح : (صوم).
الثالثة: فضل الصدقة فيه :
٧ - دلت السنة على أن الصدقة في رمضان
أفضل من غيره من الشهور، من ذلك حديث
ابن عباس قال: ((كان النبي والر أجود الناس
بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه
جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل
ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه
النبي ◌َ القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام
كان أجود بالخير من الريح المرسلة)). (٤) قال ابن
(١) حديث: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله
إلا الله ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١ /٤٩ - ط السلفية)
ومسلم (١ / ٤٥ - ط الحلبي)
(٢) سورة البقرة/ ١٨٣
(٣) سورة البقرة/ ١٨٥
(٤) حديث: ((كان أجود الناس بالخير)). أخرجه البخاري
(الفتح ١١٦/٤ - ط السلفية).
- ١٤٣ -
رمضان ٨ - ١٠
حجر: والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن
ينبغي ، وهو أعم من الصدقة، وأيضا رمضان
موسم الخيرات، لأن نعم الله على عباده فيه
زائدة على غيره، فكان النبي وقالّ يؤثر متابعة
سنة الله في عباده.(١)
الرابعة: أن ليلة القدر في رمضان :
٨ - فضل الله تعالى رمضان بليلة القدر، وفي
بيان منزلة هذه الليلة المباركة نزلت سورة القدر
ووردت أحاديث كثيرة منها: حديث أبي هريرة
- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله اليه :
((أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل
عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق
فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين،
لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها
فقد حرم)). (٢)
وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسول اللّه وَّل: ((من قام ليلة القدر إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)). (٣)
وينظر التفصيل في مصطلح: (ليلة القدر).
(١) فتح الباري ١/ ٣١، ١١٦/٤
(٢) حديث: ((أتاكم رمضان شهر مبارك)). أخرجه النسائي
(١٢٩/٤ - ط المكتبة التجارية)، وإسناده صحيح.
(٣) حديث: ((من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١١٥/٤ - ط السلفية).
الخامسة: صلاة التراويح :
٩ - أجمع المسلمون على سنية قيام ليالي
رمضان، وقد ذکر النووي أن المراد بقيام رمضان
صلاة التراويح يعني أنه يحصل المقصود من
القيام بصلاة التراويح . (١) وقد جاء في فضل
قيام ليالي رمضان قوله ◌َله: ((من قام رمضان
إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه)). (٢)
وينظر التفصيل في مصطلح : (إحياء الليل)
ومصطلح: (صلاة التراويح).
السادسة : الاعتكاف فيه :
١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن الاعتكاف في العشر
الأواخر من رمضان سنة مؤكدة، لمواظبة
النبي ◌ِّل عليه، كما جاء في حديث عائشة -
رضي الله عنها - ((أن النبي ◌َ ل ﴿ كان يعتكف
العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله
تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). (٣)
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه ((أن رسول الله وَ ليل كان يعتكف في العشر
الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا
(١) فتح الباري ٤/ ٢٥١
(٢) حديث: ((من قام رمضان إيمانا واحتسابا ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٤ / ٢٥٠ - ط السلفية) ومسلم (٥٢٣/١ -
ط الحلبي).
(٣) حديث: ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان)) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٧١/٤ - ط السلفية) ومسلم (٢/ ٨٣١ -
ط الحلبي).
- ١٤٤ -
رمضان ١١ - ١٤
كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج
من صبيحتها من اعتكافه قال: من كان اعتكف
معي فليعتكف العشر الأواخر)). الحديث. (١)
ويراجع التفصيل في مصطلح: (اعتكاف
٢٠٧/٥).
السابعة: قراءة القرآن الكريم في رمضان
والذكر :
١١ - يستحب في رمضان استحبابا مؤكدا
مدارسة القرآن وكثرة تلاوته، وتكون مدارسة
القرآن بأن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه،
ودليل الاستحباب ((أن جبريل كان يلقى
النبي 18 في كل ليلة من رمضان فيدارسه
القرآن)). (٢)
وقراءة القرآن مستحبة مطلقا، ولكنها في
رمضان آكد. (٣)
الثامنة: مضاعفة ثواب الأعمال الصالحة في
رمضان :
١٢ - تتأكد الصدقة في شهر رمضان، لحديث
(١) حديث أبي سعيد: ((أن رسول الله يلي كان يعتكف العشر
الأوسط من رمضان)). أخرجه البخاري (الفتح ٢٧١/٤ -
ط السلفية).
(٢) حديث: ((أن جبريل كان يلقى النبي ## في كل ليلة من
رمضان». تقدم تخريجه ف/ ٧
(٣) روضة الطالبين ٣٦٨/٢، أسنى المطالب ٤٢٠/١،
كشاف القناع ٣٣٢/٢
ابن عباس المتقدم، لأنه أفضل الشهور، ولأن
الناس فيه مشغولون بالطاعة فلا يتفرغون
مكاسبهم، فتكون الحاجة فيه أشد، ولتضاعف
الحسنات به .
قال إبراهيم : تسبيحة في رمضان خير من
ألف تسبيحة فيما سواه. (١)
التاسعة : تفطير الصائم :
١٣ - لحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله
عنه قال: قال رسول اللّه ◌َ ل: ((من فطر صائم)
كان له مثل أجره، غيرأنه لا ينقص من أجر
الصائم شيئا)). (٢)
العاشرة: فضل العمرة في رمضان :
١٤ - العمرة في رمضان أفضل من غيره من
الشهور(٣) لحديث ابن عباس قال: قال
رسول الله الله: ((عمرة في رمضان تعدل
حجة)) . (٤)
(١) كشاف القناع ٢/ ٣٣٢، أسنى المطالب ٤٠٦/١
(٢) حديث: ((من فطر صائما ... )) أخرجه الترمذي (١٦٢/٣
- ط. الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني، وقال:
((حسن صحيح)).
(٣) كشاف القناع ٢/ ٥٢٠، حاشية ابن عابدين ٢/ ١٥١،
أسنى المطالب ٤٥٨/١
(٤) حديث: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)). أخرجه أحمد
(٣٠٨/١ ط المكتب الإسلامي) عن ابن عباس وأصله في
الصحيحين .
- ١٤٥ -
رمضان ١٥
ترك التكسب في رمضان للتفرغ للعبادة:
١٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الاكتساب
فرض للمحتاج إلیه بقدر ما لا بد منه.
واختلف الفقهاء أيهما أفضل: الاشتغال
بالكسب أفضل، أم التفرغ للعبادة؟ .
فذهب البعض إلى أن الاشتغال بالکسب
أفضل، لأن منفعة الاكتساب أعم، فمن
اشتغل بالزراعة - مثلا - عم نفع عمله جماعة
المسلمين، ومن اشتغل بالعبادة نفع نفسه فقط.
وبالكسب يتمكن من أداء أنواع الطاعات
كالجهاد والحج والصدقة وبر الوالدين وصلة
الأرحام والإِحسان إلى الأقارب والأجانب، وفي
التفرغ للعبادة لا يتمكن إلا من أداء بعض
الأنواع كالصوم والصلاة .
ومن ذهب إلى أن الاشتغال بالعبادة أفضل
احتج بأن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة
والسلام ما اشتغلوا بالكسب في عامة الأوقات،
وكان اشتغالهم بالعبادة أكثر، فيدل هذا على
أفضلية الاشتغال بالعبادة، لأنهم - عليهم
الصلاة والسلام - كانوا يختارون لأنفسهم أعلى
الدرجات .
وعليه فمن ملك ما یکفي حاجته في رمضان
كان الأفضل في حقه التفرغ للعبادة طلبا
للفضل في هذا الشهر، وإلا كان الأفضل في
حقه التكسب حتى لا يترك ما افترض عليه من
تحصیل ما لا بد منه .
وقد أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن جابر
الخيواني قال: شهدت عبدالله بن عمروفي بیت
المقدس وأتاه مولى له فقال: إني أريد أن أقيم
هذا الشھر هھنا ۔ یعني رمضان - قال له عبدالله :
هل تركت لأهلك ما يقوتهم؟ قال: لا ، قال:
أُمَّا لا، فارجع فدع لهم ما يقوتهم، فإني سمعت
رسول الله وَله يقول: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع
من يقوت))(١) وقد ترجم الخطيب في كتابه
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع لهذا
الحديث بقوله: ذكر ما يجب على طالب
الحديث من الاحتراف للعيال واكتساب
الحلال. (٢)
وانظر مصطلح : (اكتساب).
(١) حديث: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)). أخرجه
أحمد (١٩٥/٢ - ط اليمنية) والخطيب البغدادي في الجامع
(١/ ٩٧ - ط مكتبة المعارف) والسياق للخطيب، وذكر
الذهبي في الميزان (٤ /٣٥٠ - ط الحلبي) أن راويه عن
عبدالله بن عمرو فيه جهالة، ولكن الحديث صحيح بلفظ :
(«كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته)). أخرجه مسلم
(٦٩٢/٢ - ط الحلبي).
(٢) الجامع للخطيب البغدادي ١/ ٩٧، الكسب للشيباني
ص٤٤، ٤٨
- ١٤٦ -
رمق ١ - ٢
رمق
التعريف :
١ - الرمق: لغة بقية الروح، وقال بعضهم: إنه
القوة، وقيل: هو آخر النفس، وفي الحديث عن
عبدالله بن مسعود: ((أتيت أبا جهل وبه
رمق».(١)
وَرَمَقَه يَرْمُقُه رَمْقا: أي أطال النظر إليه،
والرمقة القليل من العيش الذي يمسك الرَّمَق،
وعيش مُرْمَق أي قليل، وأَرْمَق العيشُ أي
ضعف، ومن كلامهم: موت لا يجر إلى عار
خير من عيش في رَمَاق، ويطلق الرمق على
القوة ومنه قولهم: يأكل المضطر من لحم الميتة
ما يسد به رمقه أي ما يمسك به قوته ويحفظها،
والمرامق: الذي لم يبق فيه إلا الرمق. (٢)
ولا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه
اللغوي .
(١) حديث: ((أتيت أبا جهل وبه رمق)). أخرجه البخاري
(الفتح ٢٩٣/٧ - ط السلفية).
(٢) لسان العرب والمصباح المنير، مادة (رمق).
الأحكام المتعلقة بالرمق :
أ - التوبة في الرمق الأخير:
٢ - بحث الفقهاء حكم توبة من كان في الرمق
الأخیر من حیاته .
فذهب جمهورهم إلى أنه لا تقبل توبة من
حضره الموت، وشاهد الأحوال التي لا يمكن
معها الرجوع إلى الدنيا، وعاين ملك الموت
وانقطع حبل الرجاء منه، لأن تلك الحالة أشبه
شيء بالآخرة .
ولأن من شروط التوبة عزمه على ألا يعود،
وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب من الذنب
وبقاء أوان الاختيار. قال الله تعالى: ﴿وليست
التوبة للذين يعملون السیئات حتى إذا حضر
أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين
يموتون وهم كفار﴾. (١)
وقال ◌َله: ((إن الله عز وجل يقبل توبة العبد
ما لم يغرغر)). (٢) وقال بعضهم: تصلح توبته في
هذا الوقت لأن الرجاء باق ويصح منه الندم
والعزم على ترك الفعل(٣) لقوله تعالى: ﴿وهو
(١) سورة النساء/ ١٨
(٢) حديث: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)). أخرجه
الترمذي (٥٤٧/٥ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر،
وقال: ((حديث حسن غريب)).
(٣) انظر تفسير القرطبي ٩٣/٥، ١٤٨/٧، وروح المعاني
٢٣٩/٢، ٦٣/٣، والفواكه الدواني ٨٨/١، ودليل
الفالحين ٨٨/١، مغني المحتاج ٤/ ١٢
- ١٤٧ -
رمق ٣ - ٤
الذي يقبل التوبة عن عباده﴾(١) الآية
والتفاصيل في مصطلح (توبة، إياس).
ب - القود على من قتل شخصا في الرمق
الأخير:
٣ - اتفق الفقهاء على أنه لو وجدت جناية من
شخص، فأوصل إنسانا إلى حركة مذبوح بأن لم
يبق له إبصار ونطق وحركة اختيارية، ثم جنى
عليه آخر بفعلٍ مزهق، فالقاتل هو الأول،
ويعزر الثاني لأنه اعتدى على حرمة الميت، وإن
جنى الثاني قبل وصول المجني عليه إلى حركة
المذبوح بفعلٍ مزهق كحز رقبة، فالقاتل هو
الثاني، وعلى الأول قصاص العضو أو دیته.
وأنه لو كان جرح الأول يفضي إلى الموت
لا محالة إلا أنه لم يصل إلى الرمق الأخير، ولم
يخرج من الحياة المستقرة، فضرب الثاني عنقه،
فالقاتل هو الثاني أيضا لأنه فوت حياة مستقرة،
بدليل: ((أن عمر رضي الله عنه لما جرح دخل
عليه الطبيب فسقاه لبنا فخرج صَلْداً أبيض
(أي ينصب) فعلم الطبيب أنه ميت فقال:
أعهد إلى الناس، فعهد إليهم وأوصى وجعل
الخلافة إلى أهل الشورى، فقبل الصحابة
رضي الله عنهم عهده وأجمعوا على قبول
وصاياه)). (٢)
(١) سورة الشورى/ ٢٥
(٢) حديث: ((مقتل عمر)) أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٦١ - ط
السلفية)، وأحمد (٤٢/١ ط اليمنية) وهو ملفق منهما.
أما لو كان وصول المجني عليه إلى الرمق
الأخیر بسبب مرض لا بسبب جناية، بأن کان
في حالة النزع وعيشه عيش مذبوح، أوبدت
علیه محايل الموت، أو قُتِل مريضا لا يرجى
برؤه، وجب القصاص على القاتل لأن هذه
الأمور غير مقطوع بها، وقد يظن ذلك ثم
يشفى. ولأن المريض لم يسبق فيه فعل يحال
القتل وأحكامه عليه حتى يهدر الفعل الثاني. (١)
والتفاصيل في مصطلح : (قصاص، دية،
وقتل).
جـ ـ سدّ الرمق بأكل ما هو محرم:
٤ - أجمع الفقهاء على أن للمضطر أن يأكل
من لحم الميتة والخنزير وغيرهما من المحرمات
ما يسد به رمقه، ويحفظ به قوته وصحته وحياته
لقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم
ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر
غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور
رحيم﴾(٢) وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة
والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة
والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما
ذكيتم﴾ - إلى أن قال - ﴿فمن اضطر في مخمصة
غير متجانف لإِثم فإن الله غفور رحيم﴾(٣)
(١) مغني المحتاج ١٢/٤، والمغني لابن قدامة ٦٨٣/٧
(٢) سورة البقرة/ ١٧٣
(٣) سورة المائدة/ ٣
- ١٤٨ -
رمق ٥، رمل ١ - ٢
واختلفوا في وجوب أکل هذه المحرمات على
من خاف على نفسه موتا أو ضررا كبيرا من عدم
الأكل، كما اختلفوا في القدر الذي یأکل منه هل
يكتفي بسد الرمق أم يشبع منه، وهل هناك فرق
بين المسافر والمقيم أم لا؟(١)
وتفاصيل ذلك في مصطلح : (ضرورة).
د - ذبح الحيوان الذي وصل إلى الرمق الأخير:
٥ - الحياة المستقرة عند الذبح شرط لحل أكل
المذبوح سواء كانت هذه الحياة حقيقية أو مظنونة
بعلاماتٍ وقرائن.
فإن مرض الحیوان أو جاع فذبح وقد صار في
آخر رمق من الحياة حل أکله لأنه لم يوجد سبب
يحال عليه الهلاك، ولو مرض بأكل نبات مضرّ
حتى صار في آخر رمق فذبحه لم يحلّ أكله لكون
هذا سببا يحال عليه الهلاك. (٢)
وتفاصيل ذلك في مصطلح : (ذبائح).
(١) الفواكه الدواني ٢/ ٢٧٧، ومغني المحتاج ٣٠٦/٤،
والمغني لابن قدامة ٥٩٥/٨
(٢) البدائع ٥/ ٥٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٧١
رمل
التعريف :
١ - الرّمل - بتحريك الميم -: الهرولة. رمل
یرمل رملا ورملانا. كما في القاموس وغيره .
وأحسن بيان لمعنى الرّمل قول صاحب
النهاية: ((رمل يرمل رملا ورملانا: إذا أسرع في
المشي وهز كتفيه)).(١)
الحكم التكليفي :
٢ - الرمل سنّة من سنن الطواف، يسن في
الأشواط الثلاثة الأولى من كل طواف بعده
سعي، وعليه جمهور الفقهاء، وسنية الرمل هذه
خاصة بالرجال فقط دون النساء. (٢)
انظر مصطلح : ( طواف ).
(١) انظر مادة (رمل) في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير
الجزري، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ومختار
الصحاح للرازي وغيرها .
(٢) انظر المراجع الفقهية والمسلك المتقسط للقاري شرح لباب
المناسك للسندي طبع مصر ص١٠٨، ومختصر خليل
بشرحه منح الجليل للشيخ محمد عليش تصوير بيروت
١/ ٤٨٤، ومغني المحتاج شرح المنهاج للشربيني الخطيب
تصوير بيروت ١ / ٤٨٧، والمغني لابن قدامة طبع دار المنار
سنة ١٣٦٧ هـ ج٣ ص٣٧٤ - ٣٧٦
- ١٤٩ -
٠٠
رمي ١ - ٥
من مناسك الحج. والرمي بالسهام ونحوها،
والرمي بمعنى القذف.
رمي
التعريف :
١ - الرمي لغة: يطلق بمعنى القذف، وبمعنى
الإِلقاء، يقال: رميت الشيء وبالشيء، إذا
قذفته، ورميت الشيء من يدي أي: ألقيته
فارتمى، ورمى بالشيء أيضا ألقاه، كأرمى،
يقال: أرمى الفرس براكبه إذا ألقاه.
ورمی السهم عن القوس وعلیھا، لا بها،
رميا ورماية. ولا يقال: رميت بالقوس إلا إذا
ألقيتها من يدك، ومنهم من يجعله بمعنى رميت
عنها. ورمى فلان فلانا، أي قذفه بالفاحشة (١)
كما في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون
المحصنات﴾. (٢)
الرمي اصطلاحا :
٢ - استعمل الفقهاء الرمي في المعاني اللغوية
السابقة ومنها رمي الجمار الذي هو منسك واجب
(١) تهذيب اللغة الأزهري، والصحاح للجوهري، والقاموس
المحيط للفيروز آبادي، ولسان العرب لابن منظور.
(٢) سورة النور/ ٤
( أولا )
رمي الجمار
٣ - رمي الجمار، هورمي الحصيات المعينة العدد
في الأماكن الخاصة بالرمي في منى (الجمرات).
وليست الجمرة هي الشاخص (العمود)
الذي يوجد في منتصف المرمى ، بل الجمرة هي
المرمى المحيط بذلك الشاخص، فليتنبه لذلك.
٤ - والجمرات التي ترمی ثلاثة، هي:
أ - الجمرة الأولى: وتسمى الصغرى، أو
الدنيا، وهي أول جمرة بعد مسجد الخيف
بمنى، سمیت «دنيا)) من الدنو، لأنها أقرب
الجمرات إلى مسجد الخيف.
ب - الجمرة الثانية: وتسمى الوسطى، بعد
الجمرة الأولى، وقبل جمرة العقبة.
جـ - جمرة العقبة: وهي الثالثة، وتسمى أيضا
((الجمرة الكبرى)) وتقع في آخر منی تجاه مكة،
وليست من منى. (ر: منى).
وترمى هذه الجمرات كلها من جميع
الجهات .
الحكم التكليفي لرمي الجمار :
٥ - اتفق الفقهاء على أن رمي الجمار واجب من
واجبات الحج. (ر: حج ف١٥٣ - ١٦٥).
واستدلوا على ذلك بالسنة والإجماع.
- ١٥٠ -
رمي ٦
أما السنة فالأحاديث كثيرة منها :
حديث عبدالله بن عمروبن العاص ((أن
رسول الله ◌َ﴾ وقف في حجة الوداع بمنى للناس
يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر، فحلقت
قبل أن أذبح؟ قال: «اذبح ولا حرج) فجاء آخر
فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ((ارم
ولا حرج))(١) الحديث، فقد أمر بالرمي، والأمر
للوجوب .
وكذلك فعله وَّيه، وقد ثبت عنه في
الأحاديث الكثيرة الصحيحة، (٢) وقد قال:
«خذوا عني مناسككم)). (٣)
وأما الإِجماع: فقول الكاساني: إن الأمة
أجمعت على وجوبه، فيكون واجبا . (٤)
وما روي عن الزهري من أنه ركن من أركان
الحج فهو قول شاذ مخالف لإِجماع من قبله، وقد
بين العلماء بطلانه .
شروط صحة رمي الجمار :
٦ - يشترط لصحة رمي الجمار شروط هي :
(١) حديث: ((إرم ولا حرج)). أخرجه البخاري (الفتح
١٨٠/١ - ط السلفية). ومسلم (٩٤٨/٢ - ط الحلبي).
(٢) منها حديث جابر الطويل: ((في صفة حجة النبي ◌ِ﴾)).
أخرجه مسلم في الحج (باب حجة النبي ◌َطار) (٨٨٦/٢ -
٨٩٢ - ط الحلبي) ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الآتي.
(٣) حديث: ((خذوا عني مناسككم)). أخرجه مسلم (٩٤٣/٢
- ط الحلبي) بلفظ: ((لتأخذوا مناسككم)).
(٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين الكاساني
١٣٦/٢ طبع شركة المطبوعات العلمية سنة ١٣٢٧هـ.
أ - سبق الإِحرام بالحج:
لأنه شرط لصحة كل أعمال الحج .
ب - سبق الوقوف بعرفة :
لأنه رکن إذا فات فات الحج، والرمي مرتب
عليه .
جـ ـ أن يكون المرمي حجرا :
فلا يصح الرمي بالطين، والمعادن، والتراب
عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)
ويصح بالمرمر، وحجر النورة أي الجص قبل
طبخه، ويجزىء حجر الحديد على الصحيح
عند الشافعية لأنه حجر في هذه الحال، إلا أن
فیه حدیدا کامنا یستخرج بالعلاج، وفيما يتخذ
منه الفصوص كالفيروزج، والياقوت،
والعقيق، والزمرد، والبلور، والزبرجد وجهان
عند الشافعية أصحهما الإِجزاء لأنها أحجار. (١)
وذهب الحنفية إلى أن الشرط في المرمي أن
(١) الإِيضاح في مناسك الحج للنووي بحاشية الهيثمي
ص٣٦٠ طبع دار بنه للطباعة بمصر، والمجموع شرح
المهذب للنووي ١٤٣/٨ طبع مطبعة العاصمة وصرّح
ص١٤٥ بكراهة الرمي بالحجر المأخوذ من الحلي، ونهاية
المحتاج ٤٣٣/٢ - ٤٣٤، والشرح الكبير وحاشيته
٥٠/٢، وشرح الرسالة لأبي الحسن وحاشية العدوي
٤٧٨/١ طبع دار إحياء الكتب العربية، ومواهب الجليل =
- ١٥١ -
رمي ٦
يكون من جنس الأرض، فيصح عندهم الرمي
بالتراب، والطين، والجص، والكحل،
والكبريت، والزبرجد، والزمرد، والبلور،
والعقيق، ولا يصح بالمعادن، والذهب،
والفضة، واختلفوا في جواز الرمي بالفيروزج
والياقوت: منعه الشارحون وغيرهم، بناء على
أنه يشترط كون الرمي بالمرمي به استهانة.
وأجازه غيرهم بناء على نفي ذلك
الاشتراط .(١)
استدل الجمهور بما ثبت من فعل النبي مَلآ ،
كما في حديث جابر يصف رمي جمرة العقبة :
«فرماها بسبع حصیات - یکبر مع كل حصاة
منها - مثل حصى الخذف)). (٢).
= لشرح مختصر خليل للحطاب والتاج والإكليل للمواق
بها مشه ١٣٣/٣ - ١٣٤، والمغني لابن قدامة ٤٢٥/٣ طبع
دار المنار، والفروع لابن مفلح ٣/ ٥١٠ - ٥١١ تصوير عالم
الکتب بیروت .
(١) الهداية وفتح القدير الكمال بن الهمام والعناية للبابرتي
١٧٧/٢ طبع مصطفى محمد، والبدائع ١٥٧/٢-١٥٨،
وشرح اللباب ص١٦٦، والدر المختار وشر وحه ٢٤٦/٢ -
٢٤٧ طبع استانبول دار الطباعة العامرة.
أما ما ذكره بعض الحنفية من جواز الرمي بالبعرة إهانة
للشيطان فهو خلاف المذهب كما نبهوا عليه. انظر شرح
اللباب والدر بشرحه والحاشية ص٢٤٧، فهذا القول
مخالف للإِجماع، كذلك ما تفعله العامة من قذف النعال
والأحذية وما شابه ذلك باطل مخالف للإجماع.
(٢) حديث جابر: ((في صفة رمي جمرة العقبة)). أخرجه مسلم
(٨٩٢/٢ - ط الحلبي).
وبقوله ◌َل1 في أحاديث كثيرة: ((ارموا الجمار
بمثل حصی الخذف)» وفي عدد منها أنه قال ذلك
((وهو واضع أصبعيه إحداهما على الأخرى)). (١)
قال النووي: ((فأمر ◌َّ بالحصى، فلا يجوز
العدول عنه، والأحاديث المطلقة محمولة على
هذا المعنى)). (٢)
واستدل الحنفية بالأحاديث الواردة في الأمر
بالرمي مطلقة عن صفة مقيدة، كقوله تعالى: ((ارم
ولا حرج)) متفق عليه. (٣)
قال الكاساني: والرمي بالحصى من
النبي وَّهِ وأصحابه رضي الله عنهم محمول
على الأفضلية، توفيقا بين الدلائل، لما صح من
مذهب أصحابنا أن المطلق لا يحمل على
المقيد، بل يجرى المطلق على إطلاقه، والمقيد
على تقييده ما أمكن، وههنا أمكن بأن يحمل
المطلق على الجواز، والمقيد على الأفضلية . (٤)
وقال الحنفية أيضا: إن المقصود فعل الرمي،
وذلك يحصل بالطين، كما يحصل بالحجر،
بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة، لأنه
یسمی نثرا لا رميا . (٥)
(١) حديث: ((ارموا الجمار بمثل حصى الخذف)). أخرجه أحمد
(٣٤٣/٤ - ط اليمنية) من سنان بن سنة، وقال الهيثمي:
((رجاله ثقات)) مجمع الزوائد (٢٥٨/٣ - ط القدسي).
(٢) المجموع ١٥١/٨
(٣) حديث: (ارم ولا حرج)). سبق تخريجه ف/ ٥
(٤) بدائع الصنائع ١٥٨/٢
(٥) الهداية ٢ / ١٧٧
- ١٥٢ -
رمي ٦
ولا يخفى أن الأحوط في ذلك مذهب
الجمهور، قال الكمال بن الهمام: إن أكثر
المحققين على أنها أمور تعبدية، لا يشتغل
بالمعنى فيها - أي بالعلة - والحاصل أنه إما أن
يلاحظ مجرد الرمي، أومع الاستهانة، أو
خصوص ما وقع منه عليه الصلاة والسلام،
والأول يستلزم الجواز بالجواهر، والثاني بالبعرة
والخشبة التي لا قيمة لها، والثالث بالحجر
خصوصا، فلیکن هذا أولى، لكونه أسلم،
ولكونه الأصل في أعمال هذه المواطن، إلا ما قام
دليل على عدم تعيينه . (١)
أما صفة المرمي به، فقد ورد في الأحاديث
أنه ((مثل حصى الخذف)) وحصى الخذف هي
التي يخذف بها، أي ترمى بها الطيور
والعصافير، بوضع الحصاة بين أصبعي السبابة
والإِبهام وقذفها .
وقد اتفقوا على أن السنة في الرمي أن يكون
بمثل حصى الخذف، فوق الحمصة، ودون
البندقة، وكرهوا الرمي بالحجر الكبير، وأجاز
الشافعية - وهو رواية عن أحمد - الرمي بالحجر
الصغير الذي كالحمصة، مع مخالفته السنة،
لأنه رمي بالحجر فيجزئه. ولم يجز ذلك المالكية،
بل لا بد عندهم أن يكون أكبر من ذلك.
(١) فتح القدير الموضع السابق، وفيه توسع في مدلول الرمي
والنثر.
وقيل : لا يجزىء الرمي إلا بحصى كحصى
الخذف، لا أصغر ولا أكبر. وهو مروي عن
أحمد، ووجهه أن النبي ◌َ ليل أمر بهذا القدر، ونهى
عن تجاوزه، والأمر يقتضي الوجوب، والنهي
يقتضي الفساد. (١)
د - أن يرمي الجمرة بالحصيات السبع
متفرقات :
واحدة فواحدة، فلورمى حصاتين معا أو
السبع جملة، فهي حصاة واحدة، ويلزمه أن
يرمي بست سواها وهو المعتمد في المذاهب.
والدليل عليه: أن المنصوص عليه تفريق
الأفعال فيتقيد بالتفريق الوارد في السنة. (٢)
هـ - وقوع الحصى في الجمرة التي يجتمع فيها
الحصى :
وذلك عند الجمهور (المالكية والشافعية
والحنابلة) قال الشافعي: الجمرة مجتمع
الحصى، لا ما سال من الحصى، فمن أصاب
مجتمعه أجزأه، ومن أصاب سائله لم يجزه. (٣)
(١) المغني ٣/ ٤٢٥
(٢) شروح الهداية ٢/ ١٧٦، ولباب المناسك وشرحه
ص١٦٤، ورد المحتار ٢٤٦/٢، وحاشية الدسوقي
٥٠/٢، وشرح الرسالة ٤٧٨/١، والمغني ٣/ ٤٣٠،
والفروع ٥١٢/٣
(٣) المجموع ١٤٧/٨، ونهاية المحتاج ٤٣٤/٢، ومغني
المحتاج ٥٠٧/١، والشرح الكبير ٢/ ٥٠، ومواهب
الجليل ١٣٣/٣ - ١٣٤، والمغني ٤٢٩/٣، والفروع
٥١٢/٣
- ١٥٣ -
رمي ٦
وتوسع الحنفية فقالوا : لورماها فوقعت قريبا
من الجمرة يكفيه، لأن هذا القدر مما لا يمكن
الاحتراز عنه، ولو وقعت بعیدا منها لا يجزيه،
لأنه لم يعرف قربة إلا في مكان مخصوص. قال
الكاساني: لأن ما يقرب من ذلك المکان کان في
حكمه، لكونه تبعا له. (١)
وأما مقدار المسافة القريبة، فقيل: ثلاثة
أذرع فما دون، وقيل: ذراع فأقل، وهو الذي
فسره به المحقق كمال الدين بن الهمام، وهو
أحوط . (٢)
و- أن يقصد المرمى ويقع الحصى فيه بفعله
اتفاقا في ذلك :
فلو ضرب شخص يده فطارت الحصاة إلى
المرمى وأصابته لم يصح. كذلك لورمى في الهواء
فوقع الحجر في المرمى لم يصح .
ونصوا على أنه لورمى الحصاة فانصدمت
بالأرض خارج الجمرة، أو بمحمل في الطريق أو
ثوب إنسان مثلا ثم ارتدت فوقعت في المرمى
اعتد بها لوقوعها في المرمى بفعله من غير
معاونة. ولو حرك صاحب المحمل أو الثوب
(١) الهداية ١٧٦/٢، وشرح اللباب ص١٦٤، والبدائع
١٣٨/٢
(٢) فتح القدير ١٧٦/٢، وانظر شرح اللباب الصفحة
السابقة .
فنفضها فوقعت في المرمى لم يعتد بها . (١)
وما قاله بعض المتأخرين من الشافعية: (٢)
ليس لها إلا وجه واحد، ورمي كثيرين من
أعلاها باطل، هو خلاف كلام الشافعي نفسه،
ونصه في الأم: ويرمي جمرة العقبة من بطن
الوادي، ومن حيث رماها أجزأه. (٣)
والدليل على ذلك أنه ثبت رمي خلق کثیر
في زمن الصحابة من أعلاها، ولم يأمروهم
بالإِعادة، ولا أعلنوا بالنداء بذلك في الناس،
وكأن وجه اختياره عليه الصلاة والسلام للرمي
من الوادي أنه يتوقع الأذى لمن في أسفلها إذا
رموا من أعلاها، فإنه لا يخلو من الناس،
فيصيبهم الحصى . (٤)
(١) على ذلك فلا معنى لتحرج البعض من الرمي من الطابق
العلوي فإنه أولى بالجواز من هذه الصور التي ذكروها.
كذلك الشأن في جمرة العقبة، فقد كانت ترمى من بطن
الوادي المواجه لها اتباعا للوارد، وكان كثير من الناس يرميها
مِنِ فوق العقبة أي المرتفع الصخري الذي تستند إليه
الجمرة، قبل إزاحته بالتوسعة في منى، وقد صرحوا في ذلك
بأنه من حيث رماها أجزأه.
ينظر شرح اللباب ص١٦٤، والشرح الكبير وحاشيته
٥٠/٢، والإِيضاح ص٣٥٧ - ٣٥٨، والمجموع
٨/ ١٤٦، والمغني ٣/ ٤٣٠، والفروع ٥١١/٣ ٥١٢،
والهداية ١/ ١٧٤، وشرح الرسالة ٤٧٨/١
(٢) كما نقل عنهم في نهاية المحتاج ٢/ ٤٣٤، ومغني المحتاج
٥٠٨/١
(٣) الأم ٢/ ٢١٣
(٤) فتح القدير ٢/ ١٧٥
- ١٥٤ -
رمي ٦ - ٨
ز - ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق :
وهو أن يبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد
الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة .
وهو مذهب الجمهور (المالكية والشافعية
والحنابلة) فهذا الترتيب شرط لصحة الرمي.
فلو عكس الترتيب فبدأ من العقبة ثم الوسطى
ثم الصغرى وجب عليه إعادة رمي الوسطى
والعقبة عندهم ليتحقق الترتيب. (١)
ومذهب الحنفية أن هذا الترتيب سنة، إذا
أخل به يسن له الإِعادة. وهو قول الحسن
وعطاء. (٢)
استدلوا بأن النبي ٹے رتبھا کذلك، کما ثبت
عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أنه كان يرمي
الجمرة الدنیا بسبع حصیات یکبرعلى إثر كل
حصاة، ثم يتقدم حتى يُسْهِل، (٣) فيقوم
مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو ويرفع
یدیه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال
فيستهل ويقوم مستقبل القبلة، فیقوم طويلا،
ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة
(١) الشرح الكبير وحاشيته ٢/ ٥١، ومواهب الجليل
١٣٤/٣، والإيضاح ص٤٠٥، ونهاية المحتاج ٤٣٣/٢،
والمغني ٤٥٢/٣ - ٤٥٣، والفروع ٥١٨/٣
(٢) على ما اختاره أكثرهم ومحققوهم، بدائع الصنائع
١٣٩/٢، وفتح القدير ١٨٣/٢، وشرح اللباب
ص١٦٧، وانظر رواية القول بالوجوب في المبسوط ٤/ ٦٥
- ٦٦، والمغني ٤٥٢/٣
(٣) ((يسهل))، وكذا ((يستهل)) يسير في السهل.
ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها،
ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي حَ ل*
يفعله)). (١) فاستدل به الجمهور على وجوب
ترتيب الجمرات، كما فعله النبي مَلّر .
وفسره الحنفية بأنه على سبيل السنية،
لا الوجوب، واستدل لهم بحديث ابن عباس
أن النبي {آ﴾ قال: «من قدم من نسکه شیئا أو
أخره فلا شيء عليه)). (٢)
ح - الوقت :
فللرمي أوقات يشترط مراعاتها، في رمي
العدد الواجب في کل منها. تفصیلہ فیما يلي:
وقت الرمي وعدده :
٧ - وقت رمي الجمار أربعة أيام لمن لم يتعجل
هي: ((يوم النحر)) وثلاثة أيام بعده، وتسمى
((أيام التشريق)). سميت بذلك لأن لحوم الهدايا
تشرق فيها، أي تعرض للشمس لتجفيفها.
أ - الرمي يوم النحر :
٨ - يجب في يوم النحر رمي جمرة العقبة وحدها
فقط، يرميها بسبع حصيات.
(١) حديث ابن عمر: ((في صفة رمي الجمرة)). أخرجه
البخاري (الفتح ٥٨٢/٣ - ٥٨٣ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((من قدم من نسكه شيئا)). أخرجه البيهقي في
السنن (١٤٣/٥ - ١٤٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث ابن عباس .
- ١٥٥ -
رمي ٨
وأول وقت الرمي ليوم النحر يبدأ من طلوع
فجريوم النحر عند الحنفية والمالكية وفي رواية
عن أحمد.(١)
وهذا الوقت عندهم أقسام : ما بعد طلوع
الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس وقت
الجواز مع الإِساءة، وما بعد طلوع الشمس إلى
الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى
الغروب وقت الجواز بلا إساءة، والليل وقت
الجواز مع الإِساءة عند الحنفية فقط ولا جزاء
فيه .
أما عند المالكية فينتهي الوقت بغروب
الشمس، وما بعده قضاء يلزم فيه الدم.
وتحديد الوقت المسنون مأخوذ من فعل
النبي ◌َّ، فإنه رمى في ذلك الوقت.
وذهب الشافعية والحنابلة إلی أن أول وقت
جواز الرمي يوم النحر إذا انتصفت ليلة يوم
النحر لمن وقف بعرفة قبله .
وهذا الوقت ثلاثة أقسام : وقت فضيلة إلى
الزوال، ووقت اختيار إلى الغروب، ووقت
جواز إلى آخر أيام التشريق. (٢)
(١) الهداية ١٨٥/٢، والبدائع ١٣٧/٢، وشرح اللباب
ص١٥٧ - ١٥٨، والشرح الكبير ٤٨/٢، وشرح الرسالة
بحاشية العدوي ١/ ٤٧٧ و٤٨٠، والمغني ٤٢٩/٣
والفروع ٥١٣/٣
(٢) الإِيضاح ص٣٥٤، والنهاية ٤٢٩/٢، والمغني والفروع
ونهاية المحتاج عن الرافعي ٢/ ٤٣٠، وقوله ((إلى الزوال))
أي من بعد طلوع الشمس.
استدل الحنفیة بحديث ابن عباس ((أن
النبي ◌َّلل بعثه في الثقل وقال: لا ترموا الجمرة
حتى تصبحوا)).(١)
فأثبتوا جواز الرمي ابتداء من الفجر بهذا
الحديث.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان
رسول اللّه ◌َ لا يقدم ضعفاء أهله بغلس،
ويأمرهم يعني لا يرمون الجمرة حتى تطلع
الشمس)». (٢)
فأثبتوا بهذا الحديث الوقت المسنون .
واستدل الشافعية والحنابلة بحديث عائشة
رضي الله عنها ((أن النبي صل أرسل بأم سلمة
ليلة النحر، فرمت قبل الفجر، ثم مضت
فأفاضت)). (٣)
وجه الاستدلال أنه علق الرمي بما قبل
الفجر، وهو تعبير صالح لجميع اللیل، فجعل
(١) حديث: ((لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا)). أخرجه
الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢١٧/٢ - ط مطبعة
الأنوار المحمدية).
(٢) حديث ابن عباس: ((كان رسول الله صلي# يقدم
ضعفاء ... )) أخرجه أبو داود (٢ / ٤٧٨١ - تحقيق عزت
عبيد دعاس) والترمذي (٢٣١/٣ - ط الحلبي) وقال
الترمذي: «حدیث حسن صحيح)).
(٣) حديث عائشة: ((أن النبي( 8) أرسل أم سلمة ليلة النحر)).
أخرجه أبوداود (٢ / ٤٨١ تحقيق عزت عبيد دعاس). وقال
ابن حجر: ((إسناده على شرط مسلم)). كما في بلوغ المرام
(٤١٧/٢ - شرحه سبل السلام ط دار الكتب العلمية).
- ١٥٦ -
......
رمي ٨ - ٩
النصف ضابطا له، لأنه أقرب إلى الحقيقة مما
قبل النصف.
أما آخر وقت الرمي يوم النحر فهو عند
الحنفية إلى فجر اليوم التالي، فإذا أخره عنه بلا
عذر لزمه القضاء في اليوم التالي، وعلیه دم
للتأخير، ويمتد وقت القضاء إلى آخر أيام
التشريق . (١)
وعند المالكية: آخر وقت الرمي إلى المغرب،
وما بعده قضاء، ويجب الدم إن أخره إلى
المغرب على المشهور عندهم. (٢)
وآخر وقت الرمي أداء عند الشافعية والحنابلة
يمتد إلى آخر أيام التشريق، لأنها كلها أيام
رمي . (٣)
واستدل أبو حنيفة بحديث ابن عباس :
((أنه ◌َ ل﴾ سأله رجل قال: رميت بعدما أمسيت؟
فقال: لا حرج)). (٤)
وحديث ابن عباس أيضا ((أن النبي وَال
رخص للرعاة أن يرموا ليلا)). (٥)
(١) بدائع الصنائع ٢/ ١٣٧، وشرح اللباب ص١٦١
(٢) الشرح الكبير ٢/ ٥٠، وشرح الرسالة ١/ ٤٧٧
(٣) المراجع الشافعية والحنابلة السابقة.
(٤) حديث ابن عباس: ((سأله رجل قال: رميت بعدما
أمسيت ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥٦٨/٣ - ط
السلفية).
(٥) حديث ابن عباس: ((رخص للرعاة أن يرموا ليلا)). أورده
الهيثمي في المجمع (٢٦٠/٣ - ط القدسي) =
وهويدل على أن وقت الرمي في الليل جائز،
وفائدة الرخصة زوال الإِساءة عنهم تيسيرا
عليهم، ولو كان الرمي واجبا قبل المغرب
لألزمهم به، لأنهم يستطيعون إنابة بعضهم
على الرعي .
ب - الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام
التشريق :
٩ - وهما اليومان الثاني والثالث من أيام النحر:
يجب في هذين اليومين رمي الجمار الثلاث
على الترتيب: يرمي أولا الجمرة الصغرى التي
تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة
العقبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات.
١ - يبدأ وقت الرمي في اليوم الأول والثاني من
أيام التشريق بعد الزوال، ولا يجوز الرمي فيهما
قبل الزوال عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة
الأربعة على الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي
حنيفة . (١)
= وقال: ((رواه الطبراني في الكبير وفيه إسحاق بن
إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة وهو متروك)).
(١) بدائع الصنائع ١٣٧/٢ -١٣٨ والهداية وشرحها ١٨٣/٢
ولم يذكرا غير هذه الرواية في اليوم الأول من أيام التشريق،
وقارن بشرح اللباب ص١٥٨ - ١٥٩ ورد المحتار ٢٥٣/٢
- ٢٥٤، وانظر الشرح الكبير ٤٨/٢ و٥٠، وشرح الرسالة
١/ ٤٨٠، والإِيضاح ص٤٠٥، ونهاية المحتاج ٤٣٣/٢، =
- ١٥٧ -
رمي ٩
وروي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي
في اليوم الثاني والثالث۔ أي من أيام النحر- بعد
الزوال فإن رمى قبله جاز، وهو قول بعض
الحنابلة . (١)
وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن كان من
قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن
يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن رمی
بعده فهو أفضل، وإن لم یکن ذلك من قصده
لا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع
الحرج، لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى
مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل موضع
النزول. (٢)
وهذا رواية أيضا عن أحمد، لكنه قال: ينفر
بعد الزوال. (٣)
استدل الجمهور بفعل النبي - كما ثبت
عنه .
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا
= ومغني المحتاج ٥٠٧/١، والمغني ٤٥٢/٣، والفروع
٥١٨/٣
(٢) الهداية وشرحها ٢/ ١٨٤، والبدائع ٢/ ١٣٧ - ١٣٨،
وشرح اللباب ص١٥٨ - ١٦١ وفيه وفي التعليق عليه
تحقيق مطول حول هذه الرواية، وانظر النقل عن بعض
الحنابلة في الفروع ٥١٨/٣
(٣) المراجع السابقة في الفقه الحنفي.
(٤) الفروع ٥١٨/٣ - ٥٢٠
نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا)). (١)
وعن جابر قال: ((رأيت النبي ◌َّو رمى الجمرة
يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت
الشمس)» . (٢)
وهذا باب لا يعرف بالقياس، بل بالتوقيت
من الشارع، فلا يجوز العدول عنه.
واستدل للرواية بجواز الرمي قبل الزوال
بقياس أيام التشريق على يوم النحر، لأن الكل
أيام نحر، ويكون فعله محمولا على السنية .
واستدل جواز الرمي ثاني أيام التشريق قبل
الزوال لمن كان من قصده النفر إلى مكة بما
ذكروا أنه لرفع الحرج عنه، لأنه لا يصل إلا
بالليل، وقد قوى بعض المتأخرين من الحنفية
هذه الرواية توفيقا بين الروايات عن أبي حنيفة .
والأخذ بهذا مناسب لمن خشي الزحام ودعته
إليه الحاجة، لاسيما في زمننا. (٣)
٢ - وأما نهاية وقت الرمي في اليوم الأول والثاني
من أيام التشريق :
(١) حديث ابن عمر: ((كنا نتحين فإذا زالت الشمس ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٥٧٩/٣ - ط السلفية).
(٢) حديث جابر: ((رأيت النبي ◌َّ رمى الجمرة يوم النحر
ضحى)». أخرجه مسلم (٢/ ٩٤٥ - ط الحلبي).
(٣) قال في البحر العمیق: «فھو قول مختار یعمل به بلا ريب،
وعليه عمل الناس، وبه جزم بعض الشافعية حتى زعم
الأسنوي أنه المذهب)). كذا في إرشاد الساري إلى مناسك
الملا علي قاري ص١٦١
- ١٥٨ -
رمي ٩ - ١٠
فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن آخر
الوقت بغروب شمس اليوم الرابع من أيام
النحر، وهو آخر أيام التشريق الثلاث، فمن
ترك رمي یوم أویومین تداركه فیما يليه من
الزمن، والمتدارك أداء على القول الأصح الذي
اختاره النووي واقتضاه نص الشافعية.
وهكذا لوترك رمي جمرة العقبة يوم العيد
فالأصح أنه يتدارکه في الليل وفي أيام التشريق .
ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على رمي أيام
التشريق. كذلك أوجب المالكية والحنابلة
الترتيب في القضاء. وصرح الحنابلة بوجوب
ترتيبه في القضاء بالنية .
وإن لم يتدارك الرمي حتى غربت شمس
اليوم الرابع فقد فاته الرمي وعليه الفداء. (١)
ودليلهم : أن أيام التشريق وقت للرمي، فإذا
آخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء.
وأما الحنفية والمالكية فقيدوا رمي كل يوم
بيومه، ثم فصلوا: فذهب الحنفية إلى أنه ينتهي
رمي اليوم الثاني من أيام النحر بطلوع فجر اليوم
الثالث، ورمي اليوم الثالث بطلوع الفجر من
اليوم الرابع. فمن أخر الرمي إلى ما بعد وقته
(١) الأم ٢/ ٢١٤، والإِيضاح ص ٤٠٧، ونهاية المحتاج
٤٣٥/٢، ٤٣٦ ومغني المحتاج ٥٠٨/١ - ٥٠٩، والمغني
٤٥٥/٣ - ٤٥٦، والفروع ٥١٨/٣ - ٥١٩
فعلیه قضاؤه، وعلیه دم عندهم. (١)
والدليل على جواز الرمي بعد مغرب نهار
الرمي حدیث الإِذن للرعاء بالرمي ليلا.
وذهب المالكية إلى أنه ينتهي الأداء إلى
غروب كل يوم، وما بعده قضاء له، ويفوت
الرمي بغروب الرابع، ويلزمه دم في ترك حصاة
أو في ترك الجمیع، وکذا یلزمه دم إذا أخر شيئا
منها إلى الليل. (٢)
جـ ــ الرمي ثالث أيام التشريق:
١٠ - يجب هذا الرمي على من تأخر ولم ينفر من
منى بعد رمي ثاني أيام التشريق على ما نفصله
وهذا الرمي آخر مناسك منى .
واتفق العلماء على أن الرمي في هذا اليوم
بعد الزوال رمي في الوقت، کما رمی في الیومین
قبله، اقتداء بفعله اله .
واختلفوا في جواز تقديمه :
فذهب الأئمة الثلاثة والصاحبان إلى أنه
لا يصح الرمي قبل الزوال، استدلالا بفعل
النبي ◌َّة، وقياسا لرمي هذا اليوم على اليومين
السابقين، فكما لا يصح الرمي فيهما قبل
(١) شرح اللباب ص١٦١، وانظر المبسوط ٦٨/٤ ولفظه:
((الليالي هنا تابعة للأيام الماضية)).
(٢) الشرح الكبير ٢/ ٥١، وانظر شرح الرسالة بحاشيته
٤٧٧/١ و٤٨٠ - ٤٨١
- ١٥٩ -
رمي ١٠م - ١١
الزوال، كذلك لا يصح قبل زوال اليوم
الأخير. (١)
وقال أبو حنيفة: الوقت المستحب للرمي في
هذا اليوم بعد الزوال، ويجوز أن يقدم الرمي في
هذا اليوم قبل الزوال، بعد طلوع الفجر.
قال في الهداية: ومذهبه مروي عن ابن
عباس رضي الله عنهما، ولأنه لما ظهر أثر
التخفيف في هذا اليوم في حق الترك، فلأن
يظهر في جوازه - أي الرمي - في الأوقات كلها
أولی . (٢)
واتفقوا على أن آخر وقت الرمي في هذا اليوم
غروب الشمس، كما اتفقوا على أن وقت الرمي
لهذا اليوم وللأيام الماضية لو أخره أو شيئا منه
يخرج بغروب شمس اليوم الرابع، فلا قضاء له
بعد ذلك، ويجب في تركه الفداء. وذلك
((لخروج وقت المناسك بغروب شمسه)). (٣)
شروط الرمي :
١٠ م - يشترط لصحة رمي الجمار ما يلي:
(١) المراجع السابقة في رمي أيام التشريق.
(٢) الهداية ٢ / ١٨٥، وانظر الاستدلال بأوسع من هذا في
البدائع ١٣٨/٢، والفتوى في المذهب الحنفي على قول
الإِمام، وقد اقتصر عليه صاحب البدائع في بيانه صفة
الرمي ص١٥٩
(٣) كما قال الرملي في نهاية المحتاج ٢/ ٤٣٣، ووقع في شرح
الكنز للهروي ص(٧٤) التعبير بقوله: «قبل الزوال بعد
طلوع الشمس)) وهو موهم خلاف المعروف في المذهب
الحنفي: أنه يبدأ الرمي آخر يوم بعد الفجر.
أ - أن يكون هناك قذف للحصاة ولو خفيفا.
فکیفما حصل أجزاه، حتى قال النووي :
((ولا يشترط وقوف الرامي خارج المرمى، فلو
وقف في طرف المرمى ورمى إلى طرفه الآخر
أجزأه)».
ولو طرح الحصيات طرحا أجزأه عند الحنفية
والحنابلة، لأن الرمي قد وجد بهذا الطرح، إلا
أنه رمي خفيف، فيجزىء مع الإِساءة. وذهب
المالكية والشافعية إلى أنه لا يجزئه الطرح بتاتا .
أما لو وضعها وضعا فلا يصح اتفاقا، لأنه ليس
برمي .
ب - العدد المخصوص :
وهو سبع حصيات لكل جمرة، حتى لوترك
رمي حصاة واحدة كان كمن ترك السبع عند
المالكية، وعند الجمهور تيسير بقبول صدقة في
ترك القليل من الحصيات، اختلفت فيه
اجتهاداتهم (ر: حج ف/ ٢٧٣).
جـ
واجب الرمي :
١١ - يجب ترتیب رمي يوم النحر بحسب ترتيب
أعمال يوم النحر، وهي هكذا: رمي جمرة
العقبة، فالذبح، فالحلق، فطواف الإفاضة،
وذلك عند الجمهور، خلافا للشافعية فإن ترتيبها
سنّة عندهم، وعند الجمهور تفصيل واختلاف
في كيفية هذا الترتيب (انظر مصطلح: حج
- ١٦٠ -