Indexed OCR Text

Pages 281-300

رفض ٩ - ١٠
بعد الطواف للعمرة، ویصیر قارنا لکنه یکره،
مع تفصيل عندهم. (١)
الثالثة: الإحرام بالحج بعد أن طاف أقل أشواط
العمرة :
قال المالكية في المعتمد عندهم، والحنابلة :
يصح إدخال الحج على العمرة قبل تمام الطواف
ويمضي في أعمالهما ويصير قارنا. (٢)
وقال الشافعية وهو قول بعض المالكية: لو
شرع في الطواف ولوبخطوة، ثم أحرم فإنه
لا يصح، لاتصال إحرامه بمقصوده، وهو
الطواف، فلا ينصرف بعد ذلك إلى غير
العمرة . (٣)
وقال الحنفية: إذا أحرم المكي بعمرة، وطاف
أقل من أربعة أشواط، ثم أحرم بالحج فعليه أن
يرفض أحد النسكين: (الحج أو العمرة)، لأن
الجمع بينهما معصية، والنزوع عن المعصية
لازم. ثم اختلفوا:
فقال أبو حنيفة: یرفض الحج، لأن إحرام
العمرة قد تأكد بأداء الشيء من أعمالها وهو
الطواف، وإحرام الحج لم يتأكد بأي عمل،
(١) الحطاب وبهامشه المواق ٣/ ٥٣، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٢٨/٢، ٢٩
(٢) الحطاب ٣/ ٥٠، ٥١، والمغني لابن قدامة ٤٧٢/٣
(٣) مغني المحتاج ١/ ٥١٤، والخطاب مع المواق ٣/ ٥٠، ٥١
ورفع غير المتأكد أيسر، ولأن رفض الحج امتناع
عن العمل، ورفض العمرة إبطال للعمل،
والامتناع دون الإِبطال.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرفض العمرة،
ويمضي في الحج، لأن العمرة أدنى حالا وأقل
أعمالا وأيسر قضاء، لكونها غير مؤقتة بالوقت،
فکان رفض العمرة أولى . (١)
أثر الرفض وجزاؤه :
١٠ - إذا رفض الحج على قول أبي حنيفة فعليه
لرفضه دم، لأنه تحلل منه قبل وقت التحلل
فیلزمه الدم کالمحصر، وعليه كذلك حجة
وعمرة، لأن الحجة وجبت بالشروع، وأما
العمرة فلعدم إتيانه بأفعال الحجة في السّنة التي
أحرم فيها فصار كفائت الحج. وإذا رفض
العمرة على قولهما فعليه دم، وقضاء العمرة،
لأنه أدى الحج، والعمرة وجبت عليه
بالشروع. (٢)
هذا، وإن مضى فيهما، ولم يرفض الحج
ولا العمرة صح، لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما
غير أنه منهي عنهما، والنهي لا يمنع تحقق الفعل
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ١٦٩/٢،
١٧٠، وتبيين الحقائق للزيلعي ٧٤/٢، ٧٥، وفتح القدير
مع الهداية ٤٣/٣ - ٤٥
(٢) المراجع السابقة .
- ٢٨١ -

رفض ١٠، رفع الحرج ١
كما هو مقرر عند الحنفية ، لکن یلزمه دم
لجمعه بينهما، لأنه تمكن النقصان في عمله،
لارتكابه المنهي عنه ، وهذا دم إجبار في حق
المكي، ودم شكر في حق الآفاقي. (١)
وتفصيل هذه الأحكام في (إحرام) و(قران
ف٢٢ - ٢٧).
202222
(١) الهداية مع شروحها ٣/ ٤٥
رفع الحرج
التعريف : .
١ - رفع الحرج: مركب إضافي، تتوقف معرفته
على معرفة لفظيه، فالرفع لغة: نقيض الخفض
في كل شيء، والتبليغ، والحمل، وتقريبك
الشيء، والأصل في مادة الرفع العلو، يقال:
ارتفع الشيء ارتفاعا إذا علا، ويأتي بمعنى
الإِزالة. يقال: رفع الشيء: إذا أزيل عن
موضعه .
قال في المصباح المنير: الرفع في الأجسام
حقيقة في الحركة والانتقال، وفي المعاني محمول
على ما يقتضيه المقام، ومنه قوله {قلير: ((رفع
القلم عن ثلاثة))(١) والقلم لم يوضع على
الصغیر، وإنما معناه لا تكلیف، فلا مؤاخذة. (٢)
والحرج في اللغة: المكان الضيق الكثير
(١) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) أخرجه أبوداود
(٥٥٨/٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٢/ ٥٩ -
ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) لسان العرب والقاموس المحيط والمصباح المنير ولسان
العرب مادة: (رفع).
- ٢٨٢ -

رفع الحرج ١ - ٣
الشجر، والضيق، والإِثم، والحرام، والأصل
فيه الضيق. قال ابن الأثير: الحرج في الأصل :
الضيق، ويقع على الإِثم والحرام.
تقول رجل حَرَج وحَرِج إذا كان ضيق
الصدر. وقال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق
الضيق، ومعناه أنه ضيق جدا.
فرفع الحرج في اللغة: إزالة الضيق، ونفيه
عن موضعه .
ثم إن معنى الرفع في الاصطلاح لا يخرج
عن معناه اللغوي. (١)
والحرج في الاصطلاح ما فيه مشقة وضيق
فوق المعتاد، (٢) فهو أخص من معناه اللغوي.
ورفع الحرج: إزالة ما في التكليف الشاق من
المشقة برفع التكليف من أصله أوبتخفيفه أو
بالتخییر فیه، أو بأن يجعل له مخرج، کما سبق في
الموسوعة في مصطلح (تیسیر).
فالحرج والمشقة مترادفان، ورفع الحرج
لا يكون إلا بعد الشدة خلافا للتيسير.
والفقهاء والأصولیون قد يطلقون عليه أيضا
((دفع الحرج)) و((نفي الحرج)). (٣)
(١) الكليات ٢/ ٣٨٨ منشورات وزارة الثقافة والإرشاد
القومي - دمشق ١٩٧٥م، المغرب ١٩٣ دار الكتاب
العربي.
(٢) الموافقات للشاطبي تعليق الشيخ عبدالله دراز ١٥٩/٢، .
المكتبة التجارية ١٩٥٥م
(٣) فواتح الرحموت ١/ ١٥٦ دار صادر، الأشباه والنظائر =
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التيسير :
٢ - التيسير: السهولة والسعة، وهو مصدر يسر،
واليسر ضد العسر، وفي الحديث: ((إن الدين
يسر)). (١) أي إنه سهْل سمْح قليل التشديد،
والتيسير يكون في الخير والشر، وفي التنزيل
العزيز قوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾. (٢) وقوله :
(٣)
فسنيسره للعسرى»
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه
اللغوي . والنسبة بين التيسير ورفع الحرج أن رفع
الحرج لا يكون إلا بعد شدة.
ب - الرخصة :
٣ - الرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير،
يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا
وأرخص إرخاصا إذا يسره وسهله. ورخص له
في الأمر: أذن له فیه بعد النهي عنه،
وترخيص الله للعبد في أشياء: تخفيفها عنه،
والرخصة في الأمر وهو خلاف التشديد. (٤)
= لابن نجيم ٨٠، أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٣٠٢ دار
الكتاب العربي .
(١) حديث: ((إن الدين يسر ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٩٣/١ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٢) سورة الليل/ ٧
(٣) سورة الليل/ ١٠
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (رخص).
- ٢٨٣ -

رفع الحرج ٤ - ٥
فالرخصة فسحة في مقابلة التضييق
......
والحرج.(١)
جـ - الضرر :
٤ - الضرر في اللغة ضد النفع، وهو النقصان
يدخل في الشيء، (٢) فالضرر قد یکون أثرا من
آثار عدم رفع الحرج.
رفع الحرج من مقاصد الشريعة :
٥ - رفع الحرج مقصد من مقاصد الشريعة
وأصل من أصولها، فإن الشارع لم يقصد إلى
التکلیف بالشاق والإِعنات فیه، وقد دل على
ذلك الكتاب والسنة وانعقد الإجماع على ذلك.
فمن الكتاب قوله تعالى : ﴿وما جعل
علیکم في الدين من حرج﴾(٣) وقوله تعالى:
﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٤) وقوله
تعالی: ﴿ما یرید الله لیجعل علیکم من حرج
ولكن يريد ليطهركم﴾(٥) وقوله تعالى:
﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾(٦)
وقوله تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق
(١) المستصفى ١/ ٩٨ دار صادر.
(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة مادة: (ضرر).
(٣) سورة الحج/ ٧٨
(٤) سورة البقرة/ ٢٨٦
(٥) سورة المائدة/ ٦
(٦) سورة البقرة/ ١٨٥
الإِنسان ضعيفا﴾.(١)
ومن السنة قول النبي قال: ((بعثت بالحنيفية
السمحة)). (٢) وحديث عائشة: ((ما خير
رسول الله ﴿ه بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم
یکن إثما)). (٣)
وانعقد الإِجماع على عدم وقوع الحرج في
التكليف، وهو يدل على عدم قصد الشارع
إليه، ولو كان واقعا لحصل في الشريعة التناقض
والاختلاف، وذلك منفي عنها، فإنه إذا كان
وضع الشريعة على قصد الإِعنات والمشقة،
وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق
والتیسیر، کان الجمع بينهما تناقضا واختلافا،
وهي منزهة عن ذلك.
ثم ما ثبت أيضا من مشروعية الرخص، وهو
أمر متطوع به، ومما علم من دين الأمة
بالضرورة، كرخص القصر، والفطر، والجمع،
وتناول المحرمات في الاضطرار. فإن هذا نمط
يدل قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقة.
وكذلك ما جاء من النهي عن التعمق
(١) سورة النساء/ ٢٨
(٢) حديث: ((بعثت بالحنيفية السمحة)). أخرجه ابن سعد في
الطبقات (١/ ١٩٢ - ط دار صادر) من حديث حبيب بن
أبي ثابت مرسلا .
(٣) حديث: ((ما خير رسول الله ◌ُ له بين أمرين إلا اختار
أيسرهما ما لم يكن إثما)». أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٨٦ -
ط السلفية)، ومسلم (١٨١٣/٤ - ط الحلبي).
- ٢٨٤ -

رفع الحرج ٦
والتكلف في الانقطاع عن دوام الأعمال. ولو
كان الشارع قاصداً للمشقة في التكليف لما كان
ثم ترخیص ولا تخفيف.
ولأجل ذلك لم يجب شيء من الأحكام على
الصبي العاقل لقصور البدن، أولقصوره
وقصور العقل، ولا على المعتوه البالغ لقصور
العقل. ولم يجب قضاء الصلاة في الحيض
والنفاس، وانتفى الإِثم في خطأ المجتهد، وكذا
في النسيان والإكراه.
قال الشاطبي : إن الأدلة على رفع الحرج في
هذه الأمة بلغت مبلغ القطع . (١)
أقسام الحرج :
ينقسم الحرج من حيث الجملة إلى قسمين:
٦ - الأول: حقيقي، وهو ما کان له سبب معین
واقع، أو ما تحقق بوجوده مشقة خارجة عن
المعتاد كحرج السفر والمرض.
الثاني: توهمي، وهو ما لم يوجد السبب المرخص
لأجله، ولم تكن مشقة خارجة عن المعتاد على
وجه محقق. (٢)
والقسم الأول هو المعتبربالرفع والتخفيف،
لأن الأحكام لا تبنى على الأوهام، والحرج
(١) الموافقات ١/ ٣٤٠، المكتبة التجارية الكبرى ١٩٥٥م
مسلم الثبوت ١٦٨/١ دار صادر بذيل المستصفى.
(٢) الموافقات ٣٣٣/١، ٣٣٤ وما بعدها المكتبة التجارية
الکبری.
الحقيقي ينقسم من حيث وقت تحققه إلى
قسمین :
الأول: الحرج الحالي: وهوما كانت مشقته
متحققة في الحال، كالشروع في عبادة شاقة في
نفسها، وكالحرج الحاصل للمريض باستعمال
الماء، أو الحاصل لغير المستطيع على الحج أو
رمي الجمار بنفسه إن منعناه من الاستنابة. (١)
الثاني: الحرج المالي: وهو ما يلحق المكلف
بسبب الدوام على فعل لا حرج منه. کما کان
من شأن عبدالله بن عمروقال: ((كنت أصوم
الدهر، وأقرأ القرآن كل ليلة فإما ذكرت
للنبي ◌َ﴾ وإما أرسل إليَّ فأتيته، فقال لي: ألم
أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟
فقلت: بلى يارسول الله، ولم أُرِدْ بذلك إلا
الخير، قال: فإن بحسبك أن تصوم من كل
شهر ثلاثة أيام فقلت: يانبي الله إني أطيق
أفضل من ذلك. قال: فإن لزوجك عليك
حقا، ولزورك عليك حقا، ولجسدك عليك
حقا. قال: فصم صوم داود نبي الله ◌َّر، فإنه
كان أعبد الناس، قال: فقلت: يانبي الله
وما صوم داود؟ قال: كان يصوم يوما ويفطر
يوما. قال: واقرأ القرآن في كل شهر؛ قال:
قلت: يانبي الله إني أطيق أفضل من ذلك،
قال: فاقرأه في كل عشرين قال: فقلت:
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٧ دار الكتب العلمية
١٩٨٣م.
- ٢٨٥ -

رفع الحرج ٦ -٨
يانبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال:
فاقرأه في كل عشر قال: قلت يانبي الله إني أطيق
أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل سبع
ولا تزد على ذلك. فإن لزوجك عليك حقا،
ولزورك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا.
قال: فشددت، فشدد الله عليَّ، قال: وقال لي
النبي ◌َله: إنك لا تدري لعلك يطول بك
عمر. قال: فصرت إلى الذي قال لي
النبي ◌َ﴾. فلما كبرت وددت أني كنت قبلت
رخصة نبي الله ◌َلخ)). (١) قال الشاطبي: إن
دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو
غيره ليس أمرا منضبطا بل هو إضافي مختلف
بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم أوفي
قوة عزائمهم، أو في قوة يقينهم. (٢)
وينقسم الحرج من حيث القدرة على
الانفكاك وعدمہ إلی عام وخاص.
فالحرج العام هو الذي لا قدرة للإِنسان في
الانفكاك عنه غالبا كالتغير اللاحق للماء بها
لا ينفك عنه غالبا، كالتراب والطحلب وشبه
ذلك.
والحرج الخاص هو ما كان في قدرة الإِنسان
الانفكاك عنه غالبا، كتغير الماء بالخل والزعفران
ونحوه .
(١) حديث عبدالله بن عمروقال: ((كنت أصوم الدهر)).
أخرجه مسلم (٨١٣/٢ - ٨١٤ ط. الحلبي).
(٢) الاعتصام للشاطبي ١/ ٢٤٤، ٢٤٩، ٢٥٥ المكتبة
التجارية الكبرى ١٩٥٥م
٧ - هذا تقسيم الشاطبي، وهناك من يقسم
الحرج إلى عام وخاص من حيث شمول الحرج
وعدمه. فالعام ما کان عاما للناس کلهم،
والخاص ما كان ببعض الأقطار، أو بعض
الأزمان، أو بعض الناس وما أشبه ذلك.
قال ابن العربي: ((إذا كان الحرج في نازلة
عامة في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصا لم
يعتبر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي
اعتباره)).
كما يمكن تقسيم الحرج إلى بدني ونفسي .
فالبدني : ما كان أثره واقعا على البدن
كوضوء المريض الذي يضره الماء، وصوم
المريض، وكبير السن، وترك المضطر أكل الميتة .
والنفسي : ما كان أثره واقعا على النفس،
كالألم والضيق بسبب معصية أوذنب صدر
منه، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى
﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ إنما
ذلك سعة الإِسلام ما جعل الله من التوبة
والكفارات . (١)
شروط الحرج المرفوع :
٨ - ليس كل حرج مرفوعاً. بل هناك شروط
لابد من تحققها لاعتبار رفع الحرج وهي :
١) أن یکون الحرج حقیقیا، وهوما له سبب
معين واقع، كالمرض والسفر، أو ما تحقق بوجوده
(١) الموافقات للشاطبي ٢/ ١٥٩ وما بعدها، وأحكام القرآن
لابن العربي ٣١٠/٣
- ٢٨٦ -

رفع الحرج ٨ - ٩
مشقة خارجة عن المعتاد. ومن ثم فلا اعتبار
بالحرج التوهمي، وهو الذي لم يوجد السبب
المرخص لأجله، إذ لا يصح أن یبنی حكم على
سبب لم يوجد بعد، كما أن الظنون والتقديرات
غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات، وهي
مختلفة. وكذلك أهواء الناس، فإنها تقدر أشياء
لا حقيقة لها. فالصواب أنه لا اعتبار بالمشقة
والحرج حينئذ، بناء على أن التوهم غير صادق
في كثير من الأحوال. (١)
٢) أن لا يعارض نصا. فالمشقة والحرج إنما
يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما في حال
مخالفة النص فلا يعتد بهما. (٢)
وهناك تفصيل وخلاف یأتي في تعارض رفع
الحرج مع النص.
(٣) أن يكون عاما. قال ابن العربي: إذا كان
الحرج في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط، وإذا
كان خاصا لم يعتبر عندنا، وفي بعض أصول
الشافعي اعتباره، وذلك يعرض في مسائل
الخلاف. (٣)
وقد فسر الشاطبي الحرج العام بأنه هو الذي
لا قدرة للإنسان على الانفكاك عنه، كالتغير
اللاحق للماء بالتراب والطحلب ونحو ذلك مما
(١) الموافقات ٣٣٣/١ وما بعدها.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ٨٣
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ٣١٠
لا ينفك عنه غالبا، والخاص هو ما يطرد
الانفكاك عنه من غير حرج كتغير الماء بالخل
والزعفران ونحوه. (١)
أسباب رفع الحرج :
٩ - أسباب رفع الحرج هي السفر، والمرض،
والإِكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم
البلوى، والنقص، وتفصيلها في مصطلح
(تيسير). (٢)
قال النووي : ورخص السفر ثمانية :
منها : ما يختص بالطويل قطعا وهو القصر،
والفطر، والمسح أكثر من يوم وليلة .
ومنها: ما لا يختص به قطعا، وهو ترك
الجمعة، وأكل الميتة .
ومنها: ما فيه خلاف، والأصح اختصاصه به
وهو الجمع .
ومنها: ما فيه خلاف، والأصح عدم
اختصاصه به، وهو التنفل على الدابة، وإسقاط
الفرض بالتيمم .
واستدرك ابن الوكيل رخصة تاسعة، صرح
بها الغزالي وهي :
ما إذا كان له نسوة وأراد السفر، فإنه يقرع
(١) الموافقات ٢/ ١٥٩ ومابعدها.
(٢) الموسوعة ٢١٣/١٤ وما بعدها.
- ٢٨٧ -

رفع الحرج ١٠ - ١١
بينهن، ويأخذ من خرجت لها القرعة، ولا يلزمه
القضاء لضراتها إذا رجع. (ر: تيسير).
كيفية رفع الحرج:
رفع الحرج ابتداء :
١٠ - لا يتعلق التكليف بما فيه الخرج ابتداء
فضلا من الله سبحانه وتعالى ، ولذلك لم يجب
شيء من الأحكام على الصبي العاقل، ولا على
المعتوه البالغ، ولم يجب قضاء الصلاة في الحيض
والنفاس. (١) كما أن هناك الكثير من الأحكام
والتشريعات التي جاءت ابتداء لرفع الحرج
والمشقة عن الناس، ولولاها لوقع الناس فيهما.
ومنها مشروعية الخيار، إذ إن البيع يقع غالبا من
غير تروِّ ويحصل فيه الندم فيشق على العاقد،
فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ في مجلسه
ومنها الرد بالعيب والتحالف والإِقالة والحوالة
والرهن والضمان والإِبراء والقرض والشركة
والصلح والحجر والوكالة والإِجارة والمزارعة
والمساقاة والمضاربة والعارية والوديعة للحرج
والمشقة العظيمة في أن كل واحد لا ينتفع إلا بما
هو ملكه، ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه،
ولا يأخذه إلا بكماله، ولا يتعاطى أموره إلا
بنفسه، فسهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير
بطريق الإِجارة والإِعارة والقرض، وبالاستعانة
(١) تيسير التحرير ٢٥٣/٢ مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٠هـ،
مسلم الثبوت ١٦٩/١ دار صادر.
بالغير وكالة وإيداعا وشركة ومضاربة ومساقاة،
وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثيق
علی الدین برهن وكفیل وضمان وحجر،
وبإسقاط بعض الدين صلحا أو كله إبراء.
ومن تلك الأحكام التي جاءت لرفع الحرج
والمشقة أيضا جواز العقود غير اللازمة. لأن
لزومها شاق فتکون سببا لعدم تعاطیھا، ومنها
لزوم العقود اللازمة، وإلا لم يستقر بيع
ولا غيره.
ومنها مشروعية الطلاق لما في البقاء على
الزوجية من المشقة والحرج عند التنافر، وكذا
مشروعية الخلع والافتداء والرجعة في العدة قبل
الثلاث، ولم يشرع دائما لما فيه من المشقة على
الزوجة . (١)
رفع الحرج عند تحقق وجوده:
١١ - قد يأتي الحرج والمشقة في التكاليف من
أسباب خارجية، إذ إن نفس التكليف ليس فيه
مشقة وحرج بل فيه كلفة أي مشقة معتادة،
وإنما يأتي الحرج بسبب اقتران التكليف بأمور
أخرى كالمرض والسفر، وللشارع أنواع متعددة
من التخفیفات تناسب تلك المشاق وتكون تلك
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ٦٩، ٨٠ دار مكتبة الهلال
١٩٨٠م. الأشباه والنظائر للسيوطي ٧٨، ٧٩ دار الكتب
العلمية ١٩٨٣ م الطبعة الأولى.
- ٢٨٨ -

رفع الحرج ١٢
التخفيفات بالإسقاط أو التنقيص أو الإِبدال أو
التقديم أو التأخير أو الترخيص أو التغيير،
وتفصيل ذلك في مصطلح (رخصة) ومصطلح
(تيسير).
تعارض رفع الحرج مع النص:
١٢ - النص إما أن يكون قطعيا أو ظنيا، والظني
إما أن يشهد له أصل قطعي أولا . ولا خلاف
بين الفقهاء في عدم اعتبار الحرج المعارض
للنص القطعي، وكذا الظني الراجع إلى أصل
قطعي، فيجب حينئذ الأخذ بالنص وترك
الحرج.(١)
ثم إن الفقهاء قد اختلفوا في الظني المعارض
لأصل قطعي کرفع الحرج، ولا یشهد له أصل
قطعي .
فذهب جمهور الحنفية إلى الأخذ بالنص
وعدم اعتبار الحرج، قال ابن نجيم في الأشباه:
المشقة والحرج إنما یعتبران في موضع لا نص
فيه، وأما مع النص بخلافه فلا، ولذا قال
أبو حنيفة، ومحمد: بحرمة رعي حشيش الحرم
وقطعه إلا الإِذخر لقول النبي ولار: ((إن هذا
البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ..
(١) الموافقات ١٥/٣، ١٦ المكتبة التجارية الكبرى بتعليق
الشيخ عبدالله دراز.
لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط
لُقَطَتَهُ إلا من عرَّفها، ولا يختلى خلاها)). (١)
قال السرخسي : وإنما تعتبر البلوى في
موضع لا نص فيه بخلافه، فأما مع وجود النص
فلا يعتد به .
وقال أبویوسف: لا بأس بالرعي ، لأنالذین
يدخلون الحرم للحج أو العمرة يكونون على
الدواب ولا يمكنهم منع الدواب من رعي
الحشيش ففي ذلك من الحرج ما لا يخفى
فيرخص فيه لدفع الحرج.
ونقل الشاطبي عن ابن العربي قوله: ((إذا
جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد
الشرع هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال
أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي :
يجوز، وتردد مالك في المسألة. قال: ومشهور
قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته
قاعدة أخری قال به، وإن کان وحده تركه. قال
الشاطبي : ولقد اعتمده مالك بن أنس في
مواضع كثيرة لصحته في الاعتبار، كإنكاره
لحديث إكفاء القدور التي طبخت من الإِبل
والغنم قبل قسم الغنيمة، تعويلا على أصل
رفع الحرج الذي يعبر عنه بالمصالح المرسلة،
(١) حديث: ((إن هذا البلد حرمه الله ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٦/٤ - ٤٧ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٨٦ - ٩٨٧
- ط الحلبي) من حديث ابن عباس واللفظ لمسلم.
- ٢٨٩ -

رفع الحرج ١٣
فأجاز أكل الطعام قبل القسم لمن احتاج إليه،
وإلى هذا المعنى أيضا يرجع قوله في حديث
خیار المجلس. (١) حیث قال بعد ذكره: ((ولیس
لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه))
إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة، ولوشرط
أحد الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا، فكيف
يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطا بالشرع؟ فقد
رجع إلى أصل إجماعي، وأيضا فإن قاعدة
الضرر والجهالة قطعية، وهي تعارض هذا
الحديث الظني. (٢)
قواعد الأدلة الأصولية والقواعد الفقهية المراعى
فيها رفع الحرج:
١٣ - لما كان رفع الحرج مقصدا من مقاصد
الشريعة، وأصلا من أصولها، فقد ظهر في کثیر
من الأدلة الأصولية والقواعد الفقهية .
فمن الأدلة الأصولية المراعى فيها رفع الحرج
المصالح المرسلة. قال الشاطبي : إن حاصل
المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري،
(١) حديث خيار المجلس نصه: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)).
أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٣٢٨ - ط السلفية) ومسلم
(١١٦٤/٣ - ط الحلبي) من حديث حكيم بن حزام.
(٢) الموافقات ١٧/٣ وما بعدها، المبسوط للسرخسي ٤/ ١٠٥
دار المعرفة الطبعة الثانية، الأشباه والنظائر لابن نجیم ٨٣،
دار مكتبة الهلال ١٩٨٠م
ورفع حرج لازم في الدین.(١)
وكذا الاستحسان ، قال السرخسي : كان
شيخنا الإِمام يقول: الاستحسان ترك القياس
والأخذ بما هو أوفق للناس، وقيل: الاستحسان
طلب السهولة في الأحكام فیما يبتلى فيه الخاص
والعام، وقيل: الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة، ثم
قال: وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر
لليسر، وهو أصل في الدين قال الله تعالى :
﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر﴾. (٢) وقال وغير لعلي ومعاذ رضي الله
عنهما حين وجههما إلى اليمن: ((يسرا
ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)). (٣)
ومن القواعد الفقهية في ذلك قاعدة: المشقة
تجلب التيسير. وقال العلماء: یتخرج على هذه
القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته. وبمعنى
هذه القاعدة قول الشافعي : إذا ضاق الأمر
اتسع. قال ابن أبي هريرة: وضعت الأشياء في
الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا
اتسعت ضاقت.
ويندرج تحت هذه القاعدة الرخص، وهي
مشروعة لدفع الحرج ونفيه عن الأمة.
(١) الاعتصام ٢/ ١١٤ المكتبة التجارية.
(٢) سورة البقرة/ ١٨٥
(٣) حديث: ((يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا)). أخرجه
البخاري (الفتح ٥٢٤/١٠ - ط السلفية) ومسلم
(١٣٥٩/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي موسى الأشعري.
- ٢٩٠ -
١

رفع الحرج ١٣، رفع الیدین، رفق ١ - ٢
وكذا قاعدة الضرريزال، وما يتعلق بهذه
القاعدة من قواعد، كالضرورات تبيح
المحظورات. والحاجة تنزل منزلة الضرورة .
ومن الأمور التي تنفي الحرج النفسي لدى
المذنب التوبة، والإِسلام يجب ما قبله،
والكفارات بأنواعها المختلفة. قال ابن عباس
رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وما جعل
عليكم في الدين من حرج﴾(١) إنما ذلك سعة
الإِسلام ما جعل الله من التوبة والكفارات. (٢)
(١) سورة الحج / ٧٨
(٢) المبسوط ١٤٥/١٠، الأشباه والنظائر للسيوطي ٧٦
وما بعدها و٨٣ وما بعدها دار الكتب العلمية ١٩٨٣م،
والأشباه والنظائر لابن نجيم ٧٥ و٨٥ وما بعدها دار الهلال
١٩٨٠م. والموافقات ١٥٨/٢ المكتبة التجارية الكبرى.
رفق
التعريف :
١ - الرفق في اللغة: لين الجانب، ولطافة
الفعل، وإحكام العمل والقصد في السير. (١)
والرفق يرادفه الرحمة، والشفقة، واللطف،
والعطف، ويقابله الشدة، والعنف، والقسوة
والفظاظة .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للرفق عن
معناه اللغوي . (٢)
حکمه التكليفي :
٢ - حكم الرفق على وجه العموم الاستحباب،
فهو مستحب في كل شيء، (٣) لقوله صل﴾ في
حديث أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله
عنها: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله)). (٤)
(١) الصحاح واللسان والمصباح مادة: (رفق)، المغرب وأساس
البلاغة مادة: (رفق).
(٢) فتح الباري ١٠/ ٤٤٩ ط الرياض.
(٣) فتح الباري ٤٤٩/١٠ ط الرياض.
(٤) حديث: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله)). أخرجه
البخاري (الفتح ٤٤٩/١٠ - ط السلفية).
- ٢٩١ -

رفق ٣
ولقوله:# أيضا: ((إن الله رفيق يحب الرفق
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على
العنف)). (١) ولقوله وهي: ((إن الرفق لا يكون في
شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)). (٢)
ولقوله : ((من أعطي حظه من الرفق فقد
أعطي حظه من الخير)(٣) ولقوله وثيقة: ((من يحرم
الرفق يحرم الخير)). (٤) وقد يخرج عن
الاستحباب کالرفق بالوالدین فإنه واجب،
والرفق بالكفار الحربيين فإنه ممنوع لقوله تعالى :
﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على
الكفار رحماء بينهم﴾ . (٥)
وقد ذكر الفقهاء الرفق في عدد من المسائل.
رفق الله سبحانه وتعالى بالمکلفین:
٣ - يتضح رفق الله تعالى بعباده المكلفين فيما
(١) حديث: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق
ما لا يعطي على العنف». أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٤ - ط
الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: «إن الرفق لا یکون في شيء إلا زانه ولا ينزع من
شيء إلا شانه)). أخرجه مسلم (٤ /٢٠٠٤ - ط الحلبي)
من حديث عائشة .
(٣) حديث: ((من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من
الخير)). أخرجه الترمذي (٣٦٧/٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي الدرداء، وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(٤) حديث: ((من يحرم الرفق يحرم الخير)). أخرجه مسلم
(٢٠٠٣/٤ - ط الحلبي) من حديث جرير بن عبدالله.
(٥) سورة الفتح / ٢٩
شرعه لهم من الأحكام، فإنه سبحانه وتعالى لم
يكلفهم إلا بما يدخل تحت قدرتهم وطاقتهم بلا
مشقة، فقد أمرهم بالصلاة وبصوم رمضان إلا
أنه شرع لهم الرخص التي تخفف عنهم المشقة
الحاصلة من تلك العبادات، فرخص لهم الفطر
والقصر والجمع في المرض والسفر، وأباح لهم
المحظور عند الضرورة إن كانت تلك الضرورة
مساوية للمحظور أو تزيد عليه، كإباحة الميتة
للمضطر، ولم يوجب عليهم من العبادات إلا ما
هو یسیر علیهم، وأمرهم أن يأخذوا من النوافل
ما يطيقون، وألا يتحملوا منها ما فيه مشقة زائدة
علیهم رفقا بهم، لأن تلك المشقة تؤدي إلى
عدم المداومة على تلك الأعمال، وقد نهى
رسول الله له عن التنطع والتكلف وقال:
((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لن يمل
حتى تملوا)). (١) وقال أيضا: ((القصد القصد
تبلغوا))(٢) فإن الشارع الحكيم لم يقصد من
التكاليف التي فرضها على عباده العنت
والمشقة.
وتفصيل ذلك بأدلته في مصطلح (تيسير)
و(رخصة) و(رفع الحرج).
(١) حديث: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون)). أخرجه مسلم
(٨١١/٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: ((القصد القصد تبلغوا)). أخرجه البخاري (الفتح
٣٩٤/١١ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
- ٢٩٢ -

رفق ٤ - ٧
الرفق بالوالدين :
٤ - أمر الله سبحانه وتعالى بالرفق بالوالدين
والإِحسان إليهما وبرهما في عدد من الآيات كقوله
تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا))(١) وقوله
تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر
أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل
لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من
الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. (٢)
والتفصيل في مصطلح (بر الوالدين).
الرفق بالجار :
٥ - أمر الله سبحانه وتعالى بالرفق بالجار،
والإِحسان إليه، وحفظه والقيام بحقه في كتابه
وعلى لسان نبيه ®، من ذلك قوله تعالى:
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين
إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار
ذي القربى والجار الجنب﴾. (٣)
وتفصيل ذلك في مصطلح (جوار). (٤)
رفق الإِمام بالمأمومين :
٦ - يسن للإِمام أن يرفق بالمأمومين وذلك
(١) سورة الأنعام / ١٥١
(٢) سورة الإسراء ٢٣ - ٢٤، وانظر الموسوعة الفقهية ٦٣/٨
(٣) سورة النساء/ ٣٦
(٤) الموسوعة الفقهية ٢١٦/١٦
بالتخفيف بالقراءة والأذكار، وفعل الأبعاض
والهيئات، ويأتي بأدنى الكمال مراعاة للمريض
والضعيف وصاحب الحاجة، لقوله محلية: ((إذا
صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم
الضعيف والسقيم والكبير)). (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح ( إمامة
الصلاة). (٢)
الرفق بالغير وتجنب إيذائه في مواطن الازدحام
للعبادة :
٧ - من سنن الطواف في الحج والعمرة استلام
الحجر وتقبيله، فإن لم يكن ذلك، اكتفى
بالإِشارة إليه بيده أوبعود، وعند غير المالكية
يقبل ما أشار به إليه، ویکبر، ولا يؤذي غيره
لأجل أن يصل إليه ويقبله، فقد روي أن
رسول الله ◌َ﴾ قال لعمر رضي الله عنه:
((ياعمر: إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر
فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه،
وإلا فاستقبله فهلل وكبر)). (٣) وهذا كله
(١) حديث: ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٩٩/٢ - ط السلفية) من حديث أبي
هريرة .
(٢) الموسوعة الفقهية ٢١٣/٦ ف٢٧ - ٢٨
(٣) حديث: ((ياعمر، إنك رجل قوي ... )) أخرجه أحمد
(٢٨/١ - ط اليمنية). وقال الهيثمي في المجمع (٢٤١/٣ -
ط القدسي) (رواه أحمد وفیه راو لم يسم)).
- ٢٩٣ -

رفق ٨ - ٩
مستحب، ومحل اتفاق بين الفقهاء. (١)
وتفصيل ذلك في بحث (الحجر الأسود) من
الموسوعة ج١٧ /١٠٧
الرفق في تغيير المنكر :
٨ - ينبغي لمن يتصدى لتغيير المنكر أن يأخذ
نفسه بما يحمد قولا وفعلا، وأن يتحلى بمكارم
الأخلاق حتی یکون عمله مقبولا ، وقوله
مسموعا، قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت
لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من
حولك﴾. (٢) ومن وسائل تغيير المنكر التعريف
باللطف والرفق، وعن أبي سعيد رضي الله عنه
قال: سمعت رسول اللهټ يقول: ((من رأى
منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإِيمان)). (٣)
وخصوصا مع من يخاف شره كالظالم
المتسلط. (٤) والجاهل إذا لم يكن معاندا.
ويدل على ذلك حديث بول الأعرابي في
(١) حاشية ابن عابدين ١٦٥/٢ - ١٦٦ ط المصرية، جواهر
الإكليل ٣٧٨/١ - ط المعرفة، روضة الطالبين ٨٥/٣
ط. المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٢/ ٤٨٥ ط. النصر،
المغني ٣٧١/٣ ط. الرياض.
(٢) سورة آل عمران/ ١٥٩
. (٣) حديث: ((من رأى منكم منكرا ... )) أخرجه مسلم
(١/ ٦٩ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) الموسوعة الفقهية ٦/ ٢٥٠ فقرة٥، ٢٤٤/٧ فقرة ١٩
المسجد. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن
أعرابيا بال في المسجد فتناوله الناس، فقال
لهم النبي ◌َلفي: ((دعوه وهريقوا على بوله سجلا
من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم
تبعثوا معسرين)). (١) وفيه الرفق بالجاهل
وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم
يأت بالمخالفة استخفافا أو عنادا. (٢)
الرفق بالخدم :
٩ - الرفق بالخدم وحسن معاملتهم من الأمور
التي أمر بها الرسول مقلي، والتي جرى عليها عمل
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد أمر
الرسول # بأن نحسن معاملتهم، ونرفق بهم
في المطعم والملبس والعمل، فنطعمهم من
طعامنا ونلبسهم من لباسنا ولا نكلفهم بالأعمال
التي يشق عليهم القيام بها، فإن فعلنا ذلك
فعلينا أن نعينهم، فقد أخرج البخاري في
صحيحه عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة
وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته، عن ذلك
(١) حديث: ((أن أعرابيا بال في المسجد ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٢٣/١ - ط السلفية).
(٢) فتح الباري ١/ ٣٢٢ - ٣٢٥ ط. الرياض، صحيح مسلم
بشرح النووي ٣/ ١٩٠ - ١٩١ ط. المصرية، تحفة
الأحوذي ٤٥٧/١ - ٤٥٩ ط. المدني، سنن أبي داود
٢٦٣/٣ - ٢٦٥ ط. التركية، سنن ابن ماجه ١٧٥/١ -
١٧٦ ط. التركية.
- ٢٩٤ -

رفق ١٠
فقال: إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي
النبي له: ((يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك
جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت
أیدیکم، فمن کان أخوه تحت يده فليطعمه مما
يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم
فإن كلفتموهم فأعينوهم)). (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح (خدمة).
الرفق بالحيوان :
١٠ - مما ورد في الرفق بالحيوانات النهي عن
صبرها وتعذيبها، وبيان فضل ساقيها والإِنفاق
عليها، سواء أكانت من الأنعام أم من غيرها.
فمما ورد في النهي عن صبر البهائم ما أخرجه
مسلم في صحيحه ((أن ابن عمر مربفتيان من
قریش قد نصبوا طیرا وهم يرمونه، وقد جعلوا
لصاحب الطیر کل خاطئة من نبلهم فلما رأوا
ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟
لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ل﴿ لعن
من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا)). (٢) وعن
جابر بن عبدالله قال: ((نهى رسول الله لو أن
(١) حديث أبي ذر: ((إني سابيت رجلا ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٨٤/١ - ط السلفية). وانظر فتح الباري ١٧٣/٥ -
١٧٤ ط . الرياض.
(٢) حديث ابن عمر: ((مر بفتيان من قريش ... )) أخرجه
مسلم (٣/ ١٥٥٠ - ط الحلبي).
يقتل شيء من الدواب صبرا)). (١)
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
النبي * قال: ((لا تتخذوا شيئا فيه الروح
غرضا)». (٢) ومعنى صبر البهائم كما قال العلماء
أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه وهو
معنی لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا، أي
لا تتخذوا الحیوان غرضا ترمون إلیه کالغرض
(أي الهدف) من الجلود وغيرها، وهذا النهي
للتحريم ولهذا قال # في رواية ابن عمر:
((لعن الله من فعل هذا))، ولأنه تعذيب للحيوان،
وتضییح لمالیته، وتفویت لذکاته إن كان مذکی،
ولمنفعته إن لم يكن مذكى. (٣) حتى ما يذبح من
الحیوان لأکله أمر النبي قالټ بالرفق به، بإحداد
الشفرة وإراحة الذبيحة. قال الله: ((إن الله
كتب الإِحسان على كل شيء فإذا قتلتم
فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح،
وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)). (٤)
ومما ورد في فضل من سقی حيوانا رفقا به
ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة
(١) حديث جابر: ((نهى أن يقتل شيء من الدواب صبرا ... ))
أخرجه مسلم (٣/ ١٥٥٠ - ط الحلبي).
(٢) حديث ابن عباس: ((لا تتخذوا شيئا فيه الروح
غرضا ... )) أخرجه مسلم (١٥٤٩/٣ - ط. الحلبي).
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٠٧/١٣ - ١٠٨
ط . الأولى.
(٤) حديث: ((إن الله كتب الإحسان ... )) أخرجه مسلم
(١٥٤٨/٣ - ط الحلبي) من حديث شداد بن أوس ..
- ٢٩٥ -

رفق ١٠
رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ((بينما
رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد
بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب
يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل:
لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه
فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا :
يارسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في
كل ذات كبد رطبة أجر)). (١)
وأما النفقة على الحيوان رفقا ورحمة به، فقد
اتفق الفقهاء على وجوب الإنفاق على المملوك
منه ديانة، واختلفوا في الإجبار عليها والقضاء
بها على من عنده بهيمة لا ينفق عليها، مع
اتفاقهم جميعا على وجوبها ولزومها علیه، فذكر
الحنفية في ظاهر الرواية أنه لا يجبر عليها، لأن
الجبر على الحق يكون عند الطلب والخصومة
من صاحب الحق، ولا خصم، فلا يجبر، ولكن
تجب فيما بينه وبين الله تعالى، وروي عن أبي
یوسف أنه يجبر علیھا، لأن في ترکه جائعا
تعذیب الحیوان بلا فائدة وتضییع المال، وقد
نهى رسول اللهټ عن ذلك كله، ولأنه سفه
لخلوه عن العاقبة الحميدة، والسفه حرام
عقلا. (٢)
(١) حديث: ((بينما رجل يمشي بطريق ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٣٨/١٠ - ط. السلفية).
(٢) بدائع الصنائع ٤/ ٤٠ ط. الجمالية، ابن عابدين =
وذكر المالكية أن نفقة الدابة إن لم يكن مرعى
واجبة، ويقضى بها، لأن تركه منكر، وإزالته
يجب القضاء به، خلافا لقول ابن رشد یؤمر من
غير قضاء، ودخل في الدابة هرة عميت فتجب
نفقتها على من انقطعت عنده حيث لم تقدر
على الانصراف، فإن قدرت عليه لم تجب
نفقتها، لأن له طردها .(١)
ومذهب الشافعية في هذه المسألة قریب مما
ذكره المالكية وأبویوسف من الحنفية، فقد ذكر
النووي في الروضة أن من ملك دابة لزمه علفها
وسقيها، ويقوم مقام العلف والسقي تخليتها
لترعی وترد الماء، إن كانت مما یرعی ویکتفی به
لخصب الأرض ونحوه ولم یکن مانع ثلج وغيره،
فإن أجدبت الأرض ولم يكفها الرعي لزمه أن
يضيف إليه من العلف مايكفيها، ويطِّدُ هذا في
كل حيوان محترم (يحرم التعرض له)، وإذا امتنع
المالك من ذلك أجبره السلطان في المأكولة على
بيعها أو صيانتها عن الهلاك بالعلف أو التخلية
للرعي أو ذبحها. وفي غير المأكولة على البيع أو
= ٦٨٨/٢ -٦٨٩ ط. بولاق، فتح القدير ٣٥٥/٣ -
٣٥٦ ط. الأميرية، الاختيار ١٤/٤ ط. المعرفة، الفتاوى
الهندية ٥٧٣/١ - ٥٧٤ ط. المكتبة الإسلامية.
· (١) حاشية الدسوقي ٥٢٢/٢ ط. الفكر، جواهر الإكليل
٤٠٧/١ ط. المعرفة، الخرشي ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ ط. بولاق،
الزرقاني ٢٥٨/٤ - ٢٥٩ ط. الفكر، التاج والإكليل مع
مواهب الجليل ٢٠٦/٤ - ٢٠٧ ط. النجاح.
- ٢٩٦ -

رفق ١٠
الصیانة فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك
على ما يراه ويقتضيه الحال، وعن ابن القطان
أنه لا يخلیھا خوف الذئب وغيره، فإن لم یکن له
مال باع الحاكم الدابة أو جزءا منها أو أکراها،
فإن لم يرغب فيها لعمی أوزمانة (مرض مزمن)
أنفق عليها بيت المال. (١)
وقول الحنابلة في هذه المسألة كقول
الشافعية، فقد جاء في الکافي أن من ملك بهيمة
لزمه القيام بعلفها لما روى أنس أن
رسول الله ﴾ قال: ((عذبت امرأة في هرة
سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي
أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها
تأكل من خشاش الأرض)). (٢) فإن امتنع من
الإِنفاق عليها أجبر على بيعها، فإن أبى
أكريت وأنفق عليها، فإن أمكن وإلا بيعت، كما
يفرق بينه وبين زوجته إذا أعسر بنفقتها. (٣)
وتذكر كتب الحنابلة أيضا أنه يحرم على
مالك الدابة أن يحملها ما لا تطيق حمله، لأن
(١) روضة الطالبين ٩/ ١٢٠ ط. المكتب الإسلامي، حاشية
القليوبي ٩٤/٤ ط. الحلبي، نهاية المحتاج ٢٢٩/٧ -٢٣١
- ط. المكتبة الإسلامية، الشرواني ٨/ ٣٧٠ - ٣٧٤ ط. دار
صادر، الجمل على المنهج ٤/ ٥٢٧-٥٢٩ ط. التراث،
المهذب ١٦٩/٢ - ١٧٠ ط. الحلبي.
(٢) حديث: ((عذبت امرأة في هرة ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٥١٥/٦ -ط السلفیة)، ومسلم (٢٠٢٢/٤ - ط
الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٣) الكافي ٣/ ٣٩٠ ط. المكتب الإسلامي.
الشارع منع تكليف الإِنسان والحيوان
ما لا يطيق،» ولأن فيه تعذيبا للحيوان الذي له
حرمة في نفسه وإضرارا به. ويحرم أن يحلب من
لبنها ما يضر بولدها، لأن كفايته واجبة على
مالكه، ويسن للحالب أن يقص أظفاره لئلا
يجرح الضرع إلى غير ذلك مما ذكروه في هذا
الباب . (١)
(١) كشاف القناع ٤٩٣/٥ - ٤٩٥ ط. النصر، الإنصاف
٤١٤/٩ - ٤١٥ ط. التراث، القواعد لابن رجب / ٣٢
ق٢٣، ص١٣٨ ق٧٥، المبدع ٢٢٨/٨ -٢٢٩ ط. المكتب
الإسلامي، المغني ٧/ ٦٣٤ - ٦٣٥ ط. الرياض.
- ٢٩٧ -

٠٠٠٠
رفقة ١ - ٦
رفقة
التعريف :
١ - الرفقة في اللغة: الصحبة، والرفقة أيضا
اسم جمع ومفرده رفيق، والجمع منه رفاق
ورفقاء، وهم الجماعة التي ترافق الرجل في
السفر. (١)
وفي الاصطلاح الشرعي لا يخرج عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الصحب :
٢ - الصحب اسم جمع لصاحب، وهو من
صحبه أصحبه صحبة، والأصل في هذا
الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسة. (٢)
ب - الركب :
٣ - الركب في الأصل: جماعة ركبان الإِبل في
السفر، ثم اتسع فیه وأطلق علی رکبان أي
وسيلة من وسائل السفر. (٣)
(١) تاج العروس.
(٢) المصباح المنير .
(٣) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير.
جـ - النفر :
٤ - النفر والنفير في اللغة: الجماعة من الناس.
والجمع أنفار. ويطلق على عشيرة الرجل
وقومه، قال الفراء: ((نفر الرجل رهطه)). (١)
د - الرهط :
٥ - الرهط في اللغة: قوم الرجل وعشيرته، ومنه
قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب: ﴿ولولا
رهطك لرجمناك﴾(٢) ويطلق على الجماعة من
الرجال من ثلاثة إلى عشرة كالنفر. (٣)
الحكم التكليفي :
٦ - يستحب لمن يسافر أن يسافر مع رفقة،
ويكره أن يسافر الرجل منفردا، ولا تزال الكراهة
إلا بثلاثة،(٤) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما
قال: قال رسول اللّه ◌َليه: ((لو يعلم الناس ما في
الوحدة ما أعلم ما سارراكب بليل وحده))(٥)
ولخبر: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان
والثلاثة ركب))(٦) فينبغي أن يسيرمع الناس
(١) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير.
(٢) سورة هود/ ١٩
(٣) لسان العرب والمصباح المنير وتاج العروس.
(٤) المجموع ٤/ ٣٨٩
(٥) حديث: ((لو يعلم الناس ما في الوحدة)) أخرجه البخاري
(الفتح ١٣٨/٦ - ط السلفية)
(٦) حديث: ((الراكب شيطان)). أخرجه الترمذي (١٩٣/٤ -
ط الحلبي). وقال ((حديث حسن)).
- ٢٩٨ -

رفقة ٧ - ٩
ولا ينفرد بطريق، ولا يركب اثنان الطريق،
ويستحب أن تكون الرفقة من أهل الصلاح
الذین يحبون الخیر ویکرهون الشر، یذکرونه إن
نسي، وإن ذكر أعانه، ويستحب أن تكون
الرفقة من الأصدقاء والأقارب الموثوقين، لأنهم
أعون له في مهماته، وأرفق به في أموره، وينبغي
أن يحرص على إرضاء رفقائه في جميع طريقه،
وأن يحتمل ما يصدر منهم من هفوات، ويصبر
على ما يقع منهم في بعض الأوقات. (١)
٧ - وينبغي للرفقة أن يؤمروا على أنفسهم
أفضلهم، وأجودهم رأیا، وأن یطیعوه، لحديث
أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال
رسول الله قال: ((إذا خرج ثلاثة في سفر
فليؤمروا أحدهم»(٢) قال النووي : يستحب
للرفقة ألا يشتركوا في الزاد والراحلة والنفقة،
لأن ترك المشارکة أسلم منه، لأنه يمتنع بسببها
من التصرف في وجوه الخير من الصدقة،
وغیرها، ولو أذن شریکه لم يوثق باستمراره، فإن
شارك جاز، واستحب أن يقتصر على ما دون
حقه، ولأنه ربما أفضى إلى النزاع.
أما اجتماعهم على طعام يوما بيوم، أو يأكلوا
(١) المجموع ٤/ ٣٩١
(٢) حديث: ((إذا خرج ثلاثة في سفر)). أخرجه أبو داود
(٨١/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في
رياض الصالحين (ص٣٧٦ - ط. المكتب الإسلامي).
كل يوم عند أحدهم تناويا فحسن.(١)
فقد روي: أن أصحاب رسول اللّه اله
قالوا: يارسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، فقال
عليه الصلاة والسلام: ((فلعلكم تفترقون))،
قالوا: نعم. قال: ((فاجتمعوا على طعامكم
واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)). (٢)
اشتراط وجود رفقة في وجوب الحج :
٨ - يشترط في وجوب الحج وجود رفقة يخرج
معهم في الوقت الذي جرت عادة بلده بالخروج
فيه، إذا كان الطريق مخوفا، وأن يسيروا السير
المعتاد، فإن خرجوا قبل الوقت المعتاد، أو أخروا
الخروج بحيث لا يصلون إلى مكة إلا بالسير
بأکثر من مرحلة في کل یوم، أو كانوا يسيرون
فوق العادة لم يجب عليه الحج، أما إن كان
الطريق آمنا بحيث لا يخاف الواحد فيه لزمه
الحج، وإن لم يجد رفقة ولا غيره للوحشة.
والتفصيل في (حج).
هذا في حق الرجل.
٩ - أما المرأة فلا يجب عليها الحج ولا يجوز لها
(١) كشاف القناع ٢/ ٣٨٧، المجموع للنووي ٣٨٦/٤،
وانظر القوانين الفقهية ص ٢٩٠
(٢) حديث: ((فلعلكم تفترقون ... )) أخرجه أبو داود
(١٣٨/٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأعله ابن حجر كما
في فيض القدير للمناوي (١٥٢/١ - ط. المكتبة
التجارية).
- ٢٩٩ -

رفقة ٩ - ١١
السفر إلا مع محرم أوزوج، حديث ((لا تسافر
المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها إلا
ومعها محرم)) . (١)
وحديث ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها
حرمة)». (٢)
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
وعند الحنفية والحنابلة لا تخرج إلا مع محرم أو
زوج، وعند الشافعية تخرج مع محرم أوزوج أو
جماعة من النساء.
وقال المالكية: إذا لم تجد المرأة محرما ولا زوجا
تخرج معه، أو امتنعا من الخروج معها جاز أن
تخرج للسفر الواجب مع رفقة مأمونة، وقالوا :
والرفقة المأمونة رجال صالحون، أو نساء
صالحات، وأولی إن اجتمعا. وقال صاحب
مواهب الجليل: قال مالك: ((إذا أرادت المرأة
الحج وليس لها ولي فلتخرج مع من تثق به من
الرجال والنساء، فإن کان ولي فأبى أن يحج معها
فلا أرى بأسا أن تخرج مع من ذكرت لك)) وقال
(١) حديث: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها
إلا ومعها محرم». أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٧٢ - ط
السلفية) من حديث ابن عباس.
(٢) حديث: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر
مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)). أخرجه البخاري (الفتح
٥٦٦/٢ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، ومسلم
(٩٧٧/٢ - ط الحلبي).
أيضا: ((وتخرج المرأة مع المرأة الواحدة)).
أما سفر التطوع والمباح فلا يجوز لها الخروج
فيه إلا مع محرم أوزوج. وقيد الباجي من
المالكية المنع بالعدد القليل من الرفقة. أما
القوافل العظيمة فهي کالبلاد فيجوز فيها
سفرها، دون نساء أو محارم . (١)
والتفصيل في (حج).
الرفقة في السفر بمنزلة الأهل في الحضر:
١٠ - يجب على الرفقة في سفر دفن من مات
منهم وتجهيزه، فإن لم يدفنوه أثموا، وللحاكم
تعزیرهم. (٢)
وصرح الحنفية أنه يجوز للرفقة في السفر
الشراء للمريض من ماله إذا احتاج إلى ذلك،
كما يجوز للورثة أن يشتروا من ماله، لأن الرفقة
في السفر بمنزلة الأهل في الحضر.
بيع الرفقة متاع من مات منهم.
١١ - قال الحنفية: للرفقة بيع متاع من مات
منهم، ومرکبه، وحمله إلى ورثته بعد مؤنة
التجهيز، ولا يجوز ذلك لأجنبي، لأن الرفيق
مأذون له في ذلك دلالة، كما يجوز له الإِحرام عنه
(١) مواهب الجليل ٢/ ٥٢١ وما بعده حاشية العدوي
٤٥٥/١، والقوانين الفقهية ص ٢٩٠
(٢) روضة الطالبين ١٤٣/٢
- ٣٠٠ -