Indexed OCR Text
Pages 181-200
ردة ٣ - ٦
ردة الصبي :
٣ - ردة الصبي لا تعتبر عند أبي يوسف
والشافعي، وهو رواية عند أبي حنيفة على
مقتضى القياس، وقول لأحمد. (١)
وقال أبوحنيفة في الرواية الأخرى ومحمد :
يحكم بردة الصبي استحسانا، (٢) وهو مذهب
المالكية والمشهور عن أحمد. (٣)
المرتد قبل البلوغ لا يقتل:
٤ - ذهب القائلون بوقوع ردة الصبي إلى أنه لا
يقتل قبل بلوغه . (٤)
وقال الشافعي: إن الصبي إذا ارتد لا يقتل
حتى بعد بلوغه، قال في الأم: (فمن أقر.
بالإِيمان قبل البلوغ وإن کان عاقلا، ثم ارتد قبل
البلوغ أو بعده، ثم لم يتب بعد البلوغ، فلا
(١) المبسوط ١٢٢/١٠، وابن عابدين ٢٥٧/٤، ورحمة الأمة
ص٢٩٦، والمغني لابن قدامة ٥٥١/٨، والإنصاف
٣٢٩/١٠
(٢) المبسوط ٦٢٢/١٠ (يحكم بردته استحسانا لعلته
لا لحكمه).
ويلاحظ أيضا كشف الأسرار للبزدوي ٤/ ١٣٧١
(٣) المغني ٨/ ٥٥١، والإنصاف ٣٢٩/١٠، جواهر الإكليل
١١٦،٢١/١
(٤) المبسوط ١٢٢/١٠، والتحفة ٤/ ٥٣٠، والبدائع
١٣٥/٧، والهداية ١٢٦/٢، وابن عابدين ٤/ ٢٥٧،
والإِنصاف ٣٢٠/١٠، ومنار السبيل ٤٠٧/٢، والمغني
٥٥١/٨
يقتل، لأن إيمانه لم يكن وهو بالغ، ويؤمر
بالإِيمان، ويجهد علیه بلا قتل). (١)
ردة المجنون :
٥ - اتفق الفقهاء على أنه لا صحة لإِسلام
مجنون ولا لردته. (٢)
ويترتب على ذلك: أن أحكام الإِسلام
تبقی سائرة عليه. (٣)
لکن إن کان یجن ساعة ویفیق أخری، فإن
كانت ردته في إفاقته وقعت، وإن كانت في جنونه
لا تقع، كما نقل ذلك الكاساني. (٤)
ردة السكران :
٦ - ذهب الحنفية وهو قول للشافعية: إلى أن
ردة السكران لا تعتبر، وحجتهم في ذلك : أن
الردة تبنى على الاعتقاد، والسكران غير معتقد
لما يقول. (٥)
وذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه،
(١) الأم ٦٤٩/٦
(٢) البدائع ٧/ ٦٣٤، الإقناع ٣٠١/٤، الكافي لابن قدامة
١٥٥/٣، المهذب ٢٢٢/٢، والأم ١٤٨/٦، والشامل
١٥٩/٢ و١٠٢/٦، والقليوبي وعميرة ١٧٦/٤
(٣) المراجع السابقة .
(٤) البدائع ٧/ ١٣٤
(٥) المبسوط ١٢٣/١٠، وتحفة الفقهاء ٥٣٢/٤، والبدائع
١٣٤/٧، وابن عابدين ٢٢٤/٤، والمهذب ٢٢٢/٢،
والقليوبي ١٧٦/٤
- ١٨١ -
رِدّة ٧ - ٩
والشافعية في المذهب إلى وقوع ردة السكران،
وحجتهم: أن الصحابة أقاموا حد القذف على
السكران، وأنه يقع طلاقه، فتقع ردته، وأنه
مكلف، وأن عقله لا يزول كليا، فهو أشبه
بالناعس منه بالنائم أو المجنون . (١)
المكره على الردة :
٧ - الإِكراه: اسم لفعل يفعله المرء بغيره،
فینتفي به رضاه، أو يفسد به اختياره، من غیر
أن تنعدم به أهليته، أو يسقط عنه الخطاب. (٢)
والإِكراه نوعان: نوع يوجب الإِلجاء
والاضطرار طبعا، كالإِكراه بالقتل أو القطع أو
الضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو،
قل الضرب أو كثر. وهذا النوع يسمى إكراها
تاما .
ونوع لا يوجب الإِلجاء والاضطرار، وهو
الحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه
التلف، وهذا النوع من الإكراه یسمی إکراها
ناقصا. (٣)
٨ - واتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر
فأتى بكلمة الكفر، لم يصر كافرا.
(١) الإنصاف ٣٣١/١٠، والمغني ٥٦٣/٨، والأم ١٤٨/٦،
والشامل ١٠٢/٦، والقليوبي ٦/ ١٧٦
(٢) المبسوط ٣٨/٢٤، البدائع ١٧٥/٧، ومرآة الأصول
ص٣٥٩
(٣) البدائع ٧/ ١٧٠، المجلة (المادة ٩٤٩).
لقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إیمانه إلا
من أكره وقلبه مطمئن بالإِيمان ولكن من شرح
بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله﴾ .(١)
وما نقل من أن عمار بن ياسر- رضي الله عنهما -
حمله المشركون على ما يكره فجاء إلى النبي وَ ط *
فقال له: ((إن عادوا فعد))، (٢) وهذا في الإِكراه
التام. (٣)
٩ - ومن أکره علی الإِسلام فأسلم ثم ارتد قبل
أن يوجد منه ما يدل على الإِسلام طوعا، مثل
أن يثبت على الإِسلام بعد زوال الإِكراه، فإن
كان ممن لا يجوز إكراههم على الإِسلام - وهم
أهل الذمة والمستأمنون - فلا يعتبر مرتدا،
ولا يجوز قتله ولا إجباره على الإِسلام، لعدم
صحة إسلامه ابتداء .
أما إن كان من أكره على الإِسلام ممن يجوز
إكراهه وهو الحربي والمرتد، فإنه يعتبر مرتدا
برجوعه عن الإِسلام، ويطبق عليه أحكام
.. (٤)
المرتدين .
(١) سورة النحل / ١٠٦
(٢) حديث: ((إن عادوا فعد)). أخرجه ابن سعد (٢١٩/٣ - ط
دار صادر) من حديث محمد بن عمار مرسلا.
(٣) المبسوط ٦٢٣/١٠، وابن عابدين ٢٢٤/٤، والأم
٦٥٢/٦، والشامل ١٤٨/٦، وشرح الأنصاري
٢٤٩/٤، ومنح الجليل ٤/ ٤٠٧، والمغني ٨ / ٥٦١
والإِقناع ٤/ ٣٠٦
(٤) المبسوط ١٠/ ١٢٣، والبدائع ٧/ ١١٠، ١١١، وابن
عابدين ٢٤٦/٤، ومواهب الجليل ٨/ ٢٨٢، الزرقاني=
- ١٨٢ -
ردّة ١٠ - ١٣
ما تقع به الردة :
١٠ - تنقسم الأمور التي تحصل بها الردة إلى
أربعة أقسام :
أ - ردة في الاعتقاد.
ب - ردة في الأقوال.
جـ ــ ردة في الأفعال.
د - ردة في الترك.
إلا أن هذه الأقسام تتداخل، فمن اعتقد
شیئا عبر عنه بقول، أو فعل، أو ترك.
مايوجب الردة من الاعتقاد:
١١ - اتفق الفقهاء على أن من أشرك بالله ، أو
جحده، أو نفى صفة ثابتة من صفاته، أو أثبت
لله الولد فهو مرتد كافر.(١)
وكذلك من قال بقدم العالم أوبقائه، أوشك
في ذلك. (٢) ودليلهم قوله تعالى: ﴿كل شيء
هالك إلا وجهه﴾ . (٣)
وقال ابن دقيق العيد: ( ... لأن حدوث
= ٦٨/٨، والشامل ٦٤٨/٦، والمغني ٨/ ٥٦٠، والإِقناع
٤ / ٣٠٤، وكشاف القناع ٦/ ١٨٠ ط الرياض.
(١) ابن عابدين ٢٢٣/٤، والقليوبي وعميرة ١٧٤/٤،
والشامل ١٧/٢، ومنح الجليل ٤/ ٤٦١، والدسوقي
٣٠٢/٤، والإِقناع ٢٩٧/٤، والإنصاف ٣٢٦/١٠،
المغني ٨/ ٥٦٥
(٢) منح الجليل ٤٦٢/٤، والشامل ١٠٢/٢، وكفاية الأخيار
٢٠٢/٢، والعدة ٤/ ٣٠٠
(٣) سورة القصص/ ٨٨
العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإِجماع والتواتر،
بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفر بسبب
مخالفته النقل المتواتر ... ). (١)
١٢ - ويكفر من جحد القرآن كله أو بعضه، (٢)
ولو كلمة. وقال البعض: بل يحصل الكفر
بجحد حرف واحد. (٣) كما يقع الكفر باعتقاد
تناقضه واختلافه، أو الشك بإعجازه، والقدرة
على مثله، أو إسقاط حرمته، (٤) أو الزيادة
(٥)
فیه ."
أما تفسیر القرآن وتأویله، فلا یکفر جاحده،
ولا راده، لأنه أمر اجتهادي من فعل البشر.
وقد نص ابن قدامة علی أن استحلال دماء
المعصومين وأموالهم، إن جرى بتأويل القرآن -
كما فعل الخوارج - لم يكفر صاحبه. (٦) ولعل
السبب أن الاستحلال جری باجتهاد خاطىء،
فلا یکفر صاحبه .
١٣ - وكذلك يعتبر مرتدا من اعتقد كذب
(١) العدة ٤/ ٣٠٠، وابن عابدين ٢٢٣/٤، والإقناع
٢٩٧/٤، والإنصاف ٣٢٧/١٠، والفروع ١٥٩/٢،
ومنار السبيل ٤٠٤/٢
(٢) ابن عابدين ٢٢٤/٤، ٢٣٠، والمغني ٥٤٨/٨، والإقناع
٢٩٧/٤، وفتاوى السبكي ٢/ ٥٧٧
(٣) الإعلام بقواطع الإِسلام ٤٢/٢، إقامة البرهان ص١٣٩
(٤) ابن عابدين ٢٢٢/٤
(٥) الفروع ١٥٩/٢، والإقناع ٢٩٧/٤، والآداب ٢٩٨/٢
(٦) المغني ٥٤٨/٨
- ١٨٣ -
ردّة ١٤ - ١٦
النبي ﴾ في بعض ما جاء به، ومن اعتقد حل
شيء مجمع على تحريمه، كالزنا وشرب الخمر،
أو أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة. (١)
حکم سب الله تعالى :
١٤ - اتفق الفقهاء على أن من سب الله تعالى
کفر، سواء كان مازحا أو جادا أو مستهزئا.(٢)
وقد قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما
كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله
كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد
إيمانكم﴾. (٣)
واختلفوا في قبول توبته:
فذهب الحنفية(٤) والحنابلة(٥) إلى قبولها،
وهو الراجح عند المالكية . (٦)
ولم نجد للشافعية تفرقة بين الردة بذلك وبین
الردة بغيره .
(١) ابن عابدين ٢٢٣/٤، ٢٢٤، ٢٣٠، والمغني ٥٤٨/٨،
والإقناع ٢٩٧/٤، وفتاوى السبكي ٢/ ٥٧٧
(٢) نيل الأوطار ١٩٤/٨ - ١٩٥، والسيف المشهور ورقة
(٢)، والمغني ٥٦٥/٨، والفروع ٢/ ١٦٠، والخرشي
٨/ ٧٤، والصارم المسلول ص٥٥٠، والشروط العمرية
ص١٤١
(٣) سورة التوبة / ٦٥ - ٦٦
(٤) ابن عابدين ٢٣٢/٤
(٥) المغني ٨/ ٥٦٥، والصارم المسلول ص ٥٥٠، ونقل ابن
مفلح قبول التوبة بشرط أن لا تتكرر منه ثلاثا (الفروع
٠ ٢ / ١٦٠).
(٦) الخرشي ٨/ ٧٤
حكم سب الرسول الجسم :
١٥ - السب هو الكلام الذي يقصد به الانتقاد
والاستخفاف، وهو مايفهم منه السب في عقول
الناس، على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن
والتقبيح. (١)
وحكم سابه قطر أنه مرتد بلا خلاف. (٢)
ويعتبر سابا له كل من ألحق به وَليس عيبا
أو نقصا، في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أوخصلة
من خصاله، أو ازدراه، أو عرّض به، أو
لعنه،(٣) أو شتمه، أو عابه، أو قذفه، أو
استخف به، ونحو ذلك. (٤)
هل يقتل الساب ردة أم حدا؟
١٦ - قال الحنفية(٥) والحنابلة(٦) وابن تيمية: (٧)
إن ساب النبي پڼ يعتبر مرتدا، کأي مرتد،
لأنه بدل دينه فیستتاب، وتقبل توبته .
أما الشافعية - فيما ينقله السبكي - فيرون أن
سب النبي 18َ ردة وزيادة، وحجتهم أن
(١) الصارم المسلول ص٥٥٦
(٢) ابن عابدين ٢٣٢/٤ - ٢٣٧، وفتاوى السبكي ٢/ ٥٧٣،
والسيف المسلول ٤ - ١١، ٧٩، والشروط العمرية
ص٢١٤، والشامل ٢/ ١٧١
(٣) السيف المسلول ورقة ٧٩
(٤) الشامل ٢/ ١٧١
(٥) ابن عابدين ٢٣٣/٤ - ٢٣٥، والسيف المشهور ورقة٢
(٦) الهداية للكلوذاني ورقة (٢٠٢).
(٧) الصارم المسلول ص٥٣، ٢٤٥، ٢٩٣، ٤٢٣، ٥٢٧
- ١٨٤ -
رِدّة ١٧ - ١٩
الساب كفَر أولا، فهو مرتد، وأنه سب
النبي ◌َّل﴿ فاجتمعت على قتله علتان كل منهما
توجب قتله . (١)
وصرح المالكية بأن ساب النبي وَل
لا يستتاب إلا أن يكون كافرا فيسلم. (٢)
حكم سب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
١٧ - من الأنبياء من هم محل اتفاق على
نبوتهم، فمن سبهم فكانما سب نبينا ێ وسابه
كافر، فكذا كل نبي مقطوع بنبوته، وعلى ذلك
اتفق الفقهاء. (٣)
وإن كان نبيا غير مقطوع بنبوته، فمن سبه
زجر، وأدب ونکل به، لكن لا يقتل، صرح
بهذا الحنفية . (٤)
حكم سب زوجات النبي ◌َّر:
١٨ - اتفق الفقهاء على أن من قذف عائشة
رضي الله عنها، فقد كذب صريح القرآن الذي
نزل بحقها، وهو بذلك كافر. (٥) قال تعالى في
(١) السيف المسلول ورقة (٢)، ومنار السبيل ٤٠٩/٢
(٢) الدسوقي ٤ /٣٠٩
(٣) ابن عابدين ٢٣٥/٤، والسيف المشهور ورقة (٢).
والشامل ٢/ ١٧١، والصارم المسلول ص ٥٧٠، والقليوبي
٤/ ١٧٥
(٤) السيف المشهور ورقة (٢).
(٥) ابن عابدين ٢٣٧/٤، وفتاوى السبكي ٥٥٢/٢،
والإقناع ٢٩٩/٤، والخرشي ٧٤/٨، والصارم المسلول
٥٧١
حديث الإفك بعد أن برأها الله منه: ﴿يعظكم
الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين). (١)
فمن عاد لذلك فليس بمؤمن. (٢).
وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النبي وَالر
ورضي الله عنهن؟ قال الحنفية والحنابلة في
الصحيح واختاره ابن تيمية: إنهن مثلها في
ذلك. (٣) واستدل لذلك بقوله تعالى:
﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات
والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك
مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق
کریم﴾ . (٤)
والطعن بهن يلزم منه الطعن بالرسول وله
والعار عليه، وذلك ممنوع. والقول الآخر وهو
مذهب الشافعية والرواية الأخرى للحنابلة :
إنہن ۔ سوی عائشة - کسائر الصحابة، وسابهن
يجلد، لأنه قاذف. (٥)
أما ساب الخلفاء فهو لا يكفر، وتوبته
مقبولة . (٦)
حكم من قال لمسلم يا كافر:
١٩ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال
(١) سورة النور/ ١٧
(٢) الصارم المسلول / ٥٧١
(٣) السيف المشهور ورقة (٢)، والسيف المسلول ورقة ٨٢،
والصارم المسلول ٥٧١
(٤) سورة النور/ ٢٦
(٥) أسنى المطالب ١١٧/٤، وانظر المراجع السابقة.
(٦) ابن عابدين ٢٣٦/٤ - ٢٣٧
- ١٨٥ -
ردّة ١٩ - ٢٠
رسول الله وَله: ((أيما امرىء قال لأخيه:
ياكافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا
رجعت عليه)). (١)
وقال الحنفية بفسق القائل. قال
السمرقندي: وأما التعزير فيجب في جناية
لیست بموجبة للحد، بأن قال: یا کافر، أو
یافاسق، أو یافاجر. (٢)
وقال الحنابلة من أطلق الشارع كفره، مثل
قوله يلر: ((من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما
يقول فقد كفر بما أنزل على محمد وَالثٍ)). (٣)
فهذا كفر لا يخرج عن الإِسلام بل هو
تشدید .
وقال الشافعية: من كفر مسلما ولو لذنبه
كفر، لأنه سمى الإِسلام كفرا، ولخبر مسلم :
((من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله ولیس
كذلك إلا حار عليه)) (٤). أي رجع عليه هذا إن
كفره بلا تأويل للكفر بكفر النعمة أو نحوه وإلا
فلا يكفر، وهذا ما نقله الأصل عن المتولي،
(١) حديث: ((أيما امرىء قال لأخيه: ياكافر ... )) أخرجه
مسلم (١/ ٧٩ - ط الحلبي).
(٢) تحفة الفقهاء ٢٣١/٣، الإقناع ٢٩٧/٤، والفروع
١٦١/٢
(٣) حديث: ((من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول
فقد ... )) أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٩ - ط اليمنية) من حديث
أبي هريرة، وقال الذهبي: «إسناده قوي» کذا في فيض
القدير (٢٣/٦ - ط المكتبة التجارية).
(٤) حديث: ((من دعا رجلا بالكفر ... )) أخرجه مسلم
(١/ ٨٠، ط الحلبي) من حديث أبي ذر.
وأقره، والأوجه ما قاله النووي في شرح مسلم
أن الخبر محمول على المستحل فلا يكفر غيره،
وعليه يحمل قوله في أذكاره أن ذلك يحرم تحریما
مغلظا . (١)
مايوجب الردة من الأفعال:
٢٠ - اتفق الفقهاء على أن إلقاء المصحف كله
في محل قذر يوجب الردة، لأن فعل ذلك
استخفاف بكلام الله تعالى، فهو أمارة عدم
التصديق . (٢)
وقال الشافعية والمالكية: وكذا إلقاء بعضه.
وكذا كل فعل يدل على الاستخفاف بالقرآن
الکریم. (٣)
كما اتفقوا على أن من سجد لصنم، أو
للشمس، أو للقمر فقد كفر. (٤)
ومن أتى بفعل صريح في الاستهزاء
بالإِسلام، فقد كفر. قال بهذا الحنفية(٥)
ودليلهم قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما
(١) أسنى المطالب ١١٨/٤ - ط المكتبة الإسلامية.
(٢) ابن عابدين ٢٢٢/٤، والقليوبي ١٧٤/٤، والإعلام
٣٨/٢، وكفاية الأخيار ٢/ ٢٠١، ومنار السبيل ٤٠٤/٢،
وشرح منح الجليل ٤/ ٤٦١، والخرشي ٦٢/٨
(٣) الإعلام ٣٨/٢، وشرح منح الجليل ٤/ ٤٦١، وشرح
الخرشي ٨/ ٦٢
(٤) ابن عابدين ٢٢٢/٤، القليوبي ١٧٤/٤، والإنصاف
٣٢٦/١٠، والشامل لبهرام ٢/ ١٧٠
(٥) ابن عابدين ٢٢٢/٤
- ١٨٦ -
ردة ٢١ - ٢٢
كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله،
كنتم تستهزئون﴾ . (١)
الردة لترك الصلاة :
٢١ - لا خلاف في أن من ترك الصلاة جاحدا لها
يكون مرتدا، (٢) وكذا الزكاة والصوم والحج،
لأنها من المجمع عليه المعلوم من الدين
بالضرورة . (٣)
وأما تارك الصلاة كسلا ففي حكمه ثلاثة
أقوال :
أحدها: يقتل ردة، وهي رواية عن أحمد وقول
سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم
النخعي، وأبي عمرو، والأوزاعي، وأيوب
السختياني، وعبدالله بن المبارك، وإسحاق بن
راهويه، وعبدالملك بن حبيب من المالكية، وهو
أحد الوجهين من مذهب الشافعي، وحكاه
الطحاوي عن الشافعي نفسه، وحكاه
أبو محمد بن حزم عن عمر بن الخطاب،
ومعاذ بن جبل، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي
هريرة، وغيرهم من الصحابة .
(١) سورة التوبة/ ٦٥
(٢) ابن القيم في كتابه: ((الصلاة وحكم تاركها)).
(٣) ابن عابدين ٣٥٢/١ -٣٥٣، ورسالة بدر الرشيد ورقة
(٨)، وعمدة القاري ٢٤/ ٨١، والإِنصاف ٤٠١/١،
٣٢٧/١٠، والمغني ٨/ ٥٤٧، والإقناع ١/ ٧١، ومنتهى
الإرادات ٥٢/١، ٢٩٩/٢
والقول الثاني: يقتل حدا لا كفرا، وهو قول
مالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد.(١)
والقول الثالث: أن من ترك الصلاة كسلا
يكون فاسقا ويحبس حتى يصلي، وهو المذهب
عند الحنفية . (٢)
جنايات المرتد والجناية عليه :
٢٢ - جنايات المرتد على غيره لا تخلو: إما أن
تكون عمدا أوخطأ، وكل منها، إما أن تقع
على مسلم، أو ذمي، أو مستأمن، أو مرتد
مثله .
وهذه الجنايات إما أن تكون على النفس
بالقتل، أو على ما دونها، كالقطع والجرح، أو
على العرض كالزنى والقذف، أو على المال
كالسرقة وقطع الطریق. وهذه الجنايات قد تقع
في بلاد الإِسلام، ثم يهرب المرتد إلى بلاد
الحرب، أولا يهرب، أو تقع في بلاد الحرب، ثم
ينتقل المرتد إلى بلاد الإِسلام.
وقد تقع منه هذه كلها في إسلامه، أوردته،
وقد يستمر على ردته أو يعود مسلما، وقد تقع منه
منفردا، أو في جماعة، أو أهل بلد.
ومثل هذا يمكن أن يقال في الجناية على
المرتد .
(١) كتاب الصلاة لابن القيم ٤٢، القليوبي وعميرة ٣١٩/١،
كفاية الأخيار ٢/ ٢٠٤، والمغني ٨/ ٤٤٤، والشرح الصغير
٢٣٨/١
(٢) ابن عابدين ٣٥٢/١ - ٣٥٣
- ١٨٧ -
ردّة ٢٣ - ٢٤
جناية المرتد على النفس :
٢٣ - إذا قتل مرتد مسلما عمدا فعليه
القصاص، اتفاقا . (١)
أما إذا قتل المرتد ذميا أو مستأمنا عمدا فيقتل
به عند الحنفية (٢) والحنابلة(٣) وهو أظهر قولي
الشافعي، (٤) لأنه أسوأ حالا من الذمي، إذ
المرتد مهدر الدم ولا تحل ذبیحته، ولا مناکحته،
ولا يقر بالجزية .
ولا يقتل عند المالكية وهو القول الآخر
للشافعي لبقاء علقة الإِسلام، لأنه لا يقر على
ردته . (٥)
وإذا قتل المرتد حرا مسلما أو ذميا خطأ وجبت
الدية في ماله، ولا تكون على عاقلته عند
الحنفية والشافعية والحنابلة.
والدية يشترط لها عصمة الدم لا الإِسلام
(١) الفتاوى الهندية ٢/٧، والبدائع ٢٣٣/٧، والمغني
٨/ ٢٥٥، ٥٥٤، والإقناع ٣٠٦/٤، والهداية للكلوذاني
٢٠٢، والأم ١٥٣/٦، ومنح الجليل ٤٦٧/٤، والخرشي
٦٦/٨
(٢) المسلم يقتل بالذمي عند الحنفية، فمن باب أولى أن يقتل
به المرتد.
البدائع ٢٣٧/٧، والفتاوى الهندية ٣/٧
(٣) المغني ٨/ ٢٥٥، والإقناع ٤/ ١٧٥
(٤) الأم ٦/ ٣٣، وعدم المكافأة، يتأتى من أن المرتد لا يقر على
ردته، بل يحمل على الإِسلام، والشامل لابن الصباغ
١٤/٦، ومغني المحتاج ١٦/٤
(٥) الشامل لبهرام ٨/ ٧١، والخرشي ٦٦/٨، ومنح الجليل
٤ / ٤٦٧، ومغني المحتاج ١٦/٤
عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لأنه قد حل
دمه وصار بمنزلة أهل الحرب . (١)
وقال المالكية: بأن الضمان على بيت المال
لأن بیت المال یأخذ أرش الجناية عليه ممن جنى
فكما يأخذ ماله يغرم عنه. وهذا إن لم يتب. فإن
تاب فقيل : في ماله ، وقيل : على عاقلته ،
وقيل: على المسلمين، وقيل: على من
ارتد إليهم. (٢)
جناية المرتد على مادون النفس :
٢٤ - قال المالكية: لا فرق في جناية المرتد بين ما
إذا كانت على النفس أو على مادونها، ولا يقتل
المرتد بالذمي، وإنما عليه الدية في ماله لزيادته
على الذمي بالإِسلام الحكمي .
وقال ابن قدامة: يقتل المرتد بالمسلم
والذمي. وإن قطع طرفا من أحدهما فعلیه
القصاص فيه أيضا.
وقال بعض أصحاب الشافعي : لا يقتل
المرتد بالذمي ولا يقطع طرفه بطرفه، لأن أحكام
الإِسلام في حقه باقية بدليل وجوب العبادات
عليه ومطالبته بالإِسلام .
(١) المبسوط ١٠٨/١، وابن عابدين ٢٥٢/٤، والشامل لابن
الصباغ ٦٦/٦، والأم ١٥٣/٦، والمغني ٨/ ٥٥٤،
والإقناع ٣٠٦/٤
(٢) الخرشي ٦٦/٨، والبدائع ٢٥٢/٧، والشامل لبهرام
١٧١/٢
- ١٨٨ -
ڕِدّة ٢٥ - ٢٩
قال ابن قدامة: ولنا: أنه كافر فيقتل بالذمي
كالأصلي.
وفي مغني المحتاج: الأظهر قتل المرتد بالذمي
لاستوائهما في الكفر. بل المرتد أسوأ حالا من
الذمي لأنه مهدر الدم فأولى أن يقتل
بالذمي .(١)
زنى المرتد :
٢٥ - إذا زنى مرتد أو مرتدة وجب عليه الحد،
فإن لم يكن محصنا جلد. وإن كان محصنا ففي
زوال الإحصان بردته خلاف. أساسه الخلاف
في شروط الإِحصان، هل من بينها الإِسلام
أم لا؟
قال الحنفية والمالكية: من ارتد بطل
إحصانه، إلا أن يتوب أو يتزوج ثانية. (٢)
وقال الشافعية والحنابلة وأبویوسف: إن الردة
لا تؤثر في الإِحصان، لأن الإِسلام ليس من
شروط الإِحصان. (٣)
(١) العدوي على الخرشي ٨/ ٦٦، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٧،
والمواق بهامش الخطاب ٢٨٢/٦، والمغني ٧/ ٦٥٧ - ٦٥٨
و٨/ ١٤٩، ومغني المحتاج ١٦/٤ - ١٧، والمهذب
٢٢٥/٢، وينظر البدائع ٧/ ١٣٧ - ٢٣٦، ٢٥٣
(٢) التحفة ٢١٥/٣، والخرشي ٦٨/٨، ومنح الجليل
٤/ ٤٧٢
(٣) الشامل للصباغ ١٥/٦، وكفاية الأخيار ١٧٩/٢،
والإنصاف ٣٣٧/١٠، والهداية للكلوذاني ٢٠٤، والتحفة
٢١٥/٣
قذف المرتد غيره :
٢٦ - إذا قذف المرتد غيره، وجب عليه الحد
بشروطه، إلا أن يحصل منه ذلك في دار الحرب،
حيث لا سلطة للمسلمين. والقضية مبنية على
شرائط القذف، وليس من بينها إسلام
القاذف.(١)
إتلاف المرتد المال :
٢٧ - إذا اعتدی مرتد على مال غيره - في بلاد
الإِسلام - فهو ضامن بلا خلاف. لأن الردة
جناية، وهي لا تمنح صاحبها حق الاعتداء. (٢)
السرقة وقطع الطريق :
٢٨ - إذا سرق المرتد مالا، أو قطع الطريق، فهو
كغيره مؤاخذ بذلك، لأنه ليس من شرائط
السرقة أو قطع الطريق الإِسلام. لذا فالمسلم
والمرتد في ذلك سواء. (٣)
مسئولية المرتد عن جناياته قبل الردة :
٢٩ - إذا جنى مسلم على غيره، ثم ارتد الجاني
(١) البدائع ٧/ ٤٠، ٤٥، والخرشي ٨/ ٦٦، وكفاية الأخيار
١٨٤/٢
(٢) ابن عابدين ٢٥٢/٤، والكافي ١٦٣/٣، والخرشي
المالكي ٦٦/٨، والشامل ٦/ ٦٠٢، والهداية للكلوذاني
٢٠٢، والشامل لابن الصباغ ٦/ ١٠٢
(٣) ابن عابدين ٢٥٢/٤
- ١٨٩ -
ردة ٣٠ - ٣١
يكون مؤاخذا بكل ما فعل سواء استمر على
ردته أو تاب عنها . (١)
الارتداد الجماعي :
٣٠ - المقصود بالارتداد الجماعي: هو أن تفارق
الإِسلام جماعة من أهله، أو أهل بلد. كما
حدث على عهد الخليفة الراشد أبي بكر رضي
الله عنه .
فإن حصل ذلك، فقد اتفق الفقهاء على
وجوب قتالهم مستدلین بما فعله أبوبكر رضي الله
عنه بأهل الردة. (٢)
ثم اختلفوا بمصير دارهم على قولين:
الأول للجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة
وأبويوسف ومحمد من الحنفية): إذا أظهروا
أحكام الشرك فيها، فقد صارت دارهم دار
حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا، أو إليهم
باعتبار القوة والغلبة. فكل موضع ظهر فيه
أحكام الشرك فهودار حرب، وكل موضع كان
الظاهر فيه أحكام الإِسلام، فهو دار إسلام.
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إنما تصير دار
المرتدين دار حرب بثلاث شرائط :
(١) المبسوط ١٠٨/١، وابن عابدين ٢٥٢/٤، الأم
١٥٣/٦، والشامل لابن الصباغ ١٤/٦، والإقناع
٤/ ١٧٥ (وقد قال بقتل المرتد، تقدمت ردته، أو
تأخرت)، منح الجليل ٤ / ٤٦٧، والمغني ٨/ ٥٦٤
(٢) المبسوط ١١٣/١٠، والأم ٦/ ٣٢، ونيل الأوطار ٢١٨/٧
أولا : أن تكون متاخمة أرض الشرك، لیس بينها
وبین أرض الحرب دار للمسلمين.
ثانيا: أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه،
ولا ذمي آمن بأمانه .
ثالثا: أن يظهروا أحكام الشرك فيها .
فأبو حنيفة يعتبر تمام القهر والقوة، لأن هذه
البلدة كانت من دار الإِسلام، محرزة للمسلمين
فلا يبطل ذلك الإِحراز، إلا بتمام القهر من
المشركين، وذلك باستجماع الشرائط
الثلاث). (١)
الجناية على المرتد :
٣١ - اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد مسلم فقد
أهدر دمه، لكن قتله للإِمام أو نائبه، ومن قتله
من المسلمین عزر فقط، لأنه افتات على حق
الإِمام، لأن إقامة الحد له. (٢)
وأما إذا قتله ذمي، فذهب الجمهور (الحنفية
والمالكية والحنابلة والشافعية في الأظهر) إلى أنه
لا يقتص من الذمي .
وذهب الشافعية في القول الآخر إلى أنه.
يقتص من الذمي. (٣)
(١) المبسوط ١١٣/١٠، وابن عابدين ١٧٤/٤، والمغني
٨/ ٥٥٤، واختلاف الأئمة ٢٧٠، والإفصاح ٣٤٨
(٢) المبسوط ١٠٦/١٠، والفتاوى الهندية ٣/٧، والأم
١٥٤/٦، والإنصاف ٤٦٢/٩، والهداية لأبي الخطاب
٢٠٣، والشامل لبهرام ١٥٨/٢
(٣) الشامل لبهرام ١٥٨/٢، منح الجليل ٤/ ٣٤٤، =
- ١٩٠ -
ردّة ٣٢ - ٣٥
الجناية على المرتد فيما دون النفس :
٣٢ - اتفق الفقهاء على أن الجناية على المرتد
هدر، لأنه لا عصمة له. (١)
أما إذا وقعت الجنایة علی مسلم ثم ارتد
فسرت ومات منها، أووقعت على مرتد ثم أسلم
فسرت ومات منها ففيها أقوال(٢) تنظر في باب
((القصاص)) من كتب الفقه.
قذف المرتد :
٣٣ - اتفق الفقهاء على عدم وجوب الحد
على قاذف المرتد، لأن من شروط وجوب
حد القذف: أن يكون المقذوف مسلما. (٣)
والتفصيل في مصطلح : (قذف)
ثبوت الردة :
٣٤ - تثبت الردة بالإِقرار أو بالشهادة.
وتثبت الردة عن طريق الشهادة، بشرطين:
أ - شرط العدد :
اتفق الفقهاء على الاكتفاء بشاهدين في
= الإنصاف ٤٦٢/٩، البدائع ٢٣٦/٧، مغني المحتاج
٤ /١٥، ١٦، ١٧
(١) المبسوط ١٠٦/١٠، والفتاوى الهندية ٣/٧، الأم
٦/ ١٥٤، الإنصاف ٤٦٢/٩، الشامل لبهرام ١٥٨/٢
(٢) ١٠٧/١٠، البدائع ٢٥٣/٧، والشامل ١٥٩/٢،
والمغني ٨/ ٢٥٣
(٣) البدائع ٧/ ٤٠، والتحفة ٢٢٥/٣، وكفاية الأخيار
١٨٤/٢، والإنصاف ٢٠٢/١٠، الأم ٦/ ١٥١
ثبوت الردة، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن، فإنه
اشترط شهادة أربعة . (١)
ب - تفصيل الشهادة :
يجب التفصيل في الشهادة على الردة بأن
يبين الشهود وجه كفره، نظرا للخلاف في
موجباتها، وحفاظا على الأرواح. (٢)
والتفصيل في مصطلح: (إثبات، وشهادة).
وإذا ثبتت الردة بالإِقرار وبالشهادة فإنه
يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وإن أنكر المرتد ماشهد به عليه اعتبرإنكاره
توبة ورجوعا عند الحنفية فيمتنع القتل في
حقه، (٣) وعند الجمهور: يحكم عليه بالشهادة
ولا ينفعه إنكاره، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به
الكافر مسلما . (٤)
استتابة المرتد
حكمها :
٣٥ - ذهب أبو حنيفة والشافعي - في قول - وأحمد
في رواية والحسن البصري إلى أن استتابة المرتد
غير واجبة. بل مستحبة كما يستحب الإِمهال،
إن طلب المرتد ذلك، فيمهل ثلاثة أيام . (٥)
(١) المغني ٨/ ٥٥٧
(٢) منح الجليل ٤ / ٤٦٥، الخرشي ٨/ ٦٤
(٣) ابن عابدين ٤/ ٢٤٦
(٤) مغني المحتاج ١٣٨/٤، المغني ٨/ ١٤٠
(٥) التحفة ٥٣٠/٣، والبدائع ١٣٤/٧، والمبسوط
٩٨/١٠، وابن عابدين ٢٢٥/٤
- ١٩١ -
ردّة ٣٦
وعند مالك تجب الاستتابة ويمهل ثلاثة
أیام .
وهو المذهب عند الحنابلة، (١) وعند الشافعي
في أظهر الأقوال يجب الاستتابة وتكون في الحال
فلا يمهل. (٢)
وثبتت الاستتابة بما ورد ((أن امرأة يقال لها أم
رومان ارتدت فأمر النبي ◌َّ ر أن يعرض عليها
الإِسلام فإن تابت وإلا قتلت)). (٣) ولأثرٍ عن
عمر رضي الله عنه أنه استتاب المرتد ثلاثا. (٤)
كيفية توبة المرتد :
٣٦ - قال الحنفية: توبة المرتد أن يتبرأ عن
الأدیان سوی الإِسلام، أو عما انتقل إليه بعد
نطقه بالشهادتين، ولو أتى بالشهادتين على وجه
(١) لطائف الإشارات ١٣٦، وتفسير القرطبي ٤٧/٣، ورحمة
الأمة ٢٦٩، والخرشي ٨/ ٦٥، ومنح الجليل ٤/ ٤٦٥،
والشامل لبهرام ١٧/٢، والإنصاف ٣٢٨/١٠، وهداية
الراغب ٥٣٨، ومنار السبيل ٤٠٥/٢
(٢) الأم ٦/ ٣٢، والمهذب ٢٢٣/٢، ومغني المحتاج
٤/ ١٣٩، ١٤٠
(٣) حديث: ((ورد أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدّت)).
أخرجه الدارقطني (١١٨/٣ - ط دار المحاسن) وضعف
إسناده ابن حجر في التلخيص (٤٩/٤ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(٤) المراجع السابقة .
العادة أوبدون التبري لم ینفعه ما لم يرجع عما قال
إذ لا يرتفع بهما كفره.
قالوا: إن شهد الشاهدان على مسلم بالردة
وهو منکر لا یتعرض له لا لتکذیب الشهود، بل
لأن إنكاره توبة ورجوع، فيمتنع القتل فقط
وتثبت بقية أحكام الردة.
قال ابن عابدين: ويحتمل أن يكون الإِنکار
مع الإِقرار بالشهادتين. (١)
وإذا نطق المرتد بالشهادتين: صحت توبته
عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة، (٢) لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا
الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على
الله)). (٣) متفق عليه. وحيث إن الشهادة يثبت
بها إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد. فإذا ادعى
المرتد الإِسلام، ورفض النطق بالشهادتين، لا
(١) ابن عابدين ٤/ ٢٤٦
(٢) المبسوط لمحمد ١٤٣، المبسوط السرخسي ١١٢/١٠،
وابن عابدين ٢٢٦/٤ وقال: (يكفي للآخرة التشهد،
وللدنيا التبري مما كان يعتقد) والشامل لابن الصباغ
١٧١/٢، والإنصاف ٣٣٥/١، والإقناع ٣٠٣/٤،
وهداية الراغب ٥٣٨، والكافي ٣/ ١٦٠
(٣) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
الله ... )). رواه مسلم (١/ ٥٢، ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه
- ١٩٢ -
........
ردّة ٣٦ - ٣٧
تصح توبته. (١)
وصرح الحنابلة بأن المرتد إن مات، فأقام
وارثه بينة أنه صلى بعد الردة: حكم
بإسلامه. (٢) ويؤخذ من ذلك أنه تحصل توبة
المرتد بصلاته .
وقال الشافعية والحنابلة : لا بد من إسلام
المرتد من الشهادتين فإن كان كفره لإنكار شيء
آخر، كمن خصص رسالة محمد بالعرب أو
جحد فرضا أو تحريماً فيلزمه مع الشهادتين
الإِقرار بما أنکر. (٣).
قال الحنابلة : ولو صلى المرتد حكم بإسلامه
إلا أن تکون ردته بجحد فریضة، أو کتاب، أو
نبي، أوملك، أو نحو ذلك من البدع المكفرة
التي ينتسب أهلها إلى الإِسلام، فإنه لا يحكم
بإسلامه بمجرد صلاته، لأنه يعتقد وجوب
الصلاة ويفعلها مع كفره. وأما لوزكى أو صام
فلا يكفي ذلك للحکم بإسلامه، لأن الكفار
يتصدقون، والصوم أمر باطن لا يعلم. (٤)
واختلف الفقهاء في قبول توبة الزنديق،
وتوبة من تكررت ردته، وتوبة الساحر على
أقوال ينظر تفصيلها في مصطلح : (توبة).
(١) الإقناع ٣٠٣/٤
(٢) الإنصاف (١٠/ ٣٣٧ - ط - ١٩٥٧)
(٣) أسنى المطالب ٤/ ١٢٤، والإنصاف ٣٣٥/١٠، ٣٣٦
(٤) المغني ١٤٤/٨ ط ٣
توبة ساب الله تعالى أو رسوله اليه :
٣٧ - قال الحنفية بقبول توبة ساب الله
تعالى. (١) وكذا الحنابلة، مع ضرورة تأديب
الساب وعدم تكرر ذلك منه ثلاثا. (٢)
وفي المذهب المالكي خلاف، والراجح عندهم
قبول توبته، وهو رأي ابن تيمية.(٣)
أما ساب رسول الله صلّ فقد ذهب
الحنفية، (٤) والحنابلة إلى قبول توبته. (٥)
وقال الشافعية: تقبل توبة قاذفه پللز على
الأصح، وقال أبوبكر الفارسي : يقتل حدًا ولا
يسقط بالتوبة، وقال الصيدلاني : یجلد ثمانين
جلدة ، لأن الردة ارتفعت بإسلامه وبقي
جلده. (٦)
وفي قول عند الحنابلة : لا تقبل توبته . (٧)
وقال المالكية: من شتم نبيا مجمعا على نبوته
بقرآن أو نحوه فإنه يقتل ولا تقبل توبته، لأن
كفره یشبه کفر الزندیق، ويقتل حدا لا کفرا إن
قتل بعد توبته لأن قتله حينئذ لأجل إزدرائه لا
لأجل كفره. (٨)
(١) السيف المشهور ورقة (٢)، وابن عابدين ٢٣٢/٤
(٢) المغني ٨/ ٥٦٥، والفروع ١٦٠/٢
(٣) الخرشي ٨/ ٧٤، والصارم المسلول ٥٥٠
(٤) ابن عابدين ٢٣٣/٤، والسيف المشهور (٢)
(٥) الهداية لأبي الخطاب ورقة (٢٠٢)، والصارم المسلول
٥٣، ٢٤٥، ٢٩٣، ٤٢٣، ٥٢٧
(٦) السيف المسلول ورقة (٢) ومغني المحتاج ١٤١/٤
(٧) منار السبيل ٤٠٩/٢
(٨) الخرشي ٨/ ٧٠
- ١٩٣ -
٠
ردّة ٣٨ - ٤٠
توبة من تكررت ردته :
٣٨ -من تكررت ردته وتوبته قال الأحناف
والشافعية: تقبل توبته. (١) لقوله تعالى: ﴿قل
للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد
سلف﴾(٢) وقول النبي وقال: ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يشهدوا أن إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا
فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا
بحق الإِسلام وحسابهم على الله)). (٣)
وفي قول عند الحنفية ورواية عند الحنابلة :
توبة من تكررت ردته لا تقبل . (٤)
وحجتهم قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم
كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن
الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾. (٥)
(١) المبسوط لمحمد ١٤٤، وقال ابن عابدين (٢٢٥/٤): تقبل
توبته، لكنه يعذب في كل مرة، ويحبس. وقال الكرخي:
هذا قول أصحابنا جميعا، وأسنى المطالب ١٢٢/٤، والأم
١٤٧/٦ - ١٤٨، والشامل لابن الصباغ ١٤٨/١٠،
والسيف المسلول ٢٩
(٢) سورة الأنفال / ٣٨
(٣) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس ... )). أخرجه البخاري
(الفتح ١/ ٧٥ - ط. السعادة) من حديث أبي هريرة.
(٤) ابن عابدين ٢٢٥/٤، والمغني ٥٤٣/٨، والكافي
(١٥٩/٣)، وهداية الراغب ٤٣٩، ومنار السبيل
٤٠٩/٢، ولم نجد عند المالكية تعرضا لهذه المسألة، وقد
نسب إليهم في المغنى وحاشية ابن عابدين القول بعدم قبول
توبة من تكررت ردته .
(٥) سورة النساء/ ١٣٧
ولأن تكرار الردة، دليل على فساد العقيدة،
وقلة المبالاة. (١)
توبة الساحر :
٣٩ - قال الحنفية والشافعية: بعدم قبول توبة
الساحر، وعن أحمد روايتان(٢) (وانظر
مصطلحي : توبة، وسحر).
قتل المرتد :
٤٠ - إذا ارتد مسلم، وكان مستوفيا لشرائط
الردة، أهدر دمه، وقتله للإِمام أو نائبه بعد
الاستتابة. (٣) فلوقتل قبل الاستتابة فقاتله
مسيء، ولا يجب بقتله شيء غير التعزير، إلا أن
يكون رسولا للكفار فلا يقتل، لأن النبي وَل9 لم
يقتل رسل مسيلمة. (٤) فإذا قتل المرتد على
(١) منار السبيل ٤٠٩/٢
(٢) رسالة بدر الرشيد مخطوطة، وابن عابدين ٤/ ٢٤٠، وقد
فصل فقال: يكفر الساحر بتعلمه السحر وفعله، فإن لم
يعتقده، لا يكفر، كأن يستعمله للتجربة. ورحمة الأمة
٢٦٧، والمغني ١٥٣/٨ ط٣
- (٣) المبسوط ١٠٦/١٠، والأم ٦/ ١٥٤، والشامل لابن
الصباغ ١٠١/١، والإنصاف ٤٦٢/٩، والشامل لبهرام
١٥٨/٢
(٤) الفروع ١٥٩/٢، وابن عابدين ٤/ ٦٦٨
وحديث أن النبي ( لم يقتل رسل مسيلمة ...
ورد من قوله {# من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي
لرسولي مسيلمة: ((أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت
أعناقکما)».
أخرجه أبو داود (١٩٢/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
وإسناده حسن.
- ١٩٤ -
ردّة ٤٠ - ٤١
ردته، فلا یغسل، ولا یصلی علیه، ولا يدفن
مع المسلمين. (١)
ودليل قتل المرتد قول النبي قال: ((من بدل
دينه فاقتلوه))(٢) وحديث: ((لا يحل دم امرىء
مسلم یشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا
بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني
والتارك لدينه المفارق للجماعة)). (٣)
- أما المرتدة فهي عند جمهور الفقهاء
كالمرتد، (٤) لعموم قوله وَلچور: «من بدل دينه
فاقتلوه))، ولما روى جابر ((أن امرأة يقال لها (أم
رومان) ارتدت فأمر النبي لم أن يعرض عليها
الإِسلام فإن تابت وإلا قتلت)). (٥)
وذهب الحنفية إلى أن المرتدة لا تقتل، بل
تحبس حتى تتوب أو تموت، لنهي النبي ◌َّ عن
قتل الكافرة التي لا تقاتل أو تحرض على
(١) كفاية الأخيار ٢٠٤/٢
(٢) حديث: من بدل دينه فاقتلوه)). أخرجه البخاري (الفتح
٢٦٧/١٢ - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا
اله» .
أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٢٠١ - ط السلفية) من
حديث ابن مسعود.
(٤) مغني المحتاج ١٣٩/٤، والمغني لابن قدامة ١٢٣/٨ ط
الرياض، والدارقطني ١١٩/٣
(٥) حدیث: ورد أن أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت سبق
تخريجه ف٣٥
القتال، (١) فتقاس المرتدة عليها. (٢)
أثر الردة على مال المرتد وتصرفاته
ديون المرتد :
٤١ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
المرتد إذا مات أوقتل على ردته ابتدىء من تركته
بتسديد دیونه .(٣) لکن هل يسدد من کسبه في
الإِسلام؟ أم من كسبه في الردة؟ أم منهما معا؟
اختلف الحنفية في ذلك بناء على اختلافهم
X
في مصير أموال المرتد وتصرفاته، وفي ذلك يقول
السرخسي : اختلفت الروايات في قضاء دیونه،
فروى أبويوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنه
(١) حديث: نهى النبي ◌َّر عن قتل الكافرة التي لا تقاتل أو
تحرض على القتال)».
ورد في حدیث رباح بن ربيع قال: کنا مع رسول اللهێ
في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا
فقال: انظر علام اجتمع هؤلاء، فجاء فقال: على امرأة
قتيل، فقال: ((ماكانت هذه لتقاتل)). قال: وعلى المقدمة
خالد بن الوليد، فبعث رجلا، فقال: ((قل لخالد لا يقتلن
امرأة ولا عسيفا)).
أخرجه أبو داود (١٢١/٣ - ١٢٢ - تحقيق عزت عبيد
دعاس)، وأخرجه الحاكم (١٢٢/٢ - ط دائرة المعارف
العثمانية) مطولا، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) المبسوط ١٠٨/١٠، ١٠٩، والبدائع ١٣٥/٧، والتحفة
٤/ ٥٣٠، وابن عابدين ٢٤٧/٤، والزرقاني على الموطأ
٢٩٥/٢
(٣) المبسوط لمحمد ١٤٢، والمهذب ٢/ ٢٢٤، ومغني المحتاج
١٤٢/٤، والإنصاف ٣٤٢/١٠، والمغني ٥٤٥/٨
- ١٩٥ -
رِدّة ٤٢ - ٤٣
...
أن تقضي دیونه من کسب الردة، فإن لم يف
بذلك فحينئذ من کسب الإِسلام، لأن کسب
الإِسلام حق ورثته، ولا حق لورثته في کسب
ردته، بل هو خالص حقه، فلهذا کان فیئا إذا
قتل، فکان وفاء الدین من خالص حقه أولى ،
وروی الحسن عن أبي حنيفة أنه يبدأ بکسب
الإِسلام في قضاء ديونه، فإن لم تف بذلك
فحينئذ من کسب الردة، لأن قضاء الدين من
ملك المديون ... فأما كسب الردة لم يكن
مملوكا له، فلا يقضى دينه منه، إلا إذا تعذر
قضاؤه من محل آخر . .
وروی زفر عن أبي حنيفة أن دیون إسلامه
تقضى من كسب الإِسلام، وما استدان في الردة
يقضى من كسب الردة، لأن المستحق للكسبين
مختلف، وحصول کل واحد من الکسبین باعتبار
السبب الذي وجب به الدین، فیقضی کل دین
من الكسب المكتسب في تلك الحالة، ليكون
الغرم بمقابلة الغنم، وبه قال زفر. وإن لم یکن
له مال اكتسبه في ردته، كان ذلك كله فيه، لأنه
کسبه فیکون مصروفا إلی دینه، ککسب
المكاتب. (١)
٤٢ - وإذا أقر المرتد بدين عليه فأبوحنيفة يقول:
(١) المبسوط ١٠٦/١٠، والبدائع ١٣٩/٧، وابن عابدين
٢٤٨/٤
إن أسلم جاز، أما إن قتل على ردته، فلا يجوز
إقراره إلا على ما اكتسبه بعد ردته. أما
أبويوسف فيرى أن إقراره كله جائز إن قتل
مرتدا، أوتاب، وعند محمد إن قتل على ردته
أومات، فإن إقراره بمنزلة إقرار المريض، (١)
يبتدأ أولا بدین الإِسلام، فإن بقی شيء كان
لأصحاب ديون الردة. لأن المرتد إذا أهدر دمه
صار بمنزلة المريض . (٢)
وذهب الشافعي إلى اعتبار إقرار المرتد عما
قبل الردة وخلالها، مالم يوقف تصرفه، فقد قال
الشافعي : وكذلك كل ما أقربه قبل الردة
لأحد، قال: وإن لم يعرف الدین ببينة تقوم، ولا
بإقرار منه متقدم للردة، ولم يعرف إلا بإقرار منه
في الردة فإقراره جائز عليه وما دان(٣) في الردة،
قبل وقف ماله لزمه، وما دان بعد وقف ماله،
فإن کان من بیع رد البیع، وإن كان من سلف
وقف، فإن مات على الردة بطل، وإن رجع إلى
الإِسلام لزمه . (٤)
أموال المرتد وتصرفاته :
٤٣ - ذهب المالكية والحنابلة - غير أبي بكر -
(١) المقصود مرض الموت، فلا ينفذ إقراره إلا من الثلث.
(٢) المبسوط لمحمد ١٧٧، والتحرير مخطوطة غير مرقمة ج٢
(٣) دان تأتي بمعنى استدان كما في القاموس.
(٤) الأم ٦/ ١٥٣
- ١٩٦ -
رِدّة ٤٣
والشافعية في الأظهر، وأبو حنيفة إلى أن ملك
المرتد لا یزول عن ماله بمجرد ردته، وإنما هو
موقوف علی مآله فإن مات أو قتل على الردة زال
ملکه وصار فیئا، وإن عاد إلى الإِسلام عاد إليه
ماله، لأن زوال العصمة لا يلزم منه زوال
الملك، ولاحتمال العود إلى الإِسلام.
وبناء على ذلك يحجر عليه ويمنع من
التصرف، ولو تصرف تكون تصرفاته موقوفة فإن
أسلم جاز تصرفه، وإن قتل أومات بطل تصرفه
وهذا عند المالكية والحنابلة وأبي حنيفة .
وفصل الشافعية فقالوا: إن تصرف تصرفا
يقبل التعليق كالعتق والتدبير والوصية كان
تصرفه موقوفا إلی أن یتبین حاله، أما التصرفات
التي تكون منجزة ولا تقبل التعليق كالبيع والهبة
والرهن فهي باطلة بناء على بطلان وقف
العقود، وهذا في الجدید، وفي القديم تكون
موقوفة أيضا كغيرها.
وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول عند الشافعية :
لا یزول ملکه بردته، لأن الملك کان ثابتا له
حالة الإِسلام لوجود سبب الملك وأهليته وهي
الحرية، والكفر لا ينافي الملك کالکافر الأصلي،
وبناء على هذا تکون تصرفاته جائزة کما تجوز من
المسلم حتى لوأعتق، أودبر، أو كاتب، أو
باع، أو اشتری، أو وهب نفذ ذلك كله، إلا أن
أبايوسف قال: يجوز تصرفه تصرف الصحيح،
أما محمد فقال: يجوز تصرفه تصرف المريض
مرض الموت، لأن المرتد مشرف على التلف،
لأنه يقتل فأشبه المريض مرض الموت.
وقد أجمع فقهاء الحنفية على أن استيلاد
المرتد وطلاقه وتسلیمه الشفعة صحیح ونافذ،
لأن الردة لا تؤثر في ذلك.
والقول الثالث: عند الشافعية - وصححه
أبو إسحاق الشيرازي - وهو قول أبي بكر من
الحنابلة أن ملكه يزول بردته لزوال العصمة
بردته فماله أولی، ولما روی طارق بن شهاب أن
أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال لوفد
بزاخة وغطفان: نغنم ما أصبنا منكم وتردون
إلينا ما أصبتم منا، ولأن المسلمين ملكوا دمه
بالردة فوجب أن یملکوا ماله.
وعلى هذا فلا تصرف له أصلا لأنه لا ملك
له.
وما سبق إنما هو بالنسبة للمرتد الذكر باتفاق
الفقهاء وهو كذلك بالنسبة للمرتدة الأنثی عند
المالكية والشافعية والحنابلة .
وعند الحنفية لا يزول ملك المرتدة الأنثى عن
أموالها بلا خلاف عندهم فتجوز تصرفاتها، لأنها
لاتقتل فلم تكن ردتها سببا لزوال ملكها عن
أموالها . (١)
(١) البدائع ١٣٦/٧ - ١٣٧، وجواهر الإكليل ٣٥/١
و٢٧٩/٢، والمدونة ٣١٨/٢، والدسوقي ٣٠٧/٤،
والخطاب ٢٨٤/٦، ومغني المحتاج ١٤٢/٤ - ١٤٣،
والمهذب ٢٢٤/٢، والمغني ١٢٨/٨ - ١٢٩، وكشاف
القناع ٦/ ١٨١ - ١٨٢
- ١٩٧ -
ردّة ٤٤ - ٤٦
٠٠.
أثر الردة على الزواج :
٤٤ - اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد
الزوجين حيل بينهما فلا يقربها بخلوة ولا جماع ولا
نحوهما. ثم قال الحنفية: إذا ارتد أحد الزوجين
المسلمین بانت منه امرأته مسلمة كانت أو
كتابية، دخل بها أولم يدخل، لأن الردة تنافي
النكاح ويكون ذلك فسخا عاجلا لا طلاقا ولا
يتوقف على قضاء.
ثم إن كانت الردة قبل الدخول وکان المرتد
هو الزوج فلها نصف المسمى أو المتعة، وإن
كانت هي المرتدة فلا شيء لها.
وإن کان بعد الدخول فلها المهر کله سواء
كان المرتد الزوج أو الزوجة . (١)
وقال المالكية في المشهور: إذا ارتد أحد
الزوجين المسلمين كان ذلك طلقة بائنة، فإن
رجع إلى الإِسلام لم ترجع له إلا بعقد جديد،
مالم تقصد المرأة بردتها فسخ النكاح، فلا
ينفسخ، معاملة لها بنقيض قصدها.
1
وقيل: إن الردة فسخ بغير طلاق. (٢)
وقال الشافعية: إذا ارتد أحد الزوجين
المسلمين فلا تقع الفرقة بينهما حتى تمضي عدة
الزوجة قبل أن يتوب ويرجع إلى الإِسلام، فإذا
(١) المبسوط السرخسي ٤٩/٥ والدر وابن عابدين ٣٩٢/٢،
وبدائع الصنائع ١٣٦/٧
(٢) الشرح الكبير والدسوقي ٢/ ٢٧٠، والشامل لبهرام
١٧١/٢
انقضت بانت منه، وبينونتها منه فسخ لا طلاق،
وإن عاد إلى الإِسلام قبل انقضائها فهي
امرأته . (١)
وقال الحنابلة: إذا ارتد أحد الزوجين قبل
الدخول انفسخ النكاح فورا وتنصّف مهرها إن
كان الزوج هو المرتد، وسقط مهرها إن كانت
هي المرتدة.
ولو كانت الردة بعد الدخول ففي رواية تنجز
الفرقة. وفي أخرى تتوقف الفرقة على انقضاء
العدة . (٢)
حكم زواج المرتد بعد الردة:
٤٥ - اتفق الفقهاء على أن المسلم إذا ارتد ثم
تزوج فلا يصح زواجه، لأنه لا ملة له، فلیس
له أن يتزوج مسلمة، ولا كافرة، ولا
مرتدة. (٣)
مصير أولاد المرتد :
٤٦ - من حمل به في الإِسلام فهو مسلم، وكذا
من حمل به في حال ردة أحد أبويه والآخر
مسلم، قال بذلك الحنفية والشافعية، لأن بداية
(١) الأم ٦ / ١٤٩، ١٥٠
(٢) المحرر ٣٠/٢، والمغني ٩٩/٨، ومنتهى الإرادات
١٩٨/٢
(٣) المبسوط ٤٨/٥، والأم ٥/ ٥١، ١١٥/٦، والمغني
٥٤٦/٨، الذخيرة ٢١٣/٢
- ١٩٨ -
ردّة ٤٧ - ٤٨
الحمل کان لمسلمین في دار الإِسلام، وإن ولد
خلال الردة. (١)
لکن من کان حمله خلال ردة أبویہ کلیھما،
ففيه خلاف، فذهب الحنفية والمالكية، وهو
المذهب عند الحنابلة والأظهر عند الشافعية،
إلی أنه یکون مرتدا تبعا لأبویه فیستتاب إذا
بلغ. وفي رواية للحنابلة وقول للشافعية أنه يقر
على دينه بالجزية كالكافر الأصلي، واستثنى
الشافعية مالو كان في أصول أبويه مسلم فإنه
يكون مسلما تبعا له، واستثنى المالكية أيضا مالو
أدرك ولد المرتد قبل البلوغ فإنه يجبر على
الإِسلام.(٢)
إرث المرتد :
١
٤٧ - اختلف الفقهاء في مال المرتد إذا قتل، أو
مات على الردة على ثلاثة أقوال:
أ۔ أن جمیع ماله یکون فیئا لبيت المال، وهذا
قول مالك، (٣) والشافعي(٤) وأحمد. (٥)
(١) البدائع ١٣٩/٧، والشامل لابن الصباغ ٦/ ٦٠١
(٢) الإِنصاف ٣٤٧/١٠، والخرشي ٦٦/٨، ومغني المحتاج
٤ /١٤٢، وأسنى المطالب ١٢٣/٤
(٣) منح الجليل ٤/ ٤٦٩، والخرشي ٨/ ٦٦، الشامل لبهرام
١٧١/٢
(٤) الشامل لابن الصباغ ١٠١/١ والأم ١٥١/٦، ٣٣٠/٧
(٥) المغني ٣٤٦/٦، والهداية للكلوذاني ٢٠٣، وقد نقل عن
أحمد ثلاثة أقوال كالشافعية، إلا أن صاحب الإِنصاف
(٣٣٩/١٠) قال: إن المذهب کونه فیئا حین موته.
ب - أنه يكون ماله لورثته من المسلمين، سواء
اکتسبه في إسلامه أوردته، وهذا قول أبي
یوسف ومحمد.(١)
جـ۔ أن ما اكتسبه في حال إسلامه لورثته من
المسلمين، وما اكتسبه في حال ردته لبيت المال،
وهذا قول أبي حنيفة . (٢)
ولا خلاف بينهم في أن المرتد لا يرث أحدا
من أقاربه المسلمين لانقطاع الصلة بالردة. كما
لا یرٹ کافرا لأنه لا یقر علی الدین الذي صار
إليه. ولا يرث مرتدا مثله. (٣)
ووصية المرتد باطلة لأنها من القرب وهي
تبطل بالردة . (٤)
أثر الردة في إحباط العمل :
٤٨ - قال تعالى: ﴿ ومن یرتدد منکم عن دينه
فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في
الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون﴾(٥) قال الألوسي تبعا للرازي: إن
(١) المبسوط ١٠/ ١٠٤
(٢) المبسوط ١٠١/١٠، والبدائع ١٣٨/٧، ورحمة الأحمة
١٩١
(٣) المغني ٣٤٣/٦، والإنصاف ٧/ ٣٥١
(٤) المبسوط لمحمد ١٤٢، والمغني ٨ / ٥٤٦، والشامل لبهرام
١٧١/٢، والخرشي ٦٨/٨
(٥) سورة البقرة / ٢١٧
- ١٩٩ -
ردّة ٤٨ - ٥٠
معنى الحبوط هو الفساد. (١)
وقال النيسابوري : إنه أتی بعمل ليس فيه
فائدة، بل فيه مضرة، أو أنه تبين أن أعماله
السابقة لم يكن معتدا بها شرعا. (٢)
وقال الحنفية: بأن الحبوط يكون بإبطال
الثواب، دون الفعل. (٣)
وقد ذهب الحنفية والمالكية (٤) إلى أن مجرد
الردة يوجب الحبط، مستدلين بقوله تعالى :
﴿ومن يكفر بالإِيمان فقد حبط عمله
... ﴾.(٥)
أما الشافعية فقالوا: بأن الوفاة على الردة
شرط في حبوط العمل، أخذا من قوله تعالى :
فيمت وهو كافر فأولئك حبطت
أعمالهم ... ﴾ (٦)
فإن عاد إلى الإِسلام فقد صرح الشافعية
بأنه يحبط ثواب العمل فقط، ولا يطالب الإِعادة
إذا عاد إلى الاسلام ومات عليه. (٧)
(١) روح المعاني ٢ / ١٥٧
(٢) التفسير الكبير ١٤٨/١١، وغرائب القرآن ٣١٩/٢
(٣) ابن عابدين ٤/ ٤٠٠
(٤) روح المعاني ١٥٧/٢، والكشاف ٢٧١/١، وعمدة
القاري ٧٩/٢٤، وإرشاد الساري ٧٦/١٠، وتفسير
القرطبي ٤٨/٣
(٥) سورة المائدة / ٥
.(٦) سورة البقرة / ٢١٧
(٧) القليوبي ٤/ ١٧٤
أثر الردة على العبادات
تأثير الردة على الحج :
٤٩ - يجب على من ارتد وتاب أن یعید حجه
عند الحنفية، (١) والمالكية، (٢) وذهب الشافعية
إلى أنه ليس على من ارتد ثم تاب أن يعيد
حجه . (٣)
أما الحنابلة فالصحيح من المذهب عندهم :
أنه لا يلزمه قضاؤه، بل يجزىء الحج الذي
فعله قبل ردته . (٤).
تأثير الردة على الصلاة والصوم والزكاة :
٥٠ - ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم وجوب
قضاء الصلاة التي ترکها أثناء ردته، لأنه كان
كافرا، وإيمانه يجبها . (٥)
وذهب الشافعية إلى وجوب القضاء. (٦)
ونقل عن الحنابلة القضاء وعدمه. والمذهب
عندهم عدم وجوب القضاء.
فإن كان على المرتد الذي تاب صلاة فائتة،
قبل ردته أو صوم أو زكاة فهل يلزمه القضاء؟
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية(٧)
(١) الإِشارات مخطوطة مجهولة صاحبها (٢٣).
(٢) الشامل لبهرام ٢/ ١٧١، والخرشي ٦٨/٨
(٣) القليوبي وعميرة ١٧٤/٤، ومغني المحتاج ١٣٣/٤
(٤) الإنصاف ٣٣٨/١٠
(٥) ابن عابدين ٣٥٧/١، ٢٥٢/٤، والخرشي ٦٨/٨
(٦) القليوبي ١٢١/١، والإعلام ٩٨/٢، ومغني المحتاج
١٣٠/١
(٧) ابن عابدين ٣٠٢/٣
- ٢٠٠ -