Indexed OCR Text
Pages 261-280
ذكر ٥٠ - ٥١
عن عهدة نذره لأن العدد هنا مقصود. وجعل
إمام الحرمين نظير ذلك من نذر أن يصلي ألف
صلاة فصلى في المسجد الحرام صلاة
واحدة، أو نذر أن يقرأ ثلث القرآن فقرأ سورة
الإِخلاص.(١)
كتابة ذكر الله وأحكام الذكر المكتوب:
٥٠ - صرح الحنابلة بأنه يحرم كتابة ذكر الله
تعالى بشيء نجس أو على شيء نجس، فإن
فعل ذلك قصدا للإهانة استحق القتل، لأنه
ردة أعاذنا الله منها .
وحیث کتب بنجس وجب غسله بطاهر أو
حرقه لصيانته، وكذا لوكان طاهرا فتنجس، أما
إن لم يوجد إلا ماء نجس أونار نجسة فلا يجوز
الغسل والتحریق بهما ويعدل إلى دفن الذکر في
موضع طاهر لا تطؤه الأقدام. ولا تكره في
الذکر کتابته في الستور أو غيرها بغیر مسجد إذا
لم تكن تداس، فإن كانت تداس كره كراهة
شديدة، ويحرم دوس الذكر. قالوا: ويكره أن
يكتب على حيطان المساجد ذكر أو غيره لأن
ذلك يلهي المصلي. وكره الإِمام أحمد شراء ثوب
فيه ذكر الله يجلس عليه ويداس، (٢) وكره بيع
(١) عدة الحصن الحصين ص ٢٤٠، والفتوحات الربانية
١٩٥/١ - ١٩٩، ٢٩٨/٣، وشرح الأبي على صحيح
مسلم ٧/ ١٤٢، ١٤٣
(٢) كشاف القناع ١٣٧/١، ومطالب أولي النهى ١/ ١٥٥،
١٥٦، ١٥٩
الثياب التي عليها ذكر الله لأهل الذمة. (١) وفي
الفروع: يحرم مس ذكر الله بنجس. ولا يحرم
على المحدث الذکر أومس ما فيه ذكر بخلاف
القرآن، وسواء كان الحدث أصغر أو أكبرلو كان
فيها شيء من القرآن. (٢)
وفي تعليق الذكر المكتوب لدفع ضرر واقع
خلاف. (ر: تعويذ ف/ ٢٣).
الأذكار التي رتبها الشارع :
٥١ - رتب الشارع كثيرا من الأذكار، في أحوال
مختلفة .
فمنها أذكار مرتبة بحسب الزمان کأذكار
الصباح والمساء والظهيرة ودخول الشهر ورؤية
الهلال.
ومنها أذكار بحسب المكان.
ومنها أذكار في العبادات، كأذكار الصلاة
وما قبلها، وأذكار الصوم والإِفطار منه والحج .
ومنها أذكار مرتبة للأفعال والأحوال، كأذكار
النوم والاستيقاظ منه، وأذكار الملبس والأكل
والشرب والذبح. وأذكار عقد النكاح والمعاشرة،
وأذكار العطاس ونحو ذلك، وكأذكار تقال عند
التطير والتشاؤم، وعند الكرب والشدة، وعند
السفر والنزول، والركوب والعودة، وأذكار
(١) المغني ٨/ ٥٣٥
(٢) مطالب أولي النهى ١٥٥/١، ١٥٦
- ٢٦١ -
ذکر ٥٢ - ٥٤
المجالس وغير ذلك. وقد ألف فيها العلماء
تأليف مشهورة. ويمكن معرفتها بالرجوع إلى
مواضعها في هذه الموسوعة أو في الكتب المؤلفة
في الأذكار.
أخذ الأجرة على الذكر :
٥٢ - ما كان من الأذكار واجبا لم يجز أخذ الأجرة
عليه .
قال القلیوبي : ما كان علی مسنون کالأذان
والإقامة وذكر الله تعالى غير القرآن تجوز الإِجارة
عليها وأخذ الأجرة حيث كان في ذلك كلفة . (١)
ومذهب المالكية جواز أخذ الأجرة على
الأذان .
ومذهب الحنابلة، وحكاه صاحب المغني عن
الحنفية والأوزاعي وابن المنذر: أنه يكره أخذ
الأجرة على الأذان. (٢)
ثانيا: الذكر بمعنى النطق باسم الشخص أو
الشيء:
٥٣ - وهو بمعنى القول أو الحكاية.
ويختلف حكمه بحسب الشيء المذكور أو
الشخص المذكور، وبحسب ما يقوله عنه.
والأصل أن الذكر بهذا المعنى مباح، وتعرض له
(١) القليوبي ٣/ ٧٤
(٢) المغني ٤١٥/١
الأحكام الأخرى: فمنه ما یکون واجبا کأداء
الشهادة بحق. فإنها ذکر للمشهود به .
ومنه ما یکون مستحبًا، كذكر ما يكون فيه
الخير، كإصلاح بين الناس ودلالتهم على
المعروف، وكذكر الفاسق المجاهربما فيه
لیعرف، وذکر أهل البدع لئلا يغتربهم.
ومنه ما یکون مکروها کالنطق بأمر فيه شبهة
التحريم أو الدلالة عليه.
ومنه ما یکون محرما کالغيبة، (١) وهي كما قال
النبي و ل﴾ ((ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت
إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه
ما تقول فقد اغتبته وإن لم یکن فیه فقد بهته)).
وقد يكون مكفرا كمن يذكر الله تعالى أو
رسوله أو کتابه باستهزاء أو استخفاف فيستحق
قائله أن یقام علیه حد الردة إن كان مسلما ،
وینتقض عهده إن كان ذميا. وانظر: (غيبة،
ردة، استخفاف).
ثالثا: الذكر بمعنى استحضار الشيء في
القلب :
٥٤ - وهو يقابل النسيان .
والذاكر في حال المخالفة بترك الواجب أو
فعل المحرم مستحق للإِثم، وتلزمه الأحكام
(١) حديث: ((ذكرك أخاك بما يكره)). أخرجه مسلم
(٤/ ٢٠٠١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
- ٢٦٢ -
ذكر ٥٥ - ٥٦
المترتبة على المخالفة سواء في حقوق الله تعالى
أو حقوق الآدمیین.
أما النسيان فهو من عوارض الأهلية، وهو
عدم الاستحضار وقت الحاجة.
قال شارح مسلم الثبوت من الحنفية:
النسيان عذر في حق الإِثم مطلقا، وأما في حق
الحكم فيجب الضمان في حقوق العباد. وأما في
حقوق الله تعالى، فإن کان مع مذکرّ فلا عذر،
كأكل الناسي في الصلاة مطلقا إذ هيأتها مذكرةٌ،
وصيد المحرم ناسيا إذ الإِحرام مذكرٌ، وإن لم
یکن هناك مذکر فیکون عذرا، کالأکل في نهار
رمضان ناسيا، وسلام المصلي في القعدة الأولى
ناسیا وترك التسمية عند الذبح ناسیا. (١)
ويرجع لمعرفة تفصيل ذلك والخلاف فيه إلى
مصطلح : (نسيان).
الحكم التكليفي للتذكر :
٥٥ - الذكر وإن كان أمرا يطرأ في الغالب على
الإِنسان دون إرادته، لكن قد يتكلف التذكر
فيتذکر، ومن هنا فقد یکون مكلفا به لما فيه من
المصالح ومن ذلك أن الله تعالى أمر بتذكر نعمه
لیشکر ولیعرف الإِنسان حق ربه تعالى من
توحيده وإفراده بالعبادة، كما قال تعالى :
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من
(١) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١/ ١٧٠
خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض﴾ (١)
وأمر تعالى بذكر الآخرة وما فيها من الهول
والحساب ونعيم الجنة وعذاب النار ومصارع
الظالمین ممن ساق ذکرهم في كتابه.
ومن ذلك أن النبي و لز قال: ((أكثروا ذكر
هادم اللذات)). (٢)
وقال النبي مَّر: ((كنت نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة)). (٣) ومن هنا
ذهب الفقهاء إلى أنه يندب لكل إنسان
صحيحا كان أو مريضا ذكر الموت، بأن يجعله
نصب عينيه لأنه أزجر عن المعصية وأدعى
للطاعة . (٤)
رابعا: الذكر بمعنى الصيت والشرف:
٥٦ - امتن الله تعالى على نبيهم لز بقوله.
تعالی :
﴿ورفعنا لك ذكرك﴾(٥) وامتن عليه وعلى أمته
بقوله: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا
(١) سورة فاطر/ ٣
(٢) حديث: ((أكثروا ذكر هاذم اللذات)). أخرجه الترمذي
(٥٥٣/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. وقال: ((هذا
حدیث حسن غریب».
(٣) حيث: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور)). أخرجه مسلم
(١٦٥٤/٣ - ط الحلبي) من حديث بريدة، وقوله (فإنها
تذكر الآخرة) أخرجه أحمد (٣٥٥/٥ - ط الحلبي).
(٤) نهاية المحتاج ٤٢٢/٢، والمغني ٤٤٨/٢
(٥) سورة الشرح/ ٤
- ٢٦٣ -
ذكر ٥٦
تعقلون﴾(١) وقال: ﴿بل أتیناهم بذکرهم فهم
عن ذكرهم معرضون﴾(٢) قال القرطبي: المراد
بالذكر هنا الشرف. (٣) وأخبر عن إبراهيم تَلآ
أنه دعا الله تعالى فقال: ﴿واجعل لي لسان
صدق في الآخرين﴾ (٤) قال مجاهد: هو الثناء
الحسن، وقال ابن عطية: هو الثناء وخلد المكانة
باتفاق المفسرین. وقد أجاب الله دعوته فکل
أمة تتمسك به وتعظمه .
قال القرطبي : ومن هنا روی أشهب عن
مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه
صالحا، ويرى في عمل الصالحين إذا قصد به
وجه الله تعالى. وقد قال الله تعالى: ﴿إن
الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم
الرحمن ودا﴾(٥) أي حبًا في قلوب عباده وثناء
حسنا. (٦) فنبه تعالى بقوله: ﴿واجعل لي لسان
صدق في الآخرين﴾(٧) على استحباب
اکتساب ما یورث الذکر الجميل.
قال ابن العربي : قال المحققون: في هذا
دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي
يكسب الثناء الحسن.
(١) سورة الأنبياء/ ١٠
(٢) سورة المؤمنون/ ٧١
(٣) تفسير القرطبي ٢٧٣/١١
(٤) سورة الشعراء/ ٨٤
(٥) سورة مريم / ٩٦
(٦) تفسير القرطبي ١١٣/١٣
(٧) سورة الشعراء/ ٨٤
ومما يؤيد ذلك ما ورد أن النبي پڑ كان يثني
على من تميز بفعل أو فضل من أصحابه
ويحمدهم على ذلك، وکانوا یظهرون سرورهم
بذلك، كقوله: ((إني أكل قوما إلى ما جعل الله
في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمروبن
تغلب» قال عمرو: ما أحب أن لي بكلمة
رسول الله وَليم حمر النعم. (١) وقال ◌َله: ((ملىء
عمار إيمانا إلى مشاشه)). (٢)
لکن علی المؤمن في هذا الباب أن يتجنب
أمورا :
الأول: لا ينبغي أن يطلب الحمد والثناء بما
ليس حقا وما لم يفعل، بأن يرائي فيظهر للناس
ما ليس فيه من الفضائل، أويدعي بأفعال خير
لم يفعلها، قال الله تعالى: ﴿لا تحسین الذین
يفرحون بما أَتَوْا ويحبون أن يحمدوا بما لم
يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾(٣)
وقوله: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما
(١) حديث: (إني أكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٦/ ٢٥٠ - ط السلفية) من حديث
عمرو بن تغلب.
(٢) حديث: ((ملىء عمار إيمانا إلى مشاشه)). أخرجه النسائي
(١١١/٨ - ط المكتبة التجارية) والحاكم (٣٩٢/٣ - ط
دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
والمشاش رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها.
ومفرده مشاشة وهو ما أشرف من عظم المنكب. (لسان
العرب والنهاية لابن الأثير).
(٣) سورة آل عمران/ ١٨٨
- ٢٦٤ -
ذكر ٥٦
لا تفعلون﴾(١) نزلت في قوم كانوا يقولون
جاهدنا وأبلینا ولم يجاهدوا، وقيل في تفسيرها
غير ذلك. (٢)
الثاني: أن لا يكون قصده من العمل مجرد
الثناء والذكر الجميل، بل يعمل العمل الصالح
لوجه الله تعالى، ويسره أن يظهر لیقتدى به
فيه، أو يعلم مكانه من الفضل سرورا بالخير أو
نحو ذلك، قال ابن رشد: سئل مالك عن
الرجل يحب أن يلقى في طريقه المجد، ويكره أن
يلقى في طريقه السوء. فأما ربيعة فكره ذلك
وأما مالك فقال: إذا كان أول أمره ذلك وأصله
لله فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى قال الله
تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾. (٣)
وقال تعالى : ﴿واجعل لي لسان صدق في
الآخرين﴾ (٤) قال مالك: فأي شيء هذا إلا
هذا؟ فإن هذا شيء یکون في القلب لا يملكه،
هذا إنما يكون من الشيطان ليمنعه العمل. (٥)
وقال ابن العربي: إن من صلى صلاة
لیراها الناس ويروه فیھا فیشهدوا له بالإِيمان، أو
أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز
الإمامة، فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، وإنما
الرياء المعصية: أن يظهرها صيدا للناس وطريقا
(١) سورة الصف/ ٣
(٢) تفسير القرطبي ١٨/ ٧٨
(٣) سورة طه/ ٣٩
(٤) سورة الشعراء/ ٨٤
(٥) المقدمات لابن رشد ١/ ٣٠
للأكل.(١) وهذا كما أن من طلب بالعبادة فضل
الله تعالى في الآخرة بدخول جنته والخلاص من
ناره لا یکون فعله منافیا للإِخلاص.
فإن کان قصده من العمل الصالح مجرد العلو
في الأرض وتحصيل المصالح العاجلة ولم يكن
قصده الأول وجه الله تعالی کان ذلك محبطا
لأجره، بل کان ذلك علیه، لما في حديث أبي
هريرة رضي الله عنه مرفوعا وفيه فيقول الله
تعالى: ((ولكنك قاتلت لأن يقال جرىء،
فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى
ألقي في النار))(٢) وإن كان إنما فعل العبادة
لطلب المنزلة في قلوب الناس فهو الرياء المنهي
عنه، وهو الشرك الخفي. (٣)
قال ابن تيمية: فرق بین من يكون الدين
مقصوده والدنيا وسیلة، وبین من تكون الدنيا
مقصوده والدین وسيلة، والأشبه أن هذا ليس له
في الآخرة خلاق كما دلت على ذلك
النصوص. (٤)
وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع إليه في
مصطلح : (نية).
(١) تفسير القرطبي ٥/ ٤٢٣، وانظر الموافقات ٤٠٢/٢
(٢) حديث ((ولكنك قاتلت لأن يقال جريء)). أخرجه
مسلم (١٥١٤/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) تفسير القرطبي ١٨١/٥، وفتح الباري ١٣٦/١١، والداء
والدواء لابن القيم ص١٩١، والفروق للقرافي ١٢/٣
(٤) مجموع الفتاوى ٢٦/ ٢٠
- ٢٦٥ -
ذكورة ١ - ٣
ذكورة
التعريف :
١ - الذكورة لغة خلاف الأنوثة، والتذكير
خلاف التأنيث، وجمع الذكر ذكور، وذكورة،
وذكران، وذكارة، ومنه قوله تعالى: ﴿أُو
يزوجهم ذكرانا وإناثا﴾. (١)
ومعناه الاصطلاحي هو معناه اللغوي . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الخنوثة: حالة بين الذكورة والأنوثة (انظر
مصطلح : خنثى).
الأحكام المتعلقة بالذكورة :
تناول الفقهاء الأحكام المتعلقة بالذكورة في
عدة أبواب منها:
(١) سورة الشورى / ٤٢
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير وغريب القرآن للأصفهاني
مادة: (ذكر).
في الصلاة :
أ - الإِمامة :
٣ - ذهب المالكية إلى أن الذكورة شرط لإِمامة
الصلاة، وأنه لا يجوز أن تؤم المرأة رجلا ولا
امرأة مثلها، سواء كانت الصلاة فريضة أو
نافلة، وسواء عدمت الرجال أو وجدت
الحديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)). (١)
وتبطل صلاة المأموم دون المرأة التي صلت
إماما فتصح صلاتها .
ووافقهم الحنفية والشافعية والحنابلة والفقهاء
السبعة - من فقهاء المدينة - في منع إمامتها
للرجال، لما روى جابر رضي الله عنه عن النبي
وسلم قال: خطبنا رسول الله وَّ فقال: ((لا تؤمّنّ
امرأة رجلا))، (٢) إلا أنهم خالفوا المالكية في
مسألة إمامة المرأة للنساء فيرون أن هذا جائز،
والحنفية يرون كراهة إمامتها للنساء، لما روي
عن عائشة أنها أمّت نسوة في صلاة العصر
وقامت وسطهن وكذا أم سلمة . كما أن بعض
الحنابلة يرون أنه يجوز أن تؤم المرأة الرجال في
صلاة التراويح وتكون وراءهم، لما روي عن أم
(١) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٥٣/١٣ - ط السلفية) من حديث أبي
بكرة.
(٢) حديث جابر: ((لا تؤمن امرأة رجلا)) أخرجه ابن ماجة
(٣٤٣/١ - ط الحلبي) وضعفه النووي في المجموع
(٢٥٥/٤ - ط المنيرية).
- ٢٦٦ -
ذكورة ٤ - ٥
ورقة بنت عبدالله بن الحارث رضي الله عنها ((أن
رسول الله ثم جعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها
أن تؤم أهل دارها)). (١)
وذهب أبو ثور والمزني وابن جرير إلى صحة
صلاة الرجال وراء المرأة. (٢)
ب - صلاة الجمعة :
٤ - اتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب
الجمعة الذكورة المحققة، فلا تجب على امرأة
ولا على خنثى مشكل لقوله وَل: ((الجمعة حق
واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد
مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض))، (٣) ولقوله
*: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه
الجمعة يوم الجمعة إلا مريضاً أو مسافراً أو امرأة
أو صبياً أو مملوكاً، فمن استغنى بلهو أو تجارة
استغنى الله عنه، والله غني حميد)). (٤)
(١) حديث أم ورقة: ((أن رسول الله وير جعل لها مؤذنا
.. )) أخرجه أبوداود (٣٩٧/١ - تحقيق عزت عبيد
دعاس)، وصححه ابن خزيمة ٨٩/٣ - ط المكتب
الإِسلامي).
(٢) المجموع للإمام النووي ٤/ ٢٥٤، ومواهب الجليل
٩٢/٢، وجواهر الإكليل ٧٨/١، والفواكه الدواني
٢٣٨/١، والبدائع ١٥٧/١، والمغني لابن قدامة ١٩٨/٢
(٣) حديث: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم)) أخرجه
أبوداود (١ /٦٤٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٢٨٨/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث طارق بن
شهاب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه ... ))=
واتفقوا على أن المرأة لوحضرت وصلت
الجمعة صحت منها، لأنه قد ثبت في الأحاديث
الصحيحة المستفيضة أن النساء كن يصلين
خلف رسول الله وَالتر في مسجده.
إلا أنه لا يعتبر النساء في العدد المشترط
لانعقاد الجمعة على اختلاف الأقوال في العدد
المعتبر. (١)
في النكاح :
٥ - اختلف الفقهاء فيمن يتولى عقد النكاح.
فذهب الجمهور - وهم المالكية والشافعية
والحنابلة - إلى اشتراط الذكورة في الولي وأن
المرأة لا تملك تزويج نفسها ولا غيرها بكرا كانت
أو ثيبا، شريفة أو دنيئة، رشيدة أوسفيهة، حرة
أو أمة فإن فعلت لم يصح النكاح لقوله تليفون: ((لا
نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))(٢) وقوله الآن:
((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل
= أخرجه الدارقطني (٣/٢ - ط دار المحاسن) من حديث
جابر بن عبدالله، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص
(٦٥/٢ - ط شركة الطباعة الفنية).
(١) البدائع ٢٥٨/١، والفواكه الدواني ٣٠٩/١، ومغني
المحتاج ٢٧٦/١، والمغني لابن قدامة ٣٢٧/٢
(٢) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) أخرجه
الدار قطني (٢٢٧/٣ - ط دار المحاسن) من حديث عائشة،
وفي إسناده مقال، ولكن له طرق يقوى بعضها بعضا، ذكر
بعضها الدارقطني، ويراجع نيل الأوطار للشوكاني
(٢٥٩/٦ - ط دار الجيل).
- ٢٦٧ -
ذكورة ٦ - ٧
فنكاحها باطل فنكاحها باطل)).(١)
وعند أبي حنيفة وزفر والحسن بن زیاد - وهذا
ظاهر الرواية عن أبي يوسف - يجوز للمرأة
الرشيدة أن تزوج نفسها ونفس غيرها، وأن
توكل في النكاح لقوله تعالى : ﴿فلا تعضلوهن
أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم
بالمعروف)، (٢) ولأن التزويج خالص حقها
وهي من أهل المباشرة، كبيعها وباقي تصرفاتها
المالية . (٣)
في الجهاد :
٦ - اتفق فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم من
علماء السلف على أن الذكورة المحققة شرط
من شروط وجوب الجهاد على المسلم، فلا
يجب جهاد على امرأة، ولا على خنثى
مشكل، لما روت عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: يارسول الله هل على النساء جهاد؟
فقال ◌َله: ((نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه:
الحج والعمرة)). (٤)
(١) حديث: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ... )) أخرجه
الترمذي (٢٩٩/٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال:
«حدیث حسن)).
(٢) سورة البقرة / ٢٣٢
(٣) البدائع ٢٤٧/٢، والقوانين الفقهية ص٢٠٢، والجمل
على شرح المنهج ١٣٨/٤، والمغني لابن قدامة ٤٤٩/٧
(٤) حديث عائشة: ((هل على النساء جهاد ... )) أخرجه ابن
ماجة (٩٦٨/٢ - ط الحلبي)، وإسناده صحيح.
ولأن المرأة ليست من أهل القتال لضعفها،
وبنيتها لا تحتمل الحرب عادة، ولذلك لا يسهم
لها من الغنيمة في حالة حضورها .
أما الخنثى المشکل فلأنه لا یعلم کونه ذكرا أو
أنثى فلا يجب عليه الجهاد مع الشك في هذا
الشرط .
وهذا إذا لم يكن النفير عاما - كما يقول
الكاساني -، فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو
علی بلد فهو فرض عین یفترض علی کل واحد
من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه، فيخرج
العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها
والولد بغير إذن والديه. (١)
في الجزية :
٧ - قال الفقهاء : لا تضرب الجزية إلا على
الرجال فلا جزية على امرأة، ولا خلاف في
ذلك بين أهل العلم. (٢) لأن عمر رضي الله عنه
كتب إلى أمراء الأجناد أن ((اضربوا الجزية ولا
تضربوها على النساء والصبيان)). (٣)
(١) البدائع ٩٨/٧، والفواكه الدواني ١/ ٤٦٣، ومغني
المحتاج ٢١٦/٤، والمغني لابن قدامة ٣٤٧/٨
(٢) البدائع ٧/ ١١١، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٥، والمغني لابن
قدامة ٨/ ٥٠٧، والقوانين الفقهية ص١٦١
(٣) أثر عمر: ((ألا يضربوا الجزية على النساء ولا على
الصبيان)) أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٣٣١/١٠ - ط
المجلس العلمي) والبيهقي (١٩٥/٩ - ط دائرة المعارف
العثمانية).
- ٢٦٨ -
ذكورة ٨ - ١٠
في الولايات العامة :
أ - الإمامة العظمى :
٨ - اتفق الفقهاء على أن من شروط الإِمام
الأعظم أن يكون ذكرا فلا تصح ولاية امرأة
لقوله : ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم
امرأة)). (١) ولكي يتمكن من مخالطة الرجال
ويتفرغ لتصريف شئون الحكم. ولأن هذا
المنصب تناط به أعمال خطيرة، وأعباء
جسيمة، تلائم الذكورة. (٢)
ب - القضاء :
٩ - اختلف الفقهاء في اشتراط الذكورة في
القضاء .
فذهب الجمهور وهم المالكية والشافعية
والحنابلة إلى اشتراط الذكورة في القاضي، فلا
يجوز عندهم أن تتولى المرأة وظيفة القضاء
لقوله وله: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم
امرأة)). (٣) ولم يول النبي وَلاهو ولا أحد من
خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية
بلد، ولو جاز ذلك لم يخل منه جمیع الزمان غالبا .
ويرى الحنفية جواز أن تكون المرأة قاضية في
(١) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) سبق تخريجه
(ف/ ٣).
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٨/١، والقوانين الفقهية ص٢٢،
ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠، وكشاف القناع ٦/ ١٥٩
(٣) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا ... )) سبق تخريجه (ف/ ٣).
غير الحدود، لأن شهادتها تقبل في ذلك، وأهلية
القضاء - عندهم - تدور مع أهلية الشهادة فما
يقبل شهادة المرأة فيه يجوز أن تتولى القضاء فيه،
وما لا فلا. قال الكاساني: أما الذكورة فلیست
من شروط جواز تقليد القضاء في الجملة، بل
يجوز أن تتولى المرأة القضاء فيما لا حدود فيه ولا
قصاص.
وذهب ابن جرير إلى جواز تولي المرأة القضاء
مطلقا، لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية، فيجوز
أن تكون قاضية. (١) وانظر تفصيل ذلك في
مصطلح : (قضاء).
١٠ - وهناك أحكام أخرى تختص بالذكورة
منها: في العقيقة، والميراث، وتطهيربول
الرضيع، وفي العورة، ولبس الحرير والذهب،
والشهادة في الحدود، والقصاص، وفي
الشهادات عامة، وفي زكاة الأنعام، وفي
الدیات.
وتنظر هذه كلها وغيرها في مصطلح:
(أنوثة).
(١) البدائع ٣/٧، والقوانين الفقهية ص٢٩٩، ومغني المحتاج
٣٧٥/٤، والمغني لابن قدامة ٣٩/٩
- ٢٦٩ -
ذم ١ - ٥
وفي الاصطلاح: أن يتكلم أمام إنسان بما
فیه أو بما ليس فيه .(١)
ذم
التعريف :
١ - الذم في اللغة: خلاف المدح، قال في
المصباح: نعمته أذمه ذما خلاف مدحته فهو ذمیم
ومذموم أي : غیر محمود، والذمام بالكسر مایدم
الرجل على إضاعته من العهد، والمذمة بفتح
الميم وتفتح الذال وتکسر مثله، والذمام
أيضا: الحرمة . (١)
والذم عند الفقهاء لا يخرج عن كونه خلاف
المدح، وإلحاق الأذى بالغير، كأن يقذفه أو
يسبه أويعژه بحرفته إلى غيرذلك من الأمور
التي يترتب عليها الحد كالقذف، أو التعزير
كغير القذف من الألفاظ التي لا حد على قائلها
والتي محلها مصطلح: (قذف) ومصطلح :
(تعزير).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الشتم :
٢ - الشتم في اللغة: السب، والاسم الشتيمة.
(١) المصباح، والمغرب مادة: (ذمم).
ب - البهتان :
٣ - البهتان في اللغة: القذف بالباطل وافتراء
الكذب، وهو اسم مصدر، فعله بهت من باب
نفع.
وفي الاصطلاح: أن يتكلم خلف إنسان
مستور بما ليس فيه.(٢)
ج - الغيبة :
٤ - الغيبة في اللغة: ذكر الغير بما يكره من
العيوب .
وفي الاصطلاح: أن يتكلم خلف إنسان بما
هو فيه . (٣)
د - القذف :
٥ - من معانيه في اللغة: الرمي بالحجارة،
والرمي بالفاحشة، والقذيفة القبيحة وهي
الشتم .
وفي الشرع: رمي مخصوص، وهو الرمي
بالزنا صريحا وهو القذف الموجب للحد. (٤)
(١) الصحاح مادة: (شتم)، والكليات، والتعريفات
للجرجاني.
(٢) المصباح مادة: (بهت)، والكليات، والتعريفات.
(٣) المصباح مادة: (غيب)، والكليات والتعريفات.
(٤) المصباح مادة: (قذف)، تبيين الحقائق ١٩٩/٣ - ط=
- ٢٧٠ -
ذم ٦ - ٩
هـ - اللعن :
٦ - معناه في اللغة الطرد والإبعاد على سبيل
السخط، وذلك من الله في الآخرة عقوبة، وفي
الدنیا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن
الإِنسان دعاء على غيره. (١)
ولا يخرج الاصطلاح الفقهي عن ذلك.
و- المدح :
٧ - وهو خلاف الذم ومعناه في اللغة: الثناء
على الغیرلما فيه من الصفات، سواء أكانتتلك
الصفات خلقية أم اختيارية وهو أعم من
الحمد .
وفي الاصطلاح: الثناء باللسان على
الجميل الاختياري قصدا. (٢)
الحكم الإجمالي :
أ - ذم الله ورسوله، وذم المؤمنين :
٨ - التجرؤ على الله ورسوله بأي لون من ألوان
الإِيذاء، أشد أنواع الإيذاء حرمة بل هو كفر،
قال الله تعالى: ﴿إِن الذین یؤذون الله ورسوله
لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا
= بولاق، الدسوقي ٣٢٤/٤ - ط الفكر، حاشية القليوبي
٤/ ١٨٤ - ط الحلبي، وكشاف القناع ٦/ ١٠٤ - ط
النصر.
(١) مفردات الراغب الأصفهاني مادة: (لعن).
(٢) المصباح مادة: (مدح)، التعريفات.
مهينا﴾. (١) وذم المؤمن أو المؤمنة وإيذاؤهما
بالأقوال القبيحة، كالبهتان، والتكذيب
الفاحش المختلق، والتعییر بحسب مذموم، أو
حرفة مذمومة، أو بشيء يثقل على كل واحد
منهما إذا سمعه حرام في الجملة، قال
القرطبي، بل هو من الكبائر، لقوله تعالى :
﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغيرما
اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾. (٢)
وإيذاء المؤمنين والمؤمنات منه مایکون بحق،
کالحدود والقصاص، ومنه مایکون بغير حق،
كالغيبة والقذف والكذب وغيره. (٣)
٩ - وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى نهى عن أن
يسخر رجل من رجل أو امرأة من امرأة، ونهى
عن اللمز أي العيب سواء أكان باليد، أم
بالعين، أم باللسان، أم بالإِشارة، ونهى عن
التنابز بالألقاب التي تغضب من لقب بها لقوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من
قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من
نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا
أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾ . (٤)
قال القرطبي : إنه ينبغي من حيث الجملة
ألا يجترىء أحد على الاستهزاء على من
(١) سورة الأحزاب / ٥٧
(٢) سورة الأحزاب /٥٨
(٣) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٤٠ - ط الثانية، روح المعاني
٨٧/٢٢ - ٨٨ - ط المنيرية.
(٤) سورة الحجرات / ١١
- ٢٧١ -
ذم ١٠ - ١٢
يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أوذا عاهة في
بدنه، أو غیر لبق في محادثته، فلعله أخلص
ضمیرا وأنقى قلبا، ممن هو علی ضد صفته،
فيظلم نفسه بتحقيرمن وقره الله، والاستهزاء
بمن عظمه الله، ويستثنى من ذلك تلقيب
الشخص بما یغلب فیه الاستعمال وليس له فيه
کسب ولا يجد في نفسه منه علیه، فإنه جائز
بإجماع الأمة كالأعرج، والأحدب، وقد سئل
عبدالله بن المبارك عن الرجل يقول: حميد
الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج،
ومروان الأصغر، فقال: إذا أردت صفته ولم ترد
عیبه فلا بأس به .(١)
١٠ - وأما سب المسلم بشتمه والتكلم في عرضه
بما يعيبه بغير حق فحرام بإجماع الأمة وفاعله
فاسق، وأما قتاله بغير حق فلا یکفر به عند أهل
الحق كفرا يخرج به من الملة إلا إذا استحله،
لقوله {وَل# فيما أخرجه البخاري ومسلم عن
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ((سباب المسلم
فسوق وقتاله كفر)». (٢)
ب - ذم المبتدعین وبدعهم :
١١ - ذم المبتدعين والبدع مطلوب وارد في
الشرع يدل على ذلك ما ورد عن عائشة رضي
(١) تفسير القرطبي ٣٢٩/١٦ - ٣٣٠ - ط الأولى.
(٢) حديث: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) أخرجه
البخاري (الفتح ١٠/ ٤٦٤ - ط السلفية) ومسلم (١ /٨١
- ط الحلبي).
الله عنها قالت: قال رسول الله وَظير: ((من
أحدث في أمرنا هذا ماليس منه - وفي رواية
أخری مالیس فیه - فهو رد».(١)
١
وما ورد أن النبي بل# قال: ((من عمل عملا
ليس عليه أمرنا فهورد)). (٢)
ج - ذم الكفار والمنافقين:
١٢ - ذكر الله سبحانه وتعالى ذم الكفار
والمنافقين في آيات كثيرة من القرآن ومن تلك
الآيات قوله تعالى في ذم الكفار ﴿إن شر
الدواب عند الله الصم البكم الذين لا
يعقلون﴾(٣)
والمعنی کما في روح المعاني أن شرمن يدب
على الأرض أوشر البهائم عند الله أي في
حکمه وقضائه الصم الذین لا يسمعون الحق،
البکم الذین لا ینطقون به، ووصفوا بذلك لأن
ماخلق له الحاستان سماع الحق والنطق به،
وحيث لم يوجد فيهم شيء من ذلك صاروا
كأنهم فاقدون لهما رأسا. ثم وصفوا بعدم التعقل
في قوله تعالى ﴿الذين لا يعقلون﴾، تحقيقا
(١) حديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٠١/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٣٤٣/٣ - ط الحلبي)، واللفظ لمسلم، والرواية
الأخرى للبخاري.
(٢) حديث: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا ... )) أخرجه
مسلم (١٣٤٤/٣ - ط الحلبي).
(٣) سورة الأنفال / ٢٢
- ٢٧٢ -
18
ذم ١٣ - ١٤، ذمي، ذنب
لکمال سوء حالهم، فإن الأصم الأبکم إذا كان
له عقل ربما يفهم بعض الأمور ویفهمه غیره
ويهتدي إلى بعض مطالبه، أما إذا كان فاقدا
للعقل أيضا فقد بلغ الغاية في الشّرِّية وسوء
الحال وبذلك يظهر كونهم شر الدواب حيث
أبطلوا ما به يمتازون عنها .(١)
وأما المنافقون فقد ذمهم الله سبحانه وتعالى
في آيات كثيرة من القرآن الكريم.
من ذلك قوله تعالى : ﴿وإذا رأيتهم تعجبك
أجسامهم وإن يقولوا تسمح لقولهم كأنهم خشب
مسندة ... ﴾ (٢)
١٣ - هذا وأما سب الكفارومعبوداتهم فقد ورد
النهي عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين
يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير
علم﴾. (٣) فإن الله سبحانه وتعالى نهى المؤمنين
عن سب أوثان الكفار وأصنامهم لعلمه سبحانه
وتعالى أن المؤمنین إذا سبوها ازداد هؤلاء
الكفار كفرا ونفورا فيسبوا المؤمنين بمثل
ماسبوهم به، وحكم هذه الآية كما قال العلماء
باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان
الكافر في منعة وخيف أن يسب الإِسلام أو
النبي عليه الصلاة والسلام، أو الله عز وجل،
فلا يحل لمسلم أن یسب صلبانهم ولا دینهم ولا
(١) روح المعاني ١٨٨/٩ - ١٨٩ - ط المنيرية.
(٢) سورة المنافقين الآية / ٤
(٣) سورة الأنعام / ١٠٨
کنائسهم، ولا یتعرض إلی مایؤدي إلی ذلك
لأنه بمنزلة البعث على المعصية. (١)
د - ذم المعاصي ومرتكبيها :
١٤ - ذم الله سبحانه وتعالى المعاصي في كثير
من الآيات وحذر منها، لأنها موجبة للهلاك
ومبعدة عن دار السلام، وتلحق بمرتکبیھا
الخزي والهوان والذل. وقد ورد في كتاب الله
تعالى لعن الظالمين والكافرين، ولعن أصحاب
السبت، ولعن من نقض میثاقه، ولعن الذین
يؤذون الله ورسوله، قال الله تعالى : ﴿إِن الله
لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا﴾، (٢) وقال "
تعالى: ﴿أو نلعنهم كما لعنا أصحاب
السبت﴾.(٣)
وتنظر سائر أحكام الذم في مصطلح:
(سب).
ذمي
انظر: أهل الذمة.
ذنب
انظر: توبة.
(١) تفسير القرطبي ٧/ ٦١ - ط الأولى.
(٢) سورة الأحزاب / ٦٤
(٣) سورة النساء / ٤٧
- ٢٧٣ -
٠٠٠
ذمة
التعريف :
١ - الذمة في اللغة تفسر بالعهد وبالأمان
كتسمية المعاهد بالذمي، وفسر قوله ◌َله: ((ذمة
المسلمین واحدة یسعی بها أدناهم»(١) بالأمان،
والذمة أيضا الضمان، فإذا قلت في ذمتي كذا
يكون المعنى في ضماني، وتجمع علی ذمم،
كسدرة وسدر.
وأما الذمة في الشرع فمختلف فیھا کما ذکر
صاحب الکلیات، فمنهم من جعلها وصفا،
وعرفها: بأنها وصف يصير الشخص به أهلا
للإیجاب له وعلیه، وظاهر كلام أبي زيد في
التقويم يشيرإلى أن المراد بالذمة العقل، ومنهم
من جعلها ذاتا، وهو اختيار فخر الإسلام عليه
الرحمة، ولهذا عرفها بأنها نفس لها عهد، فإن
الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه
بإجماع الفقهاء حتى يثبت له ملك الرقبة وملك
(١) حديث: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)) أخرجه
البخاري (الفتح ٤٢/١٢ - ط السلفية) ومسلم (٢ /٩٩٨ -
ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب.
ذمة ١ - ٢
النكاح، ويلزمه عشر أرضه وخراجها بالإجماع
وغير ذلك من الأحكام. وقد استعملها الفقهاء
بمعنى العهد، واستعملها بعض الأصوليين
بمعنى أهلية الوجوب، وجاء في المغرب أن
الذمة تطلق على محل الالتزام كقولهم: ثبت في
ذمتي، وبعض الفقهاء يقول هي محل الضمان
والوجوب، وبعضهم يقول هي معنى يصير
بسببه الآدمي على الخصوص أهلا لوجوب
الحقوق له وعلیه .(١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الالتزام :
٢ - أصل الالتزام اللزوم، ومعنى اللزوم في
اللغة الثبوت والدوام، يقال لزم الشيء يلزم
لزوما أي ثبت ودام، ولزمه المال وجب علیه،
ولزمه: وجب حكمه، وألزمته المال والعمل
فالتزمه، والالتزام أيضا الاعتناق.
والالتزام أيضا: إلزام الشخص نفسه مالم
یکن لازما له، أي مالم یکن واجبا علیه قبل،
وهو بهذا المعنى شامل للبيع والإِجارة والنكاح
وسائر العقود.
(١) الصحاح والمصباح والمغرب مادة: (ذمم)، التعريفات
للجرجاني / ١٤٣ط. دار الكتاب العربي، والكليات
٣٤٦/٢ط. دمشق، التلويح على التوضيح ١٥٣/٣ط
الأولى، وكشف الأسرار للبزدوي ٢٣٩/٤ط، دار الكتاب
العربي، وحاشية الجمل على المنهج ٥/ ٢٠٥ط إحياء
التراث، ونهاية المحتاج ٧٥/٨ - ٧٦ط. المكتبة الإسلامية.
- ٢٧٤ -
ذمة ٣
وهذا المعنى اللغوي جرت علیه استعمالات
الفقهاء حيث تدل تعبيراتهم على أن الالتزام
عام في التصرفات الاختيارية، وهي تشمل جميع
العقود سواء في ذلك المعاوضات والتبرعات،
وهو ما اعتبره الحطاب استعمالا لغويا.
قال الحطاب: والالتزام في عرف الفقهاء هو
إلزام الشخص نفسه شيئا من المعروف مطلقا أو
معلقا على شيء، فهوبمعنى العطية، فدخل
في ذلك الصدقة والهبة والحبس (الوقف)
والعارية، والعمرى، والعرية، والمنحة،
والإِرفاق والإِخدام، والإِسكان، والنذر، قال
الحطاب في كتابه تحرير الكلام: وقد يطلق في
العرف على ماهو أخص من ذلك، وهو التزام
المعروف بلفظ الالتزام. (١)
والذمة أعم من الالتزام.
ب - الأهلية :
٣ - الأهلية هي مصدر صناعي لكلمة أهل،
ومعناها لغة کما في أصول البزدوي : الصلاحية
ويتضح تعريف الأهلية في الاصطلاح من خلال
تعريف نوعيها: أهلية الوجوب وأهلية الأداء،
فأهلية الوجوب هي صلاحية الإِنسان لوجوب
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (لزم)، وتحرير الكلام في
مسائل الالتزام ص٦٨ط. دار الغرب الإسلامي، المنثور
٣٩٢/٣، وقواعد الأحكام ٦٩/٢، ٧٣، والبدائع
١٦٨/٥، وأحكام القرآن للجصاص ٣٦٠/٢
الحقوق المشروعة له وعليه، وأهلية الأداء هي
صلاحية الإنسان لصدور الفعل منه على وجه
یعتد به شرعا .(١)
والعلاقة بين الذمة والأهلية أن الأهلية أثر
لوجود الذمة، وبيان ذلك: أن أهلية الوجوب في
الإنسان ذات عنصرين :-
أحدهما : قابليته لثبوت الحقوق له أي صلاحيته
للإلزام.
الثاني : قابليته لثبوت الحقوق عليه أي
صلاحيته للالتزام .
فالعنصر الأول یثبت للشخص منذ كونه
جنينا في بطن أمه بإجماع الفقهاء ولا يستدعي
وجوب ذمة مقدرة في شخصه، لأن الحق له لا
عليه .
وأما ناحية الالتزام أي ناحية ثبوت الحق عليه
وهو العنصر الثاني من أهلية الوجوب فتتوقف
على أمرين:
أحدهما : قابلية التحمل بأن يكون صالحا
لوجوب الحقوق عليه وهذا لا يتحقق إلا بعد
الولادة.
والثاني : الذمة بمعنی أن یکون في ذلك
(١) القاموس المحيط ولسان العرب والمصباح مادة: (أهل)
التلويح على التوضيح ١٦١/٢ط، صبيح، وكشف
الأسرار عن أصول البزدوي ٤/ ٢٣٧، والتقرير والتحبير
١٦٤/٣ ط، الأولى بولاق، فواتح الرحموت ١٥٦/١ط،
دار صادر
- ٢٧٥ -
ذمة ٤ - ٥
الشخص محل مقدر لاستقرار تلك الحقوق فيه
بحيث تشغله تلك الحقوق حال ثبوتها ويفرغ
منها حال سقوطها.
وهذان الأمران اللذان يتوقف عليهما تصور
الالتزام هما متلازمان في الوجود متغايران في
المفهوم، فإنه يلزم من كون الشخص أهلاً
لتحمل الحقوق أن یکون في شخصه مستقر
ومستودع لها وبالعكس، فمتى اعتبرت
للشخص أهلية التحمل شرعا اعتبرت له ذمة،
ولكن ليست تلك الأهلية هي الذمة نفسها، بل
بينهما من الفرق مابين معنى القابلية ومعنى
المحل.
ذكر القرافي في الفروق في العلاقة بین الذمة
وأهلية المعاملة أن النسبة بينهما العموم
والخصوص الوجهي، فهما يجتمعان في الحر
البالغ الكامل الأهلية فيقال: هوذوذمة وذو
أهلية، وتنفرد الذمة في العبد فهو ذوذمة ولا
أهلية له، وتنفرد الأهلية في الصبي المميز فيقال
هو ذو أهلية ولا ذمة مستقلة له. (١)
ج - العهد :
٤ - العهد نوع من أنواع الالتزام ومعناه في اللغة
الوصية، يقال عهد إليه يعهد إذا أوصاه،
والعهد: الأمان والموثق والذمة، والعهد کل
(١) الفروق للقرافي ٢٢٦/٣ - ٢٢٩ فرق ١٨٣ط. المعرفة.
ماعوهد الله علیه، وكل مابين العباد من المواثيق
فهو عهد، والعهد: اليمين يحلف بها الرجل. (١)
والعهد لا يكون إلا من ذي ذمة ولذا سمي
العهد ذمة.
خصائص الذمة :
٥- تختص الذمة بأمور:
الأول : الذمة من صفات الشخصية
الإِنسانية المستقلة، وهي الشخصية الحقيقية أو
من صفات الشخصية الحكمية كبيت المال
والوقف.
الثاني : الذمة من توابع الشخصية، فهي
تلازم العنصر الثاني من عنصري أهلية
الوجوب، وهو عنصر الالتزام، وهذه الأهلية
مناطها الصفة الإِنسانية، فتلازم الإِنسان منذ
وجوده حتى لو كان حملا في بطن أمه، فلا يتصور
وجود إنسان بلا ذمة حتى لو كانت تلك الذمة
فارغة أي خالية من الالتزام.
الثالث : لكل شخص ذمة واحدة، وتلك
الذمة لا تتعدد في الشخص الواحد ولا يجوز
الاشتراك فيها .
الرابع : الذمة لا حدّ لسعتها فهي تتسع
لكل الديون مهما عظمت، لأن الذمة ظرف
اعتباري يتسع لكل الالتزامات.
(١) المصباح المنير ولسان العرب، مادة: (عهد) وأحكام القرآن
للجصاص ٣٦١/٢
- ٢٧٦ -
ذمة ٦ - ٧
الخامس : الذمة تتعلق بالشخص لا بأمواله
وثروته ليتمكن من ممارسة أعماله المالية بحرية
مطلقة تمكنه من سداد ديونه، فله التجارة والبيع
ولو کان مدینا بأکثر مما يملك، وله وفاء أي دین
متقدم أو متأخر في الثبوت، ولا يحق للدائنين
الاعتراض عليه مالم يمنع من ذلك مانع شرعي
كالرهن أو الحجر أو التفليس.
السادس : الذمة ضمان لكل الحقوق بلا
ترجيح ولا يقتضي ذلك منع المدين من التصرف
بأمواله، وذلك لأن الذمة لا حد لسعتها إذ هي
شرعا مستقلة عما يملك صاحبها فتتساوى فيها
الدیون في الأصل ولا یکون سبق بعضها في
الثبوت سببا لترجيحه، وما يثبت في ذمة
الإِنسان من حقوق علیه لا يتقيد وفاؤها بنوع
خاص من ماله أو بجزء معین منه، فالدیون متی
استقرت في الذمة بسبب صحیح تساوت في
احترامها وانتفى الترجيح، وإلا لتعذر التعامل
إذ لا يستطيع أحد أن يعرف ماعلى من يريد
معاملته من ديون سابقة ليكون على بصيرة من
رتبة دينه .(١)
انتهاء الذمة :
٦ - الذمة تبدأ مع الشخص منذ الحمل به وتبقى
(١) ابن عابدين ٤٢٥/٥ط، المصرية، جواهر الإكليل
٣١٧/٢ط - المعرفة، مغني المحتاج ٤٢/٣ ط - إحياء
التراث، الإنصاف ٢٣٥/٧ - ٢٣٦ ط - إحياء التراث،
القواعد لابن رجب ص١٩٥ ط المعرفة.
معه طيلة حياته، فإذا مات ذلك الشخص فإن
تلك الذمة تنتهي إذ لا بقاء لها بعد الموت، إلا
أن الفقهاء اختلفوا في انتهاء الذمة فورا بمجرد
حصول الموت، أو أن الموت يضعفها، أو أن
الذمة تبقى بعد الموت حتى تستوفى الحقوق من
الميت على ثلاثة آراء :-
الرأي الأول :
٧ - وهورأي الجمهور (المالكية والشافعية وبعض
الحنابلة) أن الذمة تبقى بعد الموت حتى تصفى
الحقوق المتعلقة بالترکة فیصح للمیت اكتساب
حقوق جدیدة بعد موته كان سببا لها، كمن
نصب شبكة للاصطياد فوقع فيها حيوان فإنه
یملکه وتظل ذمة الميت باقية بعد موته حتی
تسدد ديونه لقوله : «نفس المؤمن معلقة
بدینه حتی یقضی عنه»(١) ویمکن أن تشغل
ذمة المیت بعد موته بدیون جدیدة کشغلها بثمن
المبيع الذي رده المشتري على البائع بعد موته
بسبب عيب ظهر فيه، وکالتزامه بضمان قيمة
ماوقع في حفرة حفرها الشخص قبل موته في
الطريق العام.
وأما الوصية للميت فتجوز عند المالكية إن
(١) حديث: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)
أخرجه الترمذي (٣٨١/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي
هريرة. وقال: ((حديث حسن)).
- ٢٧٧ -
ذمة ٨ - ٩
علم الموصي بموته، لأن الغرض نفعه بها في
قضاء دیونه .
ولا تجوز الوصية للميت عند الشافعية
والحنابلة سواء أعلم الموصي بموته أم لا .
لأنه لا يتصورله الملك، فأثر الموت على هذا
الرأي يقتصر على عدم مطالبة الميت بالحقوق،
وإنما يطالب ورثته بأداء الحقوق لأصحابها. (١)
الرأي الثاني :
٨ - وهو رأي بعض الحنفية أن الموت لا ينهي
الذمة بل يضعفها، وعلى هذا الرأي فإن ذمة
الميت تبقى بقدر الضرورة لتصفية الحقوق
المتعلقة بالتركة التي لها سبب في حال الحياة،
ويتفرع علی ذلك أن المیت یمکن أن یکتسب
بعد موته ملکا جدیدا كما لو نصب قبل الموت
شبکة فوقع فيها صید بعد موته فإنه یملكه، كما
أن الميت يلتزم بالديون التي تسبب بها قبل موته
کرد المبيع المعیب علیه، والتزامه بالثمن، وضمان
ماوقع في حفرة حفرها في الطريق العام.
لکن لا تصح کفالة دین علی میت مفلس
(١) مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٣٦٨/٦ ط - النجاح،
والدسوقي ٤٢٦/٤ ط - الفكر، وجواهر الإكليل
٣١٧/٢ط - المعرفة، وروضة الطالبين ١١٦/٦ ط ـ
المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج ٣/ ٤٠ط - إحياء
التراث، وحاشية القليوبي ٣/ ١٥٧ ط الحلبي، والمغني مع
الشرح الكبير ٤٣٦/٦ ط الأولى.
عند أبي حنيفة، لأن الدين عبارة عن الفعل،
والميت عاجز عن الفعل، فكانت هذه كفالة
بدین ساقط فلا تصح، کما لو کفل إنسانا بدین
ولا دین علیه، وإذا مات مليئا فهو قادر بنائبه،
وكذا إذا مات عن كفيل، لأنه قائم مقامه في
قضاء دينه .
وأما عند الصاحبين فتصح كفالة دین الميت،
لأن الموت لا ینافي بقاء الدين، لأنه مال حكمي
فلا يفتقر بقاؤه إلى القدرة، ولهذا بقي إذا مات
مليئا حتى تصح الكفالة به، وكذا بقيت الكفالة
بعد موته مفلسا، وإذا مات عن الكفيل تصح
الكفالة عنه بالدين، فكذا يصح الإِبراء عنه
والتبرع.
ومثل الكفالة في هذا الوصية، فإنها لا تصح
للميت عند الحنفية سواء أعلم الموصي بموته أم
لا . خلافا لأبي یوسف فلو أوصی لحي ومیت
صحت الوصية للحي دون الميت، لأن الميت
لیس بأهل للوصية فلا يزاحم الحي الذي هومن
أهلها، لكن ذكر أبويوسف أنه إذا لم يعلم بموته
فإن تلك الوصية تصح، بخلاف مالوعلم بموته
فلا تصح، لأن الوصية للمیت لغو. (١)
الرأي الثالث :
٩ - وهو رأي الحنابلة في رواية أن الذمة تنتهي
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٦ ط - الجمالية، فتح القدير ٤٤٨/٨ -
٤٤٩ ط - الأميرية، ابن عابدين ٤٣١/٥ - المصرية.
- ٢٧٨ -
ذمة ١٠، ذهب ١ - ٢
بمجرد الموت، لأنها من خصائص الشخص
الحي، وثمرة الذمة صحة مطالبة صاحبها
بتفريغها من الدين الشاغل لها، فبالموت يخرج
الشخص عن صلاحية المطالبة فتنهدم الذمة .
وعلی هذا إن توفي الشخص المدین دون أن
يترك مالا فمصير ديونه السقوط.
وإن ترك مالا تعلقت الدیون بماله. هذا
واتفق الفقهاء على أنه لا يجب على الولي قضاء
ماعلى الميت من دين إن لم يترك مالا لكن
يستحب. (١)
مواطن البحث :
١٠ - مسائل الفقه وفروعه والتي تذكر فيها الذمة
أكثر من أن تحصى، فهي منثورة في أبواب الفقه
وفصوله فليرجع إليها في الأبواب المشار إليها
وغيرها .
وينظر مايتصل بأهل الذمة في مصطلح :
(أهل الذمة) وما يتصل بالذمة بمعنى العهد في
مصطلح: (أمان، وحلف، ومعاهدة).
(١) المغني ٣/ ١٤٤ ط الرياض، القواعد لابن رجب / ١٩٣ -
١٩٤ ط المعرفة.
ذهب
التعريف :
١ - الذهب: معدن معروف، والجمع:
أذهاب، مثل سبب وأسباب، ويجمع أيضا على
ذهبان وذهوب، وهو مذکر، ويؤنث فيقال: هي
الذهب الحمراء، وقد يؤنث بالهاء فيقال:
ذهبة.
وقال الأزهري: الذهب مذكر ولا يجوز تأنيثه
إلا أن يجعل الذهب جمعا لذهبة. (١)
الأحكام المتعلقة بالذهب:
التوضؤ من آنية الذهب:
٢ - اختلف الفقهاء في صحة التوضؤ من إناء
الذهب، فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة في الأصح) إلى
صحة الوضوء مع تحريم الفعل لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا تشربوا في آنية الذهب
والفضة ولا تأكلوا في صحافهما))، (٢) فقيس غير
(١) المصباح المنير ولسان العرب.
(٢) حديث: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في=
- ٢٧٩ -
ذھب ٣- ٥
الأكل والشرب من سائر الاستعمالات علیھما،
لأن علة التحريم وجود عين الذهب والفضة،
وقد تحققت في الاستعمالات الأخرى كالطهارة
فتكون محرمة أيضا.
وذهب الحنابلة في الوجه الثاني إلى عدم
صحة الوضوء منهما قياسا على الصلاة في الدار
المغصوبة. (١) ر: مصطلح: (آنية ف/٣). (٢)
التيمم بالذهب :
٣ - اتفق الفقهاء على عدم جواز التيمم بالمعادن
المسبوكة، كالذهب وغيره، أما إذا لم يكن
مسبوكا وكان مختلطا بالتراب، فذهب الشافعية
إلى عدم جواز التيمم بهذا الخليط سواء أكان
قليلا أم كثيرا، وذهب الحنابلة إلى أنه لا يجوز
التيمم بتراب خالطه غيره مما لا يصح التيمم به
إن كان له غبار وكانت الغلبة لغير التراب.
وذهب الحنفية إلى جواز التيمم به إذا كانت
الغلبة للتراب.
ونقل الحطاب من المالكية قول اللخمي : لا
يجوز التيمم بمالا يقع به التواضع لله تعالى،
= صحافهما)) أخرجه البخاري (الفتح ٩/ ٥٥٤ - ط
السلفية)، ومسلم (١٦٣٨/٣ - ط الحلبي).
(١) ابن عابدين ٢١٧/٥ وما بعدها، وفتح القدير ٥٠٧/٨،
والروضة ٤٦/١، وأسنى المطالب ٢٧/١، وجواهر
الإكليل ١/ ١٠ والقوانين الفقهية ص٣٧ -٣٨ والمغني
٧٥/١ - ٧٦
(٢) الموسوعة ١١٧/١ - ١١٨
كالياقوت والزبرجد ونقد الذهب والفضة إلا أن
يكون الشخص في معادنه ولم يجد سواه فيتيمم
به . (١)
اتخاذ الرجل لحلي الذهب:
٤ - أجمع الفقهاء على تحريم استعمال حلي
الذهب على الرجال لقوله : ((أحل الذهب
والحرير لإِناث أمتي، وحرم على ذكورها)). (٢)
وظاهر كلام أحمد تجويز فص الخاتم من
الذهب إن كان يسيرا، واختاره بعض
الحنفية . (٣)
اتخاذ الذهب خاتما :
٥ - التختم بالذهب حرام على الرجال بإجماع
علماء الإِسلام، لما رواه البخاري وغيره أن
النبي لفر: ((نهى عن خاتم الذهب)»(٤) ومعلوم
أن الأصل في النهي التحريم. (٥)
(١) الفتاوى الهندية ٢٧/١ وما بعدها، والحطاب ٣٥١/١،
والمجموع ٢/ ٢٢٠، والإقناع ١٧٢/١ - ١٧٣، والمغني
١/ ٢٥٠، وكشاف القناع ١٧٣/١
(٢) حديث: ((أحل الذهب والحرير لإناث من أمتي وحرم على
ذكورها)) أخرجه النسائي (٨/ ١٦١ - ط المكتبة التجارية)
من حديث أبي موسى الأشعري، وحسنه ابن المديني كما في
التلخيص لابن حجر (٥٣/١ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٣) فتح القدير ٩٥/٨، والروضة ٢٦٢/٢، ومواهب الجليل
١٢٥/١، وكشاف القناع ٢٣٦/٢
(٤) حديث: ((نهى عن خاتم الذهب)) أخرجه البخاري (الفتح
٣١٥/١٠ - ط السلفية) من حديث البراء بن عازب.
(٥) فتح القدير ٨/ ٩٦ وحاشية ابن عابدين ٦/ ٣٥٩
- ٢٨٠ -