Indexed OCR Text

Pages 321-340

دعوة ٢ - ٣
والدعوة في الحبشة))(١) جعل الأذان في الحبشة
تفضيلا لمؤذن بلال، وإنما قيل للأذان ذلك لأنه
دعوة إلى الصلاة، ولذلك يقول المجيب:
((اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة
القائمة ... الخ)). (٢)
وأما في اصطلاح الفقهاء فإن الدعوة لا تخرج
عن هذه المعاني المذكورة .
٢ - وسنقصر البحث في هذا المصطلح على
المعاني التالية :
أ - الدعوة: بمعنى طلب الدخول في الدين
والاستمساك به .
ب - والدعوة: بمعنى المناداة وطلب الحضور
إلى الداعي.
وأما الدعوة: بمعنى الدعاء. وهو الرغبة إلى
الله تعالى في أن يجيب سؤال الداعي ويقضي
حاجته فتنظر أحكامها في دعاء.
وأما الدعوة بمعنى النسب فتنظر أحكامها
في: (نسب).
(١) حديث: ((الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار،
والدعوة في الحبشة» أخرجه أحمد في مسنده (١٨٥/٤ -ط
الميمنية) من حديث عتبة بن عبد، وقال الهيثمي: ((رجاله
ثقات)) كذا في ((مجمع الزوائد)) (١٩٢/٤ - ط القدسي).
(٢) حديث: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة
القائمة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٩٤ - ط السلفية)
من حديث جابر بن عبدالله.
أولا :
الدعوة بمعنی الدین (أو المذهب» أو
بمعنی الدخول فیهما :
٣ - أما بالمعنى الثاني فواضح مأخذه لغة، فإن
الداعي یطلب من غيره أن يتابعه على دينه،
والطلب دعوة .
وأما إطلاق الدعوة علی الدین نفسه، أو
على المذهب، فلأن صاحبه يدعو إليه، ومنه
قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق﴾(١) قال الزجاج:
جاء في التفسير أنها شهادة أن لا إله إلا الله أي
لأنها يدعى إليها أهل الملل الكافرة. وفي كتاب
النبي وله إلى هرقل: ((إني أدعوك بدعاية
الإِسلام)) وفي رواية ((داعية الإِسلام)). (٢) قال
ابن منظور: أي بدعوته .
ويطلق على الأديان والمذاهب الباطلة أنها
دعوات، كدعوات المتنبئين، وأرباب المذاهب
الفاسدة المبتدعة، كالدعوات الباطنية التي
أكثرت من استعمال هذا المصطلح ومشتقاته،
غير أن ((الدعوة)) إذا أطلقت في كلام الفقهاء
فالمعني بها دعوة الحق وهي الدعوة الإِسلامية،
كقولهم في أبواب الجهاد: ((لا يحل لنا أن نقاتل
(١) سورة الرعد/ ١٤
(٢) حديث: ((إني أدعوك بدعاية الإِسلام - وفي رواية بداعية
الإسلام)) أخرج الرواية الأولى البخاري (الفتح ٣٢/١ -
ط السلفية)، ومسلم (١٣٩٦/٣ - ط الحلبي) وأخرج
الرواية الثانية مسلم (١٣٩٧/٣ - ط الحلبي) كلاهما من
حديث أبي سفيان.
- ٣٢١ -

دعوة ٤ - ٨
من لا تبلغه الدعوة إلى الإِسلام)). (١)
الألفاظ ذات الصلة :
٤ - أ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوسع دلالة
من ((الدعوة))، إذ أن ((الدعوة إلى الله)) أمر
بالمعروف الأكبر الذي هو الإِيمان والصّلاح،
ونهي عن المنكر الأكبر الذي هو الكفر بالله
والإشراك به ومعصيته .
و(الدعوة) تهدف إلى الإِقناع والوصول الى
قلوب المدعوّين للتأثير فيها حتى تتحول عما هي
عليه من الإِعراض أو العناد، إلى الإقبال
والمتابعة، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فقد يهدف إلى ذلك، وقد يهدف إلى مجرد وجود
المعروف وزوال المنكر، سواء أحصل الاقتناع
والمتابعة أم لم يحصلا.
وعلى هذا فالدعوة أخص من الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
ب - الجهاد :
٥ - الجهاد القتال لإعلاء كلمة الله، وهو من
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد
فعل، والجهاد ليس هو الدعوة، بل الدعوة
مطالبة الكافر ونحوه بالإِيمان والاتباع، والدعوة
واجبة قبل القتال، كما سيأتي .
(١) الدر المختار ٢٢٣/٣، وانظر مصطلح: (تبييت) في
الموسوعة .
جـ ـ الوعظ :
٦ - الوعظ والعظة: النصح والتذكير بالعواقب،
قال ابن سيدة: هو تذکیرك لإِنسان بما یلین
قلبه من الثواب والعقاب. (١) فهو أخص من
الدعوة، إذ الدعوة تكون أيضا بالمجادلة
والمحاورة وكشف الشبه وتبلیغ الدین مجردا .
حكم الدعوة :
٧ - الدعوة إلى الله تعالى فرض لازم، لقوله
تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
الحسنة﴾(٢) ولقوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي
أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾(٣)
وقوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم
المفلحون﴾ (٤)
واختلف في وجوب الدعوة إلى الله هل هو
عيني أم كفائي . (٥)
وتفصيله ذكر في مصطلح: ((أمر بالمعروف)).
فضل الدعوة إلى الله تعالى :
٨- يتبين فضل القيام بالدعوة إلى الله تعالى من
وجوه :
(١) لسان العرب.
(. (٢) سورة النحل / ١٢٥
٥ (٣) سورة يوسف/ ١٠٨
(٤) سورة آل عمران/ ١٠٤
(٥) تفسير ابن كثير ٢/ ١٠٩، وسورة المائدة / ١٠٥
- ٣٢٢ -

دعوة ٩ - ١١
٩ - الوجه الأول: أن الدعوة إلى الله تعالى
تولاها الله تعالى، فأرسل الرسل وأنزل معهم
الكتب وأيدهم بالمعجزات، وأمر بالتقوى، وأمر
الناس بعبادته وحده لا شريك له، كما أنه في
مخلوقاته نصب الأدلة على كونه الرب الخالق
الذي ينبغي أن يعبد، وفي كتبه ذكر البراهين
التي تثبت ذلك، ثم بشّر وحذّر وأنذر ، وقال:
﴿والله يدعو إلى دار السلام وهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم﴾ .(١)
وتولى الدعوة أيضا رسله عليهم الصلاة
والسلام بتكليف من الله تعالى، فإن مضمون
الرسالة الدعوة إلى الله تعالى، كما قال: ﴿ولقد
بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا
الطاغوت﴾ (٢) وقال: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين
لئلا يكون للناس على الله حجة بعد
الرسل﴾. (٣)
وآخر الرسل محمد مَل# بعثه الله تعالی وحدد
له مهام الرسالة ومنها الدعوة إليه تعالى، فقال:
﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا،
وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾. (٤)
فوظيفة الداعية إذن من الشرف في مرتبة
عالية، إذ أنها تبليغ دعوة الله تعالى، ومتابعة
(١) سورة يونس/ ٢٥
(٢) سورة النحل/ ٣٦
(٣) سورة النساء/ ١٦٥
(٤) سورة الأحزاب/ ٤٥
مهمة الرسل، والسير على طريقهم، كما يشير
إليه قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله
على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾(١)
وقد أخبر الله تعالى أن من دعاء عباد الرحمن
أن يقولوا: ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾(٢) قال
قتادة: «أي قادة في الخير، ودعاة هدی یؤتم بنا
في الخير)). (٣)
١٠ - الوجه الثاني: ما يشير إليه قوله تعالى:
﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل
صالحا ... ﴾ (٤) فإنه يبين أن الدعاء إلى الله،
وما يتبع ذلك، هو أحسن القول، وأعلاه مرتبة،
وما ذلك إلا لشرف غاياته وعظم أثره.
١١ - الوجه الثالث : ما يشير إليه قوله تعالى:
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف ... ﴾(٥) وقوله: ﴿ولتكن منكم أمة
يدعون إلى الخير﴾، إلى قوله: ﴿وأولئك هم
المفلحون)، (٦) فالآية تبين أفضلية هذه الأمة
على غيرها، وأنه هو دعوة الناس، والتسبب في
إيمانهم، وفي مسارعتهم إلى المعروف وانتهائهم
عن المنكر.
(١) سورة يوسف/ ١٠٨
(٢) سورة الفرقان/ ٧٤
(٣) فتح الباري ٢٥١/١٣ القاهرة، المطبعة السلفية
١٣٧١ هـ.
(٤) سورة فصلت/ ٣٣
(٥) سورة آل عمران/ ١١٠
(٦) سورة آل عمران/ ١٠٤
- ٣٢٣ -
٠ ٠

دعوة ١٢ - ١٣
والآية الثانية : حصرت الفلاح في الدعاة
الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر.
١٢ - الوجه الرابع: ما يشير إليه قول النبي وتلقى:
((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور
من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيء)) (١)
ففيه عظم أجر الدعاة إذا اهتدى بدعوتهم أقوام
قليل أوكثير، وقال النبي ◌َّ لعلي بن أبي طالب
رضي الله عنه لما أعطاه الراية يوم خيبر: ((انفذ
على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى
الإِسلام فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا
خيرلك من أن يكون لك ◌ُمْرِ النَّعَم)). (٢)
أهداف الدعوة وحكمة مشروعيتها :
١٣ - يهدف تشريع الدعوة إلى الله تعالى إلى
تحقيق أغراض سامية منها:
١ - إرشاد البشرية إلى أعلى حق في هذا
الوجود، إذ بدون الدعوة لا يتمكن البشر من
معرفة ربهم، ويبقون في تخبط من أمر أصل
الخلق والغرض منه، ومآله، ووضع الإنسان في
هذا الكون، فتغلب عليهم الضلالات والأوهام
(١) حديث: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر ... )).
أخرجه مسلم (٢٠٦٠/٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٢) حديث: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم)). أخرجه
مسلم (٤ /١٨٧٢ - ط الحلبي) من حديث سهل بن سعد.
كما قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج
الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى
صراط العزيز الحميد﴾.(١).
قال القرطبي: ((لتخرج الناس)): أي
بالکتاب وهو القرآن، أي بدعائك إلیه من
ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والعلم
بتوفيقه إياهم ولطفه بهم، وأضيف إلى
النبي ◌َّ، لأنه الداعي، والمنذر الهادي إلى
صراط العزيز الحميد. (٢)
٢ - إنقاذ البشرية من أسباب الدمار والهلاك،
فإن البشر إذا ساروا في حياتهم بمجرد عقولهم
وأهوائهم وغرائزهم، لا يستطيعون توقي ما
يضرهم، ويؤدي بهم إلى الفساد في الغالب،
والشرائع الإلهية جاءت بالتحليل والتحريم
والقواعد التي تكفل لمتبعيها السعادة والصلاح
واستقامة الأمور. قال تعالى : ﴿يا أيها الذين
آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما
يحييكم﴾(٣) أي يجبي دينكم ويعلمكم، أو إلى
ما يحبي به قلوبكم فتوحدوه، وهذا إحياء
مستعار، لأنه من موت الكفر والجهل، وقال
مجاهد والجمهور: استجيبوا للطاعة وما تضمنه
(١) سورة إبراهيم/ ١
(٢) القرطبي ٣٣٨/٩، وروح المعاني ١٠٥/١ -١٠٨،
وتفسیر ابن کثیر ١/ ٦٩ - ٧١
(٣) سورة الأنفال/ ٢٤
- ٣٢٤ -

دعوة ١٣ - ١٤
القرآن، ففيه الحياة الأبدية والنعمة
السرمدية . (١)
٣ - تحقيق الغاية من الخلق، فإن الله تعالى
خلق الكون ومهده للناس لیعبد فیه، قال
تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون﴾ (٢)
قال علي رضي الله عنه: وما خلقت الجن
والإِنس إلا لآمرهم بالعبادة، وقال مجاهد: إلا
ليعرفوني. قال الثعلبي : وهذا قول حسن، لأنه
لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده.
ولا يتحقق ذلك إلا بالدعوة، ليتمكن الخلق من
معرفة الوجوه التي يريد الله تبارك وتعالى أن
یعبد بها، فإن العقل لا يهتدي لذلك من دون
أن يبلّغ به ممن یعلمه.
٤ - إقامة حجة الله على العباد، بأن دينه
وشرائعه قد بلغتھم حتی إن عذبهم لم یکن
عذابه ظلما، كما قال تعالى : ﴿رسلا مبشرين
ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد
الرسل﴾ . (٣)
٥ - تحقيق الهداية والرحمة المقصودة بإرسال
الرسل وإنزال الكتب، كما قال تعالى لنبيه
محمد ◌ّ: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (٤)
(١) تفسير القرطبي ٣٨٩/٧
(٢) سورة الذاريات / ٥٦، وانظر القرطبي ١٧ / ٥٥
(٣) سورة النساء/ ١٦٥
(٤) سورة الأنبياء / ١٠٧
وقال عن كتابه: ﴿هدى للمتقين﴾(١) ﴿وإنه
لهدى ورحمة للمؤمنين﴾ (٢) فالدعوة هي الوسيلة
إلى إطلاع من لم يعلم بالرسول والكتاب على
حقيقتهما وحقيقة ما جاءا به، فتعم الرحمة
والهداية إلى المدى الذي يشاء إليه .
٦ - تكثير عدد الأقوام المؤمنين بالله، وتحقيق
عزة شأن الإِسلام والمسلمين.
٧ - ما تقدم هو في دعوة غير المسلمین، أما
الدعوة بين المسلمين فالهدف منها تذكير
الغافلين والعصاة، والعودة بالمنحرفين إلى
الصراط المستقيم، وتقليل المفاسد في المجتمع
الإِسلامي، وإزالة الشبه التي ينشرها أعداء
الدين، وتكثير الملتزمين المتمسكين بتعاليم
الدين ليعيش المؤمنون - ومنهم الدعاة أنفسهم -
في عزة وقوة، وفي أمن ورخاء، بخلاف ما لو كثر
المنکر وأهله، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف أهل
الإِيمان، وذلّهم بين أقوامهم، وإذا كثر المنكر
وأهله حتى غلبوا كان ذلك سببا للفتن والعقوبة
التي قد لا يسلم منها المؤمنون أنفسهم، كما قال
تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا
منكم خاصة﴾.(٣)
الدعوة إلى الباطل :
١٤ - حرم الإِسلام الدعوة إلى الباطل، وشدد
(١) سورة البقرة/ ٢
(٢) سورة النمل / ٧٧
(٣) سورة الأنفال / ٢٥
- ٣٢٥ -

دعوة ١٤ - ١٥
النكير على دعاة الباطل في آيات صريحة
وأحاديث صحيحة، كما حذر القرآن والسنة من
مساندة الداعين إلى الباطل أو تسهيل الأمر
عليهم. فحذّر الله من دعوة شيطان الجن
الإِنسان إلى معصية الله، بأن أخبرنا بمقالته
يوم القيامة للضالين وللعصاة الذين أضلهم،
كما قال تعالى: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر
إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم
فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا
بمصرخکم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما
أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب
أليم﴾(١) وكذلك شياطين الإِنس يقول لهم
المدعوون الذين ضلوا بسببهم: ﴿بل مكر الليل
والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له
أندادا﴾(٢) وحذر من مصير دعاة الباطل
وأتباعهم فقال في فرعون وآله: ﴿وجعلناهم
أئمة يدعون إلى النار﴾(٣)
وقد دل القرآن العظيم على أن الداعي إلى
الباطل يحمل بالإِضافة إلى وزر نفسه أوزار من
ضلوا بدعوته، كما قال تعالى: ﴿ليحملوا
أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين
(١) سورة إبراهيم/ ٢٢
(٢) سورة سبأ/ ٣٣
(٣) سورة القصص/ ٤١
يضلونهم بغير علم﴾(١) قال ابن كثير: إن
الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم
آخر، بسبب ما أضلوا من غير أن ينقص من
أوزار أولئك شيء، وهذا من عدل الله
تعالی . (٢).
وقال النبي وقال: ((من دعا إلى ضلالة كان
عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك
من آثامهم شيء))(٣) وفي الصحيحين عن
حذيفة بن اليمان قال: ((قلت يارسول الله: إنا
كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل
بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) ثم بيّن
هذا الشر فقال: ((دعاة على أبواب جهنم من
أجابهم إليها قذفوه فيها)) قال حذيفة: قلت:
یارسول الله صفهم لنا ، قال: «هم من جلدتنا
ويتكلمون بألسنتنا)) (٤) الحدیث. وكل هذا
يوجب على المسلم الحذر من دعوة الباطل وممن
يحمل تلك الدعوة.
بيان ما يدعى إليه :
١٥ - أول ما يدعى إليه الكافر الذي لم تبلغه
(١) سورة النحل/ ٢٥
(٢) تفسير ابن كثير ٢ / ١٨٩
(٣) حديث: ((من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم ... ))
أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٦٠ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٤) حديث حذيفة بن اليمان. أخرجه البخاري (الفتح
٣٥/١٣ - ط السلفية)، ومسلم (١٤٧٥/٣ - ط الحلبي).
- ٣٢٦ -

دعوة ١٦ - ١٧
الدعوة، الإِيمان بوجود الله تعالی، وتوحيده،
والتصديق بكتابه، والإِيمان برسوله ◌َئية، والإِيمان
بسائر كتب الله المنزلة، ورسله، واليوم الآخر،
ومتابعة أوامر الله ونواهيه، واتباع ما جاء به
رسوله وَلجر، وتعظيم الله ورسوله، والالتزام
بسائر فرائض الإِسلام وواجباته، وترك
المحرمات، والإِقبال على الأعمال المستحبة،
وعلى محاسن الأخلاق، وتزكية النفس من
شوائب النفاق والرياء، وترك ما کرهه الشرع،
وتعلم القرآن والأحكام .
١٦ - والأصل في ذلك حديث ابن عباس في
الصحيحين أن النبي و لي قال لمعاذ بن جبل حين
بعثه إلى اليمن: ((إنك تقدم على قوم من أهل
الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله
عز وجل - وفي رواية: فادعهم إلى شهادة أن
لا إله إلا الله وأني رسول الله - فإذا عرفوا الله
فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في
یومهم ولیلتهم، فإذا فعلوا ذلك - وفي رواية :
فإن أطاعوا بذلك - فأخبرهم أن الله قد فرض
عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على
فقرائهم. فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم، وتوقّ
كرائم أموالهم)) (١) قال ابن حجر: بدأ
بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصح
شيء غيره إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد
(١) حديث: ((إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ... ))=
فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين
على التعيين، ومن كان موحّدا فالمطالبة له
بالجمع بين الإِقرار والوحدانية، ثم قال: بدأ
بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب
لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن
النفرة. (١)
وقد أمر الله تعالى نبيه و له بالدعوة إليه
فقال: ﴿وادع إلى ربك﴾(٢) وقال تعالى: ﴿قل
هذه سبيلي أدعو إلى الله﴾. (٣)
وفي بعض الآيات عبربالدعوة إلى سبيل الله
فقال: ﴿ادع إلى سبيل ربك﴾ (٤) وهذا أعظم
ما دعا إليه الرسل، كما قال الله تعالى حكاية
عن قول نوح عليهالسلام : ﴿إني لكم نذير مبين
ألا تعبدوا إلا الله﴾(٥) وقول كل من هود وصالح
عليهما السلام: ﴿قال ياقوم اعبدوا الله مالكم
من إله غيره﴾ . (٦)
واجب من بلغته الدعوة إلى الحق :
١٧ - من بلغته الدعوة من الكفار إلى دين
= أخرجه البخاري (الفتح ٣٥٧/٣ - ط السلفية)، ومسلم
(٥٠/١، ٥١ - ط الحلبي).
(١) فتح الباري ٣/ ٣٥٧
(٢) سورة القصص/ ٨٧
(٣) سورة يوسف/ ١٠٨
(٤) سورة النحل / ١٢٥
(٥) سورة هود/ ٢٤، ٢٥
(٦) سورة هود/ ٥٠ - ٦١
- ٣٢٧ -

دعوة ١٧ - ١٨
الإِسلام وما فيه من الحق، وجب عليه المبادرة
إلى قبوله، والرضا به، ومتابعة الداعي إليه،
وأن يعلم أن ذلك خير ساقه الله إليه، وفتح له
به بابا ليدخل إلى مأدبته، كما في الحديث الذي
رواه البخاري عن جابر قال: ((جاءت ملائكة
إلى النبي ◌َ ل وهو نائم)) إلى أن قال: ((فقالوا:
مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة،
وبعث داعیا، فمن أجاب الداعي دخل الدار،
وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل
الدار ولم يأكل من المأدبة)) فأولوا الرؤيا فقالوا:
((الدار الجنة، والداعي محمد تَير، فمن أطاع
محمدا # فقد أطاع الله، ومن عصى محمد اێ
فقد عصى الله))(١) وينبغي أن يعلم المدعو أنه
بمجرد بلوغ الدعوة له بصورة واضحة فقد
قامت عليه حجة الله، فإن لم يؤمن بالله
ورسوله استحق عقوبة المشركين
والكافرين، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين
حتى نبعث رسولا)، (٢) وقول النبي يثير:
«والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من
هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم
يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب
النار)). (٣)
(١) حديث جابر بن عبد الله: ((جاءت ملائكة إلى
النبي ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٤٩/١٣ - ط
السلفية).
(٢) سورة الإسراء/ ١٥
(٣) حديث: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد=
وإذا أسلم الكافر وجب عليه أن لا يكتفي
بالتسمي بالإِسلام، بل عليه العلم بأحكامه
والعمل بها، والتخلق بالأخلاق الإِسلامية،
والمبادرة إلى التخلص مما ينافي الإِسلام من
الاعتقادات والعادات.
من لم تبلغهم دعوة الإِسلام :
١٨ - من لم تبلغهم الدعوة الإِسلامية لا يكلفون
بشيء من الأحكام الشرعية، أما إذا رغب أحد
من الكفار في دخول بلاد المسلمين ليسمع
القرآن، ويعلم ما جاء به، ويفهم أحكامه
وأوامره ونواهيه، فيجب إعطاؤه الأمان لأجل
ذلك، فإن قبل فهو حسن، وإلا وجب رده إلى
مأمنه. قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين
استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه
مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)). (١)
أما من حيث النجاة في الآخرة، فقد قسم
الإِمام الغزالي الناس في شأن دعوة محمد ول#
ثلاثة أقسام :
الأول: من لم يعلم بها بالمرة، قال: وهؤلاء
ناجون .
الثاني : من بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في
= من هذه الأمة ... )) أخرجه مسلم (١/ ١٣٤ - ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(١) سورة التوبة/ ٦
- ٣٢٨ -
2
٠

دعوة ١٩ - ٢٠
أدلتها استكبارا أو إهمالا أو عنادا، قال: وهؤلاء
مؤاخذون .
الثالث : من بلغته الدعوة على غير وجهها،
كمن بلغه اسم محمد ◌ّ ولم يبلغهم نعته
وصفته، بل سمعوا منذ الصبا باسمه من أعدائه
متهما بالتدليس والكذب وادعاء النبوة قال :
فهؤلاء في معنى الصنف الأول. (١)
المكلف بالدعوة إلى الله :
١٩ - الإِمام أولى الناس بإقامة الدعوة إلى الله،
وذلك لأمور:
الأول: أن الإِمامة في شريعة الإِسلام إنما هي
لحراسة الدين وسياسة الدنيا، وحراسة الدين
تتضمن الحرص على نشره، وتقويته، وقيام
العمل به، واستمرار كلمته عالية، وتتضمن
الدفاع عنه ضد الشبهات، والضلالات، التي
يلقيها ويبثها أعداء الدين. قال ابن تيمية :
(١) مع الله، للشيخ محمد الغزالي ص٦٢، القاهرة، دار الكتب
الحديثة ١٣٨٠ هـ نقلا عن فيصل التفرقة للإِمام أبي حامد
الغزالي، وتفسير ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وماكنا
معذبين حتى نبعث رسولا) من سورة الإسراء ٣٠، ٣١
القاهرة عيسى الحلبي، وتفسير الرازي ٢٢٦/١٥،
والقرطبي ٧٤/٨، وأحكام القرآن للجصاص ٣/ ٨٤،
ونهاية المحتاج ٣٧١/١، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي
١/ ١٢٠، وشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني المسمى
كفاية الطالب الرباني ١/ ٢١١ دار المعرفة، ومواهب الجليل
٤٦٩/١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٠٠/١
((ولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر، وذلك هو مقصود الولاية))(١) كما أن من
واجب الإِمام إقامة الجهاد لنشر الإِسلام،
والجهاد في ذلك نوع من الدعوة إلى الله على
ما يأتى بيانه .
الثاني: أن الدعوة إلى الله هو على المسلمين
فرض كفاية على الراجح، وفروض الكفايات
على الإِمام القيام بها أو تكليف من يقوم بها،
كتكليفه للقضاة، والأئمة، والمؤذنين، وأهل
الجهاد، ونحو ذلك.
الثالث: أن ما حصل للإِمام من التمكين في
الأرض ونفوذ الكلمة على المسلمين يقتضي أن
یکون صالحا في نفسه محاولا الإِصلاح جهده،
لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ولينصرن الله من
ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في
الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا
بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة
الأمور﴾. (٢)
٢٠ - والدعوة إلى الله مكلف بها كل مسلم
ومسلمة على سبيل الوجوب الكفائي أو العيني،
(١) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، بتحقيق
محمد المبارك ص ٦٥ بيروت. دار الكتب العربية
١٣٨٦ هـ.
(٢) سورة الحج / ٤٠، ٤١، وانظر تفسير القرطبي ٧٣/١
- ٣٢٩ -

دعوة ٢٠ - ٢٢
فليست خاصة بالعلماء الذين بلغوا في العلم
المراتب العالية، وإنما ينبغي أن يكون الداعي
عالما بما يدعو إليه، لقول النبي وَله: ((نضّر الله
امرأ سمع منا شیئا فبلغه كما سمع)). (١) وقوله :
((بلغوا عني ولو آية))(٢) وقال بعد أن خطب في
حجة الوداع: ((ليبلّغ الشاهد الغائب)). (٣)
فالمسلم يدعو إلى أصل الإِسلام، وإلى أصل
الأمور الظاهرة منه كالإِيمان بالله، وملائكته،
وكتبه، واليوم الآخر، وكفعل الصلاة، وأداء
الزكاة والصوم، والحج ونحو ذلك، وإلى نحو
ترك المعاصي الظاهرة من الزنا، وشرب الخمر،
والعقوق، والفحش في القول. ولكن ليس له
أن يدعو إلى شيء يجهله، لئلا یکون علیه إثم
من يضلهم بغير علم، ويختص أهل العلم
بالدعوة إلى تفاصيل ذلك، وكشف الشبه،
وجدال أصحابها، ورد غلو الغالین، وانتحال
المبطلين ونحو ذلك، ولغير العلماء أيضا الدعوة
إلى مسائل جزئية إذا علموها وأصبحوا بها على
بصيرة، ولا يشترط لذلك التبحر في العلم
(١) حديث: ((نضر الله امرأ سمع مناشيئا ... )) أخرجه
الترمذي (٣٤/٥ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن
مسعود، وقال: ((حسن صحيح)).
(٢) حديث: ((بلغوا عني ولو آية)). أخرجه البخاري (الفتح
٤٩٦/٦ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن عمرو.
(٣) حديث: ((ليبلغ الشاهد الغائب)). أخرجه البخاري
(الفتح ١/ ١٥٨ - ط السلفية) من حديث أبي بكرة.
الدیني بجمیع أقسامه، فکل من الطرفین يدعو
إلى ما هو عالم به. قال الغزالي: ((واجب أن
یکون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم
الناس دينهم، وكذا في كل قرية)) ثم قال: ((وكل
عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف
غيره، وإلا فهو شريك في الإِثم .. ومعلوم أن
الإِنسان لا يولد عالما بالشرع، وإنما يجب التبليغ
على أهل العلم. فكل من تعلم مسألة واحدة
فهو من أهل العلم بها. والإِثم - أي في ترك
التبليغ - على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه
أظهر، وهو بصناعتهم أليق)). (١)
شروط الداعية :
٢١ - يشترط في الداعية أن يكون مكلفا (أي
مسلما عاقلا بالغا) وأن يكون عالما عادلا ،
ولا خلاف في أن المرأة مكلفة بالدعوة، مشاركة
للرجل فيها .
وراجع هنا مصطلح: (الأمر بالمعروف)
(ف٤).
أخلاق الداعية وآدابه :
٢٢ - يجب أن تكون أخلاق الداعية منسجمة
ومتفقة مع مضمون الدعوة، وهو الذي يتمثل في
القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، ومناسبة ذلك
(١) إحياء علوم الدين ٣٤٢/٢ القاهرة، المكتبة التجارية
١٩٥٥م.
- ٣٣٠ -

دعوة ٢٢
تظهر من ثلاثة أوجه:
الأول: أن في التخلق بأخلاق القرآن والسنة
الخير كله، من الكرم، والسماحة، والوفاء،
والصدق، وغير ذلك من الأخلاق الإِسلامية.
الثاني: أن الله عز وجل لما أراد أن يختار محمد الكليه
لدعوة الإِسلام أدَّبه فأحسن تأديبه، وجعله على
خلق عظيم، وكان خُلقه القرآن.
الثالث: أن تخلق الداعي بما يدعو إليه
واصطباغه بصبغته، يعينه على الدعوة، فإنه
ييسر على المدعوين قبول الدعوة، إذ يرون
داعیهم ممتثلا لما يدعو إليه، وكان النبي ◌َّڑ إذا
أمر بأمر بدأ فيه بنفسه وأهله، كما قال في خطبته
في حجة الوداع: ((ألا وإن كل دم ومال ومأثرة
كانت في الجاهلية تحت قدميّ هاتين إلى يوم
القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب .. ثم قال: ألا وإن کل
ربا کان في الجاهلية موضوع، وإن الله قضی
أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد
المطلب)). (١)
الرابع: أن موافقة أخلاق الداعي لمضمون
دعوته يؤكد مضمون الدعوة ويقويه في نفوس
(١) حديث: ((ألا وإن كل دم ومال ومأثرة ... )) أخرجه أحمد
(٧٣/٥ - ط اليمنية) من حديث أبي قرة الرقاشي عن
عمه، والبزار كما في السيرة النبوية لابن كثير (٤٠٣/٤ -
نشر دار إحياء التراث العربي) من حديث عبدالله بن عمر،
وفي كل منهما مقال، لکن یقوي أحدهما الآخر.
المدعوين والأتباع، فإنه یکون مثلا حیا لما يدعو
إلیه، ونموذجا عملیا يحتذيه الأتباع، ويخرج في
أنفسهم عن أن يكون مضمون الدعوة أمرا
خياليا بعيدا عن الواقع. هذا بالإِضافة إلى أن
المدعويتعلم من أخلاق الداعية من التفاصيل
ما قد لا تبلغه الدعوة القولية .
ولو أن أخلاق الداعي كانت على خلاف
ما يدعو إليه كان ذلك تكذيبا ضمنیا لدعوته،
وإضعافا لها في نفوس المدعوّين والأتباع،
والمعصية قبيحة من كل أحد، ولكنها من
الدّاعية أشد قبحا وسوءا. وهو مهلك لدعوته،
قاطع للناس عن القبول منه.
وهذا القول صادق على التمسك بالأخلاق
والآداب الإِسلامية بصفة عامة.
الخامس: التحلي بمكارم الأخلاق، ومحاسن
الصفات.
على الدعاة أن يزيدوا عنايتهم بأخلاق
وصفات معينة خاصة، لما لها من مساس بالدعوة
يؤدي إلى نجاحها، كالصبر والتواضع،
والرحمة واللين، والرفق بالمدعوين، والصدق
والوفاء، والحنكة والفطنة في التعامل مع من
يدعوهم، ومع ظروف الدعوة، ورعاية الضعفاء
والعامة عند التعامل معهم، والفطنة في التعامل
مع أهل النفاق.
- ٣٣١ -

دعوة ٢٣ - ٢٥
وكذلك التعاون وعدم الاختلاف بين
الدعاة، مع التحاب والتواصل والتناصح فيما
بینهم، حتى تؤتي الدعوة أكلها، واحذرمن
أهل النفاق، وممن يحاولون إفساد ذات البين بين
الدعاة .
طرق الدعوة وأساليبها :
٢٣ - طرق الدعوة وأساليبها تتنوع بتنوع ظروف
الدعوة، وباختلاف أحوال المدعوين والدعاة،
وذلك لأن الدعوة تعامل مع النفوس البشرية،
والنفوس البشرية مختلفة في طبائعها وأمزجتها،
وما يؤثر في إنسان قد لا يؤثر في غيره، وما يؤثر
في إنسان في حال قد لا يؤثر فيه في حال أخری،
فلابد للداعية من مراعاة ذلك كله والعمل
بحسبه، ويجمع ذلك كله قول الله تبارك
وتعالى : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن
ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدین﴾(١) والحکیم۔۔ کما في لسان العرب-
المتقن للأمور.
٢٤ - ومن الأساليب الرئيسية في الدعوة التي سار
عليها النبيون وعمل بها السلف الصالح، ودلت
عليها حجج التجارب:
١ - التمسك بالحق والصواب في وسائل
الدعوة، فلا يسلك وسائل غير مشروعة.
٢ - التدرج في الدعوة .
٣ - التريث والتمهل وعدم استعجال النتائج
قبل أدائها .
٤ - التصدي للشبهات التي يطرحها أعداء
الدين للتشكيك في الدعوة، أو الدعاة، وإزالة
تلك الشبهات .
٥ - تنويع أساليب الدعوة باستخدام الترغيب
والترهيب.
٦ - الاستفادة من الفرص المتاحة لتبليغ
الدعوة .
٧ - تقدیم النفع، وبذل المعروف لکل من يحتاج
إليه، كإطعام المسكين، وكسوة العاري، ورعاية
اليتيم، ومعونة المضطر.
٨ - إنشاء المراكز التعليمية ليتابع الداخل في
الإِسلام، بالتربية، وتعليم القرآن والسنة،
وسيرة السلف الصالح، وتفقيهه في الدين،
واستئصال بقايا الشرك والجاهلية، وأخلاقهما،
وعاداتهما، وآدابهما، المخالفة لدين الله .
وسائل الدعوة :
٢٥ - وسائل الدعوة متنوعة، فكل وسيلة تساعد
على تحقيق أهداف الدعوة يمكن اتخاذها
لذلك، ما لم تكن محرمة شرعا .
والوسائل الرئيسية أنواع. فمنها :
١ - التبليغ بالقول، وهو الأصل في وسائل
(١) سورة النحل / ١٢٥
- ٣٣٢ -

دعوة ٢٦
الدعوة. وقد قال تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن
دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من
المسلمین﴾.(١) ويكون ذلك بأمور أهمها:
- قراءة القرآن وبيان معانيه، والخطب،
والمحاضرات، والندوات، ومجالس التذكير،
والدروس في المساجد وخارجها، ويكون
بزيارات المدعوين، واستغلال التجمعات.
- وشبيه بالقول الكتابة، كما فعل النبي ◌َّ في
دعوة الملوك، كما استعمله الخلفاء من بعده،
ويمكن الإِفادة من وسائل الإِعلام العديدة،
كالإِذاعات المسموعة، والمرئية، والصحافة،
والكتب والمنشورات، وغيرها .
٢ - التبليغ عن طريق القدوة الحسنة، والسيرة
الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والتمسك
بأهداب الدین.
٣ - الجهاد في سبيل الله، لأنه وسيلة لحماية
الدعوة، ومواجهة المتصدين لها .
أما الذین یعیشون مع المسلمین في سلام،
فإن الإِسلام لا ينهى عن برهم ومودتهم،
ويمكن أن يقفوا على محاسن الإِسلام
باختلاطهم بالمسلمين.
ثانيا :
الدعوة (إلى الطعام )
٢٦ - الدَّعوة والدِّعوة والمَدْعاة والمِدْعاة ما
دعوت إليه من طعام وشراب. وخصّ اللحياني
بالدَّعوة الوليمة، (١) إلا أن المشهور أن الدعوة
أعم من الوليمة. وبمعنى الدعوة المأدبة .
قال ابن منظور: المأدبة كل طعام صنع
لدعوة أو عرس. (٢)
ويطلق العرب على أنواع الدعوات إلى
الطعام أسماء خاصة يحصيها الفقهاء عادة أول
باب الوليمة، قال البهوتي : إنها إحدى عشرة:
١ - الوليمة: وهي طعام العرس، وقيل: هي
اسم لكل دعوة طعام لسرور حادث، فتكون
على هذا النوع مرادفة للدعوة، إلا أن استعمالها
في طعام العرس أكثر. (٣) وقد جرت العادة
بجعل الوليمة قبل الدخول بزمن يسير.
والأعراف تختلف في ذلك. (٤)
٢ - الشّندخيّة: وهي طعام الإِملاك على
الزوجة، وسميت بذلك من قولهم : فرس
مشندخ أي يتقدم غيره، لأن طعام الإِملاك
يتقدم الدخول.
٣ - الإِعذار والعذيرة والعذْرة والعذير: وهي
الدعوة إلى طعام يصنع عند ختان المولود.
(١) لسان العرب.
(٢) لسان العرب.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٢١/٥، كشاف القناع ١٦٤/٥،
الدسوقي ٣٣٧/٢
(٤) كشاف القناع ١٦٥/٥، والقليوبي على شرح المنهاج
٢٩٤/٣
(٢) سورة فصلت/ ٣٣
- ٣٣٣ -

دعوة ٢٦ - ٢٧
٤ - الخُرس أو الخُرسة: وهو الإِطعام عند
الولادة، لخلاص الوالدة وسلامتها من الطلق .
٥ - العقيقة: الذبح للمولود یوم سابعه .
٦ - الوكيرة: وهي الطعام الذي يصنع بمناسبة
البناء، قال النووي: أي المسكن المتجدد،
سميت بذلك من الوكر، وهو المأوى والمستقر.
٧ - النقيعة: وهي ما يصنع من الطعام للغائب
إذا قدم من سفر طویلا کان أو قصیرا، وفي کتب
الشافعية استحبابها للعائد من الحج . (١)
٨ - التحفة: وهي الطعام الذي يصنعه لغيره
القادم الزائر، وإن لم یکن قادما من سفر.
٩ - الحذاق: وهو ما يصنع من الطعام عند
حذاق الصبي، وهو يوم ختمه للقرآن.
١٠ - الوضيمة: وهي طعام المأتم. وقال
القليوبي : هي للمصيبة .
١١ - والشنداخ: وهو المأكول من ختمة
القارىء .
١٢ - والعتيرة: وهي الذبيحة تذبح أول يوم من
رجب. (٢).
وقد جري العرف بدعوات أخرى، غير
مسماة، وقد ذكر منها صاحب كشاف القناع نقلا
عن كتب الشافعية الدعوة للإخاء.
(١) القليوبي على شرح المنهاج ٢/ ١٥١
(٢) حاشية الدسوقي ٣٣٧/٢، والقليوبي ٢٩٤/٣ وغيرهم،
كشاف القناع ٥/ ١٦٥ وما بعدها.
وفي المذاهب الفقهية بعض الاختلاف في
أسماء بعض هذه الدعوات وينظر ذلك في
مصطلحات: (وليمة، وعقيقة، وختان،
وغيرها).
أما ما تختص به دعوة العرس والعقيقة
وغيرهما من الأحكام فيذكر في مصطلحه،
ونذكر هنا أحكام الدعوات وما يتعلق بالدعوة
بصفة عامة .
مسقطات وجوب إجابة الدعوة :
٢٧ - يسقط وجوب إجابة الدعوة بأمور منها :
١ - أن يكون الداعي ظالما أو فاسقا، أو مبتدعا.
٢ - أن يكون مال الداعي يختلط فيه الحلال
بالحرام.
٣ - إذا كان الداعي امرأة ولم تؤمن الخلوة.
٤ - إذا كان الداعي غير مسلم، فيجوز إجابته
إذا كان يرجى إسلامه، أو كان جارا، أو كانت
بينه وبين الداعي قرابة.
٥ -أن لا يكون الداعي قد عین بدعوته من
يريد حضوره، وإنما عمم الدعوة.
٦ - أن تكون الدعوة بلفظ غير صريح، كقوله :
إن شئت فاحضر.
٧ - أن يختص بالدعوة الأغنياء ويترك الفقراء.
٨ - أن يعلم أنه سيكون في المدعوين من يتأذى
به المدعو، لأمر دنیوي أو ديني .
- ٣٣٤ -

دعوة ٢٨ - ٢٩
٩ - أن يكون في الدعوة منكر يعلم به المدعو
قبل حضوره.
١٠ - تكرر الدعوة لثلاثة أيام فأكثر.
١١ - أن يكون الداعي مدينا للمدعو.
١٢ - أن يكون هناك داعیان فأكثر، ولا يتأتى
إجابة الدعوات كلها فيجيب الأول.
كما تسقط إجابة الداعي الأعذار خاصة
بالمدعو، كأن يكون مريضا، أو مشغولا بحق
لغيره، أو أن يكون في المکان کثرة زحام، أو
كون المدعو قاضيا والداعي خصما، أولا يقيم
الدعوة لولا القاضي - مع تفصيل في المذاهب
بالنسبة إلى القاضي - ينظر في أدب القاضي وفي
وليمة .
كما تسقط إجابة الدعوة بإعفاء الداعي،
کسائر حقوق الآدمیین.(١)
وفي كل هذا خلاف وتفصيل يذكر في
مصطلح: (وليمة، خطبة، نكاح، عقيقة،
ضيافة).
٢٨ - من الآداب التي يراعيها الداعي في
دعوته :
١ - أن یعین من يدعوه.
(١) ابن عابدين ٢٢١/٥ -٢٢٢، الفتاوى الهندية ٣٤٢/٥ -
٣٤٣، كشاف القناع ١٦٦/٥، ١٦٧ -١٦٨، والمغني
١١/٥، ٣/٧-٧٩/٩ -٨٠، وحاشية الدسوقي
٣٣٧/٢، ٣٣٨، والآداب الشرعية ٣٣٣/١، والقليوبي
٢٩٥/٣ - ٢٩٦
٢ - وأن يخص بدعوته أهل الصلاح والتقوى.
٣ - وأن لا یسرف فيما يقدمه ولا يقتر.
٤ - وأن لا يلح بالفطر على من كان صائما.
٥ - وأن يتبسط مع المدعوين في الحدیث،
ويشاركهم في الطعام.
٦ - وأن لا يمدح طعامه.
٧ - وأن يكرم أفضل المدعوين في التقديم
والتوديع .
ومن الآداب التي يراعيها المدعو :
١ - أن ينوي بإجابة الدعوة تكريم الداعي.
٢ - وأن لا يدخل بيت الداعي إلا بإذنه.
٣ - وأن لا يتصدر المجلس، وإذا عين له
صاحب الدعوة مكانا معينا فلا يتعداه.
٤ - وأن لا يمتنع من الطعام إلا إذا كان صائما
صوما واجبا .
٥ - وأن لا يسارع إلى تناول الطعام.
٦ - وأن يراعي الآداب العامة في الأكل.
٧ - وأن يؤثر على نفسه المحتاج من الحاضرين
فیترك له ما يلائمه .
٨ - أن لا يعجل برفع يده من الطعام حتى يفرغ
القوم.
٩ - أن يدعو لصاحب الطعام بعد الفراغ.
١٠ - وأن لا يطيل الجلوس بعد الطعام.
التطفل على الدعوات :
٢٩ - لا يجوز أن يدخل إلى الولائم وغيرها من
- ٣٣٥ -

دعوة ٢٩ - ٣١
الدعوات من لم يدع إليها، فإن في هذا دناءة
ومذلة، ولا يليق ذلك بالمؤمن، وفي الحديث
من رواية ابن عمر مرفوعا ((من دخل على غير
دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا)) الحديث. (١)
ومن يفعل ذلك يسمى الطفيلي.
وعلى هذا فالتطفل حرام عند جمهور
الفقهاء، ما لم يكن غير المدعوتابعا لمدعوذي
قدر يعلم أنه لا يحضر وحده عادة، فلا يحرم،
لأنه مدعوّ حکما بدعوة متبوعه، وكره أحمد أن
يتعمد الرجل القوم حين وضع الطعام فیفجاهم،
وإن فجأهم بلا تعمد أكل نصا، وأطلق في
المستوعب وغيره الكراهة إلا من عادته
السماحة . (٢)
ولو أن أحدا أو جماعة دُعوا فتبعهم من لم یکن
مدعوّا لم يكن لهم أن ينهوه ولا أن يأذنوا له،
ويلزمهم إعلام صاحب الطعام، لما روى
أبو مسعود الأنصاري: (أن رجلا من الأنصار
دعا النبي ◌َّ﴿ خامس خمسة، فلما جاءوا أتبعهم
رجل لم يدع، فلما بلغ الباب قال النبي وهي: ((إن
هذا اتبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت
رجع)). قال: بل آذن له يارسول الله). (٣)
(١) حديث: ((من دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج
مغیرا)). أخرجه أبو داود (٤/ ١٢٥ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) وأعله أبو داود لجهالة أحد رواته.
(٢) كشاف القناع ٥/ ١٧٥، والمغني ١٧/٥، والشرح الكبير
للدردير ٣٣٨/٢، والآداب الشرعية ١٨٧/٣
(٣) حديث ابن مسعود الأنصاري: أخرجه البخاري (الفتح =
الدعوة بمعنى النداء أو طلب الحضور :
٣٠ - وهذا في اللغة كثيربل هو الأصل في
الدعوة بالمعاني الأخرى، ومنه قول الله تعالی :
﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم
تخرجون﴾(١) وقوله: ﴿يوم يدعوكم فتستجيبون
بحمده﴾(٢) أي يناديكم لتخرجوا من قبوركم
فتقومون. يقال دعوته دعوة ودعاء: أي نادیته.
ويكون من الأعلى للأدنى كما في الآيتين
السابقتين، ومن الأدنى للأعلى، ومن المساوي
للمساوي، بخلاف الدعاء الذي فيه معنى
العبادة، فلا يكون إلا من الأدنى للأعلى.
الحكم التكليفي للدّعوة :
٣١ - قال الحنفية: وليمة العرس سنة وفيها
مثوبة عظيمة .
وقال المالكية: وليمة العرس مندوبة، وقيل
واجبة .
وقال الشافعية: وليمة العرس وغيره سنة
لثبوتها عنهێ قولا وفعلا .
وقال الحنابلة: الأصل في جميع الدعوات
المسماة وغير المسماة أنها جائزة، أي مباحة، لأن
= ٥٥٩/٩ - ط السلفية)، ومسلم (١٦٠٨/٣ - ط الحلبي)
بألفاظ متقاربة .
(١) سورة الروم/ ٢٥
(٢) سورة الإسراء/ ٥٢
- ٣٣٦ -

دعوة ٣١م - ٣٢
الأصل في الأشياء الإباحة. ويستثنى من ذلك
ثلاثة أنواع وهي : وليمة العرس فإنها سنة
مؤكدة، وقيل واجبة، والعقيقة فإنها سنة،
والمأتم فإنه مكروه وهو اجتماع النساء في الموت.
وفي المغني خلاف ذلك، قال: حكم الدعوة
للختان وسائر الدعوات غير الوليمة أنها
مستحبة . (١)
وانظر للتفصيل والخلاف : (وليمة، عقيقة،
جنازة، ختان).
تكرار الدعوة :
٣١م - قال الحنفية لا بأس بأن يدعو للوليمة
ثلاثة أيام، ثم ينقطع العرس بعد ذلك
والوليمة، ويكره عند المالكية تكرار الدعوة
للسبب الواحد ولو ولیمة، قالوا: إلا أن یکون
المدعوّ ثانيا غير المدعو أولا .
وإن کان تكرارها لضيق منزل، أو لأنه أراد
أن يدعو جنسا بعد جنس، فلا كراهة، قاله
القليوبي من الشافعية.
وعند الحنابلة لا تكون مكروهة إلا إذا كررها
لليوم الثالث أوما بعده(٢) للحديث: ((الوليمة
(١) الفتاوى الهندية ٣٤٣/٥، الخرشي ٧٠١/٣، وحاشية
الشرقاوي على التحرير ٢٧٥/٢، وكشاف القناع
١٦٦/٥ - ١٦٨، والمغني ١١/٧ - ١٢
(٢) الشرح الكبير على مختصر خليل ٢/ ٣٣٧، وكشاف القناع
١٦٨/٥، والقليوبي ٢٩٤/٣ - ٢٩٥
أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء
وسمعة)). (١)
حكم إجابة الدعوة :
٣٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن إجابة الدعوة
في الأصل واجبة إن کانت إلی ولیمة عرس (ر:
وليمة) وأما ما عداها فقد اختلف في الإِجابة
إليها .
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: ليست
الإِجابة إليها واجبة بل هي مستحبة إن لم يكن
عذر أومانع على ما يأتي . وسواء كانت لسبب
کبناء أوولادة أوختان أو غيرذلك، ما لم تكن
من الداعي مكروهة كدعوة المأتم، وذلك لأن في
إجابة الداعي تطبیب نفسه، وجبر قلبه. (٢)
ومذهب المالكية على ما عند ابن رشد: أن
الإِجابة لغير العرس والعقيقة مباحة وقيل هي
مكروهة، والمأدبة إذا فعلت لإِیناس الجار ومودته
مندوبة . (٣)
وفي قول للشافعية: إن الإجابة واجبة على
المدعوفي وليمة العرس وغيرها، أخذا
(١) حديث: ((الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث
رياء وسمعة)) أخرجه أبو داود (١٢٦/٤ - ١٢٧ تحقيق
عزت عبيد دعاس) وذكر إسناده البخاري في التاريخ الكبير
(٤٢٥/٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: ((لم يصح
إسناده».
(٢) المغني ٧/ ١١، ١٢ - والفتاوى الهندية ٣٤٣/٥
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٣٧/٢
- ٣٣٧ -

دعوة ٣٣ - ٣٤
بالعمومات، ومنها ما رواه ابن عمر رضي الله
عنهما مرفوعا: ((إذا دعا أحدكم أخاه فليجب،
عرسا كان أو نحوه))(١) وقوله: ((حق المسلم على
المسلم خمس رد السلام، وعيادة المريض،
واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت
العاطس))(٢) فجعل إجابة الدعوة حقا
للمسلم، والحق هو الواجب، ولم يخصّ عرسا
من غيره. (٣)
إجابة دعوة الفقراء والإِجابة على الطعام
القليل :
٣٣ - لا ينبغي أن يكون فقر الداعي، أوخفة
شأنه، أو قلة الطعام مانعا من إجابة الدعوة،
فإن ذلك من الكبر. والدعوة مشروعة لإِحياء
المودة بين المسلمين ومزيد التآلف. وفي حديث
البخاري أن النبي وَيلزم قال: ((لودعيت إلى
كراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت)). (٤)
(١) حديث: ((إذا دعا أحدكم أخاه فلیجب، عرسا كان أو
نحوه)». أخرجه مسلم (٢/ ١٠٥٣ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة
المريض ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١١٢/٣ - ط
السلفية) ومسلم (١٧٠٤/٣ ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
(٣) المغني ٧/ ١١، وشرح المنهاج معه حاشية القليوبي
٢٩٥/٣
(٤) حديث: ((لودعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلى
كراع لقبلت)). أخرجه البخاري (الفتح ٢٤٥/٩ -
السلفية) من حديث أبي هريرة.
والكراع من الشاة ونحوها: مستدق الساق.
قال ابن حجر: في الحدیث دلیل على حسن
خلقه صلى الله عليه وسلم وتواضعه وجبره
لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية وإجابة من
يدعو الرجل إلى منزله ولو علم أن الذي يدعو
إليه شيء قليل، ثم قال: قال المھلّب: لا يبعث
على الدعوة إلى الطعام إلا صدق المودة وسرور
الداعي بأكل المدعومن طعامه، والتحبب إليه
بالمؤاكلة، وتوكيد الذمام معه بها، فلذلك
حضّ ◌َّيِ على الإِجابة ولونزر الطعام المدعوّ
إليه، وفي الحديث: ((الإِجابة لما قل أو
أكثر. ا. هـ)).(١)
وفي صحيح مسلم أن النبي صل﴿ قال: ((إذا
دعيتم إلى كراع فأجيبوا)). (٢)
وفي الحديث أيضا عند ابن ماجه: ((أن
النبي ◌ّ﴾ كان يجيب دعوة المملوك)). (٣)
الآداب الشرعية للدعوة بمعنى المناداة :
٣٤ - أ - من أدب الدعوة من المسلم لأخيه
المسلم أن يناديه بالاسم أو الوصف الذي يحبه،
(١) فتح الباري ٩/ ٢٤٦
(٢) حديث: ((إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا)). أخرجه مسلم
(١٠٥٤/٢ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٣) حديث: ((كان يجيب دعوة المملوك)). أخرجه ابن ماجه
(٢/ ٧٧٠ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وفي
إسناده مسلم بن كيسان الملائي، وهو ضعيف، كما في
((الميزان)) للذهبي (٤ /١٠٦ - ١٠٧ - ط الحلبي).
- ٣٣٨ -

دعوة ٣٥ - ٣٧
قال ابن عقيل: ((لا تدعون أحدا إلا بأحب
أسمائه إليه))(١) ومن ذلك استعمال الكنى في
النداء کقولك: يا أبا فلان ویا أم فلان،
وذلك عند العرب نوع من التكريم، وكان
النبي ێ یکني أصحابه، وقد ورد أنه گنّی
بعض الصغار منهم، کما في حديث أنس أنه ێ
قال لأخي أنس وکان صغيرا ((ياأبا عمير ما
فعل النغير)). (٢)
٣٥ - ب - ومنها أن لا يكون النداء بالألقاب
المكروهة والأسماء التي فيها تحقير أوینفر منها
صاحبها، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ولا تنابزوا
بالألقاب﴾(٣) وفي سنن الترمذي من حديث
أبي جبيرة بن الضحاك قال: كان الرجل منا
یکون له الاسمان والثلاثة فيدعى بها فعسى أن
يكره فنزلت ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾. ا.هـ.
وهذا ما لم يكن النداء بالوصف المكروه سبيل
التأديب والتعزير لمن يستحقه . (٤) أو على سبيل
الانتصار من الظالم بسبب ظلمه، وذلك
لقول الله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء
من القول إلا من ظلم﴾. (٥) فيقول له: ياظالم
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٥٩٥
.
(٢) حديث: ((ياأبا عمير ما فعل النغير)). أخرجه البخاري
(الفتح ٥٨٢/١٠ - ط السلفية) من حديث أنس بن
مالك.
(٣) سورة الحجرات/ ١١
(٤) المغني ٩/ ٤٣
(٥) سورة النساء / ١٤٨
ياخائن، إن كان قد وقع منه الظلم أو الخيانة .
ولا يحل للمسلم أن يدعو أخاه المسلم بالكفر
بأن یقول له: یاکافر، أویایهودي، أويانصراني.
وذلك لقول النبي ◌َّل: ((من دعا رجلا بالكفر أو
قال یاعدو الله ولیس کذلك إلا حار علیه»(١)
وفي حديث آخر: ((أيما امرىء قال لأخيه:
یاکافر، فقد باء بها أحدهما، إن کان کما قال وإلا
رجعت عليه)). (٢)
٣٦ - جـ ـ ومنها أن يراعي الداعي ما حض
عليه الشرع في المخاطبات من توقیرمن يستحق
التوقير والتبجيل لعلمه أو دينه أو عدله. وقد
روی عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن
أبيه قال: من السنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو
الشيبة والسلطان والوالد، ومن الجفاء أن يدعو
الرجل والده باسمه. (٣)
٣٧ - د- ومنها أن لا يستعمل في النداء الألفاظ
الدالة على إهانة المخاطب لنفسه أمام
المخاطب، فإن المسلم كريم بكرامة الإِيمان،
عزيز بعظمة الله في صدره، وفي الحديث:
((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)). (٤)
(١) حدیث: «من دعا رجلا بالكفر أو قال: یاعدو الله، ولیس
كذلك إلا حار عليه)). أخرجه مسلم (١/ ٨٠ - ط الحلبي)
من حديث أبي ذر.
(٢) حديث: ((أيما امرىء قال لأخيه ياكافر ... )) أخرجه مسلم
(٧٩/١ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٢٥٦/١
(٤) حديث: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ... )) أخرجه=
- ٣٣٩ -

دعوة ٣٨ - ٤٢
الحكم التكليفي للدعوة والإجابة إليها:
٣٨ - تأخذ الدعوة حكم ما تدعو إليه غالبا، فقد
تكون واجبة، أوسنة، أو مستحبة، أو
مكروهة، أو محرمة، فتكون تلبية الدعوة واجبة
في أحوال منها:
٣٩ - أ ۔ أن يدعی لأداء واجب، فإن كان واجبا
عينيا كإقامة الصلاة فلا يصح تأخيره وكانت
الإِجابة إليه متعينة، وإن كان واجبا على
الكفاية كانت الإجابة إليه واجبة على الكفاية،
كإجابة دعوة الملهوف، والمضطر المشرف على
الهلاك، والمستغيث (ر: استغاثة، اضطرار).
٤٠ - ب - أن يدعى إلى ترك المعصية فتجب
الاستجابة للداعي، لأن الفعل واجب الترك
أصلا، ويتأكد الوجوب بالدعوة إليه أيضا، وقد
قال الله تعالى في شأن المنافقین ﴿ومن الناس
من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ إلى قوله:
﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإِثم
فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾(١) وفي مقابل ذلك
قال تعالى في شأن المؤمنين: ﴿إنما كان قولَ
المؤمنین إذا دعوا إلى الله ورسوله لیحکم بینهم
أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم
المفلحون﴾(٢) وقال: ﴿ومالكم لا تؤمنون بالله
الترمذي (٥٢٣/٤ - ط الحلبي) من حديث حذيفة،
=
وحسنه .
(١) سورة البقرة ٢٠٤ - ٢٠٦
(٢) سورة النور/ ٥١
والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم﴾(١)
٤١ - ج - وتكون الاستجابة أيضا واجبة على
من دعي إلى قاض يحكم طبقا للشريعة في حق
عليه. فعليه الاستجابة، ويحرم الامتناع إن كان
عليه ما يتوقف ثبوته على حضوره، وإلا وجب
الوفاء أو الحضور وإن لم يثبت الحق. ولو دعاه
القاضي نفسه لزم الحضور أيضاً، (٢) وذلك
لقول الله تبارك وتعالى في وصف المنافقين:
﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله لیحکم بينهم إذا
فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا
إلیه مذعنين﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿إنما كان قول
المؤمنین إذا دعوا إلى الله ورسوله لیحکم بینهم
أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم
المفلحون) (٤) وفي المسألة تفصيلات تنظر في
مصطلح : (دعوى، وقضاء).
٤٢ - د- وتكون الإِجابة واجبة أيضا على من
دعي لتحمُّل الشهادة، أودعي لأداء شهادة
تحمَّلها، لقول الله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء
إذا ما دعوا﴾(٥) قال المحلي: تحمل الشهادة
فرض كفاية في النكاح - أي في حق من هم أهل
(١) سورة الحديد/ ٨
(٢) الفروق للقرافي ٧٨/٤، الفرق ص٢٣٥، شرح المنهاج
وحاشية القليوبي ٣١٣/٤
(٣) سورة النور / ٤٨ - ٤٩
(٤) سورة النور / ٥١
(٥) سورة البقرة/ ٢٨٢
- ٣٤٠ -
.