Indexed OCR Text
Pages 261-280
دعاء ٨ آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم﴾(١) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبریمد یدیه إلى السماء، ياربّ، ياربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك)). (٢) ب - أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل. قال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾(٣) وقال له: ((ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخریقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)). (٤) جـ - أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها. وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف (١) سورة البقرة/ ١٧٢ (٢) حديث: ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)). أخرجه مسلم (٧٠٣/٢ - ط الحلبي). (٣) سورة الذاريات/١٨ (٤) حديث: ((ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٢٩/٣ - ط السلفية) ومسلم (٥٢١/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. الصلوات. وقال ◌َله: ((لا يرد الدعاء بين الأذان والإِقامة)). (١) وقال ل أيضا: ((الصائم لا ترد دعوته))(٢) وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضا، إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشّات، ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل، فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يطلع البشر عليها. وحالة السجود أيضا أجدر بالإِجابة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي ◌َله: ((أقرب مايكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء)»(٣) وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َل﴿ أنه قال: ((إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ (١) حديث: ((لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة)). أخرجه أبو داود (٣٥٨/١ - ٣٥٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس بن مالك، وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية (١٣٥/٢ - ط المنيرية). (٢) حديث: ((الصائم لا ترد دعوته)). أخرجه الترمذي (٥٧٨/٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: «حدیث حسن)). (٣) حديث: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)). أخرجه مسلم (١/ ٣٥٠ - ط الحلبي). ۔ - ٢٦١ - دعاء ٨ أن يستجاب لكم)). (١) د - أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه. روى جابر بن عبد الله أن رسول الله وَلهل أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس. (٢) وقال سلمان: قال رسول الله تحليل: ((إن ربكم حيي کریم یستحي من عبده إذا رفع یدیه إلیه أن يردهما صفرا))(٣) وروى أنس أنه رأى رسول الله ێ﴾ یرفع یدیه في الدعاء حتی یری بياض إبطيه . (٤) هـ- أن يمسح بهما وجهه في آخر الدعاء. قال عمر رضي الله عنه: «کان رسول الله ﴾ إذا مدّ يديه في الدعاء لم يردّهما حتى يمسح بهما وجهه)). (٥) وقال ابن عباس: ((كان ◌َّ إذا دعا (١) حديث: ((إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا)). أخرجه مسلم (٣٤٨/١ - ط الحلبي). (٢) حديث جابر: ((أن رسول الله و ﴿ أتى الموقف بعرفة)). أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٠ - ط الحلبي) دون قوله: ((يدعو)) فقد أخرجه من حدیث أسامة بن زيد النسائي (٥/ ٢٥٤ - ط المكتبة التجارية، وقال العراقي: ((رجاله ثقات)). كذا في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين (٣١٣/١ - ط الحلبي). (٣) حديث: ((إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه ... )) سبق تخريجه ف/ ٦ (٤) حديث أنس: ((أنه رأى رسول اللهآل# يرفع يديه في الدعاء)). أخرجه مسلم (٦١٢/٢ - ط الحلبي). (٥) حديث: ((كان رسول الله﴿ إذا مديديه في الدعاء لم يردهما)). أخرجه الترمذي (٤٦٤/٥ - ط الحلبي) وضعفه العراقي في تخريج إحياء علوم الدين (٣١٣/١). ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه)). (١) فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء. قال ◌َله: ((لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتُخطفنَّ أبصارهم)).(٢) و- خفض الصوت بين المخافتة والجهر لقوله عز وجل: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾، (٣) ولما روي أن أبا موسى الأشعري قال: قدمنا مع رسول الله فلما دنونا من المدینة کبرٌ، وکبرّ الناس ورفعوا أصواتهم، فقال النبي صلى: ((يا أيها الناس: اربعوا على أنفسكم، إنکم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، والذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم)) (٤) وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله عز وجل: ﴿ولا تجهر بصلاتك (١) حديث: ((كان ﴿ إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما ... )) : أخرجه الطبراني (٤٣٥/١١ - ط وزارة الأوقاف العراقية) وضعف إسناده العراقي في تخريجه لإحياء علوم الدين (٣١٣/١ - ط الحلبي) ولكن له شواهد تقويه. (٢) حديث: ((لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم)) أخرجه مسلم (١/ ٣٢١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (٣) سورة الأعراف/ ٥٥ (٤) حديث: ((يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، والذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم)) أخرجه البخاري (الفتح ٦/ ١٣٥ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٧٦ - ٢٠٧٧ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم. - ٢٦٢ - دعاء ٨ ولا تخافت بها﴾(١) أي بدعائك، وقد أثنى الله عز وجل على نبيه زكريا عليه السلام حيث قال: ﴿إِذ نادى ربه نداء خفيا﴾(٢) ز - أن لا يتكلف السجع في الدعاء فإن حال الداعي ينبغي أن یکون حال متضرع، والتكلف لا يناسبه. قال يتلقى: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء))، (٣) وقد قال عز وجل : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾، وقيل معناه التكلف للأسجاع، والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل مالا تقتضيه مصلحته، فما كل أحد يحسن الدعاء، وللبخاري عن ابن عباس: ((وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت أصحاب رسول الله وي ليه لا يفعلون إلا ذلك)) . (٤) ح - التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات (١) سورة الإسراء/ ١١٠ (٢) سورة مريم/ ٣ (٣) حديث: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)). أخرجه ابن ماجه (١٢٧١/٢ - ط الحلبي) والحاكم (٥٤٠/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبدالله بن مغفل، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٤) حديث ابن عباس: ((انظر السجع في الدعاء فاجتنبه)). أخرجه البخاري (الفتح ١٣٨/١١ - ط السلفية). ويدعوننا رغبا ورهبا﴾(١) وقال عز وجل : ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾. ط - أن يجزم الدعاء ويوقن بالإِجابة. قال رسول الله وَالر: (( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له)). (٢) وقال رسول الله وَل: ((إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء)). (٣) وقال وليّ : ((ادعو الله وأنتم موقنون بالإِجابة، واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل)). (٤) وقال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه، فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله إذ ﴿قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين﴾ . (٥) (١) سورة الأنبياء/ ٩٠ (٢) حديث: ((لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٣٩/١١ - ط السلفية) ومسلم (٢٠٦٣/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (٣) حديث: ((إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء)». أخرجه ابن حبان (الإِحسان ٢/ ١٢٧ - ط دار الكتب العلمية) من حديث أبي هريرة، وأصله في صحيح مسلم (٤ / ٢٠٦٣ - ط الحلبي). (٤) حديث: ((ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة)). أخرجه الترمذي (٥١٧/٥- ط الحلبي) والحاكم (٤٩٣/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وضعف الذهبي إسناده لضعف أحد رواته. (٥) سورة الحجر/ ٣٦ - ٢٦٣ - دعاء ٨ - ٩ ي - أن يلح في الدعاء ویکرره ثلاثا. قال ابن مسعود: كان عليه الصلاة والسلام إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا. (١) ك- أن لا يستبطىء الإِجابة لقوله ال: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول قد دعوت فلم يستجب لي. فإذا دعوت فاسأل الله کثیرا فإنك تدعو کریما)). (٢) ل - أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل وبالصلاة على رسول الله چ بعد الحمد لله والثناء عليه، ويختمه بذلك کله أيضا، لما ورد عن فضالة بن عبید قال: سمع رسول الله چ﴾ رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصلّ على النبي (ێ، فقال ێ: ((عجل هذا)) ثم دعاه، فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء، ثم يصلي على النبي مَ﴿، ثم يدعو بما شاء)). (٣) ودليل ختمه بذلك قول الله تعالى: (١) حديث: ((كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاث)). أخرجه مسلم (١٤١٨/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن مسعود . (٢) حديث: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل)). أخرجه البخاري (الفتح ١٤٠/١١ - ط السلفية) ومسلم (٢٠٩٥/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (٣) حديث: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله ... )) أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية (٦٢/٣ - ط المنيرية). ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾،(١) وأما الصلاة على النبي فلقوله وله : ((لا تجعلوني كقدح الراكب يجعل ماءه في قدحه، فإن احتاج إليه شربه، وإلا صبه، اجعلوني في أول كلامكم وأوسطه وآخره)).(٢) م - وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإِجابة : التوبة ورد المظالم والإِقبال على الله عز وجل بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإِجابة . الدعاء مع التوسل بصالح العمل : ٩ - يستحب لمن وقع في شدة أن يدعو بصالح عمله، لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول ◌َاللهيقول: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجل منهم ... )). الحديث بطوله وهو مذكور ضمن بحث (توسل - ف/ ٧)(٣) (١) سورة يونس / ١٠ (٢) حديث: ((لا تجعلوني كقدح الراكب ... )) أخرجه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد کما في کنز العمال (٥٠٩/١ - ط الرسالة) من حديث جابر بن عبدالله. (٣) حديث: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم)). أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٤٤٩ - ط السلفية) ومسلم (٤/ ٢٠٩٩ - ط الحلبي). وانظر الأذكار ص٦١٢ دار ابن كثير بدمشق. - ٢٦٤ - دعاء ١٠ - ١٣ تعميم الدعاء : ١٠ - يستحب تعميم الدعاء لقوله علي العلي كرم الله وجهه: (١) ((ياعلي عمم))(٢) ولحديث: ((من صلى صلاة لم يدع فيها للمؤمنين والمؤمنات فهي خداج))(٣) وفي حديث آخر: ((أنه وَلّ سمع رجلا يقول: اللهم اغفر لي، فقال: ((ويحك لو عممت لاستجيب لك)) (٤) الاعتداء في الدعاء : ١١ - نهى الله تعالى عن الاعتداء في الدعاء بقوله: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾(٥) وورد في الحديث: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)). (٦) قال القرطبي : المعتدي هو المجاوز للحد ومرتکب الحظر، وقد یتفاضل بحسب ما يعتدى فیه، ثم قال: والاعتداء في الدعاء على وجوه : (١) كشاف القناع ٣٦٧/١ (٢) حديث: ((يا علي عمم ... )) أورده صاحب كشاف القناع (٣٦٥/١ - ط عالم الكتب) ولم يعزه للمصدر الذي أخرجه، ولم نهتد إليه في المصادر الموجودة بين أيدينا. (٣) حديث: ((من صلى صلاة لم يدع فيها للمؤمنين ... )) لم نهتد إليه في المصادر الحديثية الموجودة بين أيدينا. (٤) حاشية ابن عابدين ١/ ٣٥٠ ط بولاق .. وحديث: ((لو عممت لاستجيب لك)). لم نهتد إليه في المصادر الحديثية الموجودة بين أيدينا . (٥) سورة الأعراف/ ٥٥ (٦) حديث: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)). سبق تخريجه ف/٨ منها الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو أن تکون له منزلة نبي ، أويدعو بمحال ونحو هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالبا معصية، ونحو ذلك. (١) وقال ابن عابدين: ويحرم سؤال العافية مدى الدهر، والمستحيلات العادية كنزول المائدة، والاستغناء عن التنفس في الهواء، أو ثمارا من غير أشجار، كما يحرم الدعاء بالمغفرة للكفار. (٢) الدعاء بالمأثور وغير المأثور : ١٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز كل دعاء دنيوي وأخروي، ولكن الدعاء بالمأثور أفضل من غيره . (٣) الدعاء في الصلاة : ١٣ - قال الحنفية والحنابلة: يسن الدعاء في التشهد الأخير بعد الصلاة على النبي وَلّ بما يشبه ألفاظ القرآن، أو بما يشبه ألفاظ السنة، ولا يجوز له الدعاء بما يشبه كلام الناس كأن يقول: اللهم زوجني فلانة، أواعطني كذا من الذهب والفضة والمناصب. وأما المالكية والشافعية فذهبوا إلى أنه: يسن (١) تفسير القرطبي ٢٢٦/٧ (٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٥٠ ط بولاق). (٣) روضة الطالبين للنووي ٢٦٥/١، وأسنى المطالب ١٦/١ - ٢٦٥ - دعاء ١٤ - ١٥ الدعاء بعد التشهد وقبل السلام بخیري الدین والدنيا، ولا يجوز أن يدعو بشيء محرم أو مستحيل أومعلق، فإن دعا بشيء من ذلك بطلت صلاته، والأفضل أن يدعو بالمأثور. (١) طلب الدعاء من أهل الفضل : ١٤ - يستحب طلب الدعاء من أهل الفضل وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، (٢) فعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: استأذنت النبي ◌ّل في العمرة، فأذن، وقال: ((لا تنسنا ياأخيّ من دعائك))(٣) فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. فضل الدعاء بظهر الغيب : ١٥ - قال الله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإِيمان﴾. (٤) وقال تعالى: ﴿واستغفر (١) ابن عابدين ٣٥١/١، ونهاية المحتاج للرملي ١/ ٥١١، ومواهب الجليل وكشاف القناع ١/ ٣٦٠ - ٣٦١، وروضة الطالبين للنووي ٣٦٥/١، وأسنى المطالب ١٦٦/١، وحاشية الشرقاوي ٣١١/١، والفتاوى الهندية ٧٢/١، والمغني لابن قدامة ٥٨٥/١، والدسوقي ٢٣٢،٥٢/١، البدائع ٢١٣/١، قليوبي ١٦٨/١ (٢) الأذكار ص٦١٥ (٣) حديث: ((لا تنسنا يا أخيّ من دعائك)). أخرجه أبو داود (١٦٩/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي إسناده راو ضعيف مترجم في ميزان الاعتدال للذهبي (٣٥٣/٢. ٣٥٤ - ط الحلبي). (٤) سورة الحشر/ ١٠ لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾.(١) وقال تعالى إخبارا عن إبراهيم يصلالى: ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾(٢) وقال تعالى إخبارا عن نوح ◌َل : ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ . (٣) وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله لي يقول: ((ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك، ولك بمثل»(٤) وفي رواية أخرى أن رسول الله ێ کان يقول: ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موکل کلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)) . (٥) وعن عبد الله بن عمروبن العاص- رضي الله عنهما - أن رسول الله وح له قال: ((إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب)). (٦) (١) سورة محمد/ ١٩ (٢) سورة إبراهيم/ ٤١ (٣) سورة نوح/ ٢٨ (٤) حديث: ((ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب ... )) أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٤ - ط الحلبي). (٥) حديث: ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة)). أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٤ - ط الحلبي). (٦) حديث: ((إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب ... )) أخرجه أبو داود (١٨٦/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣٥٢/٤ - ط الحلبي) وضعف الترمذي إسناده. - ٢٦٦ - دعاء ١٦ - ١٨ استحباب الدعاء لمن أحسن إليه : ١٦ - قال رسول الله وَليقول: ((من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء)). (١) وقال عليه الصلاة والسلام: ((من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)). (٢) الدعاء للذمي إذا فعل معروفا : ١٧ - قال النووي: اعلم أنه لا يجوز أن يدعى له (أي الذمي) بالمغفرة وما أشبهها مما لا يقال للكفار، لكن يجوز أن يدعى له بالهداية وصحة البدن والعافية وشبه ذلك. (٣) لما روي عن أنس - رضي الله عنه - قال: استسقى النبي ◌ّ﴾ ، فسقاه يهودي، فقال له النبي ◌َله: ((جملك الله)) فما رأى الشيب حتى مات. (٤) (١) حديث: ((من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا ... )) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٨٠ - ط الحلبي) من حدیث أسامة بن زيد، وقال: ((حديث حسن جيد)). (٢) حديث: ((من صنع إليكم معروفا فكافئوه)). أخرجه أبو داود (٢/ ٣١٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٤١٢/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (٣) الأذكار ص٤٩٦ (٤) حديث: ((استسقى النبي ◌َّر، فسقاه يهودي)). أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص١٤٣ - ط دار البيان) وفيه راو ضعيف ترجم له الذهبي في ((الميزان)) (٣٢٧/١ - ط الحلبي). دعاء الإِنسان على من ظلمه أو ظلم المسلمين: ١٨ - قال الله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾(١) قال القرطبي : الذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ینتصرمن ظامه، ولکن مع اقتصاد إن كان الظالم مؤمنا، كما قال الحسن، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلکة وبكل دعاء، كما فعل النبي ◌َّ﴾ حيث قال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر. اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)). (٢) وقال: ((اللهم عليك بفلان وفلان سماهم))(٣) وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم، ولا بدن محترم، ولا مال محترم. وقد روى أبو داود عن عائشة قال: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النبي وقلت : ((لا تسبخي عنه) أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه . (٤) (١) سورة النساء/ ١٤٨ (٢) حديث: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر)). أخرجه البخاري (الفتح ٤٩٢/٢ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. (٣) حديث: ((اللهم عليك بفلان وفلان)). أخرجه البخاري (الفتح ١٠٦/٦ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن مسعود . (٤) القرطبي ٦/ ٢ وحديث: ((لا تسبخي عنه)). أخرجه أبو داود (١٦٨/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس). وفي إسناده انقطاع . - ٢٦٧ - دعاء ١٨ قال النووي: اعلم أن هذا الباب واسع جدا، وقد تظاهر على جوازه نصوص الكتاب والسنة، وأفعال سلف الأمة وخلفها، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة معلومة من القرآن عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بدعائهم على الكفار. (١) وعن علي - رضي الله عنه - أن النبي صل ﴿ قال يوم الأحزاب: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى)). (٢) وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أن رجلا أكل بشماله عند رسول الله يل فقال: «كل بيمينك)) قال: لا أستطيع، قال: ((لا استطعت)) ما منعه إلا الكبر قال: فما رفعها إلى فيه . قال النووي : هذا الرجل هو بسر- بضم الباء وبالسين المهملة - ابن راعي العير الأشجعي، صحابي، ففيه جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي. (٣) وعن جابربن سمرة قال: شكا أهل الكوفة (١) الأذكار ص٤٧٩ (٢) حديث: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا)). أخرجه البخاري (الفتح ١٠٥/٦ - ط السلفية)، ومسلم (٤٣٦/١ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم. (٣) حديث: ((كل بيمينك)). أخرجه مسلم (١٥٩٩/٣ ط الحلبي). سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم .. وذكر الحديث إلى أن قال: أرسل معه عمر رجالا أو رجلا إلى الكوفة يسأل عنه، فلم يدع مسجدا إلا سأل عنه ویثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام له رجل منهم يقال له : أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة فقال: أما إذا نشدتنا فإن سعدا لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد : أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. فکان بعد ذلك يقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبدالملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فیغمزهن. وعن عروة بن الزبير، أن سعيد بن زيد رضي الله عنهما، خاصمته أروى بنت أوس - وقیل: أویس - إلی مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئا من أرضها، فقال سعيد رضي الله عنه: أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله وَل﴾؟ قال: ما سمعت من رسول الله ولم؟ قال سمعت رسول الله دولار يقول: ((من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه - ٢٦٨ - دعاء ١٩ - ٢٠ إلى سبع أرضين)). (١) قال مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. نهي المکلف عن دعائه على نفسه وولده : ١٩ - قال رسول الله وص له: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)). (١) الأدعية في المناسبات : ٢٠ - هناك أدعية تقال أثناء الصلوات الخمس وبعدها، وعند صلاة الكسوف، والخسوف، والاستسقاء، والحاجة، والاستخارة، تنظر في مواضعها، وأدعية تتعلق برؤية الهلال، وأثناء الصيام، وعند الإفطار، وفي ليلة القدر، تنظر في مصطلح (صوم). وأدعية تقال في أعمال الحج تنظر في مصطلح: (حج). (١) حديث: ((من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٩٣/٦ - ط السلفية )، ومسلم (١٢٣١/٣ - ط الحلبي). (١) حديث: ((لا تدعوا على أنفسكم)). أخرجه مسلم (٢٣٠٤/٤ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله. وأدعية تقال بعد عقد النكاح، وعند الزفاف تذكر في مصطلح : (نكاح). وهناك أدعية في الصباح والمساء، وعند المهمات، ألفت فيها كتب قيمة، ككتاب الأذكار للنووي، وعمل اليوم والليلة للنسائي، ولابن السني وغيرها . - ٢٦٩ - دعوى ١ - ٣ الإِنسان إثبات حق على الغير في مجلس القاضي أو المحكم. (١) دعوى التعريف : ١ - الدعوى في اللغة: اسم من الادعاء، مصدر ادعی، وتجمع على دعاوی بکسر الواو وفتحها . ولها في اللغة معان متعددة منها: الطلب والتمني، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿لهم فيها فاكهة ولهم ما يدّعون﴾. (١) ومنها: الدعاء، كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. (٢) ومنها: الزعم. ولا تطلق الدعوى على القول المؤيد بالحجة والبرهان، بل یکون ذلك حقا، وصاحبه محقا لا مدعيا، فلا تطلق على نبوة محمدقد، لأن ما صدر عنه مقرون بالحجة الساطعة، وهي المعجزة. وكانوا يسمون مسيلمة الكذاب مدعيا للنبوة. والدعوى في الاصطلاح: قول يطلب به (١) سورة يس / ٥٧ (٢) سورة يونس/ ١٠ الألفاظ ذات الصلة : أ - القضاء : ٢ - القضاء في اللغة: الحكم. وهو في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي، والإِلزام به، وفصل الخصومة . (٢) والصلة بين الدعوى والقضاء أن الدعوى طلب حق، والقضاء نهو الحكم في هذا الطلب والإِلزام به . ب - التحكيم : ٣ - التحكيم في اللغة: مصدرحكم، يقال: (١) لسان العرب، المصباح المنير، تاج العروس، التعريفات ص٧٢، المبسوط ٢٩/١٧ مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى، وانظر تنوير الأبصار ١/ ٣٧٠، ٣٧٢ ط مصطفى الحلبي ١٣٨٦ هـ، والفروق ٧٢/٤ مطبعة عيسى الحلبي - الطبعة الأولى ١٣٤٦، وتحفة المحتاج ٢٨٥/١٠ المطبعة الميمنية بمصر - الطبعة الثالثة ١٣١٥ هـ، والمغني ٢٧١/٩ مطبعة دار المنار الطبعة الثالثة ١٣٦٧ هـ، وكشاف القناع ٢٢٧/٤ المطبعة العامرة الشرقية - الطبعة الأولى ١٣١٩ هـ، وغاية المنتهى ٣/ ٤٧٦، مؤسسة دار السلام للطباعة والنشر بدمشق - الطبعة الأولى، ومنتهى الإِرادات - القسم الثاني ص٦٢٨ - مطبعة دار الجيل الجديد ١٣٨١ هـ. تحقيق الشيخ عبدالغني عبدالخالق. (٢) بدائع الصنائع ٢/٧، ومغني المحتاج ٣٧٢/٤، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتھی ٦/ ٤٥٣ - ٢٧٠ - دعوى ٣ - ٥ حکموه بينهم: أي فوضوه أن يحكم بينهم، ويقال: حكمنا فلانا فيما بيننا أي أجزنا حكمه بیننا. وفي اصطلاح الفقهاء هو: تولية الخصمين حاكما يحكم بينهما. (١) وعلى هذا يشترك التحكيم والدعوى في أن كلا منهما يتضمن طلب الفصل في الخصومة، ويختلفان من حيث الحقيقة، والأثر، والمحل: فالتحكيم في حقيقته عقد مبناه على اتفاق إرادتين، حيث يكون بتراضي الخصوم على اختيار من يحكم بينهما، ولا يصح بإرادة أحدهما دون الآخر. (٢) أما الدعوى فهي تصرف قولي يقوم به المدعي بإرادته المنفردة. وللتحکیم أثر إنشائي، حیث یترتب عليه إنشاء ولاية خاصة للمحكم لم تكن له قبل التحكيم، أما الدعوى فليس لها مثل هذا الأثر، إذ ترفع إلى القاضي الذي يستمد ولايته من عقد التولية . والتحكيم يجوز في الأموال باتفاق الفقهاء، واختلفوا في جوازه في الحدود والقصاص. (٣) (١) البحر الرائق ٢٤/٧ طبع دار الكتب العربية الكبرى بمصر. (٢) فتح القدير ٥/ ٥٠٠ طبعة بولاق ١٣١٨هـ، أدب القضاء لابن أبي الدم ص١٣٩ طبع دمشق ١٩٧٥م (٣) روضة القضاة ص ٨٠ طبع بغداد ١٩٧٠م، تبصرة الحكام ٥٥/١، أدب القضاء ص١٣٨ طبع دمشق، الإنصاف ١٩٨/١١ - مطبعة السنة المحمدية ١٩٥٨م .. أما الدعوى فتصح في جميع الحقوق بلا خلاف. جـ - الاستفتاء : ٤ - الاستفتاء طلب الإِفتاء، والإِفتاء هو: الإِخبار عن حكم الشارع في أمر من الأمور بناء على استقراء الأدلة واتباع مقتضياتها. (١) وعليه فإن الاستفتاء هو طلب بيان الحكم الشرعي في أمر من الأمور. وتختلف الدعوى عنه أن فيها طلب إلزام الخصم بحق، فتقتضي وجود خصم يطلب إلزامه بالحق، وليس في الاستفتاء طلب إلزام، ولا يشترط فيه وجود خصم. الحكم التكليفي : ٥ - لما كانت الدعوى في حقيقتها إخبارا يقصد به طلب حق أمام القضاء، وهي تحتمل الصدق والكذب، فمن البدهي أن تكون محرمة إذا کانت دعوی كاذبة، وکان المدعي یعلم ذلك، أویغلب ذلك على ظنه. أما إذا کان یغلب على ظنه أنه محق في دعواه، فهي عندئذ تصرف مباح، فله أن يرفعها، إلا إذا كان يقصد بها الضرار، فتكون محرمة، كما لو كان يعلم أن غريمه لا ينكر حقه، وأنه على استعداد لتوفيته إياه، فيرفع الدعوى للتشهير به، فتكون محرمة . إ. (١) الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص٥ مطبعة الأنوار بمصر - الطبعة الأولى ١٩٣٨م، والإنصاف ١٨٦/١١ - ٢٧١ - دعوى ٦ - ٨ أركان الدعوى : ٦ - أركان الدعوى عند جمهور الفقهاء هي : المدعي، والمدعى عليه، والمدعى، والقول الذي يصدر عن المدعي يقصد به طلب حق لنفسه أو لمن يمثله. ولكل ركن من هذه الأركان شروط خاصة سيأتي ذكرها فيما بعد. وعند الحنفية ركن الدعوى هو التعبير المقبول الذي يصدر عن إنسان في مجلس القضاء يقصد به طلب حق له أو لمن يمثله، مثل قول الرجل : لي علی فلان أو قبل فلان كذا، أو قضیت حق فلان، أو أبرأني عن حقه، ونحوذلك. وقد اختلفوا في أن الركن هل هو مجرد التعبير الطلبي من قول أو كتابة أو إشارة، أو أنه هومدلول ذلك التعبير، أو أنه كلا الأمرين جميعا، وبعبارة أخرى هل ركن الدعوى هو الدال أو المدلول أو کلاهما؟ وقد ذهب إلى كل واحد من هذه (١) الأقوال جماعة منهم . (١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٢٢، مطبعة الجمالية بالقاهرة ١٩١٠م، حاشية الشرنبلالي على درر الحكام ٣٢٩/٢ المطبعة العامرة الشرقية ١٣٠٤ هـ، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٢٩٠/٤ - المطبعة الأميرية - الطبعة الأولى ١٣١٤ هـ، الدرر المنتقى في شرح الملتقى ٢٠٥/٢ مطبوع على هامش مجمع الأنهر - المطبعة العثمانية - الطبعة الأولى ١٣٢٧ هـ، المجاني الزهرية على الفواكه البدرية ص١٨ مطبعة النيل بالقاهرة كيفية التمييز بين المدعى والمدعى عليه : ٧ - تمييز القاضي المدعي من المدعى عليه يعتبر من أهم الأمور التي تعينه على إصابة الحق في الأحكام التي يصدرها، ذلك أن الشارع جعل عبء الإِثبات في الدعوى على المدعي. وعبء دفعها باليمين على المدعى عليه إن لم يستطع المدعي إثباتها بالبينة. ولاشك في أن العبء الأول أثقل من العبء الثاني، فإن أخطأ القاضي في التمییز بينهما، فإنه سيحمل المدعى عليه العبء الأثقل، ويجعل على المدعي العبء الأخف، مما قد يؤدي إلى الخطأ في الحكم والظلم في القضاء. لذلك اجتهد الفقهاء في وضع الضوابط التي تعين القضاة على معرفة المدعي والمدعى عليه في أية خصومة، واختلفوا في ذلك، ویمکن حصر أقوالهم في هذه المسألة في اتجاهين: ٨ - الاتجاه الأول: ما ذهب إليه جمهور فقهاء المالكية والشافعية، واعتمدوا فيه على النظر إلى جنبة كل من الطرفين المتنازعين: فمن كانت جنبته قوية بشهادة أي أمر مصدق لقوله كان هو المدعى عليه والآخر مدعيا. ومع اتفاق أصحاب هذا الاتجاه على هذا الأصل، إلا أنهم اختلفوا في تفسير الأمر المصدق الذي إذا تجرد عنه قول أحد المتخاصمين كان هو المدعى، فتباينت - بناء على ذلك - تعريفاتهم للمدعي والمدعى عليه على النحو الآتي : - ٢٧٢ - دعوى ٨ - ٩ أولا : ذهب معظم فقهاء المالكية إلى أن المدعي هو من تجردت دعواه عن أمر يصدقه . وزاد بعضهم: أو كان أضعف المتداعيين أمرا في الدلالة على الصدق. (١) وفسر آخرون منهم هذا الأمر المصدِّق بقولهم: المدعي هو من لم يترجح قوله بمعهود أو أصل. والمدعى عليه عكسه. والمعهود هو العرف والعادة والغالب. (٢) ورأى بعضهم تقييد التعريف السابق للمدعي بقوله ((حال الدعوى))، أي أن: التجرد المقصود هو الذي يكون حال الدعوى، وقبل إقامة البينة، ولذلك قال بعضهم ((بمصدق غير بينة))، أي أن لا يكون الأمر المصدق الذي تجرد عنه قول المدعي هو البينة، فإنه يظل مدعيا ولو لم يتجرد قوله منها. (٣) (١) حاشية الأمير ٢/ ٣١٦ المطبعة البهية الشرقية ١٣٠٤هـ، مواهب الجليل ٦/ ١٢٤ مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى ١٣٢٥هـ. (٢) تبصرة الحكام ١/ ١٢٣ مطبعة مصطفى الحلبي ١٩٥٨م مطبوع على هامش فتح العلي المالك، القوانين الفقهية ص٢٨٨ مطبعة النهضة بتونس ١٩٢٦م، البهجة في شرح التحفة ٢٨/١ المطبعة البهية بمصر، ياقوتة الحكام ص٤، المطبعة المولوية بفاس العليا - الطبعة الأولى ١٣٢٧هـ، العقد المنظم للحكام ١٩٨/٢ مطبوع على هامش تبصرة الحكام - المطبعة العامرة الشرقية - الطبعة الأولى ١٣٠١هـ، الخرشي ٧/ ١٥٤ - المطبعة الأميرية الكبرى ببولاق - الطبعة الثانية ١٣١٧ هـ (٣) حاشية الدسوقي ١٤٣/٤ - مطبعة عيسى الحلبي، = ثم إن الأمر المصدق الذي إذا اعتضد به جانب أحد المتخاصمين كان دليلا على أنه هو المدعی علیه یمکن أن یکون أحد شیئین هما : الأصل والظاهر: ٩ - أما الأصل فهو القاعدة الشرعية المعمول بها في الواقعة المخصوصة، أو الدلالة المستمرة، أو استصحاب الحال الأول. (١) وقد ذكروا من الأصول: ١ - الأصل براءة الذمة من الحقوق قبل عمارتها: فمن ادعى دينا على آخر، فأنكر المطلوب كان المنكر مدعى عليه، لأن الأصل براءة الذمة، وقد عضده هذا الأصل، فكان القول له بيمينه إن لم تكن للمدعي بينة. ولو اعترف المطلوب بالدين وادعى القضاء، لكان الطالب هو المدعى عليه في هذا الدفع، لأن الأصل استصحاب عمارة الذمة بعد ثبوت شغلها، فكان القول له بيمينه إن لم يكن للآخر بينة. ٢ - الأصل في الإِنسان الصحة قبل ثبوت مرضه، ویکون مدعي المرض مدعیا خلاف الأصل، فعليه البينة، فإذا وقع طلاق رجل لزوجته طلاقا بائنا، ثم مات، فقامت المرأة على = التاج والإِكليل ومواهب الجليل ٦/ ١٢٤ مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى ١٣٢٩ هـ، شرح حدود ابن عرفة ص ٤٧٠ - المطبعة التونسية بتونس - الطبعة الأولى ١٣٥٠ هـ، حاشية الأمير ٣١٦/٢ (١) تبصرة الحكام ١/ ١٢٢ - ٢٧٣ - دعوى ١٠ الورثة تدعي أنه طلق في مرض الموت لكي ترث منه، فأنكر الورثة ذلك، كانت المرأة مدعية خلاف الأصل الذي يقضي بأن الإِنسان سليم حتى يثبت مرضه، فعليها البينة والقول للورثة . ٣ - الأصل عدم المضارة والتعدي، فلوادعى شخص على الطبيب العمد فيما زاد على المأذون فيه، فادعى الطبيب الخطأ، فإن القول له. ٤ - الأصل في الإِنسان الجهل بالشيء حتى يقوم عليه الدليل بالعلم، فإذا قام الشريك يطلب حصة شريكه بالشفعة ممن اشتراها، وكان ذلك بعد مرور عام على عقد البيع، فادعی المشتري علم الشریك بالبيع، وادعى هو جهله بذلك كان القول قول الشريك، والمشتري هو المدعي، وعليه البينة التي تشهد أن الشريك كان على علم بالعقد. ٥ - الأصل في الإِنسان الفقر، لسبقه، حیث یولد خالي الید، فیکتسب بعمله، فيصبح غنيا، غير أنهم قالوا: إن الناس محمولون على الملاء لغلبته، فهذا من جملة ما تعارض فيه الأصل والغالب، وقدم الأخیر فیه، وفرعوا على ذلك أن زاعم الإِعسار يعتبر مدعيا، وإن وافقه الأصل الذي هو الفقر، فهو المدعي والمطالب بالبينة على الإِعسار. ١٠ - وأما الظاهر فيستفاد من أحد أمرين: العرف، والقرائن المغلبة على الظن. الأول : العرف، ويسميه بعضهم المعهود والغالب والعادة. واستدلوا على حجيته بقول الله عز وجل ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. (١) وقد قالوا: العرف مقدم على الأصل، وكل أصل كذبه العرف، رجح هذا الأخیر علیه، واستثني من ذلك بعض المسائل، منها ما لو ادعى الصالح التقي العظيم المنزلة أو الشأن في العلم والدين على أفسق الناس وأدناهم علما ودينا درهما واحدا، فإن الغالب صدقه، والأصل براءة الذمة، فيقدم الأصل على الغالب في هذه الصورة. (٢) الأمر الثاني: القرائن وظواهر الحال وغلبة الظن، فمن حاز شيئا مدة يتصرف فيه، ثم ادعاه . غيره، فإنه يرجح قول الحائز في دعوى الملكية، ويكون الآخر مدعيا، لأن قوله يخالف الظاهر المستنبط من الواقع والقرائن، فيكلف بالبينة، فإن عجز عنها وقعت دعواه بيمين الحائز. (٣) وقد استثنى المالكية من القاعدة السابقة في التمييز بين المدعي والمدعى عليه بعض المسائل، إما للمحافظة على المصلحة العامة، (١) سورة الأعراف / ١٩٩ (٢) القوانين الفقهية ص٢٨٨، العقد المنظم للحكام ١٩٨/٢، وتهذيب الفروق ٤/ ١١٩ - ١٢٠ (٣) القوانين الفقهية ص٢٨٨ - ٢٧٤ - دعوى ١٠ وإما للضرورة: كما في قول الأمناء في تلف الأمانات التي بين أيديهم، فإنه يقبل مع أن الأصل عدمه، لأنه أمر عارض، وإنما قبل کیلا يزهد الناس في قبول الأمانات، فتفوت هذه المصلحة. (١) وكما في قول الغاصب بتلف المغصوب، فإنه يقبل مع يمينه، للضرورة، ویعتبرمدعی علیه، إذ لو لم يقبل قوله، واعتبر مدعيا لكان مصيره الخلود في السجن. (٢) ثانيا: ذهب معظم فقهاء الشافعية إلى أن المدعي هو: من يلتمس خلاف الظاهر، والمدعى عليه هو: من يتمسك بالظاهر. (٣) والظاهر عند الشافعية نوعان: ظاهر بنفسه، وظاهر بغيره، ويطلقون كثيرا لفظ ((الأصل)) على النوع الأول، وإذا ذكروا الظاهر في مقابلة الأصل كان المقصود به النوع الثاني، وهو الظاهر بغيره. ولكن الظاهر الذي ذكروه في التعريف المتقدم للمدعي والمدعی علیه يقصد به النوعان جميعا . (١) تهذيب الفروق ١٢٢/٤ بهامش الفروق - مطبعة عيسى الحلبي بمصر - الطبعة الأولى ١٣٤٦هـ. (٢) تبصرة الحكام ١٢٦/١ (٣) الوجيز للغزالي ٢/ ٢٦٠ - مطبعة الآداب ١٣١٧هـ، المنهاج ومغني المحتاج ٤/ ٤٦٤ طبع الحلبي ١٣٧٧ هـ، قواعد الأحكام ٣٢/٢ - دار الشرق للطباعة بالقاهرة ١٣٨٨ هـ، شرح المحلي ٣٣٦/٤ مطبعة مصطفى الحلبي ١٩٥٦م، حاشية الباجوري ٢/ ٤٠١ مطبعة السعادة - الطبعة الأولى ١٩١٠م والظاهر بنفسه هو أقوى أنواع الظاهر عندهم، وهو ما يكون مستفادا من الأصول، كالظاهر المستفاد من البراءة الأصلية : براءة الذمم من الحقوق، والأجساد من العقوبات وبراءة الإِنسان من الأفعال والأقوال جمیعھا . (١) والظاهر بغيره عندهم هوما يستفاد من العرف والعوائد، أو من القرائن ودلائل الحال. وإذا تعارض الظاهر بنفسه مع الظاهر بغيره فغالبا ما يقدم الشافعية الأول، ويكون الذي يدعي خلافه مدعيا يكلف بالبينة إن لم يقر خصمه، والآخر مدعی علیه، ومثال ذلك: أن المرأة لوادعت على زوجها الحاضر أنه لا ينفق عليها، فالأصل يقضي بعدم الإِنفاق، والظاهر المستفاد من قرائن الحال يقضي بأنه ينفق عليها، والشافعية يقدمون الأول على الثاني في هذه المسألة، ويكون القول قول المرأة، والبينة على الزوج، وهذا بخلاف ما ذهب إليه المالكية، حيث يجعلون المرأة مدعية، والزوج مدعى عليه. (٢) أما إذا تعارض ظاهران في قوة واحدة، كأن (١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٠ - ٧١ - طبع مكة ١٣٣١ هـ، وقواعد الأحكام ٣٢/٢، مغني المحتاج ٤ / ٤٦٤ طبع الحلبي ١٣٧٧ هـ (٢) لب اللباب ص٢٥٥ - المطبعة التونسية بتونس ١٣٤٦هـ - ٢٧٥ - دعوى ١١ - ١٢ یکونا مستفادین من أصل واحد، أومن أصلين في قوة واحدة، كان كل من الطرفين مدعيا مکلفا بالبينة، فقد ورد في کتاب الأم ما نصه : إذا ادعی رجل علی رجل أنه أکراه بيتا من دار شهرا بعشرة، وادعی المکتري أنه اكتری الدار کلها ذلك الشهر بعشرة، فكل واحد منهما مدع على صاحبه، وعلى كل واحد منهما البينة. (١) ويظهر مما تقدم أن الشقة ليست بعيدة بين المعيار الذي قال به المالكية من أجل التمييز بين المدعي والمدعى عليه، وبين المعيار الذي قال به الشافعية، بل إنهما یکادان يتشابهان، والخلاف بينهما منحصر في التطبيق، وذلك عندما يتعارض أمران من أمور الظاهر: فالشافعية يرون الأصل أقوى منابع الظهور غالبا، والمالکیة یرون أن دلائل الحال من عرف وقرائن أقوی من ذلك، وكل منهما قدم الأقوى في نظره، وجعل مخالفه مدعيا وعليه البينة . ١١ - الاتجاه الثاني: ما ذهب إليه معظم فقهاء الحنفية، وبعض فقهاء المذاهب الأخرى، وهو تعريف المدعي بأنه: من إذا ترك الخصومة لا يجبر علیها، والمدعى عليه: من إذا تركها يجبر عليها. (٢) ومثله قول الحنابلة، إلا أنهم (١) الأم ٦/ ٢٤١ - المطبعة الأميرية ببولاق - الطبعة الأولى ١٣٢٤ هـ (٢) المبسوط ٣١/١٧، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٢٤، وتبيين الحقائق ٤/ ٢٩١، وتبصرة الحكام ١٢٤/١، والوجيز ٢٦٠/٢، والمغني ٢٧٢/٩ ذهبوا إلى اشتقاق تعريف المدعي والمدعى عليه من تعریف الدعوى نفسها: فالمدعي - عندهم - هو منشيء الدعوى، والمدعى عليه هو من توجهت ضده الدعوى، ولذلك قال بعضهم : المدعي هو من یضیف إلى نفسه استحقاق شيء على الآخر وإذا سكت ترك، والمدعى عليه هو من يضاف استحقاق شيء عليه وإذا سكت لم يترك. (١) وقال بعضهم: المدعي هو من يطالب غيره بحق يذكر استحقاقه عليه، والمدعى عليه من يطالبه غيره بحق يذكر استحقاقه عليه . وقال آخرون: المدعي هو من يلتمس قبل غيره لنفسه عينا أو دينا أو حقا، والمدعى عليه هو من يدفع ذلك عن نفسه. (٢) الفائدة المترتبة على التمييز بين المدعي والمدعى عليه : ١٢ - أهم ما يستفاد من معرفة المدعي والمدعى عليه هو تعيين الطرف الذي يقع عليه عبء الإِثبات، والطرف الذي لا يكلف إلا باليمين عند عدم وجود بينة تشهد للطرف الأول. وهذا الأمر هو مدار القضاء وعموده، إذ بعد تحققه لا يبقى على القاضي سوى تطبيق القواعد المعروفة في البينات والترجيح. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ((أيما رجل عرف (١) المغني ٩/ ٢٧٢ (٢) كشاف القناع ٤/ ٢٢٧، بدائع الصنائع ٢٢٤/٦ - ٢٧٦ - دعوى ١٣ - ١٤ المدعي من المدعى عليه لم يلتبس عليه ما يحكم بينهما)).(١) وإنما جعلت البينة على المدعي، لأن جانبه ضعيف، إذ هو يريد تغيير الحال المستقر بما يزعمه، وفي هذا يقول ابن رشد: ((فالمعنى الذي من أجله كان القول للمدعى عليه، هو أن له سببا يدل على صدقه دون المدعي في مجرد دعواه، وهو کون السلعة بيده إن كانت الدعوى في شيء بعينه، أو كون ذمته بريئة على الأصل في براءة الذمم إن کانت الدعوی فیما في ذمته. والمعنى الذي وجب من أجله على المدعي إقامة البينة على دعواه هو تجرد دعواه من سبب يدل على صدقه فيما يدعيه . (٢) ويشهد لصحة ذلك قول النبي قال : ((لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم)). (٣) مكان الدعوى : ١٣ - الكلام في مكان الدعوى يقتضي بيان أمرين: الأول: المجلس الذي ترفع فيه (١) المقدمات الممهدات ٣١٨/٢ - مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى ١٣٢٥ هـ (٢) المقدمات الممهدات ٣١٦/٢ - ٣١٧ (٣) حديث: ((لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم)). أخرجه البخاري (الفتح ٢١٣/٨ - ط السلفية)، ومسلم (١٣٣٦/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس. الدعوى وتنظر فيه، وهو ما يسمى بمجلس القضاء . والثاني: القاضي المختص بنظر الدعوى. أولا : مجلس القضاء : ١٤ - الأصل أن جميع الأمكنة صالحة لتلقي المتنازعين والنظر في خصوماتهم، وليس منها شيء يحرم فیه ذلك، إلا إذا ترتب عليه إهدار حق أو فعل محرم، كما لو استخدم القاضي ملك إنسان من أجل القيام بإجراءات التقاضي من غیر الحصول على إذنه. ولكن نص الفقهاء على صفات وخصائص يستحب توافرها في الأماكن التي ترفع فيها الدعاوى، ويفصل فيها بين الخصوم. ويمكن إرجاع هذه الصفات والخصائص إلى أمرين : الأول: أن تكون بحيث توفر التيسير على جميع الناس في الوصول إليها، والاهتداء إلى موضعها، وأن تكون بحيث يتوخى العدل والإِنصاف بين الناس فيما يبذلونه من الجهد للوصول إليها . (١) الثاني: أن تكون بحيث توفر الاستقرار النفسي والراحة الجسدية للناس الذين يقصدونها للتقاضي، وللقضاة الذین یتخذونها مجلسا للقيام بوظائفهم. وينبني على الأمر الأول أن يكون مجلس (١) مغني المحتاج ٣٨٧/٤ طبع الحلبي ١٣٧٧ هـ - ٢٧٧ - دعوى ١٥ - ١٦ القضاء في وسط البلد الذي يختص به، بحيث يصل إليه كل قاصد للتقاضي، ويستحب أن یکون في مكان بارز، وليس في موضع مستتر غیر مشهور، حتى وإن أقام القاضي على بابه من یأذن للناس بالدخول علیه، لأنه لا يظهر جلوسه به، ولا يهتدي إليه الغرباء. (١) وينبني على الأمر الثاني أن يكون مجلس القضاء فسیحا لا يتأذى الحاضرون بضیقه، وأن يكون نزها لا يؤثر فيه الحر والبرد والغبار والدخان وغير ذلك، ويجلس القاضي للصيف حیث یلیق به، وللرياح والشتاء حیث یلیق. (٢) وللفقهاء اختلافات وتفصیلات فيما يتعلق بمجلس القضاء من اتخاذ البواب والحاجب، واتخاذ المسجد مجلسا للتقاضي وغير ذلك، وينظر في مصطلح : (قضاء، ومسجد، وحاجب ج٢٤٤/١٦). ثانيا : القاضي المختص بنظر الدعوى: ١٥ - لا خلاف في أنه إذا کان في البلد قاض (١) درر الحكام وحاشية الشرنبلالي عليه ٢ / ٤٠٦، المنهاج ومغني المحتاج ٤/ ٣٨٧ طبع الحلبي ١٣٧٧ هـ. القوانين الفقهية ص٢٨٤، أسهل المدارك ٣/ ١٩٩ - مطبعة عيسى الحلبي - الطبعة الأولى، المهذب ٢٩٣/٢ طبع دار إحياء الكتب العربية، الفروع ٧٩٣/٣ - مطبعة المنار بمصر ١ ١٣٣٩ هـ. (٢) المهذب ٢/ ٢٩٣ طبع دار إحياء الكتب العربية، المنهاج ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٠ - طبع ١٣٧٧ هـ. واحد يختص بالطرفين فإنه هو الذي ترفع إليه الدعوى. أما إذا تعدد القضاة، واستقل كل بمحلة يختص بالقضاء بین أهلها، ولا يتعداها إلى غيرها، فقد اختلف الفقهاء في تحدید القاضي المختص بنظر الدعوى على الآراء الآتية . ١٦ - الرأي الأول: أن الدعوى ترفع إلى القاضي الذي يختاره المدعي. وإلى هذا ذهب أبو يوسف من الحنفية ومعظم فقهاء الشافعية والحنابلة. (١) وهو قول المالكية إذا تعدد القضاة في نطاق بلد واحد، وكان المتنازعان من أهل هذا البلد. (٢) واحتج أصحاب هذا الرأي بأن المدعي هو الذي لا يجبر على الخصومة، بحيث إذا تركها ترك وشأنه، فهو المنشىء للخصومة، فيعطى الخيار: إن شاء أنشأها عند قاضي مكانه هو، وإن شاء أنشأها عند قاضي مكان خصمه، فلأن الحق له في الدعوى جعل الحق له في تعيين القاضي. (٣) (١) البحر الرائق ١٩٣/٧ - مطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر ١٣٣٣ هـ، نهاية المحتاج ٨٦/٨ - المطبعة البهية المصرية ١٣٠٤ هـ، حاشية الشرواني وحاشية العبادي على تحفة المحتاج ١١٩/١٠، القواعد لابن رجب ص٣٦٢ - الطبعة الأولى ١٩٣٣م، منتهى الإرادات القسم الثاني ص٥٧٥، غاية المنتهى ٤٣١/٣ (٢) حاشية الدسوقي ٤ / ١٦٤ (٣) حاشية الدسوقي ١٣٥/٤، كشاف القناع ٤/ ١٧٢، = - ٢٧٨ - دعوى ١٧ - ١٨ ١٧ - الرأي الثاني: أن الحق في تعيين القاضي الذي ينظر في الدعوى يكون للمدعى عليه لا للمدعي، وإلی هذا الرأي ذهب محمد بن الحسن، وهو المفتى به في المذهب الحنفي. ويستند هذا الرأي إلى أن المدعى عليه يدافع عن نفسه، والمدافع يطلب السلامة لنفسه، والأصل براءة ذمته، والظاهر یشهد له، فأخذه إلی من یأباه لریبة یثبت عنده ربما يوقعه في ارتباك یحصل له، فیؤدي ذلك إلى إثبات ما ليس في الحقيقة ثابتا في ذمته، فالأولى مراعاة جانبه بالنظر إليه واعتبار اختياره، لأنه یرید الدفع عن نفسه، وخصمه یرید أن یوجب عليه، ومن طلب السلامة أولى بالنظر ممن طلب ضدها. (١) ويرى بعض علماء الحنفية أن مذهب محمد بن الحسن ليس ما تقدم، وإنما العبرة عنده في تعيين القاضي الذي ترفع إليه الدعوى وينظر فيها هي لمكان المدعى عليه، وأن قاضي هذا المكان هو المختص فيه، فليست العبرة لاختيار المدعى عليه، وإنما لمكانه. (٢) ١٨ - الرأي الثالث: وهو ما ذهب إليه المالكية، = تكملة حاشية ابن عابدين ٤٠١/٧ المطبعة العثمانية ١٣٢٧ هـ. (١) الدر المختار مع تكملة الحاشية ٧/ ٤٠١، البحر الرائق ١٩٣/٧ (٢) الفواكه البدرية ص٧٦، البحر الرائق ١٩٣/٧ فقد اتفقوا مع الشافعية وأبي یوسف في أن الاختيار يكون للمدعي في تحديد القاضي المختص بنظر الدعوى في حالة تعدد القضاة في نطاق البلد الواحد. إلا أنهم اختلفوا معهم في تحدیده عندما يتعدد القضاة، وتتعدد البلاد، واختلفت آراؤهم في ذلك باختلاف المدعى به أيضا على النحو الآتي : ١ - ففي دعاوى الدين، اتفقوا على أن الدعوى تنظر في المكان الذي يتعلق فيه الطالب بالمطلوب .(١) ومعنى هذا أن مدعي الدين له أن يختار من يشاء من القضاة إذا كان هو وخصمه في بلد واحد، وتعدد قضاته، وكانوا مستقلين بالنظر في جميع أنواع الدعاوى. فإن لم یکونا في بلد واحد فللمدعي أن يتعلق بخصمه في أي مکان یجده، ويطالب بحقه عند قاضى ذلك المكان . ٢ - وفي دعاوى العين ينظر: إن كان المتخاصمان من بلدین مختلفین، وكلاهما في ولاية قاض واحد، فإن الدعوى ترفع إلى ذلك القاضي في مجلس قضائه، سواء أكان في بلد المدعي أم في بلد المدعى عليه، وحيثما كان المدعى به. (٢) (١) التاج والإكليل ومواهب الجليل ١٤٦/٦، الخرشي ١٧٤/٧، العقد المنظم للحكام ٢/ ٢٠١، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٦٤ (٢) حاشية الدسوقي ٤/ ١٦٤ - ٢٧٩ - دعوى ١٨ وأما إذا كان كل منهما في ولاية قاض، فعندهم في ذلك قولان : القول الأول: وهو لابن الماجشون كما نقل عنه ابن حبيب، وفيه ذهب إلى أن الدعوى ينبغي أن ترفع إلى القاضي الموجود في محل الشيء المدعى. (١) فإذا رفعت إليه الدعوى فإنه يسمع بينة المدعي، ويضرب لمن عنده الحق المدعی اجلا حتی یأتي، فیدفع عن نفسه، أو يوكل له وكيلا يقوم عنه بالخصومة في ذلك. (٢) ونقل فضل بن سلمة أن هذا الرأي ذهب إليه سحنون وابن كنانة . (٣) القول الثاني: وهو قول مطرف وأصبغ، ویریان أن الدعوى إنما ترفع إلى قاضي موضع المدعى عليه، ولا يلتفت إلى موضع المدعي ولا موضع المدعى به. (٤) وهذا هو المشهور في المذهب المالكي، وقد نقله فضل بن سلمة عن ابن القاسم، ونقل بعضهم أن هذا هو عمل أهل المدينة، (٥) غير أنهم قالوا: إن من حق (١) التاج والإكليل ومواهب الجليل ١٤٦/٦، الخرشي ٧/ ١٧٤، تبصرة الحكام ١/ ٨٤، العقد المنظم للحكام ٢/ ٢٠٠، حاشية الدسوقي ٤ /١٦٤ (٢) حاشية الدسوقي ٤ / ١٦٤ (٣) تبصرة الحكام ١/ ٨٤ (٤) الشرح الكبير ٤/ ١٦٤ مطبوع على هامش حاشية الدسوقي، تبصرة الحكام ١/ ٨٤ (٥) حاشية الدسوقي ٤/ ١٦٤ المدعي أن يبدأ بقاضي محلته، فيرفع إليه أمره، ويثبت عنده بینته، ثم یکتب قاضیه إلى قاضي محلة المدعى عليه بذلك، فيأخذ المدعي كتاب قاضیه ليقدمه إلى قاضي المدعى عليه، وإن شاء وكلّ غيره، وأرسله بالكتاب، فإذا قدم المدعي أو وكيله إلى قاضي المدعى عليه سلمه کتاب قاضيه، فإن ثبت عنده،قرأهعلى المدعى علیه، وسأله المخرج من ذلك إن كان له مخرج، وإلا أنفذ الحكم عليه. أما إذا لم يفعل المدعي ذلك وإنما قدم مباشرة إلى قاضي المدعى عليه، فإن كانت بينته معه، نظرت الدعوى، وطلب من المدعى عليه المخرج. أما إذا أعلمه المدعي أن بینته في مکان الشيء المدعى، کتب إلى قاضي محلة ذلك الشيء، وطلب منه تزويده بالبيئة. وفي جميع الأحوال يعطى المدعي أو المدعى عليه المدة الكافية لتحضير الحجج والبينات. غير أن أصبغ استثنى من ذلك ما لووجد المدعي خصمه في محلته أو محلة ذلك الشيء المدعى، وتعلق به في المكان الذي وجده فيه، فإن القاضي الذي ينظر في الدعوى في هذه الحال هو قاضي المكان الذي تعلق به فيه. (١) تلك الآراء في تحديد القاضي المختص بنظر الدعوى معتبرة عند أصحابها فيما إذا تميز المدعي (١) تبصرة الحكام ١/ ٨٤ - ٢٨٠ -