Indexed OCR Text

Pages 101-120

خيار الشرط ٣٧
لأنها بقيت على حكم ملك المشتري فيأخذها
هو (١) وهذه المسألة مبنية على الخلاف الكبير
السابق.
الزيادة المتصلة المتولدة :
٣٧ - ذهب أبو حنيفة وأبویوسف إلى أن الخيار
يسقط بهذه الزيادة. وقد عرفنا أنه حيث يمتنع
الرد یتملك صاحب الخیار الأصل والزيادة،
لأنه تبين بإمضاء العقد أنه المالك لمحل الخيار
فيملك زوائده مهما كان وصفها. وعند الإِمام
محمد لا يبطل الخيار فله أن يختار بين الإِمضاء
والفسخ. (٢)
ويكون مصير هذه الصورة مماثلا للصورة
السابقة (صورة الزيادة المنفصلة غير المتولدة)
حیث یظل صاحب الخيار متمكنا من استعمال
خياره.
أحكام الزوائد عند غير الحنفية :
للمالكية منحى آخر في شأن الزوائد، فهم لم
ينظروا إلى الاتصال والانفصال، كما لم يعتبروا
التولد على إطلاقه، بل خصّوا ما يعتبر جزءا
باقيا من المبيع فاعتبروه لا ينفصل عنه في
العقد، ومثلوا له بالولد والصوف، فالولد لأنه
(١) بدائع الصنائع ٢٧٠/٥، والفتاوى الهندية ٤٨/٣ نقلا
عن السراج الوهاج، شرح المجلة للأناسي ٢/ ٢٤٣،
والبحر الرائق ٢٦/٦
(٢) البدائع ٢/ ٢٧٠، والفتاوى الهندية ٤٨/٣
لیس بغلة ۔ ومثلہ الصوف- تم أم لا «لأنهما
كجزء المبيع، أي أن الولد كالجزء الباقي،
بخلاف أرش الجناية فإنه کجزء فات وهو على
ملك البائع)) (١) يكون مملوكا للمشتري،
وماعداه فهو للبائع، لأنهم قائلون بأن الملك في
الأصل - زمن الخيار - يظل للبائع حتى يستعمل
صاحب الخيار خياره. ويترتب على هذا أن
تكون الزوائد كلها - عدا الولد والصوف -
للبائع.
ومن ذلك:
١ - الغلة الحادثة زمن الخيار من لبن وسمن
وبيض، للبائع أيضا.
٢ - أرش الجناية على المبيع بالخيار للبائع
أيضا . (٢)
أما الشافعیة فقد صرحوا بأنه لو حصلت
زوائد منفصلة في زمن الخیار، کاللبن والبيض
والثمر، فهي لمن له الملك وهو من انفرد بالخيار،
فإن كان الخيار لهما فهي موقوفة كحكم المبيع
نفسه، فإن فسخ البيع فهي للبائع وإلا
فللمشتري. أما الزوائد المتصلة فتابعة
للأصل.
والحمل الموجود عند البيع كالأصل في أنه
(١) الدسوقي على الدردير ١٠٤/٣، الخرشي ٤/ ٣٠
(٢) الدردير على خليل بحاشية الدسوقي ١٠٣/٣ - ١٠٤،
والمواق على خلیل ٤٢٢/٤
- ١٠١ -

خيار الشرط ٣٨
مبيع لمقابلته بقسط من الثمن، كما لوبيع معه
بعد الانفصال لا کالزوائد.(١)
أما عند الحنابلة فالزوائد للمشتري أيضا،
ويشتمل ذلك على المتصلة والمنفصلة كالكسب
والأجرة بل لو كانت نماء منفصلا متولدا من
عين المبيع كالثمرة والولد واللبن، والحكم
کذلك ولو کان المبيع في ید البائع قبل القبض
(وفي هذه الحال تعتبر الزوائد أمانة عند البائع
فلا يضمنها للمشتري إن تلفت بغير تعد
ولا تفريط خلافا لحكم المبيع نفسه فهو مضمون
قبل قبضه) وسواء تمخض الخيار عن إمضا
العقد أو فسحه.
وقد استدل ابن قدامة للمذهب بحدیث:
((الخراج بالضمان)). (٢) وهذا من ضمان
المشتري، واستدل له أيضا بانتقال الملك الى
المشتري، أي فهي تتبعه في الانتقال. (٣)
رابعا : أثر الخيار على تسليم البدلين
٣٨ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجب تسليم
البدلين في مدة الخيار في حال الإطلاق وعدم
(١) شرح الروض ٥٣/٢
(٢) حديث: ((الخراج بالضمان)). أخرجه أبو داود (٣/ ٧٨٠ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة، وصححه
ابن القطان کما في التلخيص الحبير لابن حجر (٢٢/٣ - ط
شركة الطباعة الفنية).
(٣) كشاف القناع ٢٠٧/٣ -٢٠٨، والمغني لابن قدامة
٣٧/٤، والشرح الكبير على المقنع ٤/ ٧١
اشتراط التسليم، فليس بواجب على البائع
تسليم المبيع ابتداء، ولا يجب على المشتري
تسليم الثمن ابتداء لاحتمال الفسخ ما لم تمض
مدة الخيار، أو يسقط صاحب الخيار خياره. (١)
أما التسليم للثمن أو المبيع اختيارا وطواعية
فلا مانع منه عندهم أي لا يبطل الخيار، (٢) فإذا
بادر أحدهما أو كلاهما إلی تسلیم ما بيده- في
مدة الخیار- فهو جائز، لأي منهما كان الخيار،
ولا أثر للتسليم على الخيار فنقد الثمن للبائع أو
دفع المبيع للمشتري لا يبطل الخيار شريطة أن
یکون تسلیم البائع المبيع للمشتري على وجه
الاختبار والنظر في صلوحه أو عدمه، أما إن
سلمه المبيع على وجه التمليك - والخيار للبائع -
فإن خياره ببطل. (٣)
وإذا سلم أحدهما تطوعا فامتنع الآخر فقد
اختلف فيه الفقهاء، فأبو حنيفة ذهب إلى أنه
لا يجبر الآخر علی التسلیم أیا کان صاحب
الخيار وله استرداده. ومذهب الشافعية عدم
إجبار الآخر أيضا وهم يقولون: بأنّ لمن سلم
(١) فتح القدير ٤٩٩/٥، والهندية ٤٢/٣، والبحر الرائق
١٥/٦، والمغني ٥١٨/٣
(٢) الدسوقي ٩٤/٣ ٩٦، والمجموع ٩/ ٢٢١ - ٢٢٣،
شرح الروض ٥٤/٢، والبحر الرائق ٦/ ٥٤، المجموع
٢٢٣/٩
(٣) فتاوى قاضيخان ١٧٩/٢، والبحر الرائق ٦/ ١٠ نقلا عن
جامع الفصولین ٢٤٤/١
- ١٠٢ -

خيار الشرط ٣٩ - ٤٢
مؤمِّلا التسلیم من صاحبه فلم يحدث، فله أن
یسترد. (١)
سقوط الخيار :
٣٩ - يسقط الخيار قبل استعماله بعدد من
الأسباب هي: البلوغ في حق الصبي الذي
عقد عنه وليه أو وصیه، والجنون ونحوه، وموت
صاحب الخيار على خلاف في هذا السبب
الأخير:
أ - بلوغ الصبي مستحق الخيار:
٤٠ - يرى الإمام أبو يوسف من الحنفية أن
دخول الصغير صاحب الخيار في طور البلوغ،
في مدة خيار الشرط وغيره من الخيارات المحددة
بوقت يسقط به الخيار للولي أو الوصي سعيا منهما
لمصلحة الصبي، ويلزم به العقد. أما الإِمام
محمد، فقد جزم بأن الخيار لا يسقط، ثم
تعددت الروايات عنه في مصیر الخیار بعدئذٍ هل
ينتقل إلى الصغير في المدة أوبدون تحديد مدة،
أو يبقى للوصي أو الولي؟ (٢)
ولم نجد لغير الحنفية كلاما في هذه المسألة.
ب - طروء الجنون ونحوه :
٤١ - قد يطرأ الجنون على العاقد صاحب
(١) البحر الرائق ٦/ ٥٤ المراجع السابقة للحنفية والفتاوى
الهندية ٣/ ٤٢، وشرح الروض ٢/ ٥٤
(٢) البدائع ٢٦٧/٥ - ٢٦٨، الفتاوى الهندية ٣/ ٥٤،
قاضیخان ٢٠٠/٢
الخیار، ومثله (ماهوفي حکمه من حیث ذهاب
العقل وعجز الإِنسان عن إظهار موقفه،
كالإغماء والنوم أو السكتة) فإذا بقي ذلك حتى
استغرق وقت الخيار من حالة توقيته سقط
الخیار. لكن سقوطه ليس لكون الجنون من
أسباب سقوط الخيار، بل لانقضاء المدة دون
صدور فسخ منه، فالجنون نفسه لیس مسقطا بل
استغراق الوقت کله دون فسخ، ولذا لو أفاق
خلال المدة كان على خياره فيما بقى منها في
الأصح لدى الحنفية. قال ابن نجيم: والتحقيق
أن الإغماء والجنون لا يسقطان الخيار وإنما
المسقط له مضي المدة من غير اختيار. واختلف
في السكر هل هو في حكم الجنون أم يفرق
بین ما يحصل منه بالبنج ونحوه من الوسائل
المستخدمة في الطب، وبين السكر بالمحرم.
وينظر في المطولات. (١)
وقال المالكية: إن جن من له الخيار وعلم أنه
لا يفيق أو يفيق بعد طول يضر الصبر إليه
بالآخر، نظر السلطان في الأصلح له، أي
لا يسقط الخيار. وسيأتي تفصيله في انتقال
الخيار. (٢)
جـ - تغير محل الخيار :
٤٢ - إذا کان تغیر محل الخيار بالهلاك والتعيب أو
النقصان، فإن الخيار يسقط بهلاك المبيع قبل
(١) الهندية ٣/ ٤٣، البحر ٦/ ٥٠
(٢) حاشية الدسوقي ١٠٣/٣
- ١٠٣ -

خيار الشرط ٤٢ - ٤٤
القبض بلا خلاف بين الفقهاء أسوة بالعقد
البات، فهذا أولى، لأنه أضعف منه لوجود
شرط الخيار. أما إن كان الهلاك بعد القبض فقد
اختلفت فیه المذاهب، فهو مسقط للخیار عند
الحنابلة مطلقا. (١) وهو بمثابة الفسخ للعقد
وسقوط الخيار تبعا عند المالكية . (٢) أما الحنفية
والشافعية فيربطونه بمسألة انتقال الملك، فهو
عند الحنفية يفترق بين كون الخيار للبائع وحده
أوله وللمشتري - فالملك للبائع - فإذا هلك لم
تمكن المبادلة عليه فينفسخ العقد ويبطل الخيار.
أما إن كان الخيار للمشتري فالهلاك في عداد
مسقطات الخيار التي يلزم بها العقد لأنه عجز
عن التصرف بحكم الخيار حين أشرفت السلعة
على الهلاك. والشافعية يقولون: إن كان الخيار
للبائع وحده ينفسخ العقد، لأن الملك للبائع
وتعذر نقله، أما إن كان الخيار للمشتري أولهما
معا، فلا أثر للهلاك على العقد أو الخيار وإنما
تتأثر تصفية هذا العقد، فإن اختار صاحب
الخيار الإِمضاء فالواجب هو الثمن وإن اختار
الفسخ فالواجب رد المثل أو القيمة بدلا من
يع . (٣)
المبيع
(١) المغني ٥٠٩/٣، مطالب أولي النهى ٩٩/٣، كشاف
القناع ٢٠٩/٣
(٢) الخرشي ٣١/٤، الخطاب ٤٢٣/٤، الدسوقي ١٠٥/٣
(٣) البدائع ٢٦٩/٥ و٢٧٢، فتح القدير ١١٧/٥، المبسوط
٤٤/١٣، المجموع ٢١٩/٩
ومثل الهلاك النقصان بالتعیب بما لا يحتمل
الارتفاع أولا یرجی زواله مهما كان قدره أو
فاعله، لإِخلال النقصان بشرط ردًّ المبيع كما
قُبِضَ. أما لو كان يرجى زواله کالمرض فالخيار
باق ولا یرد حتی یبرأ في المدة فإن مضت ولم یبرأ
لزم البيع.
٤٣ - وإن كان التغير بالزيادة: إن كان الخيار
للبائع فلا خلاف أنها لا أثر لها في سقوط الخيار،
وإن كان الخيار للمشتري فلا أثر لها أيضا عند
الجمهور مهما كان نوعها وكذلك الحنفية في
الزيادة المتصلة، أو المنفصلة غير المتولدة ، أما
المنفصلة المتولدة من الأصل فإنها تسقط الخيار
لتعذر ورود الفسخ علیھا، لأنها غیر مبيع، فالرد
بدونها مؤد لشبهة الربا، وإن ردها مع الأصل
کان ربح ما لم يضمن. (١)
د - إمضاء أحد الشريكين
٤٤ - إذا تعاقد شريكان مع آخر على أنهما
بالخيار فأجاز أحدهما دون الآخر سقط الخيار
بالنسبة لهما جميعا ولزم العقد، وهذا عند أبي
حنيفة، بحيث لا يملك الشريك الآخر
الفسخ، أما عند الصاحبين فالخيار لا يسقط
(١) البدائع ٢٦٤/٥ و٢٨٦، وفتح القدير والعناية ١٦٠/٥،
كشاف القناع ٢/ ٥١ ط١، الخرشي ١٢٠/٥، مغني
المحتاج ٤٨٢/٢
- ١٠٤ -

خيار الشرط ٤٥ - ٤٩
عمن لم يجز العقد بل یبقی خیاره على حاله.(١)
ولم نجد لغير الحنفية كلاما في هذه المسألة.
هـ - موت صاحب الخيار
٤٥ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى سقوط الخيار
بموت صاحبه، سواء أكان الخيار للبائع أم
للمشتري، وسواء أكان صاحب الخيار أصيلا
أُم نائبا ( وکیلا، أو وصیا، أوولیا ) فبموت من
له الخيار يسقط.
أما المالكية والشافعية، فقد ذهبوا إلى بقاء
الخيار للورثة، فموت صاحب الخيار عند هؤلاء
لیس مسقطا، بل هو ناقل فقط.
أما وفاة من عليه الخيار فلا يسقط بها الخيار،
بل یبقی الخیار لصاحبه ويكون رده إن شاء الرد
في مواجهة الورثة، قال السرخسي: وأجمعوا
(أي الحنفية) أنه إذا مات من عليه الخيار فإن
الخيار باق. (٢)
انتهاء الخيار :
٤٦ - ينتهي خيار الشرط بأحد سببين:
(١) الفتاوى الهندية ٤٣/٣، البحر ٦/ ٢٠
(٢) المبسوط ٤٢/١٣، الشرح الصغير ١٤٤/٢، مغني
· المحتاج ٢/ ٤٥
الأول : إمضاء العقد بإجازته أو بمضي مدة
الخيار دون فسخ، والثاني: فسخ العقد.
السبب الأول: إمضاء العقد بالإِجازة أو بمضي
مدة الخيار دون فسخ:
٤٧ - ينتهي الخيار بإمضاء العقد، ويكون ذلك
إما بإجازته، وإما بمضي مدة الخيار.
إمضاء العقد بالإجازة :
٤٨ - إمضاء العقد بالإِجازة يُنهي الخيار
بالاتفاق، لأن الأصل في العقد اللزوم والامتناع
يعارض الخيار وقد بطل بالإِجازة فيلزم العقد.(١)
أنواع الإِجازة :
٤٩ - قسم الحنفية الإِجازة إلى نوعين: صريح
أو شبه الصريح، ودلالة.
فالصريح ، بالنسبة للبائع، أن يقول:
أجزت العقد - أو البيع مثلا - أو أمضيته أو
أوجبته، أو ألزمته، أورضيته، أو أسقطت
الخيار، أو أبطلته. وشبه الصريح ما يجري مجرى
ذلك، سواء أعلم المشتري الإِجازة أم لم
يعلم. (٢) وذكر الحنفية أن صاحب الخيار لو
(١) البدائع ٥/ ٢٦٧، الشرح الصغير ١٤٢/٣، مغني المحتاج
٤٩/٢، كشاف القناع ٢٠٧/٣
(٢) البدائع ٢٦٧/٥، فتح القدير ١٢٠/٥، الهندية ٤٢/٣
- ١٠٥ -

خيار الشرط ٤٩ - ٥١
قال: هویت أخذه، أو أحببت، أو أعجبني، أو
وافقني لا يبطل خياره. (١)
أما الدلالة فهي أن يتصرف صاحب الخيار
في محل الخيار تصرف الملاك، كالبيع،
والمساومة، والإِجارة، والهبة، والرهن، سلم أو
لم يسلم. لأن جواز هذه التصرفات يعتمد
الملك، فالإِقدام عليها يكون دليل قصد
التملك، أو تقرر الملك - على اختلاف
الأصلین - وذلك دلیل الإمضاء. (٢) هذا إذا كان
الخيار للمشتري فإذا كان للبائع فالدلالة على
الإِمضاء في حقه أن يتصرف في الثمن بعد قبضه
بالبيع أو نحوه، إذا كان الثمن مما يتعين
بالتعيين.
هذا ولا يشترط بقاء المحل للإِجازة، ذلك
أنه في الإِجازة يثبت الحكم بطريق الظهور
المحض، وليس الإِنشاء، فبالإِجازة يظهر أن
العقد من وقت وجوده انعقد في حق الحكم،
والمحل کان قابلا وقت العقد فهلاکه بعد ذلك
لا يمنع الإِجازة. (٣)
كما لا يشترط علم العاقد الآخر
بالإِجازة. (٤) فلو أجاز العقد فإنه لازم منذ
(١) الهندية، نقلا عن البحر الرائق، (٤٢/٣) وهو في البحر
(٦/ ٢٠) منقولا عن جامع الفصولين.
(٢) البدائع ٢٦٨/٥
(٣) البدائع ٢٦٤/٥
(٤) الهداية وفتح القدير ٥/ ١٢٠
الإِجازة سواء أبلغ العاقد الآخر ذلك أم لا .
ونحو هذا التقسيم جاء في المذاهب
الاخرى. (١)
إنهاء الخيار بعوض :
٥٠ - جاء في فتاوى قاضيخان أنه لوصالح
المشتري البائع صاحب الخيار على دراهم
مسماة، أو على عرض بعينه على أن يسقط
الخيار ويمضي البيع جاز ذلك ويكون زيادة في
الثمن. وكذا لوكان صاحب الخيار هو المشتري
فصالحه البائع على أن يسقط الخيار فيحط عنه
من الثمن كذا أو يزيده هذا العرض بعينه في
البيع جاز ذلك أيضا. (٢)
ثانيا - انتهاء الخيار بمضي المدة :
٥١ - اتفق الفقهاء - في الجملة - على أن مضي
المدة ينتهى به خيار الشرط، ذلك لأنه خيار
مؤقت بمدة (سواء أكانت بتحديد العاقد، أم
بتقدير الشارع في حال الإِطلاق)، فإذا انقضت
المدة التي وقّت بها الخيار فمن البدهي أن ينتهي
بمضیھا«لأن المؤقت إلى غاية ينتهي عند وجود
الغاية)). (٣) واشتراط الخيار في مدة معلومة منع
(١) الشرح الصغير ١٤٢/٣، مغني المحتاج ٤٩/٢، كشاف
القناع ٢٠٧/٣
(٢) الفتاوى الهندية ٤٥/٣
(٣) فتح القدير ٢٦٨/٥، البدائع ٥/ ٢٦٧ وحاشية القليوبي
على شرح المنهج ٢/ ١٩٥
- ١٠٦ -

خيار الشرط ٥١ - ٥٢
من لزوم العقد تلك المدة - والأصل هو اللزوم -
فبانقضاء المدة يثبت موجب العقد، وترك
صاحب الخيار الفسخ حتى تنقضي المدة رضا
منه بالعقد.
على ذلك تواردت نصوص الحنفية
والشافعية والحنابلة، خلافا للقاضي أبي يعلى
(١)
منهم. (١)
أما المالكية فهم في الحقيقة قائلون بأن مضي
المدة ينهي الخيار، غير أن لهم اتجاها خاصا فيما
ينتج عن مضي المدة، فإذا كان الحال عند
غيرهم اعتباره إمضاء للعقد من صاحب الخيار
كائنا من كان، فمذهب المالكية أنه انتهاء للخيار
وليس إمضاء للعقد إلا حيث تنقضي المدة،
والمبيع بيد من له الخيار، فإذا كان الخيار
للمشتري (مثلا) كان ترك المبيع في يده بمثابة
الإِمضاء ولزوم العقد عليه، أما إذا كان الخيار
للبائع وانقضى الأمد - والمبيع في يده - فذلك
بمثابة الفسخ من البائع. هذا من حيث أدائه
إلى إمضاء العقد. أما اعتبار مضي المدة فسخا
أو إجازة فينظر إلى من ينقضي زمن الخيار والمبيع
بيده، سواء أكان صاحب الخيار أم غيره، فإن
کان بید البائع آنئذ فهو فسخ، وإن کان بيد
المشتري فهو إمضاء، قال الدسوقي : ((يلزم
(١) المغني ٣/ ٥٩٢ والشرح الكبير على المقنع ٦٩/٤ -٧١
ومطالب أولي النهى ٩٤/٣ -٩٦، وكشاف القناع ٣/ ٢٥١
- ٢٥٤
المبيع بالخیار من هوبیده منهما كان صاحب الخيار
أو غيره بانقضاء زمن الخيار وما ألحق به وهو اليوم
واليومان. وللمالكية تفصيلات تنظر في
کتبهم .(١)
السبب الثاني : انتهاء الخيار بفسخ العقد
٥٢ - ينقسم الفسخ إلى صريح ودلالة، أوبنظرة
أخرى إلى فسخ قولي، وفسخ فعلي، فالفسخ
القولي أو الصريح يقع بمثل قوله: فسخت
البیع، أو استرجعت المبيع، أورددته، أورددت
الثمن ونحو ذلك، فكل هذا فسخ صريح، ومنه
قول البائع في زمن الخيار: لا أبيع حتى تزيد في
الثمن، مع قول المشتري لا أفعل، وكذلك منه
عكس هذه الصورة بأن يقول المشتري :
لا أشتري حتی ینقص عني من الثمن، على
قول البائع لا أفعل. وكذا منه طلب البائع
حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل
الثمن الحال فكل هذا فسخ. (٢)
وصورة الفسخ دلالة - ويسمى الفسخ
الفعلي - (أو الفسخ بالفعل كما سماه ابن الهمام):
(١) الخرشي على خليل ٢٣/٤، الدسوقي على الشرح الكبير
٩٥/٣، الخطاب والمواق ٤١٦/٤، الصاوي ١٢٥/٢
(٢) البحر الرائق ٢٠/٦، المجموع ٢٠٢/٩، فتح القدير
١٢٢/٥، الخرشي ٥/ ١٢٠، كشاف القناع ٢/ ٥١،
شرح الروض ٢/ ٥٣
- ١٠٧ -

خيار الشرط ٥٢
أن يتصرف صاحب الخيار تصرف الملاك في
المبيع. هذا إذا كان صاحب الخيار هو البائع،
فإن كان هو المشتري فبأن يتصرف تصرف
الملاك في الثمن، شريطة أن يكون الثمن عينا.
أما إن کان دینا فلا يتصور الفسخ دلالة في حق
البائع ولذلك أغفله ابن الهمام مقتصرا على
تصويره في حق المشتري، لأنه لو تصرف البائع
في الثمن - وهودين - يحمل على أنه تصرف في
ماله الخاص لا في الثمن («لأن الأثمان لا تتعين
بالتعیین» .(١)
والسبب في الاعتداد بالتصرف كالملاك في
إسقاط الخيار أن الخيار إذا كان للبائع فتصرفه في
المبيع تصرف الملاك دلیل استبقاء ملكه فيه.
وإذا كان الخيار للمشتري فتصرفه تصرف الملاك
في الثمن إذا كان عينا، دليل أيضا على استبقاء
ملکه فيه. واستبقاء ملك كلّ منهما لا يكون إلا
بالفسخ، فالإقدام على التصرف المذكوریکون
فسخا للعقد دلالة، قال ابن الهمام، ومن قبله
الكاساني :
«والحاصل أن ما وجد من البائع في المبيع لو وجد
منه في الثمن لكان إجازة للبيع : يكون فسخا
للبيع ذلالة)).
(١) بدائع الصنائع ٢٦٧/٥، فتح القدير ١٢١/٥، والفتاوى
الهندية ٤٣/٣ المجموع للنووي ٢٠١/٥ الخطاب
٤١٩/٤، وجامع الفصولين ٢٤٤/١
والفسخ دلالة متفق على عدم اشتراط علم
الآخربه، أما في الفسخ الصريح أو ما يجري
مجراه ففيه خلاف بين الحنفية . (١)
ثم إن للفسخ دلالة بعد هذا الضابط تفاريع
منہا :
- أكل المبيع وشربه ولبسه، يسقط الخيار.
وفي فتاوى قاضيخان: إذا لبسه مرة لا يبطل
خياره .
- النسخ من الكتاب، لنفسه أو غيره، لا يسقط
الخيار، ولو درس فيه يسقط.
- ركوب الدابة ليسقيها، أويردّها، ويعلفها،
إجازة. وقيل إن کان لا یمکنه ذلك بدون
الرکوب لا یکون إجازة . وأطلق قاضيخان في
فتاويه أنه لا يبطل خياره فقال: وركوبها ليسقيها
أو یردّها على البائع لا يبطل خياره استحسانا،
فجعله من الاستحسان.
- بيع محل الخيار من غيره، أو هبته أورهنه - مع
التسليم - مسقط للخيار، أما لووهبه أورهنه ولم
يسلم لا ینفسخ .
-إيجار محل الخیار فسخ ولو لم يسلم، وقيل : ليس
فسخا ما لم يسلم.
- تسليم محل الخيار الى المشتري في مدة الخيار،
وفرّق أبوبكر بن الفضل بين التسليم على وجه
الاختيار فلا يبطل خياره ولا يملكه المشتري،
(١) البدائع ٥/ ٢٧٢، وفتح القدير ١٢١/٥، والفتاوى
الهندية ٣/ ٤٣
- ١٠٨ -

خيار الشرط ٥٣
والتسليم على وجه التمليك فيبطل خياره.
قال الزيلعي : وكذا كل تصرف لا يحل إلا
في الملك، وكذا كل تصرف لا ينفذ إلا في الملك
كالبيع والإِجارة. (١)
شرائط الفسخ :
٥٣ - يشترط لاعتبار الفسخ نافذا الشرائط
التالية :
١ - قيام الخيار، لأن الخيار إذا زال، بالسقوط
مثلا، يلزم العقد، فلا أثر للفسخ حينئذ.
٢ - علم العاقد الآخر بالفسخ، ويعبر عنه في
بعض المراجع الفقهية بعبارة الفسخ بحضرة
العاقد، وعكسه الفسخ في غيبته، والمراد من
الحضرة، العلم لا الحضور، وذلك عند أبي
حنيفة ومحمد، فإن جری الفسخ من صاحب
الخيار دون علم العاقد الآخر فالفسخ موقوف:
إن علم به في مدة الخيار نفذ، وإن لم يبلغه حتى
مضت المدة لزم العقد لعدم اعتبار ذلك الفسخ .
وفي هذه الفترة ۔ حیث یعتبر موقوفا -لوعاد
العاقد عن فسخه فأمضى العقد قبل علم الآخر
فذلك منه معتبر فيلزم العقد ويبطل فسخه
السابق .
أما أبويوسف فقد نقلت عنه أقوال ثلاثة:
الأول مثل مذهب أبي حنيفة ومحمد وقد رجع
(١) فتح القدير ١٢١/٥، والفتاوى الهندية ٤٣/٣، والبدائع
٢٦٧/٥، تبیین الحقائق للزيلعي ٤/ ١٩
عنه، وقول آخر له بعدم اشتراط علم العاقد
الآخر، وقول ثالث بالنظر إلى صاحب الخيار،
فإن كان هو البائع فلا يشترط بل يقتصر اشتراط
العلم في خيار المشتري لكن القول المشهور عنه
عدم اشتراط علم العاقد الآخر بالفسخ ورجح
ابن الهمام قول أبي يوسف هذا، وبيّنّ أن الفسخ
بالقول هو الذي وقع الخلاف في جوازه بغیر علم
الآخر، وأما الفسخ بالفعل فيجوز بغير علمه
اتفاقا بين أئمة الحنفية . (١)
وعدم اشتراط علم العاقد الآخر بالفسخ هو
مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة
والروايات السابقة لبعض أئمة الحنفية، وهو
مذهب الثوري وأبي ثور، على ما ذكر
الطبري. (٢)
واستدلوا بان الفاسخ منها مسلط على
الفسخ من جهة صاحبه الذي لا خيارله فلا
یتوقف فسخه على علمه، فهو كبيع الوكيل مع
عدم علم الموکل وهو جائز، فلا يشترط الرضا
هنا ولا هناك، ولهذا نظائر، منها: أن الفسخ
کالإِجازة في هذا، لأنهما شقيقان كلاهما
لاستعمال الخیار فھو۔ کما قال البابرتي۔۔ قیاس
(١) البدائع ٢٧٣/٥، الفتاوى الهندية ٤٣/٣، فتح القدير
١٢٢/٥، البحر الرائق ١٨/٦
(٢) المجموع. ٩/ ٢٠٠، والمغني ٥٢٩/٣، وكشاف القناع
٥١/٣، والخرشي ٥/ ١٢٠ اختلاف الفقهاء للطبري
(جزء البيوع) ص٤٥
- ١٠٩ -

خيار الشرط ٥٣ - ٥٤
لأحد شطري العقد على الآخر. (١)
٣ - أن لا ينشأ عن الفسخ تفريق الصفقة، أي
أن يقع الفسخ علی جمیع الصفقة، فليس له أن
يمضي العقد في بعض الصفقة ويفسخ في
بعضها الآخر، لأن ذلك يؤدي إلى تفرق
الصفقة .
ومثل ذلك يقال في الإِجازة في البعض،
فينشأ عنه تفريق الصفقة في اللزوم وهو لا يجوز
إلا برضاهما.
والمالکیة يجبرون العاقد علی رد الجميع إن
أجاز العقد في البعض ورد البعض حيث لم
يرض العاقد الشركة، وقال الشافعية: لوأراد
الفسخ في أحد الشيئين اللذين فيهما الخيار
فالأصح لا يجوز لتفريق الصفقة، أما لو اشترى
اثنان شيئا من واحد صفقة واحدة بشرط الخيار
فلأحدهما الفسخ في نصيبه. (٢)
الأدلة: لكل من القائلين باشتراط علم العاقد
الآخر أو عدم اشتراطه أدلة تدور بین وجوه من
المعقول والاستشهاد بالنظائر الفقهية.
(١) الشرح الكبير على المقنع ٦٩/٤، والمجموع ٩/ ٢٠٠،
والخرشي ٥/ ١٢٠، وفتح القدير ١٢٢/٥
(٢) البدائع ٥/ ٢٦٤ و٢٧٣ وفيه تعلیل جيد للمنع، وتصريح
بجواز هذا التفريق في المثليات، الدسوقي على الشرح
الكبير ١٠٢/٣ وتذكرة الفقهاء ٥٢٢/١، والمجموع
١٩٣/٩
انتقال خيار الشرط :
أولا - انتقال الخيار بالموت :
٥٤ - ذهب مالك والشافعي إلى أن خيار الشرط
ينتقل إلى الوارث بموت الموروث، وذكر
أبو الخطاب من الحنابلة وجها بإرث خيار الشرط
مطلقا .
وقد علل القائلون بانتقال الخيار للوارث
باعتبار الخيار من مشتملات التركة، لأنه حق
ثابت لاصلاح المال، كالرهن وحبس المبيع على
تحصيل الثمن. واستدلوا بأدلة من السنة
والمعقول. فمن السنة قوله عليه: ((من ترك مالا أو
حقا فلورثته))، (١) وخيار الشرط حق للموروث
فینتقل إلى الوارث بموته كما يقضي الحديث.
ثم قاسوا خيار الشرط على خياري العيب
والتعيين المتفق على انتقالهما للوارث بالموت،
بجامع أن كلا من تلك الخيارات يتعلق بالعين
فينتقل إلى الوارث بمجرد انتقالها.
وذهب الحنفية إلى أن خيار الشرط
لا یورث، ومن عباراتهم في تقرير ذلك قول
الزيلعي : الخيار صفة للميت، لأنه ليس هو إلا
مشيئة وإرادة فلا ينتقل عنه كسائر أوصافه.
(١) حديث: ((من ترك مالا أو حقا فلورثته)). أورده العيني
(البناية ٢٨٣/٦) عند مناقشته أدلة القائلين بانتقال الخيار
ولم نعثر على تخريج للرواية المشتملة على كلمة (حقا) فيما
لدينا من كتب السنن والآثار. وأما قوله: ((من ترك مالا
فلورثته)) فأخرجه البخاري (٩/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٢٣٧/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
- ١١٠ -

خیار الشرط ٥٤ - ٥٥
واستدلوا لمذهبهم بأن حق الفسخ بخيار الشرط
لا يصح الاعتیاض عنه فلم یورث، نظير حق
الرجوع في الهبة قبل القبض إذا مات الواهب لم
يورث عنه. وقالوا أيضا: خيار الشرط ليس
وصفا بالمبيع حتی یورث بإرثه وإنما هو مشيئة
وإرادة، فھو وصفُ قائم بشخص من ثبت له فلا
یورث عنه، لأن الإرث يجري فیما یمکن نقله،
والوصف الشخصي لا يقبل النقل بحال. (١)
وذهب الحنابلة وحدهم إلى التفصيل بين
مطالبة الميت بالخيار قبل موته أو عدم المطالبة،
فإن مات صاحب الخيار دون أن يطالب بحقه في
الخيار، بطل الخيار ولم يورث، أما إن طالب
بذلك قبل موته فإنه يورث عنه. فالأصل أن
خيار الشرط غير موروث إلا بالمطالبة من
المشترط .(٢)
وقد صوره بعض متأخري الحنابلة بأنه نقل،
وتوریث من المورث لورثته بإراداته، حیث جاء
في الفواكه العديدة قول الفقیه عبدالله بن ذهلان
- شيخ المؤلف -: ((إذا مات وورث خياره
ورثته، الشرطه لهم فأسقطه أحد الورثة سقط
(١) المجموع ٢٢٢/٩ والدسوقي ١٠٢/٣ والقواعد لابن
رجب ٣١٦، الخرشي ٢٩/٤، وفتح القدير ٥/ ١٢٥،
والعناية ١٢٥/٥
(٢) المغني ٥١٨/٣، الفروع لابن مفلح مع تصحيح الفروع
للمرداوي ٤/ ٩١، ومنتهى الإِرادات ٣٥٩/١، وكشاف
القناع ٤/ ٢١٠ و٢٢٥ ومطالب أولي النهى ٩٩/٣
خيار الجميع)). (١) وقد جاءت تلك العبارة
إيضاحا وتقييدا لعبارة أحد الكتب التي جاءت
موهمة أن خيار الشرط يورث مطلقا، وليس الأمر
كذلك بل يشترط لذلك مطالبة المورث بحق
الخيار.
وأما ابن قدامة فقال: المذهب أن خيار
الشرط بالنسبة للمیت منهما يبطل بموته، ویبقی
خيار الآخر بحاله، إلا أن يكون الميت قد طالب
بالفسخ قبل موته فيه فیکون لورثته. (٢)
ثانيا: انتقال الخيار بالجنون وحالات الغيبوبة :
٥٥ - سبق مذهب الحنفية في أن الجنون يسقط
الخيار على تفصيل ينظر في فقرة ٤١
وأما الشافعية فلا فرق عندهم بين البائع
والمشتري، فقد ذهبوا إلى أنه إذا طرأ الجنون -
أو الإغماء - على صاحب الخيار لم ينقطع خياره،
بل يقوم وليه أو الحاكم مقامه فيفعل ما فيه الحظ
من الفسخ والإِجازة وکذلك إذا أصابه خرس -
ولم تكن له إشارة مفهومة أو كتابة - نصب الحاكم
نائبا عنه. (٣)
ولم نجد للحنابلة كلاما في هذه المسألة.
أما المالكية فقد فرقوا بين الجنون والإغماء:
(١) الفواكه العديدة، للمنقور ٢٣٧/١
(٢) المقنع لابن قدامة، وحاشيته ٤١/٢، والمغني ٣/ ٤٩٤
م٢٧٦٩ و٥٠٣/٣ م٢٧٨٩، والقواعد لابن رجب ٣١٦
(٣) المجموع ٢٢٥/٩
- ١١١ -

خيار الشرط ٥٥
أ - ففي الجنون إذا علم أنه لا يفيق، أويفيق
بعد وقت طويل يضر الانتظار إليه بالعاقد
الآخر، ينظر السلطان أو نوابه في الأصلح له من
امضاء أورد، ولو لم ينظر السلطان حتى مضي
جزء من المدة فزال الجنون يحتسب ما مضى من
المدة على الظاهر، ولو لم ينظر حتى أفاق بعد
أمد الخيار لا يستأنف له أجل على الظاهر،
والمبيع لازم لمن هوبيده. ومثل المجنون - في
الحكم - المفقود، على الراجح، وقيل: هو
کالمغمی علیه.
ب - وفي الإغماء ينتظر المغمى عليه لكي يفيق
ويختار لنفسه، إلا إذا مضى زمن الخيار وطال
إغماؤه بعد مضي المدة بما يحصل به الضرر
للآخر فيفسخ. ولا ينظر له السلطان.
فإن لم يفسخ حتى أفاق بعد أيام الخيار
استؤنف له الأجل، وهذا الحكم خلاف ما مر
في المجنون.(١)
هذا وقد يزول الطارىء الذي نقل الخيار
بسببه من صاحبه إلى غيره، کالجنون الناقل
للخيار إلى السلطان، لو أفاق بعده لا عبرة بما
يختاره بل المعتبر بما نظره السلطان.
هذا ما ذهب إليه المالكية، وخالفهم فيه
الشافعية، ففي هذه الحال: لو أفاق العاقد
وادعى ان الغبطة خلاف ما فعله القيّم عنه ينظر
(١) الدسوقي ١٠٣/٣، الخرشي ٢٩/٤
الحاكم في ذلك، فإن وجد الأمر كما يقول المفيق
مكنه من الفسخ والإجازة ونقض فعل القیم،
وإن لم يكن ما ادعاه المفيق ظاهرا، فالقول قول
القیم مع یمینه، لأنه أمین فیما فعله إلا أن یقیم
المفیق بینة بما ادعاه. (١)
(١) الدسوقي ١٠٣/٣، والمجموع ٢٢٥/٩ - ٢٢٦
- ١١٢ -

خيار العيب ١ - ٢
خيار العيب
التعريف :
١ - (خيار العيب)(١) مركب إضافي من
الکلمتین (خیار) و(عیب). أما كلمة خیار فقد
سبق عند تعريف الخيار بوجه عام بيان معناها
اللغوي والاصطلاحي أيضا.
أما كلمة عيب، فهي في اللغة مصدر الفعل
عاب، يقال: عاب المتاعُ يعيب عيبا: أي صار
ذا عيب، وجمعه عيوب وأعياب. قال الفيومي :
استعمل العيب اسما وجمع على عيوب. والمعيب
مکان العیب وزمانه.(٢)
وأما في الاصطلاح فللفقهاء تعاريف متعددة
للعيب، منها: ما عرفه به ابن نجيم وابن الهمام
بأنه: ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة مما يعد
به ناقصا .(٣) وعرفه ابن رشد بأنه: ما نقص عن
(١) هذه التسمية خاصة بالجمهور، ويسمى عند المالكية خيار
النقيصة في الغالب .
(٢) القاموس المحيط، وتاج العروس، والمصباح المنير،
والمعجم الوسيط، ولسان العرب ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ (کلها"
مادة : عيب).
(٣) حدود الفقه، لابن نجيم، من مجموعة رسائله المطبوعة
عقب الأشباه ١/ ٣٢٧، فتح القدير ١٥١/٥
الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له
تأثير في ثمن المبيع . (١)
وعرفه الغزالي بأنه: كل وصف مذموم
اقتضى العرف سلامة المبيع عنه غالبا. (٢)
مشروعية خيار العيب :
٢ - لا خلاف بين الفقهاء في الرد بالعيب في
الجملة.
واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة والقياس:
فمن الكتاب: استدلوا بعموم قوله تعالی :
﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾(٣)
والوجه في الاستدلال أن العلم بالعيب في المبيع
مناف للرضا المشروط في العقود، فالعقد الملتبس
بالعيب تجارة عن غير تراض . (٤)
فالآية تدل على أن العاقد لا يلزمه المعقود
عليه المعيب، بل له رده والاعتراض، بقطع
النظر عن طريقة الرد والإصلاح لذلك الخلل في
تكافؤ المبادلة . (٥)
ومن السنة: عن عائشة رضي الله عنها أن
رجلا ابتاع غلاما، فاستغله، ثم وجد به عيبا
فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي، فقال
(١) بداية المجتهد ٢/ ١٧٣
(٢) الوجيز ١٤٢/٢
(٣) سورة النساء / ٢٩
(٤) الإيضاح للشماخي ١٣١/٣
(٥) بداية المجتهد ١٧٣/٢
- ١١٣ -

خيار العيب ٣
النبي ((الغلة بالضمان)) وفي رواية: ((الخراج
بالضمان)).(١) واستدل الكاساني بحديث
المصراة على مشروعية خيار العيب. (٢)
واستدلوا بالقياس على الخيار في المصراة،
والجامع بينهما عدم حصول المبيع السليم، لأنه
بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له
ذلك. (٣)
قال ابن قدامة: إثبات النبي وقال الخيار
بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب . (٤)
وجوب الإِعلام بالعيب، وأدلته:
٣ - وجوبه على العاقد:
ذهب الفقهاء إلى أن على البائع إعلام
المشتري بالعيب الذي في مبيعه، وذلك فيما
يثبت فيه خيار، أما إن لم يكن مسببا للخيار
فترك التعرض له ليس من التدليس المحرم كما
قال إمام الحرمين، وقد صرح هؤلاء بأن
(١) حديث عائشة: أخرجه أحمد (٦/ ٨٠ - ط الميمنية) وأخرج
اللفظ الثاني أبو داود (٣/ ٧٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير (٢٢/٣ - ط
شركة الطباعة الفنية).
(٢) بدائع الصنائع ٢٧٤/٥ وحديث المصراة أخرجه مسلم
(١١٥٨/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، ونصه:
((من اشترى شاة مصراة، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن
شاء أمسكها وإن شاء ردها، ورد معها صاعا من تمر)).
(٣) تكملة المجموع للتقي السبكي ١١٦/١٢ - ١١٧
(٤) المغني ٤ /١٠٩م ٢٩٩٩
الإِعلام بالعيب مطلوب على سبيل الوجوب،
فإذا لم یبینه فهو آثم عاص، ولا خلاف فيه بین
العلماء - على ما ذكر ابن قدامة والسبكي
وغيرهما _(١) وجعله ابن رشد (الجد) من أکل
المال بالباطل وتحريمه معروف. (٢)
ودل علی هذا عدة أحاديث، منها:
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال :
سمعت النبي ◌َ﴾ يقول: ((المسلم أخو المسلم،
ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا
بینە له». (٣)
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال:
قال رسول اللّه ◌َله: ((لا يحل لأحد يبيع شيئا إلا
يبين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا
بينه)) . (٤)
وهناك أحاديث أخرى تشهد للمعنى السابق
(١) رد المحتار ٥/ ٤٧، المغني ١٠٩/٤م٢٩٩٨، تكملة
المجموع ١١٠/١٢ و١١٢
(٢) المقدمات ص/ ٥٦٩، الدسوقي ١١٩/٣، معالم القربة في
الحسبة لابن الأخوة ١١٣ و١٣٥ و١٥٣، الدرر البهية
للشوكاني ٢/ ١١٩، كفاية الطالب ١٢١/٢
(٣) حديث عقبة بن عامر: ((المسلم أخو المسلم)). أخرجه ابن
ماجه (٧٥٥/٢ - ط الحلبي) والحاكم (٨/٢ - ط دائرة
المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) حديث واثلة: ((لا يحل لأحد يبيع شيئا إلا يبين ما فيه)).
أخرجه أحمد (٤٩١/٣ - ط الميمنية). وقال الشوكاني: ((في
إسناده أبو جعفر الرازي وأبو سباع، والأول مختلف فيه،
والثاني قيل إنه مجهول»، کذا في نيل الأوطار (٢٣٩/٥ - ط
الحلبي).
- ١١٤ -

خيار العيب ٤ - ٥
لورودها بتحریم الغش، وکتمان العيب غش
- كما صرح السبكي - وذلك كحديث
أبي هريرة: ((من غشنا فليس منا)) أخرجه مسلم
وهو وارد في قصة هي: أنه وَله مرّ على صُبرة
طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا،
فقال: ((ماهذا ياصاحب الطعام؟)) قال:
أصابته السماء يارسول الله (يعني المطر) قال:
((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من
غش فليس مني)). (١) وهذا الحدیث یشیرإلى
الإِعلام بالعيب بالفعل المجزىء عن صريح
القول:
وهل يظل الإِثم لورضي المشتري بالعيب
بعد ظهوره، ذلك ما جزم به الشوكاني في الدرر
البهية قائلا: (إن رضيه فقد أثم البائع، وصح
البيع). (٢)
حکم البيع مع الکتمان :
٤ - البيع دون بيان العيب المسبب للخيار
صحيح مع المعصية عند جمهور الفقهاء.
واستدلوا بحديث المصراة المثبت الخيار
للمشتري، وذلك مبني على صحة البيع،
والتصرية عيب، وهاهنا التدليس للعيب وكتمانه
لا يبطل البيع، لأن النهي لمعنى في العقد، فلا
(١) حديث: ((من غشنا فليس منا ... )) وحديث: ((من غش
فليس مني .. )) أخرجهما مسلم (٩٩/١ - ط الحلبي).
(٢) الدرر البهية للشوكاني بشرح صديق حسن خان
(١١٩/٢)
يمنع صحة العقد، بخلاف ما لو كان متوجها
إلى المعقود عليه لمعنى فيه، أو لاستلزامه أمرا
ممنوعا، أما هنا فالعقد لیس منهيا عنه أصلا
(لا لمعنى فيه ولا لاستلزامه ممنوعا) بل قد تحقق
بكتمان العيب ما هو منهي عنه وهو الغش،
وتلك أدنى مراتب النهي الثلاث فلا إثم في
العقد، بل الإِثم في الكتمان، لأن النهي عن
الكتمان لا عن العقد.(١)
ومما هو صريح في الباب من فعل الصحابة ما
أخرجه البخاري أن ابن عمر اشترى إبلا
هِيماً، (٢) فلما أخبر بعيبها رضيها وأمضى
العقد. (٣)
وجوبه على غير العاقد :
٥ - وجوب الإِعلام بالعيب لا يقتصر على
البائع، بل يمتد إلى كل من علم بالعيب
لحديث واثلة - والقصة المروية بأنه فعل ذلك
حين كتم البائع العيب - (٤) والأحاديث الأخرى
العديدة في وجوب النصح، وقد نص علی هذا
(١) تكملة المجموع ١١٢/١٢ - ١١٤، المغني ٣٥٥/٣ -
٣٥٦، ١٠٩/٤م ٢٩٩٨، الدرر البهية للشوكاني
١٢٩/٢
(٢) مصابة بداء كالحمى، يجعلها تعطش فلا تروى. المصباح
المنير.
(٣) أثر ابن عمر أخرجه البخاري (الفتح ٣٢١/٤ - ط
السلفية).
(٤) حديث واثلة تقدم هامش ٤ ف٣.
- ١١٥ -

خیار العيب ٥ - ٧
من الشافعية الشيرازي، وابن أبي عصرون،
والنووي، وقال السبكي: وذلك مما لا أظن فيه
خلافا .
ويتأكد الوجوب حیث ینفرد الأجنبي بعلم
العیب دون البائع نفسه، أما إن كانا يعلمانه
فالوجوب حيث يعلم، أويظن، أويتوهم أن
البائع لم يُعلمه به، أما إن علم قيام البائع بذلك
- أو غلب على ظنه أنه يقوم بذلك لتدينه۔
فهناك احتمالان أحدهما: عدم الوجوب خشية
إيغار صدر البائع لتوهمه سوء الظن به،
والاحتمال الثاني: وجوب الاستفسار من
المشتري هل أعلمه البائع بالعيب.
ووقت الإِعلام في حق البائع والأجنبي قبل
البيع، ليكف عن الشراء، فإن لم يكن الأجنبي
حاضرا، أو لم يتيسر له فبعده، ليتمكن المشتري
من الرد بالعیب.(١)
حكمة تشريع خيار العيب :
الحكمة في مشروعية خيار العيب دفع الضرر عن
العاقد (المشتري) لأنه رضي بالمبادلة بطريق
البيع، والبيع يقتضي سلامة المبيع عن العيب،
ووصف السلامة یفوت بوجود العیب، فعند
فواته يتخير، لأن الرضا داخل في حقيقة
البيع، وعند فواته ينتفي الرضا، فيتضرر بلزوم
ما لا یرضی به. (١)
شرائط خيار العيب :
٦ - يثبت خيار العيب للمشتري بشرائط
ثلاث :
١ - ظهور عيب معتبر.
٢ - أن یکون المشتري غیر عالم بالعيب عند
العقد .
٣ - أن لا يكون البائع قد اشترط البراءة من
العيب .
(الشريطة الأولى) ظهور عيب معتبر:
٧ - المراد بهذه الشريطة بروز العيب وانكشافه
بعدما کان خفیا عن المشتري، فلا حکم للعیب
قبل ظهوره، لأن المفترض أنه خفي ومجهول
للمشتري فكأن المبيع كان سالما - في نظره-
حتی وجد فيه عیبا .
والمراد بكونه معتبرا أن يكون عيبا بالمعنى
المصطلح عليه فقها - لا مطلق العيب لغة - وأن
ذلك لا يتم إلا بأن يتحقق فيه أمران هما:
١ - كون العيب مؤثرا في نقص القيمة أو فوات
غرض صحيح .
٢ - كون الأصل في جنس المعقود عليه السلامة
من العيب.
(١) البدائع ٥/ ٢٧٤ والفتاوى الهندية ٣/ ٦٦ نقلا عن السراج
الوهاج، العناية شرح الهداية للبابرتي ١٥١/٥ - ١٥٢
(١) تكملة المجموع ١٢/ ١١٢
- ١١٦ -

خيار العيب ٨
الأمر الأول - نقص القيمة، أو فوات غرض
صحيح :
٨ - ذكر الحنفية هذا الضابط للعيب: هو كل ما
يوجب نقصانا في القيمة عند أهل الخبرة سواء
نقص العين أم لم ينقصها . (١).
وقد يعبر بعض الحنفية - وغيرهم - بالثمن
بدل القیمة، وهي المرادة، قال ابن عابدين: لما
كان الثمن في الغالب مساويا للقيمة عبروا به
عنها.
والعیب الفاحش في المهر كل ما يخرجه من
الجيد إلى الوسط، ومن الوسط إلى الردىء.
وإنما لا یرد المهر بیسیر العیب إذا لم یکن کیلیا أو
وزنيا، وأما الكيلي والوزني فيرد بيسيره
أيضا. (٢)
قال في «مختار الفتاوی)) : والحد الفاصل فيه :
كل عيب يدخل تحت تقويم المقومين، بأن يقومه
مقوم صحيحا بألف، ومع العيب بأقل، ويقومه
مقوم آخر مع هذا العيب بألف فهویسیر، وما لا
(١) رد المحتار ٧٤/٤، فتح القدير ١٥١/٥، العناية
١٥٣/٥، البدائع ٢٧٤/٥، وذكر أنه يستوي في الحكم أن
یکون النقصان الناشىء عن العیب فاحشا أویسیرا،
ويقارن هذا بتفرقة المالكية بين العيب الكثير، والمتوسط،
وإليسير، وستأتي. مغني المحتاج ٥١/٢، فتح القدير
١١/٦
(٢) جامع الفصولين (١/ ٢٥٠) نقلا من عدة المتقين للنسفي،
والفتاوى الهندية (٦٦/٣) نقلا من شرح الطحاوي والبحر
الرائق.
يدخل تحت تقويم المقومين بأن اتفق المقومون في
تقويمه صحيحا بألف، واتفقوا في تقويمه مع
هذا بأقل فهو فاحش.(١)
وذهب أبو حنيفة وأبویوسف إلى أن خيار
العيب لا يدخل في الزواج، وقال محمد: للمرأة
حق الفسخ بعيوب ثلاثة: الجنون، والجذام،
والبرص، لأن المرأة لا تطيق المقام مع زوج فيه
أحدها، وجاء في الزيلعي والبدائع أن ذكر هذه
الأشياء على سبيل التمثيل، وأن کل عيب
تتضرر به المرأة تستحق به فسخ العقد. وذهب
الأئمة الثلاثة إلى أن التفريق بسبب العيب،
ولكن بعيوب تخل بمقصد الزواج كالعيوب
الثلاثة المذكورة .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ((نكاح)).
وضابطه عند الشافعية: المنقص للقيمة أو
العین نقصانا یفوت به غرض صحيح، بشرط
أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه. وقد
اشتمل هذا الضابط على العنصرين المقومين له
في حين خلا منه تعريف الحنفية، وقال
السبكي : إن هذا الضابط يرجح عن ضوابط
كثيرة أحيل فيها على العرف دون ضبط
العيب، ومجرد الإِحالة على العرف قد يقع منها
في بعض الأوقات إلباس. (٢) وأن اشتراط فوات
(١) الفتاوى الهندية (٦٦/١) متبوعا بعبارة ((هذا هو المختار
للفتوى».
(٢) تكملة المجموع ١٢/ ٣٤٠
- ١١٧ -

خيار العيب ٩ - ١٠
غرض صحيح هو للاحتراز عن النقص اليسير
في فخذ شاة أو ساقها بشکل لا یورث شیئا،
ولا يفوت به غرض صحة الأضحية، بخلاف
ما لو قطع من أذنها ما يمنع التضحية بها.
ویری الحنابلة أن نقص العین وحده کاف ولو
لم تنقص به القيمة، بل زادت! وبالمقابل إن من
العيب نقص القيمة (أو المالية بعبارة ابن قدامة)
عادة في عرف التجار وإن لم تنقص عينه، على
أن تكون تلك نقيصة يقتضي العرف سلامة
المبيع عنها غالبا، لأن المبيع إنما صار محلا للعقد
باعتبار صفة المالية فما يوجب نقصا فيها يكون
عيبا. (١)
وقد ذكر المالكية أن مما يعد عیبا، البيت
الذي قتل فيه إنسان وأصبح يوحش ساكنيه
وتنفر نفوسهم عنه، ویأبى العیال والأولاد سكناه
وتتراءى لهم بسبب تلك الوحشة خيالات
شيطانية مفزعة مقلقة. وقد جعلوه مما ينفر الناس
عنه، وتقل الرغبة فیه، فیبخس ثمنه، فهومن
تطبيقات نقص القيمة. (٢)
الأمر الثاني - كون الأصل سلامة أمثال المبيع من
العیب :
٩ - المراد أن السلامة من ذلك الوصف العارض
(١) كشاف القناع ٢١٥/٣، والمغني ١١٥/٤ م٣٠١٠
(٢) المعيار للونشريسي، طبعة حجرية بالمغرب ١٨٠/٥،
والخرشي ١٢٧/٥
هي الأصل في نوع المبيع وأمثاله، أما إن كان
من المألوف وجوده في أمثاله، فإنه لا يعد عيبا
معتبرا. وقد اختلفت تعابير الفقهاء عن هذا
الأمر مع اتفاقهم عليه. وقد استدركه ابن
عابدين على ضابط الحنفية من الشافعية قائلا :
وقواعدنا لا تأباه . (١) وضربوا لذلك مثلا بوجود
الثفل في الزيت بالحد المعتاد، فمن تعابير
الفقهاء في اعتماد هذا الأمر ، ليكون العيب
معتبرا، التعبير يكون الغالب في جنس المبيع
عدمه، أو اقتضاء العرف سلامة المبيع عنه
غالبا، أو ما خالف الخلقة الأصلية، أو أصل
الخلقة، أو الخروج عن المجرى الطبيعي، أو
ما نقص عن الخلقة الأصلية أو الخلق الشرعي
(كما يقول ابن رشد)، أوما خالف المعتاد، أو
ما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة . (٢)
الرجوع للعرف في تحقق ضابط العيب
١٠ - تواردت نصوص الفقهاء على أن المرجع
في كون العيب مؤثرا (أي مؤديا إلى نقصان
القيمة، وكون الأصل في جنس المبيع عدمه)
(١) رد المحتار ٤ / ٧١
(٢) بداية المجتهد ٢/ ١٧٤، مغني المحتاج ٢/ ٥١، الوجيز
١٤٢/٢، المكاسب ٢٦٧ نقلا عن قواعد الحلي، تذكرة
الفقهاء ١/ ٥٤٠، فتح القدير ١٥١/٥ شرح المجلة
لعلي حيدر (ترجمة الحسيني) ٢٨٤ وشرح المجلة
للمحاسني ٢٦٧/١ (ما تقتضي النظرة السليمة أن
یکون خالیا منه».
- ١١٨ -

خيار العيب ١٠ - ١٢
إلى أهل الخبرة بذلك. قال ابن الهمام: وهم
التجار، أو أرباب الصنائع إن كان الشيء من
المصنوعات، وقال الكاساني: التعويل في الباب
على عرف التجار، فما نقص الثمن (أي
القيمة) في عرفهم فهو عيب يوجب الخيار. (١)
وقال الحطاب: التعويل في اعتبار الشيء عيبا أو
عدمه هو علی عرف التجار . . وإن کان عامة
الناس من غير التجاريرونه، أولا يرونه. (٢)
ولاشك أن ذكر التجار ليس تخصيصا، بل المراد
أهل الخبرة في كل شيء بحسبه .
وهل يشترط إجماع أهل الخبرة على الحكم
بكون الشيء عيبا؟ هذا ما ذهب إليه الحنفية،
فقد ذكر ابن عابدين أنه إذا اختلف التجار فقال
بعضهم: إنه عیب، وقال بعضهم : ليس بعیب
لم يكن له الرد، إذ لم يكن عيبا بينا عند الكل.
وفي مذهب الشافعية لا يطلب هذا الإجماع بل
التعدد غير مطلوب على ما نقل السبكي عن
صاحبي التهذيب والعدة، والاكتفاء بقول
واحد، وعن صاحب التتمة لابد من شهادة
اثنین. ثم قال: لو اختلفا هل هوعیب ولیس
(١) بدائع الصنائع ٢٧٤/٥، الهداية وفتح القدير ١٥٣/٥،
والفتاوى الهندية ٦٧/٣، والمغني ١٣٧/٤، والمبسوط
السرخسي ١٠٦/١٣ وقال: ((وفي كل شيء إنما يرجع إلى
أهل تلك الصنعة)). والمجموع ٣٤٤/١٢
(٢) الخطاب على خليل ٤٣٦/٤
هناك من يرجع إليه فالقول قول البائع مع
یمینه . (١)
شرائط تأثير العيب :
١ - أن يكون العيب في محل العقد نفسه :
١١ - ففي البيع لابد أن يكون في نفس المبيع،
وهذا طبيعي، فالعيوب في غير المبيع لا أثرلها
كالعيوب في شخص العاقد الآخر، أو العيب في
الرهن المقدم، أو الکفیل ونحوه .. وضرب له
ابن عابدين مثلا بما إذا باع حق الكدك (من
حقوق الارتفاق في العقار) في حانوت لغيره
فأخبر المشتري أن أجرة الحانوت كذا فظهر أنها
أکثر، فليس له الرد بهذا السبب، لأن هذا لیس
بعیب في المبيع. (٢)
٢ - أن یکون العيب قديما:
١٢ - والمراد بالقديم ما قارن العقد أوحدث قبل
القبض. فالمقارن مجمع علیه، ودليل ما وجد
قبل القبض، أن المبيع من ضمان البائع فكذا
جزؤه وصفته. (٣)
أما إذا لم يكن العيب قديما بل حدث بعد
التسليم فلا يثبت الخيار، لأنه لفوات صفة
(١) تكملة المجموع ٣٤٣/١٢ - ٣٤٤
(٢) رد المحتار ٧٢/٤
(٣) شرح الروض ٢/ ٦٠، بداية المجتهد لابن رشد ١٧٦/٢
- ١١٩ -

٠٠٠
خيار العيب ١٣ - ١٤
السلامة المشروطة دلالة في العقد، وقد حصل
المعقود علیه سلیما في يد المشتري، إذ العيب لم
يحدث إلا بعد التسليم.
قال المرغيناني: العيب قد يحدث بعد البيع
قبل التسليم وهو يوجب الرد.(١)
وقد خالف في هذا المالكية فأخذوا بقضية
العهدة: وهي عهدتان، الأولى في عيوب الرقيق
ويقولون فيها بعهدة الثلاث، والثانية في عيوب
الجنون والجذام والبرص، ويقولون فيها بعهدة
السنة، وتفصيله في مصطلح: (عهدة). (٢)
ويستثنى من هذه الشريطة عقد الإِجارة،
عند الحنفية فقد نصوا على أنها تفسخ بعيب
حادث وذلك لأنها عقد على المنافع، وهي
تحدث شيئا فشيئا، ووجود العیب یحول دون
الانتفاع فيعتبر ولو كان حادثا. (٣)
٣ - أن لا يكون العيب بفعل المشتري قبل
القبض:
١٣ - يعتبر في منزلة العيب الحادث عند
(١) الهداية وفتح القدير ١٧١/٥، والبدائع ٢٧٥/٥،
والفتاوى الهندية ٦٦/٣، والمقدمات ص ٥٨٠، وتحفة
المحتاج بحاشية الشرواني ٤ / ١٤٠، والشرح الكبير على
المقنع ٤ /٩٠
(٢) بداية المجتهد ٢/ ١٤٤
(٣) رد المحتار نقلا عن جامع الفصولين ٤/ ٧١، وترتيب
١
الأشباه ٢٦٣
المشتري ما لو كان العيب قديما (حصل قبل
القبض) ولكنه وجد بفعل وقع على المبيع من
المشتري قبل أن يقبضه. وهذا القيد كالاستثناء
على ما قبله. ويدل عليه جملة من الفروع التي
ذكرها الشافعية - وقواعد غيرهم لا تأباه- وقد
صرح الشيرازي بأنه حينئذ يفقد العيب
أثره .(١)
٤ - أن یکون العیب باقیا بعد التسليم ومستمرا
حتی الرد:
١٤ - والمراد من بقائه أن يثبت عند المشتري بعد
التسليم، إما بأن يظل موجودا في محل العقد بعد
القبض، وإما بأن يخفى عند التسليم ثم يظهر
ثانیة فلا یکتفی بثوت قدمه عند البائع وظهوره
قبل العقد عنده فقط، كما لا یکتفی بظهوره بعد
العقد ثم خفائه بعد التسلیم، بل لا بد من أن
يعود للظهور ثانية عند المشتري بعد التسليم
ويستمر باقیا إلی حین الرد.
ففي شريطة البقاء - أو المعاودة - احتراز عن
العيب القديم إذا ظهر عند المشتري بعد
التسليم، وعزم على الرد، ثم زال العيب قبل
الرد. (٢) لأن الرد إنما هو للعيب - فهو سببه -
والمعقود علیه أضحی سليما فلا قيام للخيار مع
(١) المجموع شرح المهذب ١٢٦/١٢، وحاشية الشرواني
على التحفة ٤ / ١٤٠
(٢) الهندية ٣/ ٦٩ نقلا عن السراج الوهاج.
- ١٢٠ -