Indexed OCR Text

Pages 281-300

خلو ١٤ - ١٥
متبرعا به للوقف) قال: أما إن بین التحبیس، أو
لم يبين شيئا فالبناء والغرس وقف على المشهور،
لا حقّ فيهما لورثة الباني والغارس، لأن المحبس
علیه إنما بنی للوقف، وملکه فهو محوز بحوز
الأصل.
وهذه الصورة هى في حال بناء الموقوف عليه
ونحوه أو غرسه في الأرض الموقوفة، أما لوبنى
الأجنبي في الوقف شیئا فإنه یکون ملکا،
والغرس کالبناء، وإذا كان ملکا فله نقضه أو
قيمته منقوضا إن كان في الوقف ما يدفع منه
ذلك، هذا إن کان ما بناه لا يحتاج إليه الوقف،
وإلا فيوفى ثمنه من الغلة قطعا، بمنزلة ما إذا
بناه الناظر.(١)
١٤ - الصورة الرابعة: أن يريد الواقف بناء
محلات للوقف، فيأتي له أشخاص يدفعون له
دراهم على أن يكون لكل شخص محل من
تلك المحلات يسكنها بأجرة معلومة يدفعھا کل
شهر، فكأن الواقف باعهم حصة من تلك
المحلات قبل التحبيس وحبّس الباقي، فليس
للواقف تصرف في تلك المحلات، لكن له
الأجرة المعلومة كل شهر أو كل سنة، وكأن دافع
الدراهم شريك للواقف بتلك الحصة. (٢)
(١) فتح العلي المالك ٢٤٣/٢، ٢٤٤، وحاشية الدسوقي على
الشرح الكبير ٤٢٣/٣ أو باب العارية.
(٢) فتح العلي المالك ٢٤٩/٢، ٢٥٠
وقال خير الدين الرملي الحنفي في مثل هذه
الصورة الرابعة: ((ربما بفعله تكثر الأوقاف، ومما
بلغني أن بعض الملوك عمر مثل ذلك بأموال
التجار، ولم يصرف عليه من ماله الدرهم
والدينار، بل فاز بقربة الوقف، وفاز التجار
بالمنفعة، وكان النبي ◌َله: يجب ما خفف على
أمته(٢) والدين يسر ولا مفسدة في ذلك في
الدين)). ا. هـ(٢).
١٥ - صورة خامسة تضاف إلى الصور التي
ذكرها العدوي: وهي أن يشترى حق الخلو
شراء من الناظر ولولمصلحة الموقوف عليهم من
غير أن يكون النفع يحتاج إليه الوقف نفسه،
فظاهر كلام العدوي نفسه وكلام غيره عدم
صحة ذلك في الوقف كما يأتي في شروط صحة
الخلو. ووجهه والله أعلم أنه يكون كبيع جزء
من العقار الموقوف، إذ أن قيمته إذا كان محملا
بحق الخلو تنقص عن قيمته إذا لم يكن محملا
بذلك الحق، وجاز في الصور الأربع السابقة لأنه
یکون قد نقص من الوقف لیعیده فيه مع حاجة
الوقف إلى ذلك. ولذلك فإن الحنابلة لما أجازوا
بيع الوقف إذا خرب وتعطل، قال البهوتي :
(١) ((كان يحب ما يخفف على أمته)). يستنبط ذلك من قوله ﴿ه :
((يسروا ولا تعسروا)) أخرجه البخاري (الفتح ٥٢٤/١٠
- ط السلفية) من حديث أنس بن مالك.
(٢) الفتاوى الخيرية ١٨٠/١
- ٢٨١ -

٠٠٠٠
....
خلوّ ١٥ - ١٦
الخلوات المشهورة ممكن تخريجها عندنا من هذه
المسألة - أي مسألة بيع الوقف الخرب - مع ما
تقدم من جواز بيع المنفعة مفردة عن العين كعلو
بيت يبنى عليه، إذ العوض فيها مبذول في
مقابلة جزء من المنفعة، فإذا كانت أجرة الدار
عشرين مثلا، ودفع لجهة الوقف شيئا معلوما
على أن يؤخذ منه عشرة فقط فقد اشترى
نصف المنفعة وبقي للوقف نصفها، فيجوز ذلك
في الحالة التي يجوز فيها بيع الوقف، بل هذا
أولى، لأن فيه بقاء عين الوقف في الجملة.
ونقل هذا صاحب مطالب أولي النهى ولم
یعترض علیه .(١)
وواضح أن البهوتي لا يرى جواز إنشاء الخلو
بمال على الإطلاق، بل حيث يجوز بيع الوقف
لإِصلاح باقيه، وحاصل شروط ذلك عند الحنابلة
أنه يصح بيع بعض الوقف لإصلاح باقيه إذا لم
تمكن إجارته وأن يتحد الواقف والجهة إن كانا
عينين فتباع إحداهما لإصلاح الأخرى،أو كان
عينا واحدة يمكن بيع بعضها لإصلاح
باقيها . (٢)
وكذلك صورة ما لو استقر في عقار الوقف
المدة الطويلة لا يعطيه ذلك حق الخلو، ولا يلزم
(١) مطالب أولي النهى في مسألة بيع الوقف المتعطل ٣٧٠/٤
دمشق، المكتب الإسلامي (د.ت)
(٢) مطالب أولي النهى ٣٦٩/٤
الناظر أن يؤجره له بل له أن يخرجه إن شاء متى
انتهت إجارته، لكن إن كان للمستأجر بناء
ونحوه مما يسمى الجدك أو الکردار في الأرض
فإذا لم يدفع أجرة المثل يؤمر برفعه وإن كان
موضوعا بإذن الواقف أو إذن أحد النظار. (١)
ولو تلقى المستأجر العقار عن مستأجر قبله
بمال فلا ينشأ عن ذلك حق الخلو. قال ابن
عابدين: أما ما يتمسك به صاحب الخلو من أنه
اشتری خلوه بمال کثیر وأنه بهذا الاعتبار (ينبغي
أن) تصير أجرة الوقف شيئا قليلا، فهو تمسك
باطل، لأن ما أخذه منه صاحب الخلو الأول لم
يحصل منه نفع للوقف، فيكون الدافع هو
المضیح لماله، فکیف یحل له ظلم الوقف، بل
يجب عليه دفع أجرة مثله.(٢)
الحكم في لزوم الخلو في الحال الأولى بصورها
الأربع أو عدم لزومه :
١٦ - الخلو الذي ينشأ للمستأجر مقابل مال
يدفعه إلى ناظر الوقف اعتبره الحنفية نوعا من
بيع الحقوق المجردة، والحقوق المجردة كحق
الشفعة والوظائف في الأوقاف من إمامة وخطابة
وتدریس في جواز النزول عنها بمال قولان عند
الحنفية مبنيان على اعتبار العرف الخاص أو
عدم اعتباره. فمن قال بعدم اعتباره، وعليه
(١) ابن عابدين ١٦/٤
(٢) ابن عابدين ١٦/٤
- ٢٨٢ -

خلوّ ١٦
المذهب عند الحنفية، قال لا يجوز بيع الحقوق
المجردة ومنها الخلو. قال الشهيد: لا نأخذ
باستحسان مشایخ بلخ بل نأخذ بقول أصحابنا
المتقدمين لأن التعامل في بلد لا يدل على الجواز
ما لم يكن على الاستمرار من الصدر الأول،
فيكون ذلك دليلا على تقرير النبي ﴿ ﴿ إياهم
علی ذلك فیکون شرعا منه، فإذا لم یکن کذلك
لا يكون فعلهم حجة إلا إذا كان من الناس
كافة في البلدان فيكون إجماعا. وليس كذلك
شأن الخلو. ا. هـ.
قال الشرنبلالي وأقره ابن عابدين : ولأنه يلزم
من عدم إخراج صاحب الحانوت لصاحب الخلو
حجر الحر المكلف عن ملكه وإتلاف ماله. وفي
منع الناظر من إخراجه تفويت نفع الوقف
وتعطيل ما شرطه الواقف من إقامة شعائر
مسجد ونحوه . (١)
وقال الحصکفي : لكن أفتی کثیرون باعتبار
العرف الخاص، وبناء علیه یفتی بجواز النزول
عن الوظائف بمال، وبلزوم خلو الحوانيت،
فیصیر الخلوفي الحانوت حقا له، فلیس لرب
الحانوت إخراجه منها ولا إجارته لغيره، قال:
وقد وقع في حوانيت الجملون في الغورية أن
السلطان الغوري لما بناها أسكنها للتجار
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١٦/٤، والأشباه
والنظائر لابن نجيم مع حاشية الحموي في شرح قاعدة
(العادة محكمة) ١٣٦/١
بالخلو، وجعل لكل حانوت قدرا أخذه منهم،
وکتب ذلك بمكتوب الوقف.
ونازع بعضهم في بناء الخلاف في ذلك على
القولين في العرف الخاص.
وقد مال الحموي إلی عدم إثبات الخلووعدم
صحة بيعه ونقله عن شيخه وأنه ألف في ذلك
رسالة سماها ((مفيدة الحسنى في منع ظن الخلو
بالسكنی».(١)
قال ابن عابدين: وممن أفتى بلزوم الخلو
الذي يكون مقابل مال يدفعه للمالك أومتولي
الوقف العلامة المحقق عبدالرحمن العمادي قال:
فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها
ولا إجارتها لغيره ما لم يدفع له المبلغ المرقوم،
فيفتى بجواز ذلك للضرورة قياسا على بيع
الوفاء الذي تعارفه المتأخرون. ا. هـ(٢)
وفي الفتاوى الخيرية للرملي الحنفي ما يفيد
أن الخلاف في هذه المسألة معتبر- يعني خلاف
الذي أفتى به من المالكية، وهو الشيخ ناصر
اللقاني ومن تابعه كما يأتي بيانه، قال: فيقع
اليقين بارتفاع الخلاف بالحكم (أي حكم
القاضي) حيث استوفى شرائطه من مالكي
يراه، أو غيره، فیصح الحکم ویرتفع الخلاف،
(١) ابن عابدين١٤/٤٠، ١٥، ١٦، والأشباه مع حاشيته
١٣٥/١، ١٣٩
(٢) ابن عابدين ١٧/٤
- ٢٨٣ -

خلوّ ١٦ - ١٧
خصوصا فيما للناس إليه ضرورة ولا سيما في
المدن المشهورة کمصر ومدينة الملك - يعني
استانبول - فإنهم يتعاطونه ولهم فيه نفع كلي يضر
بهم نقضه وإعدامه. (١) هذا ماذكره الحنفية .
أما المالكية فإن أول فتيا منقولة عندهم هي
ما أفتى به الشيخ ناصر الدين اللقاني في إنشاء
الخلو وتملکه وجريان الإِرث فيه، ونصها ما
أورده الشيخ عليش كما يلي: (سئل العلامة
الناصر اللقاني) بما نصه: ما تقول السادة العلماء
أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في خلوات
الحوانيت التي صارت عرفا بين الناس في هذه
البلدة وغيرها، وبذلت الناس في ذلك مالا
كثيرا حتى وصل الحانوت في بعض الأسواق
أربعمائة دينار ذهبا فهل إذا مات شخص وله
وارث شرعي يستحق خلو حانوته عملا بما عليه
الناس أم لا، وهل إذا مات من لا وارث له
يستحق ذلك بیت المال أم لا ، وهل إذا مات
شخص وعلیه دین ولم یخلف ما يفي بدینه یوفى
ذلك من خلو حانوته؟(٢)
أفتونا مأجورين.
فأجاب بما نصه: الحمد لله رب العالمين:
نعم إذا مات شخص وله وارث شرعي يستحق
خلو حانوته عملا بما عليه الناس، وإذا مات من
(١) الفتاوى الخيرية ١ / ١٨٠ ونقله عنها ابن عابدين ١٧/٤
(٢) فتح العلي المالك ٢٤٩/٢، ٢٥٠، والزرقاني على مختصر
خلیل ١٢٨/٦
لا وارث له يستحق ذلك بيت المال، وإذا مات
شخص وعليه دين ولم يخلف ما يفي بدينه فإنه
يوفى من خلو حانوته. والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب كتبه الناصر اللقاني المالكي حامدا
مصلیا مسلما .
١
وأوردها الزرقاني ونقل أن التعويل في هذه
المسألة على هذه الفتيا.
وقال الحموي من الحنفية : ليس فيها نص
عن مالك وأصحابه، والتعويل فيها على فتوى
اللقاني والقبول الذي حظيت به وجرى عليه
العمل. (١)
وقال الغرقاوي من المالكية: إن فتوى الناصر
اللقاني مخرجة على النصوص، وقد أجمع على
العمل بها واشتهرت في المشارق والمغارب وانحط
العمل عليها ووافقه عليها من هو مقدم عليه
کأخيه الشيخ شمس الدين محمد اللقاني. (٢)
حق مالك الخلو في الاستمرار في العقار إن كان
مقابل مال (أي في الحال الأولى):
١٧ - حيث جرى العرف عند إنشاء الخلو على
استمرار حق صاحبه يحمل عليه عند الإطلاق،
قال العدوي: جرى العرف عندنا بمصر أن
الأحكار مستمرة للأبد، وإن عين فيها وقت
(١) الحموي على الأشباه والنظائر (ضمن الكلام على قاعدة:
العادة محكمة) ١٣٧/١، ١٣٨
(٢) كلام الغرقاوي هو في رسالة في الخلو طبعتها وزارة
الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
- ٢٨٤ -

خلوّ ١٧
الإجارة مدة، فهم لا يقصدون خصوص تلك
ء
المدة، والعرف عندنا كالشرط، فمن احتكر
أرضا مدة ومضت فله أن یبقی ولیس للمتولي أمر
الوقف إخراجه، نعم إن حصل ما يدل على
قصد الإِخراج بعد المدة وأنها ليست على الأبد
فإنه يعمل بذلك.(١)
لكن قال الشيخ عليش: يرد عليه أن ضرب
الأجل يصير لا فائدة فيه، إلا أن يقال: ضربه
في مقابلة المقبوض ومعه تأبيد الحكر، فتكون
الدراهم عجلت في نظير شيئين: الأجل
المضروب، والتأبيد بالحكر، وينظر في ذلك. (٢)
وإنما تصح هذه المسألة إن كانت تلك البلد
قد جرى فيها ذلك العرف، فيقوم مقام الشرط،
وإلا فلا، قال الدسوقي : يجوز استئجار شيء
مؤجر مدة تلي مدة الإِجارة الأولى للمستأجر
نفسه أولغيره، ما لم يجر عرف بعدم إيجارها إلا
للأول، کالأحکار بمصر، وإلا عمل به، لأن
العرف کالشرط، وصورة ذلك إذا استأجر إنسان
دارا موقوفة مدة معينة وأذن له الناظر بالبناء فيها
لیکون له خلوا وجعل له حكرا كل سنة لجهة
الوقف فلیس للناظر أن يؤاجرها لغیر مستأجرها
مدة إيجار الأول لجریان العرف بأنه لا يستأجرها
(١) العدوي على الخرشي ٧٩/٧
(٢) فتح العلي المالك ٢/ ٢٥٠ ومابعدها.
إلا الأول، والعرف كالشرط، فكأنه اشترط
عليه ذلك في صلب العقد. (١)
وقد بين الدسوقي أن استحقاق مالك الخلو
في استئجار عقار الوقف لمدة لاحقة لا يصح إلا
إن کان يدفع من الأجر مثل ما يدفع غيره وإلا
جاز إيجارها للغير. (٢) وقال مثل ذلك ابن
عابدين قال: وهو مقيد أيضا بما قلناه من أن
يدفع أجر المثل، وإلا كانت سكناه بمقابلة ما
دفعه من الدراهم عین الربا، کما قالوا فیمن دفع
للمقرض دارا لیسکنها إلى أن يستوفي قرضه:
يلزمه أجرة مثل الدار. (٣)
وقد بین الزرقاني أن الاستمرار في المأجور هو
الفائدة في الخلوإذ هو الفرق بينه وبين الإِجارة
المعتادة، قال: ((المستأجر مالك المنفعة فما معنى
الخلو وما فائدته، إلا أن يقال في فائدته إنه لیس
لمن له التصرف في المنفعة التي استأجرها سواء
کان مالکا أو ناظرا أن يخرجها عنه، وإن كانت
الإِجارة مشاهرة، فتأمله)) (٤)
وفي حاشية البناني أن مستند المالكية في
إثبات حق الاستمرار إنما هو المصلحة قال:
وقعت الفتوى من شيوخ فاس المتأخرين
كالشيخ القصار، وابن عاشر، وأبي زيد
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١١/٤
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١١/٤
(٣) ابن عابدين ١٧/٤
(٤) الزرقاني على خليل ١٢٨/٦
- ٢٨٥ -

خلوّ ١٨
الفاسي، وعبد القادر الفاسي، وأضرابهم بمثل
فتوى الناصر اللقاني وأخیه شمس الدین جری
العرف بها لما فيها من المصلحة فهي عندهم كراء
على التبقية . (١)
مقدار الأجرة (الحكر) التي يدفعها صاحب
الخلو:
١٨ - لا يخفى أن الوقف إنما يؤجر بأجر المثل
ولا يجوز أن ينقص عن أجر المثل إلا بالقدر
الذي يتغابن الناس به عادة، والمشهور عند
الحنفية والمالكية أنه لا تؤجر دار الوقف أو دكانه
لأکثر من سنة، وأرض الوقف أکثر من ثلاث
سنين، وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في
مباحث الإِجارة.
قال الحنفية: إن زادت أجرة المثل في أثناء
المدة زيادة معتبرة وجب فسخ العقد وإجارته
بأجر المثل ما لم يقبل المستأجر الزيادة. أما إذا
انتهت المدة فللناظر إجارته للمستأجر الأول
بأجر المثل أو إخراجه عنه وإجارته لغيره بأجر
المثل. قال الرملي الحنفي: وهي مسألة
إجماعية. (٢) (عند الحنفية)، وهذا ما لم يكن له
في المکان خلو صحیح، أوله فیه حق القرار كما
(١) البناني على الزرقاني ١٢٨/٦
(٢) الفتاوى الخيرية ١٧٣/١، وتنقيح الفتاوى الحامدية
١٠٠/٢، ١٠١
يأتى فلا يملك إخراجه .
فإن كان للمستأجر حق الخلوبمال دفعه
للواقف أو الناظر لمصلحة الوقف طبقا للصور
والشروط المتقدمة فقد بين الدسوقي أن
استحقاق مالك الخلو الاستئجار لمدة لاحقة
لا یصح إلا إن کان یدفع من الأجر مثل ما يدفع
غيره، وإلا جاز إيجاره للغير. (١) والمراد مثل
إيجار المكان خاليا عن الإضافة التي قابلت المال
المدفوع إلى الواقف. قال ابن عابدين: لو لم
يلزم صاحب الخلو أجرة المثل للمستحقين يلزم
ضياع حقهم. اللهم إلا أن يكون ما قبضه
المتولي صرفه في عمارة الوقف حیث تعین ذلك
طريقا إلى عمارته ولم يوجد من يستأجره بأجرة
المثل مع دفع ذلك المبلغ اللازم للعمارة. وطريق
معرفة أجر المثل أن ننظر إلى ما دفعه صاحب
الخلو للواقف أو المتولي على الوجه الذي ذكرناه
وإلی ما ینفقه في مرمة الدکان ونحوها، فإذا كان
الناس يرغبون في دفع جميع ذلك إلی صاحب
الخلو ومع ذلك يستأجرون الدكان بمائة مثلا
فالمائة هي أجرة المثل، ولا ينظر إلى ما دفعه هو
لصاحب الخلو السابق من مال كثير طمعا في أن
أجرة هذا الدکان عشرة مثلا، لأن ما دفعه من
مال کثیر لم یرجع منه نفع للوقف أصلا بل هو
محض ضرر بالوقف حيث لزم منه استئجار
١
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١١/٤
- ٢٨٦ -

خلوّ ١٩ - ٢٠
الدكان بدون أجرتها بغبن فاحش. وإنما ينظر
إلى ما يعود نفعه للوقف فقط.(١)
الشروط التي يثبت بها ملك الخلو في عقار
الوقف عند المالكية :
١٩ - قال الأجهوري: يشترط لصحة الخلو أن
تكون الدراهم المدفوعة (أي من الساكن الأول)
عائدة على جهة الوقف يصرفها في مصالحه.
قال: فما يفعل الآن من أخذ الناظر الدراهم ممن
يريد الخلو، ويصرفها في مصالح نفسه ويجعل
لدافعها خلوا في الوقف فهذا الخلو غير صحيح
ويرجع دافع الدراهم بها على الناظر.
قال: ومن الشروط أن لا یکون للوقف ربع
یعمر منه، فإن کان له ریع یعمر به مثل أوقاف
الملوك الكثيرة فيصرف عليها منه، ولا يصح فيه
خلو، ويرجع دافع الدراهم بها على الناظر.
لأنه ينزع منه على شرط لم يتم، لظهور عدم
صحة خلوه .
ومنها ثبوت الصرف في منافع الوقف بالوجه
الشرعي، فلو صدقه الناظر على الصرف من
غير ثبوت، ولا ظهور عمارة إن كانت هي
المنفعة، لم يعتبر لأن الناظر لا يقبل قوله في
مصرف الوقف . (٢)
(١) ابن عابدين ١٧/٤، وتنقيح الفتاوى الحامدية ١٩٩/٢
(٢) فتح العلي المالك ٢٥٠/٢، ٢٥١، وحاشية الأشباه
والنظائر للحموي ١٣٨/١ نقلا عن الشيخ نور الدين
علي الأجهوري المالكي في شرحه على مختصر خليل.
بيع صاحب الخلو خلوه وتصرفه فيه :
٢٠ - إذا أنشأ المستأجر خلوه بمال دفعه إلی ناظر
الوقف بشروطه المبينة سابقا صار الخلوملكا له،
وأصبح من حقه التصرف فيه بالبيع، والإِجارة،
والرهن، والهبة، والعارية، والوصية وغير
ذلك، وهذا صريح في كلام من ذكر المسألة من
المالكية . (١)
وواضح أنه إذا باع صاحب الخلوخلوه بعد
أن ملکه بالوجه الصحیح أو وهبه أو أوصى به
فلمن صار إليه الخلو من التصرفات ما كان لمن
قبله .
وصرح البهوتي من الحنابلة بأنه يرى أن
الخلوات إذا اشتريت بالمال من المالك تكون
مملوكة لمشتريها مشاعا لأنه یکون قد اشتری
نصف المنفعة مثلا وعلى هذا لا تصح إجارة
الخلو ويصح بيعه وهبته ووفاء الدین منه. (٢)
أما عند الحنفية فلم نجد التصريح عندهم
فيما أطلعنا عليه بجواز بيع الخلولكن صرح
بعضهم بأنه لو حكم به قاض يراه من مالكي أو
غيره جاز. (٣)
قال ابن عابدين: لو أخرج الناظر المستأجر
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤٦٧/٣ في أثناء كتاب
الاستحقاق ٤٣٣/٣ في العارية، والزرقاني ٧٥/٧،
والعدوي على الخرشي ٧٩/٧، وفتاوى عليش ٢٥١/٢
(٢) مطالب أولي النهى ٣٧٠/٤
(٣) ابن عابدين ١٧/٤ نقلا عن الفتاوى الخيرية.
- ٢٨٧ -

خلوّ ٢١ - ٢٢
من المکان أو آجره لغيره ففي فتوى العمادي لیس
له ذلك ما لم يدفع له المبلغ المرقوم . (١)
شفعة صاحب الخلو :
٢١ -من صور ذلك ما ذكره العدوي أنه إذا
استأجر جماعة من ناظر الوقف أرضا بثلاثين
دینارا في كل عام مثلا وبنوا عليها دارا ولكن
الدار تکری بستین، فحقهم يقال له الخلو، فلو
باع أحدهم حصته في البناء فلشركائه الأخذ
بالشفعة . (٢)
ومن صوره ما ذكره محمد أبو السعود من
الحنفية في حاشيته على الأشباه والنظائر من أن
من له خلو في أرض محتكرة وكان خلوه عبارة عن
غراس أوبناء فإنه يجري فيه حق الشفعة، لأنه
لما اتصل بالأرض اتصال قرار التحق بالعقار.
ولکن قال ابن عابدين: هذا سهو ظاهر لمخالفته
المنصوص في كتب المذهب(٣) أي من أن الوقف
لا شفعة له ولا شفعة فیه . (٤)
وقف الخلوّ :
٢٢ - رجّح جمهور متأخري المالكية القول بأن
الخلو يجوز وقفه، فإن منفعة العقار الموقوف
بعضها موقوف وبعضها غیر موقوف، وهذا
(١) ابن عابدين ٤ /١٧
(٢) العدوي على الخرشي ٧٩/٧
(٣) رد المحتار ١٨/٤
(٤) انظر مبحث الشفعة في الوقف في رد المحتار ١٤٢/٥،
وتنقيح الفتاوى الحامدية ١٩٩/٢
البعض الثاني هو الخلو، فيجوز أن يتعلق به
الوقف. وبمثله قال الرحيباني من الحنابلة: إذا
جرت العادة به خرّجه من قول أحمد بصحة وقف
الماء إن كانوا قد اعتادوه. ثم قال: وهذا ما ظهر
لي ولم أجده مسطورا، لكن القياس لا يأباه
وليس في کلامهم ما يخالفه .
قال العدوي: على أنه إن كان الخلولكتابي
في وقف مسجد فإنه یمنع من وقفه علی کنیسة
مثلا .
والرأي الآخر لدى كل من المالكية والحنابلة
وصرح به الشرواني من الشافعية، أن الخلوات
لا يجوز وقفها، لأنها منفعة وقف، وما تعلق
الوقف به لا یوقف .(١)
وقد قال بذلك أحمد السنهوري وعلي
الأجهوري، قال الأجهوري : محلّ صحة وقف
المنفعة إن لم تكن منفعة حبس، لتعلق الحبس
بها، وما تعلق به الحبس لا يحبس، ولو صح
وقف منفعة الوقف لصح وقف الوقف، واللازم
باطل شرعا وعقلا، ومن المعلوم أن كل ذات
وقفت إنما يتعلق الوقف بمنفعتها وأن ذاتها
مملوكة للواقف. قال: وبهذا تعلم بطلان تحبيس
الخلو. (٢) ووافق الأجهوري على فتياه هذه
(١) العدوي على الخرشي ٧٩/٧، والدسوقي على الشرح
الكبير ٧٦/٤، ومطالب أولي النهى ٣٧١/٤
(٢) فتاوى عليش ٢٥١/٢، والشبراملسي على نهاية المحتاج
٣٥٧/٥، وحاشية الشرواني على التحفة ٣٧/٦
- ٢٨٨ -

خلوّ ٢٢
الشيخ عبدالباقي، ثم لما روجع بفتوى اللقاني
بجواز بيعها وإرثها أفتى بجواز وقفها(١) قال
الشيخ عليش: والعمل على الفتوى بجواز
وقف الخلو، وبه جرى العمل في الديار
المصرية(٢) ولم يخالف الأجهورييُّ في سائر
التصرفات، كالبيع، والإِجارة، والإِعارة
والرهن. (٣)
أما الحنفية فلم نجد لهم تعرّضا لمسألة وقف
منفعة الخلو. ولكنهم يتعرضون لمسألة وقف
ما بناه المستأجر في الأرض المحتكرة أو غرسه
فيها. مما هو مملوك للمستأجر.
والأصل عند الحنفية أنه لا يجوز وقف البناء
بدون الأرض، سواء أكانت الأرض مملوكة أو
موقوفة على جهة أخرى. قال ابن عابدين:
أفتى بذلك العلامة قاسم، وعزاہ إلی محمد بن
الحسن، وإلى هلال والخصاف، وعلله بعضهم
بأنه غیرمتعارف، قال ابن عابدين: فحيث
تعورف وقفه جاز. وقال ابن الشحنة: إن الناس
منذ زمن قديم نحو مائتي سنة على جوازه،
والأحكام به من القضاة العلماء متواترة، والعرف
جارٍ به، فلا ينبغي أن يتوقف فيه ا. هـ. وأما إذا
(١) فتاوی علیش ٢٥٣/٢، وانظر شرح الزرقاني ٧٥/٧ أول
باب الوقف فقد قرر جواز وقف الخلو، وكذا محشيه
البناني.
(٢) فتاوی علیش ٢٥١/٢
(٣) حاشية الدسوقي ٤٤٣/٣، ٤٦٧
وقفه على الجهة التي كانت البقعة وقفا عليها
جاز اتفاقا تبعا للبقعة، وحرر صاحب البحر
الرائق القول الأول ووافقه ابن عابدين. قال:
لأن شرط الوقف التأبيد، والأرض إذا كانت
ملكا لغيره فللمالك استردادها وأمره بنقض
البناء، وكذا لو كانت ملكا للواقف، فإن لورثته
بعده ذلك، فلا یکون الوقف مؤيدا. قال:
فينبغي أن يستثنى من ذلك ما إذا كانت الأرض
معدّة للاحتكار، لأن البناء یبقی فیھا کما إذا كان
وقف البناء على جهة وقف الأرض فإنه لا مطالب
لنقضه، والظاهر أن هذا وجه جواز وقفه إذا كان
متعارفا . (١).
ونقل صاحب الدرّ أن ابن نجیم سئل عن
البناء والغراس في الأرض المحتكرة، هل يجوز
بیعه ووقفه؟ فأجاب: نعم. قال ابن عابدين :
ووقف الشجر كوقف البناء. أما مجرد الکبس
بالتراب أي ونحوه مما هو مستهلك کالسماد فلا
يصح وقفه، ونقل عن الإِسعاف في أحكام
الأوقاف أنه لا يجوز وقف ما بني في الأرض
المستأجرة ما لم تكن متقررة للاحتكار. (٢) وما
يسمى الكدك أو الجدك في حوانيت الوقف
ونحوها من رفوف مركبة في الحانوت على وجه
(١) الدر المختار وابن عابدين ٣٩٠/٣، ٣٩١، وانظر البحر
الرائق ٢٢٠/٥ ط أولى بالمطبعة العلمية.
(٢) ابن عابدين ٣٩١/٣
- ٢٨٩ -

خلوّ ٢٣ - ٢٥
القرار، فالظاهر أنه لا يجوز وقفه لعدم العرف
الشائع بخلاف وقف البناء والشجر. (١)
إرث الخلوّات :
٢٣ - الذين قالوا من المالكية والحنفية والحنابلة
إن الخلويملك ویباع ویرهن ذهبوا كذلك إلى
أنه یورث، وقد تقدم ذکر فتیا اللقاني في ذلك
وذكر من وافقوه عليها. (٢) (ف/١٦).
ولا يخفى أن الخلو في الأوقاف عند من أفتى
بأنه يملك، یورث علی فرائض الله تعالی .
تكاليف الإصلاحات :
٢٤ - على صاحب الخلو أو أصحابه ما يقومون
به من الإصلاحات، وقد یکون ذلك علیھم
على قدر ملکھم فیه، ولیس علی ناظر الوقف
منه شيء، کما لو اشتركوا في بناء في أرض وقف
اكتروه من ناظره لذلك، وقد يكون عليهم
وعلى الناظر بالنسبة، كما لو عمر المستأجر من
ماله حانوت الوقف إذا تخرّب على أن يكون له
خلوًّا. (٣)
الحالة الثانية من أحوال نشوء حق الخلوفي
عقارات الأوقاف:
٢٥ - أن يكون للمستأجر في عقار الوقف حق
(١) ابن عابدين ٣٩١/٣
(٢) فتح العلي المالك ٢٤٩/٢، ٢٥٠، ومطالب أولي النهى
٤ /٣٧٠، والفتاوى المهدية ٨/٥
(٣) العدوي على الخرشي ٧٩/٧
القرار بسبب ما ينشئه في أرض الوقف إذا أنشأه
بإذن الناظر لأجل أن يكون ملكا له، وخلوًّا
ينتفع به، من بناء أوغراس أو كبس بالتراب
وهو المسمى عند الحنفية (الكردار) أوما ينشئه
كذلك في مبنى الوقف، من بناء أو نحوه متصلٍ
اتصالَ قرارٍ، وهو المسمى عندهم (الجدك) قال
صاحب الفتاوى الخيرية: صرح علماؤنا بأن
لصاحب الكردار حق القرار، فتبقى في يده.
ونقل ذلك عن القنية والزاهدي، قال
الزاهدي : استأجر أرضا وقفا وغرس فيها أوبنى
ثم مضت مدة الإِجارة فللمستأجر أن يستبقيها
بأجر المثل، إذا لم یکن في ذلك ضرر، ولو أبی
الموقوف عليهم إلا القلع ليس لهم
ذلك. ا. هـ. (١)
لكن لو كان في البقاء ضرر لم يجب الاستبقاء
كما لو كان المستأجر أو وارثه مفلسا، أوسيء
المعاملة، أو متغلبا يخشى منه أو نحو ذلك (٢)، قال
الرملي : أصل ذلك في أوقاف الخصاف حیث
قال: « حانوت أصله وقف وعمارته لرجل،
وهو لا يرضى أن يستأجر الأرض بأجر المثل))،
قالوا: ((إن كانت العمارة بحيث لو
رفعت يستأجر الأصل بأكثر مما يستأجر صاحب
المبناء کلّف رفعه ويؤجر من غيره ، ولا يترك في
(١) الفتاوى الخيرية ١٨٠/١، وابن عابدين ٣٩٩/٣
(٢) الفتاوى الخيرية ١٩٨/٢، وابن عابدين ٢٠/٥
- ٢٩٠ -

خلوّ ٢٥
يده بذلك الأجر)). (١)
ولا يخفى أن الأصل في الإِجارة أنه إذا انتهت
المدة فالناظر بالخيار بين أن يجدد عقد الإجارة
للمستأجر الأول أولا يجدده بل تنتهي الإِجارة،
وله أن يؤجر لغير المستأجر الأول. قال الرملي :
وهي مسألة إجماعية. لكن استبقاء الأرض
الوقفية المؤجرة عند من أفتى به إن بنی علیها
مستأجرها على الصفة المذكورة وجهه أنه أولويُّ
دفعا للضرر عن المستأجر، لاسيّما مع ما ابتلي به
الناس کثیرا . (٢)
ويشترط في هذه الحالة عند كل من أفتى
بثبوت هذا الحق أن لا تجدد الإجارة بأقل من
أجرة المثل منعا للضرر عن الوقف، كما أن حق
الاستبقاء للمستأجر إنما ثبت له دفعا للضرر عنه
لو طولب برفع جدکه أو كرداره. (٣)
قال ابن عابدين: إنه يجوز إيجار الوقف بأجرة
المثل، فلوزاد أجره على أجر المثل أثناء المدة
زيادة فاحشة، فالأصح أنه يجب تجديد العقد
بالأجرة الزائدة، وقبول المستأجر الزيادة يكفي
عن تجديد العقد.
(١) الإسعاف في أحكام الأوقاف ص٦٦، ٦٧، والفتاوى
الخيرية ١٨٠/١
(٢) الفتاوى الخيرية ١٧٣/١
(٣) الفتاوى الخيرية ١٧٣/١، والفتاوى الحامدية ١١٥/٢،
١١٧
والمراد أن تزيد أجرة الوقف في نفسه لزيادة
الرغبة، لا زيادة متعنّت، ولا بما يزيد بعمارة
المستأجر. فإن قبل المستأجر بالزيادة فهو أولى
من غيره، لأنه يزول المسوّغ للفسخ فلا يكون
له داعٍ. فإن لم يقبل المستأجر الالتزام بالزيادة
فللمتولي فسخ الإِجارة، فإن امتنع فسخها
القاضي، ويؤجرها المتولي من غيره.
وهذا إن زادت أجرة المثل في أثناء مدة
العقد، فبعد انتهائها أولى. (١)
هذا ويشترط لثبوت حق القرار عند من أفتى
به من الحنفية أن يكون ما صنعه المستأجر من
وضع غراسه، أوبنائه، أو جدکه بإذن الناظر
لیکون للمستأجر ملکا وخلوًّا، فإن وضعه دون
إذن فلا عبرة به، ولا يجب تجديد الإِجارة له. (٢)
أما المستأجر إذا لم يكن له في محل الإِجارة
جدك ولا کردار فلا یکون له فیه حق القرار فلا
يكون أحق بالاستئجار بعد انقضاء مدة
استئجاره، سواء أزادت أجرة المثل أم لا ، وسواء
قبل الزيادة أم لا ، قال ابن عابدين: ومن أفتى
بأنه إن قبل الزيادة العارضة يكون أولى من
غيره، فذلك مخالف لما أطبقت عليه كتب
المذهب من متون، وشروح، وحواشٍ، وفيه
الفساد وضیاع الأوقاف، حیث إن بقاء أرض
(١) ابن عابدين ٣٩٩/٣، والإسعاف ص٦٣
(٢) الفتاوى الخيرية ١٨٠/١، والفتاوى المهدية ٦١/٥
- ٢٩١ -
٠

خلوّ ٢٥ - ٢٦
الوقف بيد مستأجر واحدٍ المدة الطويلة يؤدي به
إلى دعوى تملكها، مع أنهم مَنَعوا من تطويل
الإِجارة في الوقف خوفا من ذلك. ا. هـ(١) إذ
المشهور عند الحنفية أن الوقف لا يؤجر أکثر من
سنة للبناء، وثلاث سنين للأرض. (٢)
ولو كان لإِنسان حق القرار في عقار وقف
بسبب كرداره، ثم زال ذلك الكردار زال حقه في
القرار. قال الرملي : في أرض فنیت أشجارها،
وذهب کردارها ویرید محتکرها أن تستمر تحت
يده بالحكر السابق وهو دون أجرة المثل: قال:
لا یحکم له بذلك، بل الناظر یتصرف بما فیه
الحظ لجانب الوقف من دفعها بطريق المزارعة،
أو إجارتها بالدراهم والدنانیر، والحکر لا يوجب
للمستحكر استبقاء الأرض في يده أبدا على
ما یرید ویشتهي. (٣)
ثم قد نقل ابن عابدين أن هذا الجدك
المتصل اتصال قرار الموضوع على الوجه المبين
قال فيه أبو السعود: إنه يصدق عليه أنه خلوّ
واستظهر أنه كاخلو، ويحكم له بحكمه بجامع
العرف في کل منهما . (٤)
ومثل ذلك في الفتاوى المهدية وقال: إن الحق
(١) ابن عابدين ٣٩٩/٣
(٢) الإسعاف في أحكام الأوقاف ص٦٤، والحامدية ١٢٥/٢
(٣) الفتاوى الخيرية ١٦١/١، والحامدية ١٣١/٢
(٤) ابن عابدين ١٧/٤
المذكور لا يثبت إلا إذا بنى المستأجر فعلا، أو
غرس فعلا، فلومات قبل أن يبني أویغرس
انفسخت الإجارة وفات الورثة ذلك الحق. (١)
بيع الخلو الثابت على الصفة المبينة:
٢٦ - إذا ثبت حق القرار للمستأجر في أرض
الوقف، أو حوانيته على الصفة المبينة سابقا
ووضع أبنية أو جدکا ثابتا، أو أشجارا في أرض
الوقف، فإن ما يضعه یکون ملکا له على وجه
القرار، ويكون للمستأجر في أثناء مدة الإِجارة أو
بعدها بيع ما أحدثه من الأعيان من غيره،
وينتقل حق القرار للمشتري، ويكون على
المشتري مثل أجر الأرض خالية عما أحدثه
فيها، وكذا الحانوت. (٢)
أما الأرض الموقوفة إذا استأجرها على وجه
لا يثبت به حق القرار كما تقدم، أو كان
استئجارها علی وجه یثبت به حق القرار لكن لم
یین فعلا، أو بنی شیئا ففني وزال فلا يباع ذلك
الحق فيها عند الحنفية لأنه مجرد. وقد تعرّض
بعض متأخري الحنفية للفراغ عن ذلك مقابل
عوض مالي ليس من قبيل البيع بل من قبيل
التنازل عن الحق المجرد بمال. ففي تنقيح
الفتاوى الحامدية أن ذلك لا يجوز أصلا، ونقل
في واقعة: خگم بصحته قاضٍ حنبلي نفذ لو كان
(١) الفتاوى المهدية ٢٣/٥، ٦١
(٢) الفتاوى المهدية ٦١/٥
- ٢٩٢ -

خلوّ ٢٦
موافقا لمذهب أحمد، لکن قال إنه لا ينفذ لأن
الفتوى عند الحنابلة أنه (لا يصح الفراغ في
الأوقاف الأهلية، وأوقاف المساجد ونحوها،
سواء أذن في ذلك الناظر أم لم يأذن، بل للناظر
إيجارها وصرف أجرتها في جهات الوقف،
ولا يصح الفراغ إلا في ما فتح عنوة ولم يقسم
وضرب عليه خراج يؤخذ ممن هو في يده). (١)
وفي الفتاوى الخيرية: سئل في أرض وقف
دفعها الناظر لمزارع يزرعها بالحصة هل يملك
المزارع دفعها لمزارع آخر بمال يأخذه لنفسه في
مقابلها، أم لا يجوز له ذلك. فلا يصح بيعه
ولا فراغه، ويرجع المزارع الثاني على الأول بما
دفعه من مال؟
فأجاب: أرض الوقف لا يملكها المزارع
ولا تصرف له فيها بالفراغ عن منفعتها بمال
يدفعه له مزارع آخر لیزرعها لنفسه، لأن انتفاع
الأول بها مجرد حق، لا يجوز الاعتياض عنه
بمال، فإذا أخذ مالا في مقابلة الاعتياض عنه
يسترده منه صاحبه شرعا. والوقف محرم
بحرمات الله تعالى . (٢)
ومثل ذلك في الفتاوى المهدية في أرض
الوقف. ونقله عن ابن عابدين في رسالته المسماة
(تحرير العبارة فيمن هو أحق بالإِجارة)(٣) وقال:
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢/ ٢٠٤
(٢) الفتاوى الخيرية ١٣٦/١
(٣) الفتاوى المهدية ٦١/٥
لا يجوز للمستأجر إسقاط حقه في أثناء المدة من
أجنبي في مقابلة مالٍ يأخذه، ثم يستأجر المسقط
له من الناظر إذ هذا من قبيل الحقوق المجرّدة
التي لا يجوز الاعتياض عنها، كحق الشفعة.
ثم قال: إن هذا لا يمنع المستأجر أن يؤجر
لغيره إلى باقي المدة وإن لم يكن له فيها حق
القرار، لأنه مالك للمنفعة إلى نهاية مدة
الإِجارة فله بيعها بطريق الإِجارة. (١)
أما عند المالكية فلم نجد التصريح منهم
بحكم هذه المسألة غير أن الشيخ عليشا ذكر أن
الموقوف عليه المعين إن آجر الوقف وأذن
للمستأجر في البناء فيه ثم مات المؤجر تنفسخ
الإِجارة، والبناء ملك للباني فله نقضه أو قيمته
منقوضا إن كان للوقف ریع يدفع منه ذلك،
وهذا إن کان الوقف لا يحتاج لما بناه وإلا فیوفی
له من الغلة قطعا. قال الشيخ عليش: أفاد
ذلك الشيخ الخرشي رحمه الله. (٢)
ولم نجد للشافعية والحنابلة ما فيه النص على
ذلك، على أن قاعدة الإِجارة تقتضي إنهاء حق
المستأجر بانتهاء مدة الإجارة. قال ابن رجب:
غراس المستأجر وبناؤه بعد انقضاء المدة إذا لم
يقلعه المالك، فللمؤجر تملكه بالقيمة ويجبر
المالك على القبول، وإن کان یمکن فصله
(١) الفتاوى المهدية ٦١/٥
(٢) فتاوی علیش ٢٤١/٢، وانظر الخرشي ٣٢/٧
- ٢٩٣ -

خلو ٢٦م
بدون ضرر يلحق مالك الأصل، فالمشهور أنه
ليس له تملكه قهرا. (١) وقد تقدم النقل من
صاحب الفتاوى الحامدية أن الفتوى عند
الحنابلة أنه لا يصح الفراغ مقابل مال في
الأوقاف. (٢)
القسم الثاني :
الخلو في أراضي بيت المال:
٢٦ م - الأراضي التي فتحت عنوة وأبقيت بأيدي
أربابها من أهل الأرض بالخراج هي عند الحنفية
ملك لأهلها يجري فيها البيع، والشراء، والرهن
والهبة، وغير ذلك.
أما أراضي بيت المال وهي التي آلت إليه
بموت أربابها، أو فتحت عنوة وأبقاها الإِمام
لبيت المال، وهي التي تسمى (أرض الحوز) فإذا
دفعها الإِمام إلى الرعية کانت بأيديهم ولیس
لهم بيعها، ولا استبدالها إلا بإذن الإِمام،
ولا تكون ملكا لأحد إلا بتمليك السلطان
له.(٣) ثم إن من هي تحت يده من الرعايا إن
تسلمها بوجه حق فهو أولی بها من غيره مادام
يدفع أجر المثل، فيكون له فيها (مشدُّ مسكة)
يتمسك بها مادام حيًّا في الحرث وغيره،
وحكمها أنها لا تقوم، ولا تملك، ولا تباع.
(١) انظر القاعدة ٧٧ من قواعد ابن رجب ص١٤٧
(٢) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٠٤/٢
(٣) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢/ ١٠٢، ٢٠١
وكذا إن أجرى فيها كرابا أي حرثا، أوكرى
أنهارها، أو نحو ذلك مما لم يكن مالا ولا بمعنى
المال، وهو مجرد الفلاحة فليس ذلك متقوما عند
الحنفية، لأنه بمعنى الوصف فلا يباع
ولا يورث. وقال بعضهم: يباع حتى يزول
وجوده من الأرض فترجع إلى الأول. أما إن
کان له کردار من بناء أو أشجار فإنه یباع ویورث
دون الأرض، ولم يسموه خلوًّا. وإن كان المالكية
سمّوه خلوًا أو ألحقوه بالخلو كما يأتي، على أنهم
ذکروا أنه إن کان له مشد مسکة ۔ ولو لم یکن في
الأرض كردار- فلصاحبها تفويضها لغيره
وتکون في ید المفوض إليه عارية والأول أحق
بها، وله إجارتها، وله أيضا الفراغ عنها لغيره
بمال، جاء في الولوالجية: عمارة في أرض رجل
بيعت فإنْ بناء أو أشجارا جاز، وإن كرابا أو
كري أنهار لم يجز، قالوا: ومفاده أن بيع المسكة
لا يجوز، وكذا رهنها، ولذا جعلوه الآن (فراغا)
أي كالنزول عن الوظائف بمال. فإذا فرغ عنها
لأحد لم ينتقل الحق فيها إلا إذا اقترن بإذن
السلطان أو نائبه. (١) على أنه لودفع مالا مقابل
الفراغ ثم لم يأذن السلطان أو نائبه بنقلها يكون
الدافع المال حق الرجوع فيه. (٢)
أما عند المالكية: فإن الأرض الصالحة
للزرع، وأرض الدور التي فتحت عنوة في الشام
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ١٢٩/٢، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠١
(٢) ابن عابدين ٤/ ١٥
- ٢٩٤ -

خلو ٢٦م
ومصر، والعراق، هي وقف وقفت بمجرد فتحها
عنوة، ويقطعها الإِمام أويكربها لمن شاء بحسب
المصلحة، وينتهي إقطاعها بموت المقطع مع
بقائها على وقفيتها، فلا تباع، ولا ترهن
ولا تورث .
لكن قد اختلف المتأخرون من فقهاء المالكية
في ذلك على قولين:
القول الأول: قال الشيخ عليش: قد أفتى
بعض المالكية بأنه يورث، فإنهم ألحقوه
بالخلوات والخراج كالكراء. قال: وإنما يلحق
بها إن حصل من واضع اليد على الأرض أثر
فيها كإصلاح: بإزالة شوكها، أوحرثها، أو
نصب جسر عليها، أو نحو ذلك مما يلحق بالبناء
في الأوقاف، فیکون الأثر الذي عمله في الأرض
خلوًّا يُنْتَفَع به ويُمْلَك. فكأن الذين أفتوا بذلك
نظروا إلى أنه لا يسلم الأمر من وقوع شيء من
هذا النوع، أو من دفع مغارم للملتزم (وهو
الذي يتقبل الأراضي من السلطان مقابل مال
يدفعه له، ويأخذ الملتزم المال من الفلاحين
لتمكينهم من الأرض) قال: فالذي ينبغي في
هذه الأزمان الإِفتاء بالإِرث، ولأنه أدفع للنزاع
والفتن بين الفلاحين، وللملتزم الخراج على
الأرض لا أكثر، وأن لا يكون له عزل الفلاح
عن أثر له في الأرض. (١)
(١) فتاوى الشيخ عليش ٢ / ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧
القول الثاني: ذهب الدردير إلى أن الفتوى
السابق بيانها. مكذوبة على من نسبت إليه.(١)
قال الشيخ عليش: مراعاة مشهور المذهب
تقتضي عدم التوريث فيما فتح عنوة بل يفعل
السلطان أو نائبه ما فيه المصلحة، ولا تورث،
بل الحق لمن يقرره فيها نائب السلطان لأنها
مكتراة، والخراج كراؤها ولا حق للمكتري في
مثل هذا(٢) ثم إنه إذا تنازل من هي بيده لغيره
مقابل عوض مالي على أن يكون الخراج على
المسقط له، فقد أفتى الشيخ عليش بجواز
ذلك، علی أن یکون العوض من غیر جنس
ما يخرج منها. (٣)
وعند الشافعية الأرض المذكورة قسمت علی
الغانمين ثم طلبها عمر منهم فبذلوها فوقفها
على مصالح المسلمين، وآخرها لأهلها إجارة
مؤيدة بالخراج فيمتنع عليهم لكونها وقفا بيعها
ورهنها وهبتها، ولهم إجارتها مدة معلومة
لا مؤيدة. (٤) وهذا حكم الأرض نفسها، أما
البناء والأشجار التي يحدثها في الأرض من هي
بیده من الرعایا فهو ملك له، وله أن یقفہ کما هو
(١) فتاوى الشيخ عليش ٢٤٧/٢ والشرح الكبير معه حاشية
الدسوقي ١٨٩/٢ وفيه أنها منسوبة إلى الشيخ الخرشي
والشيخ عبدالباقي والشيخ يحيى الشادي.
(٢) فتاوی علیش ٢٤٦/٢
(٣) فتاوی علیش.٢٤٨/٢
(٤) شرح المنهج وحاشية الجمل ٢٠٣/٥ في كتاب الجهاد فصل
في حکم الأسر.
- ٢٩٥ -

خلوّ ٢٦م - ٢٧
الأصح فيما يبنيه في الأرض المستأجرة، ويُرهن
ويباع. (١)
أما النزول عن الأرض المذكورة ممن هي بيده
إلی غيره مقابل عوض مالي فلم نجد عند
الشافعية تعرّضا له.
ولكنهم في المتحجّر قالوا إن الأصحّ أنه
لا يصح بيعه لما تحجره لأنه لم يملكه، والقول
الثاني یصح، وکأنه يبيع حق الاختصاص. قال
المحلّي: كذا في الروضة وأصلها، وفي المحرر
ليس له أن يبيع هذا الحق. (٢)
أما عند الحنابلة فمع أنهم لم يسموا مثل هذا
الحق خلوا فقد قالوا: إن منافع الأرض الخراجية
يجوز نقلها بغیر عوض، ومن نزل عن أرض
خراجية بيده لغيره، فإن المتروك له أحق بها،
فيجوز نقلها بلا عوض، وأجاز أحمد دفعها
عوضا عما تستحقه الزوجة من المهر، وأما البيع
. فقد کرهه أحمد ونهى عنه. واختلف قوله في بيع
العمارة التي فيها لئلا تتخذ طريقا إلى بيع رقبة
الأرض التي لا تملك، بل هي إما وقف، وإما
فيء.
ونص أحمد في رواية على أنه يبيع آلات
عمارته بما تساوي أي بثمن المثل، وکره أن يبيع
بأکثر من ذلك للمعنی المذكور، ونقل عنه ابن
هانىء: يقوّم دّانه وما فيه وكل شيء يحدثه فيه
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٩٩/٣ في باب الوقف.
(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٩١/٣
فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار
ولا دکان.(١) وبین ابن رجب أن ذلك من أحمد
لسد الذريعة إلى بيع الأرض نفسها بدعوى بيع
ما فيها من العمارة. قال: والأظهر أن أحمد إنما
أراد النهي عن أخذ العوض عن رقبة الأرض
بهذه الحيلة، وبهذا قال: هذا خداع. وهذا يفيد
أنه لا يجوز بيع آلاته بأكثر من قيمتها. ونقل عن
ابن تيمية تجويز بيعها فتنتقل بخراجها بخلاف
بيع الوقف على معين فإنه يبطل حق البطن
الثاني. ا. هـ(٢)
وقال في الإقناع وشرحه: إن آثر من هي بيده
بها أحدا ببيع أو غيره صار الثاني أحق بها.
ومعنى البيع هنا بذلها بما عليها من خراج إن
منعنا بيعها الحقيقي كما هو المذهب ، لأن عمر
وقفها والوقف لا يباع. (٣)
کیفیة توارث الخلو في أراضي بیت المال:
٢٧ - إذا مات من بيده شيء من الأراضي
(١) مطالب أولي النهى ١٩١/٤ وقواعد ابن رجب القاعدة
٨٧ ص٢٠٠ وكشاف القناع باب الأرضين المغنومة
٩٩/٣، وانظر، الاستخراج الأحكام الخراج لابن رجب
ص٧٦ وما بعدها فقد أطال في ذلك وذكر عن أحمد
روايات ونقل فتيا للشيخ ابن تيمية وذكر تأويلات مختلفة
لما روي عن أحمد بهذا الصدد.
(٢) الاستخراج لأحكام الخراج لابن رجب ص٧٧، ٧٨
والقواعد لابن رجب أيضا القاعدة ٨٧ ص١٩٩، ٢٠٠
(٣) كشاف القناع ٩٩/٣
- ٢٩٦ -

خلوّ ٢٧
الأمیریة فإنها عند الحنفية لا تورث عنه لأن
رقبتها لبيت المال فترجع إلیه، ولا يستحق
انتقالها إلى ورثته أو غيرهم إلا بإذن السلطان.
وهذا بخلاف ما عليها من غراس أوبناء فإنه
يورث طبقا للوجه الشرعي. (١) أما مشد المسكة
نفسه فإنه لا یورث أصلا لأنه حق مجرد. لکن
جرت فتوى متأخري الحنفية أنه ينتقل إلى
الأبناء الذكور انتقالا لا على سبيل الميراث،
بل بمعنی أنهم یکونون أولی به من غيرهم،
وينتقل مجانا. وجرى الرسم على ذلك في الدولة
العثمانية . (٢)
أما المالكية فالأراضي الأميرية قد تقدم ذكر
الخلاف عندهم في ثبوت حق الخلو فيها، وأن
من المالكية من قال: إنها لا تورث وذلك
مقتضى مشهور المذهب بأنها وقف، وأن
السلطان أحق بتوجيهها ممن هي بيده، ومن
ورثته، ومنهم من قال: بأنها تورث، وأن الإِرث
في الحقيقة ليس لرقبتها بل لمنفعتها مادام يؤدى
ما عليها من الخراج الذي هو كالأجرة.
ثم اختلفوا فیمن تؤول إليه الأرض إذا مات
من هي تحت يده، فالذين قالوا بعدم التوريث
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٠٥/٢
(٢) وجاءت الأوامر السلطانية في أواخر الدولة العثمانية
فأعطت للنساء حق وضع الید بتفصيلات يرجع إليها في
هذه الأوامر، ويجب طاعتها ما لم تخالف الشرع على أن
هذه الأوامر (الآن) أصبحت غير ذات موضوع (اللجنة)
قالوا: السلطان أحق بتوجيهها إلى من شاء،
لكن إن كانت العادة قد جرت بنقلها إلى ورثته
جميعا، أو لأولاده الذكور دون الإِناث يعمل
بذلك، قال الدردير: وقد جرت العادة في بعض
قری الصعید أن يختص الذکور بالأرض دون
الإِنساث، فيجب إجراؤهم على عادتهم على
ما يظهر لأن هذه العادة والعرف صارت كالإِذن
من السلطان في ذلك .(١)
أما الذين قالوا إن منفعة الخلوفيها تورث
قالوا: إنها تورث طبقا لما توجبه أحكام التوريث
فهي لجميع الورثة من الزوج أو الزوجة والأبوين
والعصبات والأولاد الذكور منهم والإِناث طبقا
للكتاب والسنة. قال الشيخ عليش: الحق فيها
يورث على فرائض الله تعالى ولا وجه
لتخصیص الذكور لأنها خصلة جاهلية لا تحل
في الإسلام وإن استظهر ذلك الدردير. (٢) وقال
أيضا: توریث الذكور دون الإناث عرف فاسد
لا يجوز العمل به. (٣) وفي الشرح الكبير قال
الدردير: مقتضى المذهب أن للسلطان أو نائبه
أن یمنع الورثة من وضع يدهم عليها وله أن
يعطيها لمن شاء. ثم قال: وقد يظهر أنه لا يجوز
له، لما في ذلك من فتح باب يؤدي إلى الهرج
والفساد، وأن لمورثهم نوع استحقاق، وأيضا
(١) الشرح الكبير على مختصر خليل ١٨٩/٢
(٢) فتاوی علیش ٢٤٦/٢
(٣) فتاوی علیش ٢٦٨/٢
- ٢٩٧ -

خلوّ ٢٨ - ٢٩
العادة تنزل منزلة حكم السلاطين المتقدمين من
أن كل من بيده شيء فهو لورثته أو لأولاده
الذكور دون الإناث رعاية لحق المصلحة. نعم
إذا مات شخص وتحت يده أرض يؤدي
خراجها عن غیروارث فالأمر للسلطان أو نائبه،
أي يقرر في الأرض من يشاء، ولا تورث عن
الميت.
قال الدسوقي : نعم وارثه أُولی وأحق بها من
غيره. (١) ولم يتضح لنا قول الشافعية في ذلك.
أما عند الحنابلة فالورثة أحق بالتمسك بالأرض
الخراجية فتنتقل إليهم بوفاة من هي بيده، ولیس
للإِمام نزعها منهم ماداموا يؤدون الخراج.
قال ابن القيم: من بيده أرض خراجية فهو
أحق بها وترثها ورثته کذلك فيملكون منافعها
بالخراج الذي يبذلونه . (٢) وظاهر هذا أن توارث
هذا الحق يستحق طبقا الأنصبة الميراث وإن لم
يكن الحق الموروث مالا .
وقف ما ينشئه في أرض بيت المال:
٢٨ - نقل ابن عابدين عن الخصاف أنه قال:
إن وقف حوانیت الأسواق يجوز إن کانت الأرض
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي ١٨٩/٢
(٢) مطالب أولي النهى ١٩٢/٤، والقواعد لابن رجب
القاعدة (٨٧)، ص ٢٠٠، وكشاف القناع باب الأرضين
المغنومة ٩٩/٣
بأيدي الذين بنوها بإجارة لا يخرجهم السلطان
عنها من قِبَل أنّا رأيناها في أيدي أصحاب البناء
توارثوها وتُقْسَمُ بينهم لا يتعرّض لهم السلطان
فیها ولا يزعجهم منها، وإنما له غلة يأخذها
منهم وتداوها خلف عن سلف، ومضى عليها
الدهور وهي في أيديهم یتبايعونها، ويؤجرونها،
وتجوز في وصاياهم، ويهدمون بناءها،
ويعيدونه، ويبنون غيره، فكذلك الوقف
جائز. ا. هـ.
قال ابن عابدين: وأقره في الفتح ووجهه بقاء
التأبيد. (١)
وإن كان ما جعله في الأرض غراسا فالحكم
في وقفها حكم البناء. أما إن كان ما عمله في
الأرض مجرّد كبس بالتراب أو السماد فلا يصح
وقفه . (٢)
ولم نطلع على كلام لغير الحنفية في ذلك.
القسم الثالث :
الخلوّ في الأملاك الخاصة :
٢٩ - فرّق الحنفية بين الوقف والملك في ثبوت
حق القرار فأثبتوه للمستأجر في عقارات الأوقاف
على الوجه الذي تقدم بيانه، ونَفوْه في الأملاك
الخاصة المؤجرة، وبينوا أن الفرق في ذلك هو أن
المالك أحق بملكه إذا انتهى عقد الإِجارة، ثم
هو قد يرغب في تجديد إيجاره للمستأجر الأول
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣٩١/٣
(٢) رد المحتار ٣٩١/٣
- ٢٩٨ -

خلوّ ٢٩
بنفس الأجر، أو أقل، أو أكثر، وقد لا يرغب في
ذلك، وقد یرید أن یسکنه بنفسه، أویبیعه، أو
يعطله، بخلاف الموقوف المعدّ للإِيجار، فإنه
لیس للناظر إلا أن يؤجره، فإيجاره من ذي الید
بأجرة مثله أولى من إيجاره لأجنبي، لما فيه من
النظر للوقف ولذي اليد. ولمالك الحانوت أن
يكلف المستأجر رفع جدكه وإفراغ المحل
لمالكه. (١) ومقتضى ذلك أن لا يثبت حق القرار
في الأملاك الخاصة حتى عند من سماه في
عقارات الوقف خلوا، ولأنه يلزم من عدم
إخراج صاحب الحانوت لصاحب الخلوحجر
الحر المكلف عن ملكه وإتلاف ماله. (٢) وهي
مسألة إجماعية كما نقله صاحب الفتاوى الخيرية
وكما هو معلوم من أحكام الإِجارة(٣) فإن كان
للمستأجر عند انتهاء الإِجارة في الأرض بناء أو
أشجار، أو في الحانوت بناء، يلزمه رفعه على
خلاف وتفصيل يرجع إليه في أحكام الإِجارة.
أما إنشاء الخلو قصدا بتعاقد بين المستأجر
والمالك مقابل دراهم معينة ليمكنه من وضع بناء
أو نحوه في الأرض أو الحانوت على أن يكون
للمستأجر الخلو، فقد أفتی بصحته بعض
متأخري الحنفية. قال ابن عابدين: ممن أفتى
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٠٠/٢
(٢) الدر المختار ١٦/٤
(٣) الفتاوى الخيرية ١٧٣/١ والموسوعة الفقهية (الإِجارة
ف٩٠، ٩٢)
بلزوم الخلو بمقابلة دراهم يدفعها إلى المالك
العلامة عبد الرحمن العمادي وقال: فلا يملك
صاحب الحانوت إخراجه منها ولا إجارتها لغيره
فيفتى بجواز ذلك للضرورة. (١)
وسئل المهدي العباسي في رجل له حانوت
متخرّب استأجره منه رجل سنة، وأذن له بالبناء
والعمارة فيه ليكون ما عمره وبناه وأنشأه خلوا له
وملكا مستحق البقاء والقرار، وجعل عليه أجرة
للأرض مقدارا معلوما من الدراهم مسانهة
(سنويا) فهل إذا بنى وعمر وأنشأ على هذا
الوجه يكون ذلك ملكا للمستأجر، وإذا مات
الآذن يكون لورثته أجرة الأرض فقط؟ فأجاب:
ما بناه المستأجر من ماله لنفسه بإذن المالك في
حیاته على الوجه المذكور مملوك لبانیه یورث عنه
إذا مات، وعليه الأجرة المقررة على الأرض
والله أعلم. (٢)
ثم قرر أن الخلو في هذه الحال يجوز بيعه لأنه
عبارة عن أعيان مملوكة لصاحبها مستحق قرارها
في المحل. (٣)
وكذلك الحكم عند المالكية، فقد قال الشيخ
عليش: الخلوربما يقاس عليه الجدك المتعارف
في حوانيت مصر، فإن الخلو إذا صح في الوقف
(١) حاشية ابن عابدين ١٧/٤
(٢) الفتاوى المهدية ٢٦/٥ ومثله في ٤٣/٥ وفي ٤٤/٥
(٣) الفتاوى المهدية ٢٣/٥، ٤٩، ٦١
- ٢٩٩ -

خلوّ ٣٠
ففي الملك أولى لأن المالك يفعل في ملکه ما
يشاء. لكن بعض الجدكات بناء، أو إصلاح
أخشاب في الحانوت مثلا بإذن، وهذا قياسه
على الخلو ظاهر خصوصا وقد استندوا في تأبيد
الحكر للعرف، والعرف حاصل في الجدك.
والبعض الآخر من الجدكات وضع أشياء
مستقلة في المحل (أي منفصلة) غير مسمّرة فيه
کما یقع في الحمامات، وحوانيت القهوة بمصر،
فهذه بعيدة عن الخلوّات، فالظاهر أن للمالك
إخراجها . ا. هـ.
وظاهر أنه يعني بقوله: ((إن الخلو إذا صح في
الوقف ففي الملك أولى))، أن يتعاقد المالك
ومستأجر الحانوت على إنشاء الخلو وتأبیده لا إن
حصل ذلك بمجرد الإِذن ويفهم ذلك من قوله
(لأن المالك يفعل في ملكه ما يشاء). (١)
وكذلك عند الحنابلة الذين أجازوا بيع
المنفعة يجوز عندهم على ما خرجه البهوتي
إنشاء الخلو بمال يدفع إلى ناظر الوقف بشروطه
كما تقدم. (٢)
أخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر لاحق:
٣٠ - يدور حكم هذه المسألة على أن المستأجر
الأول إن كان يملك المنفعة إلى مدة معينة
بإجارة صحيحة مع المالك، أوناظر الوقف،
(١) فتاوى الشيخ علیش ٢٥٢/٢
(٢) مطالب أولي النهى ٣٧٠/٤
فتخلّى عن الحانوت أثناء المدة لمستأجر آخر يحل
محله وأخذ على ذلك عوضا من المستأجر الذي
يحل محله جاز ذلك، ومن شرط ذلك في حوانيت
الوقف أن تكون الإِجارة بأجر المثل، قال الشيخ
عليش في فتاويه: إن حوانيت الأوقاف بمصر
جرت عادة سكانها أنه إذا أراد أحدهم الخروج
من الدكان أخذ من الآخرمالا على أن ينتفع
بالسكنی فیه، ويسمونه خلوا وجَدَکا،
ویتداولون ذلك واحدا بعد واحد، ولیس یعود
على تلك الأوقاف نفع أصلا غير أجرة
الحانوت، بل الغالب أن أجرة الحانوت أقل من
أجرة المثل بسبب ما دفعه الآخذ من مال. ثم
قال: والذي يدور علیه الجواب في ذلك أن
الساكن الذي أخذ الخلوإن كان يملك منفعة
الحانوت مدة فأسكنها غيره وأخذ على ذلك مالا
فإن كان الآخذ بيده إجارة صحيحة من الناظر أو
الوكيل بشروطها بأجرة المثل فهو سائغ له الأخذ
على تلك المنفعة التي يملكها، ولا ضرر على
الوقف لصدور الأجرة موافقة لأجرة المثل. وأما
إن لم يكن مالكا للمنفعة بإجارة صحيحة فلا
عبرة بخلوه ويؤجره الناظر لمن يشاء بأجرة
المثل. ويرجع دافع الدراهم على من دفعها
له. ا. هـ (١)
وأما بعد انتهاء مدة عقد الإجارة فالمالك
(١) فتاوى الشيخ علیش ٢/ ٢٥٠
- ٣٠٠ -