Indexed OCR Text
Pages 1-20
دو وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ١ سُعَةَ الفِقْهِيَّةَ المؤمنوي الجزء الثامن عشر حقد - حيوان 3 3 (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَانَّةٌ قَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَبِقَةٌ لِيَتَفَقَّهُوْ فِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )). ( سورة التوبة آية ١٢٢ ) (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) ( أخرجه البخاري ومسلم ) الْعَةُالْفِقِيَّةُ هَيَّة إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت الطبعَة الثانيَّة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠م طباعَة ذات السَّلاسل - الكوَيت حقوق الطبع محفوظة للوزارة ص.ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميّة - الكويت حقد ١ - ٤ على عباده وتمني زوالها عن المنعم عليه. فإن تمنى مثلها لنفسه ولم يتمن زوالها عن غيره فذلك غبطة جائزة . (١) حقد التعريف : ١ - الحقد من معانيه: الضغن والانطواء على البغضاء، وإمساك العداوة في القلب، والتربص لفرصتها، أوسوء الظن في القلب. على الخلائق لأجل العداوة، أو طلب الانتقام . وتحقيق معناه: أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا. (١) الألفاظ ذات الصلة : أ - الحسد : ٢ - الحسد أحد ثمار الحقد ومعناه في اللغة: تمني الحاسد أن تزول إليه نعمة المحسود، أو أن يُسْلَبَها . وهذا معناه في الاصطلاح. ويقول ابن جزي : معناه تألم القلب بنعمة الله تعالى (١) راجع الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: (حقد)، التعريفات للجرجاني/ ١٢١ ط العربي، الكليات ٢٦٦/٢ ط دمشق، الشرح الصغير ٧٣٧/٤ ط المعارف. ب - الغضب : ٣ - الغضب ضد الرضا . وحقيقته: تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر، وهو يثمر الحقد لأن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا . (٢) الحكم التكليفي ٤ - یختلف حكم الحقد بحسب باعثه، فإن كان لحسد وضغن دون حق فهو مذموم شرعا، لأنه يثير العداوة والبغضاء والإِضرار بالناس لغير ما ذنب جنوه. وقد ورد ذمه في الشرع فمن ذلك قوله تعالی في ذم المنافقين الذين ساءهم ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم بحيث أصبح أعداؤهم عاجزين عن التشفي منهم: ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من (١) القوانين الفقهية ص٢٨٦ (٢) الصحاح والمصباح مادة: (غضب)، التعريفات للجرجاني/ ٢٠٩ - ط العربي، إحياء علوم الدين للغزالي ١٧٧/٣ - ط الحلبي. - ٥ - حقد ٤ - ٥ الغيظ﴾(١) فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن هؤلاء المنافقين يظهرون الإِيمان عند ملاقاتهم للمؤمنين، وإذا خلا بعضهم إلى بعض فإنهم يعضون أطراف أصابعهم لأجل الغضب والحنق، لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم، ونصرة الله تعالی إیاهم، بحيث عجز أعداؤهم عن أن يجدوا سبيلا إلى التشفي واضطروا إلى مداراتهم، وعض الأنامل عادة النادم الأسيف العاجز. (٢) وأيضا فإن النبي ټێ قد ذم الحقد ونفاه عن المؤمن في قوله وقليل: ((المؤمن ليس بحقود)). (٣) هذا ومما ورد في ذم الحقد والتحذير منه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ◌َله: ((ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء من مات لا يشرك بالله شيئا، ولم يكن ساحرا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه)). (٤) (١) سورة آل عمران/ ١١٩ (٢) القوانين الفقهية ص٢٨٦، وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٨/ ٣٧ - ٣٨ ط الفكر، وروح المعاني ٤ / ٣٩ ط المنيرية، وتفسير القرطبي ١٨٢/٤ ط المصرية. (٣) حديث: ((المؤمن ليس بحقود)). ذكره الغزالي في الإِحياء (بشرح الزبيدي ٥٨/٨ ط الميمنية) وقال العراقي: ((لم أجد له أصلا مرفوعا، وإنما هو من قول الفضيل بن عياض: المؤمن يغبط ولا يحسد)). (٤) حديث: ((ثلاث من لم يكن فيه واحدة ... )) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ /٢٤٤ ط وزارة الأوقاف العراقية)= وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله * من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجع فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال : - ياعائشة - أو ياحميراء - أظننت أن النبي له قد خاس بك؟ قلت لا والله يارسول الله ولكني ظننت أنك قبضت لطول سجودك فقال: أتدرين أي ليلة هذه؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال هذه ليلة النصف من شعبان إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم)). (١). ٥ - وأيضا فإن الحقد كما ذكر المناوي من البلايا التي ابتلي بها المناظرون قال الغزالي: لا يكاد المناظر ینفك عنه، إذ لا تكاد ترى مناظرا يقدر على أن لا يضمر حقدا على من يحرك رأسه عند کلام خصمه ويتوقف في كلامه فلا يقابله = من حديث عبد الله بن عباس، وأورده الهيثمي في المجمع (١٠٤/١ ط القدسي) وعزاه إلى الطبراني في الكبير والأوسط وقال: ((وفيه ليث بن أبي سليم)) .- يعني أنه ضعيف . (١) حديث عائشة: قام رسول الله صَ ل﴾ من الليل ... )). أورده المنذري في الترغيب والترهيب (١٢٦/٥ ط السعادة) وعزاه إلى البيهقي في الشعب ونقل عنه أنه قال: ((مرسل جيد))، يعني أن فيه انقطاعا. - ٦ - ٠ حقد ٧، حق ١ بحسن الإصغاء، بل يضمر الحقد ويرتبه في النفس، وغاية تماسكه الإِخفاء بالنفاق. (١) ٦ - ومما يذهب الحقد الإِهداء والمصافحة كما قال النبي ◌َّل: ((تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر. وفي رواية: تهادوا تحابوا)). (٢) ٧ - أما إن كان الحقد على ظالم لا يمكن دفع ظلمه أو استيفاء الحق منه، أو على كافر يؤذي المسلمین ولا یمکنہم دفع أذاه، فإن ذلك غير مذموم شرعا، ثم إذا تمكن ممن ظلمه، فإما أن يعفو عنه فذلك من الإِحسان والعفو عمن ظلمه عند المقدرة : وإما أن يأخذ حقه منه فلا حرج فيه لقوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾(٣) الآية، وقال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ونخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم﴾ (٤) (١) فيض القدير ٣/ ٢٨٩ ط التجارية. (٢) حديث: ((تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر)). أخرجه أحمد (٤٠٥/٢ ط اليمنية) والترمذي (٤٤١/٤ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو معشر اسمه نجيح مولى ابن هاشم، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه)). (٣) سورة الشورى / ٤١ - ٤٢ (٤) سورة التوبة/ ١٤ حق التعريف : ١ - الحق في اللغة خلاف الباطل، وهو مصدر حق الشيء يحق إذا ثبت ووجب. وجاء في القاموس أن الحق يطلق على المال والملك والموجود الثابت. ومعنى حق الأمر وجب ووقع بلا شك، وعرفه الجرجاني بأنه الثابت الذي لا يسوغ إنكاره . والحق اسم من أسماء الله تعالى، وقيل من صفاته . ومن معاني الحق في اللغة: النصيب، والواجب، واليقين، وحقوق العقار مرافقه. (١) والحق في الاصطلاح يأتي بمعنيين : الأول : هو الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل . والآخر: أن يكون بمعنى الواجب الثابت. وهو قسمان: حق الله وحق العباد. فأما حق الله، فقد عرفه التفتازاني: بأنه (١) المصباح المنير، القاموس، لسان العرب مادة: (حق)، والتعريفات للجرجاني. - ٧ - حق ٢ - ٣ مایتعلق به النفع العام للعالم من غیراختصاص بأحد، فينسب إلى الله تعالى، لعظم خطره، وشمول نفعه، أو كما قال ابن القيم: حق الله ما لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات والكفارات وغيرها . وأما حق العبد فهو ما يتعلق به مصلحة خاصة له، كحرمة ماله، أو كما قال ابن القيم : واما حقوق العباد، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها. (١) الألفاظ ذات الصلة : أ - الحكم : ٢ - الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، والحق أثر للحكم لأن الحق يثبت بالشرع. (٢) فبين الحق والحكم علاقة المسبب بالسبب. الحق عند علماء الأصول : ٣ - المراد بالحق عند علماء أصول الفقه : اتجه علماء الأصول الذين ذكروا الحق اتجاهين : الاتجاه الأول: أن الحق هو الحكم، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين (١) أعلام الموقعين ١٠٨/١ وشرح المنار وحواشيه ص٨٨٦، وتيسير التحرير ١٧٤/٢ - ١٨١ (٢) التعريفات للجرجاني. بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع . قال فخر الإِسلام البزدوي : (١) أما الأحكام فأنواع: الأول: حقوق الله عز وجل خالصة . والثاني: حقوق العباد خالصة. والثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله تعالى غالب. والرابع: ما اجتمعا معا وحق العبد فيه غالب. ثم قال علاء الدين البخاري في شرحه: قال أبو القاسم - رحمه الله - في أصول الفقه: الحق: الموجود من کل وجه الذي لا ریب في وجوده، ومنه: السحر حق، والعين حق، أي موجود بأثره، وهذا الدين حق، أي موجود صورة ومعنى، ولفلان حق في ذمة فلان، أي شيء موجود من کل وجه. وقال أيضا: حق الله تعالى : ما يتعلق به النفع العام للعالم، فلا يختص به أحد. وینسب إلی الله تعالی تعظیما، أو لئلا يختص به أحد من الجبابرة، مثل: حرمة البيت الذي يتعلق به مصلحة العالم، باتخاذه قبلة لصلواتهم، ومثابة لهم. وكحرمة الزنى لما يتعلق بها من عموم النفع في سلامة الأنساب، وصيانة الفراش، وإنما الحق ينسب إليه تعالى تعظيما، لأنه يتعالى عن أن ينتفع بشيء، فلا يجوز أن يكون شيء حقا له بهذا الوجه. ولا يجوز أن يكون حقا له بجهة التخليق، لأن الكل سواء في ذلك. بل الإِضافة (١) كشف الأسرار ٤ / ١٣٤، ١٣٥ - ٨ - حق ٣ - ٤ إليه لتشريف ما عظم خطره، وقوي نفعه، وشاع فضله، بأن ينتفع به الناس كافة . وحق العبد : ما يتعلق به مصلحة خاصة له، مثل: حرمة ماله، فإنها حق العبد، ليتعلق صيانة ماله بها. فلهذا يباح مال الغير بإباحة المالك، ولا يباح الزنى بإباحة المرأة، ولا بإباحة أهلها . وقال صاحب تيسير التحرير: ويرد عليه الصلاة والصوم والحج، والحق أن يقال: يعني بحق الله ما يكون المستحق هو الله، وبحق العبد ما يكون المستحق هو العبد. (١) وقال الكندي: الحق: الموجود، والمراد به هنا: حكم يثبت. (٢) وقال القرافي: حق الله: أمره ونهيه. وحق العبد: مصالحه. والتكاليف على ثلاثة أقسام : الأول: حق الله تعالى فقط، كالإِيمان وتحريم الكفر. والثاني: حق العباد فقط، كالديون والأثمان . والثالث : قسم اختلف فيه، هل یغلب فيه حق الله، أو يغلب فيه حق العبد، كحد القذف، ونعني بحق العبد المحض: أنه لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه (١) تيسير التحرير ٢/ ١٧٤ (٢) حاشية قمر الأقمار على كتاب نور الأنوار، شرح المنار ٢١٦/٢ حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه . (١) ثم قال: ما تقدم من أن حق الله تعالى أمره ونهيه، مشكل بما في الحديث الصحيح عن رسول الله ﴿ أنه قال: ((فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا))(٢) فيقتضي أن حق الله تعالی علی العباد نفس الفعل، لا الأمر به، وهو خلاف مانقلته قبل هذا. والظاهر أن الحديث مؤول، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلقه الذي هو الفعل، فظاهره معارض لما حرره العلماء من حق الله تعالى، ولا يفهم من قولنا: الصلاة حق الله تعالی إلا أمره بها، إذ لو فرضنا أنه غير مأمور بها لم يصدق أنها حق الله تعالى، فنجزم بأن الحق هو نفس الأمر، لا الفعل، وما وقع من ذلك مؤول. (٣) الاتجاه الثاني : ٤ - الحق هو الفعل: ذكر سعد التفتازاني أن الحق هو الفعل فقال: المحكوم به (وهو (١) الفروق ١/ ١٤٠ -١٤٢ الفرق الثاني والعشرين بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين. (٢) حديث: ((حق الله على العباد أن يعبدوه ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٧/١٠ -٣٩٨ - ط السلفية) ومسلم (٥٨/١ - ط الحلبي) من حديث معاذ بن جبل. (٣) المرجع السابق. - ٩ - حق ٥ - ٦ ما يسميه بعضهم المحكوم فيه) هو الفعل الذي تعلق به خطاب الشارع. فلابد من تحققه حساً، أي من وجوده في الواقع، بحيث يدرك بالحس أوبالعقل، إذ الخطاب لا يتعلق بما لا یکون له وجود أصلا. وأكد صاحب تهذيب الفروق أن الحق هو الفعل، فقال: (١) حق الله تعالى: هو متعلق أمره ونهيه، الذي هو عین عبادته، لا نفس أمره ونهيه المتعلق بها، لأمرين: الأول: قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون﴾، (٢) وقول الرسول الله : ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)) .. الثاني: أن الحق معناه: اللازم له على عباده، واللازم على العباد لابد أن يكون مكتسبا لهم، وکیف یصح أن يتعلق الکسب بأمره ونهيه، وهو كلامه، وكلامه صفته القديمة . وحق العبد ثلاثة أقسام: الأول: حقه على الله، وهو ملزوم عبادته إياه بوعده، وهو أن يدخله الجنة، ويخلصه من النار. والثاني: حقه في الجملة، وهو الأمر الذي تستقيم به أولا، وأخراه من مصالحه. والثالث: حقه على غيره (١) تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ١٥٧/١ (٢) سورة الذاريات / ٥٦ من العباد، وهو ما له عليهم من الذمم والمظالم. وفي هذا تأييد لابن الشاط من المالكية حيث قال: الحق والصواب ما اقتضاه ظاهر الحديث، من أن الحق هو عين العبادة. لا الأمر المتعلق بها . ٥ - وقسم ابن رجب حقوق العباد إلى خمسة أقسام : ١ - حق الملك ٢ - حق التملك كحق الوالد في مال ولده وحق الشفيع في الشفعة . ٣ - حق الانتفاع كوضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يضره. ٤ - حق الاختصاص وهو عبارة عما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته فيه، وهو غير قابل للشمول والمعاوضات مثل مرافق الأسواق، والجلوس في المساجد. ٥ - حق التعلق لاستيفاء الحق مثل تعلق حق المرتهن بالرهن.(١) المراد بالحق عند الفقهاء : ٦ - المراد بالحق غالبا عند الفقهاء: مايستحقه الرجل. (٢) (١) قواعد ابن رجب / ١٨٨ - ١٩٥، وانظر الدرر شرح الغرر لملا خسر و ٢ /١٤٤ (٢) البحر الرائق ١٤٨/٦ - ١٠ - حق ٦ - ٧ وإطلاقات الفقهاء للحق كانت مختلفة ومتعددة، منها : ١ - إطلاق الحق على ما يشمل الحقوق المالية وغیر المالیة، مثل قولهم : من باع بثمن حال ثم أجله صح، لأنه حقه، ألا ترى أنه يملك إسقاطه، فيملك تأجيله. ٢ - الالتزامات التي تترتب على العقد- غير حکمه - وتتصل بتنفيذ أحكامه . مثل: تسليم الثمن الحال أولا ثم تسليم المبيع، وذلك في قولهم: ومن باع سلعة بثمن سلمه أولا ، تحقيقا للمساواة بين المتعاقدين، لأن المبيع يتعين بالتعيين، والثمن لا يتعين إلا بالقبض، فلهذا اشترط تسلیمه إلا أن يكون الثمن مؤجلا، لأنه أسقط حقه بالتأجيل، فلا يسقط حق الآخر. (١) ٣ - الأرزاق التي تمنح للقضاة والفقهاء وغيرهم من بيت مال المسلمين، مثل قول ابن نجيم: من له حق في ديوان الخراج كالمقاتلة والعلماء وطلبتهم والمفتين والفقهاء يفرض لأولادهم تبعا، ولا يسقط بموت الأصل ترغيبا. (٢). ٤ - مرافق العقار، مثل: حق الطريق، وحق المسيل، وحق الشرب . (١) الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلي الحنفي - تحقيق وتعلیق الدكتور محمد طموم ٢/ ١٤،١٢ (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٢١ تحقيق وتعليق عبدالعزيز محمد الوكيل طبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٨م ٥ - الحقوق المجردة، وهي المباحات، مثل : حق التملك، وحق الخيار للبائع أو للمشتري، وحق الطلاق للزوج. مصدر الحق : ٧ - مصدر الحق هو الله تعالى لتنظيم حياة الخلق، حتى يكونوا سعداء في الدنيا والآخرة. وكان يمكن ألا يجعل الله للعبد حقا أصلا، ولكنه تفضل على عباده فجعل للشخص حقوقا تؤدى له، وكلفه بأداء حقوق الله تعالى وللآخرین، ثم أعلمه وبلغه ما له من حقوق، وما عليه من واجبات عن طريق الشرائع السماوية التي ختمت بالشريعة الإِسلامية فكانت ناسخة لما قبلها وعامة لجميع الخلق . فما أثبتته الشريعة الإسلامية حقا فهو حق، وما عداه فليس بحق، فالحاكم هو الله تعالى قال الله عز وجل: ﴿إن الحكم إلا لله﴾(١) وعلى ذلك إجماع المسلمين، والحقوق هي أثر خطاب الشرع على ما تقدم، قال الشاطبي : (٢) إن كل حکم شرعي لیس بخال عن حق الله تعالی، وهو جهة التعبد، فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا یشرکوا به شيئا، وعبادته امتثال أوامره، واجتناب نواهيه بإطلاق. (١) سورة الأنعام/ ٥٧ (٢) الموافقات في أصول الشريعة ٢/ ٣١٧ وما بعدها. - ١١ - حق ٧ - ٨ فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردا فلیس كذلك بإطلاق، بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية. كما أن كل حكم شرعي ففيه حق للعباد، إما عاجلا وإما آجلا، بناء على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد، روي عن معاذ - رضي الله عنه - قال: فقال رسول الله له: ((يامعاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا)).(١) ثم ذكر الشاطبي أن كل الحقوق حتى حق العبد هو حق لله وحده بادىء ذي بدء، فقال : كل تكليف حق الله، فإن ما هو الله فهو لله، وما کان للعبد فراجع إلی الله من وجهين: أ - من جهة حق الله فيه. ب - ومن جهة کون حق العبد من حقوق الله ، إذ كان لله ألا يجعل للعبد حقا أصلا، إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية، لا قضاء للعقل فیھا بحسن ولا قبح، فإذن کون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع، بحيث يصدقه العقل، وتطمئن إليه النفس. (٢) (١) حديث: «فقال رسول اللهێ يامعاذ، هل تدری حق الله ... )) تقدم تخريجه ف/ ٣ (٢) الموافقات ٣١٧/٢ ومابعدها. ٨ - أركان الحق هي : أ - صاحب الحق، وهو في حقوق العباد الشخص الذي ثبت له الحق، كالزوج باعتباره صاحب حق على الزوجة بالنسبة لطاعته . أما في حقوق الله تعالى كالصلاة والصوم فإن صاحب الحق فيها هو الله تعالى وحده ولا يشاركه في هذا الحق أحد غيره، ولذا لا يملك أحد إسقاط حقه تعالى . ب - من عليه الحق، وهو الشخص المكلف بالأداء، فإذا كان صاحب الحق هو الله تعالى، فيكون المكلف بأداء الحق هو من عليه هذا الحق، سواء أكان فردا كما في فرض العين، أم جماعة كما في فرض الكفاية مثلا . جـ ـ محل الحق أي الشيء المستحق، كالفرائض الخمس في حق الله تعالى. والمال حقيقة، كالقدر المقبوض من المهر، وهو معجل الصداق أو حكما، كالقدر المؤخر من المهر لأقرب الأجلين، وكذا سائر الديون. والانتفاع، كحل الاستمتاع بعقد الزواج. والعمل، مثل: ما تقوم به الزوجة من أعمال، وتمكين الزوج من نفسها. والامتناع عن عمل، مثل: عدم فعل الزوجة ما يغضب الله أو يغضب الزوج. ويشترط في الشيء المستحق لصاحب الحق أن يكون غير ممنوع شرعا، لأن الأصل في الأشياء الإِباحة شرعا إلا ما نهى الشرع عنه، فإذا كان الشيء غير مشروع فلا يكون حقا، - ١٢ - حق ٩ - ١٠ وليس لصاحب الحق المطالبة بما هو غير مشروع، مثل: تمكين الزوج من الاستمتاع بزوجته فإنه حق مشروع، ولکنه لیس مشروعا. دائما في كل وقت، لأنه ليس مشروعا في حال الحيض، قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾.(١) أقسام الحق : ٩ - يقسم الحق إلى تقسيمات عدة باعتبارات · مختلفة . باعتبار اللزوم وعدمه، باعتبار عموم النفع وخصوصه، وباعتبار وجود حق العبد وعدمه، باعتبار إسقاط العبد للحق وعدم قدرته على إسقاط الحق، وباعتبار إسقاط الإِسلام للحق وعدم إسقاطه له، وباعتبار معقولية المعنى وعدم معقوليته، وباعتبار عدم خلو كل حق من حق للّه تعالى وحق للعبد، وباعتبار العبادات والعادات، وباعتبار الحق التام والحق المخفف، وباعتبار الحق المحدد وغير المحدد، وباعتبار الحق المعين والمخير، وباعتبار الحق المطلق والمقيد، وباعتبار الحق العيني والكفائي، (١) سورة البقرة/ ٢٢٢ وباعتبار ما يورث من الحقوق وما لا يورث، وباعتبار الحق المالي وغير المالي، وباعتبار الحق الدياني والقضائي، أو الدنيوي والأخروي، وغير ذلك. ومرجع هذه التقسيمات، إما بالنظر إلى صاحب الحق، أو بالنظر إلى من عليه الحق، أو بالنظر إلى الشيء المستحق، أو بالنظر إلى ما يتعلق به الحق . (١) أولا : باعتبار اللزوم وعدمه : ١٠ - يقسم الحق في الشريعة الإسلامية إلى قسمين: لازم، وجائز بمعنى أنه غير لازم. (٢) النوع الأول: الحق اللازم، وهو الحق الذي يقرره الشرع على جهة الحتم، فإذا قرره الشرع أوجد في مقابله واجبا، وقرر هذا الواجب على الآخرين في نفس الوقت، فالحق والواجب في المقابل قد وجدا في وقت واحد، دون تخلف أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان وإن اختلف معنى كل واحد منهما عن الآخر، كحق الملك فإنه يجب، فمثلا: حق الحياة حق لكل شخص، ويجب على الآخرين - أفرادا ومجتمعا - أن يحترموا هذا الحق، ولا يجوز لهم الاعتداء عليه، أو حرمانه منه، وكذلك حق الحرية فلا يستعبد الحر، وكذلك حق الملك وغيره من الحقوق. (١) انظر كشف الأسرار ١٥٧/٣ (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤٣ و٢٤٤ - ١٣ - حق ١١ - ١٢ وإذا كان لأصحاب هذه الحقوق حق، ويجب على الآخرين عدم الاعتداء عليه، فإن لهؤلاء الآخرين حقا في عدم الإضرار بهم عند استعمال هذه الحقوق والتمتع بها . النوع الثاني: الحق الجائز، وهو الحق الذي يقرره الشرع من غير حتم، وإنما يقرره على جهة الندب أو الإِباحة. مثاله أمر المحتسب بصلاة العيد، قال الماوردي : هل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها، هل هي مسنونة أو من فروض الكفاية، فإن قيل: إنها مسنونة كان الأمربها ندبا، وإن قيل إنها من فروض الكفاية كان الأمر بها حتما . (١) ثانيا : تقسيم الحقوق باعتبار عموم النفع وخصوصه : (٢) ١١ - قسم فقهاء الحنفية الحقوق باعتبار عموم النفع وخصوصه إلى أربعة أقسام : حقوق الله الخالصة، حقوق العباد (١) الاختيار لتعليل المختار تحقيق الدكتور محمد طموم ٢٢٩/١، الهداية للمرغيناني ٢٢٧/٣ - ٢٢٩، وفتح القدير لابن الهمام ٢ /٨٥ - ٨٧، الشرح الصغير للدردير وشرحه بلغة السالك لأقرب المسالك للشيخ الصاوي ٢٤٨/١ طبعة الحلبي ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٢ والمغني لابن قدامة ٢٩٤/٦ - ٢٩٧ (٢) راجع كشف الأسرار ١٣٤/٤، ١٣٥، والتلويح على التوضيح لمتن التنقيح ١/ ١٥٠، ١٥١ طبعة صبيح. الخالصة، ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد لكن حق الله غالب، وما اجتمع فيه الحقان لكن حق العبد غالب. القسم الأول : حقوق الله تعالى الخالصة: ١٢ - حق الله تعالى: ما يتعلق به النفع العام للعالم، فلا يختص به أحد، وإنما هو عائد على مجموع الأفراد والجماعات، وإنما ينسب هذا الحق إلى الله تعالى تعظيما، أو لئلا يختص به أحد من الجبابرة، كحرمة البيت الحرام الذي يتعلق به مصلحة العالم، وذلك باتخاذه قبلة لصلواتهم، ومثابة لهم، وكحرمة الزنى لما يتعلق بها من عموم النفع في سلامة الأنساب، وصيانة الفراش . وإنبما ينسب الحق إلى الله تعالى تعظيما، لأن الله عز وجل يتعالى عن أن ينتفع بشيء،. فلا يجوز أن يكون شيء حقا له بهذا الوجه، لأنه باعتبار التضرر أو الانتفاع هو متعال عن الكل . ولا يجوز أن يكون حقا له بجهة التخليق، لأن الكل سواء في ذلك، بل الإِضافة إليه لتشریف ماعظم خطره، وقوي نفعه، وشاع فضله، بأن ينتفع به الناس كافة، فباعتبار التخليق الكل سواء في الإِضافة إلى الله تعالى، قال عز وجل: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾(١) (١) سورة النجم / ٣١ - ١٤ - حق ١٣ أنواع حقوق الله الخالصة : ١٣ - حقوق الله تعالى الخالصة عند الحنفية أيضا ثمانية أنواع: (١) أ - عبادة خالصة، مثل: الإِيمان، والصلاة، وصوم رمضان، وهي واجبة على المكلف البالغ العاقل. وكذلك زكاة المال - عند الحنفية - عبادة خالصة، لأنها قرنت بالصلاة والصوم وعدت من أركان الإِسلام، قال ◌َيقول: ((بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)). (٢) ب - عبادة فيها معنى المئونة، مثل: صدقة الفطر، وكذلك زكاة المال - عند جمهور الفقهاء . (٣) (١) كشف الأسرار ١٣٥/٤ (٢) حديث: ((بني الإسلام على خمس ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٩/١ - ط السلفية) ومسلم، (٤٥/١ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر. (٣) المئونة: الثقل، وفيها لغات: إحداهما على فعولة - بفتح الفاء وبهمزة مضمومة - والجمع مؤنات على لفظها، ومأنت القوم أمانهم - مهموز بفتحتین. واللغة الثانية مؤنة - بهمزة ساكنة، قال الشاعر: أميرها مؤنته خفيفة، والجمع مؤن، مثل: غرفة وغرف. والثالثة : مونة - بالواو - والجمع مون، مثل : سورة وسور، يقال منها: مائه يمونه، من باب قال (المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٨٠٦/٢) مؤنة: اسم لما يتحمله الإِنسان من ثقل النفقة التي ينفقها على من يليه من أهله وولده، وقال الكوفيون: المؤنة مفعلة وليست مفعولة. فبعضهم يذهب إلى أنها مأخوذة من الأون، وهو الثقل، وقيل: هو من الأين = والمئونة هي الوظيفة التي تعود بالنفع العام على الفقراء والمساكين وغيرهم من المستحقين في قوله عز وجل: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾(١) وإنما كانت صدقة الفطر فيها معنى المئونة، لأنها وجبت علی الإِنسان بسبب نفسه وبسبب غيره، وهم الأشخاص الذین یمونهم ويلي عليهم . ولكونها وجبت على المخرج بسبب الغير لم تكن عبادة خالصة، وإنما كان فيها معنى المئونة، لأن العبادة الخالصة لا تجب بسبب الغير. (٢) أما زكاة المال - عند جمهور الفقهاء - ففيها معنی المئونة، لأنها وجبت على الشخص بسبب خارج عن ذاته، وهو ملكيته للمال المستوفي لشروط الزكاة، وشكرا لله على بقائه زائدا عن حاجته، وعدم هلاكه. كما أن كلا من زكاة المال وصدقة الفطر مساعدة للفقراء والمساكين وغيرهم من مصارف الزكاة . (التعريفات لأبي الحسن علي بن محمد بن علي = الجرجاني). (١) سورة التوبة/ ٦٠ (٢) المئونة هي الأصل، والعبادة في هذا النوع تبع. : - ١٥ - حق ١٣ ج - مئونة فيها معنى العبادة، مثل: زكاة الزروع والثمار المقدرة بالعشر أو نصف العشر على الزارع حسب شروطها. وإنما كانت مئونة، لأنها وظيفة مقدرة شرعا على نماء الأرض من الزروع والثمار، وتجب بسبب ما يخرج منها، اعترافا بفضل الله تعالى، لأن الله هو المنبت والرازق، حيث قال عز وجل: ﴿أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ماكان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ . (١) وإنما كان فيها معنى العبادة لأمور: منها : ١ - أنها وجبت ابتداء على المسلم فقط، ولم تجب ابتداء على غير المسلم من الزراع، والعبادة لا يكلف بها غير المسلم. ٢ - أنها تعطى لفئات معينة ممن تستحق الأخذ من الصدقات، ولا يجوز للسلطان أن يعطيها للأغنياء. (٢) د - مئونة فيها معنى العقوبة، مثل: الخراج على الأرض الزراعية . وهو الوظيفة المبينة الموضوعة على الأرض (١) سورة النمل/ ٦٠ (٢) السلطان إذا ترك العشر لمن هو عليه جاز، غنيا كان أو فقيرا، لكن إن كان المستروك له فقيرا فلا ضمان على السلطان، وإن كان غنيا ضمن السلطان العشر للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة. جاء ذلك في القاعدة الخامسة: تصرف الإِمام على الرعية منوط بالمصلحة (الأشباه والنظائر لابن نجيم / ١٢٤ ط الحلبي ١٣٨٧ هـ ١٩٦٨م بسبب التمكن من زراعة الأرض، وبقائها تحت أيدي أصحابها من غير المسلمين. أما المئونة فلتعلق بقاء الأرض لأهل الإِسلام بالمقاتلين الذين هم مصارف الخراج. والعقوبة للانقطاع بالزراعة عند الجهاد، لأن الخراج يتعلق بالأرض بصفة التمكن من الزراعة، والاشتغال بها عمارة للدنيا، وإعراض عن الجهاد. وهو سبب الذل شرعا، فكان الخراج في الأصل صغارا.(١) هـ ـ حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة وهي الكفارات، مثل: كفارة الظهار، وكفارة الفطر في رمضان عمدا، وكفارة الحنث في اليمين، والكفارة عقوبة لأنها وجبت جزاء على الفعل المحظور شرعا، فالعقوبة في الكفارة من جهة الوجوب . وأما العبادة في الكفارات فهي من جهة الأداء، لأنها تؤدى ببعض أنواع العبادات، مثل: الصوم والإِطعام والعتق. أما كفارة الفطر في رمضان عمدا فإن جهة العقوبة فيها غالبة، لأنه ليس في الإِفطار عمدا شبهة الإِباحة بوجه ما، ولما كانت جناية المفطر عمدا كاملة، كان المفروض أن يترتب على ذلك عقوبة محضة، ولكنه عدل عن ذلك لقصور الجناية من حيث أن المفطر ليس مبطلا (١) تيسير التحرير ١٧٨/٢ - ١٦ - حق ١٣ لحق الله الثابت، وإنما هو مانع من تسليم الحق إلى مستحقه. ولذلك لم يكن الزجر عقوبة محضة، لأن تقصيره كان لضعفه وعدم قدرته على أداء ما وجب عليه، وذلك مع التسليم بخطئه وقبح فعله . أما بقية الكفارات فإن العقوبة فيها تبع. (١). و- عقوبة خالصة وهي الحدود، مثل: حد السرقة، وحد شرب الخمر، وحد الزنى . ز - عقوبة قاصرة وهي حرمان القاتل من الإِرث، إذا قتل الوارث البالغ مورثه. وإنما كانت قاصرة لأنه لم يلحق القاتل ألم في بدنه ولا نقصان في ماله، بل هو مجرد منع لثبوت ملكه في التركة، فهي ليست عقوبة كاملة أصلية، وإنما هي عقوبة إضافية للعقوبة الأصلية للقتل سواء أكان عمدا أم غیر عمد، لأنه قصد حرمان هذا القاتل من تحقيق هدفه، وهو تعجل الميراث، ولذلك حرم من الميراث الذي يأتي إليه عن طريق المقتول، لأن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. (٢) ح - حق قائم بنفسه ثبت لله تعالى ابتداء، مثل: الخمس في الغنائم، قال عز وجل: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن (١) شرح التلويح على التوضيح ١٥٣/٢ وما بعدها. (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم، القاعدة الخامسة عشرة ص١٥٩، وتيسير التحرير ١٧٩/٢ السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير﴾(١) ومثل: خمس ما يستخرج من الأرض والبحار من معادن ونفط وفحم حجري وغير ذلك. وإنما كان هذا الحق قائما بنفسه، لأنه لم يتعلق بذمة شخص، ولم يدخل في ملك شخص ثم أخرجه زكاة أو صدقة تبرعا، وذلك لأن الجهاد والقتال في سبيل الله حق الله تعالى، لأنه إعلاء لكلمة الله، ونشر لدينه، وذلك بإزالة العوائق أيا كانت أمام الدعوة الإِسلامية، ولما كان الناضر للمسلمین هو الله تعالی، حیث قال عز وجل: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، (٢) فالغنائم كلها حق لله تعالى، ولكن اللّه هو الذي جعل للمحاربين حقا في الغنیمة، حیث منحهم أربعة أخماس الغنيمة، وبقي الخمس على ملك الله، حقا له، فيكون طاهرا في ذاته، لأنه لم يكن أداة للتطهير والتزكية، فلا يحمل في طياته دنسا أو وزرا، ولذلك جاز للرسول وَال# وآله أن يأكلوا من خمس الغنيمة، بخلاف أموال الزكاة والصدقة فلا تحل لهم. ولذلك يجوز للحاكم إعطاء المعدن والنفط للذي وجده واستخرجه من الأرض إذا كان (١) سورة الأنفال/ ٤١ (٢) سورة محمد/ ٧ - ١٧- حق ١٤ - ١٦ محتاجا ومستحقا للصدقة، كما أنه يجوز إعطاء الخمس لغير الفقراء والمساکین، لأنه ليس صدقة ولا عبادة ولا مئونة ولا عقوبة، لأنه لم يخرج من أموال الناس حتى يأخذ صفة من هذه الصفات، وإنما هوباق على حكم ملك الله تعالى ظاهرا وباطنا، حقيقة وحكما . القسم الثاني : حق العبد الخالص ١٤ - حق العبد الخالص هو: ما كان نفعه مختصا بشخص معين، مثل: حقوق الأشخاص المالية أو المتعلقة بالمال، كحق الدیة، وحق استيفاء الدین، وحق استرداد المغصوب إن كان موجودا، أو حق استرداد مثله أو قيمته إن كان المغصوب هالكا . فتحريم مال الشخص على غيره حق لهذا الشخص. حتى يتمكن من حماية ماله وصيانته، ولهذا يملك أن يحل ماله لغيره بالإِباحة والتمليك . القسم الثالث: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد ولكن حق الله غالب: ١٥ - مثاله: حد القذف بعد تبليغ المقذوف، وثبوت الحد على القاذف.(١) (١) قبل رفع الأمر للحاكم وتبلیغه بالقذف، فهو حق خالص للإنسان، ولذلك يملك التبليغ عنه، ويملك عدم التبليغ والتنازل عن حقه . فللعبد في حد القذف حق، لأن المقذوف بالزنی قد اتهم في عرضه ودینه، ولله فیه حق، لأن القذف بالزنى مساس بالأعراض علنا، مما يؤدي إلى شيوع الفاحشة، وانتشار الألفاظ المخلة بالآداب. وغلب حق الله تعالى لكي يتحتم إقامة الحد على القاذف، لاعتدائه على المجتمع وعلى المقذوف، ولكي يمنع المقذوف من التنازل عن حقه، أو الصلح عليه، أو تولي تنفيذ الحد بنفسه، ويترتب على تغليب حق الله مايأتي : أ - تداخل العقوبة، بمعنى أنه لو قذف جماعة بكلمة أو كلمات متفرقة، لا يقام عليه إلا حد واحد فقط . ب- لا يجري فيه الإِرث. جـ - لا يسقط بعفو المقذوف. د - تتنصف العقوبة بالرق، قال الله تعالى : ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.(١) هـ ـ يفوض تنفيذ الحد للإمام .. القسم الرابع : ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد لكن حق العبد غالب: ١٦ - مثل: القصاص من القاتل عمدا عدوانا. فلله فيه حق، لأنه اعتداء على المجتمع، واعتداء على مخلوق الله وعبده الذي حرم دمه (١) سورة النساء/ ٢٥ - ١٨ - حق ١٦ - ١٨ إلا بحق، ولله في نفس العبد حق الاستعباد، حيث قال عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون﴾(١) وللعبد في القصاص حق، لأن القتل العمد اعتداء على شخصه، لأن للعبد المقتول في نفسه حق الحياة، وحق الاستمتاع بها فحرمه القاتل من حقه، وهو اعتداء على أولياء المقتول، لأنه حرمھم من رعاية مورثهم، واستمتاعهم بحياته. فكان القتل العمد اعتداء على حق الله وحق العبد، ولذلك كان في شرعية القصاص إبقاء للحقين، وإخلاء للعالم من الفساد. تصديقا لقول الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون﴾.(٢). وغلب حق العبد، لأن ولي المقتول يملك رفع دعوى القصاص أو عدم رفعها، وبعد المطالبة بالقصاص والحكم على الجاني القاتل يملك التنازل عنه والصلح على مال أو الصلح بغير عوض، كما يملك تنفيذ حكم القصاص على القاتل إن أراد ذلك وكان يتقن التنفيذ، ولا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم، لئلا يفتات عليه، فلو فعل وقع القصاص موقعه واستحق التعزير. (٣) (١) سورة الذاريات/ ٥٦ (٢) سورة البقرة/ ١٧٩ (٣) راجع في هذه الأمثلة تيسير التحرير ١٧٤/٢ - ١٨٢ تقسيم الحقوق باعتبار وجود حق للعبد : ١٧ - قسم فقهاء المالكية(١) الحقوق باعتبار وجود حق للعبد وعدم وجود حق له إلى قسمين رئیسیین، وهما : ١ - حق الله فقط، مثل: الإِيمان، وتحريم الكفر. ٢ - حق العبد. ثم قسموا حق العبد إلى ثلاثة أقسام : الأول: حق العبد على الله، وملزوم عبادته إياه، وهو أن يدخله الجنة، ويخلصه من النار، (٢) الثاني: حق العبد في الجملة، وهو الأمر الذي يستقيم به أولاه وأخراه من مصالحه، مثل : تحريم الخمر. الثالث: حق العبد على غيره من العباد، وهوما له عليهم من الذمم والمظالم، مثل: الدين، وثمن المبيع. (٣) الحقوق كلها فيها حق الله وحق للعبد : ١٨ - كل حكم شرعي ليس بخال عن حق الله (١) تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، للشيخ محمد علي بن الشيخ حسين مفتي المالكية ١/ ١٥٧ (٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢١/ ١٧٧ المطبعة الأميرية بمصر. (٣) انظر في هذا التقسيم لغير الحنفية : تهذيب الفروق ١/ ١٥٧ والموافقات ٣١٧/٢ و٣١٨ والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤٣ وما بعدها والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٨٧ وما بعدها. - ١٩ - حق ١٨ - ١٩ وهو جهة التعبد، فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق . فإن جاء ما ظاهره أنه حق مجرد للعبد فلیس كذلك بإطلاق، بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية . کما أن کل حكم شرعي فیه حق للعباد إما عاجلا وإما آجلا، بناء على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد، ولذلك قال في الحديث: ((حق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا أن لا يعذبهم)).(١) وعادتهم في تفسير حق الله أنه ما فهم من الشرع أنه لا خیرة فیه للمكلف، کان له معنی معقول أو غير معقول. وحق العبد: ما كان راجعا إلى مصالحه في الدنيا. فإن كان من المصالح الأخروية فهو من جملة ما يطلق عليه أنه حق لله . ومعنى التعبد عندهم: أنه ما لا يعقل معناه على الخصوص. وأصل العبادات راجعة إلى حق الله، وأصل العادات راجعة إلى حقوق العباد. (٢) وقال العزبن عبد السلام: حقوق الله ثلاثة أقسام: أحدها ما هو خالص لله كالمعارف (١) حديث ((حق العباد على الله ... )) تقدم تخريجه ف/ ٣ (٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ٣١٧، ٣١٨ المكتبة التجارية بمصر، الناشر دار المعرفة بيروت. والأحوال المبنية عليها، والإِيمان بما يجب الإِيمان به، كالإِيمان بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبما تضمنته الشرائع من الأحكام، وبالحشر والنشر والثواب والعقاب. الثاني: ما يتركب من حقوق الله وحقوق عباده كالزكاة والصدقات والكفارات والأموال المندوبات والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف، فهذه قربة إلى الله من وجه، ونفع لعباده من وجه، والغرض الأظهر منها نفع عباده وإصلاحهم بما وجب من ذلك أو ندب إليه، فإنه قربة لباذلیه ورفق لآخذیه. الثالث : ما يتركب من حقوق الله وحقوق رسوله ول* وحقوق المكلف والعباد أو يشتمل على الحقوق الثلاثة . ولذلك أمثلة: أحدها الأذان، فيه الحقوق الثلاثة: أما حق الله تعالى فالتكبيرات والشهادة بالوحدانية، وأما حق الرسول و چ* فالشهادة له بالرسالة، وأما حق العباد فبالإِرشاد إلى تعريف دخول الأوقات في حق النساء والمنفردين، والدعاء إلى الجماعات في حق المقتدي . (١) تقديم الحقوق بعضها على بعض عند تيسره وتعذر الجمع : ١٩ - قال الإِمام الزركشي: حقوق الله إذا اجتمعت فهي على أقسام : (١) قواعد الأحكام العز بن عبدالسلام ١٢٩ - ٢٠ -