Indexed OCR Text

Pages 261-280

حسبة ٣٤ - ٣٥
الحافلة من يطيل الصلاة حتى يعجز الضعفاء
وينقطع بها ذوو الحاجات أنكر ذلك، وإذا كان
في القضاة من يحجب الخصوم إذا قصدوه بمنع
النظر بينهم إذا تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام
ويتضرر الخصوم فللمحتسب الإِنكار عليه مع
ارتفاع الأعذار، ولا يمنع علورتبته من إنكار
ماقصر فيه .
وإن كان في أرباب المواشي من يستعملها فيما
لا تطيق الدوام عليه أنكره المختسب عليهم
ومنعهم منه .
وللمحتسب أن یمنع أرباب السفن من حمل
مالا تسعه ويخاف منه غرقها، وكذلك يمنعهم
من المسير عند اشتداد الريح، وإذا حمل فيها
الرجال والنساء حجز بینهم بحائل، وإذا كان في
أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى
المحتسب سيرته وأمانته فإذا تحقق منه أقره على
معاملتهن .
وإن بنی قوم في طریق سابل منع منه، وإن
اتسع له الطريق، ويأخذهم بهدم مابنوه. ولو
كان المبني مسجدا، لأن مرافق الطريق للسلوك
لا للأبنية، ويجتهد المحتسب، وإذا وضع الناس
الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع
والأسواق ارتفاعا لینقلوه حالا بعد حال مكنوا
منه إن لم يستضربه المارة. ومنعوا منه إن
استضروا به. وهكذا القول في إخراج الأجنحة
والأسبطة ومجاري المياه يقر مالا يضر ويمنع
ماضرّ، ويجتهد رأيه فيما ضروما لا یضر، لأنه من
الاجتهاد العرفي دون الشرعي .
ولوالي الحسبة أن يمنع من نقل الموتى من
قبورهم إذا دفنوا في ملك أو مباح إلا من أرض
مغصوبة فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنه فيها
بنقله منها .
ويمنع من خصاء الآدميين والبهائم ويؤدب
عليه وإن استحق فيه قود أودية استوفاه لمستحقه
مالم يكن فيه تنازع وتناکر.
ويمنع من التكسب بالكهانة واللهو،
ويؤدب عليه الآخذ والمعطي . (١)
الركن الثالث: المحتسب عليه :
٣٥ - المحتسب عليه هو المأمور بالمعروف والمنهي
عن المنكر(٢) وشرطه أن يكون ملابسا لمفسدة
واجبة الدفع، أو تاركا لمصلحة واجبة
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٧ - ٢٥٩، المقدمة
السلطانية ورقة ١١٥ - ١١٨، الأحكام السلطانية لأبي
يعلى ٢٩١ - ٣٠٨، معالم القربة ٢٧ - ٣٢، غرائب القرآن
ورغائب الفرقان ٢٨/٤ - ٢٩، الفروق للقرافي ١/ ١٤٠ -
١٤٢، وتهذيب الفروق ١/ ١٥٧، ١٥٨، نهاية الأرب
٣٠٢/٦ - ٣١٥، النووي على مسلم ٢٣/٢، الزواجر
عن اقتراف الكبائر ١٦٩/٢، وانظر نهاية الرتبة في طلب
الحسبة للشيرازي، ولابن بسام المحتسب تحفة الناظر وغنية
الذاکر ١٦٤ ومابعدها.
(٢) الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المجلد
الأول ورقة ٥٧
- ٢٦١ -
%

حسبة ٣٦ - ٣٧
الحصول(١) وقال الغزالي: وشرطه أن يكون
بصفة مصير الفعل الممنوع في حقه منکرا، ولا
يشترط كونه مكلفا، ولا يشترط في المأمور
والمنهي أن يكونا عاصيين. (٢) ولهذا أمثلة
تقدمت في معنى المنكر والمراد منه . (٣)
أولا - الاحتساب على الصبيان :
٣٦ - صرح ابن حجر الهيثمي بالوجوب، ونقل
عن الأئمة أنه يجب إنكار الصغيرة والكبيرة، بل
لو لم يكن الفعل معصية لخصوص الفاعل،
كمنع الصغير والمجنون عن شرب الخمر
والزنى . (٤)
ورجح ابن مفلح والسفاريني الوجوب عند
ابن الجوزي، ورجح الحجاوي الاستحباب
وقال: يستحب الإِنکار على الأولاد الذين دون
البلوغ سواء أكانوا ذكورا أم إناثا تأديبا لهم
وتعليما . (٥)
ثانيا - الاحتساب على الوالدين :
٣٧ - أجمع الفقهاء على أن للولد الاحتساب
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام/ ١٢١، الفروق
٢٥٦/٤، ٢٥٧
. (٢) المصدرين السابقين وحاشية رد المحتار ٤ / ٦٦
(٣) انظر ف/ ٢٨
(٤) الزواجر ١٦٩/٢
(٥) الآداب الشرعية ٢٠٩/١، غذاء الألباب ٢٠٢/١، ٢٠٣ ٠.
عليهما، لأن النصوص الواردة في الأمر والنهي
مطلقة تشمل الوالدين وغيرهما، ولأن الأمر
والنهي لمنفعة المأمور والمنهي، والأب والأم أحق
أن يوصل الولد إليهما المنفعة (١) ولكن لا يتجاوز
مرتبتي التعرف والتعريف، وقد اختلف الفقهاء
فيما يجاوز ذلك بحيث يؤدي إلى سخطهما بأن
يكسر مثلا عودا، أويريق خمرا، أو يحل الخيوط
عن ثيابه المنسوجة من الحرير، أو يرد ما يجده في
بيتهما من المال الحرام .
وذهب الغزالي إلى أن للولد فعل ذلك لأن
هذه الأفعال لا تتعلق بذات الأب. فسخط
الأب في هذه الحالة منشؤه حبه للباطل
وللحرام. (٢)
وذهب آخرون إلى عدم جواز ذلك وهو
مذهب الحنفية ونقله القرافي عن مالك وهو أيضا
مذهب أحمد. قال صاحب نصاب الاحتساب :
السنة في أمر الوالدين بالمعروف أن يأمرهما به مرة
فإن قبلا فبها، وإن کرها سكت عنهما، واشتغل
بالدعاء والاستغفار هما، فإنه تعالی یکفیه ما
يهمه من أمرهما. (٣) وقال في موضع آخر: يجوز
للولد أن يخبر المحتسب بمعصية والديه إذا علم
الولد أن أبويه لا يمتنعان بموعظته. (٤)
(١) نصاب الاحتساب ٨٩، الفروق ٢٥٦/٤، إحياء علوم
الدين ٤١٦/٢، الآداب الشرعية ٥٠٥/١
(٢) الإِحياء ٢ / ٤٠٦
(٣) نصاب الاحتساب ٨٩، ٩٠
(٤) نصاب الاحتساب ١٥٧
- ٢٦٢ -

حسبة ٣٧ - ٣٨
ونقل القرافي عن مالك أن الوالدين يؤمران
بالمعروف وينهيان عن المنكر ويخفض لهما في ذلك
جناح الذل من الرحمة . (١)
وروي عن أحمد مثل ذلك، وفي رواية حنبل
إذا رأی أباه على أمر یکرهه یکلمه بغیر عنف
ولا إساءة، ولا يغلظ له في الكلام، ولیس الأب
کالأجنبي، وفي رواية يعقوب بن یوسف إذا كان
أبواه يبيعان الخمر لم يأكل من طعامهما، وخرج
عنهما . (٢)
أما الاحتساب بالتعنيف والضرب والإِرهاق
إلى ترك الباطل، فإن الغزالي يتفق مع غيره في
المنع منه حيث قال: إن الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ورد عاما، وأما النهي عن إيذاء
الأبوين فقد ورد خاصا في حقهما مما يوجب
استثناءهما من ذلك العموم، إذ لا خلاف في أن
الجلاد ليس له أن يقتل أباه في الزنی حدا،
ولا له أن یباشر إقامة الحد علیه، بل لا يباشر
قتل أبيه الكافر، بل لو قطع يده لم يلزم
قصاص، ولم یکن له أن يؤذيه في مقابلته، فإذا
لم يجزله إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية
سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن
جناية مستقبلة متوقعة بل أولى (٣)
(١) الفر وق ٤/ ٢٥٦
(٢) الآداب الشرعية ٥٠٥/١
(٣) الإحياء ٢/ ٤٠٦
وترخص ابن حجر في حالة الاضطرار مجاوزة
الرفق إلى الشدة. (١)
ثالثا - احتساب التلميذ على الشيخ، والزوجة
على زوجها، والتابع على المتبوع:
٣٨ - عقد النووي في الأذكار بابا في وعظ
الإِنسان من هو أجل منه وقال: اعلم أن هذا
الباب مما تتأكد العناية به، فيجب على الإِنسان
النصيحة، والوعظ، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر لكل صغير وكبير، إذا لم يغلب على ظنه
ترتب مفسدة على وعظه. (٢)
وألحق الإِمام الغزالي الزوجة بالنسبة لزوجها
بالولد بالنسبة لأبيه .
وقال في باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل
ذلك أو نحوه: اعلم أنه يستحب للتابع إذا رأی
شيخه وغيره ممن يقتدى به شيئا في ظاهره مخالفة
المعروف أن يسأله عنه بنية الاسترشاد، فإن كان
فعله ناسیا تداركه، وإن فعله عامدا وهو صحيح
في نفس الأمر بینه له، وأورد جملة آثار في ذلك.
وللإِمام الغزالي تفصیل، فبعد أن قرر کأصل
عام أن المحترم هو الأستاذ المفيد للعلم من
حيث الدين، ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه
ويعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه. (٣) قال
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ١٧١
(٢) الأذكار/ ٢٧٠
(٣) الأذكار ٢٧٦، ٢٧٧، نصاب الاحتساب ١٣٧، ١٣٨،
الإحياء ٢/ ٤٠٧
- ٢٦٣ -

حسبة ٣٩ - ٤٠
بسقوط الحسبة على المتعلم إذا لم يجد إلا معلما
واحدا ولا قدرة له على الرحلة إلى غيره، وعلم
أن المحتسب علیه قادر على أن يسد عليه طريق
الوصول إليه، ککون العالم مطيعا له أو مستمعا
لقوله، فالصبرعلى الجهل محذور، والسكوت
على المنكر محذور، ولا يبعد أن يرجح أحدهما
ويختلف ذلك بتفاحش المنكر وشدة الحاجة إلى
العلم لتعلقه بمهمات الدين. (١) ونساط
الاحتساب وتركه باجتهاد المحتسب حتى
يستفتي فيها قلبه، ويزن أحد المحذورين
بالآخر ويرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى
والطبع. (٢)
رابعا - احتساب الرعية على الأئمة والولاة :
٣٩ - أجمع الفقهاء على وجوب طاعة الأئمة
والولاة في غير معصية، وعلى تحريمها في
المعصية(٣) ويرى الغزالي أن الجائز في الحسبة من
الرعية على الأئمة والولاة رتبتان: التعريف
والوعظ، أما ما تجاوز ذلك فإنه يحرك الفتنة
ويهيج الشر، ويكون ما يتولد منه من المحذور
أكثر. (٤) وزاد ابن الجوزي: وإن لم يخف إلا
على نفسه فهو جائز عند جمهور الفقهاء. (٥)
(١) الإحياء ٢/ ٤١١
(٢) الإحياء ٢ / ٤١١، ٤١٢
(٣) شرح النووي على مسلم ٢٢٠/١٢ - ٢٢١
(٤) إحياء علوم الدين، مطبعة الاستقامة، ٣٤٣/٢
(٥) الآداب الشرعية ، ١٩٦/١، ١٩٧
خامسا - الاحتساب على أهل الذمة :
٤٠ - أهل الذمة عاهدوا المسلمين على أن
يجري علیهم حکم الله ورسوله، إذ هم مقیمون
في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله
بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على
أن يكونوا في دارهم، ولا تجري عليهم أحكام
الإِسلام، وبخلاف المستأمنين فإن إقامتهم في
بلاد المسلمين من غیر استيطان ها، ولذلك كان
لأهل الذمة أحكام تخصهم دون هؤلاء.(١)
ومن هذه الأحكام أنهم إن أقاموا مع
المسلمین في مصر واحد فإنه يحتسب عليهم في
كل ما يحتسب فيه على المسلمين، ولكن
لا یتعرض لهم فيما لا يظهرونه في كل ما اعتقدوا
حله في دینهم مما لا أذى للمسلمین فیه من الكفر
وشرب الخمر واتخاذه، ونكاح ذوات المحارم،
فلا تعرض لهم فیما التزمنا تركه، وما أظهروه من
ذلك تعین إنكاره علیھم، ویمنعون من إظهارما
يحرم على المسلمين. (٢)
(١) أحكام أهل الذمة ٤٧٥/٢، ٤٧٦، السير الكبير
٤/ ١٥٢٩
(٢) السير الكبير ١٥٣٢/٤، الرتاج شرح أحكام الخراج
٣١٢/٢، نصاب الاحتساب ١٢٢، ١٢٣، تحفة الناظر
وغنية الذاكر ١٦٤، ١٦٥، الشرح الصغير ٣١٥/٢،
التاج والإكليل لمختصر خليل على هامش مواهب الجليل
٣٨٥/٣، الخرشي ١٤٨/٣، ١٤٩، المهذب ٢٥٣ -
٢٥٥، معالم القربة ٣٨ - ٤٥، الآداب الشرعية ٢١٠/١ -
٢١٢، المغني ٢٤٩/٥، ٢٢٣/٩، ٣٤٧ - ٣٥٣،
الشرقاوي على التحرير ٤١٣/٢
- ٢٦٤ -
١

حسبة ٤١ - ٤٤
وإذا انفردوا في مصرهم فلا يمنعون من
إظهار ذلك، وکذلك في القری، ولو کان من بین
سكانها مسلمون، لأنها ليست بموضع إعلام
الدين من إقامة الجمعة والأعياد وإقامة الحدود
وتنفيذ الأحكام. (١) وإذا أظهروا شيئا من
الفسق في قراهم مما لم يصالحوا عليه مثل الزنى
وإتیان الفواحش منعوا منه، لأن هذا ليس
بديانة منهم، ولكنه فسق في الديانة فإنهم
يعتقدون حرمة ذلك كما يعتقده المسلمون . (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح ((أهل الذمة)).
الركن الرابع: في الاحتساب ومراتبه :
٤١ - القيام بالحسبة - وهو الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر - من أعظم الواجبات وأهم
المحسبات ذكره الله في كتابه مرات كثيرة
وامتدحه فيه بأساليب عديدة، وكان حظه مع
ذلك من السنة أوفر وذكره فيها أكثر، وذلك
لعظم ما يترتب عليه من مصالح، وما يدرأ به
من مفاسد، وذلك أساس كل ما أمر به الدين،
وحکمة کل ما نهى عنه.
والمعتبر في ذلك هو رجحان أحد النوعين
على الآخر إذ لا يخلو كل أمر ونهي من مصلحة
يحققها ومفسدة يترتب عليه، فإذا رجحت
(١) السير الكبير ٤/ ١٥٣٣، ١٥٣٤، تحفة الناظر وغنية الذاكر
١٦٥، المهذب ٢/ ٢٥٥، المغني ٣٥٣/٩
(٢) السير الكبير ٤/ ١٥٤٦، ١٥٤٧، نصاب الاحتساب
١٢٣، تحفة الناظر ١٦٥، الآداب الشرعية ٢١٢/١.
المصلحة أمربه، وإذا رجحت المفسدة نهي
عنه. وكان كل من الأمر والنهي في هذه الحال
مشروعا وطاعة مطلوبة، وكان تركها، أووضع
أحدهما موضع الآخر عصيانا وأمرا محرما مطلوبا
تركه، لأن مغبة ذلك الفساد والله لا يحب
الفساد. (١)
مراتب الاحتساب :
ذكر بعض العلماء في مراتب التغييرما يمكن
إيجازه فيما يلي :
٤٢ - النوع الأول : التنبيه والتذكير وذلك فيمن
يعلم أنه يزيل فساد ما وقع لصدور ذلك على
غرة وجهالة، كما يقع من الجاهل بدقائق الفساد
في البيوع، ومسالك الربا التي يعلم خفاؤها
عنه، وكذلك ما يصدر من عدم القيام بأركان
الصلاة وشروط العبادات فينبّهون بطريق
التلطف والرفق والاستمالة .
٤٣ - النوع الثاني : الوعظ والتخويف من الله
ویکون ذلك لمن عرف أنه قد اقترف المنکر وهو
عالم به من أنواع المعاصي التي لا تخفى على
المسلم المكلف فيتعاهده المحتسب بالعظة
والإِخافة من ربه .
٤٤ - النوع الثالث : الزجر والتأنيب والإِغلاظ
بالقول والتقريع باللسان والشدة في التهديد
(١) الحسبة في الإِسلام ٦٥ - ٦٦
- ٢٦٥ -

حسبة ٤٥ - ٤٩
والإِنکار، وذلك فیمن لا ينفع فيه وعظ، ولا
ينجح في شأنه تحذير برفق، بل يظهر عليه
مبادىء الإصرار على المنكر والاستهزاء بالعظة،
ويكون ذلك بما لا يعد فحشا في القول
ولا إسرافا فیه خالیا من الكذب، ومن أن ینسب
إلی من نصحه ما ليس فيه مقتصرا على قدر
الحاجة حتى لا يكون من نتيجته إصرار
واستکبار.
٤٥ - النوع الرابع : التغيير باليد بإزالة ذلك
المنکر وذلك فیمن کان حاملا الخمر، أوماسكا
لمال مغصوب، وعینه قائمة بيده، وربه متظلم
· من بقاء ذلك بيده، طالب رفع المنكر في بقائه
تحت حوزه وتصرفه، فأمثال هذا لا بد فيه من
الزجر والإِغلاظ من المباشرة للإزالة باليد، أوما
يقوم مقام اليد كأمر الأعوان الممتثلين أمر المغير
في إزالة المنكر.
٤٦ - النوع الخامس : إيقاع العقوبة بالنكال
والضرب. وذلك فيمن تجاهر بالمنكر وتلبس
بإظهاره ولم يقدر على دفعه إلا بذلك.
٤٧ - النوع السادس : الاستعداء ورفع الأمر
إلى الحاكم والإِمام لما له من عموم النظر ونفوذ
الكلمة، ما لم تدع الضرورة لترك النصرة به لما
يخشى من فوات التغيير، فيجب قيام المحتسب
بما تدعو إليه الحاجة في الحال. (١)
(١) تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٢/١٠، إحياء علوم=
٤٨ - وقد ذهب الفقهاء إلى أن للمحتسب أن
يتخذ ما يلزمه من أمور الحسبة بما يرى فيه
صلاح الرعية، وزجر المفسدين، وله في سبیل
ذلك - بوجه خاص - التعزير في كل معصية لا
حد فيها ولا كفارة، مما لا يدخل في اختصاص
القاضي، ويكون التعزير بالضرب، أو الحبس،
أو الإِتلاف، أو القتل أو النفي. وتفصيل ذلك
في مصطلح «تعزیر)).
خطأ المحتسب وما يترتب عليه من الضمان
«ضمان الولاة)):
٤٩ - المحتسب مأمور بإزالة المنكر، فله أن
يحتسب على كل من اقترف شيئا من المعاصي
وأن يعاقبه عليها بما يراه مناسبا، وقد يحدث أثناء
ذلك تجاوز في العقوبة، فيتسبب عنه تلف في
المال أو في البدن فهل يضمن شيئا من ذلك؟
اختلف الفقهاء في حکم التجاوز في إتلاف
المال على الوجه الآتي :
ذهب الحنفية وأحمد في إحدى الروايات عنه
إلى عدم الضمان مطلقا(١) وقال الحنابلة:
لا ضمان في إتلاف خمر وخنزير، وكذا لوکسر
صليبا أو مزمارا أو طنبورا أو صنما. (٢) للنهي عن
= الدين ٤٢٠/٢ - ٤٢٥، معالم القربة ١٩٥ - ١٩٧،
الطرق الحكمية ١٠١ وما بعدها.
(١) نصاب الاحتساب ١٩٤
(٢) المصدر السابق ١٩٤، ١٩٥، الآداب الشرعية ٢٢٠/١،
غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ٢٠٨/١ - ٢١١،
المغني ٢٤٨/٥ - ٢٥٠
- ٢٦٦ -

حسبة ٤٩ - ٥٠
بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. ولحديث:
((بعثت بمحق القينات والمعازف»(١) وقال
صاحب المغني: وفي كسر آنية الخمر روايتان .
وذهب المالكية والشافعية وهي الرواية
الأخرى عند الحنابلة إلى الضمان إذا تجاوز
المحتسب القدر المحتاج إليه .
قال صاحب تحفة الناظر من المالكية: إذا لم
يقع التمكن من إراقة الخمر إلا بكسر أنابيبها
وتحريق وعائها، فلا ضمان على من فعل ذلك
على الوجه المتقدم في هذا النوع، وإن أمكن
زوال عينها مع بقاء الوعاء سليما ولم يخف الفاعل
مضايقة في الزمان ولا في المکان بتغلب فاعله مع
انتفاء هذه الموانع ضمن قیمته، إن کان لأمثاله
قيمة وهو ينتفع في غير الخمر. (٢)
وقال الغزالي : وفي إراقة الخمور یتوقی کسر
الأواني إن وجد إليه سبيلا وحیث کانت الإِراقة
متيسرة بلا كسر، فكسرها لزمه الضمان . (٣)
1
وقال أيضا : الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى
المصلحة فيه، وله أن يأمر بكسر الظروف التي
(١) حديث: ((بعثت بمحق القينات والمعازف)). أخرجه أحمد
(٢٥٧/٥ - ط اليمنية) من حديث أبي أمامة، وأورده
الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٩/٥ - ط القدسي): ((رواه
أحمد والطبراني، وفيه علي بن يزيد وهو ضعيف)).
(٢) تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٢، ١٣، والمغني ٥/ ٢٥٠
(٣) الإحياء ٢/ ٤٢٢، ٤٢٣
فيها الخمر زجرا، وقد فعل ذلك في زمن
رسول الله ﴾﴾ تأكيدا للزجر، ولم يثبت نسخه،
ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة،
فإذا رأی الوالي باجتهاده مثل الحاجة جاز له مثل
ذلك، وإذا كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم
یکن ذلك لآحاد الرعية . (١)
٥٠ - أما الشق الآخر وهو الضمان في تلف
النفوس بسبب مايقوم به المحتسب، فإن
للفقهاء أقوالا في ذلك:
ذهب الحنفیة والحنابلة إلی أن من مات من
التعزير لم يجب ضمانه، لأنها عقوبة مشروعة
للردع والزجر، فلم يضمن من تلف بها كالحد،
ولأنه فعل ما فعل بأمر الشرع، وفعل المأمور لا
يتقيد بشرط السلامة، ولأنه استوفى حق الله
تعالى بأمره، فصار كأن الله أماته من غير واسطة
فلا يجب الضمان. (٢)
أما المالكية فقد قال صاحب التبصرة: فإن
عزر الحاکم أحدا فمات أوسری ذلك إلى
النفس فعلى العاقلة، وكذلك تحمل العاقلة
الثلث فأكثر، وفي عيون المجالس للقاضي
عبدالوهاب إذا عزر الإِمام إنسانا فمات في
(١) الإِحياء ٢/ ٤٢٤
(٢) شرح فتح القدير ٢/٥، ٣، حاشية رد المحتار ٧٨/٤ -
٧٩، المغني ٩/ ١٦٠، الأشباء والنظائر لابن نجيم ٢٨٩
کتاب الجنايات.
- ٢٦٧ -

حسبة ٥٠ - ٥٢
التعزير لم يضمن الإِمام شيئا لا دية ولا
كفارة. (١)
وذهب المحققون من فقهائهم إلى أن عدم
الضمان مبني على ظن السلامة، فإن شك فيها
ضمن ما سرى على نفس أو عضو، وإن ظن
عدم السلامة فالقصاص. (٢)
والشافعي يرى التضمين في التعزير إذا
حصل به هلاك، لأنه مشروط بسلامة العاقبة (٣)
ولا يعفى من التعزير إلا أن يكون الهلاك بنحو
توبيخ بکلام وصفع فلا شيء فیه ولا ضمان
علی من عزر غیره بإذنه، ولاً على من عزره
ممتنعا من أداء حق عليه، وإن أدى إلى قتله (٤)
قال الرملي: للحاكم تعزير الممتنع من أداء دين
علیه بعد طلب مستحقه بحبس أو ضرب وإن
زاد علی التعزیر بل وإن أدى إلى موته لأنه بحق
ولا ضمان عليه فيه . (٥) ولا يكون التعزير بما
يقتل غالبا، فإن ضربه ضربا يقتل غالبا أو بما
يقتل غالبا أو قصد قتله وجب القصاص أو دية
مغلظة في ماله. (٦)
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون ٣٠١/٢ - ٣٠٢
(٢) الشرح الصغير ٤/ ٥٠٥
(٣) حاشية القليوبي على المنهاج ٤/ ٢٠٨
(٤) حاشية القليوبي على المنهاج ٢٨٦/٢
(٥) منهاج الطالبين ٢٠٨/٤ وانظر حاشية القليوبي عليه .
(٦) المغني ١٤٥/٩، ١٤٦، الشرح الصغير ٥٠٥/٤،
الخرشي على خليل ٧ / ١١٠.
وتفصيل ذلك في مصطلحات: (تعزير،
حدود، ضمان).
مقدار الضمان وعلى من يجب :
٥١ - وحيث قيل بوجوب الضمان ففي قدره
قولان :
الأول : لزوم كامل الدية لأنه قتل حصل من
جهة الله وعدوان الضارب، فكان الضمان على
العادي، کما لو ضرب مریضا سوطا فمات به،
ولأنه تلف بعدوان وغيره فأشبه مالو ألقى على .
سفينة موقرة حجرا فغرقها، وهو قول المالكية
والحنابلة . (١)
والثاني : عليه نصف الضمان لأنه تلف بفعل
مضمون وغیر مضمون، فکان الواجب نصف
الدیة کما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا
قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه. (٢)
والقول الآخر: يجب من الدية بقدرما
تعدی به . (٣)
على من يجب الضمان :
٥٢ - في غير حالات التعمد والتعدي إذا قلنا
يضمن الإِمام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال؟
(١) منهاج الطالبين ٢٠٨/٤، ٢٠٩، المغني ٩/ ١٤٥، ١٤٦
(٢) منهاج الطالبين ٤/ ٢٠٨، ٢٠٩
(٣) شرح فتح القدير ٢٩٠/٥، ٢٩١، تبصرة الحكام
٢/ ٣٠١، منهاج الطالبين ٢٠٨/٤، المغني ٩/ ١٤٦.
- ٢٦٨ -

حسبة ٥٢، حسد ١ - ٢
اختلف العلماء على قولين :
أحدهما : هو في بيت المال لأن خطأه یکثر فلو
وجب ضمانه علی عاقلته أجحف بهم وهو قول
الحنفية ورواية عند الحنابلة.
والثانية : على عاقلته لأنها وجبت بخطئه
فکانت علی عاقلته، كما لورمی صیدا فقتل
آدميا. وهو قول المالكية والشافعية والرواية
الثانية عند الحنابلة .
٠
(12222
وورد
حسد
التعريف :
١ - الحسد بفتح السين أكثر من سكونها مصدر
حسد، ومعناه في اللغة أن یتمنی الحاسد زوال
نعمة المحسود. (١)
وأما معنى الحسد في الاصطلاح فلا يخرج عن
المعنى اللغوي. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التمني :
٢ - التمني في اللغة مأخوذ من المنا، وهو القدر،
لأن المتمني يقدر حصول الأمر، والاسم المنية،
والأمنية .
وأما في الاصطلاح فهو طلب حصول الشيء
سواء كان ممكنا أو ممتنعا، والعلاقة بینه وبین
(١) انظر الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة:
«حسد)).
(٢) التعريفات للجرجاني/ ١١٧ ط العربي، تحفة المريد على
جوهرة التوحيد/ ١٢٦ ط الأزهرية.
- ٢٦٩ -

حسد ٣ - ٦
الحسد هي أن الحسد نوع منه كما ذكر الزركشي
في المنثور. (١)
ب - الحقد :
٣ - الحقد في اللغة الانطواء على العداوة
والبغضاء، وهو مأخوذ من حقد من باب
ضرب، وفي لغة من باب تعب وجمعه أحقاد.
وفي الاصطلاح طلب الانتقام وتحقيقه أن
الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في
الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار
حقدا. وسوء الظن في القلب على الخلائق
لأجل العداوة فهو ثمرة الغضب، والحسد
ثمرته، لأن الحقد یثمر ثمانية أمور من بينها
الحسد، وبيان ذلك كما جاء في الإِحياء أن الحقد
يحمل صاحبه على تمني زوال النعمة عن عدوه
فيغتم بالنعمة التي تصيبه ويسر بالمصيبة التي
تنزل به . (٢)
جـ - الشماتة :
٤ - الشماتة في اللغة الفرح بما ينزل بالغيرمن
المصائب، والشماتة والحسد يتلازمان، لأن
الحسود يفرح بمصائب الغير. (٣)
(١) المصباح مادة منى، التعريفات للجرجاني/ ٩٢ ط العربي،
والمنثور ٤٠٢/١ ط الأولى.
(٢) المصباح مادة: ((حقد))، التعريفات للجرجاني/ ١٢١، ط
العربي، وإحياء علوم الدين ١٧٧/٣ ط الحلبي.
(٣) المصباح مادة: ((شمت))، وإحياء علوم الدين ١٨٦/٣ ط
الحلبي.
د - عين :
٥ - المراد بها هنا الإصابة بالعين التي يسمى
صاحبها عائنا، يقال تعين الرجل المال إذا أصابه
بعين، وعنت الرجل أصبته بعيني، فأنا عائن
وهو معین ومعيون. (١)
والحاسد والعائن یشترکان في ان كلا منهما
تتکیف نفسه وتتوجه نحو من ترید أذاه، إلا أن
العائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين والمعاينة،
والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور،
وأيضا العائن قد يعين ما لا يحسده من حيوان
وزرع وإن كان لا ينفك من حسد مالكه. (٢)
قال ابن القيم : الحسد أصل الإِصابة
بالعين. وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير
إرادته بل بطبعه وهذا أردأ ما يكون من النوع
الإِنساني. (٣)
هـ - الغبطة :
٦ - الغبطة تسمى حسدا مجازا، ومعناها في
اللغة حسن الحال، وهي اسم من غبطته غبطا
من باب ضرب إذا تمنيت مثل ما ناله من غير أن
تريد زواله عنه لما أعجبك منه وعظم عندك. (٤)
وأما معناها في الاصطلاح فهو کمعناها في
(١) الصحاح مادة: ((عين)).
(٢) روح المعاني ٣٦٤/٣٠ ط الفكر.
(٣) زاد المعاد ١١٨/٣ ط الحلبي، ابن عابدين ٢٣٣/٥ ط
بولاق.
(٤) الصحاح والقاموس والمصباح مادة: ((غبط)).
- ٢٧٠ -

حسد ٧
اللغة، أي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره
من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا
یسمی منافسة، فإن کان في الطاعة فهو محمود،
وإن كان في المعصية فهومذموم، وإن كان في
الجائزات فهو مباح. (١)
أسباب الحسد :
٧ - سبب الحسد أن الطباع مجبولة على حب
الترفع علی الجنس، فإذا رأی لغيره ما ليس له
أحب أن یزول ذلك عنه إلیه لیرتفع علیه أو
مطلقا ليساويه. (٢)
وذكر الغزالي في الإِحياء سبعة أسباب
للحسد :
السبب الأول : العداوة والبغضاء، وهذا أشد
أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من
الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه
أبغضه قلبه، وغضب عليه، ورسخ في نفسه
الحقد. والحقد يقتضي التشفي والانتقام فإن
عجز عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه
الزمان .
السبب الثاني: التعزز، وهو أن يثقل عليه أن
(١) فتح الباري ١/ ١٦٧ ط الرياض، وانظر ما جاء في صحيح
مسلم بشرح النووي ٩٧/٦ ط المصرية، والمنثور ٤٠٣/١
ط الأولى، والتعريفات للجرجاني/ ٢٠٧ ط العربي.
(٢) فتح الباري ١٦٦/١ ط الرياض.
یترفع عليه غيره، فإذا أصاب بعض أمثاله ولا یة
أو علما أو مالا خاف أن يتكبر عليه، وهو
لا یطیق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه
وتفاخره علیه، وليس من غرضه أن یتکبر، بل
غرضه أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته
مثلا، ولکن لا یرضی بالترفع عليه.
السبب الثالث: الكبر، وهو أن يكون في طبعه
أن یتکبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه
الانقياد له والمتابعة في أغراضه، ومن التکبر
والتعزز کان حسد أکثر الكفار لرسول اللهپڼ إذ
قالوا: كيف يتقدم علینا غلام يتيم وكيف
نطاطیء رءوسنا له فقالوا: ﴿لولا نزل هذا
القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾(١)
السبب الرابع: التعجب، كما أخبر الله تعالى
عن الأمم السالفة إذ قالوا: ﴿ما أنتم إلا بشر
مثلنا﴾. (٢) وقالوا: ﴿أَنؤمن لِبَشَرَيْنِ مثلنا﴾(٣) -
﴿ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا
لخاسرون﴾، (٤) فتعجبوا من أن يفوز برتبة
الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر
مثلهم، فحسدوهم، وأحبوا زوال النبوة عنهم
جزءا أن يفضل عليهم من هو مثلهم في الخلقة،
لا عن قصد تكبر، وطلب رئاسة، وتقدم
(١) الزخرف/ ٣١
(٢) سورة يمس / ١٥
(٣) سورة المؤمنون / ٤٧
(٤) سورة المؤمنون/ ٣٤
- ٢٧١ -

حسد ٧ - ٩
عداوة، أو سبب آخر من سائر الأسباب.
السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد
وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن
کل واحد يحسد صاحبه في کل نعمة تكون عونا
له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس
تحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد
الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل
المنزلة في قلب الأبوين.
السبب السادس: حب الرئاسة وطلب الجاه
لنفسه من غیر توصل به إلى مقصود، وذلك
كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في
فن من الفنون إذا غلب عليه حب الثناء واستفزه
الفرح بما یمدح به، فإنه لوسمع بنظيرله في
أقصى العالم لساءه ذلك، وأحب موته، أو زوال
النعمة عنه .
السبب السابع : خبث النفس وشحها بالخير
لعباد الله تعالى، فإنك تجد من لا يشتغل
برياسة وتكبرولا طلب مال، إذا وصف عنده
حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله
به عليه يشق ذلك عليه، وإذا وصف له
اضطراب أمور الناس، وإدبارهم، وفوات
مقاصدهم، وتنغص عیشھم فرح به، فهو أبدا
يحب الإِدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على
عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه
وخزائنه .(١)
(١) إحياء علوم الدين ١٨٨/٣ - ١٩٠ ط الحلبي.
أقسام الحسد :
٨ - ذكر النووي في شرح مسلم أن الحسد
قسمان :
أحدهما حقيقي : وهو أن يتمنى زوال النعمة
عن صاحبها .
والثاني مجازي: وهو أن يتمنى مثل النعمة
التي عند غيره من غير زوالها عن صاحبها وهو
المسمى بالغبطة . (١)
مراتب الحسد :
٩ - مراتب الحسد أربعة:
الأولى: أن يحب الحاسد زوال النعمة عن
المحسود، وإن كان ذلك لا ينتقل إليه، وهذا
غاية الخبث.
الثانية: أن يحب زوال النعمة عن المحسود إليه
لرغبته في تلك النعمة، مثل رغبته في دار حسنة،
أو امرأة جميلة، أو ولاية نافذة، أوسعة نالها غيره
وهو يحب أن تكون له ومطلوبه تلك النعمة
لا زوالها عنه، ومكروهه فقد النعمة لا تنعم
غیرہ بها .
الثالثة: أن لا يشتهي الحاسد عين النعمة لنفسه
بل یشتهي مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب
زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما ..
الرابعة: الغبطة، وهي أن يشتهي لنفسه مثل
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ٩٧ ط المصرية.
- ٢٧٢ -

حسد ١٠
النعمة، فإن لم تحصل فلا يحب زوالها عنه.
وهذا الأخير هو المعفو عنه إن کان في شأن
دنیوي، والمندوب إلیه إن كان في شأن ديني،
والثالثة فيها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف
من الثالثة، والأولى مذمومة محضة. وتسمية
هذه الرتبة الأخيرة حسدا فيه نجوز وتوسع،
ولكنه مذموم لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما
فضل الله به بعضكم على بعض﴾(١) فتمنيه
لمثل ذلك غير مذموم، وأما تمنيه عین ذلك فهو
مذموم. (٢)
الحكم التكليفي :
١٠ - الحسد إن كان حقيقيا، أي بمعنى تمني
زوال النعمة عن الغير فهو حرام بإجماع الأمة،
لأنه اعتراض على الحق، ومعاندة له، ومحاولة
لنقض ما فعله، وإزالة فضل الله عمن أهله له،
والأصل في تحريمه الكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا
حسد﴾(٣) فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى
بالاستعاذة من شر الحاسد، وشره کثیر، فمنه ما
هو غير مكتسب وهو إصابة العين، ومنه ما هو
مكتسب كسعيه في تعطيل الخير عنه وتنقيصه
(١) سورة النساء/ ٣١
(٢) إحياء علوم الدين ١٨٨/٣ ط الحلبي.
(٣) سورة الفلق/ ٥
عند الناس، وربما دعا عليه أو بطش به إلى غير
ذلك.
وقد اختلف أهل التأويل في الحاسد الذي
ورد الأمر بالاستعاذة من شره: فقال قتادة: المراد
شرعينه ونفسه. وقال آخرون: بل أمر النبي ◌َّر
بهذه الآية أن يستعيذ من شر اليهود الذين
حسدوه، والأولی بالصواب في ذلك كما قال
الطبري: إن النبي ◌َّ أمر بأن يستعيذ من شر
كل حاسد إذا حسد. وإنما كان ذلك أولى
بالصوابٍ، لأن اللّه عز وجل لم يخصص من
قوله: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ حاسدا دون
حاسد بل عم أمره إياه بالاستعاذة من شر كل
حاسد فذلك علی عمومه.(١)
والحاسد كما قال القرطبي عدو نعمة الله ..
قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة
أوجه: أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت
على غيره .
ثانيها : أنه ساخط لقسمة ربه
كأنه يقول: لِمَ قسمت هذه القسمة؟
ثالثها : أنه ضاد فعل الله، أي أن فضل الله
يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله .
ورابعها : أنه خذل أولياء الله، أويريد
خذلانهم وزوال النعمة عنهم.
وخامسها : أنه أعان عدوه إبليس. (٢)
(١) تفسير الطبري ٢٢٨/٣٠ ط الثانية - الأميرية وأحكام
. - القرآن للجصاص ٥٨٨/٣ ط البهية.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ٩٧ ط المصرية، فيض
القدير للمناوي ١٢٥/٣ ط التجارية، تحفة المريد على
جوهرة التوحيد/ ١٢٦ ط الأزهرية .
- ٢٧٣ -

حسد ١٠ - ١١
وأما السنة فقوله ◌َلّى: ((إياكم والحسد فإن
الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو
العشب)).(١)
وأما المعقول فإن الحاسد مذموم، فقد قيل :
إن الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة،
ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال
في الخلوة إلا جزعا وغما، ولا ينال في الآخرة إلا
حزنا واحتراقا، ولا ينال من الله إلا بعدا
ومقتا . (٢)
ويسثنى من تحريم الحسد ما إذا كانت
النعمة التي يتمنى الحاسد زوالها عند كافر أو
فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى. (٣)
أما إذا كان الحسد مجازيا، أي بمعنى الغبطة
فإنه محمود في الطاعة، ومذموم في المعصية،
ومباح في الجائزات، ومنه قولهچچ: ((لا حسد إلا
في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء
(١) فيض القدير للمناوي ١٢٥/٣ ط التجارية، تحفة المريد
على جوهرة التوحيد/ ١٢٦ ط الأزهرية، تفسير القرطبي
٢٠ / ٢٦٠ ط المصرية .
وحديث: ((إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل ... )).
أخرجه أبوداود (٢٠٨/٥ - ٢٠٩ تحقيق عزت عبيد دعاس)
من حديث أبي هريرة، وذكره البخاري في تاريخه الكبير
(٢٧٢/١ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: ((لا يصح)).
(٢) تفسير القرطبي ٢٠/ ٢٦٠ ط المصرية، تحفة المريد على
جوهرة التوحيد/ ١٢٦ ط الأزهرية .
(٣) فتح الباري ١/ ١٦٧ ط الرياض.
الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه
آناء الليل وآناء النهار))(١) أي كأنه قال: لا غبطة
أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين
الأمرين.(٢)
علاج الحسد :
١١ - ذكر الغزالي في الإِحياء أن الحسد من
الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض
القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض
الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر على
الحاسد في الدنیا والدین، وأنه لا ضرر فيه على
المحسود في الدنیا والدین.
أما کونه ضررا علی الحاسد في الدین، فهو
أن الحاسد بالحسد سخط قضاء الله تعالى،
وكره نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي
أقامه في ملکه بخفي حكمته، فاستنكر ذلك
واستبشعه وهذه جناية على حدقة التوحيد،
وقذى في عين الإيمان، وكفى بهما جناية على
الدین.
وأما كون الحسد ضررا على الحاسد في الدنيا
فهو أنه يتألم بحسده في الدنيا، أویتعذب به
(١) حديث: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه ... )). أخرجه
البخاري (الفتح ٥٠٢/١٣ ط السلفية) ومسلم (١/ ٥٥٨
ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٢) فتح الباري ١/ ١٦٧ ط الرياض، صحيح مسلم بشرح
النووي ٦/ ٩٧ ط المصرية.
- ٢٧٤ -

حسد ١٢ - ١٣
ولا يزال في كمد وغم، إذاأعداؤه لا يخليهم الله
تعالی عن نعم یفیضها علیھم، فلا يزال
يتعذب بكل نعمة يراها، ويتألم بكل بلية
تنصرف عنهم فیبقی مغموما محروما متشعب
القلب ضيق الصدر قد نزل به ما يشتهيه
الأعداء له ویشتھیه لأعدائه، فقد کان یرید
المحنة لعدوه فتنجزت في الحال محنته وغمه
نقدا، ومع هذا فلا تزول النعمة عن المحسود
بحسده .
وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه
فواضح، لأن النعمة لا تزال عنه بالحسد، بل ما
قدره الله تعالی من إقبال ونعمة، فلابد أن يدوم
إلى أجل معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في
دفعه، بل كل شيء عنده بمقدار، ولکل أجل
كتاب، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على
المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه إثم في
الآخرة، وأما أن المحسود ينتفع به في الدین
والدنيا فواضح . (١)
القدر المعفو عنه من الحسد وعكسه وما فيه
خلاف :
١٢ - ذكر الغزالي أن المرء لا يمكنه نفي الحسد
عن قلبه بالكلية، بل يبقى دائما في نزاع مع
قلبه، لأنه لابد أن يبقى فيه شيء من الحسد
(١) إحياء علوم الدين ٣/ ١٩٣ - ١٩٥ طبعة الحلبي.
لأعدائه، وذكر في هذا المقام أن للشخص في
أعدائه ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يحب مساءتهم بطبعه، ويكره
حبه لذلك ومیل قلبه إلیه بعقله، ویمقت نفسه
عليه، ويود لو كانت له حيلة في إزالة ذلك الميل
منه، وهذا معفو عنه قطعا، لأنه لا يدخل تحت
الاختيار أكثر منه .
الثاني : أن يحب ذلك ويظهر الفرح بمساءته
إما بلسانه أو بجوارحه فهذا هو الحسد المحظور
قطعا .
الثالث : وهوبين الطرفين أن يحسد بالقلب
من غير مقت لنفسه علی حسده، ومن غير
إنكار منه على قلبه، ولكن يحفظ جوارحه عن
طاعة الحسد في مقتضاه، وهذا في محل
الخلاف، والظاهر أنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة
ذلك الحب وضعفه . (١)
علاج المحسود مما لحق به من أذى بسبب
الحسد :
١٣ - المقصود بالعلاج هنا العلاج النبوي لتلك
العلة وهو أنواع :
أحدها : الإكثار من التعوذ، ومن ذلك قراءة
المعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي،
والتعوذات النبوية، نحو أعوذ بكلمات الله
التامات من شر ما خلق.
(١) إحياء علوم الدين ١٩٦/٣ ط الحلبي.
- ٢٧٥ -

حسد ١٣ - ١٤
الثاني : الرقى : ومن أمثلتها رقية جبريل
عليه السلام للنبي وَلّ التي رواها مسلم في
صحيحه وهي : باسم الله أرقيك من كل شيء
يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد،
الله يشفيك، باسم الله أرقيك.(١)
هذا وما يدفع به ضرر الحاسد عن غيره
دعاؤه لغيره بالبركة وقوله: ما شاء الله لا قوة
إلا بالله. كما في قوله ◌َ له لعامر بن ربيعة في
الحديث الذي رواه أبو أمامة عن أبيه: ((إذا رأى
أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة))(٢)
وكما في قولهپټ من حديث أنس: ((من رأى شيئا
فأعجبه فقال: ماشاء الله لا قوة إلا بالله، لم
يضره)). (٣) . ...
وروی هشام بن عروة عن أبيه أنه کان إذا
رأى شيئا يعجبه، أو دخل حائطا من حيطانه
قال: ماشاء الله لا قوة إلا بالله. (٤)
(١) حديث رقية جبريل: ((بسم الله أرقيك ... )). أخرجه.
مسلم (١٧١٩/٤ ط الحلبي) من حديث أبي سعيد
الخدري.
(٢) حديث: (( إذا رأى أحدكم من أخيه مايعجبه فليدع له
بالبركة)». أخرجه ابن ماجه (٢/ ١١٦٠ ط الحلبي)
وصححه ابن حبان (٧/ ٦٣٥ ط دار الكتب العلمية).
(٣) حديث: ((من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله
لا قوة ... )). أورده الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٩ ط
القدسي) من حديث أنس، وقال: ((رواه البزار من رواية
أبي بکر الهذلي، وأبو بكر ضعيف جدا)).
(٤) زاد المعاد ٣/ ١١٩ ط الحلبي، وتبيين الحقائق مع حاشية
الشلبي ١٦/٦ - ١٧ ط بولاق، وابن عابدين ٢٣٢/٥ -
٢٣٣
الآثار الفقهية :
١٤ - إذا أدى الحسد إلى التلف أو القتل أو
اعترف الحاسد بأنه قتله بالعين ففي وجوب
القصاص أو الدية خلاف. فقال القرطبي كما
ذكر الحافظ في الفتح : لو أتلف العائن شيئا
ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية، إذا
تکرر ذلك منه، بحيث يصير عادة، وهو في
ذلك كالساحر. وتذكر كتب الشافعية أن العائن
إذا أصاب غيره بالعین واعترف بأنه قتله بالعين
فلا قصاص، وإن كانت العين حقا، لأنه
لا يفضي إلى القتل غالبا، ولا يعد مهلكا،
ولا دية فيه ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب
على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس
في بعض الأحوال، فما لا انضباط له كيف ولم
يقع منه فعل أصلا وإنما غايته حسد وتمن لزوال
النعمة . (١)
(١) فتح الباري ٢٠٥/١٠ ط الرياض، أسنى المطالب ٨٣/٤
ط الميمنية، روضة الطالبين ٣٤٨/٩ المكتب الإسلامي،
ومصطلح : (عين).
- ٢٧٦ -

حسم ١ - ٢
حسم
التعريف :
١ - الحسم في اللغة: يأتي بمعنى القطع، ومنه
قوله ﴿ في شأن السارق: ((اقطعوه ثم
احسموه))(١) أي اكووه لينقطع الدم، وحسم
العرق: قطعه، ثم کواء لئلا یسیل دمه .
ويأتي الحسم أيضا بمعنى المنع. (٢)
وهو في الاصطلاح: أن يغمس موضع
القطع من يد أو رجل في السرقة ونحوها في زيت
أو دهن مغلي، أو الكي بحديدة محماة لتنسد أفواه
العروق وينقطع الدم. (٣)
(١) حديث: ((اقطعوه ثم احسموه)). أخرجه الدارقطني
(١٠٢/٣ ط دار المحاسن) والبيهقي (٢٧١/٨ ط دار
المعارف العثمانية)، ورجح البيهقي وغيره إرساله من حديث
محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، كما في التلخيص الحبير.
لابن حجر (٦٦/٤ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) لسان العرب المحيط، ومختار الصحاح، والمصباح المنير،
والمغرب للمطرزي مادة ((حسم)».
(٣) ابن عابدين ٣/ ٢٠٦ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح
القدير ١٥٤/٥ ط دار إحياء التراث العربي، والزرقاني
٩٢/٨ ط دار الفكر، ومواهب الجلیل ٦/ ٣٠٥ ط دار
الفكر ، وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٣٢ ط دار الفكر ، =
حكم الحسم التكليفي :
٢ - ذهب الحنفية والمالكية وهو وجه عند
الشافعية في الحد إلى وجوب الحسم، وإلى أنه
من تمام حد السرقة، لأنه لولم يحسم العضو
المقطوع من الید أو الرجل یؤدي إلى التلف.
والحد زاجر لا متلف. فعلى هذا لوترك
الإِمام الحسم حيث يجب عليه فالظاهر أنه آثم
إن تعمد .(١)
وصرح المالكية بأنه يحتمل أن لا يكون
الحسم من تمام حد السرقة، بل یکون واجبا
مستقلا وعلى الكفاية يقوم به الإِمام، أو
المقطوعة يده، أو غيرهما. (٢)
ويرى الشافعية في الأصح، والحنابلة، أنه
مندوب، لأنه حق للمقطوع، ونظر له، وتداو
يدفع به الهلاك بسبب نزف الدم. فعلى هذا لو
تزکه الإمام، فلا شيء عليه، لأن عليه القطع،
لا مداواة المحدود. ويستحب للمقطوع حسم
نفسه، فإن لم يفعل لم يأثم، لأن في الحسم ألما
شديدا، وقد يهلك الضعيف، والمداواة بمثل
هذا لا تجب بحال. (٣)
وروضة الطالبين ١٤٩/١٠، ١٥٠، ١٦٧، ونهاية
=
المحتاج ٧/ ٤٦٧، و٦/٨، والمغني ٨/ ٢٦٠ ط الرياض.
(١) ابن عابدين ٢٠٦/٣، وفتح القدير ٥/ ١٥٤°، ١٥٥،
ومواهب الجليل ٣٠٥/٦، ٣٠٦، والزرقاني ٩٢/٨،
وحاشية الدسوقي ٣٣٢/٤
(٢) حاشية الدسوقي ٣٣٢/٤
(٣) روضة الطالبين ١٠/ ١٦٧ ط المكتب الإسلامي =
- ٢٧٧ -

حسم ٤، حشرات ١
مؤونة الحسم :
٣ - ذهب الحنفية والشافعية في الأصح إلى أن
ثمن زيت الحسم، وكذا ثمن حطب وأجرة إناء
يغلي فيه الزيت على السارق، لأنه المتسبب. (١)
وصرح الحنابلة والشافعية في وجه بأن الزيت
يكون من بيت المال، (٢) لأن النبي ◌َ لإر أمر به
القاطع، وذلك يقتضي أن يكون من بيت
المال. (٣)
مواطن البحث :
٤ - قد تكلم الفقهاء على الحسم في الحدود عند
الكلام عن السرقة وقطع الطريق. (٤)
= و٢٢٣/٩، ونهاية المحتاج ط مصطفى البابي الحلبي،
والمغني ٨/ ٢٦٠، ٤٦٧.
وترى اللجنة أن حسم اليد المقطوعة أو غيرها كما يتم
بالنار والزيت المغلي وما في معناهما يمكن أن يتم بوسائل
حديثة أكثر أمنا وأقل ألما .
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٠٦.
(٢) روضة الطالبين ١٦٧/١٠، ٢٢٣/٩، والمغني ٨/ ٢٦٠.
(٣) ترى اللجنة أنه إذا أجريت له عملية جراحية أو غيرها يقع
هذا الخلاف في تكاليف العملية على من تكون.
(٤) المراجع السابقة .
حشرات
التعريف :
١ - الحشرات: صغار دواب(١) الأرض،
وصغار هوامها، (٢) والواحدة حشرة بالتحريك.
وقيل الحشرات : هوام الأرض مما لا سم له.
قال الأصمعي : الحشرات والأحراش
(١) الدواب جمع دابة: والدابة: اسم لكل حيوان في الأرض،
وخالف فيه بعضهم فأخرج الطير من الدواب، ورد
بالسماع وهو قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾
سورة النور/ ٤٥ قالوا: أي خلق الله كل حيوان مميزا كان أو
غير مميز، وهو يقع على المذكر والمؤنث.
وأما تخصيص ذوات القوائم الأربع أو الخيل والحمار
والبغل أو ما يركب بالدابة، عند الإطلاق فعرف طارىء،
فالدواب أعم من الحشرات مطلقا. لسان العرب
والقاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((دبب))، والكليات
٣٢٠/٢، ٣٣٦، ودستور العلماء ٩٨/٢
(٢) الهامة في اللغة ما له سم يقتل كالحية، قاله الأزهري
والجمع الهوام مثل دابة ودواب، وقد تطلق الهوام على ما
يقتل كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عميرة. وقد قال له
عليه الصلاة والسلام: (( أيؤذيك هوام رأسك؟)) أخرجه
البخاري (الفتح ١٦/٤ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٦٠ ط
الحلبي) واللفظ لمسلم، والمراد العمل على الاستعارة
بجامع الأذى ويستعملها الفقهاء بالمعنى نفسه (المصباح
المنير) مادة: ((همم)).
- ٢٧٨ -
.

حشرات ٢ - ٣
والأحناش واحد، وهو هوام الأرض، وقيل من
الحشرات: الفأر واليربوع والضب ونحوها. (١)
أ - أكل الحشرات :
٢ - للفقهاء في أكل الحشرات اتجاهان:
الاتجاه الأول : هو حرمة أكل جميع
الحشرات، لاستخبائها ونفور الطباع السليمة
منها، وفي التنزيل في صفة النبي ◌َّلـ: (ويحرم
عليهم الخبائث)(٢)
وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة .
واستثنوا من ذلك الجراد فإنه مما أجمعت الأمة
على حل أكله، لقول النبي ◌َله: ((أحلت لنا
میتتان ودمان، فأما الميتتان : فالحوت والجراد،
وأما الدمان: فالكبد والطحال))(٣) وزاد
(١) القاموس المحيط ولسان العرب والمصباح المنير مادة:
(حشر)) وحاشية ابن عابدين ٢١٩/٢، المغرب ص١١٦،
حياة الحيوان الكبرى ٢٣٤/١ ط مطبعة الاستقامة
بالقاهرة.
والحشرة عند علماء الحيوان: كل كائن يقطع في خلقه
ثلاثة أطوار، يكون بيضة، فدودة، ففراشة، وهي من
المفصلیات ها ثلاثة أزواج من القوائم دائما، وله زوج أو
زوجان من الأجنحة في الغالب، وفي جسم الحشرة ثلاثة
أجزاء: رأس وصدر وبطن. فالحشرة عندهم تختلف عما في
المعاجم اللغوية وعند الفقهاء (لسان العرب المحيط،
الوسيط (مادة حشر).
(٢) سورة الأعراف/ ١٥٧
(٣) حديث: ((أحلت لنا ميتتان ودمان ... )) أخرجه أحمد
(٩٧/٢ ط الميمنية) والبيهقي (٢٥٤/١ ط دائرة المعارف
العثمانية) من حديث عبدالله بن عمر وصوب البيهقي وقفه=
الشافعية والحنابلة الضب، فإنه من الحشرات
التي يباح أكلها عندهم، مستدلين بحديث
ابن عباس رضي الله عنهما: قال: دخلت أنا
وخالد بن الوليد مع رسول اللهژ﴾ بيت ميمونة،
فأتي بضب محنوذ، فرفع رسول اللّه ◌َلّل يده
فقلت: أحرام هو يارسول الله؟ قال: لا، ولكنه
لم یکن بأرض قومي فأجدني أعافه» قال خالد :
فاجتزرته فأكلته ورسول اللهالأل﴾ ينظر.(١)
وذهب الحنفية إلى حرمته على تفصيل ينظر
في مصطلح (أطعمة) ف/ ٥٤.
وقد استثنى الجنابلة أيضا اليربوع والوبر
فقالوا: بإباحة أكلهما، وزاد الشافعية عليهما أم
حبین، والقنفذ، وبنت عرس فيباح أكلها . (٢)
٣ - الاتجاه الثاني : حل جميع أصناف
الحشرات، وهو مذهب المالكية، وهو في الأصل
إحدى الروايتين فيه، ثم انعقد المذهب عليها.
قال الطرطوشي : انعقد المذهب في إحدى
الروايتين وهي رواية العراقيين، أنه يؤكل جميع
= على ابن عمر، وقال ابن حجر في التلخيص (٢٦/١ ط
شركة المحاسن): ((الرواية الموقوفة في حكم المرفوع)).
(١) حديث ابن عباس: في أكل الضب.
أخرجه البخاري (الفتح ١٦٣/٩ - ط السلفية).
(٢) حاشية ابن عابدين ١٩٣/٥ وما بعدها، بدائع الصنائع
٣٦/٥، ٣٧، الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣٥٨/٣،
حواشي الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج
٣٨٣/٩، قليوبي وعميرة ٤/ ٢٦٠، كشاف القناع
١٩١/٦، ١٩٢، والإنصاف ٣٥٨/١٠
- ٢٧٩ -

حشرات ٣ - ٤
الحيوان من الفيل إلى النمل والدود، وما بين
ذلك إلا الخنزير فهو محرم بالإجماع .
وقد ذهب بعض المالكية إلى حرمة الحشرات
والهوام، كابن عرفه والقرافي، ولعلهم أخذوا
بالرواية الأخرى في المذهب.
ثم إن القول بحل جميع الحشرات ليس على
إطلاقه، فإنهم قد اختلفوا في بعضها وذلك
كالفأر فإنهم اختلفوا فيه على قولين:
الأول : أنه يكره إن كان يصل إلى النجاسة
بأن تحقق أوظن وصوله إليها، فإن شك في
وصوله إليها لم يكره، وكذلك إن تحقق عدم
وصوله إليها من باب أولى. وقد شهر هذا القول
الدردير والخرشي والعدوي .
الثاني : أنه يحرم أكل الفأر مطلقا، أي سواء
كان يصل للنجاسة أولا، وشهر هذا القول
الدسوقي، ونقل الحطاب عن ابن رشد
استظهار التحريم، وكذا جواز أكل الحية
عندهم مقيد بأن يؤمن سمها، إلا أن يكون
بالآکل مرض ینفعه ذلك فيجوزله أكلها
بسمها. وقال ابن حبيب: يكره أكلها لغير
ضرورة. وذكر الأجهوري حرمة أكل بنت
عرس.
وللمالكية قول: بكراهة العقرب على خلاف
المشهور في المذهب.(١).
(١) حاشية الدسوقي ٢/ ١١٥، حاشية العدوي على الخرشي
٢٧/٣، مواهب الجليل ٢٣٠/٣، ٢٣١، القوانين الفقهية
١١٥، ١١٦
ثم إن للدود تفصيلات أخرى وأحكاما
خاصة، وكثير من الفقهاء يفرقون بين الدود
المتولد في الطعام وغيره، وقد سبق تفصيل ذلك
في مصطلح (أطعمة). ف/٥٥.
ب - بيع الحشرات :
٤ - اتفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحشرات
التي لا نفع فيها، إذ يشترط في المبيع أن يكون
منتفعا به، فلا يجوز بيع الفئران، والحيات
والعقارب، والخنافس، والنمل ونحوها، إذ
لا نفع فيها يقابل بالمال، أما إذا وجد من
الحشرات ما فيه منفعة، فإنه يجوز بيعه كدود
القز، حيث يخرج منه الحرير الذي هو أفخر
الملابس، والنحل حيث ينتج العسل.
وقد نص الحنفية والشافعية والحنابلة على
جواز بيع دود العلق، لحاجة الناس إليه للتداوي
بمصه الدم، وزاد ابن عابدين من الحنفية دود
القرمز. (١) قال: وهو أولى من دود القز وبيضه
فإنه ينتفع به في الحال، ودود القز في المآل.
كما نص الشافعية على جواز بيع اليربوع
والضب ونحوه مما يؤكل، وقال الحنابلة: بجواز
بيع الديدان لصيد السمك.
وقد عدّى الحنفية الحكم إلى هوام البحر
(١) نوع من الدود يكون في عصارته صبغ أحمر قان ويسمى
ذلك الصبغ (القرمز) القاموس والمعجم الوسيط (قرمز).
- ٢٨٠ -