Indexed OCR Text
Pages 181-200
حرفة ١٢ المرأة الشريفة تعير بذلك، ولا تعتبر الكفاءة في حق المرأة للرجل، لأن الولد یشرف بشرف أبيه لا أمه فلم یعتبر ذلك في الأم . وقد بنى الفقهاء اعتبار الكفاءة في الحرفة على العرف وعادة أهل البلاد. هذا والمعتبر في الحرفة هو عرف بلد الزوجة لا بلد العقد، لأن المدار على عارها وعدمه، وذلك إنما يعرف بالنسبة لعرف بلدها، أي التي هي بها حالة العقد. (١) واعتبار الحرفة في الكفاءة عند القائلين بذلك إنما هو عند ابتداء العقد ولا يضر زوالها بعد العقد، فلو کان الزوج کفئا وقت العقد ثم زالت الكفاءة لم يفسخ العقد . لكن لوبقي أثر الحرفة لم يكن كفئا . . أما لو كان الزوج حال العقد غیر کفء في حرفته فقد اختلف الفقهاء في بطلان النكاح أو ثبوت الخيار(٢) وینظر تفصيل ذلك في (نكاح - كفاءة). كون الانتفاع بالحرفة مهرا : ١٢ - يجوز عند الشافعية والحنابلة أن يكون (١) ابن عابدين ٢/ ٣٢١، والبدائع ٣٢٠/٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٥٠، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤ والمغي ٤٨٥/٦ - ٤٨٧ وكشاف القناع ٦٨/٥ (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣١٧/٢، ٣١٨، ٣٢٢ - ٣٢٣، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١ والمغني ٦/ ٤٨٠، ٤٨١ الانتفاع بالحرفة مهرا، فيصح أن يتزوج الرجل المرأة على عمل معلوم كخياطة ثوب معين، وبناء دار وتعليم صنعة وغير ذلك من كل ما هو مباح، ويجوز أخذ الأجرة عليه لقوله تعالى حكاية عن شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾. (١) ولأن منفعة الحر يجوز أخذ العوض عنها في الإِجارة فجازت صداقا . (٢) وعند الحنفية خلاف ملخصه أن ماهو مال أو منفعة يمكن تسليمها يجوز التزوج عليها، وما لا يمكن تسليمه لا يجوز ولذلك لا يجوز أن يتزوج الحر على خدمته إياها سنة، لأن موضوع الزوجية أن تكون هي خادمة له لا بالعكس. لأن خدمة الزوج لزوجته - كما قيل قلب للأوضاع - لأن المفروض أن تخدمه هي لا العكس. وأما إذا سمى إيجار بيت أو غير ذلك من منافع الأعيان فإن هذا جائز عندهم. وأما ما تردد بين أن يكون خدمة أولا كرعي غنمها أو زراعة أرضها، فإن الروايات قد اختلفت في ذلك، كما اختلفوا فيما هو الأرجح.(٣) (١) سورة القصص / ٢٧ (٢) مغني المحتاج ٢٣٨/٣ - ٢٣٩ وكشاف القناع ١٢٩/٥ والمغني ٦/ ٦٨٣ (٣) حاشية ابن عابدين - طبعة بولاق الأولى ٣٣٣/٢ - ٣٣٤، وفتح القدير ٢٢٤/٣، ٢٢٥ - ١٨١ - حرفة ١٣ وقالوا : إذا تزوج الحر امرأة على أن يخدمها هو سنة مثلا فهذه التسمية عند الشيخين فاسدة والعقد صحيح ووجب عليه إما مهر المثل في بعض الروايات، أو قيمة خدمته المدة المنصوص عليها في عقد الزواج. (١) كذلك اختلف المالكية في جعل الصداق خدمته لها في زرع أو في بناء دار أو تعليمها فمنعه مالك وهو المعتمد في المذهب، وکرهه ابن القاسم وأجازه أصبغ. قال اللخمي: وعلى قول مالك يفسخ النكاح قبل البناء ویثبت بعده بصداق المثل. وقال ابن الحاجب على القول بالمنع : النكاح صحيح قبل البناء وبعده، ويمضي بما وقع به من المنافع للاختلاف فيه. وهذا هو المشهور. (٢) ثامنا : شهادة أهل الحرف : ١٣ - اتفق الفقهاء على رد شهادة صاحب الحرفة المحرمة كالمنجم والعراف، وكذلك صاحب الحرفة التي يكثر فيها الربا كالصائغ والصير في إذا لم يتوقياً ذلك. واختلفوا في قبول شهادة أصحاب الحرف الدنيئة، كالحائك، والحجام، والزبال. فالأصح عند الحنفية والشافعية وهو مذهب المالكية وفي وجه عند الحنابلة أنه تقبل (١) المرجعين السابقين. (٢) الدسوقي ٣٠٩/٢ شهادتهم، لأنه قد تولى هذه الحرف قوم صالحون فما لم يعلم القادح لا يبنى على ظاهر الصناعة، فالعبرة للعدالة لا للحرفة، فكم من دنىء الصناعة أتقی من ذي منصب ووجاهة، وقد قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ .(١) لكن يقول المالكية والشافعية: إذا كان من يقوم بهذه الحرفِ ممن لا تليق به، ورضيها اختيارا بأن كان من غير أهلها ولم يتوقف قوته وقوت عياله عليها لم تقبل شهادته، لأن ذلك يدل على قلة المبالاة وعلى خبل في عقله، وتقبل إن كان من أهلها أو اضطر إليها . ومقابل الأصح عند الحنفية والشافعية والوجه الآخر عند الحنابلة أنه لا تقبل شهادتهم، لأن القيام بهذه الحرف يسقط المروءة وخاصة إذا كان في الحرفة مباشرة النجاسة. (٢) كما أن شهادة الأجير الخاص لمستأجره لا تقبل، لأن المنافع بينهم متصلة، ولقول النبي وُل: ((لا تجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج (١) سورة الحجرات / ١٣ (٢) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/٤، والاختيار ٢/ ١٤٧، والدسوقي ١٦٦/٤، ومنح الجليل ٢٢٠/٤، ونهاية المحتاج ٢٨٥/٨، والمهذب ٣٢٦/٢، ومغني المحتاج ٤٣٢/٤، وكشاف القناع ٤٢٤/٦، والمغني ٩/ ١٦٩ ويجدر التنبه إلى أن اعتبار المهنة دنيئة أو غير دنيئة مرده إلى العرف. - ١٨٢ - حرفة ١٤ لامرأته، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الشريك لشريكه، ولا الأجير لمن استأجره)). (١) ولأن الأجير يستحق الأجرة في مدة أداء الشهادة، فصار كالمستأجر لأداء الشهادة. وهذا عند الحنفية والحنابلة. وتقبل شهادته لمستأجره عند المالكية إن كان الأجير مبرزا في العدالة ولم يكن في عيال المشهود له. (٢) تاسعا : بيع آلة الحرفة على المفلس وإجباره على الاحتراف: ١٤ - من الأحكام التي تتعلق بالحجر على المفلس بيع ماله لسداد ديون الغرماء. وقد اختلف الفقهاء في بيع آلة الحرفة للمحترف. فعند الشافعية تباع آلة حرفته لسداد ديونه . وهو رأي المالكية إن كثرت قيمتها أو لم يحتج إليها . (١) حديث: ((لا تجوز شهادة الوالد لولده)» ذكره ابن الهمام في فتح القدير (٦/ ٣١ - ط اليمنية) وعزاه إلى الخصاف، وذكر إسناده، وفيه يزيد بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف كما في التهذيب لابن حجر (٣٢٩/١١ - ط دائرة المعارف العثمانية). (٢) الاختيار ٢/ ١٤٧، وفتح القدير ٤٧٧/٦ ط دار إحياء التراث، وشرح منتهى الإرادات ٥٥٣/٣، ومنح الجليل ٢٢٢/٤، والدسوقي ١٦٩/٤ وترى اللجنة أن العبرة في قبول الشهادة وردها اطمئنان القاضي إلى عدالة وصدق الشاهد. فإن كان محتاجا لها أو قلت قيمتها فلا تباع. وقال الحنابلة: تترك له آلة حرفته ولا تباع . ولم يعثر على نص في ذلك عند الحنفية . وإذا فرق مال المفلس على الغرماء وبقيت عليه ديون، وكانت له صنعة فهل يجبره الحاكم على التكسب أو إيجار نفسه ليقضي دينه؟ ذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة إلى أنه لا يجبر على ذلك، ولا يلزم بتجر أو عمل أو إيجار نفسه لتوفية مابقي عليه لغرمائه من ديونهم، لأن الديون إنما تعلقت بذمته لا ببدنه لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، (١) ولما روى أبو سعيد أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فکثر دينه فقال النبي لة : تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي قالعمر: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك))،(٢) ولأن هذا تكسب للمال، فلا يجبره علیه الحاكم، كقبول الهبة والصدقة. وقال اللخمي من المالكية: يجبر الصانع - لا التاجر - على العمل إن كان غرماؤه قد عاملوه على ذلك. والرواية الثانية للحنابلة أن الحاكم يجبره على الكسب. (٣) (١) سورة البقرة / ٢٨٠ (٢) حديث: ((تصدقوا عليه)) أخرجه مسلم (١١٩١/٣ - ط الحلبي). (٣) الزيلعي ١٩٩/٥، ومنح الجليل ١٣١/٣، ونهاية= - ١٨٣ - حرفة ١٥، حرق، حرم ١ عاشرا : تضمين أصحاب الحرف: ١٥ - اتفق الفقهاء على أن صاحب الحرفة يضمن ما هلك في يده من مال، أو ما هلك بعمله إذا کان الهلاك بسبب إهمال منه أو تعد، وسواء أكان أجیرا خاصا أم أجیرا مشتركا، أما ما هلك بغير تعد أو تفريط فلا ضمان عليه في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في مصطلحي (إجارة ف١٠٧ - ١٣٣ وضمان). حادي عشر : التسعير على أهل الحرف: ١٦ - لا يجوز التسعير على أهل الحرف والصنائع إلا إذا احتاج الناس إلى حرفة طائفة كالفلاحة، والنساجة، والبناء وغيرها. فإن ولي الأمر يجبرهم على ذلك بأجرة المثل، وهذا من التسعير الواجب كما يقول ابن القيم. (١) وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (تسعير ف١٤). حرق انظر : إحراق. المحتاج ٤/ ٣١٩ وأسنى المطالب ١٩٣/٢، والمغني = ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤ (١) الطرق الحكمية ص٢٩٧ حرم التعريف : ١ - الحرم بفتحتين من حَرُمَ الشيء حُرْماً وحراماً وحرِم حَرَما وحراما أي امتنع فعله. ، ومنه الحرام بمعنى الممنوع. والحرمة ما لا يحل انتهاكه. والحرمة أيضا المهابة، وهي اسم بمعنى الاحترام، مثل الفرقة والافتراق، والجمع حرمات.(١) وفي الاصطلاح يطلق الحرم على أمور: أ - مكة وما حولها، وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق كلمة الحرم يقول الماوردي: (أما الحرم فمكة وما طاف بها من جوانبها إلى أنصاب الحرم)(٢) وعلى ذلك فمكة جزء من الحرم. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾(٣) هي مكة، وهم قريش. أمنهم الله تعالى فيها . (٤) (١) المصباح المنير والمفردات للراغب الأصبهاني والقاموس المحيط . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٥٦، ١٦٤ (٣) سورة العنكبوت / ٦٧ (٤) شفاء الغرام ١/ ٥٤، وتفسير القرطبي ٣٦٣/١٣، ومغني المحتاج ٤١٧/٢، والقليوبي ١٣٨/٢ - ١٨٤ - حرم ٢ - ٣ ومنه قوله ◌َّل: ((إن الله حرم مكة فلا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي)). (١) وجه تسمية الحرم هو أن الله سبحانه وتعالى حرم فيه كثيرا مما ليس بمحرم في غيره، كالصيد وقطع النبات ونحوهما . ب - المدينة وما حولها، كما قال النبي وقال: ((المدينة حرم من کذا إلى كذا لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث. من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)). (٢) وسیأتي بیان حدوده . أولا : حرم مكة : أ - دليل تحريمه : ٢ - صرح الفقهاء بأن مكة وما حولها أي الحرم المكي حرام بتحريم الله تعالى إياه. وقد وردت في ذلك آيات وأحاديث منها: قوله تعالى : ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾(٣) قال القرطبي : أي جعلت لهم حرما آمنا أمنوا فيه من السبي والغارة والقتل. (٤) (١) حديث: ((إن الله حرم مكة فلم تحل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٦/٤ - ط السلفية) من حديث عبدالله ابن عباس. (٢) حديث: ((المدينة حرم من كذا إلى كذا لا .. )) أخرجه البخاري (الفتح ٨١/٤ - ط السلفية): حديث أنس بن مالك. (٣) سورة العنكبوت / ٦٧ (٤) القرطبى ٣٦٤/١٣ ومنها قول النبي وله: ((إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض))(١) وقوله آله: «إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار)) . (٢) وذكر الزركشي في حكمته وجوها منها: التزام ما ثبت له من أحكام، وتبیین ما اختص به من البركات. (٣) ب- تحديد حرم مكة : ٣ - حد الحرم من جهة المدينة المنورة عند التنعيم وهو على ثلاثة أميال. وفي كتب المالكية أنه أربعة أو خمسة أميال. ومبدأ التنعيم من جهة مكة عند بيوت السقیا، ويقال لها بیوت نفار، ویعرف الآن بمسجد عائشة، فما بين الكعبة المشرفة والتنعيم حرم. والتنعيم من الحل. ومن جهة اليمن سبعة أميال عند أضاة لبْن (بكسر فسكون كما في القاموس وشفاء الغرام) ومن جهة جدة عشرة أميال عند منقطع الأعشاش لآخر الحديبية، فهي من الحرم. ومن جهة الجعرانة تسعة أمیال في شعب عبدالله بن خالد. (١) حديث: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٧/٤ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٨٦ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس واللفظ لمسلم. (٢) حديث: ((إن الله حرم مكة فلم تحل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٦/٤ - ط السلفية) من حديث عبدالله ابن عباس. (٣) إعلام الساجد ٦٣ - ٦٥ والقليوبي ١٣٨/٢ - ١٨٥ - حرم ٤ - ٥ ومن جهة العراق سبعة أميال على ثنية بطرف جبل المقطع، وذكر في كتب المالكية أنه ثمانية أميال. ومن جهة الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال عند طرف عرنة . ولعل الاختلاف في تحديد الأميال يرجع إلى الاختلاف في تحديد أذرع الميل وأنواعها . (١) وابتداء الأميال من الحجر الأسود. (٢) هذا وقد حدد الحرم المكي الآن من مختلف الجهات بأعلام بينة مبينة على أطرافه مثل المنار مكتوب عليها اسم العلم باللغات العربية والأعجمية . وانظر مصطلح ( أعلام الحرم ). دخول الحرم المكي : أ - الدخول بقصد الحج أو العمرة: ٤ - اتفق الفقهاء على أن من أراد دخول الحرم بقصد الحج أو العمرة فعليه أن يحرم من المواقيت المحددة أو قبلها. ومن جاوز المیقات بغیر إحرام فعليه أن يعود إليه ويحرم منه. فإن لم يرجع فعليه (١) البدائع ١٦٤/٢، وحاشية ابن عابدين ٢/ ١٥٥، ١٥٦، ومواهب الجليل ١٧١/٣، وجواهر الإكليل ١٩٤/١، ونهاية المحتاج ٣٤٥/٣، ومغني المحتاج ٥٢٨/١، وإعلام الساجد ٦٣ - ٦٥، وكشاف القناع ٤٧٣/٢، ومطالب أولي النهى ٣٨٢/٢، وشفاء الغرام ١/ ٥٤ وما بعدها. (٢) مطالب أولي النهى ٢/ ٣٨٢ دم سواء أترك العود بعذر أم بغير عذر، عامدا كان أم ناسيا. إلا أنه إذا خاف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت أو المرض الشاق فيحرم من مکانه وعلیه الدم. (١) وتفصيله في مصطلح : (إحرام). ب - الدخول لأغراض أخرى : ٥ - يجوز لمن كان داخل المواقيت (بين الميقات والحرم) أن يدخل الحرم بغیر إحرام لحاجته، لأنه یتکرر دخوله حوائجه فيحرج في ذلك، والحرج مرفوع، فصار كالمكي إذا خرج ثم دخل، بخلاف ما إذا دخل للحج لأنه لا يتكرر، فإنه لا يكون في السنة إلا مرة. وكذا لأداء العمرة لأنه التزمها لنفسه. كما يجوز لمن يخرج من الحرم إلى الحل (داخل المواقيت) أن يدخل الحرم بغير إحرام، ولو لم يكن من أهل الحرم، كالآفاقي المفرد بالعمرة، والمتمتع، وهذا باتفاق الفقهاء. كذلك يجوز دخول الحرم لقتال مباح أو خوف من ظالم أو لحاجة متكررة كالحطابين والصيادين ونحوهما بغير إحرام، لأن النبي من # دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام، وفي وجوب الإِحرام على من تتكرر حاجته مشقة . (٢) (١) ابن عابدين ١٣٩/٢، وجواهر الإكليل ١/ ١٧٠، ومغني المحتاج ٤٧٤/١، والمغني ٢٦٨/٣ (٢) الاختيار ١٤١/١، ١٤٢، ابن عابدين ١٥٥/٢، = - ١٨٦ - حرم ٦ ٦ - أما الآفاقي(١) ومن في حكمه ـ غیر من تقدم ذكره ـ ممن يمرون على المواقيت إذا أرادوا دخول الحرم لحاجة أخرى غير النسك فجمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول عند الشافعیة) یرون وجوب الإِحرام علیھم بأحد النسكين، ولا يجوز لهم مجاوزة الميقات بغير إحرام. وفي قول آخر للشافعية وهو المشهور عندهم: أنه يجوز دخول الحرم للآفاقي أيضا بغير إحرام لكنه يستحب له أن يحرم. (٢) وهذا في الجملة، وتفصيله كالتالي : قال الحنفية : الآفاقي إذا أراد دخول الحرم بغير النسك كمجرد الرؤية أو النزهة أو التجارة لا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا محرما، لأن فائدة التأقيت هذا، لأنه يجوز تقديم الإِحرام على المواقيت. لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تجاوز الموقت إلا بإحرام))(٢) والمجموع ٧/ ١٠ وما بعدها والشرح الصغير ٢٣/٢ - ٢٥، وكشاف القناع ٢/ ٤٠٢، ٤٠٣ (١) القياس أن ينسب إلى المفرد فـ((أفقي)) ونسب إلى المفرد أيضا بفتحتين على غير قياس فقيل أفقي، وكثر في كلام الفقهاء النسبة إلى الجمع فقالوا ((آفاقي)) (انظر المصباح المنير والمراجع المذكورة أدناه. (٢) الاختيار ١٤١/١، وابن عابدين ٢/ ١٥٤، والشرح الصغير ٢/ ٢٤، ومغني المحتاج ١/ ٤٧٤، وكشاف القناع ٤٠٢/٢ (٣) حديث: ((لا تجاوز الموقت إلا بإحرام)) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٦/٣ - ط القدسي) من حديث عبدالله= فإن جاوزها الآفاقي بغير إحرام فعليه شاة. فإن عاد فأحرم منه سقط الدم. أما لو قصد موضعا من الحل، كخليص وجدة حل له مجاوزته بلا إحرام. فإِذا حل به التحق بأهله فله دخول الحرم بلا إحرام. قالوا : وهو الحيلة لمريد ذلك بقصد أولي، کما إذا كان قصده لجدة مثلا لبيع أوشراء، وإذا فرغ منه يدخل مكة ثانیا، إذ لو کان قصده الأولي دخول مکة ومن ضرورته أن يمر بالحل فلا يحل له تجاوز الميقات بدون إحرام . (١) وقال المالكية : إن کل مکلف حر أراد دخول مكة فلا يدخلها إلا بإحرام بأحد النسكين وجوبا، ولا يجوز له تعدي المیقات بلا إحرام، إلا أن یکون من المترددین أو یعود إلى مكة بعد خروجه منها من مکان قریب (أي دون مسافة القصر) لم يمكث فيه كثيرا فلا يجب عليه، وكذلك لا يجب على غير المكلف كصبي ومجنون . (٢) وقال الحنابلة : لا يجوز لمن أراد دخول مكة أو الحرم أو أراد نسكا تجاوز الميقات .. إلا لقتال مباح لدخوله 10 يوم فتح مكة وعلى رأسه = ابن عباس، وقال: ((رواه الطبراني في الكبير وفيه خصیف، وفیه کلام» وقد وثقه جماعة)). (١) الاختیار ١/ ١٤١، وابن عابدين ٢ / ١٥٤ (٢) الشرح الصغير ٢٤/٢ - ١٨٧ - حرم ٧ المغفر. (١) أولخوف، أوحاجة متكررة كحطاب، وناقل الميرة، ولصید، واحتشاش، ونحو ذلك، ومک یتردد إلی قریته بالحل. (٢) وقال الشافعية ۔ کما نص عليه النووي - : إن من أراد دخول مكة حاجة لا تتكرر كزيارة، أو تجارة، أو رسالة، أو کان مکیا عائدا من سفره يستحب له أن يحرم. وفي قول: يجب عليه الإِحرام. وعلى كل فقد نصوا أنه لو جاوز الميقات بغير إحرام ثم أراد النسك فميقاته موضعه ولا يكلف العود إلى الميقات. (٣) دخول الكافر للحرم : ٧ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز لغير المسلم السكنى والإِقامة في الحرم لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (٤) والمراد بالمسجد الحرام الحرم بدليل قوله سبحانه وتعالى بعده: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾(٥) أي إن خفتم فقرا وضررا بمنعهم من الحرم وانقطاع ما كان يحصل (١) حديث: ((دخل ◌َل# يوم فتح مكة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥٩/٤ - السلفية). ومسلم (٢ / ٩٩٠ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك. (٢) كشاف القناع ٤٠٢/٢، ٤٠٣ (٣) المجموع ٧/ ١٠ - ١٢، ومغنى المحتاج ٤٧٤/١ (٤) سورة التوبة / ٦٨ (٥) سورة التوبة / ٢٨ لكم بما يجلبونه إليكم من المكاسب فسوف يغنيكم الله من فضله. ومعلوم أن الجلب إنما يجلب إلى البلد والحرم، لا إلى المسجد نفسه. والمعنى في ذلك أنهم أخرجوا النبي # منه، فعوقبوا بالمنع من دخوله بكل حال. (١) واختلفوا في اجتياز الكافر الحرم بصفة مؤقتة، فذهب الشافعية والحنابلة وهو قول عند المالكية: إلى منع دخول الكفار إلى الحرم مطلقا، لعموم الآية. فإن أراد كافر الدخول إلى الحرم منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة خرج إليه من يشتري منه ولم يترك هويدخل. وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم خرج إليه من یسمع رسالته ويبلغها إياه. فإن قال: لا بد لي من لقاء الإِمام وكانت المصلحة في ذلك خرج إليه الإمام، ولم يأذن له بالدخول. وإذا أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى يسلم قبله. (٢) قال الشافعية والحنابلة: وإذا دخل المشرك الحرم بغير إذن عزر ولم یستبح به قتله، وإن دخله بإذن لم يعزر وينكر على من أذن له. (٣) (١) تفسير الأحكام للجصاص ٨٨/٣، وتفسير القرطبي ١٠٤/٨، والزرقاني ٣/ ١٤٢، والحطاب ٣٨١/٣، والجمل ٢١٥/٥، والمغني ٥٢٩/٨ - ٥٣١ (٢) المراجع السابقة، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٩٥ (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٧، ولأبي يعلى ص١٩٥ - ١٨٨ - حرم ٨ - ٩ وقال الحنفية: لا يمنع الذمي من دخول الحرم، ولا يتوقف جواز دخوله علی إذن مسلم ولو كان المسجد الحرام . (١) يقول الجصاص في تفسير قوله تعالى : ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام): (٢) يجوز للذمي دخول سائر المساجد، وإنما معنى الآية على أحد الوجهين: إما أن یکون النهي خاصا في المشرکین الذین کانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد، لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف وهم مشركو العرب. أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة﴾(٣) الآية، وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج، لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت في مواسم الحج . (٤) مرض الكافر في الحرم وموته : ٨ - تقدم أن الكافر لا يجوز له الدخول إلى الحرم. عند الجمهور. فلو دخل مستورا ومرض أخرج إلى الحل. وإذا مات في الحرم حرم دفنه فیه، (١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٦٩، وتفسير الجصاص ٨٨/٣ (٢) سورة التوبة / ٦٨ (٣) سورة التوبة / ٢٨ (٤) تفسير الأحكام للجصاص ٨٨/٣ فإن دفن نبش قبره ونقل إلى الحل، إلا أن یکون قد بلي فيترك كما ترك أموات الجاهلية . (١) القتال في الجرم : ٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أن من دخل الحرم مقاتلا وبدأ القتال فيه، يقاتل، لقوله تعالى : ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾. (٢) وكذلك من ارتكب في الحرم جريمة من جرائم الحدود أو القصاص مما يوجب القتل فإنه يقتل فيه اتفاقا لاستخفافه بالحرم، كما سيأتي في الفقرة التالية . واختلفوا في قتال الكفار والبغاة على أهل العدل في الحرم إذا لم يبدءوا بالقتال. فذهب طاووس والحنفیة، وهو قول ابن شاس وابن الحاجب من المالكية، وصححه القرطبي، وقول القفال والماوردي من الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه يحرم قتالهم في الحرم مع بغيهم. ولكنهم لا یطعمون ولا يسقون ولا یؤوون ولا يبايعون حتى يخرجوا من الحرم، لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم (١) تفسير القرطبي ٧/ ١٠٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٧، ولأبي يعلى ص١٩٥، والمغني ٨/ ٥٣١ (٢) سورة البقرة / ١٩١ - ١٨٩ - حرم ٩ فيه﴾ قال مجاهد: الآية محكمة، فلا يجوز قتال أحد إلا بعد أن يقاتل. ولقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾.(١) ولقوله وَ ل: ((إن هذا البلد حرمه الله تعالی یوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار)) . (٢) وقال الشافعية في المشهور عندهم وصوبه النووي: إنه إذا التجأ إلى الحرم طائفة من الكفار والعياذ بالله، أوطائفة من البغاة، أو قطاع الطريق يجوز قتالهم في الحرم فقد ورد عن أبي شريح العدوي عن رسول الله وَل ل أنه قال: «إن مکة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامریء يؤمن بالله واليوم الآخر أن یسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص لقتال رسول الله : ﴿ فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ټ﴾ ولم یأذن لکم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس)). (٣) وهذا قول سند وابن عبد البرمن المالكية، (١) سورة العنكبوت / ٦٧ (٢) حديث: ((إن هذا البلد حرمه الله .... )) سبق تخريجه ف/ ٢ (٣) حديث: ((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤١ ط السلفية) مسلم (٩٨٧/٢ - ٩٨٨ ط الحلبي) وصوبه ابن هارون في الحاصر من الحج، وحكى الحطاب عن مالك جواز قتال أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، قال: وهو قول عكرمة وعطاء. وهذا قول للحنابلة أيضا، فقد جاء في تحفة الراكع والساجد: فإن بغوا على أهل العدل قاتلهم على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال. واستدل من أجاز القتال في الحرم بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾(١) وقالوا: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾. (٢) وقالوا أيضا: إن النبي صل دخل مكة وعليه المغفر، فقيل: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه. (٣) وأجابوا عن الأحاديث الواردة في تحريم القتال بمكة أن معناها تحريم نصب القتال عليهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك. ولأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع، ولأن تكون محفوظة في حرمه أولی من أن تكون مضاعة فيه. (٤) (١) سورة التوبة / ٥ (٢) سورة البقرة / ١٩١ (٣) حديث: ((دخل مكة وعليه المغفر)) سبق تخريجه ف / ٦ (٤) ابن عابدين ٢/ ٢٥٦، والبدائع ٧/ ١١٤، وجواهر = - ١٩٠ - ١ حرم ١٠ ج - قطع نبات الحرم : ١٠ - واتفق الفقهاء على تحريم قطع أو قلع نبات الحرم إذا كان مما لا يستنبته الناس عادة وهو رطب، كالطرفاء، والسلم، والبقل، البري، ونحوها، سواء أكان شجرا أم غيره، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾.(١) ولما ورد في الحديث أن النبي بَّم قال: ((حرم الله مكة)) إلى قوله: ((لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها)).(٢) ويستوي في الحرمة المحرم وغيره، لأنه لا تفصيل في النصوص المقتضية للأمن. ولأن حرمة التعرض لأجل الحرم، فيستوي فيه المحرم وغيره باتفاق الفقهاء. (٣) واستثني من ذلك الإِذخر، لما ورد أن النبي وَ﴾ لما قال في الحديث السابق: ((لا يعضد = الإكليل ٢٠٧/١، والحطاب ٢٠٣/٣، ٢٠٤، والقرطبي ٣٥١/٢، و٣٥٣، وشفاء الغرام ١/ ٧٠، والمجموع ٧/ ٢١٥، وإعلام الساجد ص١٠٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٦، وتحفة الراكع والساجد ص١١٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٩٣ (١) سورة العنكبوت / ٦٧ (٢) حديث: ((حرم الله مكة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢١٣/٣ - ط السلفية) (٣) البدائع ٥/ ٢٠٠ ومابعدها، وتبيين الحقائق ٢/ ٧٠، وجواهر الإكليل ١٩٨/١، ١٩٩، ومغني المحتاج = شجرها)) قال العباس رضي الله عنه إلا الإِذخر يارسول الله فإنه متاع لأهل مكة لحیهم ومیتهم، فقال النبي ◌َّ: ((إلا الإِذخر)). (١) والمعنى فيه ما أشار إليه العباس رضي الله عنه وهو حاجة أهل مكة إلى ذلك في حياتهم ومماتهم. (٢) وألحق بعض الفقهاء (المالكية) بالإِذخر السنا والسواك والعصا وما أزيل من النبات بقصد السكنى بموضعه للضرورة. كما ألحق به جمهور الشافعية والقاضي وأبوالخطاب من الحنابلة الشوك كالعوسج وغيره من كل ماهو مؤذ. (٣) وأطلق غيرهم القول بالحرمة ليشمل سائر الأشجار والحشيش إلا ما ورد النص باستثنائه وهو الإِذخر، وذلك لما جاء في حديث أبي هريرة: (ولا يختلى شوكها) أي مكة. ولأن الغالب في شجر الحرم الشوك، فلما حرم النبي ◌َّلي قطع شجره والشوك غالبه كان ظاهرا في تحریمه . (٤) ٥٢٧/١، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٧، ولأبي يعلى ص١٩٤، والمغني لابن قدامة ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٢، والشرقاوي ١/ ٤٦٤ (١) حديث: ((حرم الله مكة ... )) سبق تخريجه آنفا. (٢) نفس المراجع. (٣) الشرح الصغير ١١٠/٢، ١١١، والحطاب، ١٧٨/٣، وجواهر الإكليل ١٩٨/١، ١٩٩، والمغني ٣/ ٣٥٠ (٤) المغني ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١ - ١٩١ - حرم ١٠ - ١١ ولا بأس بأخذ الكمأة (الفقع) لأنهما لا أصل لهما فليسا بشجر ولا حشيش.(١) أما اليابس من شجر الحرم وحشيشه فلا يحرم الانتفاع به عند جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة)، لأنه بمنزلة الميت لخروجه عن حد النمو. (٢) وقال المالكية : لا فرق بين أخضره ويابسه. (٣). ويجوز قطع وقلع ما يستنبته الناس عادة کخس، وبقل، وکرات، وحنطة، وبطیخ، وقثاء ونخل وعنب، وإن لم يعالج بأن نبت بنفسه، اعتبارا بأصله، فإن الناس من لدن رسول الله يحقله إلى يومنا هذا يزرعونه في الحرم ويحصدونه من غير نکیر من أحد. ولا فرق في الجواز بين الشجر وغيره عند جمهور الفقهاء. والمذهب عند الشافعية أن ما . استنبته الأدمي من الشجر كغير المستنبت في الحرمة والضمان، لعموم الحديث المانع من قطع الشجر. والقول الثاني عندهم : قياسه بالزرع كالحنطة والشعير والخضروات، فإنه يجوز قطعه ولا ضمان فيه بلا خلاف . (١) كشاف القناع ٢/ ٤٧٠، والبدائع ٢١٠/٢ (٢) البدائع ٢١٠/٥، ومغني المحتاج ١/ ٥٢٧، والمغني ٣٥١/٣، وكشاف القناع ٢/ ٤٧٠، والزيلعي ٢/ ٧٠ (٣) الشرح الصغير ١١٠/٢، وجواهر الإكليل ١/ ١٩٨ وإذا كان أصل الشجرة في الحرم وأغصانها في الحل فهي من شجر الحرم، وإن كان أصلها في الحل وأغصانها في الحرم فهي من الحل اعتبارا للأصل.(١) رعي حشيش الحرم والاحتشاش فيه ١١ - يجوزرعي حشيش الحرم عند جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية، وهو وجه عند الحنابلة، وقول أبي يوسف من الحنفية) لأن الهدي کان یدخل إلى الحرم فیکثر فيه فلم ينقل أنهم کانوا یکمون أفواهه، ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه الإِذخر. ولا يجوز ذلك عند أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عند الحنابلة، لأنه لما منع من التعرض لحشيش الحرم استوى فيه التعرض بنفسه وبإرسال البهيمة علیه، لأن فعل البهيمة يضاف إلى صاحبها، كما في الصيد فإنه لما حرم عليه التعرض استوی فیه اصطياده بنفسه، وبإرسال الكلب، كذا هذا. (٢) أما الاحتشاش أي قطع نبات الحرم للبهائم (١) البدائع ٢/ ٢١٠ - ٢١١، وجواهر الإكليل ١٩٨/١، ومغني المحتاج ٥٢٧/١، والمغني لابن قدامة ٣٤٩/٣ - ٣٥٢ (٢) البدائع ٢/ ٢١٠ - ٢١١، والحطاب ١٧٨/٣، ١٧٩، ونهاية المحتاج ومغني المحتاج ٥٢٨/١، وكشاف القناع ٤٧١/٢ - ١٩٢ - ١ حرم ١٢ - ١٣ فمنعه الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة وهو رواية عند الشافعية) لقوله صل: ((لا يختلى خلاها))(١). وفي الأصح عند الشافعية حل أخذ نباته من حشيش أو نحوه بالقطع لا بالقلع لعلف البهائم للحاجة إليه کالإذخر. والخلاف فیما لا يستنبته الناس عادة: أما ما يستنبته الناس عادة فيجوز فيه الاحتشاش اتفاقا . (٢) ضمان قطع النبات في الحرم: ١٢ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أن من قطع ما يحرم من نبات الحرم فعليه ضمانه محرما كان أو حلالا . واستدلوا بفعل عمر، وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهما فقد أمر عمر بشجر كان في المسجد يضر بأهل الطواف فقطع وفداه. ويقول ابن عباس: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة. والدوحة الشجرة العظيمة، والجزلة الصغيرة . ثم اختلفوا في نوع الضمان: فقال الشافعية والحنابلة: تضمن الشجرة الكبيرة والمتوسطة عرفا ببقرة، والصغيرة بشاة، لما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما . (١) الخلا: الرطب من الحشيش ويختلى: أي يقطع (مختار الصحاح). (٢) المراجع السابقة والشرح الصغير ٢/ ١١٠ ويضمن الغصن بما نقص. وإن قلع شجرا من الحرم فغرسه في الحل لزمه رده، فإن تعذر أو يبست وجب الضمان. وقال الحنفية: الضمان في جميع الصور بالقيمة. واتفق الجمهور على أنه لا يكون للصوم في جزاء قطع نبات الحرم مدخل، لأن حرمته بسبب الحرم لا بالإِحرام، ولهذا يجب على المحرم والحلال على السواء. أما المالكية فمع قولهم بحرمة قطع نبات الحرم الذي يحرم قطعه. قالوا: إن فعل فليستغفر الله، ولا جزاء عليه. (١). صيد الحرم : ١٣ - اتفق الفقهاء على أنه يحرم في الحرم صيد الحيوان البري، وهو ما يكون توالده وتناسله في البردون البحري وهو ما يكون توالده في البحر. والمراد بصيد الحيوان البري أن يكون الحيوان متوحشا في أصل الخلقة، ولو صار مستأنسا، نحو الظبي المستأنس. ويستوي عند الحنفية والمالكية أن يكون مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم. وقيده الشافعية والحنابلة بأن يكون مأكول (١) البدائع ٢/ ٢١٠، والشرح الصغير ٢/ ١١٠، والحطاب ١٧٨/٣، ومغني المحتاج ٥٢٧/١، ونهاية المحتاج ٣٤٣/٣، والمغني لابن قدامة ٣٥٢/٣، وكشاف القناع ٤٧١/٢ - ١٩٣ - حرم ١٣ - ١٤ اللحم، فلا يحرم صيد الحيوان البري غير مأکول اللحم عندهم. ودليل حرمة صيد الحرم قوله مقلية: ((إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض)) إلى قوله: ((لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها)). (١) وحرمة صيد الحرم تشمل المحرم والحلال، كما تشمل الحرمة إيذاء الصيد أو الاستيلاء عليه وتنفيره أو المساعدة على الصيد بأي وجه من الوجوه، مثل الدلالة علیه، أو الإِشارة إليه أو الأمر بقتله. (٢) ومن ملك صيدا في الحل فأراد أن يدخل به الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأن الحرم سبب محرم للصيد ويوجب ضمانه، فحرم استدامة إمساكه کالإِحرام، فإن لم يرسله وتلف فعلیه ضمانه، فإن باعه رد البيع إن بقي، وإن فات فعليه الجزاء. وقال الشافعية : لو أدخل الحلال معه إلى الحرم صيدا مملوکا له لا یضمنه، بل له إمساكه فيه والتصرف فيه كيف شاء، لأنه صيد حل. (١) حديث: ((لا يختلى خلاها ولا يعضد ... )) سبق تخريجه ف/ ٩ (٢) البدائع ٢٠٧/٢، ٢٠٩، الزيلعي ٦٣/٢، ٦٩، وابن عابدين ٢١٢/٢، والدسوقي ٢/ ٧٢، والحطاب ١٧٠/٣، ١٧١، ومغني المحتاج ٥٢٤/١، والمغني ٣٤٤/٣، ٣٤٥ ولو رمی من الحل صيدا في الحرم ضمنه عند جمهور الفقهاء، لأنه صيد الحرم. وكذا لورمی من الحرم صيدا في الحل عند الجمهور، لأن بداية الرمي من الحرم. وقال أشهب من المالكية وهو رواية عند الحنابلة: لا يضمن نظرا لانتهاء الرمية . وضمان الصيد يكون بالمثل فيما له مثل من النعم، أو القیمة فیه، وفيما لا مثل له بتقویم رجلين عدلين يتصدق بها على المساكين على النحو المبين في جزاء الإحرام. ينظر في مصطلح (إحرام: ف ١٦٠ - ١٦٤). وفي الزيلعي ولا يجزيه الصوم لأنه غرامة كغرامة الأموال وشجر الحرم. والجامع أنهما ضمان المحل لا جزاء الفعل. (١) ١٤ - ولا يجوز للمحرم ولا للحلال أكل لحم صيد الحرم البري، ولا الانتفاع به بأي وجه من الوجوه. أما صيد البحر فحلال أكله للمحرم والحلال لقوله تعالى : ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة، وحرم علیکم صيد البرمادمتم حرما﴾.(٢) أما إذا صاد الحلال صيدا خارج الحرم فهل (١) ابن عابدين ٢١٧/٢، الزيلعي ٦٨/٢ - ٦٩، والمغني ٣٤٥/٣، ٣٤٦، وجواهر الإكليل ١٩٥/١ - ١٩٨ ومغني المحتاج ٥٢٤/١، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٩٤ (٢) سورة المائدة/ ٩٦ - ١٩٤ - حرم ١٥ - ١٦ يحل للمحرم أکله أم لا؟(١) فيه خلاف وتفصیل سبق في مصطلح: (إحرام)(٢) وتفصيل أحكام الصيد في مصطلح: (صيد). ما يجوز قتله في الحرم: ١٥ - اتفق الفقهاء على جواز قتل الغراب والحدأة، والعقرب، والحية، والفأرة، والكلب العقور، والذئب في الحل والحرم، لما ورد في الحديث المتفق عليه أن النبي وش لي قال: ((خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور))(٣) وروي عنهټ أنه قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحِدّيا)). (٤) والغراب الأبقع هو الذي يأكل الجيف، فلا يجوز صيد الغراب الصغير الذي يأكل الحب. (١) المراجع السابقة، والدسوقي ٧٢/٢، ومطالب أولي النهى ٣٣٣/٢، والمهذب ٧/ ٤٢٣ (٢) الموسوعة ٢/ ١٦٤ ف٨٧ (٣) حديث: ((خمس من الدواب ليس على المحرم ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٦/ ٣٥٥ - ط السلفية)، ومسلم (٨٥٨/٢ - ط الحلبي). من حديث عبد الله بن عمر واللفظ لمسلم. (٤) حديث: ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ... )) أخرجه مسلم (٨٥٦/٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة . وفي قول عند المالكية: لا يجوز قتل الحدأة الصغيرة أيضا لانتفاء الإِيذاء منها . (١) وأجاز جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) قتل كل مؤذ بطبعه كالأسد والنمر والفهد وسائر السباع، خلافا للحنفية في السباع غير الصائلة ونحوها كالبازي والصقر. كما أجاز الجمهور قتل سائر الهوام والحشرات. واستثنى المالكية من الجواز قتل ما لا يكون مؤذيا منها. (٢) وقد سبق تفصيله في مصطلح (إحرام). (٣) نقل تراب الحرم : ١٦ - صرح الشافعية بحرمة نقل تراب الجرم وأحجاره وما عمل من طینه ۔ کالأباريق وغيرها - إلى الحل، فيجب رده إلى الحرم، ونقل عن بعض الشافعية كراهته. قال الزركشي في أعلام الساجد: يحرم نقل تراب الحرم وأحجاره عنه إلى جميع البلدان، وهذا هو الأصح والذي أورده الرافعي كراهته. وعند الحنفية أنه لا بأس (١) الزيلعي ٦٦/٢، وابن عابدين ٢١٨/٢، ٢١٩، مواهب الجليل ١٧٣/٣، والدسوقي ٧٤/٢، وجواهر الإكليل ١٩٥/١، والقليوبي ١٣٧/٢، ١٣٨، ونهاية المحتاج ٣٣٣/٣، والمغني لابن قدامة ٣٤١/٣ - ٣٤٣ (٢) المراجع السابقة، والبدائع ١٩٥/٢ - ١٩٧، وجواهر الإكليل ١٩٤/١ - ١٩٥ (٣) الموسوعة ١٦٦/٢ - ١٦٨ ف٨٩ - ٩٢. - ١٩٥ - : حرم ١٧ بإخراج أحجار الحرم وترابه، نقله الشافعي في الأم، وهو المنقول عن عمر وابن عباس، لكنهما کرهاه. وذهب الحنابلة إلى أنه لا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل إليه من الحل، ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والإِخراج أشد في الكراهة . (١) أما نقل تراب الحل إلى الحرم فجوزه الفقهاء، لكنه قال بعضهم: مكروه. وقال بعضهم: خلاف الأولى، لئلا يحدث لها حرمة لم تکن. ولا خلاف في جواز نقل ماء زمزم إلى الحل لأنه يستخلف، فهو كالثمرة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن النبي ◌َ® كان يحمله .(٢) ولم نعثر في كتب الحنفية والمالكية على نص في الموضوع. بيع رباع(٣) الحرم وكراؤها: ١٧ - يرى الحنفية وهو المشهور عن مالك ورواية (١) مغني المحتاج ١/ ٥٢٨، وأعلام الساجد ص١٣٧ - ١٣٨، والمجموع للنووي ٤٥٨/٧، وكشاف القناع ٤٧٢/٢ (٢) نفس المراجع (٣) الرباع - بكسر الراء - المنازل ودار الإِقامة. كشاف القناع ١٦٠/٣ عن أحمد، أنه لا يجوز بيع رباع الحرم وبقاع المناسك ولا کراؤها، لحديث: (مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجر بيوتها)(١) وروي عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة قال: (توفي رسول الله ل# وأبو بكر وعمر ودور مكة کانت تدعی السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن). قال في البدائع: ثبت عن النبي وَّل قوله: ((إن مكة حرام)) وهي اسم للبقعة، والحرام لا يكون محلا للتمليك. وعلل البهوتي التحريم بأن مكة فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين فصارت وقفا على المسلمين . (٢) وقال الشافعية ، وهو رواية عن مالك وأحمد وهو غير المشهور، عن أبي حنيفة إنه يجوز بيع وإجارة دور الحرم، لأنها على ملك أربابها، يجوز لهم التصرف فيها ببيع، ورهن، وإجارة. قال الله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم﴾ (٣) فنسب الديار إلى (١) حديث: ((مكة حرام، وحرام بيع رباعها وحرام ... )) أخرجه الدارقطني (٥٧/٣ - ط دار المحاسن) من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعا وصوب الدارقطني وقفه على عبدالله بن عمرو. (٢) البدائع ٥/ ١٤٦، والفروق وعلى هامشها التهذيب ٤/ ١٠ - ١١، والأعلام للزركشي ١٤٦، ١٤٧، وكشاف القناع ١٦٠/٣ (٣) سورة الحشر/ ٨ - ١٩٦ - حرم ١٨ المالكين. وقال النبي ◌َّ: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))(١) نسب الدار إلى مالكها. وقال ◌َّ أيضا: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور)». (٢) واستدلوا للجواز أيضا بعموم النصوص الواردة في جواز البيع من غير فصل. ولأن الأصل في الأراضي أن تكون محلا للتمليك، إلا أنه امتنع تملك بعضها شرعا لعارض الوقف كالمساجد، ولم يوجد في الحرم. وقال بعض الفقهاء: بالجواز مع الكراهة . وقيد بعض الفقهاء، منهم أبوحنيفة ومحمد وهو رواية عن مالك - كراهة إجارة بيوت مكة بالموسم من الحاج والمعتمر، لكثرة احتياج الناس إليها - أما من المقيم والمجاور فلا بأس بها . هذا، وقد بحث الزركشي هذا الموضوع مع اتجاهات الفقهاء وأدلتهم بإسهاب . (٣) : وينظر تفصيله أيضا في مصطلح : (رباع). ما اختص به الحرم من أحكام أخرى: أ - نذر المشي إلى الحرم والصلاة فيه: ١٨ - جمهور الفقهاء على أنه لو نذر المشي إلى (١) حديث: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)). أخرجه مسلم (١٤٠٦/٣ - ط الحلبي)). (٢) حديث: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور)). أخرجه البخاري (الفتح ٤٥١/٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٨٤ - ط الحلبي) من حديث أسامة بن زيد. (٣) المراجع السابقة. وأعلام الساجد للزركشي ص١٤٣ - ١٥٢ بيت الله أو إتيانه ولم ينوشيئا آخر ولم يعينه فعليه أحد النسكين: (الحج أو العمرة) لأنه قد تعورف إيجاب النسك بهذا اللفظ فكان كقوله : عليّ أحد النسكين. ولما ورد من حدیث أخت عقبة أنها نذرت أن تمشي إلى بيت الله فأمرها النبي و لو أن تمشي وتركب. (١) وكذا إذا نذر المشي إلى مكة أو إلى الكعبة فهو كقوله إلى بيت الله. (٢) أما إذا نذر الإِتيان أو المشي إلى الحرم أو المسجد الحرام أو غير ذلك، أو نوى ببيت الله مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، أو سائر المساجد فاختلفت عبارات الفقهاء: قال الحنفية: لوقال: عليّ المشي إلى الحرم أو المسجد الحرام لا شيء عليه عند أبي حنيفة لعدم العرف في التزام النسك به. وقال الصاحبان: يلزمه النسك أخذا بالاحتياط لأنه لا يتوصل إلى الحرم ولا المسجد الحرام إلا بالإِحرام فكان بذلك ملتزما للإِحرام، ولو نوى بقوله (بيت الله) مسجد المدينة المنورة أو بيت المقدس أو مسجدا غيرهما لم يلزمه شيء، لأن (١) حديث أخت عقبة بن عامر ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٧٩ - ط السلفية)، ومسلم (٧٩/٥ - الحلبي). (٢) فتح القدير ٨٨/٣، وابن عابدين ١٥٣/٢، وجواهر الإكليل ٢٤٦/١، ومغني المحتاج ٣٦٢/٤، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٥ - ١٦ - ١٩٧ - حرم ١٨ - ١٩ النذر إنما يجب وفاؤه ۔ عند الحنفية - إذا كان من جنسه واجب، إذ المساجد كلها بيوت الله ، وسائر المساجد يجوز الدخول فيها بلا إحرام فلا يصير به ملتزما للإِحرام . وذهب المالكية إلى أنه لونذر المشي إلى مسجد مکة ولو لصلاة یلزمه، کما یلزم نادر المشي إلى مكة أو البيت الحرام أو جزئه المتصل به کبابه، ورکنه، وملتزمه، وشاذروانه وحجره. ولا يلزم المشي لغير ذلك، سواء أكان في المسجد الحرام والحرم، كزمزم والمقام، والصفا والمروة، أو خارجا عن الحرم كعرفة. (١) وقال الشافعية: إذا نذر المشي إلى بيت الله أو إتيانه وقصد البيت الحرام، أو صرح بلفظ الحرام، فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة. أما إذا لم يقل البيت الحرام ولا نواه، أو نذر أن يأتي عرفات ولم ينو الحج لم ينعقد نذره، لأن بيت الله تعالى يصدق على بيته الحرام وعلى سائر المساجد، ولم يقيده بلفظ ولا نية. ولو نذر إتيان مكان من الحرم كالصفا أو المروة، أو مسجد الخيف، أومنی، أومزدلفة، لزمه إتيان الحرم بحج أو عمرة، لأن القربة إنما تتم في إتيان بنسكه، والنذر محمول على الواجب. وحرمة الحرم شاملة لجميع ما ذكر من (١) فتح القدير ٨٨/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٢٥٣، وجواهر الإكليل ٢٤٦/١ الأمكنة ونحوها في تنفير الصيد وغيره. (١) وتفصيل المسألة في مصطلح ؛ (نذر) وانظر أيضا مصطلح : (المسجد الحرام). ب - لقطة الحرم. ١٩ - اللقطة هي المال الضائع من ربه يلتقطه غيره. ولا فرق عند جمهور الفقهاء بين لقطة الحرم والحل في الأحكام الفقهية من أن أخذها من غيرنية التملك مأذون فيه شرعا، وصرح بعضهم بوجوب الأخذ إذا خاف الضياع، وهي أمانة في يد الآخذ (الملتقط) ويشهد على أخذها، لقوله ◌َل: ((من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أوذوي عدل، ولا يكتم، ولا يغيّب، فإن وجد صاحبها فلیردها عليه، وإلا فهومال الله عز وجل يؤتيه من يشاء)). (٢) ويجب تعريف اللقطة إلى سنة أو إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها. وتختلف بعض أحكامها على حسب اختلاف نوعية اللقطة وقيمتها، وهل يملكها بعد التعريف أو يتصدق بها أو يحبسها في ذلك خلاف (١) مغني المحتاج ٣٦٢/٤، ٣٦٣، والمغني لابن قدامة ٩/ ١٥ -١٦ (٢) حديث: ((من وجد لقطة فليشهد ذا عدل ... )). أخرجه أبو داود (٢/ ٣٣٥ ۔ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث عياض بن حمار وإسناده صحيح . - ١٩٨ - حرم ٢٠ - ٢١ وتفصيل، (١) ينظر في مصطلح: (لقطة). وفي الصحيح عند الشافعية وهو رواية عن أحمد وقول الباجي وابن رشد وابن العربي من المالكية: إنه لا تحل لقطة الحرم للتملك بل تؤخذ للحفظ ويجب تعريفها أبدا، لحديث: ((فإن هذا بلد حرم الله، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها))(٢) ففرق بينها وبين لقطة غير الحرم، وأخبر أنها لا تحل إلا للتعريف، ولم يوقت التعریف بسنة کغیرها. فدل على أنه أراد التعريف على الدوام. والمعنى فيه أن حرم مكة شرفها الله تعالى مثابة للناس يعودون إليه المرة بعد الأخرى، فربما يعود مالكها أو يبعث في طلبها بعد السنة . (٣) الغسل لدخول الحرم : ٢٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه یسن الغسل لدخول الحرم، وذلك تعظيما لحرمته، قال (١) الزيلعي ٣٠١/٣ - ٣٠٤، والبدائع ٦/ ٢٠٢، وحاشية الدسوقي ١٢١/٤، وقوانين الأحكام ٢٢٥، ومغني المحتاج ٢/ ٤١٧، والمغني لابن قدامة ٧٠٦/٥، وفتح القدير ٤/ ٤٣٠، وأعلام الساجد ١٢٥، وقليوبي ٣/ ١٢٠ (٢) حديث : فإن هذا بلد حرم الله ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٧ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن عباس. (٣) المراجع السابقة . الزركشي : ويستحب الغسل لدخول مكة اتفاقا لما في الصحيحين عن ابن عمر أنه كان لا يقدم مکة إلا بات بذي طوی حتی یصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا، ويذكر عن النبي ولغير أنه فعله . (١) ولا فرق بین أن یکون الداخل محرما أو حلالا . (٢) المؤاخذة بالهم : ٢١ - من اختصاصات الحرم أن الإنسان إذا هم بسیئة فیه یؤاخذ به وإن لم يفعلها، بخلاف سائر البلدان فإنه إذا هم الإِنسان فيها بسيئة لا يؤاخذ بهمه مالم يفعلها . ووجه المؤاخذة بالهم في الحرم قوله تعالی : ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾. (٣) وروى أحمد من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في الآية قال: (لو أن رجلاهم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين (٤) لأذاقه الله عذابا أليما) (١) حديث ابن عمر أنه کان لا یقدم مکة إلا بات بذی طوی)). أخرجه البخاري (الفتح ٤٣٥/٣ - ط السلفية)، ومسلم (٩١٩/٢ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم. (٢) الأشباه لابن نجيم ص٣٦٩، ومغني المحتاج ١/ ٤٧٩، والشرح الصغير ٢/ ٤١، وأعلام الساجد للزركشي ص١١٤، ١١٥، وتحفة الراكع والساجد ص١٠٧ (٣) سورة الحج/ ٢٥ (٤) عدن أبين جزيرة باليمن. - ١٩٩ - حرم ٢٢ - ٢٣ وذلك تعظيما لحرمة الحرم - وكذلك فعل الله بأصحاب الفيل.(١) المجاورة بمكة والحرم : ٢٢ - تستحب المجاورة بمكة والحرم عند جمهور الفقهاء (الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد وهو قول ابن القاسم من المالکیة) وذلك لما يحصل من الطاعات التي لا تحصل في غيرها من الطواف وتضعيف الصلوات والحسنات. وحكي عن بعض الفقهاء منهم أبوحنيفة كراهة المجاورة بالحرم خوفا من التقصير في حرمته والتبرم واعتياد المكان. ولما يحصل بالمفارقة من تهييج الشوق وانبعاث داعية العود. .قال تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾(٢) أي یثوبون إليه، ويترددون إليه مرة بعد أخرى. وعلل بعضهم الكراهة بالخوف من ركوب الخطايا والذنوب فيه . (٣). تضاعف الصلاة والحسنات في الحرم : ٢٣ - اتفق الفقهاء على أن صلاة في المسجد (١) الأشباه ص٣٦٩، وشفاء الغرام ١ / ٦٨، ٦٩، وأعلام الساجد ١٢٩، وتحفة الراكع والساجد ص١٠٧ (٢) سورة البقرة/ ١٢٥ (٣) الأشباه ص٣٦٩، وشفاء الغرام ص٨٤، وأعلام الساجد ص١٢٩، ١٣٠ الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، لما ورد فيها من أحاديث : منها قوله مثل: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (١) والمعنى أن الصلاة فيه تفضل على مسجد الرسول الخير. (٢) وذكر بعض الفقهاء أن حرم مكة كالمسجد الحرام في المضاعفة المذكورة بناء على أن المسجد الحرام في الخبر المراد به جميع الحرم، ويتأيد بقوله تعالى: ﴿والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾(٣) وقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، (٤) وكان ذلك من بیت أم هانیء. وقيل : المراد به مسجد الجماعة الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه. وقد ذكر في رواية النسائي في سننه من حديث ميمونة: ((إلا (١) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣/ ٦٣ - ط السلفية) ومسلم (١٠١٢/٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة (٢) أعلام الساجد ١١٥، وشفاء الغرام ٧٤/١ - ٨٢ والأشباه لابن نجيم ص٣٦٩ (٣) سورة الحج/ ٢٥ (٤) سورة الإسراء/ ١ - ٢٠٠ - ٠ 1 .