Indexed OCR Text

Pages 301-320

حبس ٥٦ - ٥٧
أنس: إنهم ارتدوا عن الإِسلام ولحقوا بالمشركين
ما سبيلهم إلا القتل. فقال عمر: لأن آخذهم
سلما أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس. فقال
أنس: وما تصنع بهم؟ قال عمر: أعرض عليهم
أن يرجعوا إلى الإِسلام فإن فعلوا وإلا
استودعتهم السجن. ويروى في هذا أيضا أن
معاذ بن جبل قدم علی أبي موسی الیمن فوجد
عنده رجلا موثقا فقال: ما هذا؟ قال : رجل کفر
بعد إسلام، ثم دعاه إلى الجلوس فقال معاذ:
لا اجلس حتی یقتل هذا ۔ ثلاث مرات - قضاء
الله ورسوله، فأمر به فقتل . (١)
وفي المرتد الذي يحبس، ومدة حبسه ومسائل
أخرى تتعلق بالمرتد تفصيلات تنظر في
مصطلح : (ردة).
ب - الحبس الزندقة :
٥٦ - يطلق لفظ الزنديق على كل من أسرّ الكفر
وأظهر الإِيمان حتى بدر منه ما يدل على خبيئة
نفسه. (٢) وللعلماء قولان في حكم الزنديق :
(١) بدائع الصنائع ١٣٤/٧، والاختيار ١٤٥/٤، والخراج
ص١٩٥، والمغني لابن قدامة ١٢٤/٨، وفتح الباري
٢٦٩/١٢، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٨٣، وخبر أنس بن مالك
أخرجه البيهقي ٨/ ٢٠٧، وعبدالرزاق ١٠/ ١٦٦، وخبر
معاذ بن جبل متفق علیه کما في اللؤلؤ والمرجان برقم ١١٩٨
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٨٤، الطبعة الأولى، وجواهر
الإكليل ٢/ ٢٥٧، وحاشية القليوبي ١٤٨/٣
القول الأول : إذا عثر على الزنديق يقتل ولا
يستتاب، ولا يقبل قوله في دعوى التوبة إلا إذا
جاء تائبا قبل أن يظهر عليه. وهذا مذهب
المالكية وأحد قولي الحنفية والشافعية والحنابلة،
وقول اللیث وإسحاق .
وعلة ذلك: أنه لا تظهر منه علامة تبين
رجوعه وتوبته لأنه كان مظهرا للإِسلام مسرا
للكفر، فإذا أظهر الإِسلام لم يزد جديدا. (١)
القول الثاني : الزنديق يحبس للاستتابة
كالمرتد، وهو الرواية الأخرى عن الحنفية
والشافعية والحنابلة، والمروي عن علي وابن
مسعود، وبه قال بعض المالكية كابن لبابة .
واستدلوا بأن النبي وَّه لم يكن يقتل المنافقين
مع معرفته بهم، فهو الأسوة في إبقائهم على
الحياة واستتابتهم كالمرتدين. (٢)
ج - حبس المسيء إلى بيت النبوة :
٥٧ - من سبّ أحدا من أهل بيت النبوة یضرب
ويشهر ويحبس طويلا، لاستخفافه بحق
(١) كفاية الطالب ٢/ ٢٥٩، والقوانین لابن جزي ص٢٣٩ ،
ومعين الحكام ص١٩٣، وغياث الأمم ص٢٣١، وشرح
المحلي على منهاج الطالبين ١٧٧/٤، والمغني لابن قدامة
١٢٦/٨
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٩٢/٣ و٢٢٥/٤، وشرح المحلي
١٧٧/٤، والمغني لابن قدامة ١٢٦/٨ - ١٢٧، وتبصرة
الحكام ٢/ ٢٨٣
- ٣٠١ -

حبس ٥٨
الرسول ﴾. (١) ومن شتم العرب أولعنهم أو
بني هاشم سجن وضرب. ومن انتسب كذبا إلى
النبي ◌ُ * ضرب وسجن وشهر به لاستخفافه
بحقه عليه الصلاة والسلام، ولا يخلی عنه حتى
تظهر توبته. ومن شتم عائشة رضي الله عنها بما
برأها الله تعالى منه يسجن للاستتابة وإلا قتل
لردته وكفره. ومن استخف بها فعليه الضرب
الشديد والسجن الطويل. ومن سب الصحابة
أو انتقصهم أو واحدا منهم يحبس ويشدد عليه في
السجن.(٢)
د - الحبس لترك الصلاة :
٥٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أن من ترك
الصلاة جحودا واستخفافا کافر مرتد، يحبس
للاستتابة وإلا يقتل. وقد ذكروا: أن ترك
الصلاة يحصل بترك صلاة واحدة يخرج وقتها
دون أدائها مع الإصرار على ذلك. (٣)
ومن ترك الصلاة كسلا وتهاونا مع اعتقاد
(١) الشفاء ٣٣٢/٢، والقوانين الفقهية ص ٢٤٠
(٢) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣١٢/٤،
وحاشية ابن عابدين ٦٩/٤ و٢٣٥، والشفاء ٣٣٢/٢،
ومعين الحكام ص١٩٩، وجواهر الإكليل ٢٨٢/٢، ومنح
الجليل لعليش ٤٨٤/٤، ٤٨٦، وتبصرة الحكام ٢٨٥/٢
(٣) الاختيار ٣٧/١، وجواهر الإكليل ٢٧٨/٢، ومنهاج
الطالبين ٣١٩/١، ومنتهى الإرادات لابن النجار ٥٢/١،
وكفاية الطالب ٢٦٠/٢
وجوبها يدعى إليها، فإن أصر على تركها ففي
عقوبته ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجبس تارك الصلاة كسلا
ثلاثة أيام للاستتابة وإلا قتل حدا لا كفرا، وهذا
مروي عن حماد بن زيد ووكيع ومالك
والشافعي .(١)
القول الثاني: يحبس تارك الصلاة كسلا
ثلاثة أيام للاستتابة وإلا قتل كفرا وردة، حكمه
في ذلك حكم من جحدها وأنكرها لعموم
حديث: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك
الصلاة))(٢) وهذا قول علي رضي الله عنه
والحسن البصري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد
في أصح الروایتین عنه.(٣)
القول الثالث: يحبس تارك الصلاة كسلا ولا
يقتل بل يضرب في حبسه حتى يصلي، وهو
المنقول عن الزهري وأبي حنيفة والمزني من
أصحاب الشافعي. واستدلوا بحديث: ((لا
يحل دم امریء مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس
(١) بداية المجتهد ١/ ٩٠، والفروق للقرافي ٧٩/٤، ومنهاج
الطالبين ١٦/٣ - ١٧، وحاشية الرملي على أسنى المطالب
٤ /٣٠٦، والمغني لابن قدامة ٢/ ٤٤٢، والحسبة لابن
تيمية ص٨
(٢) حديث: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))
أخرجه مسلم (٨٨/١ - ط الحلبي) من حديث جابر بن
عبدالله .
(٣) المغني ٤٤٢/٢، والمجموع للنووي ١٦/٣ - ١٧
- ٣٠٢ -

حبس ٥٩ - ٦١
بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين
التارك الجماعة)) (١) وتارك الصلاة كسلا ليس
أحد الثلاثة، فلا يحل دمه بل يحبس لامتناعه
منها حتی یؤديها . (٢)
هـ - الحبس لانتهاك حرمة شهر رمضان:
٥٩ - من أفطر في رمضان جحودا واستهزاء
حبس للاستتابة وإلا قتل لأنه كافر مرتد.
ومن أفطر في رمضان کسلا وتهاونا لم يزل عنه
وصف الإِسلام ولا يقتل بإجماع الفقهاء بل
يعاقب بالحبس، ويمنع من الطعام والشراب
نهارا لیحصل له صورة الصيام، وربما حمله ذلك
علی أن ینویه فیحصل له حينئذ حقيقته. ونص
الماوردي على أنه يحبس مدة صيام شهر
رمضان. (٣)
(١) حدیث: ((لا يحل دم امسریء مسلم إلا بإحدی ثلاث:
النفس ... )) أخرجه البخاري (٦/٩ - ط محمد علي
صبيح) من حديث عبدالله بن مسعود.
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٤٤٢، وحاشية ابن عابدين
٢٤٨/١، والمجموع ١٦/٣ - ١٧، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص٥٣٢، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص٧٥
(٣) حاشية ابن عابدين ٧٦/٤، وفتح القدير ٢١٨/٤،
وحاشية الرملي ٤/ ٣٠٦، والفروق للقرافي ٤/ ٧٩،
وجواهر الإكليل للآبي ١/ ١٥٤ و٢٧٨/٢، والتذكار في
أفضل الأذكار للقرطبي ص٦٩، والأحكام السلطانية
للماوردي ص٢٢٢
ومن شرب الخمر في رمضان يضرب ثمانين
جلدة، ثم يحبس ويضرب عشرين جلدة
تعزيرا لحق رمضان. وهذا قول بعض فقهاء
الحنفية وهو المنقول عن علي رضي الله عنه. (١)
و- الحبس بسبب العمل بالبدعة والدعوة إليها :
حبس البدعي الداعية :
٦٠ - ذكر الحنفية وكثير من المالكية والشافعية
والحنابلة أن البدعي الداعية يمنع من نشر
بدعته، ویضرب ويحبس بالتدرج، فإذا لم یکف
عن ذلك جاز قتله سیاسة وزجرا، لأن فساده
أعظم وأعم، إذ يؤثر في الدين ويلبس أمره على
العامة. ونقل عن أحمد أنه يحبس ولو مؤيدا
حتى يكف عن الدعوة إلى بدعته ولا يقتل،
وبهذا قال بعض المالكية . (٢)
حبس المبتدع غير الداعية :
٦١ - نص الحنفية وبعض المالكية على
مشروعية حبس المبتدع غير الداعية وضربه إذا
لم ينفع معه البيان والنصح. وقال آخرون يعزر.
(١) غاية البيان ص٤٠١، والمصنف لعبدالرزاق ٣٨٢/٧
و٢٣١/٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٤٣/٤، وتبصرة الحكام ٢/ ٤٢٦،
والسياسة الشرعية ص١١٤، والإنصاف ٢٤٩/١٠،
وكشاف القناع للبهوتي ١٢٦/٦، والطرق الحكمية
ص١٠٥
- ٣٠٣ -

حبس ٦٢ - ٦٤
واتجه بعضهم إلى جواز قتله إذا لم يتب. وقد
حبس عمر رضي الله عنه صبیغ بن عسل
وضربه مرارا لتتبعه مشكل القرآن ومتشابهه
بقصد إرساء مبدأ الابتداع والكید في الدين
مخالفا بذلك قواعد التسليم لكلام الله تعالى كما
كان يفعل الصحابة . (١)
ز - الحبس للتساهل في الفتوى ونحوه :
حبس المفتي الماجن :
٦٢ - نص فقهاء المالكية على مشروعية حبس
وتأديب المتجرىء على الفتوى إذا لم يكن أهلا
لها. ونقل مالك عن شيخه ربيعة أنه قال:
بعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق.
وسئل بعض الفقهاء عن رجل يقول: إن
الاستمرار في شرب الدخان أشد من الزنی فماذا
يلزمه؟ فأجاب: يلزمه التأديب اللائق بحاله
كالضرب أو السجن لتجرئه على الأحكام
الشرعية وتغييره لها، لأن حرمة الزنى قطعية
إجماعية، وفي حرمة الدخان خلاف. (٢)
(١) حاشية ابن عابدين ٢٤٣/٤، ونسيم الرياض في شرح
شفاء القاضي عياض للخفاجي ٤/ ٤٧٣، وبداية المجتهد .
٤٥٨/٢، والأقضية لابن فرج ص١١، وتبصرة الحكام
٣١٧/٢، ومعين الحكام ص١٩٧، وشرح الشفا لعلي
القاري ٤٧٣/٤، والفتاوى لابن تيمية ٣١١/١٣،
والتذکار للقرطبي ص٢٠٨
(٢) فتح العلي المالك لعليش ١/ ٥٩ و١٩١ و٢٩٧/٢، والمعيار .
٥٠٢/٢
ح - الحبس للامتناع من أداء الكفارات :
٦٣ - ذكر الشافعية في قول مرجوح أن الممتنع
من أداء الكفارات يحبس. وقال المالكية: لا
يحبس بل يؤدب. (١) وقال الحنفية في الظهار:
إن المرأة المظاهر منها إذا خافت أن يستمتع بها
زوجها قبل الكفارة ولم تقدر على منعه رفعت
أمرها للحاكم لیمنعه منها، ويؤدبه إن رأى
ذلك. فإن أصر المظاهر على امتناعه من الكفارة
ألزمه القاضي بها بحبسه وضربه دفعا للضرر
عن الزوجة إلى أن يكفر أو يطلق، لأن حق
المعاشرة یفوت بالتأخیر لا إلی خلف، فاستحق
الحبس لامتناعه. (٢)
حالات الحبس بسبب الاعتداء على الأخلاق
ونحو ذلك:
أ - حبس البكر الزاني بعد جلده:
٦٤ - اتفق الفقهاء على أن حد البكر الزاني مائة
جلدة للآية: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد
منهما مائة جلدة﴾. (٣) واختلفوا في نفيه الوارد في
قوله {قلهو لرجل زنى ابنه: ((وعلى ابنك جلد مائة
وتغريب عام)). (٤)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٤٩١، وحاشية الدسوقي
٤٩٧/١، وجواهر الإكليل ١٣٩/١
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤٦٩ و٣٧٨/٥، والأشباه والنظائر
لابن نجیم ص٢١٨
(٣) سورة النور / ٦
(٤) حديث: ((على ابنك جلد مائة وتغريب عام)) أخرجه
البخاري (الفتح ١٢ / ١٦٠ - ط السلفية) ومسلم =
- ٣٠٤ -

حبس ٦٤ - ٦٦
ولهم في ذلك ثلاثة أقوال :
القول الأول : إن التغریب جزء من حد
الزنى ، وهو واجب في الرجل والمرأة، فیبعدان
عن بلد الجريمة إلى مسافة القصر، وهذا
مذهب الشافعية والحنابلة. وزاد الشافعية: أنه
إذا خيف إفساد المغرب غيره قيد وحبس في
منفاه.(١)
القول الثاني : إن التغریب جزء من حد
الزنى أيضا، وهو واجب في الرجل دون المرأة فلا
تغرب خشية عليها. وينبغي حبس الرجل
وجوبا في منفاه، وهذا مذهب المالكية والأوزاعي
للمنقول عن علي رضي الله عنه.(٢) وقال
اللخمي من أصحاب مالك: إذا تعذر تغريب
المرأة سجنت بموضعها عاما، لكن المعتمد
الأول. (٣)
القول الثالث : إن التغریب ليس جزءا من
حد الزنى بل هو من باب السياسة والتعزير
وذلك مفوض إلى الحاكم وهذا مذهب الحنفية .
= (١٣٢٥/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وزيد بن
خالد.
(١) المغني لابن قدامة ٨/ ١٦٧ - ١٦٨، وحاشية القليوبي
١٨١/٤، وحاشية الباجوري ٢/ ٢٣١، والأحكام
السلطانية للماوردي ص٢٢٣
(٢) المدونة ٦/ ٢٣٦، وكفاية الطالب ٢٦٥/٢، ونيل الأوطار
٩٥/٧
(٣) حاشية الدسوقي ٣٢٢/٤
واستدلوا بقول عمر رضي الله عنه بعد أن نفی
رجلا ولحق بالروم: لا أنفي بعدها أبدا. ويقول
علي رضي الله عنه: كفى بالنفي فتنة. وقالوا:
إن المغرب یفقد حياءه بابتعاده عن بلده ومعارفه
فيقع في المحظور. لكن إذا رأى الحاكم حبسه في
بلده مخافة فساده فعل . (١)
ب - حبس من يعمل عمل قوم لوط :
٦٥ - للفقهاء عدة أقوال في عقوبة اللواط منها
قول بحبسهما. (٢)
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (زنى،
ولواط).
ج - حبس المتهم بالقذف :
٦٦ -من أقام شاهدا واحدا علی قذفه حبس
قاذفه لاستكمال نصاب الشهادة. ومن ادعى
على آخر قذفه وبينته في المصر يحبس المدعى
عليه ليحضر المدعي البينة حتى قيام الحاكم من
مجلسه وإلا خلي سبيله بغیر كفيل، وهذا مذهب
(١) بدائع الصنائع ٣٩/٧، والدر المختار وحاشيته ٤/ ١٤
(٢) الاختيار ٩١/٤، وكفاية الطالب ٢٦٨/٢، وقيده بكونه
بين ذكرين فإن كان بامرأة فحد الزنى، وشرح المحلي على
منهاج الطالبين ١٧٩/٤، والمغني ٨/ ١٨٧، والفتاوى لابن
تيمية ٣٣٥/٢٨، وأسنى المطالب ١٢٦/٤، والروض
المربع للبهوتي ٣١٨/٧
- ٣٠٥ -

حبس ٦٧ - ٧٠
الحنفية والمالكية بخلاف الشافعية. وقال ابن
القاسم من أصحاب مالك في الذي يقوم عليه
شاهد واحد بالقذف: لا يجلد بل يسجن أبدا
حتى يحلف أنه ما أراد القذف بل الشتم والسب
والفحش في الكلام. وقيل: يسجن سنة
ليحلف، وقيل: يحد.(١)
د - حبس المدمن على السكر تعزيرا بعد حدّه:
٦٧ - روي عن مالك أنه استحب أن يلزم مدمن
الخمر السجن، ويؤيده ما روي أن عمر رضي
الله عنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني
مرات، وأمر بحبسه، فأوثق يوم القادسية، ثم
أطلق بعد توبته . (٢)
هـ - الحبس للدعارة والفساد الخلقي:
٦٨ - نص الفقهاء على وجوب تتبع أهل
الفساد، وذکروا أنهم يعاقبون بالسجن حتى
يتوبوا. فمن قبل أجنبية أو عانقها أو مسها
بشهوة أو باشرها من غير جماع يحبس إلى ظهور
توبته. ومن خدع البنات وأخرجهن من بیوتهن
(١) حاشية ابن عابدين ٤٥/٤، وبدائع الصنائع ٧/ ٥٣،
والمدونة ١٨٢/٥، ١٨٥، وتبصرة الحكام ١/ ٢٦٧،
٣٩١، ٤٠٧، وأسنى المطالب ٣٦٣/٤، وأحكام السوق
ليحيى بن عمر ص١٤٢، والقوانين الفقهية ص٢٣٥
(٢) حاشية الدسوقي ٣٥٣/٤، والخراج ص٣٣، والمصنف
لعبدالرزاق ٢٤٣/٩ و٢٤٧
وأفسدهن على آبائهن حبس.(١)
وتحبس المرأة الداعرة والقوادة وتضرب حتى
تظهر توبتها . (٢)
و - الحبس للتخنث :
٦٩ - نص الحنفية على حبس المخنث تعزيرا له
حتى يتوب، ونقل عن الإِمام أحمد رحمه الله أنه
يحبس إذا خيف به فساد الناس. وقال ابن
تيمية : إذا نفي المخنث وخيف فساده يحبس في
مکان واحد لیس معه غيره. (٣)
ز - الحبس للترجل :
٧٠ - ذكر ابن تيمية رحمه الله أن المرأة المتشبهة
بالرجال تحبس، سواء أكانت بكرا أم ثيبا، لأن
جنس هذا الحبس مشروع في جنس الفاحشة
وهو الزنى. وإذا لم يمكن حبسها عن جميع
الناس فتحبس عن بعضهم في دار وتمنع من
الخروج. (٤)
(١) حاشية ابن عابدين ٦٧/٤، وفتح القدير ٢١٨/٤،
وحاشية القليوبي ٢٠٥/٤، ومعين الحكام ص١٧٦،
وفتاوى ابن تيمية ٣١٣/١٥ - ٣١٤ و١٧٨/٣٤،
والإِفصاح لابن هبيرة ٣٩/١، والمعيار ٣٤٦/٢ - ٣٤٧
(٢) الحسبة المذهبية في بلاد المغرب لموسى لقبال ص٤٤،
وأحكام السوق ليحيى بن عمر ص١٣٣
(٣) حاشية ابن عابدين ٦٧/٤، وفتح القدير ٢١٨/٤،
وأعلام الموقعين ٤/ ٣٧٧، وفتاوى ابن تيمية ١٥/ ٣١٠
(٤) فتاوى ابن تيمية ٣١٣/١٥ - ٣١٤
- ٣٠٦ -

حبس ٧١ - ٧٦
ح - الحبس لكشف العورات في الحمامات:
٧١ - نص يحيى بن عمر القاضي الأندلسي
على سجن صاحب الحّام وغلق حمّامه إذا سهل
للناس كشف عوراتهم ورضي بذلك ولم يمنعهم
من الدخول مكشوفي العورات. (١)
ط - الحبس لاتخاذ الغناء صنعة:
٧٢ - نص الحنفية على حبس المغني حتى
يحدث توبة لتسببه في الفتنة والفساد غالبا. (٢)
حالات الحبس بسبب الاعتداء على المال :
أ - حبس العائد إلى السرقة بعد قطعه :
٧٣ - إذا قطع السارق ثم عاد إلى السرقة يحبس
عند جمهور الفقهاء لمنع ضرره عن الناس، على
خلاف بينهم في تحديد عدد المرات التي يقطع أو
يحبس بعدها. (٣) (ر: سرقة).
(١) أحكام السوق لیحیی بن عمر ص٨٨ و١١٧
(٢) حاشية ابن عابدين ٦٧/٤، والاختيار ٦٦/٤، وفتح
القدير ٢١٨/٤
(٣) بدائع الصنائع ٦٣/٧، ٨٦، والمبسوط ٣٢/٢٤، والمدونة
٢٨٨/٦، والشرح الكبير للدردير ٣٠٦/٣، ٣٣٣،
وحاشية ابن عابدين ٥١/٤، ٨٦، والمغني ٨/ ٢٦٣،
٢٦٤ و٣٢٨/٩، ومنتهى الإِرادات لابن النجار ٢/ ٥٨٣،
والقوانين الفقهية لابن جزي ص٢١٩، وأسنى المطالب
١٥٣/٤، ٣٦٣، وجواهر الإكليل ٢٨٩/٢، وحاشية
الباجوري ٢/ ٢٤٥، وبداية المجتهد ٤٥٣/٢، وحاشية
القليوبي ١٩٨/٤، وكفاية الطالب ٢٧٥/٢، والاختيار=
ب - حبس السارق تعزيرا لتخلف موجب
القطع :
٧٤ ۔ نص الفقهاء على حالات يحبس فيها
السارق لتخلف موجبات القطع ومن ذلك:
حبس من اعتاد سرقة أبواب المساجد، وحبس
من اعتاد سرقة بزابيز الميض (صنابير الماء) ونعال
المصلين. ونصوا على حبس الطرار والقفاف
والمختلس، ومن يدخل الدار فيجمع المتاع
فيمسك ولمّا يخرجه. وكل سارق انتفى عنه
القطع لشبهة ونحوها يعزر ويحبس . (١)
ج - حبس المتهم بالسرقة :
٧٥ - نص الفقهاء على حبس المتهم بالسرقة
لوجود قرينة معتبرة في ذلك کتجوله في موضع
السرقة ومعالجته أمورا تعتبر مقدمات لذلك. (٢)
د - الحبس لحالات تتصل بالغصب :
٧٦ - يجب على الغاصب رد عين المغصوب فإن
= ٤/ ١١٠، والإنصاف ٢٨٦/١٠، والإفصاح لابن هبيرة
٣٩/١، والسياسة الشرعية ص٩٩، والمصنف لعبدالرزاق
١٨٦/١٠، وکنز العمال ٣١٣/٥ و٣١٤ و٣١٦ و٣١٩
(١) حاشية ابن عابدين ٩٣/٤، والخراج ص١٨٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٤/ ٦٧ و٧٦، والفتاوى لابن تيمية
٣٥/ ٤٠٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢٠،
والقوانين الفقهية ص٢١٩، وتهذيب الفروق للمالكي
٤/ ١٣٤، وعون المعبود ٢٣٥/٤، وتبصرة الحكام
٣٣١/١ ١٦٢/٢٠ - ١٦٣
- ٣٠٧ -

حبس ٧٧ - ٧٩
أبی حبس حتی یرده، فإن ادعی هلاکه حبسه
الحاکم مدة یعلم أنه لو کان باقیا لأظهره، ثم
يقضي عليه بمثله. وقيل : بل يصدق بيمينه
ویضمن قیمته ولا یحبس. ومن بلح درهما أو
دينارا أو لؤلؤة حبس حتى يرميه لصاحبه. (١)
هـ - الحبس للاختلاس من بيت مال المسلمين:
٧٧ - ذهب بعض الصحابة إلى حبس من
اختلس من بيت المال، وحكي ذلك عن عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه مع معن بن
زائدة . (٢)
و- حبس الممتنع من أداء الزكاة :
٧٨ - نص بعض الفقهاء على حبس الممتنع من
أداء الزكاة مع اعتقاده وجوبها . (٣)
ز - الحبس للدّين :
مشروعية حبس المدين :
٧٩ - المدين أحد رجلين: أما معسر، وأما
موسر:
(١) الدر المختار وحاشيته ٢٨٢/٥ - ٢٨٣ و١٨٥/٦، وحاشية
الدسوقي ٤٤٢/٣، والقوانين الفقهية ص٢١٧، وشرح
المحلي على منهاج الطالبين ٣٤/٣، والمحلى لابن حزم
١٦٦/٥ ط المنيرية .
(٢) المغني ٣٢٥/٨، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٩٩
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٤٩١، وتبصرة الحكام
١٩١/٢، وحاشية الدسوقي ٥٠٣/١، ومنتهى الإرادات
لابن النجار ٢٠٣/١
فالمدین الذین ثبت إعساره یمهل حتی یوسر
الآية: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى
ميسرة﴾ . (١)
والمدين الموسر يعاقب إذا امتنع من وفاء
الدين الحال لظاهر الحديث: ((ليّ الواجد يحل
عرضه وعقوبته)). (٢)
وللعلماء قولان في تفسير هذه العقوبة:
القول الأول : يقصد بالعقوبة في الحديث
الحبس، وهذا قول شريح والشعبي وأبي عبيد
وسوار وغيره، وهو مذهب الحنفية والمالكية،
والشافعية، والحنابلة .
واختاره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، لأن
الحقوق لا تخلص في هذه الأزمنة غالبا إلا به وبما
هو أشد منه. (٣)
القول الثاني: العقوبة في الحديث هي
الملازمة، حیث یذهب الدائن مع المدين أنی
ذهب، وهذا قول أبي هريرة وعمر بن عبدالعزيز
والليث بن سعد والحسن البصري. وذكروا أن
المدين لا يحبس، لأن النبي ◌َّلو لم يحبس
(١) سورة البقرة / ٢٨٠، وانظر شرح أدب القاضي للخصاف
٣٥٠/٢ - ٣٥١، وأخبار القضاة لوكيع ١١٢/١ و٩/٢
(٢) تقدم تخريجه في الفقرة (٩).
(٣) المغني ٤ /٤٩٩، والإنصاف ٢٧٥/٥، والسياسة الشرعية
ص٤٣، والطرق الحكمية ص٦٣، وبداية المجتهد
٢٩٣/٢، وجواهر الإكليل ٩٢/٢، وحاشية القليوبي
٢٩٢/٢، والاختيار ٨٩/٢، والهداية ٣/ ٨٤، وسبل
السلام ٣/ ٥٥ - ٥٦
- ٣٠٨ -

حبس ٨٠ - ٨١
بالدين، ولم يحبس بعده أحد من الخلفاء
الراشدين، بل كانوا يبيعون على المدين
ماله .(١)
ما يحبس به المدين :
٨٠ - قسم الفقهاء الدين إلى أقسام: ما كان
بالتزام بعقد كالكفالة والمهر المعجل، وما كان
بغير التزام إلا أنه لازم، كنفقة الأقارب وبدل
المتلف، وما كان عن عوض مالي كثمن المبيع .
ولهم أقوال مختلفة فيما يحبس به المدين وما لا
يحبس به. (٢)
وذكروا أن أقل مقدار يحبس به المدين المماطل
في دین آدمي درهم واحد.
أما الديون التي لله تعالى كالزكاة والكفارة
فلا حبس فيها عند طائفة من الفقهاء. (٣)
المدین الذي يحبس :
٨١ - تحبس المرأة بالدين إن طلب غريمها
ذلك، سواء أكانت زوجة أم أجنبية. واتجه
(١) المغني ٤ / ٤٩٩، والطرق الحكمية ص٦٢ - ٦٤، وسبل
السلام ٣/ ٥٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٨١/٥، والطرق الحكمية ص٦٣
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٧٩/٥، والفتاوى الهندية ٣/ ٤٢٠،
وحاشية الدسوقي ١/ ٤٩٧، وجواهر الإكليل ١٣٩/١،
وفيض الإِله للبقاعي ٢/ ٣٥، والأشباه للسيوطي ص٤٩١
بعض الشافعية إلى أن المخدرة (التي تلزم بيتها
ولا تبرز للرجال) لا تحبس في الدين، بل
يستوثق عليها ویوکل بها. (١)
ويحبس الزوج بدين زوجته أو غيرها. (٢)
ويحبس القریب بدین أقربائه، حتى الولد
يحبس بدين والديه لا العكس. ويستوي في
ذلك الرجل والمرأة، لأن موجب الحبس لا
يختلف بالذكورة والأنوثة . (٣)
ومذهب المالكية والشافعية وأحد قولي
الحنفية أن الصبي لا يحبس بالدين بل يؤدب.
وفي القول الآخر للحنفية: أنه يحبس بالدين إذا
أذن له بالبيع وظلم. (٤)
ويحبس المسلم بدین الكافر ولو ذمیا أو حربيا
مستأمنا، لأن معنى الظلم متحقق في
مماطلته . (٥)
(١) فتاوى قاضي خان ٣٥٣/٢، والمدونة ٢٠٥/٥، والشرح
الكبير وحاشيته ٢/ ٥١٧، وحاشية الجمل ٣٤٦/٥،
والأشباه للسيوطي ص٤٩١، وحاشية القليوبي ٢/ ٢٩٢
(٢) المدونة ٥/ ٢٠٥
(٣) بدائع الصنائع ١٧٣/٧، وحاشية الدسوقي ٢٨١/٣،
وفيض الإِله للبقاعي ٣٦/٢، والأشباه للسيوطي ص٤٩١
(٤) المبسوط ٢٠/ ٩١، وحاشية ابن عابدين ٤٢٦/٥، ومعين
الحكام ص١٧٤، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٨٠، وأسنى
المطالب مع حاشية الرملي ٣٠٦/٤
(٥) المبسوط ٩١/٢٠، وحاشية ابن عابدين ٣٨١/٥،
والإنصاف ٢١٩/١١، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٨١
- ٣٠٩ -

حبس ٨٢ - ٨٣
مدة حبس المدين :
٨٢ - اختلفوا في مدة حبس المدين، والصحيح
تفويض ذلك للقاضي، لأن الناس يختلفون في
احتمال الحبس. وقال بعض الحنفية: هي شهر.
وفي رواية محمد بن الحسن عن أبي حنيفة
شهران أو ثلاثة . وفي رواية الحسن عنه ما بین
أربعة أشهر إلى ستة. وعند المالكية یؤید حبسه
حتى يقضي دينه إذا علم يسره. (١) ولم نجد نصا
للشافعية والحنابلة .
ح - الحبس للتفليس:
٨٣ - يشترك المفلس مع المدین في کثیرمن
الأحكام التي تقدم ذكرها، ویفترق عنه۔
بحسب ما ذکروہ ۔ في أن الحاکم یتدخل لشهر
المفلس بین الناس وإعلان عجزه عن وفاء دینه
وجعل ماله المتبقي لغرمائه. (٢)
ولا يحبس المعسر ولو طلب غرماؤه ذلك لقوله
تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى
ميسرةٌ﴾ . (٣)
وإذا كان المفلس مجهول الحال لا یعرف غناه
أو فقره حبس بطلب من الغرماء حتى يستبين
(١) الاختيار ٢/ ٩٠، وشرح أدب القاضي للخصاف
٣٦٧/٢، والتاج للمواق ٤٨/٥، والفروق للقرافي
٤/ ٦٩
(٢) جواهر الإكليل ٢/ ٨٧، ومنهاج الطالبين ٢٨٥/٢
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠
أمره. واختلفوا في صحة كفالته بوجه أو بمال
حتى تزول الجهالة.
وقالوا: إذا أخبر بإعساره واحد من الثقات
أخرج من حبسه. (١)
وإذا حبس المفلس المجهول الحال وظهر أن
له مالا ، أو عرف مكانه أمر بالوفاء. فإن أبی
أبقي في الحبس - بطلب غريمه - حتى يبيع ماله
ويقضي دينه. فإن أصر على عدم بيع ماله
لقضاء دينه باعه الحاكم عليه وقضاه، وأخرجه
من الحبس في قول الجمهور والصاحبين من
الحنفية. وقيل: يخير الحاكم بين حبسه لإِجباره
على بيع ماله بنفسه وبین بیعه عليه لوفاء دينه .
وقال أبوحنيفة: إن الحاكم لا يجيب الغرماء
إلى بيع مال المفلس وعروضه، خوفا من أن
تخسر علیه ويتضرر. بل یقضي دینه بجنس ما
عنده من الدراهم والدنانير. (٢) فإن لم يكن
فيؤيد حبسه لحديث: ((ليّ الواجد يحل عرضه
وعقوبته)). (٣)
وإذا قامت القرائن أو البينة على وجود مال
(١) حاشية الدسوقي ٢٦٤/٣، والاختيار ٢/ ٩٠، وأسنى
المطالب ١٨٨/٢، والروض المربع ١٦٤/٥، ومعين
الحكام ص٩٤
(٢) بدائع الصنائع ١٧٥/٧، وبداية المجتهد ٢٨٤/٢،
.
وأسنى المطالب ٢/ ١٨٧، والروض المربع ١٦٨/٥،
وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣٤٦/٥
(٣) الحديث تقدم تخريجه في الفقرة (٩).
- ٣١٠ -

حبس ٨٤ - ٨٧
للمدين المفلس، ولم يعلم مكانه حبس حتى
يظهره إن طلب غريمه ذلك. وهذا باتفاق
الفقهاء للحديث الآنف ذكره. (١)
حبس المفلس بطلب بعض الغرماء:
٨٤ - إن طلب بعض الغرماء حبس المفلس
الذي لم يثبت إعساره وأبى بعضهم حبس ولو
لواحد، فإن أراد الذين لم يحبسوا محاصة الحابس
في مال المفلس المحبوس فلهم ذلك. ولهم أيضا
إبقاء حصصهم في يد المفلس المحبوس. وليس
للغریم الحابس إلا حصته. (٢)
ط - الحبس للتعدي على حق الله أو حقوق
العباد :
٨٥ - شرع الحبس في كل تعدّ على حق لله
تعالى، كالتعامل بالربا، وبيع الخمر، والغش
والاحتكار، أو الزواج بأكثر من أربع، أو الجمع
بین اختین، وبیع الوقف، وفي كل تعد على
حقوق العباد، كمنع مستحقي الوقف من
ريعه، والامتناع من تسليم المبيع بعد العقد،
وتسليم الأجرة، أوبدل الخلع، أو الجزية، أو
الخراج، أو العشر، وجحد الوديعة، والخيانة في
الوكالة، وعدم الإِنفاق على من تجب نفقته عند
الجمهور، والمدعى عليه إذا لم يبين ما أبهمه .
وتفصيل ذلك في أبوابه . (٣).
(١) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٤٣
(٢) المدونة ٢٣٠/٥
(٣) الدر المختار وحاشيته ٣٢١/٥، ٣٨١، ٣٨٣=
ي - حبس الكفيل لإِخلاله بالتزاماته :
الكفالة نوعان بالمال وبالنفس، وتتصل
بالحبس فیما يلي :
أولا : حبس الكفيل بالمال لامتناعه من الوفاء:
٨٦ - نص الحنفية والشافعية على جواز حبس
الكفيل بمال مستحق إذا لم يوف المكفول ماعليه
أو مات معسرا، وذلك لتخلفه عما التزمه، ولأن
ذمته مضمومة إلى ذمة المكفول بالمطالبة، فلذا
جاز حبسه إلا إذا ثبت إعساره. وهذا مقتضى
كلام المالكية والحنابلة، بل نقل الإجماع على
ذلك. والأصل في هذا حديث: ((الحميل
غارم)). (١) وروي عن شريح القاضي قوله: لا
يحبس الكفيل إذا غاب المكفول حيث لا يجب
عليه إحضاره. (٢)
ثانيا : حبس الكفيل بالنفس :
٨٧ - تعرف الكفالة بالنفس أيضا بكفالة الوجه
والبدن، وهي ثلاثة أنواع:
= و٦/ ١٠، ٤٤٦، والفتاوى الهندية ٤٤٨/٤، والسياسة
الشرعية ص٤٣، وتبصرة الحكام ٢/ ٢١٦، ٣٠٤
(١) حديث: ((الحميل غارم)) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول
(٦١/٧ - ط دار الملاح) ضمن حديث طويل، وعزاه إلى
رزين، وهو في سنن أبي داود (٦٢٢/٣ - ط عزت عبيد
دعاس) وابن ماجة (٨٠٤/٢ - ط الحلبي) والشطر المذكور
لیس فیھما.
(٢) المبسوط ٢٠/ ٨٩، وحاشية ابن عابدين ٣١٦/٥ و٣٨١،
وحاشية الرملي ٢/ ٢٤٧، وبداية المجتهد ٢٩٦/٢،
والروض المربع ٥/ ١٠٠، واختلاف الفقهاء للطبري
٢٨/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٤٩١
- ٣١١ -

حبس ٨٨
النوع الأول : الكفالة بذات الحدود والقصاص
بعد شهادة شاهدین ینتظر تزکیتهما، وهذه غیر
جائزة بالإِجماع، بل يحبس المدعى عليه
لاستكمال الإجراءات، لأن الحدود لا تستوفى
من الكفيل إذا تعذر إحضار المكفول، فضلا
عن أنها لا تقبل النيابة .
النوع الثاني : الكفالة بإحضار نفس من عليه
قصاص أوحد لآدمي، کقذف إلى مجلس
الحكم، وهذه جائزة عند الحنفية والشافعية دون
غيرهم، لأن فيها حق العبد ويحتمل إسقاطه
ممن له الحق.
النوع الثالث : الكفالة بالمال وهي جائزة عند
جمهور فقهاء الأمصار، فيجوز كفالة المحبوس أو
مستحق الحبس في ذلك.(١)
أحوال الكفيل بالنفس :
٨٨ - تنتظم أحوال الكفيل بالنفس الحالات
التالية :
الحالة الأولى : إذا تعهد الكفيل بإحضار
المكفول من غير ضمان المال، أولم يذكره في
الكفالة، فمذهب الحنفية والشافعية في ذلك أنه
يحبس لمماطلته إذا انقضت المدة ولم يحضر
المكفول، ولا يقبل منه بذل المال عند الحنفية
(١) حاشية ابن عابدين ٣٠٨/٥، والهداية ٣/ ٧٢ و٧٤،
والقوانين الفقهية ص٢١٤، والمغني ٤ /٦١٦، وحاشية
الباجوري ٣٨٢/١
لاشتراطه إحضار النفس لا غيرها، والمسلمون
عند شروطهم. ومذهب المالكية والحنابلة أنه لا
يحبس بل يلزم بإحضار المكفول، أو يغرم
المال. (١)
الحالة الثانية : إذا تعهد الكفيل بإحضار
المكفول وصرح بضمانه المال إذا تخلف، فإنه لا
يحبس بل يغرم المال إذا لم يحضر المكفول في
الوقت المحدد. وهذا قول فقهاء مذاهب
الأمصار. فإن ماطل في الدفع وكان موسرا
حبس، لأن الحق شغل ذمته كشغله ذمة
المكفول.
وذكروا أن السجان ونحوه ممن استحفظ على
بدن الغريم بمنزلة كفيل الوجه، فينبغي عليه
إحضاره. (٢) فإن أطلقه وتعذر إحضاره عومل
بنحو ماتقدم في الحالتين الآنفتين.
الحالة الثالثة : إذا تعهد الكفيل بإحضار
النفس التي كفلها في القصاص والحد الذي هو
(١) حاشية ابن عابدين ٢٩٠/٥ و٢٩٥، والاختيار ١٦٧/٢،
وجواهر الإكليل ١١٤/٢، والقوانين الفقهية ص٢١٤،
وأسنى المطالب ٢٤٤/٢، والمحلي على منهاج الطالبين
٣٢٨/٢، والروض المربع للبهوتي ١١٣/٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٩٧/٥، ٢٩٩، والهداية ٣/ ٧١،
وبداية المجتهد ٢٩٥/٢، وجواهر الإكليل ٢/ ١١٤،
والروض المربع ١١٣/٥، والمحلي على المنهاج ٣٢٨/٢،
والسياسة الشرعية ص٤٣، وتبصرة الحكام ٢/ ٣٤٩،
والفتاوى لابن تيمية ٥٥٦/٢٩، وغاية المنتهى ١٠٩/٢
- ٣١٢ -

حبس ٨٩ - ٩١
حق لآدمي وقصر فلم يحضرها في الوقت المحدد
يحبس إلى حضور المكفول أو موته. (١)
الحبس لحالات تتصل بالقضاء والأحكام:
أ - حبس الممتنع من تولي القضاء :
٨٩ - نص المالكية على أن للإِمام حبس الممتنع
من تولي القضاء إذا تعين له حتى يقبله لتخلفه
عن الواجب الشرعي، وصيانة لحقوق
المسلمين، وبه أفتى الإِمام مالك. (٢)
ب - حبس المسيء إلى هيئة القضاء:
٨٩م - للقاضى أن يأمر بحبس وضرب من قال
لا أخاصم المدعي عندك، أو استهزأ به ورماه
بمالا یناسبه ولم یثبت ذلك. وله حبس
المتخاصمين وضربهما إذا تشاتما أمامه. (٣)
وقال سحنون وهي رواية عن أشهب:
للقاضي حبس المدعى عليه وتأديبه إذا قال في
مجلس القضاء: لا أقرّ ولا أنكر واستمر على
لدده ولا بينة للمدعي، وبنحوه قال
الشافعي . (٤)
(١) حاشية ابن عابدين ٢٩٢/٥ و٢٩٩، والهداية ٣/ ٧٠،
وحاشية القليوبي ٣٢٨/٢
(٢) الخرشي ٧/ ١٤٠، وحاشية الصعيدي على كفاية الطالب
٢٧٨/٢، وتبصرة الحكام ١٢/١ - ١٣
(٣) المعيار ٥١٥/٢، وتبصرة الحكام ٣٠١/١، والمغني لابن
قدامة ٤٣/٩ - ٤٤، والفتاوى الهندية ٣/ ٤٢٠، وأسنى
المطالب ٤/ ٢٩٩
(٤) تبصرة الحكام ٢٩٩/١ و٣٠١، وجواهر الإكليل
٢٢٨/٢، والأم للشافعي ٦/ ٢١٥
ج - حبس المدعى عليه الحد والقصاص حتى
يعدّل الشهود :
٩٠ - ذهب الفقهاء إلى أن للقاضي حبس
المدعى عليه حتى يتثبّت من الدعوى بحجة
كاملة فيما كان أقصى عقوبة فيه غير الحبس
كالحدود والقصاص، حيث أقصى العقوبة فيها
القتل والقطع والجلد، فيحبس القاضي المدعى
عليه وبخاصة في حق الآدمي حتى يكشف
القاضي عن عدالة الشهود، لأن ذلك من
وظيفته بعد أن أتى المدعي بها عليه من البينة .
فمن ادعي عليه بسرقة يحبس حتى تظهر
عدالة الشهود في ذلك. ومن ادعى على آخر أنه
قذفه وبينته في المصر حبس المدعى عليه،
ليحضر المدعي بينته حتى يقوم الحاكم من
مجلسه وإلا خلّی سبیله بدون کفیل. فإن كانت
بينته غائبة أو خارج المصر فلا يحبس، فإذا أقام
شاهدا واحدا حبسه . (١)
د - حبس صاحب الدعوى الكيدية :
٩١ - ذكر الحنفية والمالكية أن من قام بشكوى
بغير حق وانكشف للحاكم أنه مبطل في دعواه
(١) الفتاوى الهندية ١٧٣/٢، والهداية ٢/ ١٠١، وبدائع
الصنائع ٥٣/٧، وحاشية ابن عابدين ٤٥/٤، والعناية
للبابرتي ٤٠١/٥، والقوانين لابن جزي ص٢١٩، وأسنی
المطالب ٣٦٣/٤، ومنتهى الإرادات ٢/ ٥٨٣، والمغني
٣٢٨/٩، والمدونة ١٨٥/٥
- ٣١٣ -

حبس ٩٢ - ٩٤
فإنه يؤدبه، وأقل ذلك الحبس لیندفع بذلك
أهل الباطل.(١)
هـ۔۔ حبس شاهد الزور :
٩٢ - نص الفقهاء على أن شاهد الزور یضرب
ويحبس طويلا بحسب مايراه الحاكم. وزاد ابن
تيمية أن من يلقن شهادة الزور لغيره يحبس
ويضرب. والمنقول عن عمر رضي الله عنه أنه
ضرب شاهد الزور وحلق رأسه وسخّم وجهه
وأمر أن يطاف به في الأسواق ثم أطال حبسه .
وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه. (٢)
و - حبس المقر لآخر بمجهول لامتناعه من
تفسیرہ :
٩٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من أقر لآخر
بمجهول وامتنع من تفسیرہ حبس حتی يفسره،
سواء أقرّ به من نفسه ابتداء أو ادعى عليه به .
وقالوا: إنه لا يصح له الرجوع عما أقرّ به
للزومه، ولأن كلام العاقل محمول على الجد لا
(١) معين الحكام الطرابلسي ص١٩٦ - ١٩٧، وتبصرة الحكام
٣٠٥/٢ - ٣٠٦
(٢) حاشية ابن عابدين ٥٠٣/٥، والقوانين الفقهية ص٢٠٣،
وفيض الإله للبقاعي ٢/ ٣٢٥، والأحكام السلطانية لأبي
یعلی ص٢٨٣، والإنصاف للمرداوي ٢٤٨/١٠، وفتاوى
ابن تيمية ٣٤٣/٢٨ - ٣٤٤ والمدونة ٢٠٣/٥، والمغني
لابن قدامة ٢٦١/٩، والسنن للبيهقي ١٤١/١٠ - ١٤٢،
والمصنف لعبدالرزاق ٣٢٥/٨
الهزل. لكن يقبل قوله في توضيح ما أبهمه لأنه
أعلم بنيّته. ويحلف يمينا أنه مانوى إلا ذلك
صيانة لحقوق الناس.
وذهب بعض فقهاء الشافعية في قول
مضعّف إلى أن المقربمجهول لا يحبس إذا
امتنع من تفسيره، لإِمكان حصول الغرض
بغير الحبس.(١)
حالات الحبس بسبب الاعتداء على نظام
الدولة :
أ - حبس الجاسوس المسلم :
٩٤ - المنقول عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد
وبعض المالكية أن الحاكم لا يقتل الجاسوس
المسلم بل يعزره بما يراه. ونص أبويوسف
القاضي وغيره من الحنفیة علی حبسه حتى
تظهر توبته. وقال بعض المالكية: يطال سجنه
وينفى من الموضع الذي كان فيه .
وقال مالك وابن القاسم وسحنون: للحاكم
قتل الجاسوس المسلم إن رأى في ذلك
المصلحة، وبه قال ابن عقيل من الحنابلة.
وسبب الاختلاف في عقوبة الجاسوس
(١) المغني ٥/ ١٨٧، والإنصاف ٢٠٤/١٢، وحاشية
الدسوقي ٤٠٦/٣، وأسنى المطالب ٣٠٠/٢، ومعين
الحكام ص١٩٩، وشرح المحلي على منهاج الطالبين
١١/٣
- ٣١٤ -

حبس ٩٥ - ٩٦
المسلم تعدّد الأقوال في حادثة حاطب بن أبي
بلتعة قبیل فتح مكة، حین کتب لبعض قریش
يخبرهم بمسير النبي ◌َّر إليهم. (١)
ب - حبس البغاة :
٩٥ - يحبس البغاة وهم الخارجون على الحاكم
في الحالات التالية :
الحالة الأولى إذا تأهبوا للقتال: إذا قام البغاة
بأعمال تدل على إرادة الخروج على الإِمام
كشراء السلاح والاجتماع للثورة والتأهب للقتال
جاز للحاكم أخذهم وحبسهم ولو لم يقاتلوا
حقيقة، لأن العزم على الخروج معصية ينبغي
زجرهم عنها، فضلا عن أنهم لوتركوا لأفسدوا
في الأرض وفات دفع شرهم. (٢)
الحالة الثانية أخذهم أثناء القتال: إذا أمسك
البغاة أثناء القتال حبسوا، ولا يطلق سراحهم
إن خيف انحيازهم إلى فئة أخرى أو عودتهم
للقتال. وسبب حبسهم كسر قلوب الآخرين
وتفریق جمعهم. (٣)
(١) زاد المعاد ٢/ ٦٨، ٢١٥/٣، والفروع ١١٣/٦، وأحكام
القرآن لابن العربي ١٧٧٢/٤، والخراج ص٢٠٥،
وتبصرة الحكام ٢/ ١٩٤، والحسبة لابن تيمة ص٢٨،
وجواهر الإكليل ٢٥٦/١، والأقضية لابن فرج ص٣٥
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ١٤٠، ومعين الحكام ص ١٩٠، والمغني
لابن قدامة ١٠٩/٨
(٣) الاختيار ١٥٢/٤، وبدائع الصنائع ٧/ ١٤١، والشرح
الكبير للدردير ٢٩٩/٤، وحاشية الباجوري ٢/ ٢٥٦،
والإنصاف ١٠ / ٣١٥
الحالة الثالثة تتبعهم بعد القتال وحبسهم :
اختلف الفقهاء في حكم تتبع البغاة الهاربين
وحبسهم، ولهم في هذا قولان:
القول الأول : يجوز للإِمام تتبعهم وحبسهم
إن كان لهم فئة ينحازون إليها، وهذا قول
المالكية والشافعية وبعض الحنفیة. ونسب إلى
أبي حنيفة أن الإِمام يتتبعهم ويحبسهم ولو لم
تكن لهم فئة. وبه قال بعض المالكية . (١)
القول الثاني : لا يجوز للإِمام تتبعهم
وحبسهم ولو کان لهم فئة ینحازون إليها، لأن
المقصود دفعهم وقد حصل. وهذا مذهب
الحنابلة وقول الشافعي وأبي يوسف والمنقول عن
علي رضي الله عنه. (٢)
وقت الإِفراج عن البغاة المحبوسين:
٩٦ - للفقهاء أربعة أقوال في وقت الإِفراج عن
البغاة المحبوسين :
القول الأول: يجب الإِفراج عنهم بعد توقف
القتال، ولا يجوز استمرار حبسهم. لكن يشترط
عليهم أن لا يعودوا إلى القتال. وهذا مذهب
الشافعية وأحد قولي الحنابلة .
(١) الخراج ص٢٣٢، ومعين الحكام ص١٩١، وحاشية عميرة
١٧٢/٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٠، والشرح
الكبير للدردير ٤/ ٣٠٠، والمغني ١١٤/٨، وبداية المجتهد
٤٥٨/٢
(٢) الخراج ص٢٣٢، والمغني ٨/ ١٤٤
- ٣١٥ -

حبس ٩٧ - ٩٨
القول الثاني : يجوز حبسهم بعد القتال ولا
يخلّی عنهم إلا بظهور توبتهم لدفع شرّهم،
وعلامة ذلك عودتهم إلى الطاعة. وهذا مذهب
الحنفية وقول بعض المالكية .
القول الثالث : يجوز حبسهم بعد القتال،
ويجب إطلاق سراحهم إذا أمن عدم عودتهم،
وهذا مذهب المالكية .
القول الرابع : يجوز استمرار حبسهم بعد
القتال معاملة لهم بالمثل حتى يتوصل إلى
استخلاص أسرى أهل العدل، وهذا هو القول
الآخر للحنابلة . (١)
مشروعية اتخاذ موضع للحبس :
٩٧ - للفقهاء قولان في جواز اتخاذ الحاكم موضعا
للحبس فيه :
القول الأول: يجوز للحاكم إفراد موضع
لیحبس فيه، وهذا قول الجمهور بل إن بعضهم
اعتبر ذلك من المصالح المرسلة.
وقال آخرون: إنه مستحب. (٢) واستدلوا
(١) بدائع الصنائع ٧/ ١٤٠ - ١٤١، وبداية المجتهد
٤٥٨/٢، والمغني ٨/ ١١٥، والأحكام السلطانية للماوردي
ص٦٠، وحاشية الباجوري ٢/ ٢٥٠، واخراج ص٢٣٢،
والقوانين الفقهية ص٢٣٨، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٨١،
والشرح الكبير للدردير ٢٩٩/٤
(٢) تبصرة الحكام ٢/ ١٥٠، ونيل الأوطار ٣١٦/٨، ومعين
لهذا بفعل عمر رضي الله عنه حین اشتری له
نافع بن عبد الحارث عامله على مكة دارا
للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف
درهم. كما أن عليا رضي الله عنه أول من
أحدث سجنا في الإِسلام وجعله في الكوفة . (١)
القول الثاني : لا يتخذ الحاكم موضعا
يخصصه للحبس، لأنه لم يكن لرسول الله وله
ولا خليفته أبي بكر رضي الله عنه سجن. ولكن
إذا لزم الأمر يعوّق بمكان من الأمكنة أو يأمر
الغريم بملازمة غريمه كما فعل النبي والكثير.
وهذا قول بعض أصحاب أحمد وآخرين
(٢)
غیرهم .
اتخاذ السجن في الحرم :
٩٨ - للفقهاء ثلاثة أقوال في اتخاذ السجن في
الحرم :
القول الأول : يجوز اتخاذ السجن في الحرم
مطلقا من غير كراهة لخبر شراء عمر رضي الله
الحكام ص١٩٦ - ١٩٧، وأسنى المطالب ٣٠٦/٤،
والبحر الزخار ١٣٨/٥، ٢١١
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٦/٥ - ٣٧٧، والمبسوط ٨٩/٢٠،
والطرق الحكمية ص١٠٣، والأقضية لابن فرج ص١١ -
١٢، وتبصرة الحكام ٣١٦/٢ - ٣١٧، والبحر الزخار
١٣٨/٥، والتراتيب الإدارية للكتاني ٢٩٩/١
(٢) فتاوى ابن تيمية ٣٩٩/٣٥، والطرق الحكمية ص١٠٣،
وتبصرة الحكام ٣١٦/٢ - ٣١٧، ومعين الحكام ص١٩٦
- ٣١٦ -

حبس ٩٩ - ١٠١
عنه السجن بمكة، وهذا قول جمهور
الفقهاء. (١)
القول الثاني : لا يحل أن يسجن أحد في
حرم مكة، لأن تطهير الحرم من العصاة واجب
للآية: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين
والركع السجود﴾(٢) وظاهره يدل على حرمة
اتخاذ السجن في حرم مكة . (٣)
القول الثالث : يكره اتخاذ السجن في
الحرم، وهو مروي عن طاووس وكان يقول: لا
ينبغي لبيت عذاب أن یکون في بيت رحمة
ويقصد حرم مكة . (٤)
تصنيف السجون بحسب المحبوسين :
أ - إفراد النساء بسجن منعزل عن سجن
الرجال :
٩٩ - نص الفقهاء على أن يكون للنساء محبس
على حدة إجماعا، ولا يكون معهن زجل
لوجوب سترهن وتحرزا من الفتنة. والأولى أن
تقوم النساء علی سجن مثیلاتهن فإن تعذر ذلك
(١) المغني لابن قدامة ٢٥٧/٤، والمجموع ٩/ ٢٦٩، وحاشية
ابن عابدين ٣٧٧/٥، وتبصرة الحكام ٣١٦/٢، والمحلى
لابن حزم ٨/ ١٧١، وفتح الباري ٥/ ٧٥ - ٧٦
(٢) سورة البقرة / ١٢٥
(٣) المحلى لابن حزم ٧/ ٢٦٢ الطبعة المنيرية.
(٤) فتح الباري ٥/ ٧٥
جاز استعمال الرجل المعروف بالصلاح على
محبسهن ليحفظهن، وهو المروي عن أبي
حنيفة، وإذا لم يكن هناك سجن معد للنساء
حبست المرأة عند أمينة خالية عن الرجال أو
ذات رجل أمين كزوج أو أب أو ابن معروف
بالخير والصلاح. (١)
ب - إفراد الخنثى بحبس خاص :
١٠٠ - إذا حبس الخنثى المشكل فلا يكون مع
الرجال ولا النساء، بل يجبس وحده أو عند
محرم، ولا ينبغي حبسه مع الرجال ولا
النساء. (٢)
ج - حبسٍ غير البالغين (الأحداث):
حبس غير البالغين في قضايا المعاملات
المالية :
١٠١ - مذهب المالكية والشافعية وأحد قولي
الحنفية أن غير البالغ إذا مارس التجارة أو
استهلك مال غيره فلا يحبس بدين في معاملته
لعدم التكليف. ولا يمنع هذا من تأديبه بغير
(١) البحر الزخار ١٣٨/٥، والمبسوط ٩٠/٢٠، والدر المختار
٥٧٩/٥، والفتاوى الهندية ٤١٤/٣، وجواهر الإكليل
للآبي ٩٣/٢، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (٣/ ٢٨٠،
٢٨١، والمدونة ٢٠٦/٥
(٢) حاشية الدسوقي ٣/ ٢٨٠، وحاشية الصعيدي على كفاية
الطالب ٢٠١/٢
- ٣١٧ -

حبس ١٠٢ - ١٠٤
الحبس. وصحح السرخسي من فقهاء الحنفية
حبس الولي لتقصيره في حفظ ولده، ولأنه
المخاطب بأداء المال عنه .
٠
والقول الآخر للحنفية: أن غير البالغ يحبس
بالدين ونحوه تأديبا لا عقوبة، لأنه مؤاخذ
بحقوق العباد فيتحقق ظلمه، ولئلا يعود إلى
مثل الفعل ويتعدى على أموال الناس. وعلق
بعض أصحاب هذا القول الحبس على وجود
أب أووصي للحدث، ليضجر فيسارع إلي
قضاء الدین عنه .(١)
حبس غير البالغين في الجرائم :
١٠٢ - نص بعض الفقهاء على أن غير البالغ
لا يجبس بارتكابه الجرائم ونحوها. وقال
آخرون: بجواز حبس الفاجر غير البالغ على
وجه التأديب لا العقوبة، وبخاصة إذا كان
"الحبس أصلح له من إرساله، وكان فيه تأديبه
واستصلاحه، ومن الجرائم التي نصوا على
الحبس فيها الردة، فيحبس الصبي المرتد حتى
يتوب وهو قول أبي حنيفة ومحمد وكذا البغي،
فيحبس صبيان البغاة المقاتلون حتى تنقضي
الحرب. (٢)
(١) المبسوط ٢٠/ ٩١، والفتاوى الهندية ٤١٣/٣، وحاشية
ابن عابدين ٤٢٦/٥، وأسنى المطالب وحاشيته للرملي
٣٠٦/٤، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٨٠، ومعين الحكام
ص١٧٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٥٧/٤، ٤٢٦/٥، والمعيار=
مكان حبس غير البالغين :
١٠٣ ۔ تدل أکثر النصوص علی أن یکون حبس
الحدث في بيت أبيه أو ولیه. على أنه يجوز حبسه
في السجن إلا إذا خشي عليه مايفسده فيتوجّب
حبسه عند أبيه لا في السجن.(١)
د - تمييز حبس الموقوفين عن حبس المحكومين :
١٠٤ - حبس الموقوفين هو حبس أهل الريبة
والتهمة، وهو من سلطة الوالي لأنه من
اختصاصه کما في قول الزبيري والماوردي
والقرافي وطائفة من أصحاب أحمد. وحبس
المحکومین هو حبس من وجب علیه حق وقامت
به البينة وهو من سلطة القاضي. والمعمول به في
القدیم تمییز حبس الوالي الذي يضم أهل الريبة
والفساد (الموقوفين) عن حبس القاضي الذي
يضم المحكومين. ويختلف سجن الوالي عن
سجن القاضي، فللمحبوس في سجن الوالي
توكيل غيره في أداء الشهادة عنه أمام القاضي
= ٢٥٨/٢، و٤١٨/٨، والمغني لابن قدامة ١١٥/٨،
والإنصاف ٣١٦/١٠، ومعين الحكام ص١٧٤، وبدائع
الصنائع ٦٣/٧، وجواهر الإكليل ١٤٨/٢، ومغني
المحتاج للشربيني ٤ / ١٢٧
(١) الدر المختار ٢٥٣/٤، والمعيار ٢٥٢/٨، ٢٥٨، وأحكام
السوق ليحيى بن عمر ص ١٣٥، والفتاوى لابن تيمية
١٧٩/٣٤، وحاشية الدسوقي ٢/ ٢٨٠، وحاشية
الصعيدي على كفاية الطالب ٣٠١/٢
- ٣١٨ -

حبس ١٠٥ - ١٠٧
إذا منع من الخروج، وليس ذلك لمن کان في
سجن القاضي لإِمکان خروجه بإذنه ومثل ذلك
التوكيل في سماع الدعوى على المحبوس. (١)
هـ ـ تمييز الحبس فى قضايا المعاملات عن الحبس
في الجرائم :
١٠٥ - ميز الفقهاء في الحبس بين المحبوس في
المعاملات کالدین، وبین المحبوس في الجرائم،
كالسرقة، والتلصص، والاعتداء على
الأبدان، وكانوا يحرصون على أن لا يجتمع
هؤلاء بأولئك في حبس واحد خوفا من
العدوی، فضلا عن أن لأصحاب کل حبس
معاملة تناسب جریرة کل منهم. (٢)
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/٥، ٤٩٩، ٥١٢، ٥١٣،
وتبصرة الحكام ٣٠٤/١، ولسان الحكام ص٢٥١،
والإنصاف ١٢/ ٩٠، وحاشية القليوبي ٣٣٢/٤، والمدونة
٤٨٩/٥، والمنتظم لابن الجوزي ٢٥٦/٧، والأحكام
السلطانية للماوردي ص٢١٩، والخراج ص١٦٣، ١٩٠،
والطبقات لابن سعد ٣٥٦/٥، والدر المختار وحاشيته
٣٧٨/٥، ٤٩٩، ٥١٢، والروضة للنووي ٤ / ١٤٠،
وأسنى المطالب ١٨٩/٢، والمغني لابن قدامة ٤٨/٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٩٣/٥، ٢٧٠، وشرح أدب القاضي
للخصاف ٢/ ٣٧٥، وخبايا الزوايا للزركشي ص٢٦٩،
والمنتظم لابن الجوزي ٢٥٦/٧، وطبقات ابن سعد
٣٥٦/٥، والفتاوى الهندية ٤١٤/٤، وأسنى المطالب
٣٠٦/٤.
و - التمييز بين المحبوسين بحسب تجانس
جرائمهم :
١٠٦ - صنف الفقهاء نزلاء سجون الجرائم إلى
ثلاثة أصناف: أهل الفجور (المفاسد الخلقية)
وأهل التلصص (السرقات ونحوها)، وأهل
الجنايات (الاعتداء على الأبدان)، وجعل
أبو يوسف القاضي هذا التقسيم عنوان فصل
أفرده في کتابه .(١)
ز - تصنيف الحبس إلى جماعي وفردي :
١٠٧ - الظاهر من كلام الفقهاء أن الأصل في
الحبس كونه جماعيا، وقالوا: لا يجوز عند أحد
من المسلمين أن يجمع الجمع الكثير في موضع
يضيق عنهم غير متمكنين من الوضوء والصلاة،
وقد يرى بعضهم عورة بعض ويؤذون في الحر
والصيف.
ويجوز للحاكم عزل السجین وحبسه منفردا
في غرفة يقفل عليه بابها إن كان في ذلك
مصلحة . (٢)
(١) حاشية ابن عابدين ٥/ ٣٧٠، الخراج ص١٦١، الخطط
للمقریزي ١٨٧/٢ - ١٨٩، وبدائع الزهور لا بن إياس
٦/٢ الطبعة الأولى.
(٢) المبسوط السرخسي ٢٠/ ٩٠، وحاشية ابن عابدين
٣٧٧/٥ و٣٧٩، والفتاوى الهندية ٤١٩/٣، والشرح
الكبير وحاشية الدسوقي ٢٨١/٣، وحاشية القليوبي
٢٩٢/٢، وحاشية الرملي ١٨٩/٢، والإفصاح لابن هبيرة
٣٩/١، والتراتيب الإدارية للكتاني ٢٩٥/١، والمغني
١٢٤/٨، وفتاوى ابن تيمية ١٥/ ٣١٠
- ٣١٩ -

حبس ١٠٨ - ١١٠
ح - الحبس بالإقامة الجبرية في البيت ونحوه:
١٠٨ - يجوز الحبس بالإِقامة الجبرية في البيت
ونحوه، فقد ذكروا أن من ضرب غيره بغير حق
عزّر، وصح حبسه ولو في بیته بأن يمنع من
الخروج منه. وللإِمام حبس العائن في منزل
نفسه سياسة ويمنع من مخالطة الناس. (١)
حبس المريض :
١٠٩ - بحث الفقهاء في مسألة حبس المدين
المريض، والظاهر من كلام الجمهور وهو أحد
قولي الشافعية أن المرض لا يعتبر من موانع
الحبس. والقول الآخر المعتمد عند الشافعية أن
المریض المدین لا یحبس، بل يوكل به ويستوثق
عليه. أما الجاني المريض فقد تقدم ذكر مايدل
على مشروعية حبسه. (٢)
إخراج المريض من سجنه إذا خيف عليه :
١١٠ - إذا مرض المحبوس في سجنه وأمكن
علاجه فيه فلا يخرج لحصول المقصود. (٣) ولا
(١) الدر المختار ٦٦/٤، وفتح الباري ٢٠٥/١٠، وشرح
النووي لمسلم ١٧٣/١، وحاشية الصعيدي على كفاية
الطالب ٢/ ٤١٠، وحاشية ابن عابدين ٣٦٤/٦، وحاشية
الباجوري ٢٢٧/٢، وإعانة الطالبين البكري ١٣٢/٤،
والفروع ١١٢/٦
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/٥، والشرح الكبير للدردير
٢٨١/٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٤٩١، وحاشية
الجمل ٣٤٦/٥، والإنصاف ٢٧٧/٥ - ٢٨٠
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/٥، والهداية ٢٣١/٣، وشرح
أدب القاضي للخصاف ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥
يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته
وخدمته، لأن منعه مما تدعو الضرورة إليه يفضي
إلی هلاكه، وذلك غير جائز.
وللفقهاء أقوال في إخراجه من الحبس إذا لم
تمکن معالجته ورعايته فیه :
القول الأول : يخرج من حبسه للعلاج
والمداواة صيانة لنفسه، وهو ماذكره بعض
الحنفية كالخصاف وابن الهمام، والظاهر من
كلام الشافعية والمالكية.
القول الثاني : لا يخرج إلا بكفيل وهو المفتى
به عند الحنفية .
القول الثالث : يعالج في الحبس ولا يخرج،
والهلاك في الحبس وغيره سواء، وهو المروي عن
أبي یوسف رحمه الله.
وقد اهتم المسلمون منذ القديم برعاية
المرضى في السجون فکتب عمر بن عبدالعزيز
إلى عماله انظروا من في السجون وتعهدوا
المرضى .
وفي زمن الخليفة المقتدر خصص بعض
الأطباء للدخول على المرضى في السجون كل
يوم، وحمل الأدوية والأشربة لهم ورعايتهم
وإزاحة عللهم. (١)
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/٥، والفتاوى الهندية ٤١٨/٤،
٦٣/٥، وشرح أدب القاضي للخصاف ٢/ ٣٧٥، وفتح
القدير ٤٧١/٥، وجواهر الإكليل ٩٣/٢، وأسنى المطالب
القليوبي=
وحاشية
١٣٣/٤،
- ٣٢٠ -