Indexed OCR Text
Pages 121-140
جنین ١٨ - ٢٠
الإِرث. ويحتمل أن يكون الجنين ذكرا، كما
يحتمل أن يكون أنثى، ويحتمل أن يكون
متعددا، كما يحتمل أن يكون واحدا. ولكل
حكمه الخاص في الإِرث. وتفصيل ذلك في
مصطلحي: (إرث، وحمل).
أثر الجنين في الإِرث :
١٨ - يؤثر الجنين في الميراث في بعض الحالات،
فإذا كان نصيب الوارث يتأثر بالحمل، عومل
الوارث بأقل الأنصباء على فرض كون الجنين
ذكرا أو أنثى ، وكونه متعددا أو واحدا، وكونه
وارثا أو غير وارث، على ماهو مبين في
مصطلح : (إرث).
وعلى الجملة، فإن الجنين قد يؤثر على
أنصباء کثیرمن الوارثین، ومن صور ذلك ما إذا
توفيت امرأة عن زوجها وابن أخيها الشقيق،
وعن حمل لأخ شقيق آخر متوفى، فإنه لو فرض
الحمل ذكرا لاستحق مع الآخر نصف الباقي
بعد الزوج، وإذا فرض الجنين أنثى فإنها لا
تستحق شيئا، ولو كان الحمل متعددا من
الذکور لشارکوا الموجود في الباقي، وإن کن إناثا
لم يستحققن شيئا، وإن كان ذكرا وأنثى يشارك
الذکر دون الأنثى.
وعلى كل فتقسيم التركة مع وجود الحمل
یکون غیر نهائي، فتقسم التركة ان طالب
الورثة، ويدفع إلى من لا ينقصه الحمل كل
ميراثه، ويدفع إلى من ينقصه الحمل أقل
نصيبه، ومن يسقط الحمل لا يدفع إليه شيء.
والتفصيل في (إرث).
حكم الوصية للجنين :
١٩ - صرح الفقهاء بأن الوصية تثبت للجنين
استحسانا من غير حاجة إلى قبول، باعتبار أنها
استخلاف من وجه، والجنين يصلح خليفة في
الإِرث، فكذا في الوصية. بل لعل الوصية في
هذا أظهر، يقول ابن قدامة: والحمل يرث
فتصح الوصية له - فإذا ورث الحمل فالوصية له
أولی . (١)
والجنين يستحق غلة العين الموصى بها من
وقت وفاة الموصي عند الحنفية، ولذا فإن الوصية
له توقف حتى يتم الوضع وتتیقن حياته. كما أنه
يملك الموصى به جمیعه إن كان واحدا، وإذا
كان أكثر من واحد وبين ولادتهم أقل من ستة
أشهر فإن الموصى به يكون لهما أولهم. وتفصيل
ذلك في مصطلح : (حمل، وصية).
الوقف على الجنين :
٢٠ - أجاز الفقهاء الوقف على الأولاد والذرية
الموجود منهم ومن سيولد، على خلاف وتفصيل
ينظر في مصطلحي: (حمل، ووقف).
(١) المغني ٦/ ٥٧
- ١٢١ -
جنين ٢١ - ٢٢
الجناية على الجنين :
٢١ - إذا وقع اعتداء على الجنين وتسبب في
إسقاطه ميتاً ففيه الغرة عند جمهور الفقهاء(١)
واختلف في وجوب الكفارة، على خلاف
وتفصيل ينظر في مصطلح : (إجهاض).
تغسيل الجنين، وتكفينه، والصلاة عليه،
ودفنه :
٢٢ - ذهب الحنفية إلى أنه إذا انفصل الجنين
ميتا ولم يستهل بعد الولادة، فإنه يغسل،
ویسمى، ويدرج في خرقة، ويدفن، ولا يصلى
عليه. يقول ابن عابدين: وهذا الكلام يشمل
ماتم خلقه، وما لم يتم خلقه. أما ما تم خلقه
فلا خلاف في تغسيله، وأما مالم يتم، ففيه
خلاف. والمختار أنه يغسل ويلف في خرقة ولا
يصلى عليه. (٢) وجزم صاحب الهداية في هذا
المقام بأن من استهل بعد الولادة سمي،
وغسل، وصلي عليه. واستدل بما روي عن
الرسول وسلم قال: ((إذا استهل الصبي صلي
عليه، وورث))، (٣) وبأن الاستهلال دلالة
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٦٩
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٥٦٤
(٣) حديث: ((إذا استهل الصبي صلي عليه وورث)) أخرجه
ابن ماجه (٤٨٣/١ - ط الحلبي) من حديث جابر بن
عبدالله، وضعفه الزيلعي في نصب الراية (٢٧٨/٢ - ط
المجلس العلمي).
الحياة، فيتحقق في حقه سنة الموتى، ثم يقول:
وإن لم يستهل أدرج في خرقة كرامة لبني ادم، ولم
يصل عليه، لما رويناه، ويغسل في غير الظاهر
من الرواية لأنه نفس من وجه وهو المختار. (١)
وأورد الكاساني تفصيل الخلاف في هذا بين
أئمة المذهب. (٢)
ومن الواضح أن السقط المسلم يدفن في
مقابر المسلمين. يقول الكاساني في البدائع : لو
کانت کتابیة تحت مسلم ثم ماتت، وفي بطنها
ولد مسلم، اختلف الصحابة في الدفن، فقال
بعضهم: تدفن في مقابر المسلمين ترجيحا
لجانب الولد، وقال بعضهم: تدفن في مقابر
المشركين، لأن الولد في حكم جزء منها ما دام في
البطن . (٣)
وعند المالكية قال الدردير: لا يغسل سقط لم
يستهل صارخا ولو تحرك، إذ الحركة لا تدل على
الحياة ... ويغسل دم السقط، ويلف بخرقة،
ويوارى وجوبا في التكفين والدفن. (٤) وفي
موضع آخر يقول: وتدفن غير المسلمة التي في
بطنها جنين من مسلم بحضرة غير المسلمين
لعدم حرمة جنينها. (٥)
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ٧٠
(٢) بدائع الصنائع ٣٠١/١ - ٣٠٤
(٣) بدائع الصنائع ٣٠٣/١
(٤) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ١/ ٤٢٧
(٥) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ٤٢٩/١
- ١٢٢ -
جنين ٢٢
أربعة أشهر غسل، لقول الرسول اليه :
((والسقط يصلى عليه، والغسل واجب وإن لم
يستهل)). (١)
وعند الشافعية: إذا استهل الجنين أو تحرك،
ثم مات، غسل وصلي عليه، وإن لم يستهل ولم
يتحرك، فإن لم يكن له أربعة أشهر، كفن بخرقة
ودفن.
وإن تم له أربعة أشهر، ففي القديم يصلى
علیه، لأنه قد نفخ فيه الروح، وفي الأم لا
يصلى عليه وهو الأصح. ويقول الرملي: إن
الولد النازل بعد تمام ستة أشهر يجب فيه ما يجب
في الكبير من صلاة وغيرها، وإن نزل ميتا ولم
یعلم سبق حیاته ... ثم قال بعد ذلك: إن
للسقط أحوالا حاصلها: أنه إن لم يظهر فيه
خلق آدمي لا يجب فيه شيء. نعم یسن ستره
بخرقة ودفنه، وإن ظهر فيه خلقة ولم تظهر فيه
إمارة الحياة وجب فيه ماسوى الصلاة. (١)
وعند الحنابلة يقول ابن قدامة: إذا أكمل
السقط أربعة أشهر أوبان فيه خلق إنسان،
غسل وصلي عليه ولو لم يستهل، ويستحب
تسميته، ونقل جماعة أن ذلك بعد أربعة أشهر،
وفي الفروع : لا يجوز أن يصلى عليه
كالعلقة، (٢) وفي كل من الروض المربع،
وكشاف القناع: (٣) إذا ولد السقط لأكثر من
(١) نهاية المحتاج ٤٨٧/٢
(٢) الفروع ٢/ ٢١٠ط الثانية.
(٣) الروض المربع ١/ ٦٩، وكشاف القناع ٣٦٨/١
(١) حديث: ((السقط يصلى عليه)) أخرجه أبوداود (٥٢٣/٣ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٣٦٣/١ - ط دائرة
المعارف العثمانية) من حديث المغيرة بن شعبة وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
- ١٢٣ -
جهاد ١ - ٢
جهاد
التعريف :
١ - الجهاد مصدر جاهد، وهو من الجهد - بفتح
الجيم وضمها - أي الطاقة والمشقّة، وقيل:
الجهد - بفتح الجيم - هو المشقة، وبالضم
الطاقة . (١)
والجهاد القتال مع العدو كالمجاهدة، قال
تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ . (٢) وفي
الحديث الشريف: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن
جهاد ونية)). (٣) يقال: جاهد العدو مجاهدة
وجهادا إذا قاتله. وحقيقة الجهاد كما قال
الراغب: المبالغة واستفراغ الوسع في مدافعة
العدوباليد أو اللسان. أوما أطاق من شيء،
وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر،
والشيطان، والنفس. وتدخل الثلاثة في قوله
. (١) لسان العرب مادة: (جهد)، والقاموس المحيط، وتاج
العروس مادة: (جهد).
(٢) سورة الحج / ٧٨
(٣) حديث: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) أخرجه
البخاري (الفتح ٣/٦ - ط السلفية) ومسلم (١٤٨٧/٣ -
ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس.
تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾.
وقال ابن تيمية: الجهاد إما أن يكون بالقلب
كالعزم عليه، أو بالدعوة إلى الإِسلام وشرائعه،
أو بإقامة الحجة على المبطل، أو ببيان الحق
وإزالة الشبهة، أو بالرأي والتدبير فيما فيه نفع
المسلمين، أو بالقتال بنفسه. فيجب الجهاد
بغاية ما يمكنه. قال البهوتي : ومنه هجو
الكفار. كما كان حسان رضي الله عنه يهجو
أعداء النبي {آل﴾.(١)
والجهاد اصطلاحا: قتال مسلم کافرا غير
ذي عهد بعد دعوته للإِسلام وإبائه، إعلاء
لكلمة الله . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السير :
٢ - السير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من
السير. وقد غلبت في لسان الفقهاء على
الطرائق المأمور بها في غزو الكفار، وما يتعلق
بها، كغلبة لفظ (المناسك) على أمور الحج .
وقد سميت المغازي سيرا، لأن أول أمورها
السير إلى العدو، والمراد بها سير الإمام
(١) كشاف القناع ٣٦/٣
(٢) فتح القدير ٤/ ٢٧٧، والفتاوى الهندية ١٨٨/٢،
والخرشي ١٠٧/٢، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٠، وشرح
الزرقاني على الموطأ ٢٨٧/٢، وحاشية الشرقاوي
٣٩١/٣، وحاشية الباجوري ٢/ ٢٦٨
- ١٢٤ -
جهاد ٣ - ٥
ومعاملاته مع الغزاة، والأنصار، ومنع العداة
والكفار. (١)
ب - الغزو :
٣ - الغزومعناه الطلب، يقال: مامغزاك من
هذا الأمر أي ما مطلبك، وسمي الغازي،
غازيا لطلبه الغزو. (٢)
ويعرف كتاب الجهاد في غير كتب الفقه
بكتاب المغازي، وهو أيضا أعم لأنه جمع مغزاة
مصدر لِغَزا، إنزالا على الوحدة، والقياس غزو،
وغزوة للوحدة، كضربة وضرب، وهو قصد
العدو للقتال، خص في عرف الشارع بقتال
الكفار. (٣)
ج - الرباط :
٤ - الرباط هو الإقامة في مكان ليس وراءه
إسلام، ويتوقع هجوم العدومنه لقصد دفعه لله
تعالى .
. والرباط تأهب للجهاد، والأحاديث في
فضله كثيرة منها: مافي صحيح مسلم من
حديث سلمان رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله آل﴾ يقول: ((رباط يوم وليلة خير من
(١) ابن عابدين ٢١٧/٤ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح
القدير ١٨٧/٥، ١٨٨
(٢) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب ٢٢٦/٢
(٣) فتح القدير ١٨٧/٥ ومابعدها.
صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه
عمله الذي کان یعمله، وأجري عليه رزقه،
وأمن الفتان)). (١)
ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح:
(رباط).
تدرج مشروعية الجهاد :
٥ - الجهاد مشروع بالإِجماع، لقوله تعالى:
﴿كتب عليكم القتال﴾(٢) إلى غير ذلك من
الآيات، ولفعله وَليّة، وأمره به(٣) وأخرج
مسلم: ((من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه
مات على شعبة من نفاق)). (٤)
وقد کان الجهاد في عهد رسول الله (پڑ قبل
الهجرة غير مأذون فیه، لأن الذي أمر به ێے
أول الأمر هو التبليغ والإِنذار، والصبر على أذى
الكفار، والصفح والإِعراض عن المشركين،
وبدأ الأمر بالدعوة سرا ثم جهرا. (٥)
قال الله تعالى: ﴿فاصفح الصفح.
الجمیل﴾(٦) وقال أيضا: ﴿ادع إلى سبيل ربك
(١) فتح القدير ١٨٨/٥، وابن عابدين ٢١٧/٣، ٢١٨
وحديث: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر ... ))
أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٠ - ط الحلبي).
(٢) سورة البقرة / ٢١٦
(٣) المغني ٨/ ٣٤٦، وكشاف القناع ٣٢/٣
(٤) حديث: ((من مات ولم يغز ولم يحدث ... )) أخرجه مسلم
(١٥١٧/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٥) القرطبي ٧٢٢/١، وعمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير
٤٦/٢، وإمتاع الأسماع للمقريزي ٥١/١
(٦) سورة الحجر / ٨٥
- ١٢٥ -
جهاد ٥
بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي
أحسن﴾(١) وقال أيضا: ﴿فاصدع بما تؤمر
وأعرض عن المشركين﴾ (٢) ثم أذن الله بعد
ذلك للمسلمين في القتال إذا ابتدأهم الكفار
بالقتال، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة .
وذلك في قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون
بأنهم ظلموا﴾. (٣)
ثم شرع الله الابتداء بالقتال على الإِطلاق
بقوله تعالى : ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾(٤) وقوله:
﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾(٥) وتسمى هذه آية
السيف، وقيل: هي قوله تعالى : ﴿فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم﴾. (٦)
وقال رسول الله وَله: ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد
عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على
الله)) . (٧)
(١) سورة النحل / ١٢٥
(٢) سورة الحجر / ٩٤
(٣) سورة الحج / ٣٩
(٤) سورة التوبة / ٤١
(٥) سورة التوبة / ٣٦
(٦) سورة التوبة / ٥
(٧) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس .... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٦٢/٣ - ط السلفية) من حديث عمر بن
الخطاب.
وانظر: المبسوط السرخسي ٢/١٠، وروضة الطالبين
٢٠٤/١٠، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب
٤/ ١٧٥
والفقهاء على أنه ينبغي أن لا يترك الجهاد
كل سنة مرة على الأقل. (١) ومعنى ذلك أن
يوجه الإِمام كل سنة طائفة، ويزج بنفسه معها
أو يخرج بدله من يثق به، ليدعو الكفار
للإِسلام، ويرغبهم فيه، ثم يقاتلهم إذا أبوا،
لأن في تعطيله أكثر من سنة مايطمع العدوفي
المسلمين. فإن دعت الحاجة في السنة إلى أكثر
من مرة وجب، لأنه فرض على الكفاية فوجب
منه ما دعت الحاجة إليه، فإن دعت الحاجة إلى
تأخيره لضعف المسلمين، أو قلة ما يحتاج إليه في
قتالهم من العدة، أو المدد الذي يستعين به، أو
یکون الطریق إليهم فیها مانع، أولیس هنا
مؤن، أو للطمع في إسلامهم ونحو ذلك من
الأعذار، جاز تأخيره. لأن النبي (18 صالح
قريشا عشر سنين، (٢) وأخر قتالهم حتى نقضوا
الهدنة، وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير
هدنة. ولأنه إذا كان يرجى من النفع بتأخيره
أكثر مما يرجى من النفع بتقديمه وجب
تأخیره. (٣)
(١) ابن عابدين ٢١٨/٣، والدسوقي ١٧٣/٢، وجواهر
الإكليل ١/ ٢٥١، والمهذب ٢٢٦/٢، وروضة الطالبين
٢٠٨/١٠، والمغني ٨/ ٣٤٨، وكشاف القناع ٣٦/٣،
والإنصاف ١١٦/٤
(٢) حديث: ((أن النبي ﴿ صالح قريشا عشر سنين)) أخرجه
ابن اسحاق مرسلا عن الزهري كما في سيرة ابن هشام
(٣١٧/٢ - ط الحلبي).
(٣) المهذب ٢٢٦/٢، والمغني ٣٤٨/٨، وكشاف القناع
٣٦/٣، والإنصاف ١١٦/٤
- ١٢٦ -
جهاد ٦
فإذا لم يوجد ما يدعو إلى تأخير الجهاد فإنه
يستحب الإكثار منه، لقوله قاقير: ((والذي نفسي
بیده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحیا، ثم
أقتل ثم أحيا، ثم أقتل)).(١)
وروي أن النبي ◌َلّر غزا سبعا وعشرين
غزوة، وبعث خمسا وثلاثين سرية . (٢)
فضل الجهاد :
٦ - فضل الجهاد عظيم، وحاصله بذل الإِنسان
نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وتقربا بذلك إليه
سبحانه وتعالى .
ولقد فضل الله المجاهدين على القاعدين في
قوله عز وجل: ﴿لا يستوي القاعدون من
المؤمنين غير أولي الضرر، والمجاهدون في سبيل
الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين
بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا
وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على
القاعدين أجرا عظيما﴾. (٣)
وقوله تعالى : ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
سبلنا، وإن الله لمع المحسنين﴾ (٤) وقوله تعالى :
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
(١) حديث: ((والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في .... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٦/٦ - ط السلفية) من حديث
أبي هريرة.
(٢) المبسوط ٣/١٠، والمهذب ٢٧٧/٢
(٣) سورة النساء / ٩٥
٧ (٤) سورة العنكبوت / ٦٩
وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله
فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة
والإِنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله
فاستبشروا ببیعکم الذي بایعتم به، وذلك
هو الفوز العظيم). (١)
وقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في
سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم
يرزقون﴾ . (٢) .
وقد جاء أنه ټپڼ جعله أفضل الأعمال بعد
الإِيمان في حديث أبي هريرة قال: سئل رسول
الله على : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله
ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل
الله)). (٣)
وأفضل مايتطوع به الجهاد، وقد قال أحمد بن
حنبل: لا أعلم شيئا بعد الفرائض أفضل من
الجهاد، وقد روى هذه المسألة عن أحمد جماعة
من أصحابه. قال أحمد: الذين يقاتلون العدو
هم الذين يدفعون عن الإِسلام وعن حريمهم،
فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم
خائفون، قد بذلوا مهج أنفسهم .
والأحاديث متظاهرة بذلك: فعن أبي هريرة
(١) سورة التوبة / ١١١
(٢) سورة آل عمران / ١٦٩
(٣) حديث أبي هريرة: سئل رسول الله صل# .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٧٧/١ - ط السلفية) ومسلم (٨٨/١ - ط
الحلبي).
- ١٢٧ -
جهاد ٦
أن رجلا جاء إلى النبي ◌َّ فقال: دلني على
عمل یعدل الجهاد، قال: لا أجده، ثم قال:
هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل
مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟
قال: ومن يستطيع ذلك؟(١).
وعن أبي هريرة أيضا قال: سمعت رسول
الله له يقول: ((مثل المجاهد في سبيل الله -
والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم
القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله، بأن
یتوفاه أن يدخله الجنة، أو یرجعه سالما مع أجر أو
غنيمة)). (٢)
وعن أنس بن مالك أن النبي وَ ل# قال: ((ما
من عبد یموت له عند الله خیریسره أن يرجع
إلی الدنیا، وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهید لما
یری من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى
الدنيا فيقتل مرة أخرى)). (٣)
وعن بسر بن سعيد قال: حدثني زید بن
خالد أن رسول الله وَالر قال: ((من جهز غازيا في
سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا بخير فقد
غزا)). (٤)
(١) حديث: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٦/ ٤ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((مثل المجاهد في سبيل الله .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٦/ ٦ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((ما من عبد يموت له عند الله خير ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٥/٦ - ط السلفية).
(٤) حديث: ((من جهز غازيا في سبيل الله .... )) أخرجه=
وهذه الأحاديث وغيرها تتضافر على بيان
فضل الجهاد.
وقد صرح الحنابلة: بأن الجهاد في البحر
أفضل من الجهاد في البر، لحديث أم حرام
أن النبي وَ لـ نام عندها، ثم استيقظ وهو
يضحك، قالت: فقلت: ما أضحكك یا رسول
الله؟ قال: ((ناس من أمتي عرضوا عليَّ غُزاةً في
سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على
الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة)). (١)
ولأن البحر أعظم خطرا ومشقة، فإنه بين
العدو، وفيه خطر الغرق، ولا يتمكن من الفرار
إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره.
وكذلك القتال مع أهل الكتاب أفضل من
قتال غیرهم، لأنهم يقاتلون عن دین، ويؤيده
حديث أم خلاد من قوله وسلم: ((ابنك له أجر
شهيدين، قالت: ولم ذاك يارسول الله؟ قال:
لأنه قتله أهل الكتاب)). (٢)
البخاري (الفتح ٤٩/٦ - ط السلفية) ومسلم
=
(١٥٠٧/٣ - ط الحلبي).
(١) حديث: ((ناس من أمتي عرضوا علي .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٦/ ١٠ - ط السلفية) ومسلم (١٥١٨/٣ -
ط الحلبي)
(٢) كشاف القناع ٣٨/٣، ٤٠، والإنصاف ١١٩/٤ ،
١٢٠، والمغني ٨/ ٣٤٠، ٣٥٠
وحديث: ((إن ابنك له أجر شهيدين ... )) أخرجه
أبوداود (٣/ ١٣ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث
قیس بن شماس. وأعله المنذري بضعف راویین فیه، کما في
مختصره لأبي داود (٣٥٩/٣ - نشر دار المعرفة).
- ١٢٨ -
جهاد ٧ - ٨
الحكم التكليفي للجهاد :
٧ - الجهاد فرض في الجملة، والدليل على
فرضيته قوله عز وجل: ﴿كتب عليكم القتال
وهو كره لكم﴾، (١) وقوله تعالى: ﴿انفروا
خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في
سبیل الله﴾، (٢) وقوله ێ: «الجهاد ماض منذ
بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال)). (٣)
والمراد - والله أعلم - أنه فرض باق، لأن المضي
معناه النفاذ، والنفاذ إنما هو في الفرض من
الأحكام، فإن الندب والإِباحة لا يجب فيهما
الامتثال والنفاذ. (٤)
وقد نقل عن ابن عبدالبرأن الجهاد فرض
كفاية مع الخوف، ونافلة مع الأمن. (٥)
٨ - ثم اختلف القائلون بالفرضية :
فذهب الجمهور إلى أنه فرض على الكفاية
إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول
(١) سورة البقرة / ٢١٦
(٢) سورة التوبة / ٤١
(٣) حديث: ((الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر
أمتي الدجال)) أخرجه أبوداود (٣/ ٤٠ - تحقیق عزت عبيد
دعاس) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده جهالة كما
في فيض القدير للمناوي (٢٩٣/٣ - ط المكتبة التجارية).
(٤) فتح القدير ١٨٩/٥ ومابعدها، وجواهر الإكليل
٢٥١/١، وروضة الطالبين ٢٠٨/١٠، والإنصاف
١١٦/٤، والمغني ٣٤٥/٨
(٥) الدسوقي ١٧٣/٢، وجواهر الإكليل ٢٥١/١
المقصود وهو كسر شوكة المشركين، وإعزاز
الدين. ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض إليه
قوم يكفون في جهادهم، إما أن يكونوا جندا لهم
دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم
له تطوعا بحيث إذا قصدهم العدوحصلت
المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو
عنها، ويبعث في كل سنة جيشا يغيرون على
العدو في بلادهم.
وفرض الكفاية: ماقصد حصوله من غیر
شخص معين، فإن لم يوجد إلا واحد تعين
عليه، كرد السلام، والصلاة على الجنازة. (١)
فإذا لم يقم بالواجب من يكفي، أثم الناس
كلهم. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وما كان
المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا في الدين ولینذروا قومهم إذا
رجعوا إليهم﴾. (٢) واستدلوا كذلك بقوله
تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم
وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله
الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين
أجرا عظيما﴾. (٣)
واستدلوا لذلك بأن الجهاد ما فرض لعينه،
(١) ابن عابدين ٣/ ٢١٩، وكشاف القناع ٣٢/٣، ٣٣،
والمغني ٣٤٦/٨
(٢) سورة التوبة/ ١٢٢
(٣) سورة النساء/ ٩٥
- ١٢٩ -
جهاد ٨ - ٩
وإنما فرض لإِعزاز دين الله، ودفع الشر عن
العباد.
والمقصود أن يأمن المسلمون، ويتمكنوا من
القيام بمصالح دينهم ودنياهم. فإذا اشتغل
الكل بالجهاد لم يتفرغوا للقيام بمصالح دنياهم.
وقد كان رسول الله وير تارة يخرج، وتارة
یبعث غيره، حتى قال: « والذي نفسي بيده،
لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن
يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليهم، ما
تخلفت عن سریة تغدو في سبيل الله)).(١)
فهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع
جهاد غيرهم، فقد وعد الله كلا الحسنى،
والعاصي لا يوعد بها، ولا تفاضل بين مأجور
ومأزور. (٢)
وروى أبوسعيد الخدري رضي الله عنه أن
رسول الله وال# بعث إلى بني لحيان، وقال:
ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال
(١) حديث: ((والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من
المؤمنين ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٦/٦ - ط
السلفية) من حديث أبي هريرة.
وانظر: المبسوط ٣/١٠، والدسوقي ١٨٢/٢،
وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٠، والمهذب ٢٢٧/٢، ونهاية
المحتاج ٤٥/٨، والمغني ٣٤٥/٨، وكشاف القناع
٣٢/٣، ٣٣
(٢) المهذب ٢٢٦/٢، ونهاية المحتاج ٤٥/٨، والمغني
٨/ ٣٤٥، وكشاف القناع ٣٢/٣
للقاعدين: ((أيّكم خلف الخارج في أهله وماله
بخیر کان له مثل نصف أجر الخارج)». (١)
وقال سعيد بن المسيب: إن الجهاد من
فروض الأعيان. (٢) لقوله تعالى: ﴿انفروا
خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في
سبيل الله﴾. (٣)
وقوله: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا
أليما﴾. (٤) وقول الرسول وسلم: ((من مات ولم
يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة
من نفاق)). (٥) وأن القاعدين الموعودين بالحسنى
كانوا حراسا، أي كانوا من هذين كذلك. (٦)
متی یصیر الجهاد فرض عين؟
٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يصير الجهاد
فرض عين في كلٍّ من الحالات الآتية:
(١) حديث: ((ليخرج من كل رجلين رجل ... ))
صحیح مسلم ٢/ ١٠٠، وفي رواية «لینبعث من كل رجلين
أحدهما والأجر بينهما)).
(٢) نهاية المحتاج ٤٥/٨ وما بعدها، والمغني ٨/ ٣٤٥ وما
بعدها، وكشاف القناع ٢/ ٣٢ وما بعدها.
(٣) سورة التوبة / ٤١
(٤) سورة التوبة / ٣٩
(٥) حديث: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه
بالغزو ... )) أخرجه مسلم (١٥١٧/٣ - ط الحلبي) من
حديث أبي هريرة.
(٦) نهاية المحتاج ٨/ ٤٥ وما بعدها.
- ١٣٠ -
جهاد ٩
أ - إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان،
حرم على من حضر الانصراف، وتعین علیه
المقام، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا
لقيتم فئة فاثبتوا ... إلى قوله: واصبروا، إن
الله مع الصابرين﴾ .(١)
ب - إذا هجم العدو على قوم بغتة، فيتعين
عليهم الدفع ولو كان امرأة أو صبيا، أو هجم
علی من بقربهم، وليس لهم قدرة على دفعه،
فيتعين على من كان بمكان مقارب لهم أن
يقاتلوا معهم إن عجز من فجأهم العدوعن
الدفع عن أنفسهم، ومحل التعين على من
بقربهم إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من
عدو بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدو، وإلا
تركوا إعانتهم.
وعند الشافعية یعتبر من کان دون مسافة
القصر من البلدة كأهلها، ومن على المسافة
يلزمه الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها،
ومن يليهم. وأما من لم يفجأهم العدو فلا يتعين
عليهم، يستوي في ذلك المقل منهم والمكثر.
ومعناه: أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من
أهل القتال حين الحاجة لمجيء العدو إلیھم،
ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى تخلفه
لحفظ المكان والأهل والمال، ومن يمنعه الأمير
(١) سورة الأنفال/ ٤٥، ٤٦
من الخروج، أو من لا قدرة له على الخروج أو
القتال.(١)
وقد ذم الله تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى
منازلهم يوم الأحزاب فقال: ﴿ويستأذن فريق
منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي
(٢)
بعورة إن یریدون إلا فرارا
جـ - إذا استنفر الإِمام قوما لزمهم النفير معه
إلا من له عذر قاطع، لقول الله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل
الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من
الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا
قلیل﴾ . (٣)
وقال النبي قالالر: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن
جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)»(٤) وذلك لأن
أمر الجهاد موكول إلى الإِمام واجتهاده، ويلزم
الرعية طاعته فيما يراه من ذلك. (٥)
(١) ابن عابدين ٢٢١/٣، وفتح القدير ١٩٠/٥، والدسوقي
١٧٤/٢، وجواهر الإكليل ٢٥٣/١، وروضة الطالبين
٢١٥/١، ومغني المحتاج ٢١٩/٤، والمغني ٣٤٦/٨،
٣٤٧، وكشاف القناع ٣٧/٣
(٢) سورة الأحزاب/ ١٣
وانظر : فتح القدير ١٩١/٥، والمغني ٣٦٤/٨
(٣) سورة التوبة / ٣٨
(٤) حديث: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)). تقدم
تخريجه (ف/ ١). وانظر صحيح البخاري ٤/ ٦٦
(٥) حاشية الدسوقي ٢/ ١٧٥، وجواهر الإكليل ٢٥٢/١ ،
والمغني ٣٥٢/٨، والمحلى ٧/ ٢٩١
- ١٣١ -
جهاد ١٠ - ١١
ونص المالكية على أنه يتعين الجهاد بتعيين
الإِمام ولو لصبي مطيق للقتال أو امرأة، وتعيين
الإِمام إلجاؤه إليه وجبره عليه، كما يلزم بما فيه.
صلاح حاله، لا بمعنی عقابه علی ترکه، فلا
يقال: إن توجه الوجوب للصبي خرق
للإِجماع.(١)
حكمة تشريع الجهاد :
١٠ - القصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى
الإِسلام، أو الدخول في ذمة المسلمين ودفع
الجزية، وجريان أحكام الإِسلام عليهم،
وبذلك ينتهي تعرّضهم للمسلمين،
واعتداؤهم على بلادهم، ووقوفهم في طريق
نشر الدعوة الإسلامية، وينقطع دابر الفساد،
قال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة
ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على
الظالمين﴾ .(٢)
وقال عز وجل: ﴿هو الذي أرسل رسوله
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو
كره المشركون﴾. (٣)
وقد مضت سنة رسول الله {َ ﴾ وسيرته،
وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده على جهاد
الكفار، وتخييرهم بين ثلاثة أمور مرتبة وهي :
(١) حاشية الدسوقي ٢/ ١٧٥، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٢
(٢) سورة البقرة/ ١٩٣
(٣) سورة التوبة / ٣٣
قبول الدخول في الإِسلام، أو البقاء على دينهم
مع أداء الجزية، وعقد الذمة. فإن لم يقبلوا،
فالقتال.
ولا ينطبق هذا على مشركي العرب، على
تفصيل وخلاف ينظر في مصطلحي : (جزية،
وأهل الذمة).
الاستئذان في الجهاد :
أ - إذن الوالدين :
١١ - لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين
المسلمين، أو بإذن أحدهما إن كان الآخر
كافرا، إلا إذا تعين، كأن ينزل العدوبقوم من
المسلمين، ففرض على كل من يمكنه إعانتهم
أن يقصدهم مغيثا لهم، أذن الأبوان أم لم يأذنا،
إلا أن يضيعا، أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك
من يضيع منهما، لما روى عبد الله بن عمروبن
العاص قال: جاء رجل إلى رسول الله الآن ،
فاستأذنه في الجهاد، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((أحي والداك؟ قال: نعم، قال:
ففيهما فجاهد)).(١) فدل على أن بر الوالدين
مقدم على الجهاد. ولأن الأصل في الجهاد أنه
فرض على الكفاية ینوب عنه غيره فیه، وبر
(١) حديث: ((أحي والداك؟ قال: نعم ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٦/ ١٤٠ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٧٥
- ط الحلبي).
- ١٣٢ -
جهاد ١١
الوالدین فرض یتعین علیه، لأنه لا ینوب عنه
فيه غيره، ولهذا قال رجل لا بن عباس رضي الله
عنه: إني نذرت أن أغزو الروم، وإن أبوي
منعاني، فقال: ((أطع أبويك فإن الروم ستجد
من يغزوها غيرك)).
وروي نحو هذا عن عمر وعثمان رضي الله
عنهما، وبه قال الأوزاعي والثوري، وسائر أهل
العلم. (١)
وأما إن كان الأبوان كافرين أو أحدهما،
فیری جمهور الفقهاء أنه يجوز أن يجاهد من غير
إذنهما. لأن أصحاب رسول الله صلي كانوا
يجاهدون، وفيهم من له أبوان کافران من غير
استئذانهما، منهم أبوبكر الصديق وأبو حذيفة بن
عتبة بن ربيعة کان مع النبي ێے، وأبوه رئیس
المشركين. (٢)
ولأن الکافر متهم في الدین بالمنع من الجهاد
لمظنته قصد توهين الإِسلام.
وقال الحنفية، وهو ما صرح باستثنائه بعض
المالكية: إنه لا يخرج إلا بإذن الأبوين الكافرين
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٢٠، وجواهر الإكليل ٢٥٢/١،
وحاشية الدسوقي ١٧٥/٢، ١٧٦، والمهذب ٢٢٩/٢،
ونهاية المحتاج ٥٧/٨، والمغني ٣٥٨/٨، والمحلى
٢٩٢/٧
(٢) فتح القدير ١٩٤/٥، وابن عابدين ٣/ ٢٢٠، وحاشية
الدسوقي ١٧٥/٢، ١٧٦، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٢،
والمهذب ٢٢٩/٢، ونهاية المحتاج ٥٧/٨، والمغني
٣٥٩/٨، وكشاف القناع ٣/ ٤٤
أو أحدهما إذا كره خروجه مخافة ومشقة، وأما إذا
كان لكراهة قتال أهل دينه فلا يطيعه مالم يخف
عليه الضيعة. إذ لو كان معسرا محتاجا إلى
خدمته فرضت عليه ولو كافرا، وليس من
الصواب ترك فرض عين ليتوصل إلى فرض
كفاية، وبهذا قال الثوري لعموم الأخبار. (١)
وإن لم يكن له أبوان وله جد أو جدة لم يجز أن
يجاهد من غیر إذنهما، لأنهما كأبوين في البر، ولو
أذن له جده لأبيه وجدته لأمه، ولم یأذن له أبو
الأم وأم الأب، فصرح الحنفية بأنه لا بأس
بخروجه، لقيام أبي الأب وأم الأم مقام الأب
والأم عند فقدهما، والآخران كباقي الأجانب إلا
إذا عدم الأولان. (٢)
وإن کان له أب وجد، أو أم وجدة، فذهب
الشافعية في الأصح وهو رأي عند الحنابلة، إلى
أنه يلزمه استئذان الجد مع الأب، واستئذان
الجدة مع الأم، لأن وجود الأبوين لا يسقط بر
الجدین، ولا ينقص شفقتهما عليه .
والمذهب عند الحنابلة وهو قول لدى
الشافعية أنه لا يلزمه، لأن الأب والأم يحجبان
الجد والجدة عن الولاية والحضانة. (٣)
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٢٠، وحاشية الدسوقي ١٧٦/٢،
والمغني ٨/ ٣٥٩
(٢) ابن عابدين ٣/ ٢٠
(٣) المهذب ٢٢٩/٢، ونهاية المحتاج ٨/ ٥٧، وروضة
الطالبين ٢١١/١٠، والمغني ٣٥٩/٨، وكشاف القناع
٤٤/٣
- ١٣٣ -
جهاد ١٢ - ١٣
وإنما يجب استئذان الأبوين في الجهاد إذا لم
یکن متعینا، ولكن إذا تعین علیه الجهاد فلا إذن
لهما من غیر خلاف بين الفقهاء، لأنه صار فرض
عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية
الله .
قال الأوزاعي : لا طاعة للوالدين في ترك
الفرائض، والجمع، والحج، والقتال، لأنها
عبادة تعينت عليه فلم يعتبر إذن الأبوين فيها
كالصلاة . (١)
الرجوع عن الإذن :
١٢ - من خرج للجهاد بإذن الوالدين، ثم
رجعا عن الإِذن، أو كان الأبوان كافرين،
فأسلما بعد الخروج ولم يأذنا، وعلم المجاهد
الحال، يلزمه الانصراف إن لم يشرع في القتال،
ولم يحضر الوقعة عند الشافعية في المشهور،
والحنابلة، إلا أن يخاف على نفسه أوماله، أو
یخاف انكسار قلوب المسلمین، فلا يلزمه. فإن لم
یمکنه الانصراف للخوف، وأمکنه أن يقيم في
قرية في الطريق حتى يرجع الجيش، لزمه أن
يقيم. وعند الشافعية قول آخر: وهو أنه لا يلزمه
الانصراف.
وإن علم بعد الشروع في القتال، قال
الشافعية في الأصح: يحرم الانصراف، وتجب
(١) المراجع السابقة.
المصابرة، لعموم الأمر بالثبات، ولانكسار
القلوب بانصرافه، والثاني: لا يحرم، بل يجب
الانصراف، والثالث: يخير بين الانصراف
والمصابرة. وإن أحاط العدو بالمسلمين تعين
فرض الجهاد، وسقط الإِذن، لأن ترك الجهاد في
هذه الحالة يؤدي إلى الهلاك، فقدم على حق
الأبوين. (١)
وإن أذن له والداه في الغزو وشرطا عليه أن لا
يقاتل، فحضر القتال، تعين عليه القتال وسقط
شرطهما. وبذلك قال الأوزاعي وابن المنذر،
لأنه صار واجبا عليه، فلم يبق لهما في تركه
طاعة، ولو خرج بغير إذنهما فحضر القتال، ثم
بدا له الرجوع لم يجز له ذلك. (٢)
ب - إذن الدائن :
١٣ - اتفق الفقهاء على أنه لا يخرج المدين
للجهاد إذا كان الدين حالا ، واختلفوا فيما وراء
ذلك على أقوال :
فذهب الحنفية إلى أنه لا يخرج المدین بغیر
إذن غریمه ولو لم یکن له وفاء، لأنه يتعلق به حق
الغريم وهو الملازمة، فلو أذن له الدائن، ولم
يبرئه، فالمستحب الإِقامة لقضاء الدين، لأن
(١) روضة الطالبين ٢١٢/١٠، ونهاية المحتاج ٥٨/٨،
والمهذب ٢٢٩/٢، والمغني ٣٥٩/٨، ٣٦٠
(٢) المغني ٨/ ٣٥٩ وما بعدها.
- ١٣٤ -
جهاد ١٣
البدء بالأوجب أولى، فإن خرج فلا بأس،
وکذلك حكم الکفیل إذا کان بأمر الدائن،
ويستوي في وجوب الاستئذان، الكفيل بالمال
والكفيل بالنفس.
وأما إذا كان الدين مؤجلا فله الخروج بلا
إذن إن علم برجوعه قبل حلوله، لعدم توجه
المطالبة بقضاء الدين، لكن الأفضل الإِقامة
لقضائه .(١)
وعند المالكية يشترط الإِذن في الدين الحال
إذا كان يقدر على وفائه ببيع ما عنده، وإن لم
يكن قادرا على ذلك، أو كان مؤجلا ولا يحل في
غيبته خرج بغير إذن الدائن، فإن حل في
غيبته، وعنده ما يوفي منه، وكّل من يقضيه
عنه. (٢)
وقال الشافعية: إنه لا يخرج المدین في الدین
إذا كان حالا إن لم يكن معسرا، أي كان له
وفاء، وکذلك إن لم یکن له وفاء في قول.
والصحيح أنه ليس له منعه إذا کان معسرا إذ لا
مطالبة في الحال.
وإن كان الدين مؤجلا، فالأصح أنه لا يجوز
المنع، والثاني: يجوز إلا أن يقيم كفيلا بالدين.
والثالث: له المنع إن لم يخلف وفاء، وقيل: يجوز
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٢١
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ١٧٥، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٢
للدائن أن يمنع إن كان الدين يحل قبل
رجوعه . (١)
وعند الحنابلة لا يجوز الخروج سواء أكان
الدين حالا أم مؤجلا بغير إذن غريمه إلا أن
يترك وفاء، أویقیم به کفیلا أو یوثقه برهن . لما
روي أن رجلا جاء إلى رسول الله وَله، فقال
يارسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر
عني خطاياي؟ قال: ((نعم إن قتلت وأنت صابر
محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن
جبريل عليه السلام قال لي ذلك)). (٢)
ولأن عبد الله بن حرام والد جابر الصحابي
المعروف خرج إلى أحد وعليه دين كثير
فاستشهد، وقضاه عنه ابنه مع علم النبي وَل
من غیر نکیر، بل مدحه، وقال: ما زالت
الملائكة تظله بأجنحتها حتی رفعتموه. (٣) وقال
لابنه جابر: «أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ ما
كلم الله أحدا قط، إلا من وراء حجاب، وأحيا
أباك وكلمه كفاحا)). (٤)
(١) روضة الطالبين ٢١٠/١٠ -٢١١، ونهاية المحتاج
٥٧،٥٦/٨
(٢) حديث: ((أن رجلا جاء الى رسول الله الجزر ... )) أخرجه
مسلم (٣/ ١٥٠١ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة.
(٣) حديث: ((ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٦٣/٣ - ط السلفية) ومسلم (٤ /١٩١٨
- ط الحلبي). من حديث جابر بن عبدالله.
(٤) حديث: ((أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك)). أخرجه =
- ١٣٥ -
جهاد ١٤ - ١٥
ولأن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها
النفس، فيفوت الحق بفواتها. (١)
وأما إذا تعين الجهاد فلا خلاف بين الفقهاء
في أنه لا إذن لغریمه، لأنه تعلق بعينه، فكان
مقدما على مافي ذمته کسائر فروض الأعيان .
وصرح الحنابلة بأنه يستحب له أن لا یتعرض
لمظان القتل من المبارزة، والوقوف في أول
المقاتلة، لأن فيه تغريرا بتفويت الحق، بل يقف
وسط الصف أو حاشيته حفظا للدين. (٢)
ج - إذن الإِمام :
١٤ - صرح الشافعية والحنابلة بأنه يكره الغزو
من غير إذن الإِمام أو الأمير المولّی من قبله، لأن
الغزو على حسب حال الحاجة، والإِمام أو
الأمير أعرف بذلك، ولا يحرم، لأنه ليس فيه
أكثر من التغرير بالنفس، والتغرير بالنفس يجوز
في الجهاد.
ولأن أمر الحرب موكول إلى الأمير، وهو
أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو
وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه، لأنه أحوط
= الترمذي (٢٣٠/٥ - ط الحلبي) وقال: ((هذا حديث حسن
غریب)».
(١) المغني ٣٥٩/٨، ٣٦٠، وكشاف القناع ٤٤/٣، ٤٥.
(٢) ابن عابدين ٣/ ٢٢١، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥،
وجواهر الإِكليل ١/ ٢٥٢، ونهاية المحتاج ٨/ ٥٧،
وروضة الطالبين ٢١٤/١٠، والمغني ٣٦٠/٨، وكشاف
القناع ٤٥/٣.
للمسلمين، ولأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه
فالغزو أولى، إلا أن يفجأهم عدو يخافون
تمكنه، فلا يمكنهم الاستئذان، فيسقط الإِذن
باقتضاء قتالهم، والخروج إليهم لحصول الفساد
بتركهم انتظارا للإِذن .
ودليل ذلك أنه لما أغار الكفار على لقاح
النبي ◌َ 18ّ صادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من
المدينة فتبعهم وقاتلهم من غیر إذن ، فمدحه
النبي وَلّ، وقال: ((خيررجالتنا سلمة بن
الأكوع، وأعطاه سهم فارس وراجل.)) (١)
الجهاد مع الأئمة :
١٥ - صرح جمهور الفقهاء بأنه يغزى مع أمير
جیش ولو کان جائرا ارتكابا لأخف الضررين،
ولأن ترك الجهاد معه سوف يفضي إلى قطع
الجهاد، وظهور الكفار على المسلمين،
واستئصالهم وظهور كلمة الكفر، ونصرة الدین
واجبة. وكذا مع ظالم في أحكامه، أو فاسق
بجارحة، لا مع غادر ينقض العهد. (٢)
(١) المهذب ٢/ ٢٢٩، ونهاية المحتاج ٨/ ٦٠، وروضة
الطالبين ٢٣٨/١٠، والمغني ٣٦٤/٨.
وحديث ((خير رجالتنا سلمة بن الأكوع ... )) أخرجه
مسلم (١٤٣٩/٣ ط الحلبي) من حديث سلمة بن
الأكوع.
(٢) ابن عابدين ٢٢٢/٣، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥١،
وحاشية الدسوقي ٢/ ١٧٤، والمغني ٨/ ٣٥٠
- ١٣٦ -
جهاد ١٦ - ١٩
شروط وجوب الجهاد :
أ- الإِسلام:
١٦ - اتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب
الجهاد: الإِسلام، لأنه من شروط وجوب سائر
الفروع، ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد، ولا
يأذن له الإِمام بالخروج مع جيش المسلمين، لما
روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله دوله
خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فقال له :
(«تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع
فلن أستعين بمشرك)). (١)
ولأن ما يخاف من الضرر بحضوره أكثر مما
يرجى من المنفعة، وهو لا يؤمن مکره وغائلته،
لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة،
والكافر ليس من أهلها .
ب - العقل :
١٧ - المجنون غير مكلف فلا يجب عليه
الجهاد، ولا یتأتی منه.
ج - البلوغ :
١٨ - لا يجب الجهاد على الصبي غير البالغ
ضعيف البنية وهو غير مكلف. ففي
الصحيحين عن ابن عمر قال: ((عرضت على
(١) حديث: ((فارجع فلن أستعين بمشرك ... )) أخرجه
مسلم (٣/ ١٤٥٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
رسول الله وسيم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم
يجزني في المقاتلة)). (١)
وقد رد رسول الله (ێ يوم بدر أسامة بن زيد
والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وزيد بن
أرقم، وعرابة بن أوس، فجعلهم حرسا
للذراري والنساء، (٢) ولأن الجهاد عبادة تتعلق
بالبدن فلا يجب على الصبي والمجنون،
كالصوم والصلاة والحج .
د - الذكورة :
١٩ - تشترط الذكورة لوجوب الجهاد، لما روت
عائشة قالت: يا رسول الله، هل على النساء
جهاد؟ فقال: ((جهاد لا قتال فيه: الحج
والعمرة)). (٣)
(١) حديث ابن عمر: ((عرضت على رسول الله الخير ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٧٦/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٤٩٠/٣ - الحلبي).
وانظر : فتح القدير ١٩٣/٥ وما بعدها، وابن عابدين
٢٢١/٣، ٢٢٢، والمدونة ٥/٣ وحاشية الدسوقي
١٧٥/٢ والمهذب ٢/ ٢٣٠، ونهاية المحتاج ٥٢/٨
وروضة الطالبين ٢٠٩/١٠، ٢١٠، والمغني ٣٤٧/٨،
وكشاف القناع ٦٢/٣
(٢) حديث: ((وقد رد رسول الله ﴿ ﴿ يوم بدر ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٧/ ٢٩٠ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)). أخرجه ابن
ماجة (٩٦٨/٢ - ط الحلبي) وصححه ابن خزيمة
(٣٥٩/٤ - ط المكتب الإسلامي) من حديث عائشة.
- ١٣٧ -
جهاد ١٩ - ٢١
وعلى ذلك فلا يجب عليهن الجهاد مالم یتعین
في الأحوال الثلاثة المتقدمة.
أما إخراج النساء مع المجاهدين فيكره في
سرية لا يؤمن عليها، لأن فيه تعريضهن
للضياع، ويمنعهن الإِمام من الخروج للافتتان
بهن، ولسن من أهل القتال لاستيلاء الخور
والجبن علیھن، ولأنه لا يؤمن ظفر العدوبهن،
فيستحلون منهن ما حرم الله تعالى .
وصرح الحنابلة باستثناء امرأة الأمير
لحاجته، أو امرأة طاعنة في السن لمصلحة فقط،
فإنه يؤذن لمثلهما، لما روت الربيع بنت معوذ
قالت: كنا نغزو مع رسول الله ◌َّ فنسقي القوم
ونخدمهم الماء، ونرد الجرحى والقتلى إلى
المدينة . (١)
ولكن لا بأس بإخراج النساء مع المسلمين
إذا كانوا عسكرا عظيما يؤمن عليه، لأن الغالب
السلامة، والغالب كالمتحقق .
ولا يجب الجهاد على خنثی مشکل، لأنه لا
يعلم كونه ذكرا، فلا يجب مع الشك في
شرطه . (٢)
(١) حديث الربيع بنت معوذ: ((كنا نغزو مع
رسول الله # ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٦/ ٨٠ - ط
السلفية).
وانظر المغني ٨/ ٣٦٥، ٣٦٦
(٢) المرجع السابق.
هـ - القدرة على مؤنة الجهاد :
٢٠ - يشترط لوجوب الجهاد القدرة على تحصيل
السلاح.
وكذلك لا يجب على الفقير الذي لا يجد
ماينفق في طريقه فاضلا عن نفقة عياله، لقوله
عز وجل: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون
حرج﴾.(١)
فإن كان القتال على باب البلد أو حواليه
وجب عليه، لأنه لا يحتاج إلى نفقة الطريق،
وإن كان على مسافة تقصر فيها الصلاة ولم يقدر
على وسيلة تنقله لم يجب عليه، لقوله تعالى :
﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا
أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من
الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾. (٢)
وإن بذل له الإمام ما يحتاج إليه من وسيلة
نقل وجب عليه أن يقبل ويجاهد، لأن مايعطيه
الإِمام حق له، وإن بذل له غير الإِمام لم يلزمه
قبوله . (٣)
و - السلامة من الضرر :
٢١ - لا يجب الجهاد على العاجز غير
(١) سورة التوبة/ ٩١
(٢) سورة التوبة/ ٩٢
(٣) ابن عابدين ٣/ ٢٢٠، ٢٢١ وحاشية الدسوقي ٢/ ١٧٥،
وروضة الطالبين ١٠/ ٢١٠ والمغني ٣٤٨/٨
- ١٣٨ -
جهاد ٢١ - ٢٢
المستطيع، لأن العجزينفي الوجوب، والمستطيع
هو الصحيح في بدنه من المرض.
ومن ثم فلا يخرج المريض الدنف الذي
يمنعه مرضه من الركوب أو القتال، بأن تحصل
له مشقة لا تحتمل عادة.
ولا يسقط وجوب الجهاد بالمرض إن كان
يسيرا لا يمنعه، كوجع ضرس، وصداع
خفيف، ونحوهما، لأنه لا يتعذر معهما
الجهاد. (١)
وإن قدر على الخروج دون القتال فينبغي أن
يخرج لتكثير السواد إرهابا. (٢)
وكالمريض من له مريض لا متعهد له
غيره. (٣)
ولا يخرج الأعمى، ولا الأعرج، ولا المقعد،
ولا الأقطع، لأن هذه الأعذار تمنعهم من
الجهاد، وقد قال الله تعالى: ﴿لیس علی
الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على
المريض حرج﴾. (٤)
وقال: ﴿ليس على الضعفاء ولا على
المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون
حرج إذا نصحوا الله ورسوله﴾ . (٥)
(١) حاشية رد المحتار ٢٢١/٣ ونهاية المحتاج ٨/ ٥٥، والمغني
٣٤٨/٨ وكشاف القناع ٣٦/٣
(٢) رد المحتار ٢٢١/٣، وفتح القدير ١٩٣/٥
(٣) نهاية المحتاج ٨/ ٥٥
(٤) سورة الفتح / ١٧
(٥) سورة التوبة/ ٩٢
فأما الأعمى فمعروف أنه لا يصلح للقتال
فلم يجب علیه، وکالأعمی ذورمد، وضعيف
بصر لا يمكنه اتقاء السلاح، فإن كان يدرك
الشخص وما يتقيه من السلاح وجب عليه،
لأنه يقدر على القتال، وإن لم يدرك ذلك لم يجب
عليه، لأنه لا يقدر على القتال.
ويجب على الأعور والأعشى، وهو الذي
يبصر في النهار دون الليل، لأنه كالبصير في
القتال. (١)
وأما العرج فالمقصود به العرج الفاحش
الذي يمنع المشي الجيد والركوب كالزمانة
ونحوها، وهو عرج بين، ولو کان في رجل
واحدة، فإذا کان یسیرا یتمکن معه من الركوب
والمشي، وإن تعذر عليه شدة العدو، فلا يمنع
ذلك وجوب الجهاد، لأنه ممكن فشابه الأعور.
ومثل الأعرج الأقطع والأشل ولولمعظم
أصابع يد واحدة، إذ لا بطش لهما ولا نكاية،
ومثلهما فاقد الأنامل.
ولا تأثير لقطع أصابع الرجلين إذا أمكن معه
المشي من غير عرج بين. (٢)
من يمنعه الإِمام من الخروج في الجهاد :
٢٢ - صرح الشافعية والحنابلة بأنه يسن للإِمام
(١) نهاية المحتاج ٨/ ٥٥ ط مصطفى البابي الحلبي، والمهذب
٢٢٨/٢، وكشاف القناع ٣٦/٣
(٢) نهاية المحتاج ٨/ ٥٥، والمهذب ٢٢٨/٢
- ١٣٩ -
جهاد ٢٢ - ٢٣
أو نائبه منع مخذل ومرجف من الخروج وحضور
الصف وإخراجه منه ما لم يخش فتنة، بل يتجه
وجوب ذلك عليه حيث غلب على ظنه حصول
ذلك منه وأن بقاءه مضر بغيره. (١)
والمخذل من یصد غيره عن الغزوویزهدهم
في الخروج إليه مثل أن يقول: الحر أو البرد
شديد، والمشقة شديدة، ولا تؤمن هزيمة
الجيش وأشباه هذا. يقول الله عز وجل: ﴿لو
خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا
خِلالكم يبغونكم الفتنة﴾. (٢)
قيل في التفسير: لأوقعوا بينكم الاختلاف،
وقيل: لأسرعوا في تفريق جمعكم. (٣)
والمرجف هو الذي يقول: هلكت سرية
المسلمين وما لهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار ونحو
هذا، لقوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم
فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ . (٤)
ولا يأذن لمن يعين على المسلمين بالتجسس
للكفار، وإطلاعهم على عورات المسلمين،
ومکاتبتهم بأخبارهم، ودلالتهم على عوراتهم،
أو إيواء جواسيسهم، ولا من يوقع العداوة بين
(١) نهاية المحتاج ٥٧/٨، والمغني ٣٥١/٨، وروضة الطالبين
١٠/ ٢٤٠
(٢) سورة التوبة/ ٤٧
(٣) المهذب ٢/ ٢٣٠
(٤) سورة التوبة / ٤٦
المسلمين ويسعى بالفساد، الآية: ﴿ولکن كره
الله انبعاثهم﴾، ولأن هؤلاء مضرة على
المسلمين فيلزمه منعهم. (١)
وإن خرج معه أحد هؤلاء لم يسهم له، ولم
يرضخ، وإن أظهر عون المسلمين، لأنه يحتمل
أن یکون أظهره نفاقا وقد ظهر دلیله، فیکون
مجرد ضرر فلا يستحق مما غنموا شيئا، وإن كان
الأمیر أحد هؤلاء لم يستحب الخروج معه، لأنه
إذا منع خروج المخذل، والمرجف،
والجاسوس ونحوهم، تبعا فمتبوعا أولى، ولأنه
لا تؤمن المضرة على من صحبه. (٢)
هذا، وكل عذر منع وجوب الحج منع وجوب
الجهاد إلا خوف طريق من كفار، فإنه وإن منع
وجوب الحج لا یمنع وجوب الجهاد، لأن مبنی
الجهاد على ركوب المخاوف.
القتال على جعل :
٢٣ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يكره أخذ
الجعل على الجهاد، ما دام للمسلمين فيء، لأنه
لا ضرورة إلیه، ومال بیت المال معد لنوائب
المسلمين، والظاهر أن الكراهة تحريمية، لأن
حقيقة الأجر على الطاعة حرام، فما يشبهه
مكروه .
(١) المغني ٨/ ٣٥١
(٢) المغني ٨/ ٣٥١، وروضة الطالبين ١٠/ ٢٤٠
- ١٤٠ -