Indexed OCR Text

Pages 201-220

جزية ٧١ - ٧٢
وابن شبرمة وأبو يوسف من الحنفية إلى أن
الجزية لا تسقط عن الذمي إذا أسلم بعد انتهاء
الحول، أما إذا أسلم في أثناء الحول، فتسقط
عنه الجزية ولا يطالب بقسط ما مضى من السنة
وهذا قول عند الشافعية، وللشافعية قول آخر
وهو الصحيح عندهم: وهو أنها تؤخذ منه
بقسط ما مضى من السنة كالأجرة. (١)
واستدلوا لذلك بما يلي :
١ -أن الجزیة عوض عن حقن الدم، وقد وصل
إلى الذمي المعوض وهو حقن الدم، فصار
العوض وهو الجزية دينا في ذمته، فلا يسقط عنه
بالإِسلام كسائر الدیون.
٢ - أن الجزیة عوض عن سكنی الدار، وقد
استوفى الذمي منافع الدار المستأجرة، فلا تسقط
الأجرة بإسلام الذمي .
٣ - ولأن الجزية عند الشافعية تجب بالعقد
وجوبا غير مستقر، وتستقر بانقضاء الزمن
كالأجرة، فكلما مضت مدة من الحول استقر
قسطها من جزية الحول. (٢)
(١) حاشية قليوبي ٢٣٢/٤، والأم ٢٨٦/٤، والمهذب مع
المجموع ٢١٩/١٨، رحمة الأمة ٢/ ١٨١، ونهاية المحتاج
٨٨/٨، ومغني المحتاج ٢٤٩/٤، والأحكام السلطانية
للماوردي ص١٤٥، والخراج لأبي يوسف ص١٢٢،
وأحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٠٠، واختلاف الفقهاء
للطبري ص٢١٢
(٢) العناية شرح الهداية على هامش فتح القدير ٢٩٥/٥،
ونهاية المحتاج للرملي ٨/ ٨٧
الثاني : الموت :
٧٢ - اختلف الفقهاء في سقوط الجزية بالموت،
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن الجزية تسقط
بالموت مطلقا، سواء أحصل الموت في أثناء
الحول أم بعد انتهائه. (١) واستدلوا لذلك:
بأن الجزية وجبت عقوبة على الكفر،
فتسقط بالموت کالحدود .
ولأن الجزية وجبت وسيلة إلى الإِسلام،
وهذا المعنی لا یتحقق بعد الموت. (٢)
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الجزية
لا تسقط بالموت إذا حصل بعد انتهاء الحول.
بل تؤخذ من التركة كسائر الديون. أما إذا
حصل في أثناء الحول، فلا تسقط به أيضا في
القول المعتمد عند الشافعية، وتؤخذ من تركته
بقسط ما مضى من الحول. وتسقط عند الحنابلة
والشافعية في قول آخر لأنها لا تجب ولا تؤخذ
قبل كمال حولها(٣) واستدلوا لعدم سقوطها
بالموت بالأدلة الآتية :
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، والهداية ١٦١/٢، وفتح القدير
٢٩٥/٥، والبدائع ٤٣٣٢/٩، والخراج لأبي يوسف
ص١٢٣، وحاشية الدسوقي ٢٠٢/٢، والمنتقى للباجي
١٧٦/٢، ومنح الجليل ١ / ٧٥٩
(٢) البدائع للكاساني ٤٣٣٢/٩، والاختيار ١٣٨/٤،
والمنتقى للباجي ١٧٦/٢
(٣) روضة الطالبين ٣١٢/١٠، والأحكام السلطانية للماوردي
ص١٤٥، ومغني المحتاج ٢٤٩/٤، وحاشية القليوبي
٢٣٢/٤، ورحمة الأمة ١٨١/٢، والميزان=
- ٢٠١ -

جزية ٧٣
١ - ما أورده ابن القيم عن عبد الرحمن بن جنادة
۔کاتب حیان بن سریج ۔ وکان حیان بعثه إلى
عمر بن عبدالعزيز، وكتب يستفتيه أيجعل جزية
موتی القبط علی أحيائهم؟ فسأل عمر عن ذلك
عراك بن مالك - وعبدالرحمن يسمع - فقال:
ماسمعت لهم بعقد ولا عهد، إنما أخذوا عنوة
بمنزلة العبید، فکتب عمر إلی حیان بن سریج
يأمره: أن يجعل جزية الأموات على الأحياء.
٢ - ولأنها استقرت في ذمته بدلا عن العصمة
والسكنى، فلم تسقط بموته كسائر ديون
الآدمیین. (١)
الثالث: اجتماع جزية سنتين فأكثر :
٧٣ - اختلف الفقهاء في تداخل الجزی:
فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية
والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى عدم
التداخل وتجب الجزى كلها. (٢) واستدلوا
لذلك:
للشعراني ٢/ ١٨٥، والمغني ١١/٨، والمبدع ٤١٢/٣،
وكشاف القناع ١٢٣/٣، والإنصاف ٢٢٨/٤، والمذهب
الأحمد لابن الجوزي ص٢١٠
(١) الأموال لأبي عبيد ص٦٨ - ٦٩، الأموال لابن زنجوية
١/ ١٧٨، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ٦٠
(٢) حاشية الدسوقي ٢٠٢/٢، والمنتقى للباجي ١٧٦/٢،
ومنح الجليل ٧٥٩/١، وروضة الطالبين ٣١٢/١٠،
ورحمة الأمة للدمشقي ٢ / ١٨١، وأحكام القرآن
لإِنْكيا الهرّاسي ٤٩/٤، والمغني ٥١٢/٨، وأحكام أهل
الذمة لابن القيم ١/ ٦١، والمبدع ٤١٢/٣، وكشاف=
بأن الجزية حق مالي يجب في آخر کل حول،
فلم تتداخل كالزكاة والدية وغيرهما .
ولأن المدة لا تأثير لها في إسقاط الواجب
کخراج الأرض. (١)
وذهب أبوحنيفة إلى أنه إذا مضت على
الجزية سنة ودخلت ثانية فإن الجزی تتداخل،
فتسقط جزى السنوات الماضية ويطالب بجزية
السنة الحالية . (٢) واستدل لذلك:
بأن الجزية وجبت عقوبة على الكفر،
والعقوبات إذا تراكمت تداخلت خاصة إذا
کانت من جنس واحد کالحدود. ألا تری أن من
زنى مرارا ثم رفع أمره إلى الإِمام لم يستوف منه
إلا حدا واحدا بجميع الأفعال.
ولأن الجزية وجبت بدلا عن حقن الدم في
المستقبل، فإذا صاردمه محقونا في السنة
الماضية، فلا تؤخذ الجزية لأجلها، لانعدام
الحاجة إلى ذلك، كما إذا أسلم أومات تسقط
عنه الجزية، لعدم الحاجة إلى الحقن بالجزية.
ولأن الجزية ما وجبت إلا لرجاء الإِسلام، وإذا
= القناع ١٢٢/٣، والخراج لأبي يوسف ص١٢٣، والسير
لمحمد بن الحسن ص٢٦٣
(١) روضة الطالبين ٣١٢/١٠، والمغني ٥١٢/٨، وكشاف
القناع ١٢٢/٣، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ٦١
(٢) الهداية ٢/ ١٦١، وفتح القدير ٢٩٧/٥، والبدائع
٤٣٣/٩، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٢٠٠، وتبيين الحقائق
٢٧٩/٣
- ٢٠٢ -

جزية ٧٤ - ٧٥
لم يوجد حتى دخلت سنة أخرى انقطع الرجاء
فيما مضى، وبقي الرجاء في المستقبل فيؤخذ
للسنة المستقبلة . (١)
الرابع : طروء الإِعسار :
٧٤ - الإِعسار: ضيق الحال من جهة عدم
المال. (٢)
وقد اختلف العلماء في ذلك:
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن الجزية تسقط
عن الذمي بالإِعسار الطارىء سواء أطرأ عليه
الإِعسار في أثناء الحول أم بعد انتهائه. وبشرط
أن يكون قد أعسر أكثر الحول. لأن الإِعسار
مانع من وجوب الجزية ابتداء. (٣)
والمذهب عند الشافعية أن الجزية لا تسقط
عن الذمي بالإِعسار الطارىء لأنهم لا يعتبرون
الإِعسار مانعا من وجوب الجزية ابتداء. (٤) وإذا
(١) تبيين الحقائق ٢٧٩/٣، والبدائع ٤٣٣٣/٩، والاختيار
٤/ ١٣٩
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٣٧٣/٣
(٣) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣١، وتبيين الحقائق ٢٧٨/٣،
والخراج لأبي يوسف ص١٢٢، وحاشية الخرشي
١٤٥/٣، بلغة السالك ٣٦٧/١ -٣٦٨، ومنح الجليل
٧٥٨/١، وحاشية الدسوقي ٢٠٢/٢
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٥، وروضة الطالبين
٣٠٨/١٠، ونهاية المحتاج ٨٨/٨، والأم ٤/ ٢٧٩، ومغني
المحتاج ٢٤٦/٤، وحاشية القليوبي ٢٣٢/٤، والمحلى
٥٦٦/٧
كان ذلك كذلك فلا تسقط الجزية عنه، وتعتبر
دینا في ذمته، ویمهل إلى وقت يسار يتمكن فيه
من الأداء. أخذا بعموم قوله تعالى : ﴿وإن كان
ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ . (١)
وذهب الحنابلة إلى أن الجزية تسقط عن
الذمي بالإِعسار في أثناء الحول لأن الجزية لا
تجب، ولا تؤخذ قبل کمال الحول، أما إذا كان
الإِعسار بعد انتهاء الحول، فلا تسقط عنه
الجزية، وتصبح دینا في ذمته، وینظر ویمهل إلى
وقت يساريتمكن فيه من الأداء. (٢)
الخامس : الترهب والانعزال عن الناس :
٧٥ - إذا ترهب الذمي بعد عقد الذمة، فانعزل
عن الناس وانقطع للعبادة في الأديرة والصوامع،
فهل تسقط عنه الجزية؟
اختلف العلماء في ذلك:
فذهب الحنفية وابن القاسم من المالكية إلى
أن الجزیة تسقط بالترهب، لأنه مانع من وجوب
الجزية ابتداء فأشبه العجز والجنون، فتسقط عنه
مطلقا ولو متجمدة عن سنين .
وذهب الشافعية والأخوان (مطرف وابن
الماجشون) من المالكية إلى أن الجزية لا تسقط
بالترهب الطارىء، لأنه لا يعتبر مانعا من
وجوب الجزية ابتداء، فلا يعتبر عذراً لإسقاط
(١) سورة البقرة / ٢٨٠
(٢) كشاف القناع ١٢٢/٣
- ٢٠٣ -

جزية ٧٦ - ٧٧
الجزیة عمن وجبت علیه. وعلله الأخوان من
المالكية بأنه قد يتخذه وسيلة للتهرب من أداء
الجزية، فلا تسقط الجزية به.
وذهب الحنابلة إلى أن الترهب الطارىء
لا يسقط الجزية بعد انتهاء الحول، وتصبح دینا
في ذمته. أما إذا ترهب أثناء الحول فتسقط عنه
الجزية، لأنها لا تجب ولا تؤخذ قبل كمال
الحول.
وقالوا: المراد بالراهب الذي تسقط عنه
الجزية، هو من لا يبقى بيده مال إلا بلغته فقط
ويؤخذ مما بيده زائدا على ذلك، وأما الرهبان
الذين يخالطون الناس ويتخذون المتاجر والمزارع
فحكمهم كسائر النصارى تؤخذ منهم الجزية
اتفاقا . (١)
السادس : الجنون :
٧٦ - إذا أصيب الذمي - بعد الالتزام بالجزية -
بالجنون فقد اختلف الفقهاء في ذلك:
ذهب الحنفية والمالكية وهو قول للشافعية إلى
سقوطها بالجنون الطارىء إذا استمر أكثر العام،
لأنه يمنع وجوب الجزية ابتداء - كما بينا في
شروط وجوب الجزية -.
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، والاختيار ١٤٢/٣، وحاشية
الدسوقي ٢٠٢/٢، وحاشية الخرشي ٣/ ١٤٤، ومنح
الجليل ٧٥٩/١، والجامع لأحكام القرآن ١١٢/٨،
وروضة الطالبين ٣٠٧/١٠، ومغني المحتاج ٣٤٦/٤،
وكشاف القناع ١٢٢/٣
وذهب الشافعية في المعتمد عندهم إلى أن
الجنون الطاریء إن کان یسیرا کساعة من شهر
أویوم من سنة فلا تسقط. وإن کان کثیرا کیوم
إفاقة ويوم جنونا فإن الإِفاقة تلفق فإذا بلغت
سنة وجبت الجزية .
أما الجزية المستقرة في الذمة فلا تسقط
بالجنون طبقا لمذهبهم في عدم تداخل الجزية كما
سبق في (ف/ ٧٣).
وذهب الحنابلة وهو قول للشافعية إلى أن
الجنون الطارىء لا يسقط الجزية إذا كان بعد
انتهاء الحول. أما إذا طرأ الجنون في أثناء الحول
فتسقط الجزیة، لأنها لا تجب ولا تؤخذ قبل
كمال الحول. (١)
وفي قول للشافعية وهو الرابع عندهم أنها
تسقط ولا تجب.
السابع : العمى والزمانة والشيخوخة :
٧٧ - اختلف الفقهاء في ذلك تبعا لاختلافهم في
اشتراط السلامة من العاهات المزمنة التي سبق
الكلام عنها في شروط الجزية .
فذهب الحنفية إلى أن الجزية تسقط بهذه
العاهات، سواء أکان ما أصيب به في أثناء
الحول أم بعد انتهائه، واشترطوا أن تكون
(١) فتح القدير ٢٩٥/٥، وحاشية الخرشي ١٤٤/٣، ومنح
الجليل ١/ ٧٥٩، وشرح المحلي على المنهاج ٢٢٩/٤،
وكشاف القناع ١٢٢/٣
- ٢٠٤ -

جزية ٧٨
إصابته بإحدى تلك العاهات أكثر السنة. وهو
مقابل المذهب عند الشافعية مطلقا .
وذهب المالكية وأبو يوسف من الحنفية إلى أن
الجزية لا تسقط عن الذمي الذي أصيب
باحدی تلك العاهات إلا إذا كان فقيرا غير قادر
على أداء الجزية .
وذهب الشافعية إلى أن الجزية لا تسقط عن
الذمي الذي أصيب بإحدى تلك العاهات،
لأنها لا تعتبر مانعا من وجوب الجزية ابتداء.
وذهب الحنابلة إلى أنها لا تسقط عن الذمي
بعد تمام الحول، أما إذا أصيب بإحدى العاهات
السابقة أثناء الحول، فتسقط عنه الجزية، لأنها
لا تجب إلا بكمال الحول. (١)
الثامن: عدم حماية أهل الذمة:
٧٨ - على المسلمين في مقابل الجزية توفير
الحماية لأهل الذمة، والذب عنهم، ومنع من
يقصدهم بالاعتداء من المسلمين والكفار،
واستنقاذ من أسرمنهم، واسترجاع ما أخذ من
أموالهم سواء أكانوا يعيشون مع المسلمين أم
كانوا منفردين في بلد لهم. فإن لم تتمكن الدولة
(١) حاشية ابن عابدين ٢٠٠/٤، والإختيار ١٣٨/٤، وشرح
المحلى ٤/ ٢٣٠، والشرح الكبير على هامش حاشية
الدسوقي ٢/ ٢٠١، ومنح الجليل ١/ ٧٥٧، الخراج لأبي
یوسف ص١٢٣، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٥،
وكشاف القناع ١٢٢/٣
الإِسلامیة من حمایتهم والدفع عنهم حتى مضى
الحول، فهل يطالبون بالجزية أم تسقط عنهم؟
صرح الشافعية بأن الجزية تسقط عن أهل
الذمة إذا لم تتمكن الدولة من حماية الذميين.
لأنهم بذلوا الجزية، لحفظهم وحفظ أموالهم،
فإن لم تدفع الدولة عنهم، لم تجب الجزية
عليهم، لأن الجزية للحفظ وذلك لم يوجد، فلم
يجب ما في مقابلته، كما لا تجب الأجرة إذا لم
يوجد التمكين من المنفعة .
ولم نجد لغير الشافعية تصريحا بالسقوط إذا لم
تحصل الحماية مع قولهم بوجوب الحماية .
وقد ذكر أبويوسف عن أبي عبيدة بن الجراح
أنه عندما أعلمه نوابه على مدن الشام بتجمع
الروم لمقابلة المسلمين كتب إليهم أن ردوا الجزية
على من أخذتموها منه، وأمرهم أن يقولوا لهم:
إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع
لنا من الجموع، وأنكم اشترطتم علينا أن
نمنعكم، وإنا لا نقدرعلى ذلك، وقد رددنا
عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على
الشروط ماكتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله
عليهم.(١)
(١) البدائع ٩/ ٤٤٠٢، والقوانين الفقهية ص١٧٦، والفروق
.
للقرافي ١٤/٣ - ١٥، والمهذب للشيرازي ٢٥١/١٨،
وبشرح المجموع الطبعة المصرية، مطالب أولي النهى
٦٠٢/٢، ٦٠٣، والكافي لابن قدامة ٣٦٤/٣
- ٢٠٥ -

جزية ٧٨ - ٧٩
وقال البلاذري : حدثني أبوحفص الدمشقي
قال: حدثنا سعيد بن عبدالعزيز قال: ((بلغني
أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ
المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على
أهل حمص ماكانوا أخذوا منهم من الخراج.
وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم،
فأنتم على أمركم. فقال أهل حمص: لولايتكم
وعدلُكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم
والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع
عاملكم، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة
لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب
ونجهد فأغلقوا الأبواب وحرسوها». وكذلك
فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى
واليهود. وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على
المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه، وإلا فإنا على
أمرنا مابقي للمسلمين عدد، فلما هزم الله
الكفرة وأظهر المسلمين فتحوا مدنهم وأخرجوا
المقلسين، فلعبوا وأدوا الخراج. (١)
وجاء في كتاب صلح حبيب بن مسلمة مع
أهل تفليس: (٢).
(١) فتوح البلدان ص١٤٣. قال في النهاية المقلسون: هم
الذين يلعبون بين يدي الأمير إذا وصل البلد، والواحد :
مقلسّ. (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير
٤ / ١٠٠) ط. دار الفكر ببيروت.
(٢) تفليس (بفتح التاء وسكون الفاء): بلد بأرمينية الأولى.
(معجم البلدان لياقوت ٣٥/٢ - ٣٦).
(( ... وإن عرض للمسلمين شغل عنكم
فقهرکم عدوكم فغیر مأخوذین بذلك)). (١)
هذه السوابق التاريخية حدثت في عصر
الصحابة رضوان الله عليهم، وعلموا بها وسكتوا
عنها، فيعتبر إجماعا سكوتيا.
وقد نقل الإِجماع على ذلك ابن حزم حيث
قال في مراتب الإجماع: ((إن من كان في الذمة،
وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب
علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح،
ونموت دون ذلك، صونا لمن هو في ذمة الله
تعالی وذمة رسوله پ#، فإن تسلیمه دون ذلك
إهمال لعقد الذمة)) وحكي في ذلك إجماع
الأمة. (٢)
التاسع : إشتراك الذميين في القتال مع
المسلمين :
٧٩ - صرح بعض الفقهاء بأن الجزية لا تسقط
عن الذميين بالاشتراك في القتال مع المسلمين.
قال الشلبي في حاشيته على شرح كنز
الدقائق: ((ألا ترى أن الإِمام لو استعان بأهل
الذمة سنة، فقاتلوا معه لا تسقط عنهم جزية
تلك السنة، لأنه يلزم حينئذ تغيير المشروع،
وليس للإِمام ذلك، وهذا لأن الشرع جعل
(١) فتوح البلدان للبلادري ص ٢٨٣ - ٢٨٤
(٢) الفروق ١٤/٣
- ٢٠٦ -

جزية ٨٠
طريق النصرة في حق الذمي المال دون النفس.
وكره المالكية الاستعانة بأهل الذمة في
القتال.
فقال الباجي في المنتقى: ((الجهاد أن يقاتل
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله والمشرك لا يقاتل
· لذلك، ولأنه ممن يلزم أن يقاتل عنه وتمنع
الاستعانة به في الحرب وإن استعين به في
الأعمال والصنائع والخدمة. (١)
والأصل في ذلك ماروي عن عائشة رضي
الله عنها: ((إنا لا نستعين بمشرك)). (٢)
وانظر بحث: (جهاد) - الاستعانة بالكفار.
مصارف الجزية :
٨٠ - اتفق الفقهاء على أن الجزية تصرف في
مصارف الفيء، حتى رأی کثیر منهم أن اسم
الفيء شامل للجزية. ويصرف الفيء في
مصالح المسلمين العامة ومرافق الدولة الهامة:
کأرزاق المجاهدین وذراريهم وسد الثغور، وبناء
الجسور، والمساجد والقناطر، وإصلاح الأنهار
التي لا مالك لها، ورواتب الموظفين من القضاة
(١) حاشية الشلبي على شرح كنز الدقائق مع تبيين الحقائق
٢٧٨/٣، الأم ٢٧٩/٤، وكشاف القناع ١٢٥/٣،
والمنتقى ١٧٩/٣
(٢) حديث: ((إنا لا نستعين بمشرك)) أخرجه أبوداود (١٧٢/٣
- ط عزت عبيد الدعاس) وابن ماجة (٩٤٥/٢ - ط عيسى
الحلبي)، من حديث عائشة. وأصله في مسلم (٣/ ١٤٤٩
- ١٤٥٠ - ط عيسى الحلبي) من حديثها كذلك.
والمدرسين والعلماء والمفتين والعمال وغير
ذلك.(١)
وفي تقدير ذلك وما يراعى فيه يراجع
مصطلح: (بيت المال ، وفيء).
239797
(١) تبيين الحقائق ٣/ ٢٨٣، والخراج لأبي يوسف
ص ١٢٤، وبدائع الصنائع ٢/ ٩٥٩، وحاشية ابن
عابدين ٢١٧/٤، الهداية ٢/ ١٦٤، والاختيار ٤/ ١٤١ ،
ومجمع الأنهر ٦٧٧/١، وبداية المجتهد ١/ ٤٠٧، الأم
٤ / ١٤٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٤،
وروضة الطالبين ٦/ ٣٥٤، ورحمة الأمة الدمشقي
١٧٩/٢، وكفاية الأخيار للحصني ٣٢/٢
- ٢٠٧ -

جعالة ١ - ٣
جعالة
التعريف :
١ - الجعل بالضم الأجر، يقال: جعلت له
جعلا، والجعالة بكسر الجيم وبعضهم يحكي
التثليث اسم لما يجعل للإِنسان على فعل شيءٍ.
والجَعيلة مثال كريمة، لغة في الجعل.(١)
وعرفها المالكية : بأن يجعل الرجل للرجل
أجرا معلوما، ولا ینقده إياه على أن يعمل له في
زمن معلوم أو مجهول، مما فيه منفعة للجاعل،
على أنه إن أكمل العمل كان له الجعل، وإن لم
يتمه فلا شيء له، مما لا منفعة فيه للجاعل إلا
بعد تمامه .
وعرفها الشافعية : بأنها التزام عوض معلوم
على عمل معين معلوم، أو مجهول يعسر
ضبطه .
وعرفها الحنابلة : بأنها تسمية مال معلوم لمن
يعمل للجاعل عملا مباحا ولو كان مجهولا أولمن
یعمل له مدة ولو كانت مجهولة .(٢)
(١) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((جعل)).
(٢) حاشية البجيرمي على شرح الخطيب ٣/ ١٧٠، والخرشي
٦٩/٧، وكشاف القناع، وشرح المنتهى ٤١٧/٢، ٤٤٢،
٤٤٣
الألفاظ ذات الصلة :
الإجارة :
ء
٢ - الإجارة : لغة مصدر آجر وهي الكراء.
واصطلاحا تمليك منفعة معلومة بعوض
معلوم. والفرق بينهما أن الجعالة قد تكون على
مجهول، بخلاف الإِجارة.
حكم الجعالة ، ودليل شرعيتها :
٣ - عقد الجعالة مباح شرعا عند المالكية
والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية يقولون:
إنها جائزة بطريق الرخصة، اتفاقا، والقياس
عدم جوازها بل عدم صحتها للغرر الذي
يتضمنه عقدها، وإنما خرجت عن ذلك إلى
الجواز للأدلة التالية :
في الكتاب ، والسنة، والمعقول.
فمن الكتاب قوله تعالى : ﴿ولمن جاء به حمل
بعير﴾(١) وكان حمل البعير معلوما عندهم وهو
الوسق وهو ستون صاعا، وشرع من قبلنا شرع
لنا إذا قص علينا من غير نكير، ولم يثبت
نسخه، ومن خالف في هذه القاعدة جعله
استئناسا.
ومن السنة حديث رقية الصحابي، (٢) وهوما
روي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري :
أن أناسا من أصحاب رسول الله وَ ل أتوا حيا
(١) سورة يوسف/ ٧٢
(٢) الرقية: كلام يستشفى به من العارض.
- ٢٠٨ -

جعالة ٣
من أحياء العرب فلم يقروهم، (١) فبينما هم
كذلك إذ لدغ سيد أولئك القوم فقالوا: هل
فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل إلا
أن تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيع شاء،
فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل
فبرىء الرجل فأتوهم بالشاء، فقالوا :
لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صل# فسألوا
الرسول والر عن ذلك فضحك وقال: ((ما أدراك
أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي معكم بسهم)). (٢)
وفي رواية عن ابن عباس، فقال: ((إن أحق
ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)). (٣) ومن السنة
أيضا ماروي عن رسول الله و الفر أنه قال يوم
حنين: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله
سلبه)) . (٤)
ومن المعقول أن حاجة الناس قد تدعو إليها
لرد مال ضائع، أو عمل لا يقدر عليه الجاعل
ولا يجد من يتطوع به، ولا تصح الإِجارة عليه
(١) لم يقروهم: لم يضيفوهم.
(٢) حديث: ((ما أدراك أنها رقية)). أخرجه البخاري (الفتح
١٩٨/١٠ - ط السلفية)، ومسلم (١٧٢٧/٤ - ط الحلبي)
عن أبي سعيد الخدري.
(٣) حديث: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)).
أخرجه البخاري (الفتح ١٩٩/١٠ - ط السلفية) من
حدیث عبدالله بن عباس.
(٤) حديث: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)). أخرجه
البخاري (الفتح ٣٥/٨ - ط السلفية)، ومسلم (١٣٧١/٣
- ط الحلبي) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
لجهالته، فجازت شرعا للحاجة إليها كالمضاربة
(ر: مضاربة). (١)
وقال الحنفية: بعدم جوازها في غیر جعل
العبد الآبق، ودليل المنع عندهم ما في الجعالة
من تعليق التملك على الخطر (أي التردد بين
الوجود والعدم) كما أن الجعالة التي لم توجه إلى
معين لم يوجد فيها من يقبل العقد فانتفى
العقد. (٢)
والجعالة تختلف عن الإِجارة - عند الشافعية
وغيرهم من المذاهب المجيزة لها - في بعض
الأحکام وهي كما يلي:
الأول : صحة الجعالة على عمل مجهول
یعسر ضبطه وتعيينه کرد مال ضائع .
الثاني : صحة الجعالة مع عامل غير معين.
الثالث : كون العامل لا يستحق الجعل إلا
بعد تمام العمل.
الرابع : لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل
بالقبول.
(١) المهذب ١/ ٤١١، والبجيرمي على الخطيب ٣/ ١٧١،
والبجيرمي على المنهج ٢١٧/٣، والعدوي على شرح أبي
الحسن ١٦٢/٢، ومنح الجليل ٣/٤، والمقدمات
٣٠٨/٢، ٣٠٩، والمغني ٦/ ٣٥٠، والمحلى ٢٠٤/٨ .
٢١٠ مسألة ١٣٢٧.
(٢) ابن عابدين ٥٨/٥ ٢٥٨، والزيلعي ٢٢٦/٦، والمبسوط
١٧/١١، والبدائع ٢٠٣/٦
- ٢٠٩ -

جعالة ٤
الخامس : جهالة العوض في الجعالة في
بعض الأحوال .
السادس: يشترط في الجعالة عدم التأقيت
لمدة العمل.
السابع : الجعالة عقد غير لازم .
الثامن: سقوط كل العوض بفسخ العامل
قبل تمام العمل المجاعل عليه .
وزاد ابن عرفة من المالكية: أن الجعالة تتميز
أيضا عن المساقاة والمضاربة والمزارعة بأن العوض
فيها غير ناشىء عن محل العمل.
وزاد الحنابلة: أنه يصح في الجعالة الجمع
بين تقدير المدة والعمل، بخلاف الإِجارة .
أركان الجعالة :
أركان الجعالة أربعة: (الأول) الصيغة (الثاني)
المتعاقدان، (الثالث) العمل، (الرابع) الجعل.
صيغة الجعالة :
٤ - الصيغة عند القائلين بالجعالة هي كل لفظ
دال على الإِذن في العمل بعوض معلوم،
مقصود وملتزم، سواء أكان الإِذن عاما لكل من
سمعه أو علم به، مثل أن يقول الجاعل: من رد
ضالتي أو ضالة فلان فله كذا، أم کان الإِذن
خاصا بشخص معین مثل أن يقول له : إن
رددت ضالتي فلك كذا، لأنها عقد معاوضة
فيحتاج إلى صيغة تدل على المطلوب وقدر
المبذول عوضا كالإِجارة، والأخرس تكفي
إشارته المفهمة لذلك. وأما الناطق إذا كتب
ذلك ونواه فإنه يصح منه ولا يشترط في الصيغة
قبول العامل لفظا وإن عينه، لما فيه من التضييق
في محل الحاجة بل يكفي العمل منه، وكذا
لا يشترط حضور العامل وقت إيجاب الجاعل
وإعلانه .
ولا تشترط أيضا المطابقة بين الإيجاب
والقبول، فلوقال الجاعل: إن رددت ضالتي
فلك دینار، فقال العامل: أردها بنصف دینار،
فالراجح القطع باستحقاقه للدينار، لأن القبول
لا أثر له في الجعالة، قال هذا الجويني، وذکر
القمولي نحوه .
إلا أن الحنابلة يستثنون من ذلك حالتين
لا يشترط فيهما صدور ما يدل على الإِذن
والالتزام من المالك أو الجاعل .
الأولی : رد العبد الآبق إن کان الراد له غیر
الإِمام .
الثانية: تخليص الشخص متاع غيره من
مكان يظن هلاكه، أو تلفه على مالكه في تركه
فيه .
وقال المالكية: لا يشترط إيقاع العقد من
الجانبين في حالة ما إذا أتى بالضالة أو الآبق من
اعتاد طلب الضوال والأباق وردها إلى أصحابها
- ٢١٠ -

جعالة ٥ - ٦
بعوض فيستحق وإن لم يقع من صاحبها
التزام . (١)
ردّ العامل المعين للجعالة :
٥ - قال الشافعية: إن العامل المعين لو رفض
قبول عقد الجعالة ورده من أصله فقال: لا أرد
الضالة مثلا أورددت الجعالة، أو لا أقبلها، ثم
عمل، لم يستحق شيئا إلا بعقد جديد، وهو
صريح في أنها تبطل برفض العامل ورده لها .
ويؤخذ من كلام الجويني إمام الحرمين،
والقمولي السابق: أنها لا تبطل بذلك، وحمل
بعض الشافعية قولهما هذا على ما لوقبل العامل
الجعالة ورفض العوض وحده كقوله: أرد
الضالة بلا شيء. (٢)
ولم يعثر لغير الشافعية من المذاهب على
شيء في هذه المسألة .
عقد الجعالة قبل تمام العمل هل هو لازم؟
٦ - قال الشافعية والحنابلة وهو الراجح عند
(١) الأنوار بحاشية الكمثري عليه ٤١٧/١، ٤١٨، وتحفة
المحتاج ٣٦٦/٢، ٣٦٧، ونهاية المحتاج ٤/ ٣٤١، ٣٤٣،
ومغني المحتاج ٢/ ٤٣٠، وأسنى المطالب ٤٣٩/٢،
وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣/ ١٧١، وحاشية
الصاوي على الشرح الصغير ٢٥٦/٣، ٢٥٧، وحاشية
العدوي على شرح أبي الحسن ١٦٢/٢، وكشاف القناع
وبهامشه شرح المنتهى ٤١٩/٢، ٤٤٦، والمحرر ٣٧٢/١
(٢) نهاية المحتاج، وحاشية الشبرامسلي ٤/ ٣٤٣
المالكية: إن الجعالة عقد غير لازم لكل من
المتعاقدين قبل شروع العامل في العمل فيجوز
لکل من المتعاقدين الرجوع فیه بدون أن يترتب
على ذلك أي أثر، لأنها من جهة الجاعل تعليق
استحقاق العامل للجعل بشرط، وأما من جهة
العامل فلأن العمل فيها مجهول، وما كان
كذلك لا يتصف عقده باللزوم .
ويقابل هذا قول عند المالكية: بأنها عقد
لازم لكل من المتعاقدين - ولو قبل الشروع
كالإِجارة، وقيل عندهم أيضا: إنها عقد لازم
للجاعل فقط بمجرد إيجابه أو إعلانه دون
العامل، وأما بعد شروع العامل في العمل
المجاعل عليه وقبل تمامه، فعند الشافعية
والحنابلة العقد غير لازم أيضا لكل منهما، كما
قبل الشروع في العمل.
وهذا قول المالكية أيضا بالنسبة للعامل، أما
الجاعل فقال المالكية: إنها تلزمه في هذه الحالة
على الراجح، فلا يكون له حق الرجوع عن
تعاقده هذا حتى لا يبطل على العامل عمله،
والظاهر أنه لا يكون له حق الرجوع حتى ولو
كان العمل الذي حصل به الشروع قليلا لا
قیمة له . (١)
(١) أسنى المطالب ٢/ ٤٤٢، ونهاية المحتاج ٣٤٨/٤،
والخرشي ٧/ ٧٠، ٧٦، وحاشية الصاوي على الشرح
الصغير ٢٥٧/٢، والمقدمات ٣٠٧/٢، وكشاف القناع
٤١٩/٢.
- ٢١١ -

جعالة ٧ - ٩
المتعاقدان :
مايشترط في الملتزم بالجعل :
٧ - قال الشافعية والحنابلة: يشترط في الملتزم
بالجعل أن يكون صحيح التصرف فيها يجعله
عوضا، وأن يكون مختارا فلا يصح العقد بالتزام
صبي، أو مجنون، أو محجور علیه بسفه، أو
مكره. وبمثل هذا قال المالكية، إلا أنهم قالوا:
إن هذه شرائط لزوم العقد لملتزم الجعل، وأما
أصل صحة العقد فيتوقف على كونه مميزا فقط.
مايشترط في العامل :
٨ - قال الشافعية: يشترط في العامل المعين
أهلیته للعمل بأن یکون قادرا علیه، فلا يصح
العقد من عاجز عن العمل، کصغیر، وضعیف
لا یقدر علیه، لأن منفعته معدومة . أما إذا كان
العامل غير معین فیکفي علمه بإعلان الجاعل،
ولا يشترط قدرته على العمل أصلا، ويكفي
أن يأذن أو يوكل من يعمل. ولا يشترط في
العامل بنوعيه معينا أو غير معين بلوغ ولا عقل،
ولا رشد ولا حرية، ولا إذن ولي أوسید، فيصح
العقد من صبي ومجنون له نوع تمییز ومخجور عليه
بسفه، وعبد على الراجح.
وقال المالكية: كل ماكان شرطا في الجاعل
كان شرطا في العامل بزيادة العمل عليه(١) ولم
نعثر للحنابلة على شيء في هذه المسألة.
(١) نهاية المحتاج ٣٤٠/٤، وحاشية البجيرمي على الخطيب=
النيابة في عقد الجعالة :
٩ - قال الشافعية: إذا كان العاقد - الملتزم
بالجعل - وكيلا أو وليا صح العقد، ويجب الجعل
في مال الموكل والمولى عليه بشريطة أن يكون
التعاقد على وجه المصلحة بأن يكون الجعل قدر
أجرة مثل ذلك العمل أو أقل، أما إذا زاد عن
أجرة المثل، فإن العقد يكون فاسدا، وتجب
أجرة المثل في مال المولى عليه، وإذا كان العامل
معينا فلا يجوز له أن يستنيب غيره في العمل
علی الراجح، إلا إن کان العمل لا يليق به، أو
لم يكن يحسنه، أو عجز عنه، وعلم الجاعل
بذلك وقت التعاقد، أما إن طرأ له طارىء
یعجزه عن العمل کمرض أو سفر ونحوه، فلا
يجوز له أن يوكل غيره في العمل.
وأما العامل غير المعين ممن سمع الإِعلان
العام بالجعالة، فيجوز له توكيل غيره في العمل
ويكون العقد صحيحا، ولم نعثر لغير الشافعية
على شيء في هذه المسألة.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا كان
العاقد الملتزم بالجعل - فضوليا(١) فإنه يصح
١٧٢/٣، وتحفة المحتاج ٣٦٦/٢، وشرح المحلي
=
بحاشيتي قليوبي وعميرة ٣/ ١٣٠، والروض المربع
٢٣٣/١، وكشاف القناع ٢١٧/٢، والخرشي ٧/ ٧٠،
وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢/ ٢٥٦، والحطاب
والتاج والإكليل ٤٥٢/٥
(١) الفضولي لغة: هو المشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى=
- ٢١٢ -

جعالة ١٠ - ١٤
التزامه عن نفسه، ويجب الجعل في ماله عند
الشافعية لأنه التزمه . (١)
محل العقد وشرائطه :
أنواعه :
١٠ - الأعمال المتعاقد عليها في عقد الجعالة - من
حیث المراد منها نوعان :
أحدهما: مايراد بالتعاقد عليه استحداث
نتيجة جديدة، كتعليم علم أو حرفة أو إخبار فيه
غرض، أوحج، أو خياطة، أو دلالة، أورقية
مریض بدعاء جائز أو تمریضه أو مداواته حتی
الشفاء أو غير ذلك.
والثاني: مایراد بالتعاقد عليه رده وإعادته
لناشده، كرد مال ضائع أو ضالة، أو آبق
ونحوه .
أما من حيث مايصح التعاقد عليه جعالة وما
لا يصح، فقال الشافعية:
١١ - أ- يصح عقد الجعالة على كل عمل
مجهول يتعذر ضبطه ووصفه بحیث لا تصح
الإِجارة علیه، کرد ضالة مثلا، لأن الجهالة إذا
احتملت في المضاربة توصلا إلى الربح الزائد
الفضول جمع فضل أي الزيادة، واصطلاحا: من
=
يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي.
(١) تحفة المحتاج ٣٦٦/٢، ٣٦٧، ٣٩٤، وأسنى المطالب
وحاشية الرملي عليه ٤٣٩/٢، ٤٤٢، ونهاية المحتاج
٣٤٢/٤، ٣٤٣، والخرشي ٧٦/٧، وكشاف القناع
٤١٨/٢
من غير ضرورة، فاحتمالها في الجعالة توصلا إلى
أصل المال اضطرارا أولی، فإن کان لا يتعذر
ضبطه فلابد من ضبطه ووصفه، إذ لا حاجة
لاحتمال جهالته، ففي بناء حائط مثلا یذکر
موضعه وطوله وعرضه وارتفاعه ومايبنى به .
١٢ - ب - وكذلك يصح عقد الجعالة على عمل.
معلوم تصح الإِجارة عليه - كقول الجاعل: ((من
ردّ ضالتي من موضع كذا)) أو خياطة موصوفة -
على الراجح لأنها إذا جازت مع جهالة العمل
فمع معلومیته أولى . وبمثل هذا كله قال
الحنابلة، إلا أن الحنابلة: يرون عدم صحة
الجعالة مطلقا على مداواة المريض حتى الشفاء
لأنه مجهول لا یمکن ضبطه .
وقال المالكية: العمل المجاعل عليه أنواع:
١٣ - أ - فبعضه تصح فيه الجعالة والإِجارة وهو
کثیر، ولا يشترط فيه أن یکون مجهولا ، وذلك
كأن يتعاقدا على بيع سلع قليلة وشراء السلع
القليلة والكثيرة، واقتضاء الديون، وحفر البئر
في أرض مباحة للعامة، لأنهما إن تعاقدا على
مقدار مخصوص من الأذرع كان إجارة، وإن
تعاقدا على ظهور الماء في البئر كان جعالة.
١٤ - ب - وبعضه تصح فيه الجعالة دون
الإِجارة، وذلك كأن يتعاقدا على الإِتيان بالبعير
الشارد، أو العبد الآبق ونحوهما من كل مايكون
العمل فيه مجهولا ، فتشترط الجهالة بالعمل هنا
تحصيلا لمصلحة العقد، لأن معلوميته
- ٢١٣ -

جعالة ١٥ - ١٨
للمتعاقدین أو لأحدهما توجب الغرر فیه، كأن
لا يجد البعير الشارد مثلا في المكان المعلوم
المتعاقد على الإِتيان به منه فيذهب عمله مجانا
وتضيع مصلحة العقد.
١٥ - جـ ــ وبعضه تصح فيه الإِجارة دون
الجعالة وهو كثير أيضا، كأن يتعاقدا على عمل
في أرض مملوكة للجاعل كحفر بئر مثلا، وكذا
التعاقد على خياطة ثوب أو خدمة شهر، أو بيع
سلع كثيرة، وما أشبه ذلك مما يبقى للجاعل فيه
منفعة إن لم يتم العامل العمل.
١٦ - أما مشارطة الطبيب على الشفاء من
المرض، والمعلم على حفظ القرآن مثلا، وكراء
السفن، فقال ابن الحاجب: إنها تصح إجارة
وتصح جعالة، وزاد عليها ابن شاس:
المغارسة، وقال ابن عبدالسلام: إن هذه
الفروع كلها من الإِجارة فقط على الراجح في
المذهب، ونص سحنون على أن الأصل في
مداواة المريض الجعالة. (١)
(١) تحفة المحتاج ٣٦٧/٢، ٣٦٨، ونهاية المحتاج ٣٣٩/٤،
ومغني المحتاج ٤٢٩/٢، ٤٣٠، والأنوار ٤١٨/١،
وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢/ ١٦٣، وحاشية
الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤/ ٦٣، ٦٦،
والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧/ ٧٠ - ٧٤، والفروق
١٢/٤، ١٣، والمقدمات ٣٠٩/٢، ٣١٠، والمغني
٣٥١/٦، ٣٥٤، وكشاف القناع ٤١٧/٢، ٤١٩
المشقة في العمل :
١٧ - قال الشافعية والحنابلة: يشترط في العمل
المتعاقد عليه في عقد الجعالة أن يكون مما فيه
تعب ومشقة أومؤنة، کرد آبق، أوضالة، أو
دلالة على شيء من غير من بيده الشيء، أو
إخبار عن شيء بشرط أن يكون فيه تعب، وأن
یکون المخبر صادقا في إخباره، وأن يكون
للمستخبر غرض في المخبر به.
وقيد الأذرعي هذا: بما إذا كانت المشقة
حادثة بعد عقد الجعالة، فإن كانت قبله فلا
عبرة بها لأنها محض تبرع حينئذ.
ولم يشترط المالكية هذا الشرط، بل اتفقوا
على جواز الجعالة في الشيء اليسير، واختلفوا
في غيره، قال القاضي عبدالوهاب وغيره : إنها
تجوز في الشيء اليسير دون غيره، والراجح أنها
تجوز في كل مالا يكون للجاعل فيه منفعة إلا
بتمامه سواء أكان يسيرا أم غير يسير، وهو
المذهب. (١)
كون العمل مباحا غير واجب على العامل :
١٨ - قال الشافعية: يشترط في العمل أن يكون
مباحا غير واجب على العامل أداؤه فلا يصح
(١) تحفة المحتاج ٣٦٧/٢، والأنوار ١/ ٤١٨، وأسنى المطالب
٤٤١/٢، ونهاية المحتاج ٣٤٤/٤، والمقدمات ٣٠٨/٢،
٣٠٩، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ١٦٢/٢،
وكشاف القناع ٢/ ٤١٧
- ٢١٤ -

جعالة ١٨ - ١٩
عقد الجعالة على عمل غير مباح كغناء،
ورقص، وعمل خمر، ونحوه کما لا يصح العقد
أيضا إذا كان العمل المطلوب أداؤه بالعقد واجبا
على العامل وإن كان فيه مشقة، نحو: رد
الغاصب والسارق العين المغصوبة والمسروقة
لصاحبها بعد أن سمع إعلانه الجعل على ذلك
لأن ماوجب عليه شرعا لا يمكن أن يقابل
بعوض.
ولا يشمل هذا ما يجب على العامل بطريق
الکفایة، کتخلیص من نحو: حبس وقضاءحاجة
ودفع ظالم، فإنه جائز وإن وجب علیه لکن
بشرط أن تكون فيه مشقة تقابل بأجرة.
وکذلك لا يشمل هذا ما لورد الشيء من هو
بيده أمانة نحو: أن یرد شخص دابة دخلت داره
لصاحبها بعد أن جاعل عليها، فإنه يستحق
العوض بالرد، لأن الواجب عليه التخلية بينها
وبین صاحبها، أما ردها فلا يجب عليه.
وبمثل هذا الشرط أيضا قال المالكية .
وبه أيضا قال الحنابلة إلا أنهم قسموا العمل
الواجب على العامل إلى قسمين:
(الأول) مايثاب عليه ولا ينتفع به سواه
كالصلاة والصيام، فهذا لا تصح الجعالة عليه .
(الثاني) مایثاب عليه وینتفع به غيره کالأذان
ونحوه من حج، وتعليم علم، وقرآن، وقضاء
وإفتاء، فهذا تصح الجعالة عليه على الراجح.
واستثنی الحنابلة أيضا: ما إذا كان العمل رد
آبق، فإن الراد له يستحق الجعل ولو كان الرد
واجبا عليه سوى الإِمام كما سيأتي . (١)
تأقيت العمل :
١٩ - قال المالكية والشافعية: يشترط لصحة
عقد الجعالة عدم تأقیت العمل بوقت محدد، فلو
قال الجاعل مثلا: من رد ضالتي إلى نهاية شهر
رمضان فله دينار لم يصح العقد، لأن تقدير المدة
يخل بمقصود العقد فقد لا يجد العامل الضالة
خلال المدة المقدرة فيضيع سعيه ولا يحصل
الغرض، وسواء أضاف إلی کلامه هذا من محل
کذا أم لا ، لأنه قد لا يجده فيه.
إلا أن المالكية قالوا: إن تأقيت العمل يفسد
العقد في حالة ما إذا لم يشترط العامل أن له أن
یترك العمل متی شاء، ویکون له من العوض
بحساب ما عمل، لأن العامل دخل في العقد
على أن يتم العمل، وإن كان له الترك متى شاء
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٣٤٤/٤، وتحفة
المحتاج ٣٦٧/٢، وحاشية البجيرمي على الخطيب
١٧٣/٣، وحاشية البجيرمي على المنهج ٢١٨/٣، ٢١٩،
وحاشية القليوبي على شرح المحلي ١٣١/٣، والمقدمات
٣١٠/٢، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن
١٦٣/٢، وحاشية العدوي على الخرشي ٧/ ٧٤،
وكشاف القناع وشرح المنتهى ٢/ ٤١٨، ٤١٩، ٤٤٦
- ٢١٥ -

جعالة ٢٠ - ٢١
لعدم لزوم العقد - فحينئذ یکون غرره قویا .
أما إن شرط العامل ذلك، أو اشترط عليه،
فإنه يجوز تأقیت العمل في العقد حينئذ، ویکون
صحيحا لأن العامل دخل في العقد ابتداء على
أنه مخیر فغرره حينئذ خفيف.
وكذلك يجوز تأقيت العمل ويصح العقد إذا
جعل للعامل الجعل بتمام الزمن المحدد في العقد
سواء أتم العمل أم لا، إلا أن العقد یکون قد
خرج حينئذ من الجعالة إلى الإِجارة.
وقال الحنابلة: يصح عقد الجعالة وإن كان
العمل فيها مؤقتا بمدة معلومة، لأن المدة إذا
جازت في هذا العقد مجهولة فمع تقديرها
ومعلومیتها أولی .(١)
تضمن العمل نفعا للجاعل :
٢٠ - قال الشافعية وهو الراجح عند المالكية:
يشترط أن يكون للجاعل في العمل المجاعل
عليه غرض ومنفعة تعود عليه بتحققه، فلو قال:
من أخبر ني بكذا فله دينار، صح العقد
بالشرائط السابقة .
ولو جاعل شخص شخصا آخر على أن
(١) الأنوار ٤١٨/١، وأسنى المطالب ٤٤١/٢، وحاشية
الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٦٦/٤، والخرشي
وحاشية العدوي عليه ٧/ ٧٤، والمقدمات ٣٠٥/٢،
٣٠٧، وشرح المنتهى بهامش كشاف القناع ٤٤٣/٢
يصعد هذا الجبل، وينزل منه مثلا من غير أن
یکون للجاعل فیه منفعة بإتيان حاجة منه لا
يصح العقد.
كما يشترط عند المالكية أن يكون العمل لا
منفعة فیه للجاعل إلا بتمامه.
وقال الحنابلة: يشترط أن يكون العمل في
الجعالة للجاعل، فلو قال شخص: من ركب
دابتي مثلا فله كذا لا يصح العقد، لئلا يجتمع
للعامل الأمران النفع والعوض. وصرحوا بأنه
يجوز أن ينادي غير رب الضالة: من رد ضالة
فلان فله کذا فیصح العقد، فإن ردت یکون
العوض على المنادي لأنه ضمنها. (١)
الجعل ومايشترط فيه :
معلوميته :
٢١ - قال المالكية والشافعية والحنابلة: يشترط
لصحة عقد الجعالة أن يكون الجعل مالا معلوما
جنسا وقدرا، لأن جهالة العوض تفوّت المقصود
من عقد الجعالة، إذ لا یکاد أحد يرغب في
العمل مع جهله بالجعل، هذا فضلا عن أنه لا
حاجة لجهالته في العقد، بخلاف العمل
والعامل حيث تغتفر جهالتهما للحاجة إلى
ذلك.
ومعلومیة الجعل تحصل بمشاهدته أو وصفه
(١) شرح المنتهى ٢/ ٤٧٠ ط السنة المحمدية.
- ٢١٦ -

جعالة ٢٢ - ٢٣
إن كان عينا، وبوصفه إن كان دينا. إلا أن
المالکیة قالوا: لو کان الجعل عینا معینة - ذهبا أو
فضة مضروبا عليها - فإنه لا يصح أن تكون
جعلا، وإن كان العقد صحيحا، فللجاعل
الانتفاع بها، ويغرم مثلها إذا أتم العامل
العمل، وإن كان الجعل مثليا، أو موزونا لا
يخشى تغيره خلال فترة العمل المجاعل علیه،
أو ثوبا فإنه يصح العقد واجعل، فإن کان یخشی
تغیره، أو کان حیوانا، فإنه لا يصح أن یکون
جعلا، والعقد فاسد على الراجح، لأن الأصل
في المنهي عنه الفساد.
مالا يشترط فيه المعلومية :
٢٢ - قال الشافعية: يستثنى من اشتراط
المعلومية في الجعل حالتان:
الأولى: ما لوجعل الإِمام أو قائد الجيش لمن
يدل على فتح قلعة للكفار المحاربين جعلا منها
کفرس ونحوه، فإنه يجوز مع جهالة العوض
للحاجة إلى مثل ذلك وقت الحرب.
الثانية: ما لوقال شخص لآخر: حج عني
بنفقتك، فإنه يجوز مع جهالة النفقة، وقال
الماوردي : هي جعالة فاسدة، وصرح بذلك
الشافعي في الأم.
وقال الحنابلة: يحتمل أن تجوز الجعالة مع
جهالة الجعل إذا كانت الجهالة لا تمنع التسليم،
نحو أن يقول الجاعل: من رد ضالتي فله ثلثها،
أو قال القائد للجيش في الغزو: من جاء بعشرة
رءوس فله رأس، أو جعل جعلا لمن يد له على
قلعة أو طريق سهل مثلا، وكان الجعل من مال
الأعداء، فيجوز أن یکون مجهولا کفرس یعینها
العامل.
أما المالكية فقد استثنوا حالات أخرى:
الأولى : أن يجاعل غيره على أن يغرس له
أصولا حتى تبلغ حدا معینا فتکون هي (أي
الزيادة) والأصل بينهما، فإنه يجوز.
الثانية : أن يجاعله على تحصيل الدين بجزء
(أي معلوم کثلث أوربع مما يحصله، فإنه جائز
على الأظهر عند المالكية، وإن کان المروي عن
مالك أنه لا يجوز.
الثالثة : أن يجاعله على حصاد الزرع، أو
جذ النخل علی جزء منه یسمیه، فإنه لا خلاف
في جواز المجاعلة فیه علی هذا، لأنه لا يلزم
واحدا منهما . (١)
اشتراط كون الجعل حلالا، ومقدورا على
تسليمه :
٢٣ - قال المالكية والشافعية والحنابلة: يشترط
في الجعل أن يكون طاهرا، مقدورا على
تسلیمه، مملوكا للجاعل، فما كان منه نجسا، أو
(١) نهاية المحتاج ٣٤٥/٤، وحاشية البجيرمي على الخطيب
١٧٣/٣
وأسنى المطالب ٢/ ٤٤١، ومغني المحتاج ٢/ ٤٣١،
وحاشيتي قليوبي وعميرة على شرح المحلي ٣/ ١٣١،
والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧/ ٧٦، والمقدمات
٣٠٥/٢، والخطاب والتاج والإكليل بها مشه ٤٥٢/٥،
والمغني ٦/ ٣٥١
- ٢١٧ -

جعالة ٢٤ - ٢٦
غير مقدور على تسليمه لأي سبب كان، أوغير
مملوك للجاعل يفسد العقد.(١)
تعجيل الجعل قبل تمام العمل :
٢٤ - قال المالكية والشافعية: يشترط لصحة
الجعالة عدم اشتراط تعجيل الجعل، فلوشرط
تعجيله قبل العمل فسد العقد بهذا الشرط،
فإن سلمه الجاعل للعامل بلا شرط، فلا يجوز
أن يتصرف فيه قبل الفراغ من العمل على
الراجح، لأنه لا يستحقه ولا یملكه إلا بعد تمام
العمل .
قال المالكية: وسواء أحصل نقد وتسليم
للجعل بالفعل أم لا، وذلك لدوران الجعل بین
المعاوضة - إن وجد العامل الضالة مثلا وأوصلها
إلی الجاعل - وبین القرض إن لم یوصلها له بأن
لم يجدها أصلا، أو وجدها وأفلتت منه في
الطريق، والدوران بينهما من أبواب الربا، لأنه
قرض جر نفعا احتمالا، وأما النقد والتسليم
للجعل تطوعا بغير شرط فيجوز، والعقد
صحیح، إذ لا محذور فیه.(٢)
(١) حاشية البجيرمي على شرح الطلاب ٢١٩/٣، ونهاية
المحتاج ٣٤٥/٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
للدردير ٦٣/٤، والمغني ٦/ ٣٥
(٢) حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب ٢١٨/٣،
وتحفة المحتاج ٣٦٦/٢، والخرشي ٧٣/٧، وحاشية
العدوي على شرح أبي الحسن ٢/ ١٦٣، وحاشية
الصاوي على الشرح الصغير ٢٥٦/٢
آثار عقد الجعالة :
لزوم عقد الجعالة بعد تمام العمل :
٢٥ - اتفق القائلون بالجعالة على أن عقد
الجعالة بعد تمام العمل يصبح لازما لأنه لا أثر
يترتب على رجوع الجاعل عن العقد، أو ترك
العامل العمل حينئذ، لأن الجعل قد لزم واستقر
على الجاعل. (١)
صفة يد العامل على مال الجاعل :
٢٦ - اتفق القائلون بالجعالة على أن يد العامل
على ما وقع في يده من مال الجاعل إلى أن يرده -
إذا کانت الجعالة علی رده - ید أمانة لا ضمان،
فإن رفع يده عنه وخلاه رغما عنه، أو بلا تقصير
وتفريط، كأن تركه عند الحاكم فتلف أو هرب لم
يضمنه. أما إن رفع يده عنه وخلاه بتفريط أو
تقصير في حفظه، كأن تركه في مكان يضيع فيه
غالبا أو يتلف فإنه يضمنه، ويعتبر من التفريط
الموجب للضمان أن يستعمل العامل المال في
عمل خاص به کرکوب الدابة مثلا، فإن رکبها
ضمنها إن هلكت. (٢)
(١) نهاية المحتاج ٣٤٨/٤، وأسنى المطالب ٤٤٢/٢،
والخرشي ٧/ ٧٦، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير
٢٥٧/٢، والمغني ٦/ ٣٥١، وكشاف القناع ٢/ ٤١٧
(٢) نهاية المحتاج ٤/ ٣٥٠، وأسنى المطالب وحاشية الرملي
عليه ٢ / ٤٤٢، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣/ ١٧٥،
وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٦٣/٤، =
- ٢١٨ -

جعالة ٢٧ - ٢٩
النفقة على المال وهو في يد العامل :
٢٧ - قال المالكية: تجب النفقة على العامل
خلال فترة وجود المال المجاعل عليه ولو
استغرقت الجعل كله، وهذا إذا كان العامل
معتادا طلب الضوال وردها لأصحابها بعوض،
سواء أوجب له جعل المثل أم الجعل المسمى،
ولکن یمکنه إذا كان المال في بلد بعيد، ونفقته
تستغرق الجعل أن يرفع الأمر إلى قاضي هذا
البلد لیبیع المال ویحکم له بجعله، أما إن جاء به
فليس له غير الجعل الذي جعل له، أو جعل
مثله، أما إن كان العامل ليس من عادته طلب
الضوال والأبّاق، ولم يحدث التزام بالجعل من
المالك، أوكان ولم يعلم به هذا العامل، فإنه
تجب له النفقة فقط ويرجع بها على المالك.
وقال ابن الماجشون: لا شيء له من نفقة
ولا جعل.
٢٨ - والمراد بالنفقة التي يرجع بها العامل على
المالك عند اللقاني من المالكية: ما أنفقه العامل
على الضالة أو الآبق مثلا من أكل وشرب
ولباس احتاج له في خلال فترة رده. أما ما أنفقه
العامل على نفسه ودابته مثلا في خلال فترة
تحصیله، ورده فهذه على العامل لا يرجع بها
على المالك.
وخالفه الأجهوري من المالكية فقال: إن
وحاشية العدوي على الخرشي ٧/ ٧١، وكشاف القناع
٤٢٠/٢
النفقة المرادة هنا، هي ما أنفقه العامل على
نفسه وعلى الضالة مثلا من أجرة مركب أو دابة
اضطر لها، بحيث لم يكن الحامل على صرف
هذه الأموال إلا تحصيلها وردها لمالكها .
وأما ما أنفقه عليها من أكل وشرب ونحوهما
فعلى المالك على كل حال، يرجع به العامل
عليه، سواء أكان للعامل الجعل المسمى أم
جعل المثل أم نفقة التحصيل والبحث، وأما ما
شأنه أن ينفقه العامل على نفسه في الحضر
کالأكل والشرب فلا يرجع به على المالك. وما
قاله اللقاني هو الراجح.
٢٩ - وقال الشافعية: إن كان المال يحتاج إلى
نفقة لصيانته وبقائه ورده فنفقته - من حين وضع
يد العامل عليه إلى أن يرده - على مالكه لا
على العامل، فإن أنفق علیه العامل خلال هذه
الفترة بدون إذن المالك، أو القاضي، أوبدون
أن يشهد على ذلك شهودا، بأن كان في مكان
لا یوجد فيه قاض أو لتعذر الإشهاد، فإنه یکون
متبرعا بإنفاقه هذا، ولا يكون له حق الرجوع بما
أنفقه على مالك المال ولو قصد الرجوع عليه،
أما إن تحقق من العامل أحد هذه الأمور فله أن
يرجع بالنفقة على المالك ویقضي له بها.
ولو تعذر على العامل رد الضالة أو الآبق إلا
ببيع بعضه والإِنفاق عليه من ثمنه، لم يجز له
ذلك.
وبوجوب النفقة على المالك أيضا قال
- ٢١٩ -

جعالة ٣٠ - ٣١
الحنابلة، إلا أنهم خالفوا الشافعية في أن للعامل
أن يرجع بها على المالك إن کان حيا، أو يأخذها
من تركته إن كان قد مات ولولم يستأذنه في
الإنفاق مع القدرة على الاستئذان سواء أكان
العامل يستحق جعلا أم لا، وسواء أكان المال
بید العامل وسلمه للمالك أم لا ، حتی لوهربت
الضالة مثلا منه، أوماتت في الطريق فله
الرجوع على المالك بما أنفق عليها قبل هربها أو
موتها، لأن الإِنفاق مأذون فيه شرعا لحرمة
النفس، وحثا على صيانة المال لمالكه، فأشبه
مالو أنفق العامل على الضالة بإذن مالكها.
وهذا كله مالم ينو العامل التبرع بالنفقة، فإن
كان ناويا التبرع بها فلا يرجع على المالك
بشيء منها، ولا يجوز للعامل استخدام الضالة
أو الآبق بنفقته کالمرهون . (١)
حبس المال المردود عن الجاعل لاستيفاء النفقة :
٣٠ - قال الشافعية : ليس من حق العامل أن
يحبس المال المتعاقد على رده عن الجاعل
لاستيفاء ما أنفقه عليه حتى ولو كان الإنفاق
عليه بإذن الجاعل، أو المالك، أو القاضي، أو
(١) أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢/ ٤٤٢، ٤٤٣،
وحاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب ٣/ ٢٢٢،
وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣/ ١٧٦، ومنح الجليل
١١/٤، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧/ ٧٥، وحاشية
الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤/ ٦٧، وكشاف
القناع وشرح المنتهى بهامشه ٢/ ٤٢٠، ٤٤٧
بالإِشهاد، أو لتعذر الإِذن منهم، (١) ولم نعثر لغير
الشافعية على شيء في هذه المسألة. أما الحبس
عن الجاعل لاستيفاء الجعل فسيأتي .
استحقاق الجعل وشرائطه :
الإذن في العمل بجعل :
٣١ - قال الشافعية: لا يستحق العامل الجعل
إلا إذا كان هناك إذن بالعمل مشتمل على جعل
يقابل ذلك العمل، فإن أذن الجاعل للعامل
وشرط له الجعل استحق العامل الجعل المسمى
لأنه استهلك منفعة بعوض فاستحق العوض
كالأجير، أما إذا عمل العامل عملا من غير
إذن، كأن وجد آبقا أو ضالة فردها إلى صاحبها
لم يستحق الجعل، وإن كان معروفا برد الأباق أو
الضوال بعوض، لعدم الالتزام له بشيء فوقع
عمله تبرعا.
وبمثل هذا قال الحنابلة إلا في حالتين :
الأولى منهما - ما إذا كان المردود عبدا آبقا،
وكان الراد له غير السلطان ومن ينيبه، فإن
العامل في هذه الحالة يستحق ما قدره الشرع
جعلا لذلك، وإن لم یکن هناك إذن ولا جعل
وهو أيضا مذهب الحنفية في رد الآبق كما سيأتي
(١) نفس المراجع السابقة للشافعية.
- ٢٢٠ -