Indexed OCR Text
Pages 21-40
ثمار ٢٢
لكن بشرط أن تكون موجودة حين الشراء
ومؤ برة . (١)
نماء ثمر المشفوع فيه عند المشتري:
٢٢ - اختلف الفقهاء في ثمر المشفوع فيه، هل
يكون للشفيع أم للمشتري؟؟ فذهب الحنفية
إلى أن الثمار للشفیع استحسانا، سواء أكان
المشتري اشترى الأرض مع ثمرها بأن شرطه في
البيع، أم أثمر عند المشتري بعد الشراء،
والقياس أن لا يكون له أخذ الثمر لعدم التبعية
كالمتاع الموضوع فيها، ووجه الاستحسان أنه
خلقة صارتبعا من وجه، ولأنه متولد من المبيع
فیسري إليه الحق الثابت في الأرض الحادث قبل
الأخذ بالشفعة، کالمبيعة إذا ولدت قبل
القبض، فإن المشتري يملك الولد تبعا للأم
كذا هذا.
وللمالکیة قولان في المسألة ۔ حيث نقلوا قولین
للإمام مالك وذلك فيما إذا بيعت الثمرة مفردة أو
مع أصلها - ونصهما في المدونة - حيث قال مرة
بسقوط الشفعة فيها إذا لم يأخذ بالشفعة حتى
يبست الثمار، وحينئذ فإن أخذ أصلها بالشفعة
(١) تكملة فتح القدير ٣٢٦/٨، ٣٢٧، وتبيين الحقائق
٢٥٢/٥، وحاشية الدسوقي ٣/ ٤٨٠، ومغني المحتاج
٢٩٦/٢، ٢٩٧، ونهاية المحتاج ٥/ ١٩٣ ومابعدها،
وكشاف القناع ٤/ ١٤٠
حط عنه ما ينوبها من الثمن إن أزهت أو أُبِّرت
وقت البيع لأن لها حصة حينئذ من الثمن، ومرة
قال: له أخذها بالشفعة ما لم تيبس أو تُجذّ.
ووفق الدردير بين القولين بحمل الأول على
ما إذا اشتراها مفردة عن الأصل فالشفعة تابعة
فيها ما لم تيبس، فإن ◌ُذّت قبل الييس فله
أخذها، ويحمل الثاني على ما إذا اشتراها مع
الأصل، فالشفعة ثابتة فيها ما لم تيبس أو تجذ ولو
قبل الییس.
أما إذا اشتری أصلها فقط وليس فيه ثمرة أو
کان فيه ثمرة ولم تؤ بر بعد فهي للشفیع، سواء
أبرت عند المشتري أم لم تؤبر عنده، إلا أن
تيبس أو تُجذّ فتكون للمشتري. ويأخذ الشفيع
الأصول بالثمن، ولا يحط عنه حصتها منه.
وذهب الشافعية إلى أن الشفيع يأخذ الشجر
بثمرة حدثت بعد البيع، ولم تؤبر عند الأخذ،
لأنها قد تبعت الأصل في البيع، فتبعته في
الأخذ، بخلاف ما إذا أبرت عنده فلا يأخذها،
لانتفاء التبعية، أما المؤبرة عند البيع إذا دخلت
بالشرط فلا تؤخذ، لانتفاء التبعية كما سبق،
فتخرج بحصتها من الثمن.
وذهب الحنابلة إلى التفريق بين الثمرة
الظاهرة وغير الظاهرة.
فإن كانت الثمرة ظاهرة فهي للمشتري
وليس للشفیع فيها حق، لأنه ملكه، یبقی إلی
أوان أخذه بحصاد أو جذاذ أو غيرهما.
- ٢١ -
ثمار ٢٣
وإن كانت الثمرة غير ظاهرة فهي للشفيع،
ومثل الثمرة الظاهرة وغير الظاهرة، المؤبرة وغير
المؤبرة. فلو كان الطلع موجودا حال الشراء غير
مؤبر، ثم أبر عند المشتري فهو له مبقّى إلى
أوان جذاذه، لكن يأخذ الشفيع الأرض والنخل
بحصتها من الثمن، لأنه فات علیه بعض
ما شمله عقد الشراء، وهو الطلع الذي لم يؤبر
حال العقد فهو كما لوشمل الشراء الشقص
وعرضا معه . (١)
خامسا: العمل في الأرض على جزء من
الثمر:
٢٣ - أجاز جمهور الفقهاء المزارعة والمساقاة وهما
العمل في الأرض أو الشجر مقابل جزء معلوم
من الثمرة الخارجة منهما، لما ثبت أن النبي ◌ِّيه
عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو
زرع. (٢) قال أبو جعفر محمد علي بن الحسين
((عامل النبي ◌َّلر أهل خيبر بالشطر، ثم
أبو بكر، ثم عمر. ثم عثمان، ثم علي ثم
(١) تبيين الحقائق ٥/ ٢٥١، وحاشية الدسوقي ٣/ ٤٨٠،
٤٨١، والتاج والإِکلیل بهامش مواهب الجليل ٣١٨/٥،
ومغني المحتاج ج٢ ص٢٩٧، وكشاف القناع ٤ / ١٥٦
(٢) حديث: ((عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو
زرع ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٣/٥ - ط السلفية)،
ومسلم (١١٨٦/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن
عمر.
أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع))(١)
فهذا عمل به الخلفاء الراشدون ولم ینکره أحد
فکان کالإِجماع، ولأنهما من عقد الشركة بمال من
أحد الشريكين وعمل من الآخر فيجوز اعتبارا
بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة، فإن صاحب
المال قد لا يهتدي إلى العمل، والمهتدي إلیه قد
لا يجد المال، فمست الحاجة إلى انعقاد هذا
العقد بينهما.
قال ابن جزي في حكم المساقاة: وهي جائزة
مستثناة من أصلين ممنوعين: وهما الإِجارة
المجهولة، وبيع مالم يخلق (بيع المعدوم).
وخالف أبو حنيفة في ذلك وذهب إلى عدم
الجواز لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن
المخابرة، فقيل ما المخابرة، قال المزارعة بالثلث
والربع . (٢)
ولقوله : «من کانت له أرض فلیزرعها
أو فلیزرعها أخاه، ولا یکاربها بثلث، ولا بربع،
ولا بطعام مسمى))(٣) ولأن الأجر مجهول أو
(١) حديث: عامل النبي ( أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر.
أخرجه ابن حزم في المحلى (٢١٤/٨ - ط المنيرية)، وفي
إسناده إرسال.
(٢) حديث: نهى عن المخابرة. فقيل: ما المخابرة؟ قال:
المزارعة بالثلث والربع. أخرجه البخاري (الفتح ٥/ ٥٠ -
ط السلفية)، ومسلم (١١٧٤/٣ ط الحلبي).
(٣) حديث: (( من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه
ولا يكاربها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى)». أخرجه=
- ٢٢ -
ثمار ٢٤
معدوم وكل ذلك مفسد للعقد.
غير أن الفتوى عند الحنفية على قول أبي
يوسف ومحمد بالجواز للحاجة، وقياسا على
المضاربة .
ومنع الشافعية كذلك المزارعة بعقد منفرد.
أما إذا أدخلت مع عقد المساقاة، وذلك بأن
يكون بين النخل بياض، فتصح المزارعة
عندهم، ولكن بشروط. (١)
وهناك شروط لعقدي المزارعة والمساقاة
وتفصيلات تنظر في مصطلح (مزارعة، مساقاة،
معاملة، مخابرة).
سادسا : سرقة الثمار :
٢٤ - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية في
أحد القولين والشافعية والحنابلة) إلى أنه لا قطع
في سرقة الثمر المعلق على الشجر لقول
النبي ◌َطاهر: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)). (٢)
= أبو داود (٩٨٩/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من
حديث رافع بن خديج وأصله في صحيح مسلم
(١١٨١/٣ - ط الحلبي).
(١) حاشية ابن عابدين ٥/ ١٧٤ وما بعدها، ١٨١،
وما بعدها، وتبيين الحقائق ٢٧٨/٥ وما بعدها ٢٨٤،
وحاشية الدسوقي ٣٧٢/٣، ٥٣٩، ومواهب الجليل
١٧٦/٥، ٣٧٢، والقوانين الفقهية ٢٧٧ وما بعدها،
ومغني المحتاج ٣٢٢/٢ ومابعدها، وكشاف القناع
٥٣٢/٣
(٢) حديث: ((لا قطع في ثمر ولا كثر ... )) أخرجه أبو داود
(٥٤٩/٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث =
ولقوله {وَل# : فيما روي عن عبدالله بن عمرو
أن رجلا من مزينة أتى رسول الله وسلم فقال:
يارسول الله. كيف ترى في حريسة الجبل؟
فقال: هي مثلها والنكال، وليس في شيء من
الماشية قطع إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن المجن،
ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه
غرامة مثلیه وجلدات نکال. قال يارسول الله،
کیف ترى في الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه
والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع،
إلا فيما آواه الجرين، فما أخذ من الجرین فبلغ
ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن
ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال. (١) ولأنه
لا إحراز فيما على الشجر)».
وذهب المالكية في أحد القولين إلى القطع،
وهذا القول مخرج للخمي على السرقة من
الشجرة التي في الدار، وأما القول الأول فهو
المنصوص علیه عن الإِمام مالك. ثم إن هذين
القولين عند المالكية محلهما ثمار الشجر المعلق
خلقة إن کان عليه غلق، فإن لم یکن علیه غلق
فلا قطع في سرقته اتفاقا، وكذلك لا قطع اتفاقا
إن قطع ثم علق ولو بغلق.
= رافع بن خديج، ونقل ابن حجر في التلخيص (٤ / ٦٥ -
ط شركة الطباعة الفنية) عن الطحاوي أنه قال: ((هذا
الحدیث تلقت العلماء متنه بالقبول)».
(١) حديث: عبد الله بن عمرو. أخرجه النسائي (٨٦/٨ - ط
المكتبة التجارية) وإسناده حسن.
- ٢٣ -
ثمار ٢٤
واعتبر الشافعية الأشجار التي عليها حارس
يراقبها محرزة، وكذا الأشجار إن اتصلت
بجيران يراقبونها عادة، ومن ثم يجب القطع
علی سارق ثمارها عندهم.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن
أشجار أفنية الدور محرزة وإن کانت بلا حارس.
ثم إن الفقهاء اتفقوا على أنه إذا أحرز الثمار
وجب فيه القطع، فلووضع الثمر في جرين
ونحوه عليه باب أو حافظ فهي محرزة على
سارقها القطع .
ولم يشترط المالكية الباب أو الحافظ، فيقطع
عندهم إن سرقه من الجرين مطلقا. كما أنهم
نصوا على أنه إذا جذ الثمر ووضع في محل اعتبر
وضعه فيه قبل وصوله إلى الجرین ثم سرق منه
سارق ففيه أقوال ثلاثة :
الأول : يقطع مطلقا: والثاني: لا يقطع
مطلقا، والثالث: يقطع إن كدس أي يجمع
بعضه على بعض حتى يصير كالشيء الواحد،
وذلك لأنه بتكديسه أشبه ما في الجرین، ثم إن
محل هذه الأقوال إذا لم يكن له حارس، وإلا
قطع قولا واحدا، وأوجبه الحنابلة على سارق
الثمار المعلق أن یضمن عوضهمرتین حديث عمرو
بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((سئل
النبي ◌َ عن الثمر المعلق. فقال: ((من أصاب
منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء
عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه
والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه
الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن
سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة))(١)
ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها، فجاز أن
تغلظ قيمتها علی سارقها ردعا له وزجرا بخلاف
غيرها. (٢)
(١) حديث: ((من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ
خبنة فلا شيء عليه)). أخرجه أبو داود (٤/ ٥٥٠ - ٥٥١ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) وأخرج الترمذي شطرا منه
(٥٧٥/٣ - ط الحلبي) وحسنه.
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٧٣، وحاشية ابن عابدين ١٩٨/٣،
وحاشية الدسوقي ٣٣٩/٤، ٣٤٤، والقوانين الفقهية
٣٥٢، وحواشي الشرواني وابن القاسم العبادي على تحفة
المحتاج ٩/ ١٣٥، وشرح روض الطالب، وكشاف القناع
١٣٩/٦، ١٤٠
- ٢٤ -
ثمن ١ - ٤
١
ثمن
التعريف :
١ - الثمن لغة: ما يستحق به الشيء.
وفي الصحاح: الثمن ثمن المبيع، وفي
التهذيب: ثمن كل شيء قيمته.
قال الزبيدي: قال شيخنا، اشتهر أن الثمن
ما يقع به التراضي ولوزاد أو نقص عن الواقع،
والقيمة ما يقاوم الشيء، أي : يوافق مقداره في
الواقع ويعادله .
وقال الراغب: الثمن اسم لما يأخذه البائع في
مقابلة المبيع، عينا كان أوسلعة، وكل ما يحصل
عوضا عن شيء فهو ثمنه.
والثمن هو: مبيع بثمن.(١)
وأما في الاصطلاح فالثمن، ما يكون بدلا
للمبيع ويتعين في الذمة، وتطلق الأثمان أيضا
على الدراهم والدنانير. (٢)
(١) لسان العرب وتاج العروس والمصباح والمفردات للراغب
الأصفهاني مادة: ((ثمن)).
(٢) البحر الرائق لابن نجيم ٢٧٧/٥، والمغني لابن قدامة -
دار الكتاب العربي ببيروت ٢/٤، وكشاف القناع للبهوتي
- تحقيق الشيخ هلال مصيلحي. بيروت ١٤٦/٣، ومغني=
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القيمة :
٢ - القيمة ما قوّم به الشيء بمنزلة المعيار من غير
زيادة ولا نقصان. (١)
والثمن ما تراضى عليه المتعاقدان سواء زاد
على القيمة أو نقص.
فالفرق بينها وبين الثمن أن القيمة عبارة عن
ثمن المثل، والثمن المتراضی علیه قد يساوي
القيمة أو يزيد عنها أو ينقص. (٢) وينظر تفصيل
أحكام ثمن المثل في (القيمة).
ب - السعر :
٣ - السعر هو الثمن المقدر للسلعة، فالفرق بينه
وبين الثمن أن الثمن هوما يتراضى عليه
العاقدان. أما السعر فهو ما يطلبه البائع .
الثمن من أركان عقد البيع :
٤ - اتفق المالكية والشافعية والحنابلة(٣) على أن
= المحتاج للشربيني ٢/٢، وشرح الزرقاني على سيدي
خلیل ـ دار الفکر بیروت ٣/٥
(١) المغرب مادة: ((ثمن))، المجلة، المادة / ١٥٣، ورد المحتار
على الدر المختار لابن عابدين - ط ٢ مصر سنة ١٩٦٦ -
٤/ ٥٧٥
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٤٠
(٣) مغني المحتاج للشربيني ٣/٢، والمنهج وشرحه والجمل
عليه - ٥/٣، والشرح الكبير للدردير ٢/٣ والزرقاني على
سيدي خليل ٣/٥، وكشاف القناع ١٤٦/٣ ومابعدها،
ومطالب أولي النهى للرحيباني ٤/٣ ومابعدها.
- ٢٥ -
ثمن ٥ - ٦
المعقود عليه (وهو الثمن والمبيع) من أركان عقد
البيع .
وذهب الحنفية(١) إلى أن ركن البيع هو
الصيغة فقط (الإِيجاب والقبول) أما الثمن فهو
أحد جزأي محل عقد البيع الذي هو (المبيع
والثمن) وليس المحل ركنا عند الحنفية .
وقال الحنفية: إذا تفاسخ المتبايعان بعد قبض
العوضين، كان للمشتري أن يحبس المبيع حتى
يرد البائع الذي قبضه في مقابلة المبيع، عرضا
كان أو نقدا، ثمنا كان أو قيمة .
لأن المبيع مقابل به فيصير محبوسا به
كالرهن. فكان له ولاية أن لا يدفع المبيع إلى أن
يأخذ الثمن من البائع .
وإن مات البائع في حالة التفاسخ فالمشتري
أحقّ بحبسه حتى يستوفي الثمن. لأنه يقدم عليه
حال حياته، فكذا يقدم على تجهيزه بعد
وفاته . (٢)
شروط الثمن :
٥ - اتفق الفقهاء على وجوب تسمية الثمن في
عقد البيع، وأن يكون مالا، ومملوكا
للمشتري، ومقدور التسليم، ومعلوم القدر
والوصف، وإيضاح ذلك فيما يلي:
(١) البحر الرائق ٢٧٨/٥، ورد المحتار ٤/ ٥٠٤، ٥٠٥
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٦٥/٤، والعناية وفتح القدير على
الهداية ٢٣٤/٥ - طبعة مصطفى محمد بمصر سنة
١٣٥٦هـ.
الشرط الأول - تسمية الثمن :
٦ - تسمية الثمن حين البيع لازمة، فلوباع
بدون تسمية ثمن كان البيع فاسدا. لأن البيع
مع نفي الثمن باطل، إذ لا مبادلة حينئذ، ومع
السكوت عنه ناسد، كما ذكر الحنفية. (١)
فإذا بيع المال ولم يذكر الثمن حقيقة، كأن
يقول البائع للمشتري، بعتك هذا المال مجانا أو
بلا بدل فيقول المشتري: قبلت، فهذا البيع
باطل .
وإذا لم يذكر الثمن حكما، كأن يقول إنسان
لآخر: بعتك هذا المال بالألف التي لك في
ذمتي، فيقبل المشتري، مع كون المتعاقدين
يعلمان أن لا دين، فالبيع في مثل هذه الصورة
باطل أيضا، ويكون الشيء هبة في الصورتين.
وإذا كان الثمن مسكوتا عنه حين البيع
فالبيع فاسد وليس بباطل، لأن البيع المطلق
يقتضي المعاوضة، فإذا سكت البائع عن الثمن
كان مقصده أخذ قيمة المبيع، فكأنه يقول:
بعت مالي بقيمته، وذكر القيمة مجملة يجعل
الثمن مجهولا فيكون البيع فاسدا. (٢)
وبيع التعاطي صحيح عند الجمهور لأن
(١) مجلة الأحكام العدلية المادة ٢٣٧ وشرحها لمنير القاضي ١/
٢٧٦، ومنحة الخالق على البحر الرائق ٢٩٦/٥.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام - علي حيدر ١/ ١٨٥ -
طبعة مصورة ببيروت
- ٢٦ -
:
ثمن ٦ - ٧
الثمن والمثمن معلومان، فيه والتراضي قائم بينهما
ولو لم توجد فيه صفة .
وعند المالكية والشافعية لا ينعقد البيع إلا
بتسمية الثمن. قال ابن رشد في المقدمات عند
الكلام على الصداق: الصداق نحلة من اللّه
تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن، لا عن
عوض، ولهذا لم يفتقر عقد النكاح إلى تسمية،
ولو كان الصداق ثمنا للبضع حقيقة لما صح
النكاح دون تسمية،كالبيع الذي لا ينعقد إلا
بتسمية الثمن .
وفي المجموع قال النووي : يشترط في صحة
البيع أن يذكر الثمن في حال العقد، فيقول:
بعتك كذا بكذا، فإن قال: بعتك هذا، واقتصر
على هذا، فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت لم
یکن هذا بيعا بلا خلاف، ولا يحصل به الملك
للقابل على المذهب، وبه قطع الجمهور،
وقيل : فیه وجهان أصحهما هذا، والثاني : يكون
هبة .
وقال السيوطي : إذا قال: بعتك بلا ثمن، أو
لا ثمن لى عليك، فقال: اشتريت وقبضه
فليس بيعا، وفي انعقاده هبة قولا تعارض اللفظ
والمعنى، وإذا قال البائع: بعتك ولم يذكر ثمنا،
فإن راعينا المعنى انعقد هبة، أو اللفظ فهو بيع
فاسد .
وأما عند الحنابلة فقد جاء في الإِنصاف :
يشترط معرفة الثمن حال العقد على الصحيح
من المذهب وعليه الأصحاب، واختار الشيخ
ابن تيمية صحة البيع وإن لم يسم الثمن، وله
ثمن المثل كالنكاح. (١)
الشرط الثاني - كون الثمن مالا :
٧ - ذهب الحنفية إلى أنه يشترط في الثمن
لانعقاد البيع: أن يكون مالا متقوّما.
لأن البيع هو مبادلة المال بالمال
بالتراضي . (٢).
والمال هو ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره
لوقت الحاجة، والمالية إنها تثبت بتموّل الناس
كافة أو بعضهم.
والتقوم يثبت بها وبإباحة الانتفاع به شرعا .
فما يكون مباح الانتفاع بدون تمول الناس
لا يكون مالا ، كحبة حنطة . ومايكون مالا بين
الناس، ولا يكون مباح الانتفاع لا يكون
متقوما، كالخمر. وإذا عدم الأمران لم يثبت
واحد منهما کالدم .
فالمال أعم من المتقوم، لأن المال مايمكن
ادخاره ولو غير مباح كالخمر، والمتقوم مايمكن
ادخاره مع الإِباحة. فالخمر مال غير متقوم،
فلذا فسد البيع بجعلها ثمنا، وإنما لم ينعقد
(١) المقدمات الممهدات ٢/ ٣٠، والمجموع ١٥٨/٩، ١٥٩
تحقيق المطيعي والأشباه للسيوطي ص / ١٨٤، والإنصاف
٤ /٣٠٩، والاختيارات الفقهية ص/ ١٢٢
(٢) البحر الرائق ٢٧٧/٥
- ٢٧ -
:
ثمن ٧ - ٨
أصلا بجعلها مبيعا، لأن الثمن غير مقصود بل
وسيلة إلى المقصود، إذ الانتفاع بالأعيان
لا بالأثمان، ولهذا اشترط وجود المبيع دون الثمن
فبهذا الاعتبار صار الثمن من جملة الشروط
بمنزلة آلات الصنّاع .
ومن هذا قال في البحر: البيع وإن كان مبناه
على البدلين، لكن الأصل فيه المبيع دون
الثمن، ولذا تشترط القدرة على المبيع دون
الثمن، وينفسخ بهلاك المبيع دون الثمن. (١)
والتقوم في الثمن شرط صحة، وفي المبيع
شرط انعقاد.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن من شرط
الثمن :
أن یکون مالا طاهرا، فلا يصح ما نجاسته
أصلية كجلد الميتة والخمر لخبر الصحيحين:
((أنِه ◌ِخ نهى عن ثمن الكلب، (٢) وقال:
إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام)). (٣)
وقيس عليها مافي معناها. ولا يصح ماهو
(١) رد المحتار ٥٠١/٤، والبحر الرائق ٢٧٨/٥
(٢) حديث: ((نهى عن ثمن الكلب ... )) أخرجه أبو داود
(٣/ ٧٥٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن
عبد الله، وأصله في صحيح مسلم (١١٩٩/٣ ط الحلبي)
(٣) حديث : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام. أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٤٢٤ ط السلفية)
من حديث جابر بن عبدالله .
متنجس لا يقبل التطهير كسمن ولبن تنجّس .
وأن يكون منتفعا به انتفاعا شرعيا ولو في المآل
کالبهيمة الصغيرة, فلا يصح بيع مالا نفع فيه،
لأنه لا يعد مالا ، كالحشرات التي لا نفع فيها.
وذهب الحنابلة إلى أن من شروط البيع أن
یکون الثمن مالا .
والمال شرعا: ( ما يباح نفعه مطلقا، ويباح
اقتناؤه بلا حاجة) فخرج: مالا نفع فيه أصلا
كبعض الحشرات، وما فية منفعة محرمة کالخمر،
وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه
منفعة تباح للضرورة كالميتة في حال المخمصة،
وخمر لدفع لقمة غصّ بها. (١).
أنواع الأموال من حيث الثمنية :
٨ - ذهب الحنفية إلى أن الأموال أربعة
أنواع: (٢)
أ - ثمن بكل حال، وهو النقدان، صحبه الباء
أولا ، قوبل بجنسه أو بغير جنسه،لأن الثمن
ما يثبت دينا في الذمة عند العرب، كذا ذكره
الفراء، (٣) والنقود لا تستحق بالعقد إلا دینا في
(١) الشرح الكبير للدردير ٣/ ١٠، وشرح الزرقاني ١٦/٥،
والمنهاج ومغني المحتاج عليه ٢/ ١١، وكشاف القناع
١٥٢/٣، ومطالب أولى النهي ٣/ ١٢
(٢) في رد المحتار ٤/ ٥٦١ (المراد بالثمن النقود من الدراهم
والدنانير، لأنها خلقت أثمانا، ولا تتعين بالتعيين).
ونحوه في تبيين الحقائق ١٣٥/٤
(٣) قال الفراء في قوله عز وجل: ﴿ولا تشتروا باياتي ثمنا
قليلا﴾. (سورة البقرة/ ٤١). اشتريت ثوبا بكساء، أيهما=
- ٢٨ -
ثمن ٨
الذمة، فكانت ثمنا بكل حال .
ب - مبيع بكل حال، كالدواب ونحوها (من
الأعيان غير المثلية والعدديات المتفاوتة) لأن
العروض لا تستحق بالعقد إلا عينا فكانت
مبيعة .
جـ ـ ثمن من وجه نظرا إلى أنها مثلية فثبتت في
الذمة فأشبهت النقد، ومبيع من وجه، نظرا إلى
الانتفاع بأعيانها فأشبهت العروض. وذلك
كالمثليات غير النقدين من المكيل والموزون
والعددي المتقارب کالبيض. فإنه إن کان معینا
في العقد كان مبيعا، وإن لم يكن معينا وصحبه
الباء، وقوبل بالمبيع فهو ثمن. وإن لم يصحبه
حرف الباء ولم يقابله ثمن فهو مبيع .
لأن المكيل والموزون غير النقدين يستحق
بالعقد عينا تارة، ودينا أخرى، فكان ثمنا في
حال، مبيعا في حال.
د - ثمن بالاصطلاح، وهو سلعة في الأصل
کالفلوس .
= شئت تجعله ثمنا لصاحبه، لأنه ليس من الأثمان وما كان
ليس من الأثمان مثل الرقيق والدور وجميع العروض فهو
على هذا فإذا جئت الى الدراهم والدنانير وضعت الباء في
الثمن، كما قال في سورة يوسف : ﴿ وشروه بثمن بخس
دراهم معدودة﴾. (سورة يوسف / ٢٠) لأن الدراهم ثمن
أبدا، والباء إنما تدخل في الأثمان . . فإذا اشتريت أحدهما ۔
يعني الدنانير والدراهم - بصاحبة أدخلت الباء في أيهما
شئت، لأن كل واحد منهما في هذا الموضع مبيع وثمن.
(معاني القرآن للفراء ٣٠/١).
فإن كان رائجا كان ثمنا، وإن كان كاسدا
فهو سلعة مثمن. والحاصل - كما قال الحصكفي
وابن عابدين - أن المثليات تكون ثمنا إذا دخلتها
الباء ولم تقابل بثمن، أي : بأحد النقدين، سواء
تعينت أولا . وكذا إذا لم تدخلها الباء، ولم تقابل
بثمن وتعينت. وتكون مبيعا إذا قوبلت بثمن
مطلقا، أي : سواء دخلتها الباء أولا ، تعينت
أولا . وكذا إذا لم تقابل بثمن ولم يصحبها الباء ولم
تعين، كبعتك كرّ حنطة بهذا العبد.
وقال الكاساني: الفلوس الرائجة إن قوبلت
بخلاف جنسها فهي أثمان، وكذا إن قوبلت
بجنسها متساوية في العدد. وإن قوبلت بجنسها
متفاضلة في العدد فهي مبيعة عند أبي حنيفة
وأبي يوسف، وعند محمد هي أثمان على كل
حال. (١)
وقريب منه الأصح عند الشافعية وهو أن
الثمن النقد إن قوبل بغیرہ للعرف، فإن كان
العوضان نقدين أو عرضين فالثمن ما التصقت
به باء الثمنية والمثمن ما يقابله .
وقال المالكية : إن كلا من العوضين ثمن
للاخر ومثمن، ولا مانع من كون النقود مبیعة،
لأن كلا من العوضین مبیع بالآخر، لکن جری
(١) تبيين الحقائق ١٤٥/٤، والبحر الرائق ٦/ ٢٢١، ورد
المحتار ٥٣١/٤، ٢٧٢/٥، وفتح القدير ٨٣/٥، ٣٦٨،
وبدائع الصنائع ٣٢٢٥/٧
- ٢٩ -
ثمن ٩
العرف أنه إذا كان أحد العوضين دنانير أو
دراهم والعوض الثاني شيئا من المثمنات، عرضا
أو نحوه، أن الثمن هو الدنانير والدراهم وما
عداهما مثمنات . (١)
وذهب الحنابلة إلى أن الثمن يتميز عن
المثمن بباء البدلية، ولو أن أحد العوضين نقد.
فما دخلت عليه الباء فهو ثمن، فدينار
بثوب: الثمن الثوب، لدخول الباء عليه. (٢)
تعين الثمن بالتعيين :
٩ - اختلف الفقهاء في تعين الأثمان بالتعيين في
العقد على قولين:
القول الأول : أن النقود لا تتعين بالتعيين، فإذا
اشتری بهذا الدرهم فله دفع درهم غیره.
وهذا هو مذهب الحنفية - إلا زفر- ورواية
عن أحمد وهو مشهور مذهب مالك إلا إن كان
العاقد من ذوي الشبهات.
وللحنفية تفصيل في تعين الأثمان.
فالأثمان النقدية الرائجة لا تتعين بالتعيين في
عقود المعاوضات كالبيع والإِجارة.
أما في غير المعاوضات كالأمانة والوكالة
والشركة والمضاربة والغصب فإنها تتعين
(١) البهجة شرح التحفة ٢/ ٨٦، والحطاب ٤/ ٤٧٩،
والمجموع شرح المهذب ٢٦٢/٩، ومغني المحتاج ٢/ ٧٠
(٢) مطالب أولي النهى ١٨٥/٣
بالتعیین، لأنها لم تکن وسائل لغیرها بل تكون
مقصودة بالذات، فإذا هلك رأس مال أحد
الشريكين قبل الشراء وقبل الخلط تنفسخ
الشركة .
أما إذا كانت الأثمان في المعاوضات من غیر
النقود، فإنها تتعین بالتعیین،لأنهاإذا عینت تكون
مبيعة من وجه ومقصودة بالذات.
أما الفلوس والدراهم التي غالبها الغش:
فإن كانت رائجة فلا تتعین بالتعیین، لكونها
أثمانا بالاصطلاح، فما دام ذلك الاصطلاح
موجودا لا تبطل الثمنية، لقيام المقتضي. وإن
كانت غير رائجة فتتعين بالتعيين، لزوال
المقتضي للثمنية وهو الاصطلاح، وهذا لأنها في
الأصل سلعة، وإنما صارت أثمانا بالاصطلاح،
فإذا تركوا المعاملة بها رجعت إلى أصلها .
كما أن المالكية استثنوا الصرف والكراء ففيهما
تتعين النقود بالتعيين، ووجه القول بأن الأثمان
النقدية وهي الذهب والفضة لا تتعين بالتعيين
في عقود المعاوضات، أن المبيع في الأصل اسم لما
يتعين بالتعيين، والثمن في الأصل ما لا يتعين
بالتعيين. فالمبيع والثمن من الأسماء المتباينة
الواقعة على معان مختلفة.
فالدراهم والدنانير على هذا الأصل أثمان
لا تتعين في عقود المعاوضات في حق الاستحقاق
وإن عينت، حتى لوقال: بعت منك هذا
الثوب بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير كان
- ٣٠ -
ثمن ١٠ - ١١
للمشتري أن يمسك المشار إليه ويردّ مثله.
ولكنها تتعين في حق ضمان الجنس والنوع
والصفة والقدر، حتى يجب عليه ردّ مثل المشار
إليه جنسا ونوعا وقدرا وصفة، ولو هلك المشار
إليه لا يبطل العقد.(١)
١٠ - والثمن في اللغة اسم لما في الذّمة، هكذا
نقل عن الفرّاء، وهو إمام في اللغة، ولأن
أحدهما يسمى ثمنا، والآخر مبيعا في عرف اللغة
والشرع، واختلاف الأسامي دلیل اختلاف
المعاني في الأصل، إلا أنه يستعمل أحدهما
مکان صاحبه توسعا، لأن كلّ واحد منهما يقابل
صاحبه، فيطلق اسم أحدهما على الآخر لوجود
معنى المقابلة، كما يسمى جزاء السيئة سيئة،
وجزاء الاعتداء اعتداء.
وإذا كان الثمن اسما لما في الذمّة لم يكن
محتملا للتعيين بالإِشارة، فلم يصح التعيين
حقيقة في حق استحقاق العين، فجعل كناية
عن بيان الجنس المشار إلیه ونوعه وصفته وقدره،
تصحيحا لتصرف العاقل بقدر الإمكان .
ولأن التعیین غیر مفيد، لأن کل عوض
يطلب من المعين في المعاوضات يمكن استيفاؤه
(١) رد المحتار ١٥٣/٥، وتبيين الحقائق ٤/ ١٤١، والمجلة
مادة ٢٤٣، ٢٤٤ ودرر الحكام لعلي حيدر ١٩١/١،
والبحر الرائق ٢٩٩/٥، ٢١٨/٦، والعناية ٨٣/٥،
والمنتقى شرح الموطأ ٢٦٨/٤، والدسوقي ١٥٥/٣،
والمغني مع الشرح الكبير ٤/ ١٦٩، ١٧٥
من مثله، فلم يكن التعيين في حق استحقاق
العین مفيدا فيلغو في حقه، ويعتبر في بیان حق
الجنس والنوع، والصفة والقدر، لأن التعيين في
حقه مفيد .
ولأنه يجوز إطلاق الدراهم والدنانير في
العقد، فلا تتعين بالتعيين فيه، كالمكيال
والصّنجة .
ويستثني الحنفية والمالكية من هذا الحكم
الصرف فتتعين الدراهم والدنانير بالتعيين فيه
لاشتراط القبض فيه في المجلس واستثنى
بعضهم أيضا الكراء. (١)
القول الثاني : الأثمان تتعين بالتعيين :
١١ - فيتعين المشار إليه، حتى يستحق البائع
على المشتري الدراهم المشار إلیھا، کما في سائر
الأعيان المشار إليها، ولو هلك قبل القبض يبطل
العقد، كما لو هلك سائر الأعيان، ولا يجوز
استبداله.
وهو قول الشافعية والأظهر عند الحنابلة وزفر
من الحنفية. (٢)
(١) بدائع الصنائع ٣٢٢٣/٧ -٣٢٢٥، والمنتقى شرح الموطأ
٢٦٨/٤، والمغني لابن قدامة ١٦٩/٤ وبهامشه الشرح
الكبير ٤/ ١٧٥ .
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٣٢٢٤، وفتح القدير ٣٦٨/٥،
والمهذب ٢٦٦/١، والمجموع ٣٣٢/٩ط المنيرية، والمغني
لابن قدامة ١٦٩/٤ وبهامشه الشرح الكبير ص١٧٥ ،
وكشاف القناع ٣/ ٢٧٠، ومطالب أولي النهى ١٨٧/٣
- ٣١ -
ثمن ١١ - ١٣
ووجه هذا القول :
أن المبیع والثمن یستعملان استعمالا واحدا ۔
فهما من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى
واحد، وإنما يتميز أحدهما عن الآخر في الأحكام
بحرف الباء - قال تعالى : ﴿ولا تشتروا بآياتي
ثمنا قليلا﴾(١) سمى تعالى المشترى وهو المبيع
ثمنا، فدلّ على أن الثمن مبيع، والمبيع ثمن.
ولهذا جاز أن يذكر الشراء بمعنى البيع،
يقال: شريت الشيء بمعنى بعته، قال تعالى :
﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾(٢) أي: وباعوه.
ولأن ثمن الشيء قيمته، وقيمة الشيء
مايقوم مقامه. ولهذا سمي قيمة لقيامه مقام
غيره. والثمن والمثمن كل واحد منهما يقوم مقام
صاحبه، فکان کل واحد منهما ثمنا ومبيعا. دلّ
على أنه لا فرق بين الثمن والمبيع في اللغة .
والمبيع يحتمل التعين بالتعيين فكذا الثمن، إذ
هو مبيع .
ولأن الثمن عوض في عقد، فيتعين بالتعيين
كسائر الأعواض. (٣)
(١) سورة البقرة / ٤١
(٢) سورة يوسف / ٢٠
(٣) بدائع الصنائع ٧/ ٣٢٢٤، والمغني لابن قدامة ١٦٩/٤،
وبهامشه الشرح الكبير ص١٧٥، (لأنه أحد العوضین،
فيتعين بالتعيين كالآخر). المهذب ٢٦٦/١
ما يحصل به التعيين :
١٢ - يحصل التعيين بالإِشارة، سواء أضم إليها
الاسم أم لا، كقوله: بعتك هذا الثوب بهذه
الدراهم، أو بهذه فقط، من غير ذكر الدراهم.
أو بعتك هذا بهذا من غير تسمية العوضين.
ويحصل التعيين أيضا بالاسم كبعتك داري
بموضع كذا، أوبما في يدي أوكيسي من
الدراهم أو الدنانیر، وهما يعلمان ذلك.(١)
الشرط الثالث: أن يكون الثمن المعين مملوكا
للمشتري :
١٣ - يشترط أن يكون الثمن المعين مملوكا
للمشتري. وهذا محل اتفاق بين الفقهاء،
وملك المشتري یکون وقت العقد ملكا تاما، لا
حق لغيره فیه. (٢) لقوله ێ﴿ لحكيم بن حزام:
((لا تبع ماليس عندك))، (٣) وهو يفيد أن يكون
المبيع مملوكا لبائعه. والثمن المعين مثل المبيع في
هذا الحكم. (٤)
(١) مطالب أولي النهى ١٨٨/٣، وكشاف القناع ٢٧١/٣
(٢) رد المحتار ٥٠٥/٤، والبحر الرائق ٢٧٩/٥ - ٢٨٠،
وكشاف القناع ٣/ ١٥٧، ومطالب أولي النهى ١٨/٣،
والزرقاني والبناني عليه ١٦/٥، ومغني المحتاج ١٥/٢،
والقليوبي ٢/ ١٦٠
(٣) حديث: ((لا تبع ماليس عندك)) أخرجه الترمذي وحسنه
من حدیث حكيم بن حزام (تحفة الأحوذي ٤/ ٤٣٠ - نشر
المكتبة السلفية بالمدينة المنورة).
(٤) كشاف القناع ١٥٧/٣، ومطالب أولي النهى ١٨/٣
- ٣٢ -
ثمن ١٤ - ١٥
الشرط الرابع : أن يكون الثمن المعين مقدور
التسليم :
١٤ - يشترط في الثمن المعين أن يكون مقدور
التسليم، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، لأن ما لا
يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا
يصح أن يكون ثمنا. فلا يصح أن يكون الطير
في الهواء ثمنا، وكذا الجمل الشارد الذي لا يقدر
على تسليمه. (١) لحديث أبي هريرة رضي الله
عنه قال: ((نهى رسول اللّه ◌ُله عن بيع الحصاة
وعن بيع الغرر))(٢) قال الماوردي: والغرر ماتردد
بين متضادين أغلبهما أخوفهما. وقيل :
ما انطوت عنا عاقبته ... والمبيع ومثله الثمن
المعين إذا لم يقدر على تسليمه داخل في الغرر
المنهي عنه. (٣)
الشرط الخامس: معرفة القدر والوصف في
الثمن :
١٥ - قال الحنفية: الثمن إما أن يكون مشارا
إليه أو غير مشار إليه.
(١) البحر الرائق ٢٧٩/٥ و٢٨٠، ورد المحتار ٥٠٥/٤، .
والشرح الكبير للدردير ٣/ ١٠ -١١، والزرقاني ١٦/٥،
ومغني المحتاج ١٢/٢، والقليوبي ١٥٨/٢، وكشاف
القناع ١٦٢/٣، ومطالب أولي النهى ٣/ ٢٥
(٢) حديث: ((نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر))
أخرجه مسلم (١١٥٣/٣ - ط الحلبي).
.(٣) مغني المحتاج ٢/ ١٢، وأسنى المطالب ٢/ ١١
فإن كان مشارا إليه فلا حاجة إلى معرفة
مقداره وصفته في جواز البيع .
(والقدر: كخمسة أو عشرة دراهم أو أكرار
حنطة . (١) والصفة: كعشرة دنانير كويتية أو
أردني، وكذا حنطة بحيرية أو صعيدية).
فإذا قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة
بهذه الدراهم التي في يدك وهي مرئية له فقبل
جاز ولزم. لأن الإِشارة أبلغ طرق التعريف،
وجهالة وصفه وقدره بعد ذلك لا تفضي إلى
المنازعة المانعة من التسليم والتسلم اللذين
أوجبهما عقد البيع فلا يمنع الجواز، لأن
العوضین حاضران .
وهذا بخلاف الربوي إذا بيع بجنسه، حیث
لا يجوز جزافا، لاحتمال الربا لأن عدم تحقق
التماثل يعتبر بمثابة العلم بالتفاضل، وبخلاف
رأس مال السلم، حیث لا يجوز إذا کان من
المقدرات، إلا أن يكون معروف القدر عند أبي
حنيفة. (٢)
ووافق الحنابلة الحنفية في ذلك قال ابن
قدامة: (ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة
بيعها جزافا).
(١) الكرّ جمعه أكرار، وهو كيل معروف، مقداره ستون قفيزا،
والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف. المصباح
المنير للفيومي مادة: (كرر).
(٢) تبيين الحقائق ٥/٤، والبحر الرائق ٢٩٤/٥، والدر
المختار ورد المحتار عليه ٤/ ٥٣٠، وانظر: المادة ٢٣٨،
.
٢٣٩ من مجلة الأحكام العدلیة وفتح القدير ٨٢/٥، ٨٣
- ٣٣ -
ثمن ١٥ - ١٧
فذهبوا إلى صحة البيع إذا عقد علی ثمن
بوزن صنجة وملء کیل مجهولین عرفا، وعرفهما
المتعاقدان بالمشاهدة، کبعتك هذه الدار بوزن
هذا الحجر فضة، أوبملء هذا الوعاء أو الكيس
دراهم.
وذهبوا أيضا إلى صحة البيع بصبرة مشاهدة
من برّ أودراهم ونحوها، ولولم يعلما كيلها ولا
وزنها ولا عدّها. (١)
ونحو هذا القول مذهب الشافعية، قال
الشيرازي: إن باعه بثمن معين جزافا جاز لأنه
معلوم بالمشاهدة، ویکره ذلك لأنه يجهل قدره
على الحقيقة. (٢)
أما المالکیة فقد ذهبوا إلى عدم جواز بيع
النقد أي الذهب والفضة جزافا إذا كان
مسکوکا، (٣) وكان التعامل به بين الناس بالعدد
وحده أو مع الوزن، لقصد أفراده.
أما إذا لم یکن النقد مسکوکا سواء تعاملوا به
وزنا أو عددا جاز بيعه جزافا، لعدم قصد
آحاده. (٤)
(١) المغني لابن قدامة ٤/ ٢٢٧ وبهامشه الشرح الكبير ص٣٥،
وكشاف القناع ١٧٣/٣، ومطالب أولي النهى ٣٨/٣
(٢) المهذب ١/ ٢٦٥، ٢٦٦، ومغني المحتاج ١٨/٢
(٣) المسكوك: المصوغ بالكيفية الخاصة، والمختوم بختم
السلطان/ جواهر الإكليل ٨/٢
(٤) جواهر الإكليل ٨/٢، والدسوقي ٢٢/٣
١٦ - أما إن كان الثمن غير مشار إليه فاتفق
الفقهاء على أنه لا يصح به العقد، إلا أن يكون
معلوم القدر والصفة، لأن جهالته تفضي إلى
النزاع المانع من التسليم والتسلم، فيخلو العقد
عن الفائدة، وكل جهالة تفضي إليه يكون
مفسدا.
والصفة إذا كانت مجهولة تتحقق المنازعة في
وصفها، فالمشتري یرید دفع الأدون، والبائع
يطلب الأرفع. فلا يحصل مقصود شرعية
العقد، وهو دفع الحاجة بلا منازعة.
فالعلم بالثمن علما مانعا من المنازعة من
شروط صحة البيع عندهم. (١)
١٧ - وبناء على هذا صرح الحنفية بأنه .
أ - لا يجوز بيع الشيء بقيمته. فإذا باعه
بقيمته فالبيع فاسد، لأنه جعل ثمنه قيمته،
(١) الهداية والعناية عليها ٥/ ٨٣، والدر المختار ٤/ ٥٢٩،
٥٠٥/٥، وكنز الدقائق - تبيين الحقائق ٤/٤، وانظر
توجيه كلام بدائع الصنائع الوارد في ٦/ ٣٠٥٣ (إن معرفة
وصف المبيع والثمن ليست شرطا لصحة البيع، والجهل بها
ليس بمانع من الصحة، لكن شرط اللزوم، فيصح بيع مالم
يره). المنهاج ومغني المحتاج عليه ٢/ ١٦، والقليوبي
١٥٧/٢ المقدمات الممهدات لابن رشد (الجدّ) ص ٥٥٠،
بداية المجتهد لابن رشد (الحفيد) ٢/ ١٤٧، والشرح
الكبير للدردير ١٥/٣، وجواهر الإكليل ٢/ ٦، والقوانين
لابن جزي ص٢٧٢، والشرح الكبير لابن قدامة ٣٣/٤،
وکشاف القناع ١٧٣/٣، ومطالب أولي النهى ٣٨/٣
- ٣٤ -
ثمن ١٨
والقيمة تختلف باختلاف تقويم المقوّمين، فكان
الثمن مجهولا .
ب - ولا يجوز بيع الشيء بما حل به، أوبما
ترید، أو تحب، أو برأس ماله، أو بما اشتراه، أو
بمثل ما اشتری فلان. فإن علم المشتري بالقدر
في المجلس فرضیه انقلب جائزا.
۔ وکذلك لا يجوز بألف درهم إلا دينارا، أو بمئة
دينار إلا درهما.
۔ وکذا لا يجوز بمثل مایبیع الناس، إلا أن یکون
شيئا لا يتفاوت كالخبز واللحم. (١).
- وكذا إذا باع بحكم المشتري، أوبحكم
فلان، لأنه لا يدري بماذا یحکم فلان فكان
الثمن مجهولا .
١٨ - جـ۔ وصرح الحنابلة أيضا بأنه وإن باعه بما
ينقطع السعر به، أو بمثل ماباع به فلان، وهما
لا یعلمانه أو أحدهما، لم يصح، لأنه مجهول.
د - وإن باعه سلعة بألف درهم ذهبا وفضة لم
يصح، لأنه مجهول، لأن مقدار كل واحد منهما
من الألف مجهول، أشبه مالو قال بمئة بعضها
ذهب، ولأنه بيع غرر، فيدخل في عموم النهي
عن بيع الغرر. (٢)
(١) فتح القدير ٨٣/٥، وبدائع الصنائع ٦/ ٣٠٤١، والبحر
الرائق ٥/ ٢٩٦
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٣٠٤١، والبحر الرائق ٢٩٦/٥،
والشرح الكبير لابن قدامة ٣٣/٤، وكشاف القناع
١٧٤/٣، ومطالب أولي النهى ٣/ ٤٠، ومغني المحتاج=
هـ - ولا يجوز بيع الشيء برقمه، والمراد
الثمن لا يعلم به المشتري حتى ينظره بعد
العقد .
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة.
والرقم: علامة يعلم بها مقدار ما وقع البيع
به من الثمن.
والبيع بالرقم فاسد، لأن فيه زيادة جهالة
تمكنت في صلب العقد، وهي جهالة الثمن لأنها
برقم لا يعلمه المشتري، فصار بمنزلة القمار،
للخطر الذي فيه أنه سيظهر كذا وكذا .
وإن علم ذلك في المجلس جاز العقد، وإن
تفرقا قبل العلم بطل.
وكان الإِمام شمس الأئمة الحلواني يقول:
وإن علم بالرقم في المجلس لا ينقلب ذلك
العقد جائزا، ولکن إن كان البائع دائما على
ذلك الرضا ورضي به المشتري في المجلس
ينعقد بينهما عقد ابتداء بالتراضي . (١)
وورد في المغني لابن قدامة: (قال أحمد: ولا
بأس أن يبيع بالرقم. ومعناه: أن يقول: بعتك
= ١٦/٢، والمهذب ٢٦٦/١، والشرح الكبير للدردير
١٥/٣
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٣٠٤٢، والبحر الرائق ٢٩٦/٥، وابن
عابدين ٥١٤/٤، ٥٤١، ومنحة الخالق على البحر الرائق
٢٩٦/٥، والمهذب ٢٦٦/١، ومغني المحتاج ٢/ ١٧،
وأسنى المطالب ١٧/٢، والمغني لابن قدامة ٤ / ٢٦٦،
وبهامشه الشرح الكبير ص٣٣، ومطالب أولي النهى
٤٠/٣، وكشاف القناع ٣ / ١٧٤
- ٣٥ -
ثمن ١٩
هذا الثوب برقمه، وهو الثمن المكتوب علیه إذا
كان معلوما لهما حال العقد. وهذا قول عامة
الفقهاء، وکرهه طاوس.
ولنا أنه بيع بثمن معلوم فأشبه مالوذكر
مقداره، أومالو قال: بعتك هذا بما اشتر یته به
وقد علما قدره. فإن لم يكن معلوما لهما أو
لأحدهما لم يصح، لأن الثمن مجهول). (١)
إذن فالحكم بجوازه هنا بناء على هذا
التفسير الذي يفيد أن الثمن معلوم. أما إذا لم
يكن معلوما حسب التفسير المتقدم فالبيع
باطل، ولا خلاف عندئذ.
و - بيع صبرة طعام، كل قفيز بدرهم:
١٩ - اختلف الفقهاء في هذه المسألة على
أقوال:
القول الأول: لا يصح البيع. وهو قول
عبدالعزيز بن أبي سلمة وبعض الشافعية،
بحجة: أنه لا يعلم مبلغ الثمن والمثمن حال
العقد، وإنما يعلم بعد الكيل. (٢)
القول الثاني: يجوز البيع في قفیز واحد، إلا
أن يسمي جملة قفزانها. وهو قول الإِمام أبي
حنيفة، بحجة: أن صرف اللفظ إلى الكل
متعذر، لجهالة المبيع والثمن جهالة تفضي إلى
(١) المغني لابن قدامة ٤/ ٢٩٤
: (٢) المقدمات الممهدات ص٥٤١، ومغني المحتاج جـ ٢/ ١٧،
وأسنى المطالب ٢/ ١٧
المنازعة، لأن البائع يطلب تسليم الثمن أولا ،
والثمن غير معلوم، فيقع النزاع. وإذا تعذر
الصرف إلى الكل صرف إلى الأقل، وهو
معلوم، إلا أن تزول الجهالة في المجلس بتسمية
جمیع القفزان أو بالکیل في المجلس فيجوز، لأن
ساعات المجلس بمنزلة ساعة واحدة. (١)
القول الثالث : يجوز البيع في الكلّ، أي :
وإن لم يعلما قدر قفزانها حال العقد.
وهو قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية
والمالكية والحنابلة وجمهور الشافعية. (٢)
واستدلوا بما يلي :
١ - أن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم
لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق
بالمتعاقدين، وهو كيل الصبرة، فجاز كما لوباع
ما رأس ماله اثنان وسبعون، لكل ثلاثة عشر
درهم، فإنه لا يعلم في الحال، وإنما يعلم
بالحساب، کذا ههنا.
(١) الهداية والعناية عليها ٨٨/٥، وتبيين الحقائق ٥/٤،
والبحر الرائق ٣٠٧/٥، والاختيار ١٧٨/١، وبدائع
الصنائع ٣٠٤٣/٦، والشرح الكبير لابن قدامة ٤/ ٣٤،
والزرقاني ٢٣/٥، وبداية المجتهد ١٥٨/٢
(٢) مصادر الحنفية السابقة، والزرقاني ٣٣/٥، والشرح الكبير
للدردير ١٥/٣، وبداية المجتهد ١٥٨/٢، والشرح الكبير
لابن قدامة ٣٤/٤، ومطالب أولي النهى ٤٢/٣، وكشاف
القناع ١٧٤/٣، والمهذب ٢٦٦/١، ومغني المحتاج
١٧/٢، وأسنى المطالب ٢/ ١٧
- ٣٦ -
ثمن ٢٠
٢ - أن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم
قدرما يقابل كل جزء من المبيع فصح كالأصل
المذكور، والغرر منتف في الحال، لأن ما يقابل
كل صاع معلوم القدر حينئذ. فغرر الجهالة
ينتفي بالعلم بالتفصيل. كما ينتفي بالعلم
بالجملة، فإذا جاز بالعلم بالجملة جاز بالعلم
بالتفصيل أي: لا يضر الجهل بجملة الثمن لأنه
معلوم بالتفصیل، والغرر مرتفع به، کما إذا باع
بثمن معین جزافا .
٣ - لأن إزالة الجهالة بيدهما، فترتفع بکیل كل
منهما، وما کان کذلك فهو غیر مانع . (١)
وانظر أيضا ( بيع الجزاف ) ..
ز - لا يجوز البيع إلا بثمن معلوم الصفة:
٢٠ - لذلك نص الحنفية على أن:
من أطلق الثمن في البيع عن ذكر الصفة دون
القدر، كأن قال: اشتريت بعشرة دراهم، ولم
يقل بخارية أو سمرقندية، وقع العقد على غالب
نقد البلد، أي ینصرف إلى المتعامل به في بلده .
وبه قال الشافعية والمالكية والحنابلة .
وحجة هذا القول :
أن المعلوم بالعرف كالمعلوم بالنص، لاسيما
إذا كان فيه تصحيح تصرفه . (٢)
(١) المصادر السابقة.
(٢) الهداية والعناية ٨٤/٥، وتبيين الحقائق ٥/٤، وانظر
الاختيار ١٧٨/١، وبدائع الصنائع ٣٠٤٢/٦،=
ويبني الحنفية على هذه القاعدة أنه إن كانت
النقود مختلفة في المالية كالذهب المصري
والمغربي، فإن المصري أفضل في المالية من
المغربي، وكانت متساوية في الرواج، فالبيع
فاسد، لأن مثل هذه الجهالة مفضية إلى
المنازعة، فالمشتري يريد دفع الأنقص مالیة،
والبائع يريد أخذ الأعلى، فيفسد البيع إلا أن
ترفع الجهالة ببيان أحدهما في المجلس ويرضى
الآخر، لارتفاع المفسد قبل تقرره.
- وإذا كانت النقود مختلفة في الرواج والمالية
صح البيع وانصرف إلى الأروج.
- وإذا كانت مختلفة في الرواج مستوية في
المالية صح البيع وانصرف إلى الأروج أيضا
تحریا للجواز.
- أما إذا استوت في الرواج والمالية، وإنما
الاختلاف في الاسم كالمصري والدمشقي،
فيصح البيع ويتخير المشتري في أن يؤدي أيهما
شاء، لأنه لا منازعة فيها. (١)
= والزرقاني ٥//٢٤، والمنهاج ومغني المحتاج عليه
١٧/٣، والشرح الكبير لابن قدامة ٣٣/٤، ومطالب أولي
النهى ٣/ ٤٠، وكشاف القناع ٣/ ١٧٤
(١) الهداية والعناية ٨٥/٥، وتبيين الحقائق ٥/٤، وتعيين
الذهب المصري والمغربي في هذا المثال هو في زمن البابرتي
صاحب العناية المتوفى سنة ٧٨٦هـ، وفتح القدير ٨٥/٥،
ورد المختار ٥٣٦/٤، ٥٣٨، وفي بدائع الصنائع
٣٠٤٣/٦ (وإن كان في البلد نقود غالبة فالبيع فاسد، لأن
الثمن مجهول، إذ البعض ليس بأولى من بعض).
- ٣٧ -
ثمن ٢٠ - ٢١
فالحاصل :
أن المسألة على أربعة أوجه لأن النقود إما أن
تستوي في الرواج والمالية معا، أو تختلف فيهما،
أو يستوي في أحدهما دون الآخر.
والفساد في صورة واحدة: وهي : الاستواء
في الرواج والاختلاف في المالية، والصحة في
الثلاث الباقية .
وهذه الصورة الفاسدة ذكرها المالكية
والشافعية والحنابلة . (١)
وقال المالكية : إن تعددت السكك في البلد
ولم يبيِّن، فإن اتحدت رواجا قضاه من أيها شاء
وإن اختلفت قضاه من الغالب إن كان، وإلا
فسد البيع لعدم البيان.
وعبارة الشربيني الشافعي : إذا كان في البلد
نقدان ولم يغلب أحدهما أو غلب أحدهما
واختلفت القيمة اشترط التعيين لفظا لاختلاف
الغرض باختلافهما .
وعند الحنابلة : إن باع بدينار مطلق غير
معين ولا موصوف وفي البلد نقود مختلفة من
الدنانير كلها رائجة لم يصح البيع. (٢)
(١) العناية شرح الهداية ٥/ ٨٥، والزرقاني ٢٤/٥، وانظر
المقدمات الممهدات ص ٥٥٠، والمنهاج ومغني المحتاج عليه
١٧/٢، والشرح الكبير لابن قدامة ٣٣/٤، وكشاف
القناع ١٧٤/٣، ومطالب أولي النهى ٣/ ٤٠
(٢) البهجة شرح التحفة ١١/٢، ومغني المحتاج ٧٢،
وكشاف القناع ٣ / ١٧٤
الحلول والتأجيل في الثمن :
٢١ - يجوز البيع بثمن حال، أو مؤجل إذا كان
الأجل معلوما، بدليل :
١ - إطلاق قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾(١)
فشمل ما بيع بثمن حال وما بيع بثمن مؤجل.
٢ - عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
«اشتری رسول الله مظهر من يهودي طعاما إلى
أجل ورهنه درعا من حديد)). (٢)
قال في السراج الوهاج :
إن الحلول مقتضى العقد وموجبه، والأجل
لا يثبت إلا بالشرط.
فإذا باع بثمن حال ثم أجله صح، لأنه
حقه . (٣)
وهذا عند الحنفية .
وكذلك عند المالكية : إن بيع على شرط
النقد أي تعجيل الثمن ثم تراضيا على تأجيله
وجب عليه في المرابحة بيان الأجل، فيفهم منه
لزوم الأجل الذي تراضيا عليه. قالوا: لأن
(١) سورة البقرة / ٢٧٥
(٢) حديث: ((اشترى رسول الله ◌ّ من يهودي طعاما إلى أجل
ورهنه درعا من حديد)) أخرجه البخاري (الفتح ٤٣٣/٤ -
ط السلفية) ومسلم (١٢٢٦/٣ - ط الحلبي) واللفظ
لمسلم.
(٣) الهداية وفتح القدير ٨٣/٥ - ٨٤، وتبيين الحقائق ٥/٤،
وبدائع الصنائع ٣٢٢٧/٧، والبحر الرائق ٣٠١/٥، ورد
المحتار ٥٣١/٤، والاختيار ١٨١/١
- ٣٨ -
ثمن ٢١ - ٢٢
اللاحق للعقد کالواقع فیه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الزيادة في
الأجل إن كانت في مدة الخيارين - خيار المجلس
أو خيار الشرط - لحقت بأضل العقد، أما بعد
لزوم البيع، فإن الزيادة في الأجل لا تلحق ولكن
يندب الوفاء بها، وكذلك تأجيل الدين
الحال. (١)
ودليل وجوب كون الأجل معلوما :
١ - أن جهالته تفضي إلى المنازعة، فتكون
مانعة من التسلم والتسليم الواجبين بالعقد، فربما
يطالب البائع في مدة قريبة والمشتري يؤخر إلى
بعیدها .
٢ - ولأنه عليه الصلاة والسلام في موضع
شرط الأجل وهو السلم أوجب فيه التعيين،
حیث قال: «من أسلف في تمر فليسلف في کیل
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم))(٢) فيقاس
عليه تأجيل الثمن.
٣ - وعلى كل ذلك انعقد الإِجماع. (٣)
(١) جواهر الإكليل ٢/ ٥٧، ومغني المحتاج ٢/ ١٢٠، والمغني
لابن قدامة ط الرياض ٣٤٩/٤، وكشاف القناع ط عالم
الکتب ٢٣٤/٣
(٢) حديث: «من أسلف في تمر فليسلف في کیل معلوم ووزن
معلوم إلى أجل معلوم)) أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٤٢٩ -
ط السلفية) ومسلم (١٢٢٧/٣ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عباس، واللفظ لمسلم.
(٣) الهداية وفتح القدير والعناية ٨٤/٥، وانظر علة الإفضاء
إلى المنازعة في: تبيين الحقائق ٥/٤، والبحر الرائق
٥/ ٣٠١، وردّ المحتار ٥٣١/٤
٢٢ - وقد نص الحنفية على أن من شروط صحة
البيع معلومية الأجل في البيع المؤجل ثمنه. فإن
کان مجهولا فهو فاسد.
ومن جهالة الأجل :
أ - ما إذا باعه بألف على أن يؤدي إليه
الثمن في بلد آخر.
ولو قال: إلى شهر على أن تؤدي الثمن في
بلد آخر جاز بألف إلى شهر. ويبطل شرط
الإِيفاء في بلد آخر، لأن تعيين مكان الإِيفاء فيما
لا حمل له ولا مؤنة لا یصح. فلو کان له حمل
ومؤنة صح.
ومنه : على قول محمد: ما إذا باعه على أن
يدفع إليه المبيع قبل أن يدفع الثمن، فإن البيع
فاسد. لأن محمدا رحمه الله علله بتضمنه أجلا
مجهولا . حتى لوسمی الوقت الذي یسلم إليه
فيه المبيع جاز البيع .
وأما أبو يوسف فإنما علله بالشرط الذي
لا يقتضيه العقد.(١)
ب - وذكر المالكية أن جهالة الأجل هي من
الغرر في الثمن، ومثلوا له: بأن يبيع منه السلعة
بثمن إلی قدوم زید أو إلی موته. قال ابن رشد :
فإذا باع الرجل السلعة بثمن مجهول أو إلى أجل
مجهول فسخ على كل حال في القيام والفوات،
شاء المتبايعان أو أبيا.
(١) البحر الرائق ٢٨١/٥، ٣٠١، ٣٠٢، ورد المختار
٥٠٥/٤ - ٥٣١، وفتح القدير ٨٤/٥
- ٣٩ -
ثمن ٢٣ - ٢٤
جـ - وقال الشافعية :
إن باع بثمن مؤجل لم يجز إلى أجل مجهول،
کالبیع إلى العطاء، لأنه عوض في بيع، فلم يجز
إلی أجل مجهول کالمسلم فيه .
د - وعند الحنابلة لا يصح اشتراط تأجيل
الثمن إلى أجل مجهول، ويبطل الشرط ويصح
العقد، وللمشتري حق الفسخ، لفوات غرضه
بفساد الشرط. (١)
الاختلاف في الأجل :
٢٣ - إذا اختلفا في الأجل فالقول لمن ينفيه وهو
البائع، لأن الأصل عدمه وهو الحلول.
وإذا اختلفا في قدره، فالقول لمدعي الأقل
لإِنكاره الزيادة .
والبينة في المسألتين على المشتري، لأنه
يثبت خلاف الظاهر، والبينات للإِثبات . (٢)
وإن اتفقا على قدره، واختلفا في مضيّه
فالقول للمشتري أنه لم يمض، والبينة بينته
أيضا .
لأنهما لما اتفقا على الأجل فالأصل بقاؤه،
(١) المقدمات الممهدات ص٥٤٢ - ٥٥٠، وانظر بداية المجتهد
١٤٧/٢، والمهذب ٢٦٦/١، وكشاف القناع ١٩٤/٣،
وفتح القدير ٨٤/٥
(٢) البحر الرائق ٣٠١/٥، والدر المختار مع رد المحتار
٥٣٢/٤
فكان القول للمشتري في عدم مضيه، ولأنه
منكر توجه المطالبة، وهو ظاهر.
وأما تقديم بينته على بينة البائع فعلله في
البحر عن الجوهرة بأن البينة مقدمة على
الدعوى. قال ابن عابدين: ((وهو مشکل، فإن
شأن البينة إثبات خلاف الظاهر، وهوهنا
دعوى البائع على أن بينة المشتري على عدم
المضي شهادة على النفي، وقد يجاب عن الثاني
بأنه إثبات في المعنى، لأن المعنى أن الأجل
باق .
وحينئذ فوجه تقدیم بينته كونها أكثر إثباتا،
ويدل له ما سيأتي في السلم من أنهما لو اختلفا
في مضي الأجل فالقول للمسلم إلیه بیمینه.
وإن برهنا فبينته أولى، وعلله في البحر
بإثباتها زيادة الأجل. قال: فالقول قوله والبينة
بینته)). (١)
وانظر لاستكمال مباحث الأجل مصطلح
(أجل).
اعتبار مكان العقد وزمنه عند دفع الثمن
المؤجل :
٢٤ - يعتبر البلد الذي جری فیه البيع، لا بلد
المتبايعين. فإن باع عينا من رجل بأصفهان بكذا
من الدنانير، فلم ينقد الثمن حتى وجد
(١) البحر الرائق ٣٠١/٥، وانظر الدر المختار مع رد المحتار
٤/ ٥٣٢
- ٤٠ -