Indexed OCR Text

Pages 121-140

توبة ٤- ٥
للصداع، وخفة العقل، وزوال المال، وخدش
العرض لا يكون تائبا .
والندم لخوف النار أو طمع الجنة يعتبر
توبة . (١)
واعتبر بعض الفقهاء هذه الشروط أو أكثرها
من أركان التوبة فقالوا: التوبة الندم مع الإقلاع
والعزم على عدم العود، ورد المظالم، وقال
"بعضهم: الندم ركن من التوبة، وهو يستلزم
الإِقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة،
وأما رد المظالم لأهلها فواجب مستقل ليس شرطا
في صحة التوبة. (٢) ويؤيد هذا الرأي ما ورد
عن النبي ◌َ ﴾ قال: ((الندم توبة)). (٣)
وعلى جميع الاعتبارات لابد من التنبيه على
أن الإقلاع عن الذنب لا يتم إلا برد الحقوق
إلى أهلها، أو باستحلالهم منها في حالة القدرة،
وهذا كما يلزم في حقوق العباد يلزم كذلك في
حقوق الله تعالى، كدفع الزكوات، والكفارات
إلى مستحقيها . (٤)
(١) تفسير الألوسي ١٥٨/٢٨، وبلغة السالك ٧٣٨/٤،
ودستور العلماء ٣٦٢/١، والفواكه الدواني ٨٨/١،
والجمل على شرح المنهج ٣٨٧/٥، وكشاف
القناع٦/ ٤٢٥
(٢) المراجع السابقة .
(٣) حديث: ((الندم توبة)). سبق تخريجه ف/ ١
(٤) تفسير الألوسي ٢٨/ ١٥٩، وحاشية العدوي ١ / ٦٧،
والروضة ٢٤٥/١١، وحاشية القليوبي ٤/ ٢٠١،
ومدارج السالكين لابن القيم ٣٠٥/١
ورد الحقوق یکون حسب إمكانه، فإن کان
المسروق أو المغصوب موجودا رده بعينه، وإلا يرد
المثل إن كانا مثليين والقيمة إن كانا قيميين، وإن
عجز عن ذلك نوی رده متی قدر عليه، وتصدق
به على الفقراء بنية الضمان له إن وجده. فإن
كان عليه فيها حق، فإن كان حقا لآدمي
كالقصاص اشترط في التوبة التمكين من نفسه
وبذلها للمستحق، وإن كان حقا لله تعالى كحد
الزنى وشرب الخمر فتوبته بالندم والعزم على
عدم العود، وسيأتي تفصيله في آثار التوبة . (١)
إعلان التوبة :
٥ - قال ابن قدامة: التوبة على ضربين باطنة
وحكمية، فأما الباطنة: فهي ما بينه وبين ربه
تعالى، فإن كانت المعصية لا توجب حقا عليه
في الحكم كقبلة أجنبية أو الخلوة بها، وشرب
مسكر، أو كذب، فالتوبة منه الندم والعزم على
أن لا يعود. وقد روي عن النبي ژ أنه قال:
((الندم توبة))(٢) وقيل: التوبة النصوح تجمع
أربعة اشياء، الندم بالقلب، والاستغفار
باللسان، وإضمار أن لا يعود، ومجانبة خلطاء
السوء، وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى أو
لآ دمي كمنع الزكاة والغصب ، فالتوبة منه بما
ذكرنا، وترك المظلمة حسب إمكانه بأن يؤدي
(١) الفواكه الدواني ٨٩/١، والروضة ٢٤٥/١١، والمغني
٢٠١/٩
(٢) حديث: (( الندم توبة )) سبق تخريجه ف/ ١
٢٠
- ١٢١ -

توبة ٥
الزكاة ویرد المغصوب أو مثله إن کان مثلیا، وإلا
قیمته. وإن عجز عن ذلك نوی رده متی قدر
عليه، فإن كان عليه فيها حق في البدن، فإن
كان حقا لآدمي كالقصاص وحد القذف اشترط
في التوبة التمكين من نفسه وبذلها للمستحق،
وإن كان حقا لله تعالى كحد الزنى، وشرب
الخمر فتوبته أيضا بالندم، والعزم على ترك
العود ولا يشترط الإِقرار به، فإن كان ذلك لم
يشتهر عنه فالأولى له ستر نفسه ، والتوبة فيما بينه
وبين الله تعالى، لأن النبي ◌ّ﴾ قال: ((من
أصاب من هذه القاذورة فليستتر بستر الله
تعالى، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه
كتاب الله))(١) فإن الغامدية حين أقرت بالزنى لم
ينكر عليها النبي ◌َّ ذلك، (٢) وإن كانت
معصية مشهورة فذكر القاضي أن الأولى الإِقرار
به لیقام عليه الحد، لأنه إذا کان مشهورا فلا
فائدة في ترك إقامة الحد عليه، والصحيح أن ترك
الإِقرار أولى، لأن النبي بّ عرض للمقر عنده
بالرجوع عن الإقرار فعرض لماعز، (٣) وللمقر
(١) حديث: ((من أصاب من هذه القاذورة ... )) أخرجه
الطحاوي في المشكل (١/ ٢٠ ط دائرة المعارف) والبيهقي
(٣٣٠/٨ ط دار المعرفة)، والحاكم (٤ / ٢٤٤ ط دار
الكتاب العربي). وقال هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين .
(٢) حديث: ((ان الغامدية حين أقرت بالزنى لم ينكر ... ))
أخرجه مسلم (١٣٢٣/٣ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((عرض النبي ◌َّ الرجوع على المقر
بالزنى ... )) أخرجه البخاري (١٢ /١٣٥ ط السلفية).
عنده بالسرقة(١) بالرجوع مع اشتهاره عنه
بإقراره، وكره الإِقرار حتى أنه قيل لما قطع
السارق كأنما أسف وجهه رمادا، ولم يرد الأمر
بالإقرار ولا الحث علیه في كتاب ولا سنة،
ولا يصح له قياس. إنما ورد الشرع بالستر
والاستتار والتعريض للمقر بالرجوع عن
الإِقرار، وقال لهزال وكان هو الذي أمر ماعزا
بالإِقرار ((يا هزال لو سترته بثوبك كان خيرا
لك)). (٢)
وقال أصحاب الشافعي : توبة هذا إقراره
ليقام عليه الحد وليس بصحيح لما ذكرنا، ولأن
التوبة توجد حقيقتها بدون الإِقرار وهي تجب
ما قبلها، كما ورد في الأخبار مع ما دلت عليه
الآيات في مغفرة الذنوب بالاستغفار وترك
الإصرار. وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف
ءِ
بها، والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقد
منها . (٣)
(١) حديث: ((عرض النبي ◌َّ الرجوع على المقر
بالسرقة ... )) أخرجه أبوداود (٥٤٢/٤ ط عزت عبيد
الدعاس). أخرجه الحاكم (٤ / ٣٨١ ط دار الكتاب
العربي) وقال على شرط مسلم.
(٢) حديث: ((ياهزال لو سترته بثوبك كان خيرا لك)). أخرجه
أبوداود (٤ / ٥٤١ ط عزت عبيد الدعاس). والحاكم
(٤ / ٣٦٢ ط دار الكتاب العربي) وقال حديث صحيح
الإِسناد ولم يخرجاه .
(٣) ابن عابدين (٣/ ١٤٠، ٤ / ٣٧٩، والمغني ٢٠٠/٩،
٢٠١، وكشاف القناع ٩٩/١، والفواكه الدواني =
- ١٢٢ -

١
توبة ٦ - ٧
عدم العود :
٦ - لا يشترط في التوبة عدم العود إلى الذنب
الذي تاب منه عند أكثر الفقهاء، وإنما تتوقف
التوبة على الإِقلاع عن الذنب والندم عليه
والعزم الجازم على ترك معاودته، فإن عاوده مع
عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صاركمن
ابتدأ المعصية، ولم تبطل توبته المتقدمة، ولا يعود
إليه إثم الذنب الذي ارتفع بالتوبة، وصار كأن
لم يكن وذلك بنص الحديث: ((التائب من
الذنب كمن لا ذنب له)). (١)
وقال بعضهم یعود إلیہ إثم الذنب الأول،
لأن التوبة من الذنب بمنزلة الإِسلام من
الكفر، والكافر إذا أسلم هدم إسلامه ماقبله من
إثم الكفر وتوابعه، فإذا ارتد عاد إليه الإِثم
الأول مع الردة.
والحق أن عدم معاودة الذنب واستمرار التوبة
شرط في كمال التوبة ونفعها الكامل لا في صحة
ما مضى منها .
هذا، واشترط الشافعية في ثبوت بعض
أحكام التوبة إصلاح العمل، فلا تكفي التوبة
= ٨٩/١، والوجيز للغزالي ٢/ ٢٧١، والجمل ٣٨٧/٥،
٣٨٩.
(١) حديث: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)). أخرجه
ابن ماجه (٢ /١٤١٨) ط عيسى الحلبي). قال السخاوي
((حسنه شيخنا - يعني ابن حجر - لشواهده)). (المقاصد
الحسنة ص٢٤٩. ط دار الكتاب العربي).
حتى تمضي عليه مدة تظهر فيها آثار التوبة
ويتبين فيها صلاحه على تفصيل يأتي في آثار
التوبة . (١)
التوبة من بعض الذنوب :
٧ - تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره
عند جمهور الفقهاء، فالتوبة تتبعض كالمعصية
وتتفاضل في کمیتها كما تتفاضل في کیفیتها،
فكل ذنب له توبة تخصه، ولا تتوقف التوبة من
ذنب على التوبة من بقية الذنوب، كما لا يتعلق
أحد الذنبين بالآخر، وكما يصح إيمان الكافر مع
إدامته شرب الخمر والزنى تصح التوبة عن ذنب
مع الإصرار على آخر. (٢)
ونقل ابن القيم قولا بعدم قبول التوبة من
ذنب مع الإصرار على غيره، وهو رواية عن
أحمد ثم قال: والذي عندي في هذه المسألة أن
التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره
من نوعه، وأما التوبة من ذنب مع مباشرة ذنب
آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح، كما
(١) تفسير الألوسي ١٥٩/٢٨، والفواكه الدواني ١٨٩/١،
والروضة ٢٤٩/١١، ٢٥٠، والجمل ٣٨٧/٥، ٣٨٩،
وكشاف القناع ٤٢٥/١، ومدارج السالكين ٢٧٦/١،
والمغني لابن قدامة ٢٠٢/٩، والمهذب ٣٣٢/٢
(٢) تفسير الألوسي ١٥٩/٢٨، وبلغة السالك ٤/ ٧٣٨،
والفواكه الدواني ٨٩/١، والروضة ٢٤٩/١١، ومدارج
السالكين ٢٧٣/١، ٢٧٤، والآداب الشرعية ٦٥/١،
٦٦
- ١٢٣ -

توبة ٨ - ٩
إذا تاب من الربا، ولم يتب من شرب الخمر مثلا
فإن توبته من الربا صحيحة، وأما إذا تاب من
ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة أو بالعكس،
أوتاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب
الخمر أو بالعكس فهذا لا تصح توبته، کمن
يتوب عن زنى بامرأة وهو مصر على الزنى
بغيرها . (١)
أقسام التوبة :
٨ - صرح بعض فقهاء الشافعية والحنابلة أن
التوبة نوعان: توبة في الباطن، وتوبة في
الظاهر.
فأما التوبة في الباطن: فهي مابينه وبين الله
عز وجل، فينظر في المعصية فإن لم تتعلق بها
مظلمة الآدمي، ولا حد لله تعالى، كالاستمتاع
بالأجنبية فيما دون الفرج، فالتوبة منها أن يقلع
عنها ويندم على فعل ما فعل، ويعزم على أن لا
يعود إلى مثلها . والدليل على ذلك قوله تعالى :
﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم
ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر
الذنوب إلا اللّه ولم يصروا على ما فعلوا﴾(٢)
الآية .
وإن تعلق بها حق آدمي، فالتوبة منها أن
يقلع عنها، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن
لا يعود إلى مثلها، وأن يبرأ من حق الآدمي ، إما
(١) مدارج السالكين ٢٧٥/١
(٢) سورة آل عمران/ ١٣٥
بأن یؤ دیه أو یسأله حتی یبر ئه منه، وإن لم يقدر
علی صاحب الحق نوی أنه إن قدر أوفاه حقه.
وإن تعلق بالمعصية حد لله، كحد الزنى
والشرب، فإن لم يظهر ذلك، فالأولى أن يستره
على نفسه (١) لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من
أصاب من هذه القاذورة شيئا فليستتر
بستر الله)). (٢)
وأما التوبة في الظاهر - وهي التي تعود بها
العدالة والولاية وقبول الشهادة، فإن كانت
المعصية فعلا كالزنى والسرقة لم يحكم بصحة
التوبة عند الشافعية حتى يصلح عمله،
وقدروها بسنة أوستة أشهر، أو حتى ظهور
علامات الصلاح على اختلاف أقوالهم خلافا
لجمهور الفقهاء فانهم لم يشترطوا إصلاح العمل
بعد التوبة، وإن كانت المعصية قذفا أو شهادة
زور فلابد من إکذاب نفسه كما سيأتي. (٣)
التوبة النصوح :
٩ - أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالتوبة
النصوح ليكفر عنهم سيئاتهم فقال: ﴿يا أيها
الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى
(١) المهذب للشيرازي ٣٣٢/٢، والمغني لابن قدامة
٩/ ٢٠١،٢٠٠
(٢) حديث: ((من أصاب من هذه القاذورة ... )) سبق تخريجه
ف/ ٥
(٣) تفسير الألوسي ٢٨/ ١٥٩، والفواكه الدواني ٨٩/١،
والمهذب للشيرازي ٣٣٢/٢، والمغني ٩/ ٢٠١
- ١٢٤ -

توبة ١٠ - ١١
ربكم أن یکفر عنكم سيئاتكم ويدخلکم جنات
تجري من تحتها الأنهار﴾. (١)
واختلفت عبارات العلماء فيها، وأشهرها
ما روي عن عمر وابن مسعود وأبي بن كعب
ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم، وروي مرفوعا
أن التوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها كما
لا يعود اللبن إلى الضرع. (٢) وقيل: هي الندم
بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن
الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود. (٣)
حكم التوبة :
١٠ - التوبة من المعصية واجبة شرعا على الفور
باتفاق الفقهاء، لأنها من أصول الإِسلام المهمة
وقواعد الدين، وأول منازل السالكين، (٤)
(١) سورة التحريم/ ٨
(٢) حديث: ((إن التوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها كما لا
يعود اللبن إلى الضرع)).
قال السيوطي: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال :
قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ◌َ﴾ ما التوبة النصوح؟
قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى
الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع)».
الدرر المنشور (٢٢٧/٨ ط دار الفكر) ولم نعثر على سنده
لمعرفة درجته .
(٣) تفسير الألوسي ١٥٧/٢٨، والقرطبي ١٨/ ١٩٧،
والآداب الشرعية ١٠١/١، ١٠٥، ومدارج السالكين
١/ ٣٠٩، ٣١٠، والمغني ٩/ ٢٠١
(٤) الكليات لابي البقاء ٩٦/٢، وتفسير الألوسي ١٥٩/٢٨،
والفواكه الدواني ٨٩/١، ونهاية المحتاج ٤٢٤/٢،
والروضة ٢٤٩/١١، وكشاف القناع ٨١/٢، وبلغة
السالك ٧٣٨/٤
قال الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها
المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ . (١)
وقت التوبة :
١١ - إذا أخر المذنب التوبة إلى أخر حياته، فإن
ظل آملا في الحياة غير يائس بحيث لا يعلم
قطعا أن الموت يدركه لا محالة فتوبته مقبولة عند
جمهور الفقهاء، وإن كان قريبا من الموت لقوله
تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده
ويعفو عن السيئات﴾ (٢) ولقوله عليه الصلاة
والسلام: ((إن اللّه يقبل توبة العبد مالم
). (٣)
يغرغر)).
وإن قطع الأمل من الحياة وكان في حالة
اليأس (مشاهدة دلائل الموت) فاختلفوا فيه :
قال المالكية - وهو قول بعض الحنفية : ووجه
عند الحنابلة، ورأى عند الشافعية، ونسب إلى
مذهب الأشاعرة: إنه لا تقبل توبة اليائس
الذي يشاهد دلائل الموت، بدليل قوله تعالى :
﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى
إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ (٤)
الآية .
قالوا: إِن الآية في حق المسلمين الذين
يرتكبون الذنوب ويؤخرون التوبة إلى وقت
(١) سورة النور/ ٣١
(٢) سورة الشورى/ ٢٥
(٣) حديث: ((ان الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)). أخرجه
أحمد في المسند (١٩/٩ - ٦١٦٠/٢٠. ط دار المعارف).
وصحح إسناده أحمد شاكر.
(٤) سورة النساء/ ١٨
- ١٢٥ -

توبة ١١ - ١٣
الغرغرة، بدليل قوله تعالى بعده: ﴿ولا الذين
يموتون وهم كفار﴾(١) لأنه تعالى جمع بين من
أخر التوبة إلى حضور الموت من الفسقة وبين
من يموت وهو كافر، فلا تقبل توبة اليائس كما
لا يقبل إيمانه. ولقوله : ((إن الله يقبل التوبة
مالم يغرغر)) وهذا يدل على أنه يشترط لصحة
التوبة صدورها قبل الغرغرة، وهي حالة اليأس
وبلوغ الروح الحلقوم. (٢)
وعند بعض الحنفية - وهو وجه آخر عند
الحنابلة - وعزاه بعضهم إلى مذهب الماتريدية
أن المؤمن العاصي تقبل توبته ولو في حالة
الغرغرة، بخلاف إيمان اليائس فإنه لا يقبل،
ووجه الفرق أن الكافر غير عارف بالله تعالى،
ويبدأ إيمانا وعرفانا، والفاسق عارف وحاله حال
البقاء، والبقاء أسهل من الابتداء(٣) ولإطلاق
قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن
عباده﴾. (٤)
ولا خلاف بين الفقهاء في عدم قبول توبة
الكافر بإسلامه في حالة اليأس(٥) بدليل قوله
(١) سورة النساء/ ١٨
(٢) ابن عابدين ٢٨٩/٣،٥٧١/١، والفواكه الدواني
٩٠/١، وتفسير الماوردي ٣٧٢/١، والآداب الشرعية
لابن مفلح ١٢٧/١
(٣) المراجع السابقة .
(٤) سورة الشورى/ ٢٥
(٥) تفسير الطبري ٨ / ٩٦، ٩٧، وانظر أيضا تفسير الماوردي
٠٣٧٢/١ ٢٧٣
تعالى حكاية عن حال فرعون: ﴿حتى إذا
أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي
آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، الآن
وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾. (١)
من تقبل توبتهم ومن لا تقبل :
١٢ - تقدم أن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة
من الكافر والمسلم العاصي بفضلهٍ وإحسانه كما
وعد في كتابه المجيد حيث قال: ﴿وهو الذي
يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾(٢)،
لكن هناك بعض الحالات اختلف الفقهاء في
قبول التوبة فيها نظرا للأدلة الشرعية الخاصة
بها، ومن هذه الحالات :
أ - توبة الزنديق :
١٣ - الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة
ولا يتدين بدين. (٣)
وجمهور الفقهاء، (المالكية والحنابلة وهو ظاهر
المذهب عند الحنفية ورأي عند الشافعية) على
أنه لا تقبل توبة الزنديق لقوله تعالى : ﴿إلا
الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾(٤) الآية.
(١) سورة يونس / ٩١،٩٠
(٢) سورة الشورى/ ٢٥
(٣) ابن عابدين ٢٩٦/٣، وحاشية القليوبي ٤ / ١٧٧ ،
وكشاف القناع ١٧٨،١٧٦/٦
(٤) سورة البقرة/ ١٦٠
- ١٢٦ -

:
توبة ١٤
والزنديق لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان
عليه، لأنه كان يظهر الإِسلام مسرا بالكفر،
ولأن التوبة عند الخوف عين الزندقة. لكن
المالكية صرحوا بقبول التوبة من الزنديق إذا
أظهرها قبل الاطلاع عليه. (١)
وفي رواية عند الحنفية وهي رواية عند
الشافعية والحنابلة أن الزنديق تجري عليه أحكام
المرتد فتقبل توبته بشروطها، لقوله تعالى : ﴿قل
للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد
سلف﴾. (٢)
وألحق الشافعية بالزنادقة الباطنية بمختلف
فرقهم، (٣) كما ألحق بهم الحنابلة الحلولية
والإِباحية وسائر الطوائف المارقين من الدين. (٤)
ب - توبة من تكررت ردته :
١٤ - صرح الحنابلة - وهو رواية عند الحنفية
ونسب إلى مالك بأنه لا تقبل توبة من تكررت
ردته، لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا
ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله
ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾. (٥) ولقوله
(١) ابن عابدين ٣١/١، و٢٩٠/٣، ٢٩٦، والحطاب
٢٨٢/٦، وجواهر الإكليل ٢٧٩/٢، والقليوبي
١٧٧/٤، والمغني ٢٩٨/٦، وكشاف القناع ١٧٧/٦،
١٧٨
(٢) سورة الأنفال/ ٣٨
(٣) الباطنية هم القائلون بأن للقرآن باطنا وظاهرا، والباطن
هو المراد منه دون ظاهره. (قليوبي ٤ / ١٧٧).
(٤) المراجع السابقة .
(٥) سورة النساء/ ١٣٧
سبحانه: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم
ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم﴾(١) والازدياد
يقتضي كفرا جديدا لابد من تقدم إيمان عليه .
ولما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه أتي
برجل فقال له: إنه أتي بك مرة فزعمت أنك
تبت وأراك قد عدت فقتله. ولأن تكرار الردة منه
يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالدين
فيقتل. (٢).
وقال الشافعية وهو المشهور في مذهب الحنفية
والمالكية: إنه تقبل توبة المرتد ولو تكررت ردته،
لإطلاق قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن
ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. (٣) ولقوله عليه
الصلاة والسلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها
وحسابهم على الله)). (٤) لكنهم صرحوا بأن
المرتد المتكررة منه الردة إذا تاب ثانيا عزر
بالضرب أو بالحبس ولا يقتل، قال ابن
عابدين: إذا ارتد ثانيا ثم تاب ضربه الإِمام
(١) سورة آل عمران/ ٩٠
(٢) المغني ٨/ ١٢٦، ١٢٧، وكشاف القناع ٦ / ١٧٧.
(٣) سورة الانفال/ ٣٨
(٤) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ... )) أخرجه
مسلم (١/ ٥٣ ط عيسى الحلبي) وأصله في البخاري.
- ١٢٧ -

توبة ١٥ - ١٦
وخلی سبیله، وإن ارتد ثالثا ثم تاب ضرب
ضربا وجيعا وحبسه حتى تظهر عليه آثار التوبة
ویری أنه مخلص ثم خلی سبیله، فإن عاد فعل
به هكذا أبدا ما دام حتى يرجع إلى الإِسلام.
وقد جاء مثل هذا عن المالكية والشافعية . (١)
جـ ـ توبة الساحر :
١٥ - السحر علم يستفاد منه حصول ملكة
نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب
خفية .
وعرفه ابن خلدون بأنه علم بكيفية
استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على
التأثيرات في عالم العناصر بغير معين.
واتفق الفقهاء على أن تعلیمه وتعلمه حرام
لقوله تعالى : ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون
الناس السحر﴾(٢) فذمهم على تعليمه. ولأن
النبي مح# عده من السبع الموبقات. قال ابن
قدامة لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم .
وقد صرح الحنفية بأنه لا تقبل توبة الساحر
فیجب قتله ولا يستتاب، وذلك لسعيه بالفساد
ولا يلزم من عدم كفره مطلقا عدم قتله، لأن
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٨٦، والحطاب ٢٨٢/٦، وأسنى
المطالب ١٢٢/٤، والجمل على شرح المنهج ١٢٦/٥
(٢) سورة البقرة/ ١٠٢
قتله بسبب سعيه بالفساد، فإذا ثبت ضرره ولو
بغير مكفر يقتل دفعا لشره كالخناق وقطاع
الطريق. وهذا مذهب الحنابلة .
وحد الساحر عند الحنابلة القتل ويكفر
بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحریمه أو إباحته .
وفي رواية أخرى عن أحمد مايدل على أنه
لا يكفر. (١)
وقال المالكية: إذا حكم بكفره فإن كان
مجاهرا به يقتل إلا أن يتوب فتقبل توبته، وإن
كان يخفيه فهو كالزنديق لا تقبل توبته. (٢)
١٦ - والدليل على عدم قبول توبة الساحر
حديث جندب بن عبدالله قال: قال
رسول الله اصاله: ((حد الساحر ضربة
بالسیف»(٣) فسماه حدا والحد بعد ثبوت سببه
لا يسقط بالتوبة. ولما روي عن عائشة
رضي الله عنها قال: ((إن الساحرة سألت
أصحاب النبي ثّر - وهم متوافرون - هل لها
(١) ابن عابدين ٣١/١، المغني ١٥٤/٨، والمقدمة ٤٩٦ ط
دار التراث .
(٢) الخرشي ٨/ ٦٣، والجواهر ٢٨١/٢
(٣) حديث: ((حد الساحر ضربة بالسيف)) أخرجه الترمذي
(٤ / ٦٠ ط مصطفى الحلبي) وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من
هذا الوجه واسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث،
ثم قال والصحيح عن جندب موقوف. وقال ابن حجر وفي
سنده ضعف (فتح الباري ١٠/ ٢٣٦ ط السلفية).
- ١٢٨ -

توبة ١٦ - ١٧
من توبة؟ فما أفتاها أحد))، (١) ولأنه لا طريق لنا
إلى إخلاصه في توبته لأنه يضمر السحر
ولا يجهر به، فيكون إظهار الإِسلام والتوبة خوفا
من القتل مع بقائه على تلك المفسدة. (٢)
وقال الشافعية: إن علم أوتعلم السحر
واعتقد تحريمه لم يكفر، وإن اعتقد إباحته مع
العلم بتحريمه كفر ، لأنه كذب الله تعالى في
خبره ويقتل كما يقتل المرتد. (٣)
فالظاهر من كلامهم أنه تقبل توبة الساحر
كما تقبل توبة المرتد. وهذا ما قرره الحنابلة في
الرواية الثانية عندهم حيث قالوا: إن الساحر
إن تاب قبلت توبته لأنه ليس بأعظم من
الشرك، والمشرك يستتاب ومعرفة السحر لا تمنع
قبول توبته، فإن الله تعالى قبل توبة سحرة
فرعون . (٤)
وفي الجملة، فالخلاف في قبول توبة هذه
الطوائف ، إنما هو في الظاهر من أحكام الدنيا من
ترك قتلهم وثوت أحکام الإِسلام في حقهم،
وأما قبول الله لها في الباطن وغفرانه لمن تاب
(١) الأثر عن عائشة رضي الله عنها: ((ان الساحرة سألت
أصحاب ... )) أورده المغني (٨/ ١٥٣ ط مكتبة الرياض).
ولم نعثر عليه في کتب الحدیث التي بين أيدينا .
(٢) ابن عابدين ٣١/١، و٢٨٦/٣، وفتح القدير ٤٠٨/٤
(٣) المهذب ٢٢٥/٢
(٤) المغني ٨/ ١٥٤
وأقلع ظاهرا أوباطنا فلا خلاف فيه، فإن الله
تعالى لم يسد باب التوبة عن أحد من خلقه(١)
وقد قال في المنافقين: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا
واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع
المؤمنين، وسوف يؤتي اللّه المؤمنين أجرا
عظيما﴾.(٢)
وتفصيل مايتصل بالسحر ينظر في مصطلح :
(سحر) .
آثار التوبة :
أولا : في حقوق العباد :
١٧ - التوبة بمعنى الندم على ما مضى والعزم
على عدم العود لمثله لا تكفي لاسقاط حق من
حقوق العباد. فمن سرق مال أحد أو غصبه أو
أساء إليه بطريقة أخرى لا يتخلص من المسائلة
بمجرد الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على
عدم العود، بل لابد من رد المظالم، وهذا
الأصل متفق عليه بين الفقهاء. (٣)
قال النووي: إن كانت المعصية قد تعلق بها
حق مالي كمنع الزكاة، والغصب، والجنايات،
(١) المغني ١٢٨/٨
(٢) سورة النساء/ ١٤٦
(٣) ابن عابدين ٣٢٣/٣، والفواكه ٨٨/١، ٨٩، والروضة
٢٤٥/١١، ٢٤٦، ونهاية المحتاج ٨/ ٦، والمغني
٢٠١،٢٠٠/٩
- ١٢٩ -

توبة ١٨
في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه
بأن يؤدي الزكاة، ويرد أموال الناس إن بقيت،
ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق
فيبرئه، ويجب أن يعلم المستحق إن لم يعلم
بالحق وأن يوصله إليه إن كان غائبا إن كان
غصبه هناك. فإن مات سلمه إلی وارثه، فإن لم
یکن له وارث وانقطع خبره رفعہ إلی قاض
ترضی سیرته ودیانته، فإن تعذر تصدق به علی
الفقراء بنية الضمان له إن وجده .
وإن کان معسرا نوی الضمان إذا قدر. فإن
مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى
المغفرة .
وإن کان حقا للعباد لیس بمالي کالقصاص
وحق القذف فيأتي المستحق ويمكنه من
الاستيفاء، فإن شاء اقتص وإن شاء عفا. (١)
ومثله ماذكره فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة
مع تفصيل في بعض الفروع حسب نوعية
المعصية وتناسب التوبة معها كما هو مبين في
مواضعها . (٢)
ثانيا : في حقوق الله تعالى:
١٨ - حقوق الله المالية كالزكوات والكفارات
والنذور لا تسقط بالتوبة، بل يجب مع التوبة
(١) روضة الطالبين ٢٤٦/١١
(٢) المراجع السابقة للمذاهب.
تبرئة الذمة بأدائها كما تقدم . (١)
أما حقوق الله تعالى غير المالية كالحدود مثلا
فقد اتفق الفقهاء على أن جريمة قطع الطريق
(الحرابة) تسقط بتوبة القاطع قبل أن يقدر
عليه، لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن
تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾. (٢)
فدلت هذه الآية على أن قاطع الطريق إذا
تاب قبل أن يظفر به سقط عنه الحد، والمراد بها
قبل القدرة في الآية أن لا تمتد إليهم يد الإِمام
بهرب أو استخفاء أو امتناع .
وتوبته برد المال إلی صاحبه إذا كان قد أخذ
المال لا غير، مع العزم على أن لا يعود لمثله في
المستقبل. فيسقط عنه القطع أصلا، ويسقط عنه
القتل حدا، وكذلك إن أخذ المال وقتل حتى لم
يكن للإِمام أن يقتله حدا، ولكن يدفعه إلى
أولياء المقتول يقتلونه قصاصا إذا تحققت
شروطه. وإن لم يأخذ المال ولم يقتل فتوبته الندم
على ما فعل والعزم على الترك في المستقبل. (٣)
ولا يسقط عن المحارب حد الزنى والشرب
والسرقة إذا ارتكبها حال الحرابة ثم تاب قبل
(١) الروضة ٢٤٦/١١، وكشاف القناع ٢٥٧/٢
(٢) سورة المائدة/ ٣٤
(٣) البدائع ٩٦/٧، ابن عابدين ٣/ ١٤٠، وجواهر الإكليل
٢٩٥/٢، والفروق للقرافي ١٨١/٤، ونهاية المحتاج
٦/٨، والمغني ٢٩٦/٨، ٢٩٧، والقليوبي ٢٠١/٤
- ١٣٠ -

توبة ١٩
.
القدرة عليه عند المالكية والشافعية في الأظهر،
وهو احتمال عند الحنابلة، ومفهوم إطلاق الحنفية
في هذه الحدود.
والمذهب عند الحنابلة وهو خلاف الأظهر
عند الشافعية أنها تسقط عن المحارب إذا تاب
قبل القدرة عليه لعموم الآية .
أما حد القذف وماعليه من حقوق الآدميين
من الأموال والجراح فلا تسقط عن المحارب
كغير المحارب إلا أن يعفى له عنها. (١)
١٩ - أما في غير المحاربة فإن الحدود
المختصة بالله تعالى كحد الزنى والسرقة وشرب
الخمر فلا تسقط بالتوبة عند الحنفية، وهو
المشهور عند المالكية، والأظهر عند الشافعية،
ورواية عند الحنابلة، لقوله تعالى : ﴿الزانية
والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾(٢)
وقوله سبحانه: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما﴾(٣) وهذا عام في التائبين وغيرهم. ولأن
النبي وس رجم ماعزا والغامدية، وقطع الذي
أقر بالسرقة، وقد جاءوا تائبين يطلبون التطهير
(١) المراجع السابقة، والدسوقي ٤/ ٢٠٥٠، وكشاف القناع
١٥٣/٦، وابن عابدين ٤٧٩/٤، ومسلم الثبوت
٣٢٨/١، والوجيز ٢٥١/٢، ونهاية المحتاج ٨/ ٦،
والقليوبي ٢٠١/٤، ومغني المحتاج ١٨٤/٤، والفواكه
الدواني ٢/ ٢٨١، والمغني ٢٩٦/٨
(٢) سورة النور/ ٢
(٣) سورة المائدة/ ٣٨
بإقامة الحد، وقد سمى رسول اللّه القليل فعلهم
توبة فقال في حق المرأة: لقد تابت توبة لو
قسمت على سبعين من أهل المدينة
لوسعتهم)) .(١)
والرأي الثاني وهو خلاف الأظهر عند
الشافعية وهورواية عند الحنابلة ورأي لبعض
المالکیة أنه إن تاب من علیه حد من غیر
المحاربين يسقط عنه الحد لقوله تعالى :
﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا
فأعرضوا عنهما﴾(٢) وذكر حد السارق ثم قال:
﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب
عليه﴾. (٣)
على أن بعض الفقهاء فرقوا بين التوبة من
هذه الجرائم قبل الرفع للإِمام وبعده فيقولون
بإسقاط التوبة لها قبل الرفع لا بعده، (٤) كما
فصل في مصطلحاتها .
وقد تقدم أن عقوبة الردة تسقط بالتوبة قبل
الرفع وبعده. (ر: ردة).
(١) حديث: ((لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من ... ))
أخرجه مسلم ٣/ ٤٤٤ ط عيسى الحلبي).
(٢) سورة النساء/ ١٦
(٣) سورة المائدة/ ٣٩
(٤) البدائع ٩٦/٧، وبلغة السالك ٤٨٩/٤، وحاشية الجمل
١٣٠/٢، ونهاية المحتاج ٦/٨، والمغني ٨/ ٢٩٧،
وكشاف القناع ٦/ ١٥٤
- ١٣١ -

توبة ٢٠ - ٢١
ثالثا : في التعزيرات :
٢٠ - يسقط التعزير بالتوبة عند عامة الفقهاء إذا
لم يكن فيه حق من حقوق العباد، كترك الصلاة
والصوم مثلا، لأن المقصود من التعزير التأديب
والإِصلاح، وقد ثبت بالتوبة، بخلاف حقوق
العباد كالضرب والشتم، لأنها مبنية على
المشاحة كما مر. (١)
وللتفصيل انظر مصطلح: (تعزير).
رابعا: في قبول الشهادة :
٢١ - يشترط في قبول الشهادة العدالة، فمن
ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة سقطت
عدالته ولا تقبل شهادته إذا لم يتب، وهذا
باتفاق الفقهاء. (٢)
وإذا تاب عن المعصية وقيل بقبول توبته تقبل
شهادته عند جمهور الفقهاء، سواء أكانت
المعصية من الحدود أم من التعزيرات، وسواء
أكانت بعد استيفاء الحدود أم قبله .
واختلفوا في قبول شهادة المحدود في القذف
بعد التوبة .
(١) ابن عابدين ٣١/١، و١٩١/٣، والفروق للقرافي
٤ / ١٨١، ونهاية المحتاج ٣٩٨/٧، وجواهر الإكليل
٢/ ٢٦٥، وكشاف القناع ٦/ ١٥٣، والمغني ٣١٦/١٠
(٢) الزيلعي ٢٢٦/٤، وروضة الطالبين ٢٢٥/١١، وجواهر
الإكليل ٢٣٣/٢، والمغني ١٦٧/٩ - ١٧٠
فذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) إلى أنه إذا تاب المحدود في قذف تقبل
شهادته، وتوبته بتكذيب نفسه فيما قذف به،
واستدلوا بأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة
أبدا وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين
تابوا﴾(١)، فاستثنى التائبين بقوله: ﴿إلا الذين
تابوا﴾ والاستثناء من النفي إثبات، فيكون
تقديره ﴿إلا الذين تابوا﴾ فاقبلوا شهادتهم
وليسوا بفاسقين، لأن الجمل المعطوفة بعضها
على بعض بالواو، والواو للجمع فتجعل الجمل
كلها كالجملة الواحدة، فيعود الاستثناء إلى
جميعها. (٢)
ولأن القاذف لوتاب قبل إقامة الحد عليه
تقبل شهادته عند الجمیع، ولا جائز أن تكون
إقامة الحد عليه هي الموجبة لرد الشهادة، لأنه
فعل الغير وهو مطهر أيضا. ولأنه لو أسلم تقبل
شهادته فهذا أولی . (٣)
ولما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان
يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن
شعبة: تب أقبل شهادتك. ولم ينكر ذلك عليه
منكر، فكان إجماعا. وقال سعيد بن المسيب
(١) سورة النور/ ٤
(٢) التاج والإكليل للمواق ١٦١/٦، والوجيز للغزالي
٢٥١/٢، والمغني لابن قدامة ٩/ ١٩٧، ١٩٩
(٣) تبيين الحقائق للزيلعي في سرد أدلة الشافعية ٢١٨/٤
- ١٣٢ -

توبة ٢١
شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال،
أبوبكرة،ونافعبنالحارث،وشبل بن معبد،ونکل
زياد، فجلد عمر الثلاثة وقال لهم : توبوا تقبل
شهادتکم، فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما
وأبى أبو بكرة فلم يقبل شهادته.
وقال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في
قذف وإن تاب، لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم
شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾(١)، ووجهه
أن الله تعالى رد شهادته على التأبيد نصا، فمن
قال هومؤقت إلى وجود التوبة یکون ردا لما
اقتضاه النص فيكون مردودا. والقياس على
الکفر وغیره من الجرائم لا يجوز، لأن القياس
المخالف للنص لا يصح. ولأن رد الشهادة
معطوف على الجملة المتقدمة إلى ﴿فاجلدوهم
ثمانين جلدة﴾(٢) وهي حد فکذا هذا، فصارمن
تمام الحد، ولهذا أمر الأئمة به، والحد لا يرتفع
بالتوبة .
وقوله تعالى: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾(٣)
ليس بحد، لأن الحد يقع بفعل الأئمة، (أي
الحكام)، والفسق وصف قائم بالذات، فیکون
منقطعا عن الأول، فينصرف الاستثناء بقوله
تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾(٤) إلى ما يليه
(١) سورة النور / ٤
(٢) سورة النور / ٤
(٣) سورة النور / ٤
(٤) سورة النور / ٤
ضرورة، لا إلى الجميع. فالمحدود في القذف
إذا تاب لا يسمى فاسقا لكنه لا تقبل شهادته
وذلك من تمام الحد. (١)
(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٢١٨/٤، ٢١٩، و٢٢٦، وابن
عابدين ٤ / ٤٧٩
- ١٣٣ -

توثيق ١ - ٤
الزكاء وهو الصلاح، وفي الاصطلاح: الإِخبار
بعدالة الشاهد .
والتعديل مثله وهو نسبة الشاهد إلى
العدالة .(١)
فالتزكية والتعديل توثيق للأشخاص ليؤخذ
بأقوالهم، وعلى هذا فالتوثيق أعم لأنه يشمل
التزكية وغيرها من الرهن والكفالة وغيرهما .
توثيق
التعريف :
١ - التوثيق لغة: مصدر وثّق الشيء إذا أحكمه
وثبته، وثلاثيه وثق. يقال وثق الشيء وثاقة :
قوی وثبت وصار محكما .
والوثيقة ما يحكم به الأمر، والوثيقة:
الصك بالدَّين أو البراءة منه، والمستند،
وما جرى هذا المجرى والجمع وثائق .
والموثق من يوثق العقود.
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا
المعنى . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
التزكية والتعديل :
التزكية :
٢ - التزكية: المدح والثناء، يقال: زکی فلان
بينته أي مدحها، وتزكية الرجل نسبته إلى
(١) لسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط وطلبة الطلبة
ص١٤٠، ودرر الحكام ٢/ ٥٢، أحكام القرآن للجصاص
٦٢٠/١، والمبسوط ١٦٨/٣
البينة :
٣ - البينة من بان الشيء إذا ظهر، وأبنته:
أظهرته، والبينة اسم لكل مايبين الحق ويظهره،
وسمى النبي ◌ُّ الشهود بينة لوقوع البيان
بقولهم وارتفاع الإِشكال بشهادتهم. (٢) وعلى
ذلك فالتوثيق أعم من البينةلأنه يتناول البينة
والرهن والكفالة.
التسجيل :
٤ - هو الإِثبات في السجل وهو كتاب القاضي
ونحوه .
وفي الدرر: المحضر: ماکتب فيه ماجری بین
الخصمين من إقرار أو إنكار والحكم ببينة أو
نكول على وجه يرفع الإِشتباه، والصك:
(١) المصباح المنير وشرح غريب المهذب ٣٤٢/٢، ومسلم
الثبوت ١٤٨/٢ .
(٢) لسان العرب وشرح غريب المهذب ٢/ ٣١١، والتبصرة
بهامش فتح العلي المالك ١/ ٢٠٢
- ١٣٤ -

توثيق ٥ - ٦
ماكتب فيه البيع والرهن والإِقرار وغيرها.
والحجة والوثيقة يتناولان الثلاثة .
وقال ابن بطال: المحاضر: مایکتب فيها
قصة المتحاكمين عند حضورهما مجلس الحكم
وماجری بینھما وما أظهر كل واحد منهما من حجة
من غير تنفيذ ولا حكم مقطوع به،
والسجلات: الكتب التي تجمع المحاضر وتزيد
عليها بتنفيذ الحكم وإمضائه .
وعلى ذلك فالتسجيل هو إثبات الأحكام
التي يصدرها القاضي وتختلف مراتبها في القوة
والضعف. فهو من أنواع التوثيق. (١)
حكمة مشروعية التوثيق :
٥ - في التوثيق منفعة من أوجه :
أحدها: صيانة الأموال وقد أمرنا بصيانتها
ونهينا عن إضاعتها.
والثاني: قطع المنازعة فإن الوثيقة تصير حكما
بين المتعاملين ويرجعان إليها عند المنازعة فتكون
سببا لتسكين الفتنة ولا يجحد أحدهما حق
صاحبه مخافة أن تخرج الوثيقة وتشهد الشهود
علیه بذلك فینفضح أمره بين الناس .
والثالث: التحرز عن العقود الفاسدة لأن
المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة
(١) لسان العرب وابن عابدين ٣٠٨/٤ وشرح غريب المهذب
٢٩٩/٢، والمغني ٩/ ٧٥، والتبصرة ١٠٢/١، ويطلق
التسجيل الآن على كل عملية الإثبات في المحررات
الرسمية من قبل الموظف المختص بتحريرها. (اللجنة).
للعقد لیتحرزا عنها فیحملهما الكاتب على ذلك
إذا رجعا إليه ليكتب .
والرابع: رفع الارتياب فقد يشتبه على
المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل ومقدار
الأجل فإذا رجعا إلى الوثيقة لا يبقى لواحد منهما
ريبة . (١)
وهذه فوائد التوثيق بالتسجيل، وهناك توثيق
بالرهن والكفالة لحفظ الحق.
حكم التوثيق :
٦ - توثيق التصرفات أمر مشروع لاحتياج الناس
إليه في معاملاتهم خشية جحد الحقوق أو
ضياعها .
والأصل في مشروعية التوثيق ماورد من
نصوص، ففي مسائل الدَّين جاء قوله تعالى :
﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بِدَيْن إلى أجل
مسمى فاكتبوه، ولیکتب بینکم کاتب بالعدل
ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله،
فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق اللّه ربه
ولا يبخس منه شيئا، فإن كان الذي عليه الحق
سفيها أو ضعيفا أولا يستطيع أن يُمِلَّ هو
فَلْيُمْلِلْ وليّه بالعدل، واستشهدوا شهيدين من
رجالکم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن
ترضون من الشهداء أن تضلّ إحداهما فتذكر
(١) المبسوط ١٦٨/٣٠، وأحكام القرآن للجصاص ١/ ٥٧٥
- ١٣٥ -

توثیق ٧
إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا
ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله
ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا
ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم
فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا
تبايعتم ولا يُضَار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا
فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله
بكل شيء عليم. وإن كنتم على سفر ولم تجدوا
کاتبا فرهان مقبوضة، فإن أمن بعضكم بعضا
فليؤد الذي أؤ تمن أمانته وليتق الله ربه،
ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم
قلبه، والله بما تعملون عليم﴾.(١)
وغير ذلك من النصوص كقوله تعالى :
﴿ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾. (٢)
وقد اختلف الفقهاء في حكم الأمر بالكتابة
والإشهاد على وجهين :
٧ - الأول: أن الأمر للندب، وذلك أن الأمر
بالكتابة والإِشهاد في المبايعات والمداينات لم يرد
إلا مقرونا بقوله تعالى : ﴿فإن أمن بعضكم
بعضا فليؤد الذي أؤ تمن أمانته﴾. (٣)
ومعلوم أن الأمن لا يقع إلا بحسب الظن
والتوهم لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على
أن الشهادة إنما أمربها لطمأنينة قلبه لا لحق
(١) سورة البقرة/ ٢٨٣،٢٨٢
(٢) سورة يوسف/ ٧٢
(٣) سورة البقرة/ ٢٨٣
الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع ما قال:
﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، ولا ثقة بأمن
. العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع
مصلحة، فالشهادة متى شرعت في النكاح لم
تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضا، فثبت
بذلك أن الأمر بالكتابة والإِشهاد مندوب غير
واجب وأن ذلك شرع للطمأنينة .
كذلك جاء قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم
بعضا﴾ عقب قوله: ﴿ولم تجدوا كاتبا فرهان
مقبوضة﴾(١) فلما جاز أن يترك الرهن الذي هو
بدل الشهادة جاز ترك الإشهاد .
وقد ثبت أن النبي ﴾ اشترى من يهودي
طعاما، ورهنه درعه. (٢) واشترى من رجل
سراويل، (٣) ومن أعرابي فرسا فجحده
الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت، (٤) ولم
ينقل أنه أشهد في ذلك، وأمر النبي
(١) سورة البقرة/ ٢٨٣
(٢) حديث شراء النبي ◌َّار من يهودي طعاما. أخرجه البخاري
(الفتح ٣٠٢/٤ ط السلفية)، ومسلم (١٢٢٦/٣ - ط.
الحلبي) من حديث عائشة.
(٣) حديث شراء النبي ◌َّ من رجل سراويل. أخرجه أبو يعلى
، والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٢٢/٥ ط
القدسي). وقال الهيثمي: ((فيه يوسف بن زياد البصري
وهو ضعيف)).
(٤) حديث شراء النبي ◌َّ من أعرابي فرسا. أخرجه أبوداود
(٤ /٣٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس). وقال الشوكاني:
((رجاله ثقات)). (نيل الأوطار (١٧٠/٥ - ط المطبعة
العثمانية).
- ١٣٦ -
٠٠١

توثیق ٧ - ٨
عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية(١) ولم
يأمره بالإِشهاد، وأخبره عروة أنه اشترى شاتين
فباع إحداهما ولم ينكر عليه ترك الإِشهاد، وكان
الصحابة رضوان الله عليهم يتبايعون في عصره
في الأسواق، فلم يأمرهم بالإِشهاد، ولا نقل
عنهم فعله، ولم ينكر عليهم النبي ◌َّل
*(وقد نقلت الأمة خلفا عن سلف عقود
المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من
غیر إشهاد مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير
منهم عليهم، ولو كان الإِشهاد واجبا لما تركوا
النکیر علی تاركه مع علمهم به، وفي ذلك دلیل
على أنهم رأوه ندبا ) ،
ثم إن المبايعة تكثر بين الناس في أسواقهم
وغيرها، فلو وجب الإِشهاد في كل مايتبايعونه
أمضى إلى الحرج المخطوط عنا بقوله تعالى :
﴿وما جعل عليكم في الدِّين من حرج﴾. (٢)
فاية المداينات. الأمر فيها إنما هو للإرشاد
إلى حفظ الأموال والتعليم، كما أمر بالرهن
والكتابة، وليس بواجب، وهذا ظاهر صرح
بذلك فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية،
والحنابلة، وذهب إليه أيضا أبو سعيد الخدري،
وأبو أيوب الأنصاري، والشعبي، والحسن،
(١) حديث أمر النبي # عروة بن الجعد. أخرجه البخاري
(الفتح ٦/ ٦٣٢ - ط السلفية).
(٢) سورة الحج/ ٧٨
واسحاق، وجمهور الأمة من السلف
والخلف . (١).
٨ - الثاني : أن الأمر للوجوب فالإِشهاد فرض
لازم يعصي بتركه لظاهر الأمر، وقال
ابن عباس: إن آية الدَّين محكمة وما فيها نسخ،
وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا باع
بنقد أشهد ولم يكتب، وإذا باع بنسيئة كتب
وأشهد .
قال بذلك الضحاك، وعطاء، وجابر بن
زيد، والنخعي، وابن جرير الطبري. (٢)
٢٨- وقد يكون التوثيق واجبا بالاتفاق کتوثيق
النكاح فإن الاشهاد فيه واجب سواء أكان عند
العقد كما يقول الجمهور أم عند الدخول كما
يقول المالكية - والأصل فيه قول النبي مطر:
لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل. (٣) فاعتير
(١) أحكام القرآن لعماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالکیا
الهراس ٣٦٤/١، ٣٦٥، وأحكام القرآن للجصاص
٥٧٢/١، ٥٧٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٥٩/١
والتبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي ٢٠٩/١، والمغني
لابن قدامة ٣٠٢/٤، ٣٠٣، ٣٦٢، والبدائع ٢٥٢/٢،
والمجموع ٩/ ١٥٤.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٥٧٢، وأحكام القرآن لابن
العربي ٢٥٩/١، والمغني ٣٠٢/٤، وأحكام القرآن
للهراس ٣٦٤/١
(٣) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)). أخرجه
ابن حبان من حديث عائشة، وصحّحه (٦/ ١٥٢ -
الاحسان ـ ط دار الكتب العلمية).
- ١٣٧ -

توثيق ٩ - ١٢
المالكية أن النكاح حقيقة إنما يقع على
الوطء. (١)
٩ - وقد يكون التوثيق مكروها أو حراما، وذلك
كالإِشهاد على العطية للأولاد إن حصل فيها
تفاوت. إذ اعتبره بعض الفقهاء مكروها
واعتبره بعضهم الآخر حراما. (٢) وذلك لخبر
الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما
أنه قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله فقالت
أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد
رسول الله له، فانطلق أبي إلى النبي وَل
ليشهده على صدقتي فقال له رسول الله ولاله :
أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا ، قال:
اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، فرجع أبي فرد
تلك الصدقة، وفي لفظ قال: فلا تشهدني إذا
فإني لا أشهد على جور، وفي لفظ فأشهد على .
هذا غيري . (٣)
١٠ - ومع الاختلاف في حكم توثيق المعاملات
فإنه حق لکل من طلبه. يقول ابن فرحون: إذا
قلنا إن الإِشهاد غير واجب في الدَّين والبيع فإنه
حق لكل من دعي إليه من المتبايعين أو المتداينين
علی صاحبه یقض له به علیه إن أباه، لأن من
(١) البدائع ٢/ ٢٥٢، ٢٥٣، والتبصرة ٢٠٩/١، ٢١٠،
والأشباه للسيوطي ٣٠٨
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٤٠١، والمغني ٥ / ٦٦٤ - ٦٦٥
(٣) حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: ((اتقوا الله واعدلوا
بين أولادكم)). أخرجه البخاري (الفتح ٢١١/٥ - ط
السلفية)، ومسلم (١٢٤٢/٣ - ١٢٤٣ - ط الحلبي).
حقه أن لا يأتمنه، ولذلك وجب على من باع
سلعة لغيره الإِشهاد على البيع، فإن لم يفعل
ضمن، لأن رب السلعة لم يرض بائتمانه،
وكذلك كل ما فيه حق لغائب الإِشهاد فيه
واجب، قال الله تعالى في الزانيين: ﴿وليشهد
عذابهما طائفة من المؤمنين﴾(١) فأمر بالإِشهاد لما
يتعلق بذلك من حق غيره، ومن ذلك اللعان
لا يكون إلا بمحضر جماعة من المؤمنين
لانقطاع نسب الولد. (٢)
طرق التوثيق :
١١ - للتوثيق طرق متعددة، وهي قد تكون
بعقد - وهو ما يسمى عقود التوثيقات - كالرهن
والكفالة، وقد تكون بغير عقد كالكتابة
والإِشهاد وحق الحبس والاحتباس.
ومن التوثيقات ما هو وثيقة بمال کالرهن
والمبيع في يد البائع، ومنه ما هو وثيقة بذمة
كالكفالة . (٣)
وبيان ذلك فيما يأتي :
أ - الكتابة :
١٢ - كتابة المعاملات التي تجري بين الناس
وسيلة لتوثيقها، أمر الله سبحانه وتعالى بها في
(١) سورة النور/ ٢
(٢) التبصرة ٢٠٩/١
(٣) المنثور في القواعد ٣٢٧/٣، ٣٢٨، درر الحكام ٢/ ٥٢،
والمبسوط ٢١ / ٦٩
- ١٣٨ -

توثيق ١٢ - ١٣
قوله: ﴿إِذا تداينتم بِدَيْن إلى أجل مسمى
فاكتبوه﴾ وقد وثق النبي وسط بالكتابة في
معاملاته، فباع وكتب، ومن ذلك الوثيقة
التالية :
هذا ما اشتری العداء بن خالد بن هوذة من
محمد رسول الله (الچ، اشترى منه عبدا أو أمة،
لا داء، ولا غائلة، ولا خِبْثَة، بيع المسلم من
المسلم. (١)
كذلك أمر النبي ◌َال# بالكتاب فيما قلد فيه
عماله من الأمانة، (٢) وأمر بالكتاب في الصلح
فيما بينه وبين المشركين. (٣) والناس تعاملوه من
لدن رسول الله ول# إلى يومنا هذا.
والمقصود بكتابة التصرفات هو إحكامها
باستيفاء شروطها، والفقه هو الذي رسم هذه
الشروط، وعن طريقه يعرف ما يصح من
الوثائق وما يبطل، إذ ليس للتوثيق أركان
وشروط خارجة عن الفقه. وما يكتب يسمى
وثيقة .
لكن ليست كل وثيقة تكتب بتصرف من
(١) حديث: ((هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة)).
أخرجه الترمذي (٥١١/٣ - ط الحلبي) وحسنه.
(٢) حديث: ((أمر النبي ێڑ بالكتاب فيما قلد فيه عماله من
الأمانة. ذكر ابن حجر في الإصابة (٢٥٥/١ ط السعادة)
في ترجمة جهم بن سعد أنه ذكره القضاعي في كتاب
النبي غير أنه هو والزبير كانا يكتبان أموال الصدقة.
(٣) حديث: ((أمر النبي ﴿﴿ بالكتاب في الصلح)). أخرجه
البخاري (الفتح ٤٥٣/٧ - ط السلفية) من حديث
مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة .
بيع، أورهن، أو إجارة، أو غير ذلك تسمى
وثيقة شرعا، إنما تسمى كذلك إذا كانت الكتابة
حسب الشروط التي نص عليها الفقهاء - فيما
يسمى بعلم الشروط - وما لذلك من شروط
انعقاد، وصحة، ونفاذ، ولزوم، لأن الأحكام
تختلف باختلاف العبارات في الدعاوى
والإِقرارات والشهادات وغير ذلك. فاتباع
الشروط التي وضعها الفقهاء هو الذي يتضمن
حقوق المحكوم له والمحكوم عليه. والشهادة
لا تسمع إلا بما فيه. (١) ولذلك يقول الله
تعالى: ﴿ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة
وأدنى ألا ترتابوا﴾. (٢)
ب - الإِشهاد :
١٣ - إشهاد الشهود على التصرفات وسيلة
لتوثيقها، واحتياط للمتعاملين عند التجاحد ، إذ
هي إخبار لإِثبات حق - والقياس يأبى كون
الشهادة حجة في الأحكام لأنه خبر محتمل
للصدق والكذب، والمحتمل لا يكون حجة
ملزمة، ولأن خبر الواحد لا يوجب العلم
والقضاء ملزم، فيستدعي سببا موجبا للعلم وهو
المعاينة، فالقضاء أولى. لكن ترك ذلك
(١) المبسوط ١٦٨/٣٠ - ١٦٩، والتبصرة بهامش فتح العلي
٢٧/١، والبهجة على التحفة ١/ ١١، وأحكام القرآن
للجصاص ٦٢٠/١
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٢
- ١٣٩ -

توثيق ١٣ - ١٤
بالنصوص التي فيها أمر للأحكام بالعمل
بالشهادة. من ذلك قوله تعالى : ﴿واستشهدوا
شهیدین من رجالکم﴾ . (١).
ولقد سمى النبي ◌َّ الشهود بينة لوقوع
البيان بقولهم وارتفاع الإِشكال بشهادتهم
فقال له: ((البينة على المدعي واليمين على من
أنكر)) (٢) قال السرخسي : في ذلك معنيان:
أحدهما: حاجة الناس إلى ذلك، لأن
المنازعات والخصومات تكثر بين الناس وتتعذر
إقامة الحجة الموجبة للعلم في كل خصومة
والتكليف بحسب الوسع .
والثاني: معنى إلزام الشهود حيث جعل
الشرع شهادتهم حجة لإِيجاب القضاء مع
احتمال الكذب إذا ظهر رجحان جانب
الصدق.
والعمل على هذا عند أهل العلم من
أصحاب النبي ◌ّل﴾ وغيرهم، لأن الحاجة داعية
(١) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٢) حديث: ((البينة على المدعي واليمين على من
أنکر». أخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ١١٠ - ط دار
المحاسن) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص .
وضعفه ابن حجر في التلخيص (٢٠٨/٢ - ط شركة
الطباعة الفنية). ولكن روى البخاري (الفتح ٢١٣/٨ -
ط السلفية)، ومسلم (١٣٣٦/٣ - ط الحلبي) من حديث
ابن عباس مرفوعا: ((اليمين على المدعى عليه».
وأخرج البيهقي في سننه (٢٥٢/١٠ - ط دائرة
المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس کذلك قوله :
(البينة على المدعي))، وإسناده صحيح.
إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس
فوجب الرجوع إليها .
والبينات مرتبة بحسب الحقوق المشهود
فيها. ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء حتى
يحصل له به العلم، إذ لا يجوز الشهادة إلا بما علم
وقطع بمعرفته لا بمايشك فيه ، ولا بما يغلب على
الظن معرفته. (١)
ولبيان ما يتعلق بالشهادة ينظر في (إشهاد -
شهادة) .
جـ - الرهن :
١٤ - الزهن وسيلة من وسائل التوثيق، إذ هو
المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفي الدائن
من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه،
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر
ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ . (٢)
قال الجصاص: ((يعني، والله أعلم، إذا
عدمتم التوثق بالكتاب والإِشهاد، فالوثيقة
برهان مقبوضة، فأقام الرهن في باب التوثق في
الحال التي لا يصل (الدائن) فيها إلى التوثق
بالكتاب والإِشهاد مقامها)). (٣)
ولأن الرهن شرع للحاجة إلى توثيق الدَّين
عن تواء الحق (أي هلاكه) بالجحود والإِنكار
(١) التبصرة ٢٠٣/١ - ٢٠٤، والمبسوط ١١٢/١٦، والمغني
٩ /١٤٥ - ١٤٦.
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٣
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٦٢٢
- ١٤٠ -