Indexed OCR Text

Pages 261-280

تلبية ٢ - ٣
﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى﴾(١) فهذه إجابة
واحدة، والثانية: إجابة قوله تعالى : ﴿وأُذِّن في
الناس بالحج﴾(٢) يقال: إن ابراهيم عليه
السلام لما أذن بالحج أجابه الناس في أصلاب
آبائهم فمن أجابه مرة حج مرة، ومن زاد زاد.
فالمعنى أجبتك في هذا كما أجبتك في ذلك.
وأول من لبَّى الملائكة، وهم أيضا أول من كان
بالبيت. (٣)
ومعنى لبيك كما في حاشية الطحطاوي على
مراقي الفلاح: أقمت ببابك إقامة بعد أخرى
وأجبت نداءك مرة بعد أخرى. (٤)
وفي الفواكه الدواني: أجبتك يا ألله إجابة بعد
إجابة. أو لاَزَمتُ الإِقامة على طاعتك من ألبَ
بالمكان إذا لزمه وأقام به. وهي مثناة لفظا
ومعناها التكثير لا خصوص الاثنين. (٥)
الحكم الإجمالي :
٢ - تلبية المحرم مستحبة عند الحنفية والشافعية
والحنابلة(٦) لما روى سهل بن سعد قال: قال
(١) سورة الأعراف/ ١٧٢
(٢) سورة الحج / ٢٧
(٣) اخرشي علی مختصر خليل ٣٢٤/٢ دار صادر بيروت.
(٤) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٣٩٩
(٥) الفواكه الدواني ١/ ٤١١ دار المعرفة.
(٦) الاختيار شرح المختار ١٤٣/١ ط دار المعرفة، وابن
عابدين ١٥٨/٢، والمهذب في فقه الإمام الشافعي
٢١١/١ - ٢١٢، والمغني لابن قدامة ٢٨٨/٣م. الرياض
الحديثة .
رسول الله تعالي: ((ما من مسلم يلبي إلا لبى عن
یمینه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى
تنقطع الأرض من ههنا وههنا)). (١)
وهي واجبة عند المالكية. (٢)
صيغتها المتفق عليها بين الفقهاء :
٣ - وهي تلبية رسول الله وَلاغير. (٣) كما جاء في
خبر الصحيحين عن ابن عمر أن تلبية
رسول الله وحدهله: ((لبيك اللهم لبيك. لبيك
لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك
والملك لا شريك لك)). (٤)
وهل للمحرم أن يزيد عليها أو ينقص منها؟
قال الشافعي وهو قول مالك: إن زاد على
هذا فلا بأس. (٥) لما روى أن ابن عمر رضي الله
(١) حديث: (ما من مسلم يلبي ... )) أخرجه الترمذي
(١٨٠/٣ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجة (٢ / ٩٧٤ ط
عيسى الحلبي)، والحاكم (١/ ٤٥١ ط دار الكتاب العربي)
وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه
الذهبي واللفظ للترمذي.
(٢) جواهر الاكليل ١٧٧/١، والشرح الكبير ٣٩/٢
(٣) ابن عابدين ٢/ ١٥٩، والمغني لابن قدامة ٢٨٩/٣م
الرياض الحديثة، المهذب في فقه الامام الشافعي ١/ ٢١٤،
الخرشی علی مختصر خلیل ٣٢٨/٢ دار صادر.
(٤) حديث: ((أن تلبية رسول الله ێ﴾ («لبيك اللهم لبيك
... )) أخرجه البخاري (٤٠٨/٣ ط السلفية)، ومسلم
(٢/ ٨٤١ط عيسى الحلبي).
(٥) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٢١٤/١، والخرشي
٣٢٨/٢
- ٢٦١ -

تلبية ٣ - ٤
عنهما كان يزيد فيها: لبيك وسعديك والخير كله
بیدیك والرغبة إلیك والعمل. وإذا رأی شیئا
يعجبه قال: لبيك إن العیش عیش الآخرة. لما
روى أن النبي- 18 كان ذات يوم والناس
. يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هم فيه. فقال:
((لبيك إن العيش عيش الآخرة». (١)
وذهب الحنابلة وهو قول آخر لمالك إلى أنه
لا يستحب الزيادة على تلبية رسول الله وحليفه
ولا تكره، وذلك لقول جابر: فأهل
رسول الله ◌َله بالتوحيد ((لبيك اللهم لبيك.
لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة
لك والملك لا شريك لك»(٢) وأهل الناس بهذا
الذي يهلون. ولزم رسول الله ﴾ تلبيته. وكان
ابن عمر يلبي بتلبية رسول الله ﴾ ويزيد مع هذا
((لبيك. لبيك. وسعديك والخير بيديك
والرغباء(٣) إليك والعمل)). (٤)
وزاد عمر لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك ذا
(١) حديث: ((أن النبي* كان ذات يوم والناس يصرفون عنه
... )) أخرجه البيهقي (٤٥/٥ ط دار المعرفة) من حديث
مجاهد مرسلا، وقال ابن حجر: رواه سعيد بن منصور من
حديث عكرمة مرسلا (٢/ ٢٤ ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) حديث: ((فأهل رسول الله ربله بالتوحيد ((لبيك اللهم لبيك
... )) أخرجه مسلم (٨٨٦/٢ - ٨٨٧ط عيسى الحلبي).
(٣) الرغباء: الضراعة والمسألة.
(٤) حديث: ((كان ابن عمر يلبي بتلبية رسول الله # ويزيد
.. )) أخرجه مسلم (٢/ ١٥ ط عيسى الحلبي).
النعماء والفضل الحسن. (١) ويرى أن أنسا كان
یزید لبيك حقا حقا تعبدا ورقا. وهذا يدل على
أنه لا بأس بالزيادة ولا تستحب لأن النبي (صل
لزم تلبيته فكررها ولم يزد عليها .
والقول الثالث لمالك: كراهة الزيادة على
التلبية المأثورة عن الرسول وَاءٍ . (٢)
وذهب الحنفية إلى أنه یندب له أن یزید
علیها ویکره له إنقاصها،وتكون الزيادة عليها مما
هو مأثور فیقول: لبيك وسعديك والخير كله
بیدیك والرغباء اليك إله الخلق لبيك بحجة حقا
تعبدا ورقا. لبيك إن العيش عيش الآخرة.
وما ليس مرويا فجائز وحسن. (٣)
بم تصح التلبية ؟
٤ - تصح التلبية عند الحنفية والشافعية بغير
العربية وإن أحسن العربية إلا أن العربية
أفضل. (٤)
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن غير العربي
يلبي بلسانه إن لم يقدر عليها بالعربية كأن لم يجد
(١) زيادة عمر: لبيك مرغوبا ... أخرجه ابن أبي شيبة كما في
فتح الباري لابن حجر (٣/ ٤١٠ ط السلفية)
(٢) المغني لابن قدامة ٣/ ٢٩٠م. الرياض الحديثة.
(٣) ابن عابدين ٢/ ١٥٩
(٤) ابن عابدين ١٥٨/٢ - ١٥٩، وحاشية قليوبي على منهاج
الطالبين ٩٩/٢
- ٢٦٢ -

تلبية ٥
من يعلمه العربية، ومفاد هذا أن العربي القادر
عليها بالعربية لا يلبي بغيرها لأنه ذكر مشروع
فلم تشرع بغير العربية مع القدرة عليها کالأذان
والأذكار المشروعة في الصلاة فإن لم يقدر على
العربية لبّى بلغته كالتكبير في الصلاة. (١)
رفع الصوت بالتلبية :
٥ - استحب الحنفية والشافعية والحنابلة للمُحرم
أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد
الجهني أن رسول الله بَاز قال: «جاءني جبريل
عليه السلام فقال: يا محمد مُرْ أصحابك أن
يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج)) (٢)
وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله والث وم
لا يبلغون الرَّوحَاء (٣) حتى تبح حلوقهم من
التلبية. وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوته
بالتلبية فلا يأتي الروحاء حتى يَصْحَل صوته . (٤)
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١/ ٤٥٩ط دار المعرفة،
وكشاف القناع ٢/ ٤٢٠م. النصر الحديثة، والمغني لابن
قدامة ٣/ ٢٩٢ م الرياض الحديثة.
(٢) حديث: ((جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد: مر
أصحابك .... )) أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٠ط دار الكتاب
العربي) من حديث زيد بن خالد وأبي هريرة، ثم قال:
هذه الأسانید کلها صحیحة ولیس یعلل واحد منها الآخر.
وأقره الذهبي.
(٣) الروحاء : موضع بين الحرمين.
(٤) يصحل صوته: يبح صوته.
ولا يجهد نفسه في رفع الصوت بها زيادة على
الطاقة لئلا ينقطع صوته وتلبيته.(١)
وذهب المالكية إلى أن التوسط فيه مندوب
فلا يسره الملبي حتى لا يسمعه من يليه،
ولا يبالغ في رفعه حتی یعقره فیکون بین الرفع
والخفض ولا يبالغ في أيهما، وفي الفواكه
الدواني: هذا في غير المسجد لأنه لا يجوز رفع
الصوت فيه إلا المسجد الحرام ومسجد منى
لأنهما بنيا للحج، وقيل: للأمن فيهما من
الرياء. (٢)
هذا في حق الرجال. أما النساء فإنه
لا خلاف بين الفقهاء في كراهة رفع أصواتهن
بالتلبية إلا بمقدار ما تسمع المرأة نفسها أو
رفیقتها، فقد روى عن سليمان بن يسار قال:
السنّة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإِهلال
وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها ومثلها
الخنثى المشكل في ذلك احتياطا. (٣)
(١) ابن عابدين ٢/ ١٥٩، ١٩١، الفتاوى الهندية ٢٢٣/١،
والأختيار شرح المختار ١٤٢/١م. مصطفى الحلبي
١٩٣٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢١٣/١، والمغني
لابن قدامة ٢٨٩/٣م الرياض الحديثة.
(٢) جواهر الإكليل ١٧٧/١، والشرح الكبير ٢/ ٤٠،
والخرشي على مختصر خليل ٣٢٤/١ دار صادر، الفواكه
الدواني ٤١٣/١ ط دار المعرفة .
(٣) ابن عابدين ١٨٩/٢ - ١٩٠، والمهذب في فقه الإمام
الشافعي ٢١٣/١، ومنهاج الطالبين ٢/ ١٠٠، ونهاية=
- ٢٦٣ -

تلبية ٦ - ٧
الإكثار من التلبية :
ء
٦ - استحب الحنفية والشافعية والحنابلة للمحرم
أن يكثر من التلبية لأنها شعار النُّسُك فيلبي عند
اجتماع الرفاق، أومتى علا شرفا أوهبط واديا ، وفي
أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار. لما روى
جابر قال: ((كان رسول الله وَل و يلبي إذا رأى
رکبا، أو صعد أکمة، أو هبط واديا، وفي أدبار
المكتوبة وآخر الليل))(١) ولأن في هذه المواضع
ترفع الأصوات ويكثر الضجيج. (٢) وقد قال
النبي ◌َّ﴾: ((أفضل الحج العج والثج)). (٣)
وذهب المالكية إلى أن التوسط في ذلك
= المحتاج للرملي ٣/ ٢٦٤، والخرشي على مختصر خليل
٣٢٤/٢ دار صادر، والفواكه الدواني ٤١٣/١ط دار
المعرفة، والمغني لابن قدامة ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١م الرياض
الحديثة، وكشاف القناع ٢/ ٤٢١م. النصر الحديثة.
(١) حديث: ((كان يلبي إذا رأى ركبا ... )) قال ابن حجر:
((وقد رواه ابن عساكر في تخريجه لأحاديث المهذب، ثم
قال: وفي إسناده من لا يعرف. التلخيص الحبير
(٢٣٩/٢ط. شركة الطباعة الفنية).
(٢) ابن عابدين ١٦٤/٢ - ١٦٥، مراقي الفلاح ٣٩٩،
والأختيار شرح المختار ١/ ١٤٤ مصطفى الحلبي ١٩٣٦ ،
والمهذب في فقه الإِمام الشافعي ٢١٣/١، ونهاية المحتاج
للرملي ٢٦٤/٣، والمغني لابن قدامة ٢٩١/٣م الرياض
الحديثة.
(٣) حديث: ((أفضل الحج العج والثج)) أخرجه الترمذي
(٣/ ١٨٠ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (٢/ ٩٧ط عيسى
الحليي)، والحاكم (١/ ٤٥١ط دار الكتاب العربي).
وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. والعج: رفع
الصوت بالتلبية، والثج: إسالة دماء الهدي (المصباح).
مندوب، فلا يكثر المحرم من التلبية حتى يملها
ويلحقه الضرر، ولا يقللها حتى يفوت المقصود
منها وهو الشعيرة. (١)
متى تبدأ التلبية :
٧ - من الأمور المستحبة لمريد الإِحرام بحج أو
عمرة أو بهما معا متى بلغ ميقاته أن يصلي ركعتين
بنية الإِحرام في غير وقت كراهة، وتجزىء
المكتوبة، فإن كان مفردا بالحج قال بلسانه
المطابق لجنانه: اللهم إنى أريد الحج فيسره لي
وتقبله مني، كما يفعل ذلك أيضا المعتمر
والقارن، ويشير إلى نوع نسكه ثم يلبي دبر
صلاته .. وبهذه التلبية يكون محرما وتسرى عليه
أحكام الإِحرام.
هذا ما عليه فقهاء المذاهب الأربعة . (٢)
وله الإِحرام بها إذا استوت به راحلته ، وإذا بدأ
السير سواء لأن الجميع قد رُوي عن النبي ◌ِّ
من طرق صحيحة. قال الأثرم: سألت أبا
عبدالله أيهما أحب اليك . الإِحرام في دبر الصلاة،
أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: کل ذلك قد
جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء.
(١) جواهر الإكليل ١/ ١٧٧، والفواكه الدواني ٤١٣/١ط دار
المعرفة .
(٢) ابن عابدين ٢/ ١٥٩ - ١٦٠، الفتاوى الهندية ٢٢٣/١،
والمغني لابن قدامة ٣/ ٢٧٥ م الرياض الحديثة، والمهذب في
فقه الإمام الشافعي ١/ ٢١١ - ٢١٢، وجواهر الإكليل
١٦٨/١، ١٧٧، والشرح الكبير ٢٢/٢
- ٢٦٤ -
١

تلبية ٨
متى تنتهي التلبية :
٨ - تنتهي التلبية بالنسبة للحاج ابتداء من رمي
جمرة العقبة يوم النحر عند الحنفية والشافعية
والحنابلة فيقطعها مع أول حصاة لأخذه في
أسباب التحلل، ويكبر بدل التلبية مع كل
حصاة. فقد روى جابر أن النبي مَ ليل لما أتى إلى
منى لم يعرج إلى شيء حتى رمى جمرة العقبة
بسبع حصيات وقطع التلبية عند أول حصاة
رماها، ثم کبر مع كل حصاة، ثم نحر، ثم
حلق رأسه، ثم أتى مكة فطاف بالبيت.(١)
وروى الفضل بن العباس أن النبي وَل# لم
يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. (٢)
وکان الفضل ردیفه يومئذ وهو أعلم بحاله
من غيره. ولأن التلبية للإِحرام فإذا رمى فقد
شرع في التحلل فلا معنى للتلبية. (٣)
(١) حديث: ((أن النبي ) لما أتى إلى منى لم يعرج إلى شيء
حتی رمی جمرة العقبة بسبع حصيات ... » قال ابن حجر:
((وهو مستفاد من الأحاديث المتقدم ذكرها. منها حديث
جابر الطويل، ولم أره هكذا صريحا (الدراية ٢٤/٢ط
الفجالة الحديثة).
(٢) حديث: ((أن النبي ◌َّة لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة))
أخرجه مسلم (٢/ ٩٣١ط عيسى الحلبي) من حديث ابن
عباس.
(٣) ابن عابدين ٢/ ١٨٠، والفتاوى الهندية ١/ ٢٣١ المكتبة
الإسلامية، الإختيار شرح المختار ١٥١/١م مصطفى
الحلبي ١٩٣٦، ونهاية المحتاج للرملي ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥،
ومنهاج الطالبين ١١٨/٢، والمهذب في فقه الإمام الشافعي
٢٣٥/١،
قدامة=
لابن
والمغني
وللمالكية قولان: أحدهما: يستمر في التلبية
حتى يبلغ مكة فيقطع التلبية حتى يطوف
ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم
عرفه ویروح إلى مصلاها.
والثاني : يستمر في التلبية حتى الشروع في
الطواف، والأول في رسالة ابن أبي زيد. وشهّره
ابن بشير، والثاني في المدونة في قول يقطع التلبية
حين يبتدىء الطواف. (١)
أما المعتمر فيقطع التلبية متى شرع في
الطواف واستلم الحجر عند الحنفية والشافعية
والحنابلة. (٢) لما روى ابن عباس عن النبي ◌َّ
أنه قال: ((يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر))(٣)
وأما المالكية فالمعتبر عندهم أن معتمر
الميقات من أهل الآفاق وفائت الحج أي : المعتمر
لفوات الحج يلبي كل منهما للحرم لا إلى رؤية
البيوت، ومعتمر الجعرانة والتنعيم يلبي للبيوت
أي: إلى دخول بيوت مكة لقرب المسافة
= ٤٣٠/٣ - ٤٣١ م الرياض الحديثة، وكشاف القناع
٤٩٨/٢م. النصر الحديثة.
(١) جواهر الإكليل ١/ ١٧٧، والفواكه الدواني ١/ ٤١٣ ط دار
المعرفة .
(٢) نهاية المحتاج الرملي ٢٩٤/٣ - ٢٩٥، والمغني لابن قدامة
٤٣٠/٣ - ٤٣١م الرياض الحديثة، كشاف القناع
٤٩٨/٢م. النصر الحديثة، ابن عابدين ٢/ ١٨٠،
والفتاوى الهندية ٢٣١/١ المكتبة الإسلامية.
(٣) حديث: ((يلبى المعتمر حتى يستلم الحجر)) أخرجه أبوداود
(٤٠٦/٢ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٢٥٢/٣ط
مصطفى الحلبي) وصححه .
- ٢٦٥ -

تلبية ٨، تلجئة، تلف ١ - ٣
استدلالا بما رواه نافع عن ابن عمر من فعله في
المناسك قال: وكان يترك التلبية في العمرة إذا
دخل الحرم))(١)
ينظر في تفصيل ذلك: حج - إحرام.
تلف
تلجئة
أنظر: بيع التلجئة.
(١) الشرح الكبير ٢/ ٤٠، وجواهر الإكليل ١٧٨/١
التعريف :
١ - التلف لغة: الهلاك والعطب في كل شيء.
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى
اللغوي .
والإِتلاف: إحداث التلف، وينظر لتفصيله
مصطلح: (إتلاف).
والتلف في باب المضاربة مخصوص بالنقص
الحاصل لا عن تحريك، بخلاف الخسر فهو
مانشأ عن تحريك.(١)
الحكم الإجمالي:
٢ - التلف يتعلق به خطاب الوضع، وتترتب
علیه آثار أهمها الضمان. والتلف لا يوصف بحل
أو حرمة، وإنما ينظر فيمن يضمن التلف.
أما الإتلاف، فهو إحداث التلف، وتفصيل
ء
أحكامه في مصطلح: (إتلاف).
أسباب التلف :
٣ - التلف إما أن یکون بعارض سماوي، وهو
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، مادة: ((تلف))، وحاشية
الدسوقي ٥٢٩/٣
- ٢٦٦ -

تلف ٣ - ٤
ما يعبر عنه بالآفة السماوية أو بالجائحة، وإما أن
يكون بفعل من المخلوق، وهذا يقسمه الفقهاء
إلى نوعين: تلف حسي، وتلف شرعي،
ويسميه المالكية التلف الحكمي.
فالتلف الحسي : هو هلاك العین نفسها،
سواء أتى عليها كلها أو بعضها.
والتلف الشرعي (الحكمي): هو منع
الشارع من الانتفاع بالعين مع بقائها بسبب من
المتلف، سواء أكان المنع عاما يدخل فيه المتلف
وغيره، کما في العین، أم مباحا للمتلف دون
غيره كما في وطء الأمة، أم كان مباحا لغير
المتلف كما في الصدقة والهبة.
وقد ذکر الفقهاء له صورا منها، ما لو اشتری
أمة فأعتقها أبوه قبل قبضها، وذلك لأن الشارع
جعل عتق أبیە کعتقه، حیث رتب علیه حکمه،
ومثله الكتابة، والتدبير، والصدقة، والهبة. (١)
وهذا التقسيم باعتبار المتلف، أما باعتبار
المحل، فهو إما أن يرد على النفس والأعضاء،
وتفصيل ذلك في مصطلح: (جناية، ودية،
وقصاص)
وأما أن يرد على الأموال، وهو المقصود هنا.
(١) حاشية الدسوقي ٣/ ١٢٤، ومواهب الجليل ٤/ ٤٤٣،
ومغني المحتاج ٦٦/٢، وشرح روض الطالب ٧٩/٢،
وحاشية الجمل على شرح المنهج ١٥٨/٣
أولا : أثر التلف في العبادات :
أ - تلف زكاة المال:
٤ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) إلى أن الزكاة لا تسقط بتلف المال
بعد الحول، ويجب على المزكي الضمان، وذلك
لأنها مال وجب في الذمة فلم يسقط بتلف
النصاب، كالدين، فضمنها بتلفها في يده. فلا
يعتبر بقاء المال.
وقيد المالكية والشافعية هذا الحكم بقیدین :
التمكن من الأداء، والتفريط من رب المال. فإن
تلف المال بعد التمكن من الأداء أو بتفريط من
رب المال فلا تسقط الزكاة عنه، ويجب عليه
الضمان .
ولم يعتبر الحنابلة هذين القيدين وأوجبوا
الضمان مطلقا واعتبروا إمكان الأداء شرطا
لوجوب الإِخراج لا لوجوب الزكاة. لمفهوم قول
النبي : ((ليس في مال زكاة حتى يحول عليه
الحول))(١) فإنه يدل على الوجوب بعد الحول
مطلقا .
ولأنها حق الفقير، فلم يعتبر فيها إمکان .
الأداء كدين الآدمي، ولأنه لو اشترط لم ينعقد
الحول الثاني، حتى يتمكن من الأداء. وليس
(١) حديث: ((ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول))
أخرجه أبوداود (٢/ ٢٣٠ تحقیق عزت عبيد دعاس) وحسنه
الزيلعي في نصب الراية (٣٢٨/٢ - ط المجلس العلمي
بالهند).
- ٢٦٧ -

تلف ٤
كذلك بل ينعقد عقب الأول إجماعا، ولأنها
عبادة فلا يشترط لوجوبها إمکان الأداء كسائر
العبادات. وعن أحمد رواية باعتبار التمكن من
الأداء مطلقا أي ولو بلا تفريط، واختارها ابن
قدامة .
واستثنوا من ذلك الزرع والثمر إذا تلف
بجائحة قبل القطع، فإن زكاتهما تسقط، فإن
بقي بعد الجائحة ماتجب فيه الزكاة زكاه، قال
ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الخارص
إذا خرص الثمر ثم أصابته جائحة فلا شيء
عليه إذا كان قبل الجذاذ، ولأنه قبل الجذاذ في
حکم مالا تثبت اليد عليه، بدليل أنه لو اشترى
ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع .
وزاد المالكية في تلف المواشي قيدا ثالثا وهو
مجيء الساعي، فإذا تلفت أوضاعت بعد الحول
وقبل مجيء الساعي فلا يحسب ماتلف أوضاع،
وإنما یزکی الباقي إن کان فيه زكاة، وذلك لأنهم
يعتبر ون مجيء الساعي شرط وجوب، وكذلك
تسقط الزكاة عندهم عنها لو تلفت بعد مجيء
الساعي والعد وقبل أخذه، وذلك لأن مجيئه
شرط في الوجوب وجوبا موسعا إلى الأخذ،
كدخول وقت الصلاة، فقد يطرأ أثناء الوقت
مايسقطها كالحيض، كذلك التلف بعد المجيء
والعد، وأما لوذبح منها شيئا بغير قصد الفرار،
أوباع شيئا كذلك بعد مجيء الساعي وقبل
الأخذ، ففيه الزكاة، ويحسب على المعتمد،
وأما لو كان بقصد الفرار فتجب زكاته، ولو كان
ذلك قبل الحول.
وذهب الحنفية إلى أن الزكاة تسقط بتلف
المال بعد الحول سواء أتمكن من الأداء أم لا .
وإن هلك بعض النصاب سقط من الواجب
فیه بقدر ما هلك منه لتعلقها بالعین لا بالذمة،
ولأن الشرع علق وجوبها بقدرة ميسرة، والمعلق
بقدرة ميسرة لا يبقى دونها، ويقصدون بالقدرة
الميسرة هنا وصف النماء أي إمكان الاستثمار،
لا مجرد وجود النصاب.(١)
وأما إذا تلف المال بعد الحول بفعل المزكي
نفسه فإن الزكاة لا تسقط عنه، وإن انتفت
القدرة الميسرة لبقائها تقديرا، زجرا له عن
التعدي ونظرا للفقراء.
هذه الأحكام فيما إذا كان التلف بعد حلول
الحول، وأما إذا كان التلف قبل حلول الحول
فلا خلاف بين الفقهاء في سقوط الزكاة عنه
لعدم الشرط، ولا خلاف بينهم في سقوط الزكاة
عنه إن أتلف رب المال قبل الحول إن لم يقصد
الفرار منها، فإن قصد بالإِتلاف الفرار من الزكاة
فاختلف الفقهاء على قولين :
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٠، ٢١، ٧٣ وما بعدها، وحاشية
الدسوقي ٤٤٣/١، ٤٥٤، ٥٠٣، ومواهب الجليل
٣٦٣/٢، ومغني المحتاج ٣٨٧/١، ٤١٨، وكشاف القناع
١٨٢/٢، والإنصاف ٣٩/٣، ٤٠، والمغني لابن قدامة
٦٨٢،٦٨١/٢
- ٢٦٨ -

تلف ٥ - ٦
فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية
والشافعية) إلى سقوط الزكاة عنه مع الكراهة
عند الشافعية ومحمد بن الحسن.
وذهب الحنابلة إلى عدم سقوط الزكاة
عنه.(١)
ب - تلف المال بعد وجوب زكاة الفطر:
٥ - ذهب الفقهاء - ومنهم الحنفية - إلى أن تلف
المال بعد وجوب زكاة الفطر وبعد التمكن من
أدائها لا يسقطها، بل تستقر في ذمته اتفاقا،
وفرق الحنفية بينها وبين زكاة المال بأن وجوب
زكاة الفطر متعلق بالقدرة الممكنة، وهي أدنى
مایتمکن به العبد من أداءما لزمه من غير حرج
غالبا، أما زكاة المال فيتعلق وجوبها بالقدرة
الميسرة، وهي مايوجب يسر الأداء على المكلف
بعد ماثبت الإِمكان بالقدرة الممكنة، ودوامها
شرط لدوام الواجب الشاق على النفس كأكثر
الواجبات المالية، حتى سقطت الزكاة والعشر
والخراج بهلاك المال بعد التمكن من الأداء، لأن
القدرة الميسرة وهي وصف النماء قد فاتت
بالهلاك، فيفوت دوام الوجوب لفوات شرطه،
بخلاف القدرة الممكنة فليس بقاؤها شرطا لبقاء
الواجب.
أما إذا كان تلف المال قبل التمكن من الأداء
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٢١، وحاشية الدسوقي ١/ ٥٠٣،
وروضة الطالبين ٢/ ١٩٠، والإنصاف ٣٢/٣
ففي سقوط زكاة الفطر عند الشافعية والحنابلة
وجهان: أصحهما تسقط كزكاة المال، والثاني :
لا تسقط .(١)
وذهب المالكية إلى سقوط زكاة الفطر
بالتلف، إلا أن يخرجها في غير وقتها فتضيع،
فإنه يضمنها حينئذ. (٢)
جـ - تلف الأضحية :
٦ - اتفق الفقهاء على أن الأضحية المعينة إذا
تلفت فلا شيء علی صاحبها ولا يلزمه بدها ۔
في الجملة - ويفرق الحنفية في ذلك بین الموسر
والمعسر. وخصوا القول بعدم الضمان بالمعسر،
قالوا: لأن شراء الفقير للأضحية بمنزلة النذر.
فإذا هلكت فقد هلك محل إقامة الواجب
فيسقط عنه، وليس عليه شيء آخر بإيجاب
الشرع ابتداء، لفقد شرط الوجوب وهو اليسار.
وأما إن كان موسرا، فإنه يجب عليه أن
يضحي شاة أخرى، لأن الوجوب في جملة
الوقت، والأضحية المشتراة لم تتعين للوجوب،
والوقت باق، وهو من أهل الوجوب فيجب.
وخص الشافعية والحنابلة القول بعدم الضمان بما
إذا تلفت قبل التمكن من ذبحها، أو تلفت بغير
تفريط منه، وأما إذا تلفت بعد التمكن من
(١) حاشية ابن عابدين ٧٣/٢٢، ١٩٩/٥، والمجموع
١٢٧/٦، والمغني ٣/ ٨١، والأنصاف ٣/ ١٧٧، ٦٧
(٢) مواهب الجليل ٢/ ٣٧٦، وشرح الزرقاني ٢ / ٩٠
- ٢٦٩ -

تلف ٧
ذبحها أو بتفريط منه فأوجبوا عليه الضمان .
وإن تعدى أجنبي عليها فأتلفها، فعلى
الأجنبي القيمة بلا نزاع، يأخذها المضحي
ويشتري بها مثل الأولى، وإن أتلفها المضحي
نفسه لزمه أكثر القدرین من قيمتها وثمن مثلها
على الصحيح عند الشافعية، والصحيح من
مذهب الحنابلة أنه يضمنها بالقيمة يوم
التلف . (١)
د - تلف الهدي :
٧ - من ساق هدیا واجبا فعطب أو تعیب بما
يمنع الأضحية، أقام غيره مقامه، وصنع
بالمعيب ماشاء، فإن كان المعيب تطوعا فليس
عليه غيره، وینحره ولا يأكل منه هو ولا غيره
من الأغنياء ويضرب صفحة سنامه، ليعلم أنه
هدى للفقراء. (٢)
وذهب المالكية إلى أنه إن سرق الهدي
الواجب، أو تلف بعد ذبحه أو نحره أجزأ، لأنه
بلغ محله.
أما إن سرق أو تلف قبل ذبحه أو نحره، فلا
یجزىء ويلزمه البدل.
وأما الهدي المتطوع به فلا بدل عليه، وإن
(١) بدائع الصنائع ٦٦/٥، ومواهب الجليل ٣/ ٢٥٠، وشرح
الزرقاني على مختصر خليل ٤٢/٣، وروضة الطالبين
٢١١/٣ وما بعدها، شرح روض الطالب ١/ ٥٤٢،
والإنصاف ٤/ ٩٥ ومابعدها .
(٢) شرح القدوري ٢١٩/١ - ٢٢٠، وابن عابدين ٢/ ٢٥١
سرق قبل ذبحه أو نحره. (١)
ويرى الشافعية أن هدي التطوع لا يضمن
بالتلف ولا بالإتلاف، لأنه وإن تطوع به مالکه
فإن ملكيته له لا تزول عنه بالتطوع، فله أن
يتصرف فيه بذبحه وأكله وبيعه وسائر
التصرفات، لأن ملکه ثابت ولم ینذره، وإنما
وجد منه مجرد نية ذبحه، وهذا لا يزيل الملك،
کما لو نوی أن یتصدق بماله، أویعتق عبده، أو
يطلق امرأته، أويقف داره، وفي قول شاذ
للشافعية، إنه إذا قلد الهدى صار كالمنذور،
والصحيح الأول.
فإذا عطب وذبحه، قال صاحب الشامل
وغيره: لا يصير مباحا للفقراء إلا بلفظه، وهو
أن يقول أبحته للفقراء أو المساكين، قال: ويجوز
لمن سمعه الأكل، وفي غيره قولان: قال في
الإِملاء: لا يحل حتى يعلم الإِذن، وقال في
القديم والأم: يحل وهو الأظهر. (٢)
ومذهب الشافعية في الهدى الواجب أنه
يضمن بالإِتلاف لا بالتلف، فإن تلف من غير
تفريط لم يضمنه، لأنه أمانة عنده، فإذا هلكت
من غير تفريط لم تضمن كالوديعة، وإن أصابه
عيب وذبحه أجزأه، لأن ابن الزبير أتي في
هدایاه بناقة عوراء، فقال: إن کان أصابها
(١) الدسوقي ٩١/٢
(٢) المجموع ٨/ ٣٦٤ط السلفية، وروضة الطالبين
١٩١/٣ ط المكتب الإسلامي.
- ٢٧٠ -

تلف ٧ - ٩
بعدما اشتر یتموها فامضوها، وإن کان أصابها
قبل أن تشتروها فأبدلوها، ولأنه لوهلك جميعه
لم يضمنه، فإذا نقص بعضه لم يضمنه
کالوديعة .
وإن تلف بتفريط منه بأن أخر ذبحه بعدما
عطب في الطريق حتى هلك ضمنه، أو خالف
فباع الهدي فتلف عند المشتري أو أتلفه لزمه
قیمته أكثر ما کانت من حین القبض إلی حین
التلف كما في المجموع، ويشتري الناذر بتلك
القيمة مثل التالف جنسا ونوعا وسنا، فإن لم يجد
بالقيمة المثل لغلاء حدث لزمه أن يضم من ماله
إليها تمام الثمن، وهذا معنى قول الأصحاب
يضمن ما باعه بأكثر الأمرين من قيمته
ومثله .(١)
وقال الحنابلة: إن تلفت المعينة هدیا أو
ضلت أو سرقت ولو قبل الذبح فلا بدل علیه إن
لم يفرط، لأنه أمين.
وإن عين عن واجب في الذمة مایجزىء فيه،
كالمتمتع يعين دم التمتع شاة أو بقرة أوبدنة، أو
عین هدیا بنذره في ذمته، وتعیب أو تلف أو ضل
أو سرق أو عطب ونحوه لم يجزئه، لأن الذمة لم
تبرأ من الواجب بمجرد التعيين عنه، ولزمه
بدله. (٢)
(١) المجموع ٣٦٣/٨ - ٣٦٥ ط السلفية، المهذب ٢٤٣/١ط
الحلبي، وروضة الطالبين ٣/ ١٩٠ ط المكتب الإسلامي.
(٢) كشاف القناع ١٣/٣ - ١٤، الفروع ٥٥١/٣، والمغني
٥٣٤/٣
ثانيا : التلف في عقود المعاوضات :
أ - تلف المبيع :
٨ - تلف المبيع إما أن يكون كليا أو جزئيا، قبل
القبض أو بعده، ولكل قسم أحكام. والتلف
قد يكون بآفة سماوية، وقد يكون بفعل
المشتري، أو البائع، أو بفعل أجنبي .
تلف كل المبيع قبل القبض:
٩ - إذا تلف المبيع كله قبل القبض بآفة سماوية
أو بفعل المبيع - بأن كان حيوانا فقتل نفسه -
انفسخ البيع عند الجمهور، وهورواية عن أحمد
وسقط الثمن عن المشتري، لأن النبي رَا ﴾
قال: ((لا يحل سلف وبیع، ولا شرطان في بيع،
ولا ربح مالم یضمن»(١) والمراد به ربح مابيع قبل
القبض، والمبيع قبل قبض المشتري له هو في
ضمان البائع، ولأنه لوبقي أوجب مطالبة
المشتري بالثمن، وإذا طالبه بالثمن فهو يطالبه
بتسليم المبيع، وأنه عاجز عن التسليم، فتمتنع
المطالبة أصلا. فلم يكن في بقاء البيع فائدة
فينفسخ، وإذا انفسخ البيع سقط الثمن عن
المشتري، لأن انفساخ البيع ارتفاعه من الأصل
کان لم یکن.
(١) حديث: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا
.... )) أخرجه الترمذي (٥٢٧/٣ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عمرو، وقال: ((حسن صحيح)).
- ٢٧١ -

تلف ٩ - ١١
وذهب الحنابلة في المکیل والموزون إلى مثل
قول الجمهور، وفي غيرهما يهلك قبل القبض
على حساب المشتري، ومثل المكيل والموزون
مابيع برؤية أو صفة متقدمة. (١) واحتجوا
بحدیث ((اخراج بالضمان)). (٢)
وأما إذا كان التلف بفعل البائع فإن حكمه
كالتلف بآفة سماوية عند الحنفية والشافعية .
وذهب الحنابلة في المبيع إذا كان مكيلا أو
موزونا أو نحوهما إلى تخيير المشتري بين الفسخ
وأخذ الثمن الذي دفعه إن كان، وبین إمضاء
البيع، ويطالب المشتري متلفه البائع بمثله إن
کان مثلیا وإلا فبقیمته، لأن الإِتلاف کالعيب
وقد حصل في موضع یلزم البائع ضمانه، فكان
للمشتري الخيار كالعيب في المبيع.
أما إذا لم يكن المبيع مكيلا أو موزونا أو
نحوهما لم ينفسخ البيع عندهم، ويطالب
المشتري البائع بالقيمة. (٣) وهذا قول مرجوح
عند الشافعية .
وفرق المالكية بين أن يكون البيع على البت
(١) بدائع الصنائع ٢٣٨/٥، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٤٢،
وحاشية الدسوقي ٣/ ١٤٧، ومغني المحتاج ٢/ ٦٥،
وكشاف القناع ٢٤٢/٣، والمغني ١٢٣/٤
(٢) حديث: ((الخراج بالضمان)) أخرجه أبوداود (٣/ ٧٨٠ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن القطان كما في
التلخيص لابن حجر (٢٢/٣ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٣) كشاف القناع ٣/ ٢٤٤
أو على الخيار، وبين أن يكون التلف عمدا أو
خطأ، فإذا كان البيع على البت فإتلاف البائع
یوجب الغرم للمشتري، کان الضمان منه أومن
البائع، وسواء أكان الإِتلاف عمدا أم خطأ . (١)
١٠ - وإذا كان البيع على الخيار، فالخيار إما أن
يكون للبائع أو للمشتري، فإذا كان الخيار
للبائع انفسخ البيع سواء أكان الإتلاف عمدا أم
خطأ .
وإذا كان الخيار للمشتري وكان إتلاف
البائع للمبيع عمدا ضمن البائع للمشتري
الأكثر من الثمن أو القيمة، لأن للمشتري أن
يختار الرد إن كان الثمن أكثر أو الإِمضاء إن
كانت القيمة أكثر.
وأما إذا كان إتلاف البائع للمبيع خطأ
فینفسخ البيع. (٢)
١١ - وإذا تلف كل المبيع بفعل المشتري فلا
ینفسخ البيع وعلیه الثمن، لأنه بالإِتلاف صار
قابضا کل المبيع، لأنه لا يمكنه إتلافه إلا بعد
إثبات يده عليه، وهو معنى القبض فيتقرر عليه
الثمن، سواء أكان البيع باتا أم بالخيار عند
الشافعية والحنابلة .
وقصر الحنفية والمالكية الحكم السابق على
(١) بدائع الصنائع ٢٣٨/٥، وحاشية ابن عابدين ٤٢/٤،
وحاشية الدسوقي ٣/ ١٥٠، ١٥١، ومغني المحتاج
٦٧/٢، وكشاف القناع ٢٤٣/٣، والمغني ١٢٣/٤
(٢) حاشية الدسوقي ١٠٥/٣
- ٢٧٢ -

تلف ١١ - ١٣
البيع البات، أوبشرط الخيار للمشتري، لأن
خيار المشتري لا يمنع زوال البيع عن ملك
البائع بلا خلاف، فلا يمنع صحة القبض، فلا
يمنع تقرر الثمن.
فإن كان البيع بشرط الخيار للبائع فذهب
الحنفیة إلی أن علیه ضمان مثله إن كان له مثل
وقيمته إن لم یکن له مثل، لأن خیار البائع يمنع
زوال السلعة عن ملكه بلا خلاف، فكان المبيع
علی حکم ملك البائع، وملکه مضمون بالمثل
أو القيمة.
وذهب المالكية إلى أن المشتري يضمن
الأكثر من الثمن والقيمة، لأنه إذا كان الثمن
أكثر كان للبائع أن يجيز البيع في زمن الخيار لما له
فيه من الخيار، وإن كانت القيمة أكثر من الثمن
فللبائع أن یرد البیع لما له فيه من الخيار ويأخذ
القيمة لا فرق في ذلك بين أن يكون التلف
عمدا أوخطأ، إلا أن يحلف المشتري أنه ضاع
بغير تفريط أوتلف بغير سببه، فإنه يضمن
الثمن دون التفات إلى القيمة. وهذا إذا كانت
القيمة أكثر من الثمن، فإن كان الثمن أکثر من
القيمة أو مساويا لها ضمن الثمن من غير
یمین. (١)
(١) بدائع الصنائع ٢٣٨/٥، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٤٢،
وحاشية الدسوقي ١٠٤/٣ وما بعدها، ومغني المحتاج
٦٦/٢، وكشاف القناع ٢٤٣/٣، ٢٤٤، والمغني
١٢٣/٤
١٢ - وإذا كان التلف بفعل أجنبي فعليه ضمانه
بلا خلاف بين الفقهاء - سواء أكان الإتلاف
عمدا أم خطأ عند من يفرق بينهما من الفقهاء -
لأنه أتلف مالا مملوکا لغيره بغير إذنه ولا ید له
عليه، فيكون مضمونا عليه بالمثل أو القيمة .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المشتري
بالخيار إن شاء فسخ البيع فيعود المبيع إلى ملك
البائع فيتبع الجاني فيضمنه، وإن شاء اختار
البيع فاتبع الجاني بالضمان وأتبعه البائع
بالثمن.(١)
وذهب الحنابلة إلى مثل قول الجمهور إذا
كان المبيع مكيلا أو موزونا أو نحوهما.
فإن لم يكن كذلك هلك على حساب
المشتري ويتبع المتلف بالضمان. (٢)
تلف بعض المبيع قبل القبض :
١٣ - إذا تلف بعض المبيع قبل القبض بآفة
سماوية، فالمشتري بالخيار بين فسخ العقد
والرجوع بالثمن، وبين قبوله ناقصا ولا شيء له
لقدرته على الفسخ. هذا مذهب الشافعية،
وهو مذهب الحنابلة إذا كان المبيع مكيلا أو
نحوه. أما غير المكيل ونحوه فتلف بعضه وتعيبه
یکون على حساب المشتري ولا فسخ.
(١) بدائع الصنائع ٢٣٨/٥، ٢٣٩، وحاشية ابن عابدين
٤/ ٤٢، وحاشية الدسوقي ٣/ ١٥٠، ومغني المحتاج
٦٧/٢، وكشاف القناع ٢٤٣/٣، والمغني لابن قدامة
١٢٣/٤
(٢) كشاف القناع ٢٤٤/٣
- ٢٧٣ -

تلف ١٣ - ١٤
وفرق الحنفية بين التلف الذى ينشأ عنه
نقصان قدر، والتلف الذي ينشأ عنه نقصان
وصف. ونقصان الوصف وهو كل ما يدخل في
البيع من غير تسمية، كالشجر والبناء في الأرض
وأطراف الحيوان والجودة في المکیل والموزون،
فخصوا الحكم السابق بنقصان الوصف دون
نقصان القدر، وذلك لأن الأوصاف لا حصة لها
من الثمن إلا إذا ورد عليها القبض أو الجناية،
لأنها تصير مقصودة بالقبض أو الجناية .
وأما إذا كان التلف قد نشأ عنه نقصان قدر-
بأن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا - فالعقد
ینفسخ بقدر الهالك وتسقط حصته من الثمن،
لأن كل قدر من المقدرات معقود عليه، فيقابله
شيء من الثمن، وهلاك كل المعقود علیه یوجب
انفساخ البيع في الكل وسقوط الثمن .
فهلاك بعضه يوجب انفساخ البيع وسقوط
الثمن بقدره، والمشتري بالخيار في الباقي، إن
شاء أخذه بحصته من الثمن، وإن شاء ترك لأن
الصفقة قد تفرقت عليه .
وذهب المالکیة إلى أنه إن كان الباقي بعد
التلف النصف فأكثر لزم المشتري الباقي
بحصته من الثمن ويرجع بحصة ما تلف،
وذلك لأن بقاء النصف كبقاء الجل (الأكثر)
فيلزمه، وهذا في المبيع المتعدد.
فإن كان المبيع متحدا(١) كفرس مثلا وبقي
(١) أي لا يقبل التجزئة .
بعد التلف النصف فأكثر فالمشتري بالخيار بين
رد المبيع وأخذ ثمنه، وبين التمسك بالباقي
بحصته من الثمن.
وإن كان الباقي بعد التلف أقل من النصف
حرم التمسك بالباقي ووجب رد المبيع وأخذ
جميع ثمنه لاختلال البيع بتلف جل المبيع،
فتمسك المشتري بباقيه كإنشاء عقد بثمن
مجهول، إذ لا يعلم ما يخص الباقي إلا بعد
تقويم الجميع، ثم النظر فيما يخص كل جزء
على انفراده إلا المثلي فلا يحرم التمسك بالأقل،
بل المشتري بالخيار بين فسخ البيع وبين
التمسك بالباقي بحصته من الثمن، وذلك لأن
المثلي منابه (مقابله) من الثمن معلوم، فليس
التمسك بالباقي القليل، كإنشاء عقد بثمن
مجهول، وإنما يأتي هذا في المقوم. (١)
تلف بعض المبيع بفعل البائع قبل القبض:
١٤ - أما إذا تلف بعض المبيع قبل القبض بفعل
البائع، فذهب الحنفية إلى بطلان البيع بقدره
ويسقط عن المشتري حصة المالك من الثمن
سواء أكان النقصان نقصان قيمة أم نقصان
وصف ۔ لأن الأوصاف لها حصة من الثمن عند
(١) بدائع الصنائع ٢٣٩/٥، ٢٤٠، وحاشية الدسوقي
١٤٨/٣، ١٤٩، ومغني المحتاج ٦٨/٢، وحواشي التحفة
٤ / ٤٠٠، وكشاف القناع ٢٤٢/٣، ٢٤٣، والمغني
١٢٣/٤، وابن عابدين ٤٦/٣
-
- ٢٧٤ -
٠

تلف ١٤ - ١٥
ورود الجناية عليها، لأنها تصير أصلا بالفعل
فتقابل بالثمن - والمشتري بالخيار في الباقي،
إن شاء أخذه بحصته من الثمن، وإن شاء ترك
لتفرق الصفقة علیه.
وعند الحنابلة إذا كان المبيع مکیلا أو موزونا
قال ابن قدامة: قياس قول أصحابنا أن
المشتري خير بين الفسخ والرجوع بالثمن،
وبين أخذه والرجوع على البائع بعوض ما أتلف
أو عيب.
وأما إذا لم يكن المبيع مكيلا أو موزونا فلا
ينفسخ البيع، ويرجع المشتري على البائع
بعوض ما أتلف.
وفرق المالکیة بین أن یکون التلف عمدا أو
خطأ، وبين أن يكون الخيار للبائع أو
للمشتري .
فإن كان الخيار للبائع وإتلافه للمبيع عمداً.
كان فعله رداً للبيع قبل جنايته، لأن هذا
التصرف من شأنه أن لا يفعله الإِنسان إلا في
ملكه، وإن كان إتلافه له خطأ، فللمشتري
خیار العیب، إن شاء تمسك ولا شيء له، أورد
وأخذ الثمن بعد إجازة البائع بما له فيه من
الخيار. وإنما لم تكن جنايته خطأ ردا كجنايته
عمدا لأن الخطأ مناف لقصد الفسخ، إذ الخطأ
لا يجامع القصد.
وإن كان الخيار للمشتري وكان إتلاف البائع
للمبيع عمدا، فللمشتري الخيار بين الرد أو
إمضاء البيع وأخذ أرش الجناية، وإن كان إتلافه
له خطأ فالمشتري بالخيار بين رده للبائع أو أخذه
ناقصا ولا شيء له.
وذهب الشافعية إلى تخيير المشتري بين
الفسخ والرجوع بالثمن وبين إجازة العقد
بجميع الثمن، ولا يغرم البائع للمشتري شیئا
على المذهب عندهم. (١)
تلف بعض المبيع بفعل المشتري:
١٥ - إذا تلف بعض المبيع بفعل المشتري فلا
يبطل البيع ولا خيار له لحصوله بفعله،
ولا يسقط عنه شيء من الثمن لأنه صار قابضا
للكل بإتلاف البعض، ولا يتمكن من إتلاف
البعض إلا بإثبات اليد على الكل، وصار
قابضا قدر المتلف بالإِتلاف والباقي بالتعييب
فتقرر عليه كل الثمن.
هذا هو مذهب الجمهور (الحنفية والشافعية
والحنابلة).
وفرق المالكية بين أن يكون الخيار للبائع أو
المشتري، وبين التلف العمد والخطأ، فإن كان
الخيار للمشتري وكان إتلافه للمبيع عمدا
فيعتبر ذلك رضا منه بالبيع ولا رجوع فيه .
(١) بدائع الصنائع ٢٤٠/٥، وابن عابدين ٤٦/٤، وحاشية
الدسوقي ١٠٥/٣، ومغني المحتاج ٦٨/٢، وحواشي
التحفة ٤ / ٤٠٠، ٤٠١، والمغني لابن قدامة ٤ /١٢٤
- ٢٧٥ -

تلف ١٦ - ١٧
وإن کان خطأ فللمشتري رده وما نقص،
وله التمسك به ولا شيء له، فإن رد وکان عیبا
مفسدا ضمن الثمن كله. وإن كان الخيار للبائع
فالبائع بالخيار بين رد البيع وأخذ أرش الجناية،
أو الإِمضاء وأخذ الثمن، سواء أكان التلف
عمدا أم خطأ. وعن ابن عرفة أن الخيار المذكور
للبائع حیث کانت الجناية عمدا، فإن كانت
خطأ خير المشتري بين أخذ المبيع ودفع الثمن
وأرش الجناية، وبين ترك المبيع للبائع ودفع أرش
الجناية، فأرش الجناية يدفعه في کل من حالتي
تخييره عنده، واعتمد بعضهم هذا. (١)
تلف بعض المبيع بفعل الأجنبي :
١٦ - إن تلف بعض المبيع بفعل أجنبي فعليه
ضمانه، والمشتري بالخيار، إن شاء فسخ البيع
واتبع البائع الجاني بضمان ما أتلفه، وإن شاء
اختار البیع واتبع (أي المشتري) الجاني بالضمان
وعليه جميع الثمن - وهذا ما ذهب إليه الحنفية
والشافعية، وهو قول الحنابلة في المبيع إذا كان
مكيلا ونحوه، إلا أن الشافعية قالوا: لا يغرم
الأجنبي الأرش إلا بعد قبض المبيع لجواز تلفه
في يد البائع فينفسخ البيع .
(١) بدائع الصنائع ٥/ ٢٤٠، وابن عابدين ٤ / ٤٦، وحاشية
الدسوقي ١٠٥/٣، ومواهب الجليل ٤٢٣/٤، ومغني
المحتاج ٦٨/٢، وحواشي التحفة ٤/ ٤٠٠، والمغني
١٢٣/٤
أما ما عدا المكيل والموزون عند الحنابلة،
فليس للمشتري الخيار في الفسخ، وإنما يتبع
المتلف بالضمان .
وذهب المالكية إلى أن أرش ما جنى الأجنبي
للبائع ولو كان الخيار لغيره، وإذا أخذ البائع
أرش الجناية فالمشتري حينئذ بالخيار، إما أن
يأخذ المبيع معيبا مجانا، وإما أن يرد ولا شيء
علیه . (١)
١٧ - اتفق الفقهاء على أن تلف كل المبيع بعد
القبض لا يفسخ به البيع، والهلاك يكون على
المشتري وعليه الثمن، لأن البيع تقرر بقبض
المبيع فتقرر الثمن - هذا من حيث الجملة -
سواء أكان التلف بآفة سماوية أم بفعل المبيع أم
بفعل المشتري، وإذا كان التلف بفعل أجنبي
فإنه يرجع المشتري على الأجنبي بضمانه .
وفصل الحنفية فقالوا: إذا تلف بفعل البائع
فينظر إن كان المشتري قبضه بإذن البائع أو
بغير إذنه. فإن كان قبضه بإذنه فاستهلاكه
واستهلاك الأجنبي سواء. وإن كان قبضه بغیر
إذن البائع صار البائع بالاستهلاك مستردا
للمبيع، فحصل الاستهلاك في ضمانه،
(١) بدائع الصنائع ٢٤١/٥، ابن عابدين ٤ /٤٦، وحاشية
الدسوقي ١٠٤/٣، وحواشي التحفة ٤/ ٤٠٠، ومغني
المحتاج ٦٨/٢، والمغني ٤/ ١٢٤
- ٢٧٦ -

تلف ١٨ - ٢٠
فيوجب بطلان البيع وسقوط الثمن، كما لو
استهلك وهو في يده. (١) وإذا كان المشتري
قد قبض المبيع على الخيار له أو للبائع أولهما،
ففي المذاهب تفصيل في ضمان التلف يرجع إليه
في بحث: (الخيار).
تلف بعض المبيع بعد القبض :
١٨ - إذا تلف بعض المبيع بعد القبض، فإن
التلف يكون على المشتري، ولا شيء على
البائع ويجب عليه الثمن، لأن المبيع خرج عن
ضمان البائع بقبض المشتري فتقرر عليه الثمن.
وكذا إذا هلك بفعل أجنبي فالهلاك على
المشتري ويرجع بالضمان على الأجنبي .
واستثنى الحنفية من ذلك التلف بفعل
البائع، وفرقوا بين ما لو كان للبائع حق
الاسترداد أم لا. فإن لم يكن للبائع حق
الاسترداد فإتلافه والأجنبي سواء، وإن كان له
حق الاسترداد ينفسخ البيع في قدر المتلف،
ويسقط عن المشتري حصته من الثمن، لأنه
صار مستردا لذلك القدر بالإتلاف، فتلف ذلك
القدر في ضمانه، فيسقط قدره من الثمن. (٢)
(١) بدائع الصنائع ٢٣٩/٥، وحاشية الدسوقي ١٠٤/٣،
وروضة الطالبين ٤٥١/٣، ٤٥٢، ومغني المحتاج
٧٣/٢، وتحفة المحتاج ٣٩٦/٤، وكشاف القناع
٢٠٦/٣، ٢١٠
(٢) بدائع الصنائع ٢٤١/٥، وتحفة المحتاج ٣٩٣/٤،
والقوانين الفقهية ٢٥٢
ب - تلف زوائد المبيع :
١٩ - زوائد المبيع الحادثة في يد البائع، كثمرة
ولبن وبيض، أمانة في يد البائع، لا يضمنها إذا
تلفت بغير تفريط منه، وذلك لأن ضمان الأصل
بالعقد وهو لم يشملها، ولم تمتد يده علیھا
لتملکھا، کالمستام ولم یوجد منه تعد کالغاصب
حتی یضمن.(١)
جـ - التلف في الإِجارة :
٢٠ - اتفق الفقهاء على أن العين المؤجرة أمانة
في يد المستأجر، فإن تلفت أو ضاعت بغير تعد
منه ولا تفريط فلا ضمان علیه، أما إذا تعدی أو
فرط في المحافظة عليها فإنه یکون ضامنا لما
يلحق العين من تلف أو نقصان، وكذلك
الحكم إذا تجاوز في الانتفاع بها حقه فيه فتلفت
عند ذلك.
واتفقوا كذلك على أن الأجير الخاص
أمین، فلا ضمان علیه فيها تلف في يده من مال أو
ما تلف بعمله إلا بالتعدي أو التفريط. لأنه
نائب المالك في صرف منافعه إلى ما أمربه، فلم
يضمن كالوکیل، ولأن عمله غیر مضمون
عليه، فلم يضمن ما تلف به كسراية
القصاص، ولم يوجد منه صنع يصلح سببا
لوجوب الضمان .
واتفقوا على أن الأجير المشترك إذا تلف عنده
(١) بدائع الصنائع ٢٥٦/٥، وتحفة المحتاج ٣٩٤/٤، ومغني
المحتاج ٦٦/٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٥٧،
وكشاف القناع ٢٤٤/٣
- ٢٧٧ -

تلف ٢٠
المتاع بتعد أو تفريط فإنه يضمن. واختلفوا فيما
إذا تلف بغير تعد منه أو تفريط .
فذهب الشافعية وأبو حنيفة وزفر إلى أن يده
يد أمانة فلا يضمن ما تلف، لأن الأصل أن
لا يجب الضمان إلا على المتعدي، لقوله
عز وجل ﴿فَلَا عُدْوانَ إلا علَى الظالمِينَ﴾(١) ولم
يوجد التعدي من الأجير لأنه مأذون في
القبض، والهلاك ليس من صنعه فلا يجب
الضمان عليه، ولهذا لا يجب الضمان على
المودع. قال الربيع: اعتقاد الشافعي أنه
لا ضمان على الأجير، وإن القاضي يقضي
بعلمه، وكان لا يبوح به خشية قضاة السوء
وأجراء السوء .
وذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى أنه
مضمون علیه بالتلف، إلا في حرق غالب، أو
غرق غالب، أو لصوص مكابرين، فروى عن
محمد بن الحسن أنه لو احترق محل الأجير
المشترك بسراج يضمن الأجير، لأن هذا ليس
بحريق غالب، وهو الذي يقدر على استدراكه
لو علم به، لأنه لو علم به لأطفأه فلم يكن
موضع العذر.
واحتجا بما روي عن رسول الله و لر أنه قال:
«علی الید ما أخذت حتى تؤدي)). (٢) وروي
(١) سورة البقرة / ١٩٣
(٢) حديث: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي)) أخرجه أبوداود
(٨٢٢/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث سمرة بن
جندب، وأعله ابن حجر بالاختلاف في=
عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضمن الأجير
المشترك احتياطا لأموال الناس، وهو المعني في
المسألة، وهو أن هؤلاء الأجراء الذين يسلم
المال إليهم من غير شهود تخاف الخيانة منهم،
فلو علموا أنهم لا يضمنون لهلكت أموال الناس
لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك، وهذا
المعنى لا يوجد في الحريق الغالب، والغرق
الغالب، والسرق الغالب.
وذهب الحنابلة إلى أنه يضمن ما تلف بفعله
ولو بخطئه، كتخريق القصار الثوب، وغلطه
كأن يدفعه إلى غير ربه، وأما ما تلف من حرزه
بنحو سرقة أو تلف بغير فعله إذا لم يفرط فلا
ضمان عليه، لأن العين في يده أمانة، أشبه
بالمودع .
وشرط المالكية لتضمينه شرطين :
أحدهما: أن يغيب الأجير المشترك على
السلعة، وذلك بأن يصنعها بغیر حضور ربها
وبغیر بيته، وأما إن صنعها ببيته ولو بغير حضور
ربها، أو صنعها بحضوره لم يضمن ما نشأ من
غير فعله کسرقة ،أو تلف بنار مثلا بلا تفريط.
وثانيهما : أن يكون المصنوع مما یغاب عليه
کثوب ونحوه . (١)
= سماع الحسن (الراوي عن سمرة) من سمرة. التلخيص
(٥٣/٣ - ط شركة الطباعة الفنية).
(١) بدائع الصنائع ٢١٠/٤ وما بعدها، وحاشية الدسوقي
٤/ ٢٤، ٢٨ مغني المحتاج ٢/ ٣٥١ وما بعدها، وكشاف
القناع ١٥/٤، ١٨، ٣٣، ٣٤
- ٢٧٨ -

تلف ٢١ - ٢٢
ثالثا : التلف في عقود الأمانات وما في معناها :
٢١ - الأصل في عقود الأمانات كالوديعة أن
ما تلف فيها من الأعيان يكون تلفه على
صاحبه ولیس علی من کانت في يده شيء إن لم
يتعد أو يفرط فيها، لقول النبي ◌َّر ((ليس على
المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع
غير المغل ضمان))(١) ولما روى عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده أن النبي وم سلم قال: ((من أودع
وديعة فلا ضمان عليه))(٢) ولحاجة الناس إلى
تلك العقود وفي إيجاب الضمان عليهم تنفير
عنها.
واستثنى الشافعية والحنابلة من تلك العقود
العارية، فقالوا بضمانها مطلقا إن تلفت عند
المستعير فرط أم لم يفرط، لحديث سمرة أن
النبي _ 18 قال: ((على اليد ما أخذت حتى
تؤدي)).(٣) وعن صفوان «أنهێ استعار منه یوم
حنين أدراعا (ولم يكن قد أسلم بعد) فقال:
أغصبا يامحمد؟ قال: ((بل عارية مضمونة))(٤)
(١) حديث: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان ... )) أخرجه
الدارقطني (٤١/٣ - ط دار المحاسن) من حديث عبدالله بن
عمرو بن العاص، وضعفه الدارقطني بضعف راويين في
إسناده .
(٢) حديث: ((من أودع وديعة فلا ضمان عليه)) أخرجه
ابن ماجه (٨٠٢/٢ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن
عمرو، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف.
(٣) حديث: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي)) سبق تخريجه
ف ٢٠
(٤) حديث صفوان: ((أنه مر استعار منه يوم حنين =
ولأنه مال يجب رده لمالكه فيضمن عند تلفه
كالمستام .
وأشار أحمد إلى الفرق بين العارية والوديعة
وهو أن العارية أخذتها باليد، والوديعة دفعت
إليك.
واستثنى الشافعية في الأصح عندهم من
ضمان العارية التلف المنمحق - أي مايتلف
بالكلية عند الاستعمال - والمنسحق - أي ما
یتلف بعضه عند الاستعمال ۔ إذا تلف باستعمال
مأذون فیه حدوثه عن سبب مأذون فيه، فأشبه
قوله: كل طعامي. وعندهم قول بضمان
المنمحق دون المنسحق، لأن مقتضى الإِعارة
الرد، ولم يوجد في المنمحق، فيضمنه بخلاف
المنسحق .
وخص المالكية الضمان بتلف العارية المغيب
عليها - أي ما يمكن إخفاؤه - كالثياب والحلي
بخلاف ما لا یغاب علیه، فلا ضمان عليه
بتلفه، كالحيوان والعقار، إلا أن يأتي المستعير
ببينة تثبت تلفه أو ضياعه بلا سببه، فلا يضمنه
خلافا لأشهب القائل بالضمان مطلقا. (١)
٢٢ - وهناك عقود فيها معنى الأمانة كالمضاربة
= أدرعا)) أخرجه أبوداود (٣/ ٨٢٣ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) والبيهقي (٨٩/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية)،
وقواه البيهقي لطرقه .
(١) حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٩٤، ٥٠٣، وحاشية الدسوقي
٤١٩/٣، ٤٣٦، ومغني المحتاج ٢٦٧/٢، ٨١/٣،
وكشاف القناع ٤ / ٧٠، ١٦٧
- ٢٧٩ -

تلف ٢٢
والإِجارة والرهن، فهي وإن لم تكن في أصلها
عقد أمانة إلا أن كلا من المضارب والمستأجر
والمرتهن أمين على ما في يده.
فلا خلاف بين الفقهاء في أن ما تلف من مال
المضاربة يكون تلفه على رب المال ولا يضمنه
المضارب، فهو في يده بمنزلة الوديعة، لأنه قبضه
بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة، إلا أن
المضارب يصير ضامنا لرأس المال إذا تلف
بسبب مخالفة شرط رب المال، كأن شرط رب
المال ألا يسافر به في البحر فسافر فغرق المال،
فإن المضارب حينئذ ضامن له مخالفته شرط رب
المال فصار بمنزلة الغاصب. (١)
ولا خلاف بين الفقهاء في أن يد المستأجر ید
أمانة، فما تلف في يده لا ضمان عليه إلا بالتعدي
أو التفريط، أما إذا تعدى أو فرط في المحافظة
عليها فإنه يكون ضامنا لما يلحق العين من تلف
أو نقصان، وكذلك الحكم إذا تجاوز في الانتفاع
بها حقه فيه فتلفت عند ذلك. (٢)
واختلف الفقهاء في الرهن إذا تلف في يد
المرتهن، هل يضمنه المرتهن أم لا؟
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨٧، وحاشية الدسوقي ٢/ ٥٢٦،
ومغني المحتاج ٣٢٢/٢، وكشاف القناع ٥٢٢/٣
ومابعدها.
(٢) الدر المختار ٥/ ١٧ ومابعدها، ومواهب الجليل ٤١٦/٥،
والفتاوى الهندية ٤/ ٤٧٠، ونهاية المحتاج ٣٢٥/٥،
والمهذب ١/ ٤٠٧، وكشاف القناع ١٥/٤
فذهب الحنفية إلى أن المرهون إذا تلف في ید
المرتهن فإنه مضمون بالأقل من قيمته ومن
الدین، وإن ساوت قیمته الدین صار مستوفيا
دینه، وخص المالكية ضمان المرهون بما إذا كان
مما یغاب علیه، کحلي وثیاب وسلاح وکتب من
كل ما يمكن إخفاؤه وكتمه، بخلاف ما لا
یمکن کتمہ کحیوان وعقار، وهذا إن لم تشهد له
بینة، فإن شهدت بينة بتلفه أو هلاكه بغیر سببه
فلا ضمان علیه، لأن الضمان هنا ضمان تهمة،
وهي تنتفي بإقامة البينة .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المرهون
أمانة في يد المرتهن، فلا يسقط بتلفه شيء من
الدين بغير تعد من المرتهن أو تفريط، لما روى
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي # قال ((لا يغلق الرهن من صاحبه
الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)). (١) ولأنه لو
ضمن لامتنع الناس من فعله خوفا من الضمان،
وذلك وسيلة إلى تعطیل المداینات، وفيه ضرر
عظیم.(٢)
(١) حديث: ((لا يغلق الرهن من صاحبه ... )) أخرجه
الشافعي (بدائع المنن ٢ /١٨٩ - ١٩٠ - ط دار الأنوار) من
حديث سعيد بن المسيب مرسلا. وروي متصلا من طرق
لا تصح. وصحح أبوداود والبزار والدارقطني وغيرهم
إرساله. (التلخيص لابن حجر ٣٦/٣ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٠٩/٥ وما بعدها، وحاشية الدسوقي
٢٥٣/٣ وما بعدها، ومغني المحتاج ١٣٦/٢، ١٣٧،
وكشاف القناع ٣٤١/٣
- ٢٨٠ -
F