Indexed OCR Text
Pages 141-160
تقرير ٤ - ٧
جـ - الإِجازة :
٤ - من معاني الإِجازة: الإِنفاذ، يقال: أجاز
الشيء إذا أنفذه وجوز له ماصنع وأجاز له: أي
سوّغ له ذلك وأجزت العقد: جعلته جائزا
نافذا .
وهي بهذا المعنى تكون كالتقرير للأمر الذي
حدث، ومن ذلك إجازة المالك لتصرف
الفضولي عند الحنفية والمالكية. (١)
الحكم الإجمالي :
أولا - التقرير عند الأصوليين :
٥ - ذكر الأصوليون التقرير باعتباره قسما من
أقسام السنة، وصورته: أن يسكت النبي قالڼ
عن إنکار قول قیل بين يديه أو في عصره وعلم به
أو سكت عن إنكار فعل فعل بین یدیه أو في
عصره وعلم به. ويلحق بذلك: قول
الصحابي: كنا نفعل کذا، وكانوا يفعلون كذا
وأضافه إلى عصر رسول الله وَ ل* وكان مما
لا يخفی مثله علیه.
٦ - والتقرير حجة ويدل على الجواز ورفع
الحرج، لكن ذلك لابد وأن يكون مع قدرة
النبي ◌َّ على الإِنكار، وكون المقرر منقادا
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح للجوهري
مادة: ((جوز)»، والهداية ٦٨/٣، وراجع مصطلح إجازة
(٣٠٣/١ وما بعدها و(١١٥/٩، ومابعدها) من الموسوعة
الفقهية .
للشرع، وكون الأمر المقرر ثابتا لم يسبق النهي
عنه .
لأنه لو لم يكن جائزا لما سكت عنه النبي
*، ولما يترتب عليه من تأخير البيان.(١)
وذهبت طائفة إلى أن التقرير لا يدل على
الجواز لأن السكوت وعدم الإِنكار يحتمل أن
النبي ◌َ ل﴿ سكت لعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلا
یکون الفعل إذ ذاك حراما، ويحتمل أنه سکت
عنه لأن الإِنکار لم ينجح فيه وعلم أن إنكاره ثانیا
لا يفيد فلم يعاوده، وبذلك لا يصلح التقرير
دليلا على الجواز والنسخ. (٢)
وفي الموضوع تفصيل ينظر في الملحق
الأصولي.
ثانيا - التقرير عند الفقهاء :
٧ - يأتي التقرير عند الفقهاء بمعان ثلاثة:
الأول : بمعنى تثبيت حق المقرر في شيء
وتأکیده :
أورد الحنفية التقرير بهذا المعنى في مسألة
طلب الشفعة، إذ أنهم يقسمون طلب الشفعة
إلى ثلاثة أقسام :
طلب المواثبة، وطلب التقرير، وطلب
الخصومة والملك، فطلب المواثبة هو طلب
(١) إرشاد الفحول ص٤١، ٦١، والأحكام للآمدي
١٨٩/١، ٣٨/٢، ٩٩، والبزدوي ١٤٨/٣، والمستصفى
٢٥/٢
(٢) المراجع السابقة.
- ١٤١ -
تقرير ٨ - ١٠
الشفعة في مجلس العلم بها، لبيان أنه غير
معرض عن الشفعة والإِشهاد ليس بشرط فيه.
وطلب التقرير والإِشهاد هو أن يشهد على
طلبه عند البائع إن كان المبيع في يده، أوعند
المبتاع إن كان البائع قد سلمه المبيع أو عند
العقار.
فإذا فعل ذلك استقرت شفعته. وهذا
الطلب يسمى طلب التقرير أو طلب الاشهاد،
لأنه بذلك قرر حقه وأكده.
والشفيع إنما يحتاج إلى طلب التقرير بعد
طلب المواثبة إذا لم يمكنه الاشهاد عند طلب
المواثبة. أما إذا استطاع عند طلب المواثبة
الاشهاد عند البائع أو المشتري أو العقار فذلك
يكفيه ويقوم مقام الطلبین، والإِشهاد إنما هو
لإثبات الحق عند التجاحد. (١)
هذا وبقية المذاهب تذكر الإِشهاد دون لفظ
التقرير، وفي اعتبار الإشهاد شرطا لاستقرار
الشفعة أو غير شرط. ينظر مصطلح: (إشهاد،
وشفعة).
الثاني : بمعنى استمرار الأمر الموجود وإبقائه
على حاله، ومن أمثلة ذلك مايأتي :
أ - في الشركة :
٨ - إذا مات أحد الشريكين ولم يتعلق بالتركة
دين ولا دية فالوارث الرشيد الخيار بين القسمة
(١) البدائع ١٨/٥ وابن عابدين ١٣٥/٥ إلى ١٤٣، وفتح
القدير ٣٠٨/٨، ومجلة الأحكام العدلية المواد ١٠٢٨،
١٠٢٩، ١٠٣٠، ١٠٣١ وشرحها للأتاسي ٦٠٢/٣
وتقریر الشرکة، فإن كان على المیت دین فلیس
للوارث تقریر الشرکة إلا بعد قضاء الدین. (١)
(ر: شركة)
ب - في القراض :
٩ - إذا مات المالك وأراد الوارث الاستمرار على
العقد، فإن کان المال ناضا فلهما ذلك بأن
يستأنفا عقدا بشرطه، قال النووي: وهل ينعقد
بلفظ الترك والتقرير بأن يقول الوارث: تركتك
أو قررتك على ماکنت علیه؟ وجهان، أصحهما
نعم لفهم المعنى .
وإذا مات عامل المضاربة وأراد المالك تقرير
وارث العامل مكانه فتقريره مضاربة مبتدأة
لا تجوز إلا علی نقد مضروب.(٢)
وينظر تفصيل ذلك في مضاربة (قراض).
جـ - في القضاء :
١٠ - الأصل أنه لا يجوز نقض حكم سابق إذا لم
يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا. بل كان
مجتهدا فيه، وهذا في الجملة.
لكن هل تقرير القاضي مارفع إليه يعتبر
حکما لا يجوز نقضه؟
عقد ابن فرحون في تبصرته فصلا بعنوان
((تقرير الحاكم ما رفع إليه)) قال: اختلف أهل
المذهب (يعني المالكية) هل يكون تقرير الحاكم
(١) روضة الطالبین ٢٨٣/٤، ٢٨٤، والمغني ٢٢/٥
(٢) روضة الطالبين ١٤٣/٥، وجواهر الإكليل ٢/ ١٧٧،
ومنتهى الإرادات ٣٣٦/٢
- ١٤٢ -
تقرير ١١
علی الواقعة حکما بالواقع فيها أم لا؟ کما إذا
زوجت امرأة نفسها بغیر إذن ولیھا ورفع ذلك
إلی قاض حنفي فأقره وأجازه ثم عزل، قال
ابن القاسم ليس لغيره فسخه وإقراره علیه
کالحكم به، واختاره ابن محرز، وهو ظاهر
المدونة، يريد أن ذلك كالحكم فلا يعترضه
قاض آخر، وقال عبدالملك: ليس بحكم ولغيره
فسخه، وهذا بخلاف ما لورفع له فقال:
لا أجيز النكاح بغير ولي من غير أن يحكم
بفسخه فهذه فتوى ولغيره الحكم في تلك
الواقعة بما يراه . (١)
وينظر تفصيل ذلك في: (قضاء).
الثالث - التقرير بمعنى طلب الإِقرار من المتهم
وحمله على الاعتراف:
١١ - للقاضي تقرير المدعى عليه وذلك بأن
يطلب القاضي منه الجواب إما بالإِقرار أو
بالإِنكار.
وإقرار المكره لا يعمل به في الجملة. لكن
الفقهاء جعلوا من باب السياسة الشرعية مراعاة
شواهد الحال وأوصاف المتهم وقوة التهمة
فأجازوا التوصل إلى الإِقرار بالحق بما يراه
الحاكم استنادا إلى قوله تعالى : ﴿وإن كان
قميصُه قُدَّ مِنْ دُبُر ... ﴾(٢) وقد فعل ذلك
(١) التبصرة بهامش العلي المالك ٨٩/١، وشرح منتهى
الإِرادات ٣/ ٤٧٤
(٢) سورة يوسف/ ٢٧
على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما بعثه
رسول الله # هو والزبير بن العوام في أثر المرأة
التي حملت خطاب حاطب بن أبي بلتعة إلى
أهل مكة، وفي الكتاب إخبار بها عزم عليه
رسول الله وَل﴿ من المسير إليهم، فأدرك علي
والزبير المرأة واستنزلاها والتمسا في رحلها
الكتاب فلم يجدا شيئا فقال لها علي رضي الله
عنه: أحلف بالله ما كذب رسول الله الخير
ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو
لنكشفنك، فلما رأت الجد منه استخرجت
الکتاب من قرون رأسها .(١)
لكنهم اختلفوا هل يكون ذلك للقاضي أو
لوالي المظالم؟
فعند الحنفية والمالکیة وبعض أصحاب
الإِمام أحمد أنه يجوز للقاضي وللوالي ضرب
المتهم ضرب تقرير لأن القاضي نائب عن الإِمام
في تنفيذ الأحكام.
وعند الشافعية وبعض أصحاب الإِمام أحمد
يكون ذلك لوالي المظالم ولا يكون للقاضي ،
ووجه هذا القول أن الضرب المشروع هو ضرب
الحدود والتعزير وذلك إنما يكون بعد ثبوت
أسبابها وتحققها. (٢)
(١) حديث: (( بعث علي والزبير في أثر المرأة التي حملت خطاب
حاطب)). أخرجه البخاري (الفتح ١٤٣/٦ ط السلفية)،
ومسلم (٤/ ١٩٤١ - ١٩٤٢ ط الحلبي).
(٢) ابن عابدين ١٤٨/٣، ١٨٨، ١٩٥، والتبصرة =
- ١٤٣ -
تقرير ١٢ - ١٤
١٢ - قال ابن القيم: الدعاوى قسمان: دعوى
تهمة ودعوى غير تهمة .
فدعوى التهمة أن يدعى فعل محرم على
المطلوب يوجب عقوبته مثل قتل أو قطع طريق
أو سرقة أو غير ذلك من العدوان الذي يتعذر
اقامة البيئة عليه في غالب الأحوال.
ودعوی غیر التهمة كان يدعى عقدا من بيع
أو قرض أورهن أو ضمان أو غير ذلك وكل من
القسمین قد یکون حدا محضا کالشرب والزنی،
وقد یکون حقا محضا لآدمي كالأموال، وقد
يكون متضمنا للأمرين كالسرقة وقطع الطريق.
فهذا القسم (أي دعوى غير التهمة) إن أقام
المدعي حجة شرعية وإلا فالقول قول المدعى
علیه مع يمينه لما روى مسلم في صحيحه عن
ابن عباس قال: قال رسول الله ◌َلاغير: ((لويعطى
الناس بدعواهم لا دعی ناس دماء رجال
وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». (١)
١٣ - أما القسم الأول من الدعاوى: وهو
دعاوى التهم وهي دعوى الجناية والأفعال
المحرمة كدعوى القتل وقطع الطريق والسرقة
= ١٣٩/٢، ١٤٣، ١٤٧، والأحكام السلطانية للماوردي
٩٠ - ٩١، ومعين الحكام ص٢١١، ٢١٢، والطرق
الحكمية من ١٠١ إلى ١٠٤
(١) حديث: ((لو يعطي الناس بدعواهم لا دعی ناس دماء
رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». أخرجه
مسلم ١٣٣٦/٣ ط الحلبي).
والقذف والعدوان فهذا ينقسم المدعى عليه فيه
إلى ثلاثة أقسام فإن المتهم إما أن یکون بریئا
لیس من أهل تلك التهمة، أو فاجرا من أهلها،
أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاکم حاله.
فإن كان بريئا لم تجز عقوبته اتفاقا.
واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين:
أصحهما أنه يعاقب صيانة لتسلط أهل الشر
والعدوان على أعراض البرآء.
قال مالك وأشهب رحمهما الله : لا أدب على
المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى عليه وعيبه
وشتمه فيؤدب. وقال أصبغ: يؤدب قصد أذيته
أو لم يقصد.
١٤ - القسم الثاني : أن يكون المتهم مجهول
الحال لا يعرف ببر ولا فجور فهذا يحبس حتى
ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام.
والمنصوص عليه عند أكثر الأئمة أنه يحبسه
القاضي والوالي. هكذا نص عليه مالك
وأصحابه وهو منصوص الإِمام أحمد ومحققي
أصحابه وذکره أصحاب أبي حنيفة .
وقال الإِمام أحمد: قد حَبس النبي 98َّ في
تهمة قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره.
ثم الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل
الفصل وقد يكون عنده حكومات سابقة فيكون
المطلوب محبوسا معوقا من حين يطلب إلى أن
يفصل بينه وبين خصمه وهذا حبس بدون
التهمة ففي التهمة أولى .
- ١٤٤ -
تقرير ١٥
ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي
الحرب دون القاضي، وقد ذكر هذا طائفة من
أصحاب الشافعي كأبي عبدالله الزبيري
والماوردي وغيرهما وطائفة من أصحاب أحمد من
المصنفين في أدب القضاة وغيرهم واختلفوا في
مقدار الحبس في التهمة هل هو مقدر أو مرجعه
إلى اجتهاد الوالي والحاکم؟ علی قولین ذکرهما
الماوردي وأبو يعلى وغيرهما فقال الزبيري : هو
مقدر بشهر وقالالماوردي : غیر مقدر. (١)
١٥ - القسم الثالث : أن يكون المتهم معروفا
بالفجور كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو
ذلك. قال ابن القيم: ويسوغ ضرب هذا النوع
من المتهمين كما أمر النبي ◌َط # الزبير بتعذيب
المتهم الذي غیب ماله حتى أقَ به في قصة ابن
أبي الحقيق. (٢)
قال شيخنا: واختلفوا فيه هل الذي يضربه
الوالي دون القاضي أو كلاهما أو لا يسوغ ضربه؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يضربه الوالي أو القاضي هذا
قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم
منهم أشهب بن عبدالعزیز قاضي مصر فإنهقال:
(١) الطرق الحكمية ص ٩٣، ١٠٠ - ١٠٣
(٢) حديث: ((أمر النبي ◌َّل الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب
ماله حتى أقر به في قصة ابن أبي الحقيق)).
أوردها ابن القيم في الطرق الحكمية ولم نعثر عليها في
کتب الحدیث التي بين أيدينا.
يمتحن بالحبس والضرب ويضرب بالسوط
مجردا .
والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون
القاضي وهذا قول بعض أصحاب الشافعي
وأحمد حكاه القاضيان (أبو يعلى والماوردي)
ووجه هذا أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود
والتعزير وذلك إنما يكون بعد إثبات أسبابها
وتحققها .
والقول الثالث: أنه لا يضرب. (١)
وهذا قول أصبغ وكثير من الطوائف الثلاثة
بل قول أكثرهم لكن حبس المتهم عندهم أبلغ
من حبس المجهول.
ثم قالت طائفة منهم عمر بن عبدالعزيز
ومطرف وابن الماجشون أنه يحبس حتی یموت
ونص عليه الإِمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته
عن بدعته أنه يحبس حتی یموت، وقال مالك :
لا يحبس إلى الموت.
والذين جعلوا عقوبته للوالي دون القاضي
قالوا : ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد
في الأرض وقمع أهل الشر والعدوان وذلك
لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإِجرام
بخلاف ولاية الحكم فان مقصودها إيصال
الحقوق إلى أربابها قال شيخنا: وهذا القول هو
في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة لكن كل
(١) في الأصل (يضرب) بدون (لا) وهو خطأ مطبعي.
- ١٤٥ -
تقرير ١٥، تقسيم ١
وليّ أمر يفعل ما فوض إليه فكما أن ولي
الصدقات يملك من القبض والصرف
ما لا يملكه والي الخراج وعكسه كذلك والي
الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما أقتضته
ولايته الشرعية مع رعاية العدل والتقيد
بالشريعة . (١)
٢٢
(١) الطرق الحكمية لابن القيم ص ١٠٣ إلى ١٠٥
تقسیم
التعريف :
١ - التقسيم في اللغة: التجزئة والتفريق، وهو
مصدر قسم، يقال: قسم الشيء: إذا جزأه
أجزاء، وقسم القوم: فرقهم(١)
ويستعمل الأصوليون لفظ التقسيم بمعنى
حصر الأوصاف التي يظن صلاحيتها علة في
الأصل.
وقد أطلق الأصوليون مجموع السبر والتقسيم
على حصر الأوصاف الموجودة في الأصل
- المقيس عليه - وإبطال ما لا يصلح منها
للعلیة، وتعيين الباقي للعلية، وقد يقتصر على
السبر، وقد يقتصر على التقسيم كما فعل
البيضاوي في منهاجه .
قال السعد في حاشية العضد: عند التحقيق
الحصر راجع إلى التقسيم، والسبر إلى
الإبطال.(٢)
(١) ترتيب القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، وتاج العروس
مادة: ((قسم)).
(٢) حاشية البناني على شرح جمع الجوامع ٢/ ٢٧٠ ط الحلبي،
وشرح العضد لمختصر المنتهى الأصولي لابن حاجب=
١
- ١٤٦ -
تقسيم ١ - ٣
وأطلق بعضهم التقسيم على كون اللفظ
مترددا بين أمرين، أحدهما: ممنوع، والآخر:
مسلم، واللفظ محتمل لهما غير ظاهر في
أحدهما . (١)
ويراد بالتقسيم عند الفقهاء تبيين الأقسام،
ويرادفه القسمة، وهي تعيين الحصة الشائعة
بمقياس ما، كالكيل والوزن والذراع(٢)
فالقسمة والتقسيم لفظان مترادفان في المعنى
عند الفقهاء.
واختلف في القسمة، هل هي مجرد إفراز أو
مبادلة .
والإِفراز في اللغة: التنحية، وهو عزل شيء
عن شيء وتمییزه.
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن ذلك. (٣)
والصلة بين التقسيم والإِفراز، أن التقسيم
قد یکون بالإفراز، وقد يقصد به بیان الحصص
= المالكي مع حواشيه ٢٣٦/٢ ط الكليات الأزهرية،
وإرشاد الفحول/ ٢١٣، وفواتح الرحموت ٢٩٩/٢ ط
الأميرية، والإِبهاج في شرح المنهاج ٣/ ٧٧ ط دار الكتب
العلمية .
(١) إرشاد الفحول ص٢٣١، والإحكام في أصول الأحكام
للآمدي ٧٧/٤ ط المكتب الإسلامي، والبناني على شرح
جمع الجوامع ٣٣/٢ ط الحلبي.
(٢) طلبة الطلبة ص١٢١ ط المطبعة العامرة.
والأقسام جمع ومفرده القسم (بالكسر) يطلق على
الحصة والنصيب، المصباح المنير مادة: ((قسم)).
(٣) المصباح المنير مادة: ((فرز)) ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام
٦/٣، ١٠١، م١٠٤٦، ١١١٤) والموسوعة الفقهية
٢٨٦/٥
والأقسام دون إفراز كما في المهايأة.
الألفاظ ذات الصلة :
تنقيح المناط :
٢ - التنقيح في اللغة: التهذيب والتمييز، والمناط
هو العلة.
والمراد بتنقيح المناط عند الأصوليين، إلحاق
الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، بأن يقال:
لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وكذا، وذلك
لا مدخل له في الحكم البتة، فيلزم اشتراكهما في
الحکم لاشتراکھما في الموجب له.
ومثاله قياس الأمة على العبد في سراية العتق
فإنه لا فرق بينهما إلا الذكورة، وهذا الفرق
ملغى بالإِجماع إذ لا مدخل له في العلية .
والفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم،
أن الحصر في دلالة السبر والتقسيم لتعيين
العلة، إما استقلالا أو اعتبارا، وفي تنقيح المناط
لتعيين الفارق وإبطاله لا لتعيين العلة. (١)
الحكم الإجمالي :
أولا : عند الأصوليين :
٣ - يعتبر جمهور الأصوليين السبر والتقسيم
مسلكا من مسالك العلة، ومن العلل التي
تعرف بواسطة السبر والتقسيم قول مجتهد مثلا -
في قياس الذرة على البر في الربوية: بحثت عن
أوصاف البر فما وجدت ثَمَّ ما يصلح علة للربوية
في بادىء الرأي، إلا الطعم أو القوت أو الكيل،
(١) إرشاد الفحول ص٢٢١، ٢٢٢، والا بهاج في شرح المنهاج
٨١،٨٠/٣
- ١٤٧ -
تقسيم ٤
ولکن کلا من الطعم والقوت لا يصلح لذلك
عند التأمل، فتعين الكيل، وعلى هذا يجري
الربا في كل المقدرات من مكيلات أو موزونات.
وقد أنكر بعض أهل الأصول جعل السبر
والتقسيم مسلكا للعلية .
قال ابن الأنباري في شرح البرهان: السبر
يرجع إلى اختبار أوصاف المحل وضبطها،
والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله منها،
فإذاً لا يكون من الأدلة، وإنما تسامح
الأصوليون في ذلك.(١)
وللتوسع في أدلة الفريقين، حول حجية
السبر، والتقسيم، وشروط الاحتجاج به،
وأقسامه، وطرق الحذف. انظر (الملحق
الأصولي).
ثانيا: عند الفقهاء :
تقسيم ما يستولي عليه المسلمون :
٤ - إذا ظهر الإِمام على بلاد الحرب فالمستولى
عليه لا يخلو من أحد أنواع ثلاثة: المتاع
والأراضي والرقاب.
أما المتاع فيجب على الإِمام تخميسه،
وتقسيم الأربعة الأخماس على الغانمين،
ولا خيار له فيه لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما
(١) إرشاد الفحول ص٢١٣، ٢١٤ ط الحلبي، وشرح العضد
لمختصر المنتهى الأصولي مع حواشيه ٢/ ٢٣٦ ومابعدها،
والأحكام في أصول الإِحكام للآمدي ٣/ ٢٦٤، والمنخول
ص٣٥٠، وفواتح الرحموت ٢٩٩/٢ ط الأميرية.
غنِمْتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ الله خُمسَه وَللرسُول﴾(١)
لأن الله تعالى لما جعل لنفسه الخمس فهم منه
أن الأربعة الأخماس للغانمين لأنه أضافه
إليهم. (٢)
وإن رأى الإِمام أن يبيع الجميع ثم يقسم
الأثمان فذلك له. (٣)
وهناك تفاصيل في كيفية تقسيم الخمس تنظر
في ((غنيمة)).
أما الأراضي فيرى جمهور الفقهاء جواز
تقسيمها بين الغانمين، (٤) لعموم قوله تعالى في
الأرضين وغيرها ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء
فأن لله خمسه وللرسول﴾ وقد ثبت أن النبي قل
قسم أرض بني قريظة(٥) وبني النضير وخيبر بين
الغانمين. (٦)
(١) سورة الأنفال/ ٤١
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٧٥ ط المطبعة البهية
المصرية، والزيلعي ٢٥٤/٣، وبدائع الصنائع
١١٨/٧ ط الجمالية، والمنتقى ١٧٨/٣، وبداية المجتهد
٣٩٠/١ ط دار المعرفة، وكشاف القناع ٨٨/٣، والإقناع
في حل ألفاظ أبي شجاع ٢٥٧/٢
(٣) المنتقى ١٧٨/٣
(٤) زاد المعاد ٣/ ١١٧ ط مؤسسة الرسالة، وصحيح مسلم
بشرح النووي ١٢/ ٩١ ط المطبعة المصرية، والبناية
٦٨٦/٥، وبدائع الصنائع ١١٨/٧، والقوانين الفقهية
ص١٠٠، والإقناع ٢/ ٢٥٧، وكشاف القناع ٩٤/٣
(٥) حديث: ((تقسيم أرض بني قريظة)) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٢٩/٦ - ط السلفية) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما.
(٦) حديث: ((تقسيم أرض بني النضير)) ذكره ابن كثير=
- ١٤٨ -
١
تقسیم ٥ - ٦
وذهب المالكية على المشهور - وهو رواية عن
الإِمام أحمد - إلى أن أرض الزراعة المفتوح
بلدها عنوة، ودور الكفارلا تقسم، بل تصير
وقفا بمجرد فتح بلدها، ويصرف خراجها في
مصالح المسلمين. (١)
٥ - ثم اختلف جمهور الفقهاء في اعتبار التقسيم
أمرا ملزما للإِمام أم أن له خيارات أخرى:
فذهب الحنفية - وهو قول للمالكية - إلى أن
الإِمام إذا فتح بلدة عنوة فهو بالخيار - إن شاء
قسمها بين المسلمين، كما فعل رسول اللّه لَ﴾.
بخيبر، وإن شاء أقر أهلها عليها ووضع عليهم
الجزية وعلى أراضيهم الخراج، كما فعل عمر
رضي الله عنه بسواد العراق. (٢)
وقال الشافعية - وهو رواية أخرى عن الإِمام
أحمد - بوجوب تقسيم الأراضي كالمتاع،
لإطلاق الآية الكريمة، وعملا بفعل النبي ◌َّر
بأرض خيبر. (٣)
ويرى الحنابلة على المذهب تخيير الإِمام بين
تقسيم الأرض التي فتحت عنوة، وبين وقفها
= في السيرة النبوية نقلا عن ابن إسحاق في مغازيه .
(السيرة ١٤٨/٣ - نشر دار إحياء التراث).
(١) القوانين الفقهية ص ١٠٠ ط دار القلم، والفواكه الدواني
١/ ٤٧٠، والإنصاف ٤/ ١٩٠
(٢) البناية ٥/ ٦٨٦، والقوانين الفقهية ص١٠٠
(٣) الإقناع ٢/ ٢٧٥، والإنصاف ٤/ ١٩٠
وحديث: ((تقسيم أرض خيبر)) أخرجه البخاري (الفتح
٧/ ٤٩٠ - ط السلفية) من حديث عمر رضي الله عنه.
بلفظ يحصل به الوقف. (١)
وأما الرقاب: فيخير الإِمام فيها بين عدة
خصال، وتفصيله في مصطلح: (أسرى).
تقسيم التركة :
٦ - لا خلاف بين الفقهاء في جواز تقسيم التركة
إذا لم تكن مدينة وأخرجت منها سائر الحقوق
المقدمة على التقسيم بين الورثة .
أما إذا كانت التركة مدينة بدين مستغرق لها
فيرى الحنفية والمالكية - وهو رواية عند الحنابلة -
عدم جواز تقسيمها، لأن الورثة لا يملكونها، إذ
الدين المستغرق يمنع من دخول التركة في ملك
الوارث. فلذلك إذا ظهر دين على الميت بعد
تقسيم التركة بين الورثة بحسب حصصهم
الإِرثية تفسخ القسمة. (٢)
وذهب الشافعية والحنابلة على المذهب إلى
أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع ثبوت الملك فيها
للورثة، وإن تصرفوا في التركة بالتقسيم
فتصرفهم صحيح، فإن قضوا الدين وإلا
نقضت تصرفاتهم كما لو تصرف السيد في العبد
الجاني ولم يقض دين الجناية. (٣) وتنظر التفاصيل
في (إرث، وتركة، وقسمة).
(١) الإنصاف ٤/ ١٩٠
(٢) تبيين الحقائق ٥٢/٥، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام
١٧٣/٣، وجواهر الإكليل ٣٢٧/٢، ٣٢٨، والقرطبي
٦١/٥، والمغني ٩/ ٢٢٠، ٢٢١ ط الرياض.
(٣) المغني ٩/ ٢٢٠، ٢٢١، والتحفة الخيرية على الفوائد
الشنشورية ص٤٧ ط الحلبي.
- ١٤٩ -
تقصير ١ - ٥
تقصیر
التعريف :
١ - التقصير في اللغة: مصدر قصر. يقال:
قصر ثوبه: إذا جعله قصیرا، وقصر شعره: إذا
أخذ منه، وقصر في الأمر: توانى فيه وفرط. (١)
وفي الاصطلاح لا يخرج عن هذه المعاني.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التعدي :
٢ - التعدي في اللغة: مجاوزة الشيء إلى
غيره. (٢)
وفي الشرع: إضرار بالغير بغير حق.
والفرق بين التقصير والتعدي أن التقصير من
باب الترك والإهمال، أما التعدي ففيه عمل
وعدوان .
ب - القص :
٣ - القص: الأخذ من الشعر بالمقراض خاصة،
والفرق بينه وبين تقصير الشعر، أن التقصير
إزالة الشعر بأي آلة. (٣)
(١) لسان العرب مادة: ((قصر)).
(٢) مختار الصحاح مادة: (عدا).
(٣) قليوبي ١١٨/٢، والقاموس المحيط مادة: ((قص)).
حکمه التكليفي :
٤ - يختلف حكم التقصير باختلاف متعلقه،
وبيانه فيما يأتي :
تقصير الشعر في الحج والعمرة:
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تقصير الشعر أو
حلقه في الحج والعمرة نسك يثاب عليه(١) لقوله
تعالى: ﴿لتدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحرامَ إن شَاء الله
آمنينَ محلّقِين رُءُوسَكم ومقَصِّرِينَ﴾(٢)، وخبر :
((اللهم ارحم المحلقين، والمقصرين)). (٣)
وفي قول الشافعية والحنابلة: أنه استباحة
محظور، فلا يجب بتركه شيء ويحصل التحلل
بدونه . (٤)
والتقصير أفضل لمن اعتمر قبل الحج في وقت
لو حلق فيه جاء يوم النحر، ولم ینبت له شعر،
ليكون الحلق للحج. وهو غير مشروع للمرأة،
لما في الحلق من المثلة في حقها . (٥)
أما هل هوركن في الحج والعمرة، فلا يجبر
(١) ابن عابدين ٢/ ١٨١ - ١٨٢، وحاشية الدسوقي ٤٦/٢،
وقليوبي ١١٨/٢، والمغني ٣٩٠/٣ - ٤٣٥
(٢) سورة الفتح / ٢٧
(٣) حديث: ((اللهم ارحم المحلقين والمقصرين)) أخرجه
البخاري ومسلم بلفظ ((اللهم ارحم المحلقين قالوا:
والمقصرين يارسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين،
قالوا: والمقصرين يارسول الله قال: والمقصرين.)) (الفتح
٥٦١/٣ط السلفية، ومسلم ٩٤٥/٢ ط عيسى الحلبي).
(٤) قليوبي ١١٨/٢، والمغني ٣/ ٤٣٥
(٥) المصادر السابقة .
- ١٥٠ -
تقصير ٦ - ٩
بالدم، أو واجب فيجبر بالدم، وقدر التقصير
من الشعر، وآراء الفقهاء في ذلك، فيرجع في
تفصيله إلى مصطلح: (تحلل، وحلق).
التقصير في حفظ ما اؤتمن عليه :
٦ - التقصیر یوجب الضمان فیما لا ضمان فيه من
المعاملات، کالوديعة، والوكالة، والرهن،
والمساقاة، والمضاربة، والإجارة، لأن المقصر
متسبب في تلفها بترك ماوجب عليه في حفظها
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. (١)
والتقصير الموجب للضمان هو مایعده الناس
تقصيرا عرفا في حفظ مثل نوع الأمانة .
ويختلف التقصير باختلاف طبيعة الأمر
المقصر فيه، ويذكر الفقهاء أمثلة للتقصير في
أبوابها المختلفة فليرجع إليها .
تقصير الحاكم في حكمه :
٧ - إذا قصر الحاكم في النظر في مستند حكمه،
كأن يحكم بجلد إنسان أو قطعه أو قتله بشهادة
شهود، فجلد أو قتل أو قطع، فبان الشهود غیر
أهل للشهادة: كأن بانا كافرين، أو فاسقين، أو
صبيين، ضمن الحاكم إذا ثبت أنه لم يبحث
(١) كشاف القناع ١٧٩/٤، والوجيز ٢٨٤/١، والفروق
٤/ ٢٧، وحاشية ابن عابدين ٤٩٤/٤، وحاشية الدسوقي
٤١٩/٣، ونيل المآرب ٤٠٨/١، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص٣٤١، والمقنع ٢/ ١٥٧
حالة الشهود، أو قصر في البحث، لأنه متسبب
في التلف، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية
والحنابلة . (١)
وذهب الحنفية إلى أن الحاكم لا يضمن
ماتلف بحكمه. (٢)
أما ھل یضمن من ماله الخاص، أو تتحمل
عنه العاقلة أو بيت المال، فيرجع في تفصيله إلى
مصطلح: (ضمان).
تقصير الطبيب :
٨ - يضمن الطبيب إذا عالج المريض فقصر في
معالجته، أو أخطأ فيها خطأ فاحشا، وهذا محل
اتفاق بين الفقهاء. (٣)
تقصير الإِزار :
٩ - تقصير الإِزار إلى الكعبين واجب إذا خيف
تنجسه، ويحرم إسباله للخيلاء، فقد جاء في
الأثر ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم
القيامة)) . (٤)
(١) الوجيز ١٨٤/٢، وقليوبي ٢١٠/٤، والمغني ٩/ ٢٥٧،
وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٥٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٤٢/٤ - ٣٩٦
(٣) الوجيز ١٨٤/٢، وقليوبي ٤/ ٢١٠، وحاشية الدسوقي
٤/ ٣٥٥، ونيل المآرب ٤٣٤/١، وابن عابدين ٤٣/٥
(٤) حديث: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٥٤/١٠ - ط السلفية) ومسلم
(١٦٥٢/٣ - ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.
- ١٥١ -
تقصير ١٠ - ١٢
وفیما عدا ذلك فإن تقصیره مستحب إلى
نصف الساق، ولا يستحب أكثر من ذلك.
وتفصيله في مصطلح: (إسبال).
تقصير الصلاة :
١٠ - ينبغي تقصير صلاة الجماعة للإِمام الذي
يخشى فتنة من وراءه، أو ضررهم بالتطويل،
لحديث: ((يا معاذ: أفتان أنت؟)) (١) ولحديث:
((من أم بالناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف
والكبير وذا الحاجة))(٢) وهذا مالم يكن مَنْ وراءه
محصورين يرضون بالتطويل. وتفصيل ذلك في
مصطلح إمامة (٢١٣/٦).
تقصير خطبة الجمعة :
١١ - يستحب تقصير خطبة الجمعة، وهذا محل
اتفاق بين الفقهاء، لما روي من أن النبي وَلجر
قال: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة
في فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة)). (٣)
(١) حديث: «يا معاذ أفتان أنت» أخرجه البخاري من حديث
جابر بن عبدالله الأنصاري (فتح الباري ٢٠٠/٢ط
السلفية).
(٢) حديث: ((من أم بالناس فليتجوز ... )) أخرجه البخاري
من حديث أبي مسعود (فتح الباري ٢/ ٢٠٠ - ط
السلفية).
(٣) بدائع الصنائع ٢٦٣/١، ونهاية المحتاج ٣٢٦/٢، والمغني
٣٠٨/٢، وحديث: ((إن طول صلاة الرجل وقصر
خطبته ... )) أخرجه مسلم (٥٩٤/٢ - ط عيسى
الحلبي).
التقصير في طلب الشفعة أو أرش العيب:
١٢ - يسقط حق الشفعة والرد بالعيب بالتقصير
في المطالبة بهما، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. (١)
أما هل طلب الشفعة فوري، أو على
التراخي، وآراء الفقهاء في ذلك، فيرجع إلى
مصطلحي: (الرد بالعيب، والشفعة).
(١) الوجيز ١٤٣/١، ٢٢٠/١، والمغني ٣٢٤/٥،
الطحطاوي ١٢١/٤،٥٧/٣، وكشاف القناع ٢٢٤/٣،
وشرح الزرقاني ٦/ ١٨١
- ١٥٢ -
٠
تقلّد ١ - ٢
تقلّد
التعريف :
١ - التقلّد: جعل الإِنسان القلادة في عنقه.
وتقلد الأمر: احتماله، وكذلك تقلّد السيف:
إذا جعل حمائله في عنقه. قال الشاعر:
متقلّدا سيفا ورمحا
یا لیت زوجك قد غدا
أي: وحاملا رمحا. يعني أن التقلّد في الأصل
للسيف لا للرمح، وإنما عطف على مثال
قولهم: علفتها تبنا وماء باردا(١)
الحكم الإجمالي :
٢ - التقلد بمعنى وضع القلادة في العنق:
التزيّن بالقلائد نوع من الزينة المباحة، وهي في
الغالب المعتاد من زينة النساء والصغار. وتباح
للنساء القلائد كلها، سواء أكانت من مواد
معتادة، أومواد ثمينة، كاللؤلؤ، والياقوت،
والحجارة الكريمة، والذهب، والفضة، وغير
ذلك، فكله مباح لهن مالم يخرج إلى حدّ السرف
والخيلاء. ولا يجوز تقلید الصغار إن كانوا ذكورا
قلائد الذهب أو الفضة، لما في الحديث:
(١) لسان العرب مادة: ((قلد)).
((الذهب والحرير حل لإِناث أمتي وحرام على
ذكورها))(١) على أن في ذلك بعض الخلاف،
وينظر في مصطلح: (ذهب). (٢)
وقد ورد في الحديث عن أسماء بنت يزيد
أن النبيِ وَ ﴿ قال: ((أيما امرأة تقلّدت قلادة من
ذهب قلّدت في عنقها مثله من النار يوم
القيامة))(٣) وفي حديث معاوية: ((نهى النبي ◌َ ﴾
عن لبس الذهب إلا مقطعا))(٤) لكن قال
الخطابي : ذلك في الزمان الأول ثم نسخ، أو
الوعيد على الكثير منه الذي لا تؤدى زكاته. (٥)
(١) حديث: ((الذهب والحرير حل لإِناث أمتي حرام على
ذكورها)) عزاه الزيلعي إلى ابن أبي شيبة في مسنده.
(نصب الراية ٢٢٥/٤ط المجلس العلمي) وصححه
ابن حجر لكثرة طرقه (التلخيص الحبير ٥٤/١ط المكتبة
الأثرية).
(٢) الخلاف في هذا الشافعية. وانظر شرح المنهاج وحاشية
القليوبي وعميرة ٣٠٢/١ القاهرة دار إحياء الكتب
العربية .
(٣) حديث: ((أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها
مثله من النار يوم القيامة)). أخرجه أحمد ٦/ ٤٥٧ ط المكتب
الإِسلامي. وأبوداود (٤٣٧/٤ ط عزت عبيد الدعاس).
قال ابن القطان وعلة هذا الخبر أن محمود بن عمرو - راويه
عن أسماء ۔ مجهول الحال، وإن كان قد روى عنه جماعة
(مختصر سنن أبي داود ٦/ ١٢٥ ط دار المعرفة) إذاً فالإسناد
ضعيف.
(٤) حديث: ((نهى النبي {﴿ عن لبس الذهب إلا مقطعا)»
أخرجه أبوداود (٤٣٧/٤ط عزت عبيد الدعاس).
والنسائي (١/ ١٦١ ط دار الكتاب العربي) قال الأرناؤوط:
إسناده صحيح (جامع الأصول ٤/ ٧٣٠ط الملاح).
(٥) عون المعبود، شرح سنن أبي داود، آخر كتاب الخاتم منه.
- ١٥٣ -
تقلّد ٣ - تقليد ١
تقلّد السيف في الإِحرام :
٣ - إذا احتاج المحرم إلى تقلّد السلاح في
الإِحرام فله ذلك، وبهذا قال المالكية والشافعية
والحنابلة وابن المنذر، ورويت كراهة ذلك عن
الحسن البصري. واستدل للأولين بأن
النبي ◌َّ لما صالح أهل مكة صلح الحديبية،
كان في الصلح ألا يدخل المسلمون مكة إلا
بجلبّان السلاح. (١) (القراب بما فيه) وهذا ظاهر
في إباحته عند الحاجة، لأنهم كانوا لا يأمنون
أهل مكة أن ينقضوا العهد ويخفروا الذمة،
فاشترطوا حمل السلاح في قرابه.
فأما من غير خوف، فقد قال الإِمام أحمد:
لا، إلا من ضرورة. (٢)
وإنما منع منه لأن ابن عمر قال: لا يحمل
السلاح في الحرم. أي لا من أجل الإِحرام،
فيكره حمله للمحرم وغيره في حرم مكة. قال
ابن قدامة: ولذلك لو حمل قربة في عنقه لا يحرم
علیه ذلك ولا فدیة فیه. وقد سئل أحمد عن
المحرم يلقي جرابه في رقبته كهيئة القربة،
فقال: أرجو أن لا یکون به بأس. (٣)
(١) حديث: ((بأن النبي ز - لما صالح أهل مكة صلح الحديبية
كان في الصلح .. )) أخرجه البخاري (الفتح ٥/ ٣٠٤ط
السلفية).
(٢) لعله يقصد الحاجة .
(٣) المغني لابن قدامة ٣/ ٣٠٦ط المنار وكشاف القناع للشيخ
منصور البهوتي ٤٢٨/٢
تقلید
التعريف :
١ - التقليد لغة: مصدر قلد، أي جعل الشيء
في عنق غيره مع الإحاطة به.(١)
وتقول: قلدت الجارية: إذا جعلت في عنقها
القلادة، فتقلدتها هي، وقلدت الرجل السيف
فتقلده: إذا جعل حمائله في عنقه. وأصل
القلد، كما في لسان العرب، ليّ الشيء على
الشيء، نحوليّ الحديدة الدقيقة على مثلها،
ومنه : سوار مقلود.
وفي التهذيب: تقليد البدنة أن يجعل في
عنقها عروة مزادة، أو حلق نعل، فيعلم أنها
هدي. وقلد فلانا الأمر إياه. ومنه تقليد الولاة
الأعمال . (٢)
ويستعمل التقليد في العصور المتأخرة بمعنى
المحاكاة في الفعل، وبمعنى التزييف، أي
صناعة شيء طبقا للأصل المقلد. وكلا المعنيين
مأخوذ من التقليد للمجتهدين، لأن المقلد يفعل
(١) روضة الناظر لابن قدامة ٤٤٩/٢ ط ثانية، الرياض
مكتبة المعارف ١٤٠٤ هـ
(٢) لسان العرب ومختار الصحاح مادة: ((قلد)).
- ١٥٤ -
تقليد ٢ - ٣
مثل فعل المقلد دون أن يدري وجهه. والأمر
التقليدي مايفعل اتباعا لما كان قبل، لا بناء
على فكر الفاعل نفسه، وخلافه الأمر
المبتدع. (١)
ويرد التقليد في الاصطلاح الشرعي بأربعة
معان :
أولها: تقليد الوالي أو القاضي ونحوهما، أي
توليتهما العمل، وينظر في مصطلح: (تولية).
ثانيها: تقليد الهدي بجعل شيء في رقبته
لیعلم أنه هدي.
ثالثها: تقليد التمائم ونحوها .
رابعها: التقليد في الدين وهو الأخذ فيه
بقول الغير مع عدم معرفة دليله. أو هو العمل
بقول الغير من غير حجة. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
الإِشعار :
٢ - الإِشعار حُّسنام البدنة حتی یسیل منها
الدم ليعلم أنها هدي للكعبة فلا يتعرض لها
أحد. (٣)
(١) لسان العرب المحيط - قسم المصطلحات، والمعجم
الوسيط مادة: ((قلد)».
(٢) روضة الناظر بتعليق الشيخ عبدالقادر بن بدران ١٤٠٤ هـ
٢/ ٤٥٠ القاهرة. المطبعة السلفية، وإرشاد الفحول
للشوكاني ص٢٦٥. القاهرة. مطبعة مصطفى الحلبي
١٣٥٦ هـ
(٣) المصباح المنير مادة: ((شعر)).
أحكام التقليد :
أولا - تقليد الهدي :
٣ - الهدي مايهدى إلى الكعبة من بهيمة الأنعام
في الحج ليذبح بمكة تقربا إلى الله تعالى .
وتقليد البهيمة أن يجعل في عنقها مايدل على
أنها هدية إلى البيت، فيترك التعرض لها من كل
أحد تعظيما للبيت وما أهدى إليه.
وأصل ذلك في القرآن العظيم، قال الله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شَعائرَ الله
ولا الشهْرَ الحرامَ ولا الهديَ ولا القَلائدَ﴾(١)
قال القرطبي : فالشعائر: جمع شعيرة وهي
البدنة تهدى إلى البيت، وإشعارها أن يحز
سنامها ليسيل منها الدم فيعلم أنها هدي.
والقلائد قيل في تفسيرها: ما كان الناس
يتقلدونه أمنة لهم. قال ابن عباس: ثم نسخ
ذلك. وقيل المراد بالقلائد: مايعلق على أسنمة
الهدايا وأعناقها علامة على أنه لله تعالى، من
نعل أو غيره. (٢)
وقال الله تعالى: ﴿جَعلَ الله الكعبةَ البيتَ
الحرامَ قِياماً للنّاسِ والشَّهْرَ الحرامَ والهديَ
والقلائدَ ذلك لتَعلمُوا أنّ الله يعْلمُ ما في
السّموات ومافي الأرض وأنّ الله بكلّ شيء
عَليم﴾(٣) أي جعل المذكورات صلاحا ومعاشا
(١) سورة المائدة/ ٢
(٢) تفسير القرطبي ٦/ ٤٠ ط دار الكتب المصرية .
(٣) سورة المائدة/ ٩٧
- ١٥٥ -
تقلید ٤ - ٥
يأمن الناس فيها وبها. قال القرطبي : عظم الله
سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في
نفوسهم هیبته، وعظم بینهم حرمته، فكان من
لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا
بالكون فيه. وكذلك الأشهر الحرم. ثم قال:
وشرع على ألسنة الرسل الكرام الهدي
والقلائد، فكانوا إذا أخذوا بعیرا أشعروه دما أو
علقوا علیه نعلا، أو فعل الرجل ذلك بنفسه من
التقليد، لم يروعه أحد حيث لقيه، وكان
الفيصل بينه وبين من طلبه وظلمه، حتى
جاء اللّه بالإِسلام. (١)
ویذکر من حكمة تقليد الهدي أيضا أن يعلم
المساكين بالهدي، فيجتمعوا له، وإذا عطبت
الهدية التي سيقت إلى البيت تنحر، ثم ((تلقى
قلادتها في دمها» كما ورد في الحديث، ليكون
ذلك دالا على كونها هديا يباح أكله لمن شاء. (٢)
حکم تقلید الهدی :
٤ - تقليد الهدى كان متبعا في الجاهلية. قال
القرطبي : وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية
وأقرها الإِسلام. وقال النبي رَله: ((إني لبدت
رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر))(٣)
(١) تفسير القرطبي ٦/ ٤٠
(٢) الشرح الكبير للدسوقي ٨٩/٢، ٩٠ القاهرة، مطبعة
عيسى الحلبي.
(٣) حديث: ((إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا ... ))=
فتقليد الهدى سنة في الجملة. وهذا متفق عليه.
وقد قال الشافعي : من ترك الإِشعار والتقليد فلا
شيء عليه .
قال المالكية: والأولى تقديم التقليد على
الإِشعار لأنه السنة، والحكمة فيه أنه يفعل
كذلك خوفا من نفارها لو أشعرت أولا . وعند
الشافعية في ذلك وجهان، ومنصوص الشافعي
في الأم تقدیم الإِشعار.(١)
مایقلد من الهدی وما لا يقلد :
٥ - لا خلاف في أن من السنة تقليد الهدي إن
كان من الإِبل أو البقر. أما الغنم فقد اختلف في
تقليدها، فذهب الحنفية والمالكية إلى أنها
لا تقلد، وليس تقليدها سنة، قال الحنفية: لأنه
غير معتاد، ولأنه لا فائدة في تقليدها، إذ فائدة
التقليد عدم ضياع الهدي، والغنم لا تترك بل
یکون معها صاحبها .
قال القرطبي. وكأنهم لم يبلغهم حديث عائشة .
= أخرجه البخاري (الفتح ٤٢٢/٣ ط السلفية)، ومسلم
٩٠٢/٢ ط الحلبي). من حديث حفصة رضي الله عنها.
(١) تفسير القرطبي ٦/ ٤٠، والأم للشافعي ٢١٦/٢.
القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ٨٨/٢، والجمل على شرح المنهج ٢/ ٤٦٥ .
القاهرة، والمطبعة الميمنية، ١٣٠٥ هـ، والحطاب: مواهب
الجليل شرح مختصر خليل ١٨٩/٣ القاهرة. مطبعة
السعادة ١٣٢٩هـ.
- ١٥٦ -
تقليد ٦
رضي الله عنها في تقليد الغنم، ونصه، قالت:
((أهدى النبي ◌َّل مرة إلى البيت غنما
فقلدها)»(١) أو بلغهم ولكنهم ردوه لانفراد الأسود
به عن عائشة . .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يسن
تقليدها أيضا، للحديث السابق، ولأنها هدي
فتقلد، كالإِبل. (٢)
وينص الحنفية على أنه ليست كل أنواع
الهدي تقلد، بل يقلد هدي التطوع وهدى
التمتع والقران، لأنه دم نسك، وفي التقليد
إظهاره وتشهيره فيليق به . (٣)
ولم نجد هذا التفصيل لغير الحنفية.
ولا يقلد دم الجناية، لأن سترها أليق،
ويلحق بها دم الإِحصار، لأنها دم يجبر به
النقص.
مايقلد به، وكيفية التقليد :
٦ - يكون التقليد بأن يجعل في أعناق الهدايا
(١) حديث: ((أهدى النبي﴾ مرة إلى البيت غنما
فقلدها ... )) أخرجه مسلم (٩٥٨/٢ ط الحلبي) من
حديث عائشة .
(٢) تفسير القرطبي ٦/ ٤٠، والشرح الكبير للدردير بهامش
حاشية الدسوقي ٢ / ٨٩، والمواق، بهامش الحطاب
١٩٠/٣، وفتح القدير لابن الهمام شرح الهداية للمرغيناني
٤٠٧/٢ و٨٤/٣. القاهرة، المطبعة اليمنية، ١٣١٩هـ،
والجمل على شرح المنهج ٢/ ٤٦٦، والمغني ٣/ ٥٤٩
(٣) فتح القدير ٣/ ٨٤
النعال، أو آذان القرب وعراها، أو علاقة إداوة،
أو حاء شجرة، أو نحو ذلك. وفي حديث عائشة
أنها ((كانت تفتل قلائد هدى النبي ◌َّ من
عهن))(١) والعهن: الصوف المصبوغ. فقد روى
أبو هريرة أن النبي # رأى رجلا يسوق بدنة،
قال: ((اركبها. قال: إنها بدنة. قال: اركبها))
قال: فلقد رأيته يساير النبي مّله والنعل في
عنقها. (٢) وفيه أنه ((قلد بدنه بيده))(٣) وفي التاج
والإِكليل من كتب المالكية (يقلد بما شاء. ومنع
ابن القاسم تقليد الأوتار) أي للحديث الوارد في
النهي عنه، ونصه ((قلدوا الخيل ولا تقلدوها
الأوتار)). (٤)
قال ابن عابدين: كيفية التقليد أن يفتل
خيطا من صوف أو شعر ويربط به نعلا أو عروة
مزادة، وهي السفرة من جلد، أو لحاء شجرة أي
(١) حديث عائشة: ((كانت تفتل قلائد هدى النبي(ێ ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٥٤٨/٣ ط السلفية)، ومسلم
(٩٥٨/٢ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((أن نبي الله ﴿ ﴿ رأى رجلا يسوق بدنة ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٥٤٨/٣ ط السلفية).
(٣) حديث: ((قلد بدنه بيده)) أخرجه البخاري (الفتح
٥٤٥/٣ ط السلفية) من حديث عائشة. أخرجه البخاري
(الفتح ٥٤٥/٣ ط السلفية) من حديث عائشة .
(٤) حديث: ((قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار)). أخرجه
أبو داود (٥٣/٣ تحقيق عزت دعاس) من حديث أبي وهب
الجشمي وفي إسناده راو مجهول وهو عقيل بن شبيب.
الميزان للذهبي (٨٨/٣ ط الحلبي).
٠٠
- ١٥٧ -
٠
تقلید ٧
قشرها، أو نحو ذلك مما يكون علامة على أنه
هدي .
وقال المالكية والشافعية: يكون تقليدها وهي
مستقبلة القبلة، ويقلد البدنة وهي باركة .
وفي كتب الشافعية: أنه ينبغي إذا قلد نعلين
أن يكون لهما قيمة ليتصدق بهما. (١)
تقلید الهدی هل یکون به الإنسان محرما؟ :
٧ - لا ينعقد الإِحرام إلا بنية الدخول في
النسك. ولا يشترط مع ذلك تلبية أو ذكر معين
أو خصوصية من خصوصيات الإِحرام كتقليد
الهدي. وهذا مذهب المالكية على المشهور
عندهم والشافعية والحنابلة. وينظر التفصيل في
مصطلح (إحرام).
أما الحنفية فلابد لیکون الرجل محرما
عندهم، مع نية الدخول في النسك من ذكر أو
خصوصية من خصوصيات الإِحرام. (٢)
والخصوصیات منها: أن يشعر بدنه، أويقلدها،
تطوعا، أونذرا، أو جزاء صيد، أوشيئا من
الأشياء، ويتوجه معها يريد الحج أو العمرة.
فمن فعل ذلك فقد أحرم ولو لم يكن منه تلبية .
(١) شرح فتح القدير ٢/ ٤٠٦، والحطاب وبهامشه التاج
والإكليل للمواق ١٨٩/٣، وابن عابدين ٢/ ١٦٠، والأم
للشافعي ٢١٦/٢، والجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٦٤،
والمغني لابن قدامة ٣/ ٥٤٩
(٢) فتح القدير ٣٣٧/٢
قالوا: لقول النبي صلفر ((من قلد بدنه فقد
أحرم)). (١)
ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار
الإِجابة، لأنه لا يفعله إلا مريد الحج أو العمرة،
وإظهار الإِجابة قد يكون بالفعل كما يكون
بالقول، فيصير به محرما لاتصال النية بفعل هو
من خصائص الإِحرام. ولو قلد هدیا دون أن
ینوي، أو دون أن يسوقه متوجها إلى البيت،
فلا یکون محرما. ولو قلده وأرسل به ولم يسقه لم
يصر محرما، حديث عائشة أنها قالت: ((كنت
أفتل القلائد هدي رسول الله پے فیبعث به ثم
یقیم فینا حلالا))، (٢) قالوا: ثم إن توجه بعد
ذلك لم يصر محرما حتى يلحق الهدي، لأنه عند
التوجه إذا لم یکن بین یدیه هدي یسوقه لم یوجد
منه إلا مجرد النية، فلا يصير بها محرما، إلا هدي
التمتع والقران فإنه يكون محرما بتقليده وبالتوجه
ولو قبل أن يدرك الهدي الذي بعثه أمامه.
هذا، وإن کان الهدي الذي قلده وساقه من
الغنم، فإنه لا يصير بذلك محرما عند الحنفية،
لأن الغنم لا يسن تقليدها عندهم كما تقدم. (٣)
(١) حديث: ((من قلد بدنه فقد أحرم .. )) أورده الزيلعي في
نصب الراية وقال: ((غریب مرفوعا، ووقفه ابن أبي شيبة
في مصنفه على ابن عباس وابن عمر». نصب الراية
(٩٧/٣ ط. المجلس العلمي بالهند).
(٢) حديث عائشة: كنت أقتل القلائد لهدي رسول الله الر
فيبعث به .... )) أخرجه مسلم (٩٥٨/٢ ط الحلبي).
(٣) الهداية وفتح القدير ٤٠٥/٢ - ٤٠٧، وحاشية ابن عابدين
٢ /١٦١،١٦٠
- ١٥٨ -
تقليد ٨ - ١٠
تعين الهدي ولزومه بالتقليد :
٨ - ينص المالكية على أن الرجل إذا قلد الهدي
بالنية تعين عليه إهداؤه وليس له أن يترك
ذلك. قال الدردیر: يجب إنفاذ ماقلد معيبا
لوجوبه بالتقليد وإن لم يجزه. أي وإن لم يجزئه
عن هدي واجب بتمتع أوقران أو نذر. غير أنهم
قالوا: إن ما قلد من الهدي يباع في الديون
السابقة مالم يذبح، ولا يباع في الديون
اللاحقة . (١) قالوا: ولو وجد الهدي المسروق أو
الضال بعد نحر بدله نحر الموجود أیضا إن قلد،
لتعينه بالتقليد. وإن وجد الضال قبل نحر البدل
نحرهما معا إن قلدالتعينهما بالتقليد. وإن لم
یکونا مقلدین أو کان المقلد أحدهما دون الآخر،
يتعين المقلد. وجاز بيع الآخر والتصرف فيه. (٢)
وينص الحنابلة أيضا على أن التقلید یجب به
ذلك الهدي، إذا نوى أنه هدي، ولو لم يقل
بلسانه إنه هدي، فیتعین بذلك ویصیر واجبا
معینا یتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه .
وحکمه حينئذ أن یکون في يد صاحبه کالوديعة
یلزمه حفظه وایصاله إلی محله، فإن تلف أو
سرق أوضل بغير تفربط لم يلزمه شيء. (٣)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٨٨/٢، ومواهب الجليل
للخطاب ١٨٦/٣، ١٨٧
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢/ ٩٢
(٣) المغني لابن قدامة ٣/ ٥٣٥، ٥٣٦
أما الشافعية فيصرحون بأن تقليد الرجل
نعمه وإشعارها لا یکون به النعم هدیا، ولو نواه
مالم ينطق بذلك، على المذهب الصحيح
المشهور عندهم، كما لو كتب الوقف على باب
داره. (١)
ثانیا: تقليد التمائم ومايتعوذ به :
٩ - المراد بتقليد التمائم والتعويذات جعلها في
عنق الصبي أو الصبية أو الدابة ونحوها. كانوا
يعتقدون أنها تجلب الخير أو تدفع الأذى
والعين. (٢) وينظر حكم ذلك في مصطلح:
(تعويذة).
ثالثا : تقليد المجتهد :
١٠ - التقليد قبول قول الغير من غير حجة،
كأخذ العامي من المجتهد، فالرجوع إلى قول
النبي لم ليس تقليدا، والرجوع إلى الإجماع
لیس تقلیدا کذلك، لأن ذلك رجوع إلى ماهو
الحجة في نفسه. (٣)
(١) الجمل على شرح المنهج ٢/ ٤٦٥
(٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢٣٢/١. القاهرة،
مطبعة بولاق ط٢ سنة ١٢٧٢ هـ، وانظر الفواكه الدواني،
٤٣٩/٢ وكشف القناع ٢/ ٧٧، وفتح الباري ٦/ ١٤٢
(٣) شرح مسلم الثبوت ٢/ ٤٠٠. القاهرة، مطبعة بولاق،
١٣٢٢هـ، والمستصفى مطبوع مع مسلم الثبوت
٣٨٧/٢. الطبعة المذكورة، وروضة الناظر ٢/ ٤٥٠.
- ١٥٩ -
تقليد ١١ - ١٣
حكم التقليد :
١١ - أهل التقليد ليسوا طبقة من طبقات
الفقهاء، فالمقلد ليس فقيها، فإن الفقه ممدوح
في كلام النبي رَّر، والتقليد مذموم، وهو في
الحقيقة نوع من التقصير. (١)
أ - حكم التقليد في العقائد:
١٢ - التقليد لا يجوز عند جمهور الأصوليين في
العقائد، کوجود الله تعالى ووحدانيته ووجوب
إفراده بالعبادة، ومعرفة صدق رسوله (چ ،
فلابد في ذلك عندهم من النظر الصحيح
والتفكر والتدبر المؤدي إلى العلم وإلى طمأنينة
القلب، ومعرفة أدلة ذلك. ومما يحتج به لذلك
أن الله تعالى ذم التقليد في العقيدة بمثل قوله
تعالى: ﴿بَلْ قالوا إنا وجَدْنا آباءنا على أمةٍ وإنّا
على آثارهم مُهْتدون﴾، (٢) ولما نزل قوله
تعالى: ﴿إِن في خلق السموات والأرض
واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي
الألباب﴾(٣) قال النبي ◌ّر: ((لقد نزلت علي
الليلة آية. ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها))(٤).
ولأن المقلد في ذلك يجوز الخطأ على مقلده،
(١) شرح مسلم الثبوت ١/ ١٠
(٢) سورة الزخرف/ ٢٢
(٣) سورة آل عمران/ ١٩٠
(٤) حديث: ((لقد نزلت على الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم
يتفكر فيها (إن في خلق السموات) الآية كلها. أخرجه
ابن حبان (موارد الظمآن ص ١٤٠ ط السلفية).
ويجوز عليه أن يكون كاذبا في إخباره، ولا يكفي
التعويل في ذلك على سكون النفس إلى صدق
المقلد، إذ ما الفرق بين ذلك وبین سكون أنفس
النصارى واليهود والمشركين الذين قلدوا
أسلافهم وسكنت قلوبهم إلى ما كان عليه
آباؤهم من قبل، فعاب الله عليهم ذلك.(١)
وذهب بعض الفقهاء إلى جواز الاكتفاء
بالتقليد في العقائد، ونسب ذلك إلى
الظاهرية . (٢)
ثم عند الجمهور یلحق بالعقائد في هذا الأمر
كل ماعلم من الدين بالضرورة، فلا تقلید فيه،
لأن العلم به يحصل بالتواتر والإِجماع، ومن ذلك
الأخذ بأركان الإسلام الخمسة .
ب - حكم التقليد في الفروع:
١٣ - اختلف في التقليد في الأحكام الشرعية
العملية غیر ماتقدم ذكره على رأيين:
الأول: جواز التقليد فيها وهو رأي جمهور
الأصوليين، (٣) قالوا: لأن المجتهد فيها إما
مصيب وإما مخطىء مثاب غير آثم، فجاز
التقليد فيها، بل وجب على العامي ذلك، لأنه
(١) كشاف القناع ٣٠٦/٦، ومطالب أولي النهي ٦/ ٤٤١،
دمشق، المكتب الإسلامي.
(٢) إرشاد الفحول ص٢٦٦
(٣) روضة الناظر ٤٥١/٢، ٤٥٢، وإعلام الموقعين ٤/ ١٨٧
- ٢٠١، وارشاد الفحول ص٢٦٦
- ١٦٠ -