Indexed OCR Text

Pages 41-60

تعيين ٣ - ٨
ب - التخيير :
٣ - التخيير: مصدر خيرته بين الشيئين أي
فوضت إليه الاختيار.
والتخير الاصطفاء، وهو طلب خير
الأمرین. (١)
وفي الحديث: ((تخيُّوا لِنُطَفِكم)). (٢)
جـ التخصيص :
٤ - التخصيص قصر العام على بعض أفراده.
الحكم التكليفي:
أولا : التعيين عند الأصوليين:
٥ - ترد كلمة التعيين عند الأصوليين والفقهاء في
مقابلة التخيير، وذلك في باب الأحكام
الشرعية. قالوا: الواجب ينقسم إلى معين
كصلاة الظهر مثلا، وإلى مبهم بين أقسام
محصورة كخصال كفارة اليمين، فإن الحالف
يخير عند حنثه بين ثلاثة أشياء، إطعام عشرة
مساكين، أوكسوتهم، أو تحرير رقبة. وأنكرت
المعتزلة الواجب المخير، وقالوا: لا معنى
للإِيجاب مع التخيير. (٣)
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((خير)).
(٢) حديث: ((تخيروا لنطفكم ... )) أخرجه ابن ماجه
(١/ ٦٣٣ ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها،
وحسنه ابن حجر لطرقه، (التلخيص الحبير ١٤٦/٣ ط
شركة الطباعة الفنية).
(٣) المستصفى ٢٧/١
وينظر تفصيل القول في ذلك في الملحق
الأصولي. وفي بحث (تخيير).
ثانيا : التعيين عند الفقهاء :
٦ - تعرض الفقهاء لحكم التعيين في مواضع
منها :
أ - في الصلاة:
٧ - ذهب الفقهاء إلى أنه يجب على المصلي أن
يعين في نيته الصلاة التي يصليها، لتمتاز عن
سائر الصلوات. وذلك إذا كانت الصلاة فرضا
اتفاقا، فيجب علیه نية الصلاة بعينها ظهرا أو
عصرا أو مغربا أو غيرها.
أما السنن ذوات الوقت أو السبب، ففي
وجوب تعيينها في النية خلاف وتفصيل ينظر في
مصطلح: (نية، صلاة). (١)
٨ - واتفق الفقهاء على أن المأموم يجب عليه أن
ینوي الاقتداء بالإِمام، ولیس علیه أن یعین
الإِمام. وذهب الحنفية إلى أنه إذا عينه وأخطأ
في تعيينه بطلت صلاته.
وليس على الإِمام أن يعين المأموم، فإذا عينه
وأخطأ في تعيينه فلا تبطل صلاته.(٢)
(١) البدائع ١٢٧/١، وجواهر الإكليل ٤٦/١، ٤٧،
والقوانين الفقهية ص٦٢، ومغني المحتاج ١٤٨/١،
والمغني لابن قدامة ٤٦٤/١، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص١٤
(٢) البدائع ١٢٨/١، ١٢٩، وحاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ١/ ٣٣٧، ومغني المحتاج ٢٥٢/١
- ٤١ -

تعیین ٩ - ١٠
ب - في الصوم :
٩ - ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تعيين النية
في كل صوم واجب، من رمضان أوقضاء أو
کفارة أو نذر. وذلك بأن ينوي أنه صائم غدا عن
رمضان مثلا، لأنه عبادة مضافة إلى وقت،
فوجب التعيين في نیتها .
وذهب الحنفية، وهورواية عن أحمد إلى أنه
يكفي مطلق النية في رمضان كالنفل، لأن
الحاجة إلى التعيين عند المزاحمة، ولا مزاحمة،
لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا، فلا
حاجة إلى التمييز بتعيين النية .
أما صيام القضاء والنذر والكفارة فقول
الحنفية في تعيين النية فيه كقول الجمهور في
وجوب التعیین. (١)
جـ ـ في البيع :
١٠ ۔ ذهب الفقهاء إلى أنه لوباع بنقد-وفي
البلد نقد واحد أو نقدان فأكثر، ولكن أحدها
غالب - تعين الواحد أو الغالب. وإن كان في
البلد نقدان فأكثر، ولم يغلب أحدها، اشترط
التعيين لفظا، لاختلاف الواجب باختلاف
النقود، ولا يكفي التعيين بالنية. أما إذا اتفقت
النقود بأن لا تتفاوت في القيمة ولا غلبة، فإن
(١) البدائع ٢/ ٨٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
١/ ٥٢٠، والقوانين الفقهية ص١٢٢ . ومغني المحتاج
٤٢٤/١ - ٤٢٥، والمغني لابن قدامة ٩٤/٣
العقد يصح بها من غير تعيين، ويسلم المشتري
أيها شاء.(١)
وذهبوا أيضا إلى وجوب تعيين الأجل بالنسبة
للمسلم فيه في بيع السلم إذا كان مؤجلا،
لقوله وله: ((من أسلف في شيء فلْيُسْلف في
كيل معلوم أووزن معلوم إلى أجل معلوم)). (٢)
قال ابن قدامة : لا نعلم في اشتراط العلم في
الجملة اختلافا . (٣)
وذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب تعیین
مكان الإِيفاء أيضا، إن كان العقد بموضع
لا يصلح للتسلیم، سواء أکان حالا أم مؤجلا
أويصلح للتسليم، ولکن لحمله مؤونة، وهذا
في المؤجل دون الحال.
أما إذا كان المکان صالحا للإِیفاء، ولیس في
حمله مؤونة، فلا يجب تعیین مکان للإِیفاء، بل
یتعین مکان العقد للتسلیم عرفا بلا خلاف.
وذهب أحمد وإسحاق ومحمد وأبو يوسف،
وهو قول مرجوح عند الشافعية إلى: عدم
.
(١) حاشية ابن عابدين ٢٦/٤، ومواهب الجليل ٢٧٨/٤،
ومغني المحتاج ٢/ ١٧، وكشف المخدرات ص٢١٥
(٢) حديث: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤٢٩/٤ ط السلفية) ومسلم
(١٢٢٢٧/٣ ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس
رضي الله عنهما واللفظ للبخاري.
(٣) البدائع ٢١٢/٥، وتحفة المحتاج ٥/ ١٠، وجواهر الإكليل
٦٩/٢، والمغني ٣٢٢/٤
١
- ٤٢ -

تعيين ١١ - ١٢
وجوب تعیین مکان التسلیم، سواء أكان في حمله
مؤونة أم لا ، وسواء أكان مؤ جلا أم حالا ، لأن
مکان العقد هو الذي یتعین.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لوعين
المتعاقدان مكانا للتسليم غير مكان العقد
تعین.(١)
د - تعیین المبيع والثمن :
١١ - يشترط لصحة البيع معلومية المبيع
ومعلومية الثمن بما يرفع المنازعة، فلا يصح - في
جانب المبيع - بيع شاة من هذا القطيع،
ولا يصح - في جانب الثمن - بيع الشيء
بقیمته، أوبحكم فلان، أوبرأس ماله، أو بما
یبیع به الناس إلا أن یکون شيئا لا يتفاوت،
لئلا يفضي ذلك إلى النزاع. إلا أن بعض علماء
الحنابلة يرون أنه يصح البيع بثمن المثل.
ويعد الحنفية هذا البيع من البيوع الفاسدة
التي يمكن تصحيحها في المجلس، بخلاف
الجهالة في عين المبيع، فإنه يترتب عليها بطلان
العقد. (٢)
هذا ، وهل الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين
(١) البدائع ٢١٣/٥، وجواهر الإكليل ٢/ ٦٩، والقوانين
الفقهية ٢٧٥، ومغني المحتاج ٢/ ١٠٤
(٢) البدائع ٥/ ١٥٦، وابن عابدين ٦/٤، ومواهب الجليل
٢٧٦/٤، والقوانين الفقهية ص٢٦١، ومغني المحتاج
١٦/٢، والفروع ٤/ ٣٠، وكشاف القناع ١٧٢/٣
في العقد أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها تتعين .
بالتعيين، لأنه عوض في عقد، فيتعين بالتعيين،
كسائر الأعواض. ولأنه أحد العوضين فيتعين
بالتعيين كالآخر. ولأن للبائع غرضا في هذا
التعيين.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أنها لا تتعين
بالتعيين، لأنه يجوز إطلاقها في العقد ، فلا
تتعين بالتعيين فيه كالمكيال. وهو رواية عن
الإِمام أحمد رحمه الله. (١)
هـ - خيار التعيين :
١٢ - نص الحنفية على صحة خيار التعيين في
البيع .
وصورته أن يقول المشتري للبائع:
اشتريت منك أحد هذين الثوبين أو أحد هذه
الأثواب الثلاثة من غير تعيين، على أن يختار
أيها شاء. وذكروا له عدة شروط منها : أن يكون
البیع فیه علی واحد من اثنين أو ثلاثة لا بعينه،
فلا يزيد عن ثلاثة، فلا يجوز على واحد من
أربعة، فإن هذه الصورة غیر جائزة عندهم،
لاندفاع الحاجة بالثلاثة، لوجود جيد ورديء
(١) الفتاوى الهندية ١٢/٣، وشرح فتح القدير ٤٦٨/٥،
الدسوقي ١٥٥/٣، وروضة الطالبين ٣٦٣/٣،
والفروع ٣٠/٤، والمغني لابن قدامة ٤/ ٥٠
- ٤٣ -

تعیین ١٣ - ١٤
ووسط. ومنها: أنه لا بد أن يقول، بعد قوله :
بعتك أحد هذين الثوبين مثلا: على أنك
بالخيار في أيهما شئتَ أو على أن تأخذ أيهما
شئتَ، ليكون نصا في خيار التعيين، ولأنه لو لم
يذكر هذا يكون البيع فاسدا لجهالة المبيع.
واختلفوا هل يشترط معه خيار الشرط أم لا؟
والأصح عدم اشتراطه معه، وقال بعضهم:
يشترط ذلك.
وذکر المالكية هذه الصورة، ولکنهم لم یذکروا
خيار التعيين بالاسم إلا أنهم أجازوها .
ويرى الشافعية والحنابلة أن البيع بهذه
الصورة باطل، لجهالة المبيع جهالة تفضي إلى
التنازع.(١)
و- التعيين في المسلم فيه :
١٣ - لا يجوز تعیین المسلم فیه، بل يجب أن
یکون دینا في الذمة، فإن أسلم في عین کدار، أو
قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذه الشاة لم
يصح السلم، لأنه ربما تلف المعين قبل أوان
تسلیمه، ولأن المعین یمکن بيعه في الحال، فلا
حاجة إلى السلم فيه، حيث إن السلم بيع
المفاليس.
ولذلك لا يجوز أن يسلم في ثمرة بستان
بعينه، ولا ثمرة قرية صغيرة بعينها، لأنه قد
(١) حاشية ابن عابدين ٥٨/٤، وجواهر الإكليل ٣٩/٢،
ونهاية المحتاج ٢٥١/٤، والمغني لابن قدامة ٥٨٦/٣
ينقطع بجائحة ونحوها فلا يحصل منه شيء،
وذلك غررلا حاجة إليه ، ولأنه روي عن
عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: جاء رجل
إلى النبي -﴿ فقال: إن بني فلان أسلموا (لقوم
من اليهود) وإنهم قد جاعوا. فأخاف أن
يرتدوا. فقال النبي ◌ّ ﴾ ((من عنده؟)) فقال رجل
من اليهود: عندي كذا وكذا (لشيء قد سماه)
أراه قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط
بني فلان. فقال رسول الله ◌َله: ((بسعر كذا وكذا
إلى أجل كذا وكذا، وليس من حائط بني
فلان)). (١)
قال ابن المنذر: إيطال السلم إذا أسلم في
ثمرة بستان بعينه كالإِجماع من أهل العلم. وقال
الجوزجاني: أجمع الناس على كراهة هذا
البيع. (٢)
ز - في الوكالة :
١٤ - ذهب الفقهاء إلى أنه إذا قال الموكل
للوکیل : بع لشخص معین، فليس له ان يبيع
لغيره، بل عليه أن يتقید بهذا التعیین، لأنه قد
(١) حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه: جاء رجل إلى
النبي # ... )) أخرجه ابن ماجة (٧٦٦/٢ ط الحلبي)
وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده الوليد بن مسلم،
وهو مدلس.
(٢) البدائع ٢١١/٥، والقوانين الفقهية ص٢٧٤، ومغني
المحتاج ٢/ ١٠٤، والمغني لابن قدامة ٣٢٥/٤
- ٤٤ -
.

تعيين ١٥ - ١٧
يكون له غرض في تمليكه إياه دون غيره.
وكذلك إذا قال: بع هذا الشيء في الزمن
الفلاني أو في المكان الفلاني يجب عليه أن يتقید
بهذا التعيين، إلا إذا علم أنه لا غرض للموكل
في هذا التعيين، فلا يجب التقيد به. (١)
ح - في الإِجارة :
١٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب تعيين
نوع المنفعة في الإِجارة وتعيين المدة فيها. وذلك
إما بغایتها کخياطة الثوب مثلا، وإما بضرب
الأجل إذا لم يكن لها غاية ككراء الدور
والحوانيت، وإما بالمكان المراد الوصول إليه
ككراء الرواحل إلى المكان الفلاني.
ويرى بعض فقهاء السلف جواز إجارة
المجهولات، مثل أن يعطي الرجل حماره لمن
يحتطب عليه بنصف مايعود عليه. (٢).
والتفاصيل في مصطلح: (إجارة).
ط - في الطلاق :
١٦ - ذهب الفقهاء إلى أنه لوقال رجل
لزوجتیه: إحداکما طالق، ونوی واحدة بعينها
طلقت، ويلزمه التعیین. (٣)
والتفاصيل في مصطلح: (طلاق).
(١) مغني المحتاج ٢٢٧/٢، والمغني لابن قدامة ١٣١/٥،
والبدائع ٢٧/٦
(٢) مغني المحتاج ٣٣٩/٢، والمغني لابن قدامة ٤٣٥/٥،
والقوانين الفقهية ٢٧٩، وبداية المجتهد ٢٤٧/٢.
(٣) مغني المحتاج ٣/ ٣٠٥، والمغني لابن قدامة ٢٥٢/٧،
وجواهر الإكليل ٣٥٥/١، وحاشية ابن عابدين ٤٥٨/٢
ي - في الدعوى :
١٧ - من شروط صحة الدعوى أن يكون
المدعى به معلوما معينا، فإن كان عيناً كحيوان
اشترط تعيين الذكورة والأنوثة والسن واللون
والنوع، وإن كان نقدا اشترط تعیین الجنس
والنوع والقدر والوصف، ليتمكن الحاكم من
الإلزام به إذا ثبت. (١)
والتفاصيل في مصطلح (دعوى).
(١) حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٢٠، وجواهر الإكليل ٢٢٦/٢،
ومغني المحتاج ٤ / ٤٦٤، وكشف امخدرات ٥١٠
- ٤٥ -

تغريب ١ - ٢
الزنى، في الجملة على خلاف بينهم في اعتباره
من حد الزنى أو عدم اعتباره.
تغریب
التعريف :
١ - التغريب في اللغة: النفي عن البلد والإِبعاد
عنها. أصله غرب. يقال: غربت الشمس
غروبا: بعدت وتوارت. وغرب الشخص:
ابتعد عن وطنه فهو غريب. وغربته أنا تغریبا .
وقد یکون غرب لازما کما یقال: غرب فلان عن
بلدە تغریپا . (١)
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي . (٢)
الأحكام المتعلقة بالتغريب :
التغریب یکون عقوبة في حد الزنى، وحد
الحرابة، كما يكون تعزیرا.
أولا : التغريب في حد الزنى :
٢ - اتفق الفقهاء على مشروعية التغريب في
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((غرب)).
(٢) ابن عابدين ١٤٧/٣، والدسوقي ٣٢٢/٤، وأسنى
المطالب ٤/ ١٣٠، وكشاف القناع ٩٢/٦
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى : أن
من حد الزاني - إن کان بكرا - التغريب لمدة سنة
لمسافة قصر فأكثر، لقول النبي وخلير: ((البكرُ
بالبکر جلد مائةٍ ونفي سنة، والثيبُ بالثیب جلد
مائةٍ والرجمُ))(١) ولما روى أبو هريرة وزيد بن
خالد رضي الله عنهما: ((أن رجلين اختصما إلى
رسول الله﴾، فقال أحدهما: إن ابني كان
عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، واني افتديت
منه بمائة شاة ووليدة، فسألت رجالا من أهل
العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة
وتغريب عام، والرجم على امرأة هذا. فقال
النبي ﴾: والذي نفسي بيده لأقضین بینكما
بكتاب الله تعالى: على ابنك جلد مائة
وتغریب عام. وجلد ابنه مائة وغربه عاما. ثم
قال لأنيس الأسلمي: واغد يا أنيس إلى امرأة
هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت
فَرَجَها)). (٢) ولأن الخلفاء الراشدين جمعوا بين
الجلد والتغريب، ولم يعرف لهم مخالف، فكان
کالإجماع.
(١) حديث: ((البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ... )) أخرجه
مسلم (١٣١٦/٣ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((والذي نفسي بيده ... )) أخرجه البخاري
(١٨٦/١٢ الفتح ط السلفية)، ومسلم (١٣٢٥/٣ ط
الحلبي).
- ٤٦ -

تغريب ٢ - ٣
وذهب الحنفية إلى أن التغريب ليس من
الحد، ولكنهم یجیزون للإمام أن يجمع بين الجلد
والتغريب، إن رأى في ذلك مصلحة. فالتغريب
عندهم عقوبة تعزيرية، وذهبوا إلى أن ماروي
من قوله : ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب
عام)). (١) لا يؤخذ به لأنه لو أخذ به لكان
ناسخا للآیة، لأن فيه زیادة علی نص الآية،
وهي قوله تعالى : ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ
واحد منهما مائةَ جلدةٍ﴾(٢) والحديث المذكور
لا يقوى على نسخ الآية لأنه خبر آحاد. (٣)
وقالوا: في التغريب فتح لباب الفساد، ففيه
نقض وإبطال للمقصود منه شرعا. ولما روی
عبدالرزاق قال: غرب عمر بن الخطاب
رضي الله عنه ربيعة بن أمية بن خلف في
الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال
عمر: لا أغرب بعده مسلما .
ويرى الشافعية والحنابلة أن التغريب هو
النفي من البلد الذي حدث فیه الزنی إلی بلد
آخر، دون حبس المغرَّب في البلد الذي نفي
إلیه، إلا أنه یراقب لئلا یرجع إلى بلدته. وهذا
(١) حدیث: ((البکر بالبكر جلد مائة ... )) سبق تخريجه ف/ ٢
(٢) سورة النور/ ٢
(٣) ابن عابدين ١٤٧/٣، وبدائع الصنائع ٣٩/٧، وحاشية
الدسوقي ٣٢١/٤، ٣٢٢، والفواكه الدواني ٢/ ٢٨١،
ومغني المحتاج ٤/ ١٤٧، ١٤٨، وكشاف القناع ٦/ ٩١
فیمن زنی في وطنه، وأما الغريب الذي زنی
بغیر بلده، فیغرب إلی غیر بلده.
وقال المالكية : يغرب الزاني عن البلد الذي
حدث فيه الزنی إلی بلد آخر، مع سجنه في
البلد الذي غرب إليه. وهذا إن كان متوطنا في
البلد التي زنی فیها. وأما الغريب الذي زنی فور
نزوله ببلد، فإنه يجلد ويسجن بها، لأن سجنه
في المكان الذي زنی فیه تغریب له.(١)
من یغرب في حد الزنى :
٣ - اتفق القائلون بالتغريب على وجوبه على
الرجل الزاني الحرغير المحصن لمدة عام. (٢)
لقول النبي وتلافى: ((البكر بالبكر جلد مائة
وتغریب عام)).(٣)
وأما المرأة غير المحصنة، فقد ذهب الشافعية
والحنابلة، واللخمي من المالكية إلى وجوب
التغريب عليها كذلك. قال الشافعية والحنابلة:
ويكون معها زوج أو محرم، لقول النبي مطر:
((لا تسافر المرأة إلا ومعها زوج أو محرم)» (٤) وفي
(١) ابن عابدين ١٤٧/٣، وحاشية الدسوقي ٣٢٢/٤،
وأسنى المطالب ١٣٠/٤، وكشاف القناع ٩٢/٦، والمغني
لابن قدامة ١٦٨/٨
(٢) الدسوقي ٣٢١/٤، والفواكه الدواني ٢/ ٢٨١، ومغني
المحتاج ٤/ ١٤٧، وكشاف القناع ٦/ ٩١
(٣) الحديث : تقدم تخريجه (ف٢)
(٤) حديث: ((لا تسافر المرأة ليس معها زوجها ... )) أخرجه
البخاري (٧٣/٤ الفتح ط السلفية).
- ٤٧ -

تغريب ٤ - ٥
الصحيحين: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)). (١)
ولأن القصد تأدیبها، والزانية إذا خرجت وحدها
هتکت جلباب الحياء .
وذهب المالكية إلى أنه لا تغريب على
المرأة، ولومع محرم أوزوج ولورضيت بذلك،
على المعتمد عندهم. (٢)
ثانيا : التغريب في حد الحرابة :
٤ - ورد النفي في حد الحرابة في قوله تعالى :
﴿إنما جزاء الذين يحاربون اللَّهَ ورسولَه ويَسْعَوْنَ
في الأرض فسادا أنْ يُقَتّلُوا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطَّعَ
أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ أو يُنْفَوا من
الأرض﴾(٣)
وقد اختلف الفقهاء في المراد بالنفي في
الآية :
فذهب الحنفية إلى : أن المراد بالنفي في حد
الحرابة الحبس، لأن النفي من جميع الأرض
محال، وإلى بلد آخر فيه إيذاء لأهلها، فلم يبق
إلا الحبس، والمحبوس يسمى منفيا من
(١) حديث: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر
مسيرة ... )). أخرجه مسلم (٢ / ٩٧٧ ط الحلبي)
(٢) حاشية الدسوقي ٣٢٢/٤، ومغني المحتاج ١٤٨/٤،
وكشاف القناع ٩٢/٦
(٣) سورة المائدة/ ٣٣
الأرض، لأنه لا ينتفع بطيبات الدنيا ولذاتها
ولا يجتمع بأقاربه وأحبابه .
وذهب المالكية إلى : أنه مثل التغريب في
الزنى، ولكنه يسجن في حد الحرابة حتى تظهر
توبته أو يموت.
وذهب الشافعية إلى أن قاطع الطريق - إذا
أخذ قبل أن يقتل نفسا أو يأخذ مالا - يعزر
بالحبس أو التغريب. وقالوا: هذا تفسير النفي
الوارد في الآية.
وذهب الحنابلة إلى أن المراد بالنفي في حد
الحرابة تشريد قطاع الطريق في الأرض، وعدم
ترکھم یأوون إلى بلد حتى تظهر توبتهم. (١)
ثالثاً : التغريب على سبيل التعزير :
٥ - اتفق الفقهاء على مشروعية التعزير
بالتغريب. (٢) لما ثبت من قضاء النبي وَلي
بالنفي تعزيرا في شأن المخنثين. (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٢١٢/٣، وحاشية الدسوقي
٤ / ٣٤٩، وأسنى المطالب ١٥٤/٤، وكشاف القناع
١٥٣/٦، وتفسير القرطبي ١٥٢/٦، وأحكام القرآن
للجصاص ٥٠٠/٢، وأحكام القرآن لابن العربي
٥٩٨/٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٧، وحاشية الدسوقي
٣٥٥/٤، ونهاية المحتاج ٥/٨، ١٩، وكشاف القناع
٢٨/٦
(٣) حديث: نفي ((المختثين ... )) أخرجه البخاري
(١٥٩/١٢ الفتح ط السلفية).
- ٤٨ -

تغریب ٥، تغریر، تغسيل الميت ١ - ٢
ولنفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه للذي
عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال وأخذ به
مالا منه .
وللتفصيل انظر مصطلح: (تعزير).
تغریر
انظر : غرر
13
تغسيل الميت
التعريف :
١ - التغسيل في اللغة: مصدر غسل بالتشديد،
بمعنى : إزالة الوسخ عن الشيء، بإجراء الماء
عليه، والميت بالتخفيف والتشديد: ضد الحي،
وأما الحيّ - فهو بالتشديد لا غير - بمعنى من
سيموت. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنك ميِّتُ وإنهم
مَيِّتون﴾(١) ويستوي فيه المذكر والمؤنث، قال
تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ به بلدةً مَيْتًا﴾(٢) ولم يقل
ميتة. (٣) فتغسيل الميت من قبيل إضافة المصدر
إلى المفعول.
وفي الاصطلاح: تعميم بدن الميت بالماء
بطريقة مسنونة .
الحكم التكليفي :
٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تغسيل الميت
المسلم واجب كفاية، بحيث إذا قام به البعض
سقط عن الباقين، لحصول المقصود بالبعض،
(١) سورة الزمر/ ٣
(٢) سورة الفرقان/ ٤٩
(٣) مختار الصحاح، وابن عابدين ١١٣/١
- ٤٩ -

تغسيل الميت ٣
كسائر الواجبات على سبيل الكفاية. (١) لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((المسلم على المسلم
ست)) وعد منها: ((أن يغسله بعد موته))(٢)
والأصل فيه: تغسيل الملائكة عليهم الصلاة
والسلام لآدم عليه السلام. ثم قالوا: يابني آدم
هذه سنتكم. (٣)
وأما القول بسنية الغسل عند بعض المالكية،
فقد اقتصر على تصحيحه ابن الحاجب
وغيره . (٤)
ما ينبغي لغاسل الميت، وما يكره له :
٣ - ينبغي أن يكون الغاسل ثقة أمينا، وعارفا
(١) ابن عابدين ١١٢/١، ١١٣، وبدائع الصنائع ٢٩٩/١،
٣٠٠، والاختيار لتعليل المختار ٩١/١، ومواهب الجليل
٢٠٧/٢، والشرح الصغير ٥٢٣/١ ط دار المعارف
بمصر، وروضة الطالبين ٩٨/٢، وحاشية الجمل
١٤٣/٢، ونيل المآرب ٢٢٠/١.
(٢) حديث: ((المسلم على المسلم ... )) ورد في كتاب
الاختيار شرح المختار (١ / ٩١) ولم نجده فيما بين أيدينا من
كتب السنة، وأورده الزيلعي بلفظ ((المسلم على المسلم
ثمانية حقوق. وذكر منها ((غسل الميت)). وقال: هذا
الحديث ماعرفته ولا وجدته. (نصب الراية ٢/ ٢٥٧).
(٣) حديث ((تغسيل الملائكة لآدم عليه السلام، ثم قالوا : يابني
آدم هذه سنتكم)). أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند
(١٣٦/٥ ط الميمنية) من حديث أبي بن كعب رضي الله
عنه موقوفا عليه. وقال الهيثمي: ((رجاله رجال الصحيح
غير عُنَيَ بن ضمرة وهو ثقة.
(٤) مواهب الجليل ٢/ ٢٠٩، والشرح الصغير ٥٤٣/١ طبع
دار المعارف بمصر، والقوانين الفقهية/ ٩٧
بأحكام الغسل. وفي الحديث عن النبي وصلّ
قال: ((ليغسل موتاكم المأمونون)). (١)
ولا يجوز له إذا رأی من الميت شيئا مما يكره أن
يذكره إلا لمصلحة، لما روي عنه عليه الصلاة
والسلام أنه قال: ((من غسل ميتا، فأدى فيه
الأمانة، ولم يفش عليه مايكون منه عند ذلك،
خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)). (٢)
وإن رأى حسنا مثل أمارات الخير من
وضاءة الوجه ونحو ذلك، استحب له إظهاره
ليكثر الترحم عليه، ويحصل الحث على
طريقته، والتبشير بجميل سيرته. (٣)
إلا إذا كان الميت مبتدعا، ورأى الغاسل منه
مایکره، فلا بأس أن يحدث الناس به، ليكون
زجرا لهم عن البدعة . (٤)
كما يستحب أن یلین مفاصله إن سهلت
(١) حديث: ((ليغسل موتاكم المأمونون)) أخرجه ابن ماجه
(٤٦٩/١ ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما وأعله البوصيري بالضعف الشديد في أحد رواته.
(٢) حديث: ((من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ... )) أخرجه
أحمد (١١٩/٦ - ١٢٠ ط اليمنية) وقال الهيثمي: فيه جابر
الجعفي، وفيه كلام کثیر.
(٣) ابن عابدين ٦٠٢/١، ومواهب الجليل ٢/ ٢٢٣ ط دار
الفكر، وروضة الطالبين ١٠٩/٢ ط المكتب الإسلامي،
والمغني لابن قدامة ٤٥٥/٢، ٤٥٦ ط مكتبة الرياض
الحديثة .
(٤) ابن عابدين ٦٠٢/١، والفتاوى الهندية ١٥٩/١، وغاية
المنتهى ٢٣٩/١، والمقنع ١/ ٢٧٤ ط المطبعة السلفية ..
- ٥٠ -

تغسیل المیت ٤ - ٥
عليه، وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها
تركها، لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه.(١)
ويلف الغاسل على يده خرقة خشنة يمسحه
بها، لئلا يمس عورته. لأن النظر إلى العورة
حرام. فاللمس أولى، ويعد لغسل السبيلين
خرقة أخرى. قال الشافعية: ويكره للغاسل أن
ينظر إلى شيء من بدنه إلا لحاجة، أما المعين
فلا ينظر إلا لضرورة. (٢)
كما يكره له أن يقف على الدكة، ويجعل
الميت بين رجليه، بل يقف على الأرض ويقلبه
حين غسله، كما ينبغي له أن يشتغل بالتفكر
والاعتبار، لا بالأذكار التي ابتدعوها لكل عضو
ذكر يخصه، فإنها بدعة . (٣)
النية في تغسيل الميت :
٤ - ذهب الحنفية إلى : أن النية ليست شرطا
لصحة الطهارة، بل شرط لإِسقاط الفرض عن
المكلفين، فلوغسل الميت بغير نية أجزأ
لطهارته، لا لإسقاط الفرض عن المكلفين. (٤)
وذهب المالكية، وهو الأصح عند الشافعية،
(١) حاشية الجمل ١٤٧/٢ ط دار إحياء التراث العربي،
وروضة الطالبين ١٠٢/٢، والمغني ٤٥٦/٢
(٢) ابن عابدين ٥٧٤/١، والاختيار ٩١/١. دار المعرفة،
ومواهب الجليل ٢٢٣/٢، والشرح الصغير ٥٤٨/١،
وروضة الطالبين ٢/ ١٠٠، والمغني ٢ / ٤٥٧
(٣) مواهب الجليل ٢/ ٢٢٣
(٤) ابن عابدين ١/ ٥٧٧ ط دار إحياء التراث العربي.
وظاهر نص الشافعي، ورواية عن الحنابلة إلى :
عدم اشتراط النية في تغسيل الميت، لأن الأصل
عند المالكية: أن کل مايفعله في غیرہ لا يحتاج
فيه إلى نية، كغسل الإِناء من ولوغ الكلب
سبعا، ولأن القصد التنظيف، فأشبه غسل
النجاسة. (١)
وذهب الشافعية في قول آخر، والحنابلة في
رواية أخرى إلى وجوب النية، لأن غسل
الميت واجب، فافتقر إلى النية كغسل الجنابة،
ولما تعذرت النية من الميت اعتبرت في الغاسل،
لأنه المخاطب بالغسل. (٢)
تجريد الميت وكيفية وضعه حالة الغسل :
٥ - ذهب الحنفية والمالكية، وهو أحد قولي
الشافعية، ورواية عن أحمد إلى أنه يستحب
تجريد الميت عند تغسيله، لأن المقصود من
الغسل هو التطهير وحصوله بالتجريد أبلغ .
ولأنه لو اغتسل في ثوبه تنجس الثوب بما يخرج،
وقد لا یطهر، وإليه ذهب ابن سیرین.
والصحيح المعروف عند الشافعية، وهو رواية
المروذي عن أحمد أنه يغسل في قميصه. وقال
(١) مواهب الجليل ٢/ ٢١٠ ط دار الفكر (بيروت) وحاشية
الجمل ١٤٣/٢، وروضة الطالبين ٢/ ٩٩، ونهاية المحتاج
٤٤٢/٢، وغاية المنتهى ٢٢٣/١ ط مطبعة دار السلام في
دمشق .
(٢) نهاية المحتاج ٤٤٢/٢، وغاية المنتهى ٢٢٣/١، والمغني
٤٦٣/٢.
- ٥١ -

تغسيل الميت ٥ - ٦
أحمد: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب رقيق
ينزل الماء فیه، يدخل يده من تحته، قال: وكان
أبو قلابة إذا غسل ميتا جلله بثوب. واعتبره
القاضي سنة، فقال: السنة أن يغسل الميت في
قميص، فيمريده على بدنه، والماء يصب.
ولأن النبي # غسل في قميصه. (١)
وأما ستر عورته فلا خلاف فیه، لأن ستر
العورة واجب ومأمور به، هذا إذا كان الذكر
يغسل الذكر، والأنثى تغسل الأنثى، وأما إذا
کان الذكر المحرم یغسل الأنثى، وعكسه،
فيستر جميع بدن الميت. (٢)
وأما كيفية وضعه عند تغسيله، فهي أنه
يوضع على سرير أولوح هییء له، ويكون
موضع رأسه أعلى لينحدر الماء، ويكون الوضع
طولاً، كما في حالة المرض إذا أراد الصلاة بإيماء.
ومن الحنفية من اختار الوضع كما يوضع في
القبر. والأصح أنه یوضع کما تيسر. (٣)
(١) ابن عابدين ٥٧٤/١، والفتاوى الهندية ١٥٨/١،
والاختيار ٩١/١، وبدائع الصنائع ٣٠٠/١، ومواهب
الجليل ٢/ ٢٢٣، والشرح الصغير ٥٤٣/١، والقوانين
الفقهية / ٩٧، وحاشية الجمل ١٤٥/٢، وروضة الطالبين
٩٩/٢، والمغني ٢ / ٤٥٣، ٤٥٤
(٢) ابن عابدين ٥٧٤/١، والشرح الصغير ٥٤٦/١ ط دار
المعارف، وروضة الطالبين ٢٩٩/٢، والمغني ٢ / ٤٥٤
(٣) بدائع الصنائع ١/ ٣٠٠ ط دار الكتاب العربي، والفتاوى
الهندية ١٥٨/١ ط المطبعة الأميرية،=
عدد الغسلات وكيفيتها :
٦ - قبل أن يبدأ الغاسل بتغسيل الميت يزيل عنه
النجاسة، ويستنجيه عند أبي حنيفة ومحمد .
وأما إزالة النجاسة وإنقاؤها فأبو حنيفة ومحمد
يقولان به بلا إجلاس وعصر في أول الغسل،
وعند المالكية يندب عصر البطن حالة الغسل،
وعند الشافعية والحنابلة يكون إجلاس الميت
وعصر بطنه في أول الغسل.
ثم يوضئه وضوءه للصلاة، ولا يدخل الماء في
فيه ولا أنفه، وإن كان فيهما أذى أزاله بخرقة
يبلها ويجعلها على أصبعه، فيمسح أسنانه وأنفه
حتى ينظفهما. وهذا عند الحنفية والحنابلة،
وإليه ذهب سعيد بن جبير والنخعي والثوري،
وقال شمس الأئمة الحلواني: وعليه عمل الناس
اليوم .
وأما عند المالكية والشافعية فلا يغني ذلك
عن المضمضة والاستنشاق. ويميل رأس الميت
حتى لا يبلغ الماء بطنه. وكذا لا يؤخر رجليه
عند التوضئة . (١)
= والاختيار ٩١/١ ط دار المعرفة، ومواهب الجليل
٢٢٣/٢، وحاشية الجمل ١٤٥/٢، وروضة الطالبين
٩٩/٢، والمغني ٢/ ٤٥٧
(١) ابن عابدين ١/ ٥٧٤، والاختيار لتعليل المختار ١/ ٩١،
والفتاوى الهندية ١٥٨/١، والشرح الصغير ٥٤٨/١،
وحاشية الجمل ٢/ ١٤٦، ومختصر المزني/ ٣٥ ط دار
المعرفة، والمغني ٢/ ٤٦١، والمقنع ٢٦٩/١ ط المطبعة
السلفية .
- ٥٢ -
أ

تغسيل الميت ٦ - ٧
وبعد الوضوء يجعله على شقه الأيسر فيغسل
الأيمن، ثم يديره على الأيمن فيغسل الأيسر،
وذلك بعد تثليث غسل رأسه ولحيته. (١)
والواجب في غسل الميت مرة واحدة،
ويستحب أن يغسل ثلاثا كل غسلة بالماء
والسدر، أو ما يقوم مقامه، ويجعل في الأخيرة
كافورا، أو غيره من الطيب إن أمكن. (٢)
وإن رأی الغاسل أن یزید علی ثلاث - لكونه
لم يُنْقِ، أو غير ذلك - غسله خمسا أو سبعا،
ويستحب أن لا يقطع إلا على وتر. وقال أحمد :
لا یزید علی سبع. (٣)
والأصل في هذا قول النبي ﴾ لغاسلات
ابنته زينب رضي الله عنها ((ابْدَان بمیامنها،
ومواضع الوضوء منها، واغسِلْنَها ثلاثا أو خمسا أو
سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأیتن ذلك، بماء
وسدر، واجعلْنَ في الآخرة كافورا أو شيئا من
کافور». (٤)
(١) بدائع الصنائع ٣٠١/١، والفتاوى الهندية ١٥٨/١،
والشرح الصغير ٥٤٨/١، ومواهب الجليل ٢٢٣/٢،
وروضة الطالبين ١٠٢/٢، والمغني ٤٥٨/٢
(٢) ابن عابدين ٥٧٥/١، وبدائع الصنائع ٣٠١/١،
ومواهب الجليل ٢٠٨/٢، ٢٢٣، والشرح الصغير
٥٤٨/١، وروضة الطالبين ٢/ ١٠١، والمغني ٢ / ٤٦١
(٣) ابن عابدين ٥٧٥/١، والشرح الصغير ٥٤٩/١،
وروضة الطالبين ١٠٢/٢، وحاشية الجمل ١٤٧/٢،
والمغني ٢ / ٤٦١
(٤) حديث: ((ابدأن بميامنها ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٣٠/٣ ط السلفية)، ومسلم (٦٤٧/٢، ٦٤٨ ط
الحلبي) من حديث أم عطية رضي الله عنها.
ويرى ابن حبيب من المالكية أنه لا بأس
عند الوباء ومايشتد على الناس من غسل الموتى
لكثرتهم، أن يجتزئوا بغسلة واحدة بغير وضوء،
يصب الماء عليهم صبا. (١)
وإن خرج منه شيء وهو على مغتسله،
فیری الحنفية والمالکیة ۔ ماعدا أشهب - وهو
الأصح عند الشافعية، واختاره أبو الخطاب من
الحنابلة: أنه لا يعاد غسله، وإنما يغسل ذلك
الموضع، وإليه ذهب الثوري أيضا. (٢)
وذهب الحنابلة، وهو قول آخر للشافعية
إلى أنه إن خرج منه شيء وهو على مغتسله
غسله إلى خمس، فإن زاد فإلى سبع. وإليه
ذهب ابن سيرين وإسحاق. (٣)
والشافعية قول ثالث، وهو أنه يجب إعادة
وضوئه. (٤) هذا إذا خرجت النجاسة قبل
الإِدراج في الكفن، وأما بعده فجزموا بالاكتفاء
بغسل النجاسة فقط. (٥)
٧ - يستحب أن يحمل الميت إلى مكان خال
(١) مواهب الجليل ٢/ ٢٣٤
(٢) ابن عابدين ٥٧٥/١، والاختيار ٩٢/١، والفتاوى
الهندية ١٥٨/١، ومواهب الجليل ٢٢٣/٢، والشرح
الصغير ٥٤٧/١ ط دار المعارف، وروضة الطالبين
١٠٢/٢، والمغني ٢/ ٤٦٢
(٣) روضة الطالبين ١٠٢/٢، والمغني ٢/ ٤٦٢
(٤) روضة الطالبين ١٠٣/٢
(٥) ابن عابدين ٦٠٢/١، ومواهب الجليل ٢٢٣/٢،
وروضة الطالبين ٩٩/٢، والمغني ٤٥٥/٢
- ٥٣ -

تغسيل الميت ٨ - ٩
مستورلا يدخله إلا الغاسل، ومن لابد من
معونته عند الغسل، وذكر الروياني وغيره أن
للولي أن يدخله إن شاء، وإن لم يغسل ولم یعن،
وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت
الذي يغسل فيه الميت مظلما. قال ابن قدامة:
فإن لم یکن جعل بینه وبینهم سترا. قال ابن
المنذر: كان النخعي يجب أن يغسل الميت وبينه
وبين السماء سترة، وهو ما أوصى به الضحاك
أخاه سالما، كما ذكر القاضي أن عائشة
رضي اللّه تعالى عنها قالت: أتانا رسول الله وَله
ونحن نغسل ابنته، فجعلنا بينها وبين السقف
سترا.(١)
صفة ماء الغسل :
٨ - يشترط لصحة غسل الميت في الماء:
الطهورية كسائر الطهارات، والإِباحة كباقي
الأغسال، (٢) واستحب الحنفية أن يكون الماء
ساخنا لزيادة الإِنقاء، ويغلى الماء بالسدر أو
غيره، لأنه أبلغ في النظافة وهو المقصود. (٣)
وعند المالكية يخير الغاسل في صفة الماء إن
شاء باردا وإن شاء ساخنا. (٤)
(١) حديث: ((أتانا رسول الله اَل﴾ ... )) ورد في المغني
لابن قدامة (٤٥٥/٢) ولم نجده فيما لدينا من كتب السنة.
(٢) نيل المآرب ١/ ٢٢٠ ط مكتبة الفلاح.
(٣) ابن عابدين ١/ ٥٧٤، والفتاوى الهندية ١٥٨/١،
والاختيار ١/ ٩١، ٩٢
(٤) مواهب الجليل ٢/ ٢٣٤
ويرى الشافعية والحنابلة عدم غسل الميت
بالماء الحار في المرة الأولى، إلا لشدة البرد أو
لوسخ أو غيره. واستحسن الشافعية أن يتخذ
الغاسل إناءين، والحنابلة أن يتخذ ثلاثة أوان
للماء.(١)
ما يصنع بالميت قبل التغسيل وبعده:
٩ - يرى جمهور الفقهاء أن استعمال البخور عند
تغسيل الميت مستحب، لئلا تشم منه رائحة
كريهة. ويزداد في البخور عند عصر بطنه. (٢)
وأما تسريح الشعر، وتقليم الأظفار، وحلق
العانة، ونتف الإِبط، فلا يفعل شيء من ذلك
عند الحنفية، وهو أيضا قول الحنابلة في العانة،
ورواية عندهم في تقليم الأظفار، وهو مذهب
المالكية والشافعية في القديم أيضا إلا في تسريح
الشعر واللحية، لأن ذلك يفعل لحق الزينة،
والميت ليس بمحل الزينة. فلا يزال عنه شيء
مما ذكرنا، وأما إن كان ظفره منكسراً فلا بأس
بأخذه. (٣)
١
(١) روضة الطالبين ٩٩/٢، ومختصر المزني/ ٣٥ ط دار
المعرفة، والمغني ٢ / ٤٥٩، ٤٦٠
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٩١/١، ومواهب الجليل
٢٢٢/٢، ٢٣٨، وروضة الطالبين ١٠٠/٢، والمغني
٤٥٧/٢
(٣) بدائع الصنائع ٣٠١/١، والفتاوى الهندية ١٥٨/١،
والمدونة ١٧٣/١، ومواهب الجليل ٢٣٨/٢، وروضة
الطالبين ٢/ ١٠٧، والمغني ٢/ ٥٤٢
- ٥٤ -

تغسيل الميت ٩ - ١٠
وذهب الشافعية في الجدید إلى أنه يفعل کل
ذلك، وإليه ذهب الحنابلة في قص الشارب،
وهو رواية عندهم في تقليم الظفر إن كان
فاحشا، ورواية عن أحمد في حلق العانة. ودلیل
الجواز قول النبي وقال: ((اصنعوا بموتاكم كما
تصنعون بعرائسكم)). (١) ولأن ترك تقليم
الأظفار ونحوها يقبح منظر الميت، فشرعت
إزالته .
وأما الختان فلا يشرع عند جمهور الفقهاء،
لأنه إبانة جزء من أعضائه، کما أنه لا يحلق رأس
الميت. وحكى أحمد عن بعض الناس أنه
يختن.(٢)
وإذا فرغ الغاسل من تغسيل الميت نشفه
بثوب، لئلا تبتل أكفانه. (٣) وفي حديث
أم سُليم رضي الله عنها: ((فإذا فرغتِ منها فألقي
عليها ثوبا نظيفا)). (٤) وذكر القاضي في حديث
(١) حديث: ((اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم)) نقل
ابن حجر عن ابن الصلاح أنه قال: بحثت عنه فلم أجده
ثابتا (التلخيص (٢ /١٠٦ ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) روضة الطالبين ١٠٧/٢، والمغني ٢/ ٥٤١، ٥٤٢
(٣) ابن عابدين ١/ ٥٧٥، والاختيار ١/ ٩٢، ومواهب الجليل
٢٢٣/٢، والشرح الصغير ٥٤٩/١، وروضة الطالبين
١٠٢/٢، والمغني ٢ / ٤٦٤ .
(٤) حديث أم سليم: (( فإذا فرغتٍ منها فألقي عليها ثوبا
نظيفا ... )) أورده الهيثمي في المجمع (٢٢/٣ ط القدسي)
وقال: رواه الطبراني في الکبیر بإسنادين، في أحدهما
ليث بن أبي سليم وهو مدلس، ولكنه ثقة. وفي الآخر
جنید قد وثق، وفيه بعض کلام.
ابن عباس رضي الله عنه في غسل النبي عليه
الصلاة والسلام قال: ((فجفَّفوه بثوب)). (١)
الحالات التي ييمم فيها الميت :
١٠ - ییمم الميت في الحالات الآتية :
أ - إذا مات رجل بين نسوة أجانب، ولم توجد
امرأة محرمة، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب،
ولم يوجد محرم .
وهذا عند الحنفية والمالكية والشافعية - في
الأصح - والحنابلة، وإليه ذهب سعيد بن
المسيب والنخعي، وحماد، وابن المنذر. وأضاف
الحنفية قولهم: إذا كان بين النسوة امرأته
غسلته، فإن لم تكن وكانت معهن صبية
صغيرة، لم تبلغ حد الشهوة، وأطاقت الغسل،
علّمنها الغسل، ويخلین بينه وبينها حتى تغسله،
وتكفنه، لأن حكم العورة في حقها غير ثابت.
وكذلك إذا ماتت امرأة بین رجال أجانب،
وكان معهم صبي لم يبلغ حد الشهوة، وأطاق
الغسل، علموه الغسل فيغسلها . (٢)
والوجه الثاني عند الشافعية، وإليه ذهب
(١) حديث: ((فجففوه بثوب ... )) أخرجه أحمد (١/ ٢٦٠ ط
الميمنية) من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه، وفي
إسناده ضعف كما في التعليق على مسند أحمد (٤/ ١٠٤ ط
المعارف).
(٢) بدائع الصنائع ٢٣٠٥/١، والفتاوى الهندية ١/ ١٦٠،
والشرح الصغير ٥٤٥/١، ٥٤٦، والمدونة ١٨٦/١ ط دار
صادر، وروضة الطالبين ١٠٥/٢، والمغني ٥٢٦/٢
- ٥٥ -

تغسيل الميت ١١
أبو الخطاب من الحنابلة، وهو قول الحسن،
وإسحاق، والقفال، ورجحه إمام الحرمين
والغزالي: أن الميت لا ييمم في هذه الحالة، بل
يغسل ويصب عليه الماء من فوق القميص،
ولا یمس.
وحكى صاحب البيان من الشافعية وجها
ثالثا أنه يدفن ولا ييمم ولا يغسل. قال
النووي: وهو ضعيف جدا. (١)
وأما كيفية التيمم ففيها خلاف وتفصيل
يرجع فيه إلى مصطلح (تيمم).
ب - إذا مات خنثى مشكل وهو كبير، على
التفصيل الذي سيأتي (٢) في ف/١٩
جـ - إذا تعذر غسله لفقد ماء حقيقة أو حكما
كتقطع الجسد بالماء، أو تسلخه من صبه عليه(٣)
من يجوز لهم تغسيل الميت :
أ - الأحق بتغسيل الميت :
١١ - الأصل أنه لا يغسل الرجالَ إلا الرجالُ،
ولا النساء إلا النساء، لأن نظر النوع إلى النوع
نفسه أهون، وحرمة المس ثابتة حالة الحياة،
(١) روضة الطالبين ١٠٥/٢، والمغني ٥٢٦/٢
(٢) الفتاوى الهندية ١/ ١٦٠، وابن عابدين ١١٢/١، ١١٣،
وروضة الطالبين ١٠٥/٢، والمغني ٥٢٦/٢
(٣) الفتاوى الهندية ١/ ١٦٠، ومواهب الجليل ٢/ ٢١٠،
٢١٢، والشرح الصغير ٥٤٥/١، وحاشية الجمل
١٤٨/٢، وروضة الطالبين ١٠٨/٢.
فكذا بعد الموت. واختلفوا في الترتيب. فذهب
الحنفية إلى أنه يستحب للغاسل أن يكون
أقرب الناس إلى الميت، فإن لم يعلم الغسل
فأهل الأمانة والورع. (١)
ويرى المالكية تقديم الحي من الزوجين في
غسل صاحبه على العصبة، ويقضى له بذلك
عند التنازع، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته،
ثم امرأة محرمة كأم وبنت. وإن كان الميت
امرأة، ولم یکن لها زوج، أو كان وأسقط حقه،
يغسلها أقرب امرأة إليها فالأقرب، ثم أجنبية،
ثم رجل محرم على الترتيب السابق. ويستر
وجوبا جميع جسدها، ولا يباشر جسدها إلا
بخرقة كثيفة يلفها على يده. (٢)
وعند الشافعية إن كان الميت رجلا غسله
أقاربه .
وهل تقدم الزوجة عليهم، فيه ثلاثة أوجه:
الوجه الأول، وهو الأصح: أنه يقدم من
الرجال العصبات، ثم الأجانب، ثم الزوجة،
ثم النساء المحارم .
والوجه الثاني : يقدم الرجال الأقارب، ثم
الزوجة، ثم الرجال الأجانب، ثم النساء
المحارم .
والوجه الثالث: تقدم الزوجة على الجميع.
(١) الفتاوى الهندية ١/ ١٦٠
(٢) الشرح الصغير ٥٤٤/١، ٥٤٥، ٥٤٦ ط دار المعارف
- ٥٦ -

تغسيل الميت ١٢
وإن كان الميت امرأة قدم نساء القرابة، ثم
النساء الأجانب، ثم الزوج، ثم الرجال
الأقارب. وذوو المحارم من النساء الأقارب أحق
من غيرهم، وهل يقدم الزوج على نساء
القرابة؟ وجهان: الوجه الأول: وهو الأصح
المنصوص يقدمن عليه لأنهن أليق. والثاني:
يقدم الزوج لأنه كان ينظر إلى ما لا ينظرن،
وظاهر كلام الغزالي تجويز الغسل للرجال المحارم
مع وجود النساء، ولكن عامة الشافعية يقولون :
المحارم بعد النساء أولى .(١)
وذهب الحنابلة إلى أن الأولى بالتغسيل
وصي الميت إذا کان عدلا ، ويتناول عمومه ما لو
وصي لامرأته، وهو مقتضى استدلالهم بأن
أبا بكر رضي الله تعالى عنه وصى لامرأته
فغسلته. وكذا لو أوصت بأن يغسلها زوجها. (٢)
وبعد وصیہ أبوه وإن علا، ثم ابنه وإن نزل، ثم
الأقرب فالأقرب کالميراث، ثم الأجانب،
فيقدم صديق الميت، وبعد وصيها أمها وإن
علت، فبنتها وإن نزلت، فبنت ابنها وإن نزل،
ثم القربى فالقربى . (٣)
ب - تغسيل المرأة لزوجها :
١٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن للمرأة تغسيل
(١) روضة الطالبين ١٠٣/٢، ١٠٤، ١٠٦
(٢) نيل المآرب ٢٢٠/١
(٣) غاية المنتهى ١/ ٢٣٠، ٢٣١ ط مطبعة دار السلام
بدمشق .
زوجها، إذا لم يحدث قبل موته ما يوجب
البینونة. فإن ثبتت البینونة بأن طلقها بائنا، أو
ثلاثا ثم مات، لا تغسله لارتفاع ملك البضع
بالإِبانة .
وأضاف الشافعية أنه إن طلقها رجعیا -
ومات أحدهما في العدة - لم یکن للآخر غسله
عندهم لتحريم النظر في الحياة .
وكذا لا تغسله عند جمهور الفقهاء إذا حدث
ما یوجب البینونة بعد الموت، كما لو ارتدت بعده
ثم أسلمت، لزوال النكاح، لأن النكاح كان
قائما بعد الموت فارتفع بالردة، والمعتبر بقاء
الزوجية حالة الغسل لا حالة الموت. ویری زفر
من الحنفية أن المعتبر بقاء الزوجية حالة
الموت، وعلى هذا فيجوز لها تغسيله عنده، وإن
حدث ما يوجب البينونة بعد موته . (١)
والأصل في جواز تغسيل الزوجة لزوجها
ماروي أن عائشة رضي الله تعالى عنها
قالت: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت
ما غسله إلا نساؤه)). (٢)
(١) ابن عابدين ٥٧٦/١، والفتاوى الهندية ١٦٠/١،
والبدائع ٣٠٥/١ ط دار الكتاب العربي، وشرح الزرقاني
٨٧/٢ ط دار الفكر، وروضة الطالبين ١٠٤/٢، وحاشية
الجمل ٢/ ١٥٠، والمغني ٢/ ٥٢٤
(٢) قول عائشة ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماغسله
إلا نساؤه)». أخرجه أبو داود (٣/ ٥٠٢ تحقيق عزت عبيد
دعاس) والحاكم (٣/ ٦٠ ط دائرة المعارف العثمانية)
وصححه هو وابن حبان (ص٥٣٠ موارد الظمآن ط
السلفية).
- ٥٧ -

تغسیل الميت ١٣ - ١٤
جـ - تغسيل الزوج لزوجته :
١٣ - ذهب الحنفية في الأصح، وهو رواية عن
أحمد إلى أنه ليس للزوج غسلها، وإليه ذهب
الثوري، لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا
سواها، فحرمت الفرقةُ النظرَ واللمس
كالطلاق. (١)
ويرى المالكية والشافعية، وهو المشهور عند
الحنابلة أن للزوج غسل امرأته، وهو قول
علقمة وعبدالرحمن وقتادة وحماد وإسحاق. لأن
عليا رضي الله تعالى عنه غسل فاطمة
رضي الله عنها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم
ینکروه، فكان إجماعا.
ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة
رضي الله تعالى عنها: ((ماضرّك لومتّ قبلي
فقمت عليك، فغسلتك وكفنتك، وصليت
علیك، ودفنتك))(٢) إلا أنه يكره مع وجود من
يغسلها، لما فيه من الخلاف والشبهة. (٣)
قال ابن قدامة: وقول الخرقي : وإن دعت
(١) ابن عابدين ٥٧٥/١، وبدائع الصنائع ٣٠٥/١،
والفتاوى ١/ ١٦٠، والمغني ٢/ ٥٢٤
(٢) حديث: ((ما ضرك لومت قبلي ... )) أخرجه ابن ماجة
(٤٧٠/١ ط الحلبي) وقال البوصيري: إسناد رجاله
ثقات.
(٣) الحطاب ٢/ ٢١٠، والمدونة ١/ ١٨٥، والقوانين
الفقهية/ ٩٧، وحاشية الجمل ٢ / ١٥٩، وروضة الطالبين
١٠٣/٢، ١٠٤، والشرح الصغير ٥٤٤/١، والمغني
٥٢٤،٥٢٣/٢
الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس.
يعني به أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها
سواه، لما فيه من الخلاف والشبهة. (١)
وأما المالكية والشافعية فقد أطلقوا
الجواز. (٢) ولا يتأتى ذلك عند الحنفية، لأنه
ليس للزوج غسلها عندهم. (٣)
د - تغسيل المسلم للكافر وعكسه:
١٤ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجب على المسلم
تغسيل الكافر، لأن الغسل وجب کرامة وتعظيما
للميت، والكافر ليس من أهل الكرامة
والتعظیم .
وذهب الحنفية، وهو قول لأحمد إلى جواز
ذلك إذا كان الكافر الميت ذا رحم محرم من
المسلم، فيجوز عندهم تغسيله عند الاحتیاج،
بأن لم يكن هناك من يقوم به من أهل دينه
وملته، فإن كان، خلى المسلم بينه وبينهم. (٤)
والأصل في ذلك ما روي عن علي رضي الله
تعالى عنه لما مات أبوه أبو طالب، جاء إلى
رسول الله ﴿ فقال: يارسول الله عمك
(١) المغني ٢/ ٥٢٤
(٢) التاج والإكليل ٢/ ٢١٠، والمدونة الكبرى ١٨٥/١
(٣) ابن عابدين ٥٧٥/١، والبدائع ٣٠٥/١، والفتاوى
الهندية ١/ ١٦٠
(٤) ابن عابدين ٥٩٧/١، وبدائع الصنائع ٣٢٠/١،
والمجموع ١٤٢/٥ ط السلفية، والمغني ٥٢٨/٢
- ٥٨ -

تغسيل الميت ١٤ - ١٦
الضال قد توفي، فقال: «اذهب واغسله وکفنه
وواره)).(١)
ومذهب الشافعية جواز تغسيل المسلمين
وغيرهم للكافرین، وأقاربه الكفار أحق به من
أقاربه المسلمین.
وصرح المالكية، وهو المذهب عند الحنابلة
بأن المسلم لا يغسل الكافر مطلقا، سواء أكان
قریبا منه أم لم یکن. (٢) .
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه ليس
للمسلم غسل زوجته الكافرة، لأن المسلم
لا یغسل الکافر ولا یتولی دفنه، ولأنه لا میراث
بينهما ولا موالاة، وقد انقطعت الزوجية بالموت .
وکذلك لا تغسله هي عند المالكية إلا إذا
كانت بحضرة المسلمين. وعند الحنابلة مطلقا .
لأن النية واجبة في الغسل، والكافر ليس من
أهلها. (٣)
وعرف من مذهب الشافعية أن للزوج غسل
زوجته المسلمة والذمية، ولها غسله. (٤)
(١) حديث: ((اذهب واغسله وادفنه وواره ... )) يدل عليه
ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٤٨/٣ ط السلفية)
عن الشعبي قال: لما مات أبو طالب جاء علي إلى النبي 15
فقال: إن عمك الشیخ الکافر قد مات، فما تری فیه قال:
((أرى أن تغسله)) وأمره بالغسل. وإسناده ضعيف
لإرساله.
(٢) المدونة ١/ ١٨٧، ونيل المآرب ٢٢٣/١، والتاج والإكليل
٢١١/٢، والحطاب ٢١١/٢، والمغني ٢/ ٥٢٥
(٣) التاج والإكليل ٢/ ٢١١، والمغني ٥٢٥/٥
(٤) روضة الطالبين ١٠٣/٢، وحاشية الجمل ١٤٩/٢
وأما عند الحنفية: فالمرأة لا تمنع من تغسيل
زوجها بشرط بقاء الزوجية ولو كتابية. وأما
عکس ذلك فلا یتأتی عندهم في الأصح، وعند
أحمد في رواية، لأنه ليس للزوج غسلها مطلقا
كما سبق (ف/١٣). (١)
تغسيل الكافر للمسلم :
١٥ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في
المخرج - مقابل الصحيح المنصوص - والحنابلة
إلی أنه لا یصح تغسیل الكافر للمسلم، لأن
التغسيل عبادة، والكافرليس من أهلها، فلا
يصح تغسيله للمسلم كالمجنون. وأيضا فإن
النية واجبة في الغسل والكافر ليس من
أهلها. (٢) وفي الصحيح المنصوص عند
الشافعية أن الكافر لو غسل مسلما فإنه
يكفي. (٣)
هـ - تغسيل الرجال والنساء للأطفال الصغار
وعکسه :
(١) تغسيل الرجال والنساء للأطفال
الصغار:
١٦ - قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه
(١) ابن عابدين ٥٧٥/١، والبدائع ٣٠٥/١، والفتاوى
الهندية ١٦٠/١
(٢) ابن عابدين ١/ ٥٩٧، وبدائع الصنائع ٣٠٣/٢،
ومواهب الجليل ٢/ ٢٥٤، والمجموع ١٤٥/٥، وروضة
الطالبين ٩٩/٢، ونيل المآرب ١/ ٢٢٠، والمغني
٥٢٣/٢.
(٣) روضة الطالبين ٩٩/٢، ونهاية المحتاج ٤٤٢/٢ ط
مصطفى البابي الحلبي.
- ٥٩ -

تغسيل الميت ١٦ - ١٨
من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي
الصغير. (١) وقيده الحنفية والشافعية بالذي
لا یشتھی، والمالکیة بثماني سنین فما دونها،
والحنابلة بما دون سبع سنين. ثم اختلفوا في
تحديد السن على أقوال كثيرة فصلها الفقهاء في
(کتاب الجنائز). (٢)
أما تغسيل الرجال للصغيرة فذهب الحنفية
والشافعية إلى أنه لا بأس للرجل أن يغسل
الصبية التي لا تشتهى إذا ماتت، لأن حكم
العورة غير ثابت في حقها، وإليه ذهب الثوري
وأبو الخطاب. (٣)
ويرى جمهور المالكية أنه يجوز غسل صبية
رضيعة وماقاربها كزيادة شهر على مدة الرضاع،
لا بنت ثلاث سنين. ویری ابن القاسم منهم
أنه لا يغسل الرجل الصبية وإن صغرت جدا .
وقال عیسی : إذا صغرت جدا فلا بأس . (٤)
وصرح أحمد أن الرجل لا يغسل الصبية إلا
ابنته الصغيرة، فإنه يروى عن ابن قلابة أنه
غسل بنتاله صغيرة، وهو قول الحسن أيضا.
(١) بدائع الصنائع ٣٠٦/١، والفتاوى ١/ ١٦٠، ومواهب
الجليل ٢٣٤/٢، والمدونة ١٨٦/١، وحاشية الجمل
١٥١/٢، والمغني ١/ ٥٢٦.
(٢) مواهب الجليل ٢/ ٢٣٤، والمغني ٥٢٦/١
(٣) بدائع الصنائع ٣٠٦/١، والفتاوى الهندية ١٦٠/١،
وحاشية الجمل ١/ ١٦٠، والمغني ٥٢٧/٢
(٤) الشرح الصغير ٥٦٥/١، ومواهب الجليل ٢٣٤/٢
قال ابن قدامة: الصحيح ما عليه السلف
من أن الرجل لا يغسل الجارية، والتفرقة بين
عورة الغلام والجارية، لأن عورة الجارية
أفحش، ولأن العادة معاناة المرأة للغلام
الصغير، ومباشرة عورته في حال تربيته، ولم تجر
العادة بمباشرة الرجل عورة الجارية في الحياة،
فكذلك حال الموت . (١)
(٢) تغسيل الصبي للميت :
١٧ - صرح الحنفية والحنابلة بأنه يجوز للصبي
إذا كان عاقلا أن يغسل الميت، لأنه تصح
طهارته فصح أن يطهر غيره، وهو المتبادر من
أقوال المالكية والشافعية . (٢)
و- تغسيل المخرِم الحلالَ وعكسه، وكيفية
تغسيل المحرم:
١٨ - لا خلاف بين الفقهاء في جواز تغسيل
المحرم الحلال وعکسه، لأن كل واحد منهما
تصح طهارته وغسله، فكان له أن يغسل غيره.
.
وأما كيفية تغسيل المحرم فاختلف الفقهاء
فيها :
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن إحرامه
(١) المغني ٢/ ٥٢٧، ومواهب الجليل ٢/ ٢٣٤
(٢) ابن عابدين ١/ ٥٧٧، ومواهب الجليل ٢٢٣/٢، وحاشية
الجمل ١٤٨/٢، والمغني ٢/ ٥٢٧، وغاية المنتهى ٢٣٠/١
- ٦٠ -
١