Indexed OCR Text
Pages 161-180
تطوع ٢٢ والعارية والوقف والوصية، وإما أن یکون من غير ذلك. فإن كان من عقود التبرعات، فلكل عقد حكمه في جواز الرجوع أو عدم جوازه. ففي الوصية مثلا: يجوز باتفاق الرجوع فيها مادام الموصي حيا. وفي العارية والقرض: يجوز الرجوع بطلب رد الشيء المستعار واسترداد بدل القرض في الحال بعد القبض. وهذا عند غير المالكية، بل قال الجمهور: إن المقرض إذا أجل القرض لا يلزمه التأجيل، لأنه لولزم فيه الأجل لم يبق تبرعا. ويجوز الرجوع في الهبة قبل القبض، فإذا تم القبض فلا رجوع عند الشافعية والحنابلة، إلا فيما وهب الوالد لولده، وعند الحنفية : يجوز الرجوع إن كانت لأجنبي . (١) وفي كل ذلك تفصيل ينظر في أبوابه. وفي (تبرع). أما غير ذلك من التبرعات كالصدقة والإنفاق وما شابه ذلك، فإن کان قد مضی فلا رجوع فيه، ما دام ذلك قد تم بنية التبرع. (١) البدائع ٥/ ٢٣٤ و٢١٦/٦ و٣٧٨/٧، ٣٩٦، والهداية ٢٢٢/٣ - ٢٣١ و٢٣٥/٤، ومنح الجليل ٣/ ٥٠، وجواهر الإكليل ٢١٢/٢، ومغني المحتاج ٧١/٣، والمهذب ٣١٠/١، ٣٧٠، ٤٥٤، ٤٦٨، ومنتهى الإِرادات ٢٢٧/٢، ٥٢٠، ٥٢٥، والمغني ٣٤٩/٤ و٢٢٩/٥ يقول ابن عابدين: لا رجوع في الصدقة لأن المقصود فيها الثواب لا العوض. ويقول ابن قدامة: لا يجوز للمتصدق الرجوع في صدقته في قولهم جميعا، لأن عمر رضي الله عنه قال في حديثه: من وهب هبة على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها. ومثل ذلك الإِنفاق إذا كان بقصد التبرع فلا رجوع فيه. يقول ابن عابدين : إذا أنفق الوصي من مال نفسه على الصبي، وللصبي مال غائب، فهو متطوع في الإِنفاق استحسانا، إلا أن يشهد أنه قرض، أو أنه يرجع به عليه. ويقول ابن القيم : المقاصد تغير أحكام التصرفات، فالنية لها تأثير في التصرفات، ومن ذلك أنه لوقضى عن غيره دَيْنا، أو أنفق عليه نفقة واجبة أو نحو ذلك - ينوي التبرع والهبة - لم يملك الرجوع بالبدل، وإن لم ينوفله الرجوع. على أن في ذلك تفصيلا وخلافا بين المذاهب في بعض الفروع، ومن ذلك مثلا: أن الشافعية يجيزون للأب ولسائر الأصول الرجوع في الصدقة المتطوَّع بها على الولد، أما الواجبة فلا رجوع فيها. ولا يجيزون للأب الرجوع في الإِبراء لولده عن دينه. بينما يجيز الحنابلة رجوع الأب فيما أبرأ ابنَه منه من الديون. (١) (١) ابن عابدين ٤٢٢/٤، ٤٥٨/٥، والمغني ٦٨٤/٥، وإعلام الموقعين ٩٨/٣، وأسنى المطالب ٤٨٣/٢، والاختيارات الفقهية ص ١٨٧ - ١٦١ - تطوع ٢٣ - ٢٥ وينظر تفصيل ذلك في (تبرع، صدقة، إبراء، هبة، نفقة). ٢٣ - أما ما شرع فيه من الصدقة، فأخرج بعضه، فلا يلزمه الصدقة بباقيه . يقول ابن قدامة : انعقد الإجماع على أن الإنسان لونوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة به، فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقيه، وهو نظير الاعتكاف، لأنه غير مقدر بالشرع فأشبه الصدقة، غير أن ابن رجب ذکر خلافا في ذلك. والحطاب عدّ الأشياء التي تلزم بالشروع، وهي سبع: الصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والائتمام والطواف. ثم ذكر ما لا يلزم بالشروع، وأنه لا يجب القضاء بقطعه، وهو: الصدقة والقراءة والأذكار والوقف والسفر للجهاد، وغير ذلك من القربات . (١) وينظر تفصيل ذلك في (تبرع، صدقة). ب - نية التطوع : ٢٤ - التطوع - إن كان عبادة - فلابد فيه من النية بالإِجماع، لقوله تعالى: ﴿وما أُمروا إلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِين له الدِّين﴾(٢) وقوله ◌ِلٍّ : (١) المغني ٣/ ١٨٥، والقواعد لابن رجب ٨٦، ومواهب الجليل ٢ / ٩٠ (٢) سورة البينة / ٥ ((إنما الأعمالُ بالنياتِ))(١) وهي مقصود بها تمييز العبادات عن العادات، وتمييز بعض العبادات عن بعض. فالغسل قد يكون تبردا وعبادة، والإِمساك عن المفطرات قد يكون خِمية أو تداويا، ودفع المال يكون صدقة شرعية وصلة متعارفة .. وهكذا، وعلى ذلك فالنية شرط في العبادات باتفاق، (٢) إلا أن الفقهاء يختلفون في النية في تطوع العبادات بالنسبة للتعيين أو الإطلاق. ٢٥ - والتطوع في العبادات، منه ما هو مطلق كالتهجد والصوم، ومنه ما هو مقيد كصلاة الكسوف والسنن الرواتب مع الفرائض، وكصيام عرفة وعاشوراء. أما التطوع المطلق، فيصح عند جميع الفقهاء أداؤه دون تعيينه بالنية، وتكفي نية مطلق الصلاة أو مطلق الصوم. أما التطوع المعين كالرواتب والوتر والتراويح، وصلاة الكسوف والاستسقاء، وصيام يوم عاشوراء، فإنه يشترط فيه تعيينه بالنية، وذلك عند المالكية والشافعية والحنابلة (١) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) أخرجه البخاري (الفتح ٩/١ - ط السلفية) ومسلم (١٥١٥/٣ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واللفظ للبخاري. (٢) الأشباه لابن نجيم ص ١٩، ٢٣ والذخيرة للقرافي ص ٢٣٥، ٢٣٦، والمنثور ٢٨٧/٣، والمغني ٤٦٤/١ - ١٦٢ - تطوع ٢٦ - ٢٧ :١ وبعض مشايخ الحنفية، غير أن المالكية حددوا المعين عندهم بأنه: الوتر والعيدان وصلاة الكسوف والاستسقاء ورغيبة الفجر، أما غير ذلك فهو من المطلق عندهم. والصحيح المعتمد عند الحنفية أن التطوع المعين أو المقيد يصح دون تعيينه، وأنه يكفي فيه مطلق النية كالتطوع المطلق، وهو ما عليه أكثر مشايخ الحنفية . (١) ٢٦ - أما غير العبادات من التطوعات، فالأصل أنه لا مدخل للنية فيها، إلا أن نية القربة فيها - امتثالا لأوامر الشرع التي تحث على المعروف - مطلوبة لاستحقاق الثواب، إذ أنها لا تتمحض قربة إلا بهذه النية. يقول الشاطبي : المقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات. إلى أن قال: وأما الأعمال العادية - وإن لم تفتقر في الخروج عن عهدتها إلى نية - فلا تكون عبادات ولا معتبرات في الثواب إلا مع قصد الامتثال، وفي الأشباه لابن نجيم: لا يتوقف الوقف ولا الهبة ولا الوصية على النية، فالوصية إن قصد التقرب بها فله الثواب، وإلا فهي صحيحة فقط، وكذلك الوقف إن نوى القربة (١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٢، ٣٣، والبدائع ٢٨٨/١، وحاشية الدسوقي ٣١٨/١، والخطاب ٥١٥/١، والأشباه للسيوطي ص ١٥ - ١٧، والمنثور ٢٧٦/٣، والمهذب ٧٧/١، والمغني ٤٦٦/١، وشرح منتهى الإِرادات ١٦٧/١ فله الثواب وإلا فلا، وعلى هذا سائر القرب لابد فيها من النية، بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى . وفي الشرح الصغير : الهبة من التبرعات المندوبة كالصدقة، وهذا إن صح القصد، وإن استحضر أن ذلك مما رغب فيه الشرع فإنه يثاب. وفي المنثور في القواعد للزركشي : عيادة المريض واتباع الجنازة ورد السلام قربة، لا يستحق الثواب عليها إلا بالنية. (١) جـ - النيابة في التطوع : ٢٧ - التطوع إن كان من العبادات البدنية كالصلاة والصوم، فلا تجوز فيه النيابة، لأنه لا تجوز النيابة في فرضه في الجملة، فلا تجوز في نفله. وإن كان مركبا منهما كالحج، فعند الحنفية والحنابلة تصح النيابة فيه، وهو الأظهر عند الشافعية، وأحد قولين معتمدين عند المالكية. أما غير ذلك من العبادات المالية والتطوعات بأنواع البر والمعروف، كالصدقة والهدي والعتق والوقف والوصية والهبة والإِبراء وغيرها فإنه تجوز النيابة فيها . كما أنه يجوز عند الحنفية والحنابلة أن يتطوع (١) الموافقات للشاطبي ٣٢٣/٢، ٣٢٩، والأشباه لابن نجيم ص ٢٣، ٢٤، والشرح الصغير ٢/ ٣١٢ ط الحلبي بتصرف، والمنثور في القواعد ٦١/٣ - ١٦٣ - تطوع ٢٧ - ٢٨ الإِنسان بجعل ثواب عمله من صلاة وصيام وحج وصدقة وعتق وطواف وعمرة وقراءة وغير ذلك لغيره، من حي أوميت. بدليل أن النبي وَلَه «ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عنه، والآخر عن أمته)). (١) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله وَالخير قال لعمرو بن العاص، لما سأله عن أبيه: ((لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك)). (٢) قال ابن قدامة: وهذا عام في حج التطوع وغيره، ولأنه عمل بر وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب. وعن أنس رضي الله عنه قال :يارسول الله ، إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك لهم؟ قال: ((نعم، إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه))(٣) وقال ◌َّ: ((إن من البر بعد الموت أن (١) حديث: ((ضحی بکیشین أملحین: أحدهما عنه، والآخر عن أمته)) أخرجه البيهقي (٢٦٧/٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأبويعلى كما في مجمع الزوائد (٢٢/٤ - ط القدسي) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وقال الهيثمي : إسناده حسن. (٢) حديث: ((لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حجتم عنه بلغه ذلك)) أخرجه أبوداود (٣/ ٣٠٢ - تحقيق عزت عبید دعاس). (٣) حديث: ((إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما= تصلي لأبويك مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك))(١). وعند المالكية والشافعية يجوز فيما عدا الصلاة والصيام. (٢) وينظر تفصيل ذلك في: (نيابة ۔ وکالة - نفل - صدقة - صلاة - وصوم). د - الأجرة على التطوع : ٢٨ - الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز أخذ الأجرة عليها، كالإِمامة والأذان والحج والجهاد وتعلیم القرآن. لما روى عثمان بن أبي العاص قال: إن آخر ماعهد إلي النبيُّ ◌َهُ ((أن اتَّخِذَ مؤذنا لا يأخذُ على أذانه أجرا))(٣) = يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه)). رواه أبوحفص العکېر ي کما ورد في ابن عابدين ٢/ ٢٣٧ (١) حديث: ((إن من البر بعد الموت أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك)). رواه الدارقطني كما ورد في ابن عابدين ٢/ ٢٣٧ (٢) البدائع ١٣/٢، ٤١، ١٠٣، وابن عابدين ٤٩٣/١، ٦٠٦، ١١٨/٢، ٢٣٧ - ٢٤١، والهداية ١٢٧/١ و١٣٨/٣، ومنح الجليل ٣٠٦/١ ٣١، ٤٤٢، ٤٤٩، ٣٥٢/٣، وجواهر الإكليل ٢/ ١٢٥، والفروق للقرافي ١٩١/٣، والشرح الصغير ٢٦٤/١، ١٨٢/٢، ومغني المحتاج ٦٧/٣، ونهاية المحتاج ٩٢/٦ و١٣٦/٨، وقليوبي ٣٣٨/٢، والمنثور ٣١٢/٣، والمهذب ١/ ٣٥٥، والمغني ٥٦٧/٢، ٥٦٨، ٨٩/٥، وشرح منتهى الإرادات ١/ ١٢١، ٦/٢،٣٦٢ (٣) حديث: ((اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا)) أخرجه أبو داود (٣٦٣/١ ط. عبيد دعاس) والترمذي (٤١٠/١ مصطفی البابي). وقال: حديث عثمان حديث حسن صحیح. - ١٦٤ - تطوع ٢٨ ولأن القربة متى حصلت وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته، فلا يجوز أخذ الأجر عن غيره كما في الصوم والصلاة. هذا مذهب الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة . (١) ويصح مع الكراهة عند المالكية. جاء في الشرح الصغير: تكره إجارة الإِنسان نفسه في عمل لله تعالى، حجا أو غيره، كقراءة وإمامة وتعليم علم، وصحته مع الكراهة. كما تكره الإِجارة على الأذان، قال مالك: لأن يؤاجر الرجل نفسه في عمل اللَبِن وقطع الحطب وسَوْق الإِبل أحبُّ إليَّ من أن يعمل عملا لله بأجرة. وقال الشافعية، كما في نهاية المحتاج: لا تصح إجارة مسلم لجهاد ولا لعبادة يجب لهانية، وألحقوا بذلك الإِمامة ولو لنفل، لأنه حصل لنفسه. أما ما لا تجب له نية كالأذان فيصح الاستئجار عليه، واستثني مما فيه نية: الحجُ والعمرةُ، فيجوز الاستئجار لهما أو لأحدهما عن عاجز أوميت، وتقع صلاة ركعتي الطواف تبعا لهما، وتجوز الإِجارة عن تفرقة زكاةٍ وكفارة وأضحية وهدي وذبح وصوم عن میت وسائر ما يقبل النيابة وإن توقف على النية، لما فيها من شائبة المال. وتصح الإِجارة لکل ما لا تجب له (١) البدائع ١٩٢/٤، والهداية ٣/ ٢٤٠، والمغني ٢٣١/٣ و٥٥٥/٥ - ٥٥٩، والاختيارات الفقهية ص٥٥ نية. وتصح لتجهيز ميت ودفنه وتعليم قرآن ولقراءة القرآن عند القبر أو مع الدعاء. (١) وفي الاختيارات الفقهية لابن تيمية: لا يجوز للإنسان أن يقبل هدية من شخص ليشفع له عند ذي أمر، أو أن يرفع عنه مظلمة، أو يوصل إليه حقه أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة وهو مستحق لذلك، وإذا امتنعت الهدية امتنعت الأجرة من باب أولى . والأصل في ذلك: أن من أخذ أجرا على عمل تطوع - مما يجوز عند الفقهاء - فإنه يعتبر أجيرا، وليس متطوعا بالقربات، لأن القرب والطاعات إذا وقعت بأجرة لم تكن قربة ولا عبادة، لأنه لا يجوز التشريك في العبادة، لكن إذا كان الرزق من بيت المال أومن وقف فإنه يعتبر نفقة في المعنى، ولا يعتبر أجرا. جاء في الاختيارات الفقهية: الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، هل يجوز إيقاعها على غير وجه القربة؟ فمن قال: لا يجوز ذلك، لم يجز الإِجارة عليها، لأنها بالعوض تقع غير قربة (وإنما الأعمال بالنيات) والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، ومن جوز الإجارة جوز إيقاعها على غير وجه القربة، وقال: تجوز الإِجارة عليها لما فيها (١) الشرح الصغير ٢٦٤/١ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٢٨٧/٥، ٢٨٨، ٩١/٦ - ١٦٥ - تطوع ٢٩ - ٣١ من نفع المستأجر، وأما ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضا وأجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة، فمن عمل منهم لله أثيب. وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به كذلك، والمنذور كذلك، ليس كالأجرة. ويقول القرافي: باب الأرزاق أَدْخَلُ في باب الإِحسان وأبعدُ عن باب المعاوضة، وباب الإِجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في باب المكايسة، (١) ثم يقول: الأرزاق مجمع على جوازها، لأنها إحسان ومعروف وإعانة لا إجارة . (٢) انقلاب التطوع إلى واجب: ٢٩ - ينقلب التطوع إلى واجب لأسباب متعددة منها : أ - الشروع : ٣٠ - التطوع بالحج عند جميع الفقهاء يصير واجبا بالشروع فیه، بحیث إذا فسد وجب قضاؤه. ومثل ذلك: الصلاة والصيام عند الحنفية والمالكية . (٣) (١) المكايسة : المغالبة والمسامحة (حاشية الدسوقي ٢/٣) (٢) الاختيارات الفقهية ص ١٨٤، والمغني ٣/ ٢٣١، والفروق للقرافي ٣/ ٣، ٤ وحديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )) سبق تخريجه (ف ٢٤). (٣) البدائع ٢٢٦/١ ٥٢/٢٠، ١٠٨، ١١٧، والشرح الصغير ٢٤٨/١، ومغني المحتاج ٤٤٨/١، والمغني ٣/٣ ب - التطوع بالحج ممن لم يحج حجة الإِسلام: ٣١ - قال ابن قدامة: من أحرم بحج تطوعٍ - ممن لم يحج حجة الإِسلام - وقع عن حجة الإِسلام، وبهذا قال ابن عمر وأنس والشافعي، لأنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوقع عن فرضه كالمطلق. ولو أحرم بتطوع وعليه منذورة وقعت عن المنذورة، ولأنها واجبة فهي كحجة الإِسلام. والعمرة كالحج فيما ذكرنا لأنها أحد النسکین، فأشبهت الآخر. وذهب الحنفية والمالكية إلى : أنه إذا نوى حجة نفل - ولم يكن قد حج حجة الإِسلام - وقع عما نواه، لأن وقت الحج يشبه وقت الصلاة (ظرف) ووقت الصوم (معيار) فأعطي حكمهما، فيتأدى فرضه بمطلق النية، ويقع عن النفل إذا نواه . وقال ابن نجيم: لوطاف بنية التطوع في أيام النحر وقع عن الفرض. وفي البدائع: لو تصدق بجميع ماله على فقير، ولم ينو الزكاة أجزأه عن الزكاة استحسانا. والقياس: أن لا يجوز، لأن الزكاة عبادة مقصودة، فلابد لها من النية. ووجه الإستحسان أن النية وجدت دلالة، وعلى هذا إذا وهب جميع النصاب من الفقير، أونوى تطوعا، ولو أدى مائة لا ینوي الزكاة، ونوى تطوعا، لا تسقط زكاة المائة وعليه أن يزكي الكل - ١٦٦ - تطوع ٣٢ عند أبي يوسف. وعند محمد يسقط عنه زكاة ماتصدق، ولا يسقط عنه زكاة الباقي . (١) جـ - الالتزام أو التعيين بالنية والقول: ٣٢ - جاء في الدر المختار: لو نذر التصدق يوم الجمعة بمكة بهذا الدرهم على فلان، فخالف، جاز. قال ابن عابدين: فلوخالف في بعضها أو كلها، بأن تصدق في غير يوم الجمعة ببلد آخر بدرهم آخر على شخص آخر جاز، لأن الداخل تحت النذر ماهو قربة، وهو أصل التصدق دون التعيين، فبطل التعيين ولزمه القربة . ثم قال ابن عابدين: وهذا ليس على إطلاقه لما في البدائع: لوقال: لله عليَّ أن أطعم هذا المسكين شيئا سماه ولم يعينه، فلابد أن يعطيه للذي سمى، لأنه إذا لم يعين المنذور صار تعيين الفقير مقصودا، فلا يجوز أن يعطي غيره. وفي الاختيار: لا تجب الأضحية على الفقير، لكنها تجب بالشراء، ويتعين ما اشتراه للأضحية. فإن مضت أيام الأضحية ولم يذبح، تصدق بها حية، لأنها غير واجبة على الفقير، فإذا اشتراها بنية الأضحية تعينت للوجوب، والإِراقة إنما عرفت قربة في وقت معلوم، وقد فات فیتصدق بعينها . (١) البدائع ٢ / ٤٠،، والمغني ٣/ ٢٤٦، والأشباه لابن نجيم ص ٤٥، وجواهر الإكليل ١/ ١٧٥، ومسلم الثبوت ٧٢/١، وحاشية الدسوقي مع شرح الدردير ٢/ ٥. وإن كان المضحي غنيا، وفات وقت الأضحية، تصدق بثمنها، اشتراها أوْلا ، لأنها واجبة عليه، فإذا فات وقت القربة في الأضحية تصدق بالثمن إخراجا له عن العهدة . وجاء في نهاية المحتاج: الأضحية سنة، ولكنها تجب بالالتزام، كقوله: جعلت هذه الشاة أضحية كسائر القرب . وفي تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب: الالتزام المطلق يقضى به على الملتزم، ما لم يفلّس أو يمت أو يمرض. وقال ابن رشد في نوازله فيمن عزل لمسكين معین شيئا، وبتّله له بقول أونية، فلا يجوز له أن یصرفه إلی غیره، وهو ضامن له إن فعل. ولو نوى أن يعطيه ولم يبتِّله له بقول ولا نية كره له أن يصرفه إلى غيره. ومعنى بتله: جعله له من الآن. وفي الفواكه الدواني: من أخرج كسرة لسائل فوجده قد ذهب لا يجوز له أكلها، ويجب عليه أن یتصدق بها علی غیره، كما قاله مالك. وقال غيره: يجوز له أكلها، وقال ابن رشد: يحمل كلام غير مالك على ما إذا أخرجها لمعين، فيجوز له أکلها عند عدم وجوده أو عدم قبوله، وحمل كلام مالك على إخراجها لغير معين، فلا يجوز له أكلها بل يتصدق بها على غيره، لأنه لم يعين الذي يأخذها . - ١٦٧ - تطوع ٣٣ - ٣٧ وفي القواعد الفقهية لابن رجب: الهدي والأضحية یتعینان بالتعيين بالقول بلا خلاف. وفي تعيينه بالنية وجهان، فإذا قال: هذه صدقة، تعينت وصارت في حكم المنذورة، وإذا عين بنيته أن يجعلها صدقة - وعزلها عن ماله - فهو كما لو اشترى شاة ينوي التضحية . (١) د - النذر: ٣٣ - النذر بالقرب والطاعات يجعلها واجبة. قال الكاساني: النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة. وفي فتح العلي المالك: النذر المطلق: هو التزام طاعة الله تعالى بنية القربة . (٢) هـ - استدعاء الحاجة : ٣٤ - قال ابن رجب في قواعده: ماتدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان - ولا ضرر في بذله لتيسره، وكثرة وجوده - أو المنافع المحتاج إليها يجب بذله مجانا بغير عوض في الأظهر، ومن ذلك وضع الخشب على جدار الجار إذا لم يضر، واختار بعضهم وجوب بذل الماعون، وهو (١) ابن عابدين ١٢٦/٢، والاختيار ١٩/٥، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٠٧، وفتح العلي المالك ٢٣٤/١، ٢٤٨، والفواكه الدواني ٢/ ٢٢٠، والقواعد الفقهية لابن رجب ص ٨٦، والمغني ٣/ ٥٣٧ (٢) البدائع ٢/ ٢٢٣، وفتح العلي المالك ٢١٨/١ ماخف قدره وسهل (وجرت العادة ببذله)، ومنها: المصحف تجب إعارته لمسلم احتاج القراءة فيه. وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير: العارية مندوبة، وقد یعرض وجوبها، کغني عنها لمن يخشى بعدمها هلاكه. وفي القرض قال: القرض مندوب، وقد يعرض له مايوجبه كالقرض لتخليص مستهلك . (١) و - الملك : ٣٥ - الأصل في العتق أنه مندوب مرغب فيه، لکن یکون واجبا علی من ملك أصله أو فرعه، حيث يعتق عليه بنفس الملك. (٢) أسباب منع التطوع : ٣٦ - يمنع التطوع لأسباب متعددة، منها: أ- وقوعه في الأوقات المنهي عنها: ٣٧ - التطوع بالعبادة في الأوقات التي نهى الشارع عن وقوع العبادة فيها ممنوع، كالصلاة وقت طلوع الشمس أو غروبها أو عند الاستواء، لحديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: (ثلاث ساعات کان رسول الله ٹے ینهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين (١) القواعد لابن رجب ص ٢٢٧، والشرح الصغير وحاشية الصاوي ٢/ ١٠٤، ٢٠٥ ط الحلبي. (٢) الشرح الصغير ٢/ ٤٤٥، والمهذب ٥/٢ - ١٦٨ - تطوع ٣٨ - ٤٠ تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب»(١) ومثل ذلك التطوع بالصوم في أيام العيد والتشريق، (٢) لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ◌َ﴾ ((نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر)). (٣) وينظر في صحة ذلك وتفصيله: (أوقات الصلوات - صلاة - نفل - صوم). ب - إقامة الصلاة المكتوبة : ٣٨ - يمتنع التطوع بالصلاة إذا شرع المؤذن في الإِقامة للصلاة، أو تضيق الوقت بحیث لا يتسع لأداء أي نافلة. (٤) قال النبي ◌َّ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))(٥) (ر: أوقات الصلاة، نفل). (١) حديث: ((ثلاث ساعات .... )) أخرجه مسلم (١/ ٥٦٨ - ٥٦٩ - ط الحلبي). (٢) الاختيار ٤١/١، والدسوقي ١٨٦/١، وأسنى المطالب ١٢٣/١، والمغني ١٠٧/٢ (٣) حديث: ((نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر أخرجه أحمد (٥١١/٢ ط المكتب الإِسلامي)، والبيهقي (٤ / ٢٩٧ ط دار المعرفة) وأصله عند الشيخين. (٤) جواهر الإِكليل ٧٧/١، ومنتهى الإرادات ٣٤٧/١، ومراقي الفلاح/ ١٠٢ (٥) حديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) أخرجه مسلم (٤٩٣/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. جـ - عدم الإِذن ممن يملك الإذن: ٣٩ - من يتوقف تطوعه على إذن غيره لا يجوز له أن يتطوع إلا بعد الإذن له، وعلى ذلك فلا يجوز للمرأة أن تتطوع بصوم أو إعتكاف أو حج إلا بإذن زوجها، ولا يصوم الأجير تطوعاً إلا بإذن المستأجر إذا تضرر بالصوم، ولا يجوز للولد البالغ الإِحرام بنفل حج أو عمرة أو نفل جهاد إلا بإذن الأبوين. (١) وهذا في الجملة، وينظر تفصيل ذلك في: (نفل، صلاة، صوم، حج، إجارة، أنثى). د - الإفلاس في الحجر بالنسبة للتبرعات المالية: ٤٠ - من أحَاط الدين بماله فإنه يمنع شرعا من التصرف في أي وجه من وجوه التبرع كالصدقة والهبة، وهذا بعد الحجر باتفاق، أما قبل الحجر ففيه اختلاف الفقهاء (ر: حجر، تبرع، إفلاس). وتمنع التبرعات المنجزة - كالعتق والهبة المقبوضة والصدقة وغير ذلك - إن زادت على الثلث، وكانت التبرعات في مرض الموت، (١) البدائع ١٠٧/٢، ١٠٨، والأشباه لابن نجيم / ١٧٣، والحطاب ٤٥٣/٢، ٤٥٤، ونهاية المحتاج ٣٥٦/٣، والمغني ٣/ ٢٤٠ - ١٦٩ - تطوع ٤٠ - ٤١ لقول النبي وَل *: ((إنّ الله تصدق عليكم بوفاتكم بثلث أموالكم)). (١) ويتوقف نفاذ تلك التصرفات على إجازة الورثة بعد وفاة المورث . ومن وقف وقفا مستقلا، ثم تبين أن عليه دينا، ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف، وهو في مرض الموت، بيع باتفاق العلماء. ويمنع من التبرع أيضا من تلزمه نفقة غيره، بحيث لا يفضل شيء بعد ذلك . جاء في المنثور: القربات المالية كالعتق والوقف والصدقة والهبة إذا فعلها من علیه دین، أو من تلزمه نفقة غيره ممالا يفضل عن حاجته، يحرم عليه في الأصح، لأنه حق واجب فلا يحل تركه لسنة. وفي القواعد لابن رجب: نص أحمد في رواية حنبل فيمن تبرع بماله بوقف أو صدقة وأبواه محتاجان: أن لهما رده، ونص في رواية أخرى: أن من أوصى لأجانب، وله أقارب محتاجون، أن الوصية ترد عليهم . فتخرج من ذلك أن من تبرع، وعليه نفقة (١) حديث: ((إن الله تصدق عليكم بوفاتكم بثلث أموالكم)) أخرجه ابن ماجة (٩٠٤/٢ ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي إسناده ضعف، قال ابن حجر: طرقه كلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضا (بلوغ المرام ص٢٢١ ط. عبد الحميد أحمد حنفي). واجبة لوارث أودين - ليس له وفاء - لهما رده. (١) وكل هذا في الجملة وينظر في: (حجر، تبرع، هبة، وقف، وصية). هـ - التطوع بشيء من القربات في المعصية : ٤١ - لا يجوز التبرع بشيء فيه معصية الله تعالى، ومن أمثلة ذلك: - لا تصح إعارة الصيد لمحرم بالحج. (٢) - لا تصح الوصية بما هو محرم، كالوصية للكنيسة، والوصية بالسلاح لأهل الحرب. ولا الوصية ببناء كنيسة أو بيت نار أو عمارتهما أو الإِنفاق عليهما . (٣) لا يصح الوقف على معصية ، ولا على ما هو محرم كالبيع والكنائس وكتب التوراة والإِنجيل. ومن وقف على من يقطع الطريق لم يصح الوقف، لأن القصد بالوقف القربة . وفي وقف ذلك إعانة على المعصية . (٤) وهذا كله في الجملة . (١) البدائع ٧/ ١٧٤، والشرح الصغير ٣١٢/٢ ط الحلبي، والخطاب ٥/ ٦٠، ٦١، ونهاية المحتاج ٤/ ٣٥٥، ومغني المحتاج ١٢٠/٣، والمغني ٦٣٣/٥، ٧١/٦، والاختيارات الفقهية ص ١٧٩، والمنثور في القواعد ٢٧٨/٣، والقواعد لابن رجب ص ١٤ (٢) البدائع ٦/ ٢١٤، ٢١٥، والفتاوى الهندية ٤/ ٣٧٢، والشرح الصغير ٢٠٦/٢ ط الحلبي، والمغني ٢٢٥/٥ (٣) المهذب ١/ ٤٥٨، والمغني ٦/ ١٠٥ (٤) الخطاب ٢٣/٥، ونهاية المحتاج ٣٦٥/٥، والمغني ٦٤٥/٥ - ١٧٠ - : تطوع ٤٢ - ٤٤ وفي ذلك خلاف وتفصیل یرجع إليه في : (الوقف، والوصية، والهبة، والتبرع). ثالثا : ما يخص غير العبادات (من أحكام التطوع): الإِيجاب والقبول والقبض: ٤٢ - من التطوعات ما يحتاج إلى الإيجاب والقبول، وذلك في عقود التبرعات، مثل العارية والهبة والوصية لمعين، وكذا الوقف على معين - مع اختلاف الفقهاء في ذلك، واختلافهم في اشتراط القبض أيضا - وتفصيل ذلك فيما يأتي : أ - العارية ٤٣ - الإِيجاب والقبول ركن في عقد العارية باتفاق الفقهاء، وقد يحل التعاطي محل الإِيجاب أو القبول. والقبض لا يمنع الرجوع في العارية عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لأنها عقد غير لازم عندهم، وللمعير الرجوع في العارية في أي وقت، سواء أقبضها المستعير أم لم يقبضها، ويقولون: إن المنافع المستقبلة لم تحصل في يد المستعير، لأنها تستوفى شيئا فشيئا، فكلما استوفى شيئا فقد قبضه، والذي لم يستوفه لم يقبضه، فجاز الرجوع فيه، إلا أن يكون الرجوع في حال يستضرُّبه المستعير، كإعارة أرض لزراعة أودفن ميت، وهذا في الجملة عندهم، وينظر تفصيله في: (عارية). أما المالكية: فالإِعارة عقد لازم عندهم ، فهي تفيد تمليك المنفعة بالإِيجاب والقبول، ولا يجوز الرجوع فيها قبل المدة المحددة، أو قبل إمكان الانتفاع بالمستعار إن كانت مطلقة. (١) وهذا في الجملة كذلك. ب - الهبة : ٤٤ - الإِيجاب والقبول ركن من أركان الهبة باتفاق الفقهاء. أما القبض فلابد منه لثبوت الملك، وذلك عند الحنفية والشافعية، لأن الملك لو ثبت بدونه للزم المتبرع شيء لم يلتزمه، وهو التسلم، فلا تملك بالعقد بل بالقبض، لما روي عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صل أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادّ عشرين وسقا من ماله بالغابة. فلما حضرته الوفاة قال: ((والله، يأبنية ما من الناس أحد أحبّ إليَّ غنىِّ بعدي منك، ولا أعزّ على فقرا بعدي منك، وإني كنتُ نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنتِ جددتیه واختزتیه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث)). (٢) (١) الهداية ٣/ ٢٢٠، والمهذب ١/ ٣٧٠، وشرح منتهى الإِرادات ٣٩٣/٢، وجواهر الإكليل ٢ /١٤٦ (٢) عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي # أنها قالت: ((إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادّ عشرين وسقا من ماله)) . .. أخرجه مالك في الموطأ (٧٥٢/٢ - ط الجمل). - ١٧١ - ٠ تطوع ٤٤ - ٤٥ وماذهب إليه الحنفية والشافعية هورأي بعض الحنابلة. قال المجد ابن تيمية في شرح الهداية: الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض، وكذا صرح ابن عقيل الحنبلي: أن القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها، وکلام الخرقي يدل عليه . والرأي الآخر للحنابلة: أن الهبة تملك بالعقد، فيصح التصرف من الموهوب له فيها قبل القبض. كذا في المنتهى وشرحه، وهو الذي قدمه في الإنصاف. وعلى رأي الحنفية والشافعية، ومن رأى رأيهم من الحنابلة: يجوز الرجوع فيها قبل القبض، لأن عقد الهبة لم يتم. ولكنه عند من يرى ذلك من الحنابلة يكون مع الكراهة، خروجا من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد . وعند المالكية: تملك الهبة بالقبول على المشهور، وللمتهب طلبها من الواهب إن امتنع ولو عند حاكم، ليجبره على تمكين الموهوب له منها. لكن قال ابن عبد السلام: القبول والحيازة معتبران في الهبة، إلا أن القبول ركن والحيازة شرط. أي في تمامها، فإن عدم لم تلزم، وإن كانت صحيحة . على أن الهبة لوتمت بالقبض، فإنه يجور الرجوع فيها عند الحنفية إن كانت لأجنبي، أي غير ذي رحم محرم، لقول النبي ◌َّ: ((الرجلُ أحقُّ بهبته ما لم يُثب منها))(١) أما عند الجمهور فلا يجوز الرجوع فيها بعد القبض، إلا الوالد فيما يهب لولده فإنه يجوز له الرجوع (٢) لقول النبي ◌ُّ: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)). (٣) وينظر تفصيل ذلك في (هبة). جـ ـ الوصية لمعين : ٤٥ - من أركان الوصية الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له المعين، لكن القبول لا يعتبر إلا بعد موت الموصي، ولا يفيد القبول قبل موته، لأن الوصية عقد غير لازم، والموصي يملك الرجوع في وصيته مادام حيا، وبالقبول يملك الموصى له الموصى به، ولا يتوقف الملك على القبض، وهذا عند الحنفية - غير زفر - والمالكية، والشافعية والحنابلة. أما عند زفر فركن الوصية هو الإِيجاب فقط من الموصي، (١) حديث: ((الرجل أحق بهبته مالم يثب منها)) أخرجه ابن ماجة (٧٩٨/٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال البوصيري: في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف. (٢) الاختيار ٤٨/٣، والهداية ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٧، والدسوقي ٤ /١٠١، والشرح الصغير ٣١٢/٢ ط الحلبي، وأسنى المطالب ٤٧٨/٢، ٤٨٢، والمهذب ١/ ٤٥٤، وكشاف القناع ٢٩٨/٤، ٣٠٠ - ٣٠١، ٣١٢، وشرح منتهى الإِرادات ٢/ ٥١٩ (٣) حديث: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٣٤/٥ - ط السلفية) ومسلم (١٢٤/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما. - ١٧٢ - تطوع ٤٦، تطيب ١ - ٢ ويثبت الملك للموصى له من غير قبول کالإرث .(١) وينظر تفصيل ذلك في (وصية). د - الوقف على معين : ٤٦ - الإِيجاب ركن من أركان الوقف، سواء أكان على معين أم لم يكن. أما القبول: فإن كان الوقف على معين فإنه يشترط قبوله، وهذا عند الحنفية والمالكية والشافعية. وعند الحنابلة: لا يفتقر الوقف على معين إلى القبول، لأنه إزالة ملك يمنع البيع، فلم يعتبر فيه القبول كالعتق، أما القبض فليس بشرط عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف، وعند المالكية ومحمد : القبض شرط.(٢) وينظر تفصيل ذلك في ( وقف) . (١) البدائع ٧/ ٣٣١، ٣٤٢، ٣٧٨، والاختیار ٥/ ٦٥، والهداية ٢٣٣/٤ - ٢٣٤، والدسوقي ٤٢٣/٤ - ٤٢٤، والشرح الصغير ٤٦٦/٢ ط الحلبي، وأسنى المطالب ٤٣/٣، والمهذب ٤٥٩/١، وكشاف القناع ٣٤٤/٤، ٣٤٨ (٢) ابن عابدين ٣/ ٣٦٠، ٣٦٤ - ٣٦٥، والاختيار ٤٢/٣، والدسوقي ٧٨/٤، ٨٨، والشرح الصغير ٢/ ٣٠٠، وأسنى المطالب ٢/ ٤٦٣، وكشاف القناع ٢٥٢/٤ تطيب التعريف : ١ - التطيب في اللغة: مصدر تطيب، وهو التعطر. والطيب هو: العطر، وهو ما له رائحة مستلذة، كالمسك والكافور والورد والياسمين والورس والزعفران. (١) ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن هذا المعنى اللغوي . ٢ - والطيب ينقسم إلى قسمين: مذكر، ومؤنث. فالمذکر: مایخفی أثره، أي تعلقه بما مسه من ثوب أو جسد، ويظهر ريحه. والمراد به أنواع الرياحين، والورد، والياسمين. وأما المياه التي تعصر مما ذكر فليس من قبيل المؤنث. والمؤنث: هو مايظهر لونه وأثره، أي تعلقه بما مسه تعلقا شديدا کالمسك، والكافور، والزعفران . (٢) (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح مادة: ((طيب))، ورد المحتار على الدر المختار ٢٧٥/٢، والمجموع شرح المهذب ٢٧٤/٧، ومغني المحتاج ١/ ٥٢٠ (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ٥٩ ط عيسى الحلبي بمصر - ١٧٣ - تطيب ٣ - ٦ الألفاظ ذات الصلة : التزين : ٣ - التزين: هو اتخاذ الزينة، وهي اسم جامع لكل شيء يتزين به، فالتزين ما يحسن به منظر الإِنسان. (١) الحكم التكليفي : ٤ - الأصل سنية التطيب، ويختلف الحكم بحسب الأحوال، على ما سيأتي . تطيب الرجل والمرأة: ٥ - يسن التطيب، لخبر أبي أيوب رضي الله عنه مرفوعا ((أربع من سنن المرسلين: الحناء، والتعطر، والسواك، والنكاح))(٢) ولقول الرسول وصلة ((حبّب إليّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعلتْ قرةُ عيني في الصلاة))(٣) والطيب (١) لسان العرب، والصحاح، والمصباح المنير مادة: ((زين)). (٢) حديث: ((أربع من سنن المرسلين: الحناء، والتعطر، والسواك، والنكاح)). أخرجه الترمذي (٣٨٢/٣ ط. مصطفى الحلبي)، وأحمد (٤٢١/٥ ط. المكتب الإِسلامي)، والبغوي في شرح السنة (٩/ ٥ ط. المكتب الإِسلامي)، وضعفه الأرنؤوط (شرح السنة ٥/٩ ط. المكتب الإسلامي). (٣) حديث: ((حبب إليّ من دنياكم: النساء والطيب ... )). أخرجه أحمد (١٢٨/٣ ط. المكتب الإسلامي) والحاكم والبيهقي. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ العراقي: إسناده جيد. وقال ابن حجر: حسن. (فيض القدير ٣/ ٣٧٠). يستحب للرجل داخل بيته وخارجه، بما يظهر ريحه ويخفى لونه، كبخور العنبر والعود. ويسنّ للمرأة في غير بيتها بما يظهر لونه ويخفى ريحه، لخبر رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((طيب الرجال ماظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما خفي ريحه وظهر لونه))(١) ولأنها ممنوعة في غير بيتها مما ينم عليها، لحديث: ((أيما امرأة استعطرت، فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية))(٢) وفي بيتها تتطيب بما شاءت، مما يخفى أو يظهر، لعدم المانع . التطيب لصلاة الجمعة : ٦ - يندب التطيب لصلاة الجمعة بلا خلاف. (٣) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه ◌ُ ل ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء منكم إلى (١) حديث: ((طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي ... )). أخرجه أحمد (٢/ ٥٤١ ط. المكتب الإسلامي)، وأبو داود (٦٢٥/٢ ط عبيد الدعاس)، والترمذي (١٠٧/٤ ط. مصطفى الحلبي). واللفظ له. وقال: هذا حديث حسن. (٢) حديث: ((أيما امرأة استعطرت ... )) أخرجه أحمد (٤١٤/٤، ٤١٨ ط. المكتب الإسلامي)، والترمذي (١٠٦/٥ ط. مصطفى الحلبي). بنحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (٣) رد المحتار على الدر المختار ١/ ٥٤٧ ط دار إحياء التراث العربي. بيروت. وجواهر الإكليل ١/ ١٣، ٩٦، ونهاية المحتاج ٢٦٢/٢ ط مصطفى الحلبي بمصر، والمغني لابن قدامة ٣٤٩/٢، وكشاف القناع ٤٢/٢ ط الرياض. - ١٧٤ - تطيب ٧ - ٩ الجمعة,فلیغتسل، وإن کان طیب فلیمس منه، وعليكم بالسواك))(١) وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله محصله ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أويمس من طیب بيته، ثم يخرج لا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإِمام، إلا غفر له مابينه وبين الجمعة الأخرى)). (٢) التطيب لصلاة العيد : ٧ - يندب للرجل قبل خروجه لصلاة العيد أن يتطيب بما له ريح لا لون له، وبهذا قال الجمهور. (٣) أما النساء فلا بأس بخروجهن غير متطيبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة، لقوله وقالت : ((لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله، وليخرجن تَفِلات))(٤) والمراد بالتفلات: غير المتطيبات. (١) حديث: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة ... )) أخرجه ابن ماجة (١/ ٣٤٩ ط. عيسى الحلبي). والشافعي (بدائع المغني للساعاتي ١/ ١٥٤ ط دار الأنوار). قال المنذري: إسناده حسن (الترغيب والترهيب (٨٣/٢ ط. التجارية). (٢) حديث: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ... )) أخرجه البخاري (٢/ ٣٧٠ ط. السلفية). (٣) رد المحتار على الدر المختار ١٦٨/٢ ط مصطفى الحلبي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٩٨/١، ونهاية المحتاج ٣٨٢/٢ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٢/ ٣٧٠، ٣٧٥، ٣٧٦، وكشاف القناع ٢/ ٥٢ ط الرياض. (٤) حديث: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ... )). أخرجه= تطيب الصائم : ٨ - يباح للصائم أن يتطيب عند الحنفية. (١) وقال المالكية: يجوز التطيب للصائم المعتكف، ويكره للصائم غير المعتكف. قال الدردير: لأن المعتكف معه مانع یمنعه مما يفسد اعتكافه، وهو لزومه المسجد وبعده عن النساء. (٢) وقال الشافعية: يسن للصائم ترك شم الرياحين ولمسها. والمراد أنواع الطيب، كالمسك والورد والنرجس، إذا استعمله نهارا لما فيها من الترفه، ويجوز له ذلك ليلا، ولو دامت رائحته في النهار، كما في المحرم. (٣) وأما الحنابلة، فقالوا: يكره للصائم شم ما لا يأمن أن يجذبه نَفَسُه إلى حلقه کسحيق مسك، وکافور، ودهن ونحوها، کبخور عود وعنبر . (٤) تطيب المعتكف : ٩ - يجوز للمعتكف أن يتطيب نهارا أو ليلا بأنواع = أبو داود (٣٨١/١ط. عبيد دعاس). وأحمد (٤٣٨/٢ط. الكتاب الإِسلامي) واللفظ له. قال الهيثمي: إسناده حسن. (مجمع الزوائد ٢/ ٣٣ط دار الكتاب العربي). (١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٤١٧ (٢) حاشية الدسوقي ١/ ٥٤٩ (٣) شرح المنهج والحاشية ٣٢٩/٢، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج ٥٨/٤ (٤) كشاف القناع ٢/ ٣٣٠ط النصر الحديثة. - ١٧٥ - تطيب ١٠ - ١١ الطيب عند جمهور الفقهاء، إلا في رواية عن الإِمام أحمد أنه قال: إنه لا يعجبني أن يتطيب. وذلك لأن الاعتكاف عبادة تختص مکانا، فكان ترك الطيب فيه مشروعا كالحج. (١) واستدل القائلون بجواز التطيب بقوله تعالى: ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾.(٢) التطيب في الحج : ١٠ - اتفق الفقهاء على أن التطيب أثناء الإِحرام في البدن أو الثوب محظور. أما التطيب للإِحرام قبل الدخول فيه فهو مسنون استعدادا للإِحرام عند الجمهور، وكرهه مالك(٣) لما روي من كراهته عن عمر، وعثمان، وابن عمر رضي الله عنهم، وجماعة من التابعين. ودليل سنية التطيب في البدن للإِحرام ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت أطيب رسولَ اللّه ◌َل﴿ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت))، (٤) وعنها (١) بدائع الصنائع ١١٦/٢، ١١٧، وحاشية الدسوقي ٥٤٩/١، ومواهب الجليل للحطاب ٤٦٢/٢ط بيروت، ونهاية المحتاج ٢١٤/٣، والمغني لابن قدامة ٢٠٥/٣ط الرياض. (٢) سورة الأعراف / ٣١ (٣) بداية المجتهد ٣٤١/١ ط الكليات الأزهرية بمصر. (٤) حديث: ((كنت أطيب رسول الله وم ثير لإحرامه ... )) أخرجه البخاري (٣٩٦/٣ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٤٦ ط عيسى الحلبي). واللفظ له . رضي الله عنها قالت: ((كأني أنظر إلى وبيصٍ (١) الطيب في مفارق رسول اللّه وَل وهو محرم)). (٢) والصحيح عندهم جواز التطيب بما يبقى جرمه بعد الإِحرام، لصريح حديث عائشة الثاني . وأما المالكية: فحظروا بقاء جرم الطيب وإن ذهبت رائحته . ١١ - أما التطيب في الثوب للإِحرام: فمنعه الجمهور، وأجازه الشافعية في القول المعتمد . فلا يضر بقاء الرائحة الطيبة فى الثوب اتفاقا قياسا للثوب على البدن. لكن نصوا على أنه لو نزع ثوب الإِحرام أو سقط عنه، فلا يجوز له أن يعود إلی لبسه مادامت الرائحة فيه، بل یزیل منه الرائحة ثم يلبسه، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وابن الزبير، وعائشة، وأم حبيبة رضي الله عنهم، والثوري وغيرهم. واحتج الشافعية بحديثي عائشة رضي الله عنها السابقين، وهما صحيحان رواهما البخاري ومسلم، وقالوا: إن الطيب معنى يراد للاستدامة فلم يمنع الإِحرام من استدامته كالنكاح(٣) (١) الوبيص: البريق واللمعان. (٢) حديث: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب ... )) أخرجه البخاري (٣٩٦/٣ط السلفية)، ومسلم (٢ /٨٤٧ط عيسى الحلبي). (٣) المجموع شرح المهذب ٧/ ٢٢١، ٢٢٢ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة . - ١٧٦ - تطيب ١١ وسواء فیما ذکر الطيب الذي یبقی له جرم بعد الإِحرام والذي لا يبقى، وسواء الرجل والمرأة الشابة والعجوز. (١) وذهب الحنفية ۔۔ في الأصح - إلی عدم جواز التطيب للإِحرام في الثوب، ولا يجوز أن يلبس ثوب إحرام مطيبا، لأنه بذلك يكون مستعملا للطيب في إحرامه باستعمال الثوب، وهو محظور على المحرم، والفرق: أن الطيب في الثوب منفصل، أما في البدن فهو تابع له، وسنية التطيب تحصل بتطبيب البدن، فأغنى عن تجويزه في الثوب. (٢) وذهب المالكية: إلى أنه إن تطيب قبل الإِحرام يجب عليه إزالته عند الإِحرام، سواء کان ذلك في بدنه أو ثوبه، فإن بقي في البدن أو الثوب بعد الإِحرام شيء من جرم الطيب - الذي تطيب به قبل الإِحرام - وجبت عليه الفدية، وأما إذا كان في الثوب رائحته، فلا يجب نزع الثوب لکن یکره استدامته ولا فدية. وأما اللون: ففيه قولان عند المالكية، وهذا كله في اليسير، وأما الأثر الكثير ففيه الفدية، واستدل المالكية بحديث يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: ((أتى النبيمَ ﴿ رجلٌ (١) المرجع السابق ٢١٨/٧، ونهاية المحتاج ٣/ ٢٦٢ ط المكتبة الإسلامية . (٢) حاشية رد المحتار على الدر المختار ٤٨١/٢ متضمخ بطيب وعليه جبة فقال: يارسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة، بعدما تضمخ بطيب؟ فقال النبي وَلّ: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)). (١) فاستدلوا بهذا الحديث على حظر الطيب على المحرم في البدن والثوب. (٢) ويقول ابن قدامة: إن طيّب ثوبه فله استدامة لبسه مالم ينزعه، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه، فإن لبسه افتدى، لأن الإِحرام يمنع ابتداء الطيب ولبسَ المطيّب دون الاستدامة. وكذلك إن نقل الطيب من موضع بدنه إلى موضع آخر افتدى، لأنه تطيب في إحرامه، وكذا إن تعمد مسّه أو نحاه من موضعه ثم رده إلیه، فأما إن عرق الطيب أو ذاب بالشمس فسال من موضعه إلى موضع آخر، فلا شيء عليه، لأنه ليس من فعله، (٣) قالت عائشة رضي الله عنها: ((كنا نخرج مع النبي صل إلى مكة فنضمد(٤) جباهنا بالمسك (١) حديث: ((أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات .... )) أخرجه البخاري (٣٩٣/٣ط. السلفية)، ومسلم (٢/ ٨٣٧ط، عيسى الحلبي) واللفظ له . (٢) بداية المجتهد ٣٤١/٣ (٣) المغني لابن قدامة ٢٧٤/٣، ٢٧٥، ومطالب أولي النهى ٣٠٣/٢، ٣٠٤ (٤) أي: نضعه على جباهنا. والحديث دليل على استحباب تطيب المرأة عند الإِحرام كالرجل . - ١٧٧ - تطيب ١٢ المطيب عند الإِحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراها النبي (وَالر فلا ينهانا)).(١) : د ١٢ - وأما التطيب بعد الإِحرام، فإنه يحظر على المحرم استعماله في ثيابه وبدنه، حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي وال# قال: ((ولا تلبسوا من الثياب مامسه وَرْس أو زعفران))(٢) ولما ورد أن النبي ◌َّ﴾ قال في شأن المحرم الذي وَقَصَتْه راحلته ((لا تمسوه بطيب))، وفي لفظ ((لا تحنطوه))(٣) ووجهه: أنه لما منع الميت من الطيب الإِحرامه، فالحي أولى. ومتى تطيب وجبت عليه الفدية، لأنه استعمل ماحرمه الإِحرام ولو للتداوي، ولقوله : ((المحرم: الأشعث الأغبر)). (٤) والطيب ينافي الشعث. (١) حديث: ((كنا نخرج مع النبي قلية إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك ... )) أخرجه أبوداود (٢ / ١٤ ٤ ط عبيد دعاس). والبيهقي (٤٨/٥ط. دار المعرفة). وقال الأرناؤط إسناده حسن (جامع الأصول ٣٦/٣ط. دار البيان). (٢) حديث: ((ولا تلبسوا من الثياب مامسه ورس ... )) أخرجه البخاري (٤٠١/٣ط السلفية)، ومسلم (٨٣٤/٢ط عيسى الحلبي)، وأحمد (٦٣/٢ط المكتب الإِسلامي) واللفظ له . (٣) قال في شأن المحرم الذي وقصته ناقته ((لا تمسوه بطيب)) وفي لفظ ((لا تحنطوه)). أخرجه البخاري (٤ /٦٣ - ٦٤ ط السلفية). ومسلم (٨٦٦/٢ط. عيسى الحلبي). (٤) حديث: ((المحرم الأشعث الأغبر ... )) ذكره ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٢٠) ط الرياض بلفظ ((إن المحرم الأشعثُ الأغبر)) ولم أعثر على من أخرجه بهذا اللفظ. ولكن= ويجب الفداء عند المالكية، (١) والشافعية، (٢) والحنابلة، (٣) لأي تطيب مما هو محظور، دون تقييد بأن يطيب عضوا كاملا أو مقدارا من الثوب معينا. وإنما وجبت الفدية قياسا على الحلق، لأنه منصوص عليه في القران في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رءوسَكم حتى يَبْلُغ الهديُ تَجِلَّه، فمن كان منكم مريضا أوبه أذى من رأسِه فَفِدْيَةٌ من صيام أو صَدَقة أو نُسُك﴾. (٤) ولما ورد عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله ﴾ قال له، حين رأى هوامٌ رأسه: ((أيؤذيك هوام رأسك؟)) قال: قلت: نعم. قال: ((فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة))(٥) وفرق الحنفية بين تطيب وتطيب، فقالوا : تجب شاة إن طيب المحرم عضوا كاملا، مثل = أخرج الترمذي (٢٢٥/٥ط مصطفى الحلبي). بمعناه عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي ◌َّ فقال: من الحاج يارسول الله؟: الشعث التفل وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ... ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٢١٨/٣ ط دار الكتاب العربي). (١) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ٢/ ٦١ - ٦٣، وشرح الزرقاني ٢٩٨/٢ - ٢٩٩ (٢) المجموع ٢٦٩/٧ - ٢٧٤ ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. ونهاية المحتاج ٣٢٥/٣، ٣٣٣ط. مصطفى الحلبي بمصر. (٣) مطالب أولي النهى ٣٣١/٢ (٤) سورة البقرة / ١٩٦ (٥) حديث: ((أيؤذيك هوام رأسك؟ ... )) أخرجه البخاري (٤٥٧/٧ط. السلفية). - ١٧٨ - تطيب ١٢ الرأس واليد والساق، أوما بلغ عضوا كاملا لو جمع. والبدن كله كعضو واحد إن اتحد المجلس، وإن تفرق المجلس فلكل طيب كفارة إن شمل عضوا واحدا أو أكثر، سواء کفر للأول أم لا، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: عليه كفارة واحدة، ولو فدى ولم يزل الطيب لزمه فدية أخرى، لأن ابتداءه كان محظورا، فيكون لبقائه حكم ابتدائه . ووجه وجوب الشاة: أن الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق، وذلك في العضو الكامل فيترتب كمال الموجب . وإن طيب أقل من عضو: فعليه أن يتصدق بنصف صاع من بر، لقصور الجناية إلا أن يكون الطيب كثيرا، فعليه دم. وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يُقَوَّم مايجب فيه الدم فيتصدق بذلك القدر، حتى لو طيب ربع عضو فعليه من الصدقة قدر ربع شاة، وهكذا، لأن تطييب عضو كامل ارتفاق كامل، فكان جناية كاملة، فيوجب كفارة كاملة، وتطييب ما دون العضو الكامل ارتفاق قاصر، فيوجب كفارة قاصرة، إذ الحكم يثبت على قدر السبب، إلا أن يكون الطيب كثيرا فعليه دم، ولم يشترط الحنفية استمرار الطيب لوجوب الجزاء، بل يجب بمجرد التطيب. (١) وأما تطييب الثوب فتجب فيه الفدية عند (١) رد المحتار على الدر المختار ٢/ ٢٠٠ -٢٠٢، والهداية= الحنفية بشرطين : أولهما: أن يكون كثيرا، وهو مايصلح أن يغطي مساحة تزيد على شبر في شبر . والثاني: أن يستمر نهارا، أو ليلة . فإن اختل أحد هذين الشرطين وجبت الصدقة، وإن اختل الشرطان وجب التصدق بقبضة من قمح. (١) والأصل في حظر تطييب الثوب ولبسه بعد الإِحرام قوله وم له: ((لا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس)). (٢) والمحرم - ذكرا كان أو غيره - ممنوع من استعمال الطيب في إزاره أو ردائه وجمیع ثيابه، وفراشه ونعله، حتى لو علق بنعله طيب وجب عليه أن يبادر لنزعه، ولا يضع عليه ثوبا مسه الورس أو الزعفران أو نحوهما من صبغ له طيب. (٣) واستعمال الطيب هو: أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب، مما يقصد منه ريحه غالبا ولو مع غيره، کمسك أو عود، وکافور، وورس، وزعفران، = بهامش فتح القدير ٤٣٨/٢، ٤٣٩ ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت . (١) بدائع الصنائع ١٨٩/٢، ١٩٠ طبعة أولى. (٢) حديث: ((لا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس) سبق تخريجه ف/ ١٢ (٣) الاختيار ١٤٥/١ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ٢١٠/١ ط. مصطفى الحلبي بمصر. - ١٧٩ - تطيب ١٣ - ١٤ وریحان، وورد، ویاسمین، ونرجس، واس، وسوسن، ومنثور، ونمام، وغير ماذكر، مما يتطيب به، ويتخذ منه الطيب، أو يظهر فيه هذا الغرض (١) ١٣ - ويكره للمحرم شم الطيب، وهذا عند الحنفية والشافعية، وقال المالكية : یکره شم الطيب مذكره ومؤنثه دون مس . (٢) وأما الحنابلة: فقالوا: يحرم تعمد شم الطيب كالمسك والكافور ونحوهما، مما يتطيب بشمه كالورد والياسمين. فإن فعل المحرم ذلك وجب الفداء عليه، لأن الفدية تجب فيها يتخذ منه، فكذلك في أصله، وعن الإِمام أحمد رواية أخرى في الورد: لا فدیة علیه في شمه، لأنه زهر شمه على جهته، أشبه زهر سائر الشجر، والأولى تحريمه، لأنه ينبت للطيب ويتخذ منه، أشبه الزعفران، والعنبر. (٣) مايباح من الطيب وما لا يباح بالنسبة للمحرم: ١٤ - قال ابن قدامة: النبات الذي تستطاب (١) المجموع شرح المهذب ٧/ ٢٦٩ وما بعدهاط. المكتبة الإسلامية بالمدينة المنورة، والخرشي على مختصر خليل ٣٥٢/٢ (٢) رد المحتار على الدر المختار ٤٨٧/٢ ط. مصطفى الحلبي بمصر الطبعة الثانية، والمجموع شرح المهذب ٢٧٢/٧ ، وحاشية الدسوقي ٥٩/٢، وشرح الزرقاني ٢٩٦/٢ ط دار الفكر . (٣) مطالب أولي النهى ٢/ ٣٣١ ط المكتب الإسلامي بدمشق، والمغني لابن قدامة ٣١٦/٣، ٣٢٣ ط. مكتبة الرياض الحديثة بالرياض. رائحته على ثلاثة أضرب : أحدها: ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه كنبات الصحراء من الشيح والقيصوم، والخزامى، والفواكه كلها، من الأترج، والتفاح والسفرجل، وغيره، وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب، كالحناء، والعصفر، وهذان يباح شمهما ولا فدية فيهما بلا خلاف، غير أنه روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئا من نبات الأرض، من الشيخ والقيصوم(١) وغيرهما، وقد ((روي أن أزواج رسول اللّه وَلا كن يحرمن في المعصفرات)). الثاني : ماينبته الادميون للطيب ولا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي والنرجس، والبرم، (٢) وفيه وجهان، أحدهما: يباح بغير فدية، قاله عثمان بن عفان، وابر عباس رضي الله عنهم، والحسن، ومجاهد، وإسحاق. والآخر: يحرم شمه، فإن فعل فعليه الفدية، وهو قول جابر، وابن عمر، والشافعي وأبي ثور، لأنه يتخذ للطيب، فأشبه الورد. (٣) الثالث: ماينبت للطيب، ويتخذ منه طيب، كالورد، والبنفسج، والخيرى (٤) وهذا إذا (١) القيصوم: نبات له رائحة كالشيح. (٢) البرم: نبات طيب الرائحة . (٣) المغني لابن قدامة ٣١٥/٣ (٤) الخيري: نبات طيب الزهر. -- ١٨٠ -