Indexed OCR Text

Pages 141-160

تطبيق ١ - ٢
تطبيق
التعريف :
١ - التطبيق في اللغة: مصدر طبق، ومن
معانيه: المساواة والتعميم والتغطية. قال في
المصباح: وأصل الطبق: الشيء على مقدار
الشيء مطبقا له من جميع جوانبه كالغطاء له.
ويقال: طبق السحاب الجو: إذا غشاه، وطبق
الماء وجه الأرض: إذا غطاه، وطبق الغيم: عم
بمطره . (١)
وهو في الاصطلاح الفقهي : أن يجعل المصلي
بطن إحدى كفيه على بطن الأخرى، ويجعلهما
بین رکبتیه وفخذیه . (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - يرى جمهور الفقهاء كراهة التطبيق في
الركوع. واحتجوا بما روي عن
(١) أساس البلاغة للزمخشري ، والقاموس المحيط،
والصحاح، والمصباح المنير مادة: ((طبق))
(٢) المبدع في شرح المقنع ١/ ٤٤٦ ط المكتب الإسلامي،
والمجموع للنووي ٤٠٧/٣ ط المنيرية، ونيل الأوطار
٢٤٤/٢ ط العثمانية .
مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال:
صلیت إلى جنب أبي، فطبقت بین کفي ، ثم
وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي وقال: ((كنا
نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على
الرکب)». (١)
ومن المعروف أن قول الصحابي: كنا
نفعل، وأمرنا ونهينا، محمول على أنه
مرفوع. (٢)
واستدلوا أيضا بقول النبي مَّ لأنس رضي
الله عنه: ((إذا ركعتَ فضعْ يديك على
ركبتيك، وفرج بين أصابعك)). (٣)
قال النووي في شرح صحيح مسلم: وذهب
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وصاحباه
علقمة والأسود إلى أن السنة التطبيق، فقد
أخرج مسلم عن علقمة والأسود أنهما دخلا على
(١) حديث مصعب قال: ((صليت إلى جنب أبي فطبقت بين
كفي ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٢٧٣/٢ ط
السلفية)، ومسلم (١/ ٣٨٠ ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٢) البناية ١٧٨/٢، ١٧٩ ط دار الفكر، والمجموع
٤١١/٣، وكشاف القناع ٣٤٦/١ ط مكتبة النصر
الإِسلامية، والكافي لابن عبدالبر ٢٠٣/١ نشر مكتبة
الرياض، وعمدة القاري ٦/ ٦٣ ط المنيرية، وصحيح
مسلم بشرح النوري ١٥/٥ ط المطبعة المصرية بالأزهر،
ونيل الأوطار ٢ /٢٢٤ ط العثمانية.
(٣) حديث: ((إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك ... ))
أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث أنس (الكامل
٢٠٨٦/٦ ط دار الفكر) وأعله براويه، وهو كثير بن عبدالله
الناجي الأبلي.
- ١٤١ -

تطبيق ٢، تطفل ١ - ٢
عبد الله رضي الله عنه فقال: أصلّى من
خلفكم؟ قالا : نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما
عن یمینه، والآخر عن شماله، ثم رکعنا،
فوضعنا أیدینا علی ركبنا، فضرب أيدينا، ثم
طبق بین یدیه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما
صلى قال: ((هكذا فعل رسول الله (وَ لات)).(١)
قال العيني : وأخذ بذلك إبراهيم النخعي
وأبو عبيدة. وعلل النووي فعلهم: بأنه لم
یبلغهم الناسخ، وهو حدیث مصعب بن سعد
المتقدم . (٢)
تطفل
التعريف :
١ - التطفل في اللغة: مصدر تطفل. يقال: هو
متطفل في الأعراس والولائم أي : هو طفيلي.
قال الأصمعي : الطفيلي: هو الذي يدخل على
القوم من غير أن يدعوه. (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن
هذا المعنى .
فقد عرفه في نهاية المحتاج: بدخول
الشخص لمحل غيره لتناول طعامه بغير إذنه
ولا علم رضاه، أو ظنه بقرينة معتبرة. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الضيف :
٢ - الضيف في اللغة: النزيل الزائر. وأصله
مصدر ضاف، ولذا يطلق على الواحد وغيره،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قال: إنّ هؤلاء ضيفي
(١) حديث علقمة والأسود وغيرهما فقال: ((أصلّى من
خلفكم»؟ أخرجه (مسلم ٣٧٩/١ - ٣٨٠ ط الحلبي)
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/٥ - ١٧، وعمدة
القاري ٦٤/٦، والمجموع ٤١١/٣، والبناية ١٧٨/٢.
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس، ومحيط
المحيط، ومتن اللغة، ومختار الصحاح مادة: ((طفل)).
(٢) نهاية المحتاج ٦/ ٣٧٧
- ١٤٢ -

تطفيف ٣ - ٤
فلا تَفضَحون﴾(١) وتجوز المطابقة، فيقال:
هذان ضيفان .
أما (الضيفن) فهو من يجيء مع الضيف
متطفلا، فالضيفن أخص من الطفيلي، ويطلق
على الداخل على القوم في شرابهم بلا دعوة
(الواغل). (٢)
وفي اصطلاح الفقهاء: الضيف: هو من حضر
طعام غيره بدعوته ولو عموما، أو بعلم رضاه.
وضد الضيف الطفيلي. (٣)
ب - الفضولي :
٣ - الفضولي: من الفضول، جمع فضل. وقد
استعمل الجمع استعمال الفرد فیما لا خير فيه.
ولهذا نسب إليه على لفظه، فقيل فضولي: لمن
يشتغل بما لا يعنيه .
وفي الاصطلاح: هو التصرف عن الغير بلا
إذن ولا ولاية. وأظهر ما يكون في العقود. أما
التطفل فأكثر ما يكون في المادیات، وقد
يستعمل في المعنويات.
الحكم التكليفي للتطفل :
٤ - صرح المالكية والشافعية والحنابلة - وهو
(١) سورة الحجر/ ٦٨
(٢) محيط المحيط، والمصباح المنير.
(٣) محيط المحيط، والمصباح المنير، وقليوبي وعميرة ٣٩٨/٣
المتبادر من أقوال الحنفية - أن حضور طعام الغير
بغير دعوة، وبغير علم رضاه حرام، بل يفسق
به إن تكرر. لما روي عن النبي و سر أنه قال:
((من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله،
ومن دخل على غيرِ دعوةٍ دخل سارقا، وخرج
مُغِيرًا))(١) فكأنه شبه دخوله على الطعام الذي لم
يدع إليه بدخول السارق الذي يدخل بغير إرادة
المالك، لأنه اختفى بين الداخلين. وشبه
خروجه بخروج من نهب قوما، وخرج ظاهرا
بعد ما أكل. بخلاف الدخول، فإنه دخل
مختفیا، خوفا من أن يمنع، وبعد الخروج قد
قضى حاجته، فلم يبق له حاجة إلى
التستر. (٢)
وصرح الشافعية أن من التطفل: أن يدعى
عالم أو صوفي، فيحضر جماعته من غير إذن
الداعي ولا علم رضاه بذلك.
ويرى بعض الفقهاء: أنه إذا عرف من حال
المدعو أنه لا يحضر إلا ومعه أحد ممن يلازمه
يعتبر ذلك كالإِذن، والتفصيل في مصطلح
(١) حديث: ((من دعي فلم يجب فقد عصى الله
ورسوله ... )) أخرجه أبو داود (٤/ ١٢٥ - تحقيق عزت
عبيد دعاس) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
وأعله أبو داود بجهالة أحد رواته.
(٢) قليوبي وعميرة ٢٩٨/٣، ونهاية المحتاج ٣٦٩/٦،
والخرشي ١٣٩/٣، ١٤٠، ونيل الأوطار للشوكاني
٤ /١٧٥، ١٨٠ ط المطبعة العثمانية المصرية سنة
١٣٥٧ هـ.
- ١٤٣ -

تطفل ٥، تطفيف ١ - ٣
(دعوة). (١)
شهادة الطفيلي
٥ - اتفق الفقهاء على أن الطفيلي - إن تكرر
تطفله - ترد شهادته للحديث المذكور، ولأنه
يأكل محرما، ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب
مروءة .
قال ابن الصباغ : وإنما اشترط تكرر ذلك،
لأنه قد يكون له شبهة حتى يمنعه صاحب
الطعام، وإذا تكرر صار دناءة وقلة مروءة. (٢)
(١) الدسوقي ٣٣٨/٢، وكشاف القناع ١٨٠/٥، وحاشية
القليوبي ٢٩٨/٣
(٢) جواهر الإكليل ٣٢٦/١، وابن عابدين ٣٨١/٤،
والفتاوى الهندية ٤٦٩/٣، والزيلعي ٣٣٣/٤، والخرشي
١٧٩/٣، ٩٧٧/٣، وروضة الطالبين ٢٣٢/١١، والمغني
٩/ ١٨١.
تطفيف
التعريف :
١ - التطفيف لغة: البَحْس في الكيل والوزن .
ومنه قوله تعالى: ﴿ويلٌ للمطفِّفين﴾(١)
فالتطفيف: نقص يخون به صاحبه في كيل أو
وزن. (٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
التوفية :
٢ - توفية الشيء: بذله وافيا. (٣)
فالتطفيف ضد التوفية . (٤)
الحكم الإجمالي :
٣ - التطفيف منهي عنه، وهو ضرب من الخيانة
وأكل المال بالباطل، مع ما فيه من عدم المروءة.
(١) سورة المطففين/ ١
(٢) لسان العرب، وتاج العروس، والصحاح مادة: ((طفف)).
(٣) المفردات للراغب الأصفهاني، والصحاح مادة: ((وفى)).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٥ ط عيسى الحلبي.
- ١٤٤ -

تطفيف ٣ - ٤
ومن ثمّ عظّم الله أمر الكيل والوزن، وأمر
بالوفاء فيهما في عدة آيات، فقال سبحانه :
﴿أَوْفُوا الكيلَ ولا تكونوا من الْمُخْسِرِين، وزِنُوا
بالقسطاس المستقيم، ولا تَبْخَسُوا الناسَ
أشياءهم ولا تَعْثَوا في الأرض مُفْسِدين﴾(١) وقال
تعالى: ﴿وأوفوا الكيلَ إذا كِلْتُم وزِنُوا
بالقسطاس المستقيم﴾ (٢) كما توعد الله المطففين
بالويل، وهددهم بعذاب يوم القيامة فقال:
﴿ويلٌ للمطفِّفين، الذين إذا اكْتَالوا على الناس
يَسْتَوَفُون، وإذا كالوهم أو وَزَنوهم يُخْسِرون، ألا
يَظُنُّ أولئك أنهم مَبْعُوثون ليوم عظيم، يومَ يقوم
الناسُ لِرَبِّ العالمين﴾. (٣)
وفي الحديث: ((خمس بخمس، قيل:
يارسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض
قومٌ العهدَ إلا سلط الله عليهم عدوًّهم،
وما حكموا بغير ما أنزلَ الله إلا فشا فيهم
الفقرُ، وما ظهرت فيهم الفاحشةُ إلا فشا فيهم
الموتُ، ولا طفَّفُوا الكيلَ إلا مُنِعُوا النباتَ
وأخذوا بالسِّنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ.
(١) سورة الشعراء / ١٨٢ - ١٨٣
(٢) سورة الإسراء/ ٣٥
(٣) سورة المطففين/ ١ - ٦ وانظر الزواجر ١/ ٢٠٠ ط المطبعة
الأزهرية، والكبائر للذهبي ص١٦٢ ط مؤسسة علوم
القرآن، والحسبة في الإِسلام لابن تيمية ص١٣ نشر المكتبة
العلمية، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٤٨
عنهم المطر)).(١)
قال نافع : كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول
له: اتق الله! أوف الكيل والوزن، فإن المطففين
يوقفون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق.
ونقل ابن حجر تصريح العلماء بأنه من
الكبائر، واستظهره. (٢)
منع التطفيف ، وتدابيره :
٤ - مما يتأكد على المحتسب: المنع من التطفيف
والبخس في المكاييل والموازين والصنجات.
فينبغي له أن يحذر الكيالين والوزانين ويخوفهم
عقوبة الله تعالى، وينهاهم عن البخس
والتطفيف. ومتى ظهر له من أحد منهم خيانة
عزره على ذلك وأشهره، حتى يرتدع به
غيره. (٣)
وإذا وقع في التطفيف تخاصمٌ جاز أن ينظر
فيه المحتسب، إن لم يكن مع التخاصم فيه
(١) حديث: ((خمس بخمس ... )) أخرجه الطبراني في الكبير
٤٥/١١ ط الوطن العربي، قال المنذري: رواه الطبراني في
الكبير وسنده قريب من الحسن وله شواهد (الترغيب
والترهيب ١/ ٥٤٤ ط مصطفى الحلبي).
(٢) التفسير الكبير للرازي ٨٨/٣١، ٨٩، وتفسير الخازن
٤ / ٣٥٩ ط دار المعرفة، والفتوحات الإلهية ٤/ ٥٠٢ ط
مطبعة حجازي، والزواجر لابن حجر الهيثمي المكي
١٩٢/١
(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٩٩ ط دار الكتب
العلمية، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٠ ط مطبعة
السعادة، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ص٨٦ ط دار
الفنون بكمبرج، والحسبة في الإِسلام لابن تيمية ص١٣
- ١٤٥ -

تطفيف ٤ ، تطهر، تطهير، تطوع ١
تجاحد وتناكر. فإن أفضى إلى التجاحد والتناكر
كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة الحسبة،
لأنهم بالأحكام أحق. وكان التأديب فيه إلى
المحتسب .
فإن تولاه الحاكم جاز لاتصاله بحكمه. (١)
وقد فصل الفقهاء القول في التدابير التي
تتخذ للحيلولة دون التطفيف والبخس في الكيل
والوزن، من قيام المحتسب بتفقد عيار الصنج
ونحوها على حين غفلة من أصحابها، وتجديد
النظر في المكاييل ورعاية ما يطففون به المكيال
وما إلى ذلك، (٢) فليرجع إليه في مواطنه من
كتب الحسبة، وفي مصطلحي (حسبة،
وغش).
تطهر
انظر : طهارة
تطهير
انظر : طهارة
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠٠، وللماوردي ٢٢٠
(٢) غابة الرتبة في طلب الحسبة ص١٨ - ٢٠ ط دار الثقافة،
ومعالم القربة في أحكام الحسبة ٨٣ - ٨٦ ط دار الفنون
بکمبرج.
تطوع
التعريف :
١ - التطوع: هو التبرع، يقال: تطوع
بالشيء: تبرع به.
وقال الراغب: التطوع في الأصل: تكلف
الطاعة، وهو في التعارف: التبرع بما لا يلزم
كالتنفل. (١) قال تعالى: ﴿فمن تَطَوَّعَ خيراً فهو
خيرٌ له﴾.(٢)
والفقهاء عندما أرادوا أن يعرفوا التطوع،
عدلوا عن تعريف المصدر إلى تعريف ماهو
حاصل بالمصدر، فذكروا له في الاصطلاح ثلاثة
معان :
الأول: أنه اسم لما شرع زيادة على
الفرائض والواجبات، أو ماكان مخصوصا بطاعة
غير واجبة، أرهو الفعل المطلوب طلبا غير
جازم. وكلها معان متقاربة. وهذا ماذكره بعض
فقهاء الحنفية، وهو مذهب الحنابلة، والمشهور
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح للجوهري،
والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب ٨٩/١،
والمفردات للراغب الأصفهاني .
(٢) سورة البقرة / ١٨٤
- ١٤٦ -

تطوع ١
عند الشافعية. وهو رأي الأصوليين من غير
الحنفية، وهو مايفهم من عبارات فقهاء
المالكية . (١)
والتطوع بهذا المعنى يطلق على : السنة
والمندوب والمستحب والنفل والمرغب فيه والقربة
والإِحسان والحسن، فهي ألفاظ مترادفة.
الثاني: أن التطوع هو ماعدا الفرائض
والواجبات والسنن، وهو اتجاه الأصوليين من
الحنفية، ففي كشف الأسرار: السنة هي
الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض
ولا وجوب، وأما حد النفل - وهو المسمى
بالمندوب والمستحب والتطوع - فقيل: مافعله
خير من تركه في الشرع ... (٢) الخ.
الثالث: التطوع: هوما لم يرد فيه نقل
بخصوصه، بل ینشئه الإِنسان ابتداء، وهو اتجاه
بعض المالكية والقاضي حسين وغيره من
الشافعية . (٣)
هذه هي الاتجاهات في معنى التطوع
(١) التعريفات للجرجاني، والبناية في شرح الهداية ٢ / ٠٥٢٧
وكشاف القناع ٤١١/١، والمجموع شرح المهذب ٢/٤،
والكافي لابن عبدالبر ٢٥٥/١، والخطاب ٢/ ٧٥، وجمع
الجوامع ٨٩/١، وشرح الكوكب المنير / ١٢٦، ونهاية
المحتاج ٢ / ١٠٠، وإرشاد الفحول ٦/١
(٢) كشف الأسرار ٣٠٢/٢ نشر دار الكتاب العربي، وكشاف
اصطلاحات الفنون مادتي: ((طوع، ونفل)).
(٣) المواق بهامش الخطاب ٦٦/٢، ونهاية المحتاج ٢/ ١٠٠،
١٠١، وجمع الجوامع ٩٠/١
ومايرادفه. غير أن المتتبع لما ذكره الأصوليون من
غير الحنفية، وماذكره الفقهاء في کتبھم - بما في
ذلك الحنفية - يجد أنهم يتوسعون بإطلاق
التطوع على ماعدا الفرائض والواجبات،
وبذلك يكون التطوع والسنة والنفل والمندوب
والمستحب والمرغب فيه ألفاظا مترادفة، ولذلك
قال السبكي: إن الخلاف لفظي. (١)
غاية الأمر أن مايدخل في دائرة التطوع بعضه
أعلى من بعض في الرتبة، فأعلاه هو السنة
المؤكدة، كالعيدين، والوتر عند الجمهور،
وكركعتي الفجر عند الحنفية. ويلي ذلك المندوب
أو المستحب كتحية المسجد، ويلي ذلك ماينشئه
الإِنسان ابتداء، لكن كل ذلك يسمى
تطوعا. (٢) والأصل في ذلك قول النبي صلئية
للرجل - الذي سأل بعدما عرف فرائض الصلاة
والصيام والزكاة: هل علي غيرها؟ فقال له :
(لا، إلا أن تطوع)). (٣)
(١) البدائع ٢٨٥/١، ٢٨٦، ٢٩٠، ٢٩٨، والكافي لامن
عبدالبر ٢٥٥/١، والخطاب ٢/ ٧٥
(٢) جمع الجوامع ١/ ٩٠، والكوكب المنير / ١٢٦، وإرشاد
الفحول / ٦، ونهاية المحتاج ٢/ ١٠١، وشرح منتهى
الإِرادات ٢٢٢/١، والکافي لابن عبدالبر ٢٥٥/١
(٣) حديث: ((لا، إلا أن تطوع)) أخرجه البخاري (الفتح
١٠٦/١ - ط السلفية)، ومسلم (٤١/١ - ط الحلبي) من
حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
- ١٤٧ -

تطوع ٢ - ٣
أنواع التطوع :
٢ - من التطوع مايكون له نظير من العبادات،
من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، وهذا هو
الأصل، وهو المتبادر حين يذكر لفظ التطوع.
والتطوع في العبادات يختلف في جنسه
باعتبارات، فهو يختلف من حيث الرتبة، إذ منه
ماهو مؤ کد کالرواتب مع الفرائض، ومنه ماهو
أقل رتبة كتحية المسجد، ومنه ماهو أقل كالنوافل
المطلقة ليلا أو نهارا .
ومن ذلك في الصوم : صيام يومي عاشوراء
وعرفة، فهما أعلى رتبة من الصيام في غيرهما،
والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أفضل
منه في غيرها. كما أن التطوع في العبادات
يختلف في جنسه كذلك من حيث الإِطلاق
والتقييد، فمنه ماهو مقيد، سواء أكان التقييد
بوقت أوبسبب، كالضحى وتحية المسجد
والرواتب مع الفروض. ومنه ماهو مطلق كالنفل
المطلق بالليل أو بالنهار.
ويختلف كذلك من حيث العدد كالرواتب
من الفروض، إذ هي عند الجمهور عشر، وعند
الحنفية اثنتا عشرة ركعة: اثنتان قبل الصبح،
واثنتان قبل الظهر (وعند الحنفية أربع) واثنتان
بعده، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد
العشاء. والتطوع في النهار والليل مثنى مثنى
عند الجمهور، وعند الحنفية الأفضل أربع
بتسلمية واحدة. ومثل ذلك تطوع الليل عند
أبي حنيفة خلافا للصاحبين، وبهذا يفتى. (١)
وفي كل ماسبق تفصيل كثير ينظر في مصطلح
(السنن الرواتب، ونفل) وفیما له أبواب من ذلك
مثل: عيد - كسوف - استسقاء ... الخ.
ومن التطوع مايكون في غير العبادات
كطلب علم غير مفروض. (٢)
وكذلك من أنواع البر والمعروف، كالتطوع
بالإِنفاق على قريب لم تجب عليه نفقته، أو على
أجنبي محتاج، أو قضاء الدين عنه، أو إبراء
المعسر، أو العفو عن القصاص، أو الإِرفاق
المعروف بجعل الغير يحصل على منافع العقار،
أو إسقاط الحقوق ... وهكذا.
ومنه ما يعرف بعقود التبرعات، كالقرض
والوصية والوقف والإعارة والهبة، إذ أنها قربات
شرعت للتعاون بين الناس .
٣ - ومن التطوع ماهو عيني مطلوب ندبا من كل
فرد، كالتطوع بالعبادات غير المفروضة من
صلاة وصيام ... ومنه ماهو على الكفاية
كالأذان وغيره. قال النووي وغيره: ابتداء
السلام سنة مستحبة ليس بواجب، وهو سنة
على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة كفى عنهم
(١) البدائع ٢٨٤/١ - ٢٩٤، ٢٩٥، والهداية ١ / ٦٦، ٦٧،
ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي / ٢١٥، وجواهر
الإكليل ٧٣/١ - ٧٦، والحطاب ٤١٥/١، ونهاية المحتاج
١٠٢/٢ وما بعدها، وكشاف القناع ١/ ٤١١ وما بعدها
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٥٣/١
- ١٤٨ -

تطوع ٤
تسليم واحد منهم. وتشميت العاطس سنة على
الكفاية . (١)
حكمة مشروعية التطوع :
٤ - التطوع یقرب العبد من ربه ویزیدہ ثوابا،
وفي الحديث القدسي : «ومايزال عبدي يتقربُ
اليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه ... ))(٢) الحديث.
والحكمة من مشروعية التطوع هي :
أ - اكتساب رضوان الله تعالی:
وكذلك نیل ثوابه ومضاعفة الحسنات، وقد
ورد في ثواب التطوع بالعبادة أحاديث كثيرة
منها: قول النبي ◌َّر: ((من ثابر على اثنتي عشرة
ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في
الجنة)). (٣) وقوله وَليل: (ركعتا الفجر خير من
الدينا ومافيها))(٤)
(١) البدائع ٢٨٨/١، والفواكه الدواني ٣٨٧/٢، والذخيرة
/ ٨٠، والأذكار للنووي/ ٢١١،٢١٠
(٢) الحديث القدسي : ((ومايزال عبدي يتقرب إلى
بالنوافل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٤١/١١ - ط
السلفية).
(٣) حديث: ((من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة
بنى الله له بيتا في الجنة)) أخرجه الترمذي (٢٧٣/٢ - ط
الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأصله في مسلم
(٥٠٣/١ - ط الحلبي) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها
(٤) حديث: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا ومافيها)) أخرجه
مسلم (١/ ٥٠١ ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله
عنها .
وغير ذلك كثير في شأن الصلاة. (١)
وفي صوم يوم عاشوراء يقول النبي وعلا: ((إني
لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله))(٢)
والمراد الصغائر. حكاه في شرح مسلم عن
العلماء، فإن لم تكن الصغائررجي التخفيف من
الكبائر، فإِن لم تكن رفعت الدرجات، وقال
أمثلة : ((من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال
کان کصيام الدهر».(٣)
وقال الزهري : في الاعتكاف تفريغ القلب
عن أمور الدنيا، وتسلیم النفس إلى بارئها،
والتحصن بحصن حصين، وملازمة بيت الله
تعالى . وقال عطاء: مثل المعتكف كمثل رجل
له حاجة إلى عظيم يجلس على بابه، ويقول :
لا أبرح حتى تقضى حاجتي. (٤)
ومثل ذلك في غير العبادات. يقول الله
تعالى : ﴿مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ اللّه قَرْضا حسنا
فيضاعفَه له أضعافا كثيرة﴾(٥)، ويقول
(١) نهاية المحتاج ١٩٩/٣، والمنثور ٦١/٣، والبدائع
١ /٢٨٤
(٢) حديث: ((إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله))
أخرجه مسلم (٢ /٨١٩ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة
رضي الله عنه .
(٣) حديث: ((من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان
كصيام الدهر)) أخرجه مسلم (٢/ ٨٢٢ - ط الحلبي) من
حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه .
(٤) شرح منتهى الإِرادات ١/ ٤٥٩، والمبسوط ١١٤/٣،
١١٥
(٥) سورة البقرة / ٢٤٥
- ١٤٩ -

تطوع ٥ -٦
ابن عابدين: من محاسن العارية أنها نيابة عن
الله تعالى في إجابة المضطر، لأنها لا تكون إلا
المحتاج كالقرض، فلذا كانت الصدقة بعشرة
والقرض بثمانية عشر. (١)
ب - الأنس بالعبادة والتهيؤ لها :
٥ - قال ابن دقيق العيد: في تقديم النوافل على
الفرائض معنى لطيف مناسب، لأن النفوس
لانشغالها بأسباب الدنیا تكون بعيدة عن حالة
الخشوع والخضوع والحضور، التي هي روح
العبادة، فإِذا قدمت النوافل على الفرائض
أنست النفوس بالعبادة، وتكيفت بحالة تقرب
من الخشوع. (٢)
جـ - جبران الفرائض:
٦ - قال ابن دقيق العيد: النوافل التي بعد
الفرائض هي لجبر النقص الذي قد يقع في
الفرائض، فإذا وقع نقص في الفرض ناسب أن
يقع بعده ما يجبر الخلل الذي قد يقع فيه. (٣)
وفي الحديث: ((فإِن انتقص من فريضته
شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي
(١) حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٠٢
(٢) الشرح الصغير ١٤٥/١ ط الحلبي.
(٣) الشرح الصغير ١٤٥/١
من تطوع ؟ فيكمل به ما انتقص من
الفريضة)). (١)
قال المناوي في شرحه الكبير على الجامع
عند قوله مَّله: ((أول ما افترض الله على أمتي
الصلاة ... ))(٢) واعلم أن الحق سبحانه
وتعالى لم يوجب شيئا من الفرائض غالبا إلا
وجعل له من جنسه نافلة، حتى إذا قام العبد
بذلك الواجب - وفيه خلل ما - يجبر بالنافلة التي
هي من جنسه، فلذا أمر بالنظر في فريضة
العبد، فإِذا قام بها کما أمر الله جوزي عليها،
وأثبتت له، وإن كان فيها خلل كملت من نافلته
حتى قال البعض: إنما تثبت لك نافلة إذا
سلمت لك الفريضة. (٣) ولذلك يقول القرطبي
في شرح مسلم: من ترك التطوعات ولم يعمل
بشيء منها فقد فوت على نفسه ربحا عظيما
وثوابا جسیما . (٤)
(١) حديث: ((فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب
عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع)) أخرجه الترمذي
وحسنه (٢٦٩/٢ - ٢٧٠ ط مصطفى البابي) وابن ماجة
(٤٥٨/١ ط عيسى الحلبي) ونقل أحمد شاكر عن ابن حجر
تصحيحه، (الترمذي ٢/ ٢٧١ ط مصطفى الحلبي).
(٢) حديث: ((أول ما افترض الله على أمتي الصلاة)) عزاه
السيوطي في الجامع الصغير إلى الحاكم في الکنی وحسنه،
وسكت عنه المناوي، (فيض القدير ٩٥/٣. ط المكتبة
التجارية).
(٣) نهاية المحتاج ٢/ ١٠٢، وكشاف القناع ١/ ٤١١
(٤) الحطاب ٢/ ٧٥
- ١٥٠ -

تطوع ٧ -٨
د - التعاون بين الناس وتوثيق الروابط بينهم
واستجلاب محبتهم :
٧ - التطوع بأنواع البر والمعروف ينشر التعاون
بين الناس، ولذلك دعا الله إليه في قوله:
﴿وتعاوَنُوا على البِرّ والتقوى﴾(١)، ويقول النبي
وَله: ((والله في عَوْنِ العبد مادام العبد في عون
أخيه))(٢) وفي فتح الباري عند قول النبي رَّ:
((اشفَعُوا تُوجروا)). (٣) يقول ابن حجر: في
الحديث الحض على الخير بالفعل، وبالتسبب
إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف
كربة ومعونة ضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر
على الوصول إلى الرئيس . (٤)
كذلك يقول النبي وَ لّ: ((تهادُوا تحاُبُّوا))(٥)
أفضل التطوع :
٨ - اختلف الفقهاء في أفضل التطوع، فقيل:
(١) سورة المائدة / ٢
(٢) حديث: ((والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه)»
أخرجه مسلم (٤ /٢٠٧٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) حديث: ((اشفعوا تؤجروا)) أخرجه البخاري (الفتح
٢٩٩/٣ - ط السلفية). من حديث أبي موسى الأشعري.
(٤) فتح الباري ١٠ / ٤٥١ ط مكتبة الرياض الحديثة .
(٥) حديث: ((تهادوا تحابوا)) أخرجه البخاري في الأدب المفرد
(ص ١٥٥ - ط السلفية) وحسنه ابن حجر في التلخيص
(٣/ ٧٠ - ط شركة الطباعة الفنية).
أفضل عبادات البدن الصلاة. ففرضها أفضل
من فرض غيرها، وتطوعها أفضل من تطوع
غيرها، لأنها أعظم القربات، لجمعها أنواعا
من العبادات لا تجمع في غيرها. قال بهذا
المالكية، وهو المذهب عند الشافعية، ولهم قول
آخر بتفضيل الصيام .
قال صاحب المجموع: وليس المراد بقولهم :
الصلاة أفضل من الصوم: أن صلاة ركعتين
أفضل من صيام أيام أو يوم، فإِن الصوم أفضل
من ركعتين بلاشك، وإنما معناه أن من لم يمكنه
الجمع بين الاستكثار من الصلاة والصوم، وأراد
أن يستكثر من أحدهما، أويكون غالبا عليه،
منسوبا إلى الإِكثار منه، ويقتصر من الآخر على
المتأكد منه، فهذا محل الخلاف والتفصيل.
والصحيح تفضيل الصلاة. (١)
ويقول الحنابلة: إن أفضل تطوعات البدن
الجهاد لقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللّه المجاهدين
بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً﴾(٢) ثم
النفقة فيه لقوله تعالى : ﴿مَثَلُ الذين ينفقون
أموالهم في سبيل اللّه كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبتتْ سبعَ
سَنَابِلَ ... ﴾(٣) الآية، ثم تعلم العلم
(١) الشرح الصغير ١٤٥/١ ط الحلبي، والمهذب ١/ ٨٩،
والمجموع شرح المهذب ٣ / ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٥٩
(٢) سورة النساء / ٩٥
(٣) سورة البقرة / ٢٦١
- ١٥١ -

تطوع ٩
وتعليمه، لحديث: ((فضل العالمِ على العابِدِ
کفضلي علی أدناكم)».(١)
ثم الصلاة أفضل بعد ذلك، للإِخبار بأنها
أحب الأعمال إلى الله، ومداومته مَ﴿ على
نفلها. ونص الإِمام أحمد على أن الطواف
الغريب أفضل منها، أي من الصلاة بالمسجد
الحرام، لأنه خاص به يفوت بمفارقته بخلاف
الصلاة، فالاشتغال بمفضول يختص بقعة أو
زمنا أفضل من فاضل لا يختص، واختار
عز الدين بن عبدالسلام تبعا للغزالي في
الإِحياء: أن أفضل الطاعات على قدر المصالح
الناشئة عنها. (٢)
٩ - ويتفاوت مايتعدى نفعه في الفضل، فصدقةٌ
على قريب محتاج أفضل من عتق أجنبي، لأنها
صدقة وصلة ونحو ذلك.
وفي المنثور في القواعد للزركشي : لوملك
عقارا، وأراد الخروج عنه، فهل الأولى الصدقة
به حالا ، أم وقفه؟ قال ابن عبدالسلام : إن کان
ذلك في وقت شدة وحاجة فتعجيل الصدقة
أفضل، وإن لم يكن كذلك ففيه وقفة، ولعل
الوقف أولى، لكثرة جدواه. وأطلق ابن الرفعة
(١) حديث: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم))
أخرجه الترمذي (٥/ ٥٠ - ط الحلبي) من حديث أبي أمامة
رضي الله عنه واستغربه.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/١، ٢٢٣، وكشاف القناع
١/ ٤١١، ٤١٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٦٠
تقديم صدقة التطوع به، لما فيه من قطع حظ
النفس في الحال بخلاف الوقف.
وفي المنثور أيضا: مراتب القرب تتفاوت،
فالقربة في الهبة أتم منها في القرض، وفي الوقف
أتم منها في الهبة، لأن نفعه دائم يتكرر،
والصدقة أتم من الكل، لأن قطع حظه من
المتصدق به في الحال. (١)
وقيل: إن القرض أفضل من الصدقة. (٢)
لأن رسول الله ێ﴾ ((رأى ليلة أسرى به مكتوبا
على باب الجنة: درهم القرض بثمانية عشر،
ودرهم الصدقة بعشر، فسأل جبريل: ما بال
القرض أفضل من الصدقة: فقال: لأن السائل
يسأل وعنده، والمقترض لا يقترض إلا من
حاجة)). (٣)
وتكسّب مازاد على قدر الكفاية - لمواساة
الفقير أو مجازاة القريب - أفضل من التخلي لنفل
العبادة، لأن منفعة النفل تخصه، ومنفعة
الكسب له ولغيره، (٤) فقد قال عليه الصلاة
والسلام: ((خير الناس أنفعهم للناس)) (٥) وعن
(١) المنثور ٣٤٥/١، ٦٢/٣
(٢) منح الجليل ٤٦/٣، والمهذب ٣٠٩/١
(٣) حديث: ((رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة ... ))
أخرجه ابن ماجة (٨١٢/٢ - ط الحلبي) وقال البوصيري:
في إسناده خالد بن يزيد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهم.
(٤) الاختيار ١٧٢/٤
(٥) حديث: ((خير الناس أنفعهم للناس)) أخرجه =
- ١٥٢ -

تطوع ١٠
عمر بن الخطاب قال: ((إن الأعمال تتباهى،
فتقول الصدقة: أنا أفضلُكم)). (١)
وفي الأشباه لابن نجيم : بناء الرباط بحيث
ينتفع به المسلمون، أفضل من الحجة
الثانية . (٢)
الحكم التكليفي :
١٠ - الأصل في التطوع أنه مندوب. (٣) سواء
أكان ذلك في العبادات من صلاة وصيام ... أم
كان في غيرها من أنواع البر والمعروف، كالإِعارة
والوقف والوصية وأنواع الإِرفاق.
والدليل على ذلك من الكتاب آيات منها:
قوله تعالى: ﴿وتعاوَنُوا على البر
والتقوى﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿من ذا الذي
يُقْرض اللّه قَرْضًا حسنا فيضاعفَه له أضعافاً
كثيرةً﴾ . (٥)
= القضاعي في مسند الشهاب (٢٢٣/٢ - ط الرسالة) من
حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وهو حسن لطرقه.
(١) عن عمر بن الخطاب قال: إن الأعمال تتباهى، فتقول
الصندقة: أنا أفضلكم. أخرجه ابن خزيمة (٤ / ٩٥ - ط
المكتب الإسلامي) وأعله بجهالة أحد رواته .
(٢) الأشباه لابن نجيم / ١٧٤
(٣) الفواكه الدواني ٢١٦/٢، ٣٦٢، والاختيار ١٧٢/٤
و٥٥/٣، والمهذب ٨٩/١، ١٩٤، ٣٠٩، ومغني المحتاج
١٢٠/٣، وشرح منتهى الإرادات ٢٢٢/١، ٢٢٣، ومنح
الجليل ٣/ ٤٦، ٤٨٧
(٤) سورة المائدة / ٢
(٥) سورة البقرة / ٢٤٥
ومن السنة قوله وَله: ((من صلى ثنتي عشرة
ركعة في يوم وليلة بُنيَ له بهن بيت في الجنة))(١)
وقوله: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال
كان كصيام الدهر))(٢) وقوله: ((اتقوا النار ولو
بشق تمرة))(٣) وقوله: ((لا يمنع أحدُكم جارَه أن
يَغْرِزَ خشبه في جداره)). (٤)
وقد يعرض له الوجوب، كبذل الطعام
للمضطر، وكإعارة ما يستغنى عنه لمن يخشى
هلاكه بعدمها، وكإعارة الحبل لإِنقاذ غريق . (٥)
وقد يكون حراما، كالعبادة التي تقع في
الأوقات المحرمة كالصلاة وقت طلوع الشمس
أو غروبها، وكصيام يومي العيد، وأيام
التشريق، وکتصدق المدین مع حلول دينه
(١) حديث: ((من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن
بيت في الجنة)) أخرجه مسلم (٥٠٣/١ - ط الحلبي) من
حديث أم حبيبة رضي الله عنها .
(٢) حديث: ((من صام رمضان ثم ستا من شوال كان كصيام
الدهر)» تقدم تخريجه (ف/ ٤).
(٣) حديث: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٨٣/٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ /٧٠٤ - ط
الحلبي) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه .
(٤) حديث: ((لا يمنع أحدكم جارة أن يغرز خشبه في جداره))
أخرجه البخاري (الفتح ١١٠/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٢٣٠/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه .
(٥) المهذب ٢٥٧/١، والمنح ٤٨٧/٣، والقواعد لابن رجب
ص ٢٢٨
- ١٥٣ -

تطوع ١١ - ١٣
والمطالبة به، وعدم وجود مايسدد به دينه. (١)
وقد یکون یکون مكروها، كوقوع الصلاة في
الأوقات المكروهة، كما أنه يكره ترك التسوية في
العطية لأولاده. (٢)
أهلية التطوع :
١١ - التطوع يكون في العبادات وغيرها، أما
العبادات فإنه يشترط في المتطوع بها ما يلي:
أ - أن يكون مسلما، فلا يصح التطوع
بالعبادات من الكافر، لأنه ليس من أهل
العبادة .
ب - أن يكون عاقلا، فلا تصح العبادة من
المجنون، لعدم صحة نيته. وهذا في غير الحج،
لأنه في الحج حرم عنه وليه، وكذلك محرم الولي
عن الصبي غير المميز.
جـ - التمييز، فلا يصح التطوع من غير
المميز، ولا يشترط البلوغ، لأن تطوع الصبي
بالعبادات صحیح. (٣)
وأما بالنسبة لغير العبادات: فإِن الشرط هو
أهلية التبرع من عقل وبلوغ ورشد، فلا يصح
(١) المنثور في القواعد ٢٧٨/٣، ومنح الجليل ٤٨٩/٣
(٢) جواهر الإكليل ٣٤/١، ومغني المحتاج ٤٠١/٣
(٣) الأشباه لابن نجيم ص ٥٠، ٣٠٧، والأشباه للسيوطي
ص ٢١٤، ٢١٩
تبرع محجور عليه لصغر أو سفه أو دَيْن أو غير
ذلك.(١)
وتفصيل هذا ينظر في (أهلية).
أحكام التطوع :
١٢ - أحكام التطوع منها ما يخص العبادات،
ومنها ما يشمل العبادات وغيرها، ومنها ما يخص
غیر العبادات، وبيان ذلك فيما يأتي :
(أولا) ما يخص العبادات :
أ - ماتسن له الجماعة من صلاة التطوع :
١٣ - تسن الجماعة لصلاة الكسوف باتفاق بين
المذاهب، وتسن للتراويح عند الحنفية
والشافعية والحنابلة. وهي مندوبة عند المالكية،
إذ الأفضل الانفراد بها - بعيدا عن الرياء - إن لم
تعطل المساجد عن فعلها فيها. وتسن الجماعة
كذلك لصلاة الاستسقاء عند المالكية والشافعية
والحنابلة، أما عند الحنفية فتصلى جماعة وفرادى
عند محمد، ولا تصلى إلا فرادى عند
أبي حنيفة. وتسن الجماعة لصلاة العيدين عند
المالكية والشافعية. أما عند الحنفية والحنابلة
فالجماعة فيها واجبة. ويسن الوتر جماعة عند
الحنابلة.
وبقية التطوعات تجوز جماعة وفرادى عند
(١) الشرح الصغير ٣١٢/٢ ط الحلبي، والهداية ٤/ ٢٣٤،
ونهاية المحتاج ٣٥٦/٥
- ١٥٤ -

تطوع ١٤
الشافعية والحنابلة، وتكره جماعة عند الحنفية إذا
كانت على سبيل التداعي، وعند المالكية
الجماعة في الشفع والوترسنة والفجر خلاف
الأولى . أما غير ذلك فيجوز فعله جماعة، إلا أن
تكثر الجماعة أو يشتهر المکان فتکره الجماعة حذر
الرياء. (١)
والتفصيل ينظر في (صلاة الجماعة - نفل).
مكان صلاة التطوع :
١٤ - صلاة التطوع في البيوت أفضل، لقول
النبيِ وَله: ((صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإِن
أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))(٢)
ويستثنى من ذلك ماشرعت له الجماعة، ففعله
في المسجد أفضل، ويستثنى كذلك عند المالكية
صلاة الرواتب مع الفرائض، فيندب فعلها في
المسجد، كما أن تحية المسجد تصلى في
المسجد .
ويستحب للمصلي عند الجمهور أن يتنفل في
غير المكان الذي صلى فيه المكتوبة. (٣) وقال
(١) البدائع ٢٧٤/١، ٢٨٠، ٢٩٨، والشرح الصغير
١٥٢/١، وجواهر الإكليل ٧٤/١، ٧٦، ونهاية المحتاج
١٠٢/١، ١٢٠، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٢٢٤،
والمغني ١٤٢/٢، ونيل المآرب ٢٠٤/١ ط الفلاح.
(٢) حديث: ((صلوا أيها الناس في بيوتكم)) أخرجه البخاري
(الفتح ٢/ ٢١٤ - ط السلفیة) من حديث زيد بن ثابت
رضي الله عنه.
(٣) الفواكه الدواني ٢/ ٣٦٥، والحطاب ٢/ ٦٧، =
الكاساني من الحنفية: يكره للإِمام أن يصلي
شيئا من السنن في المكان الذي صلى فيه
المكتوبة، لما روي عن النبي ◌ُّر أنه قال:
((أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدمَ أو
يتأخر))(١)، ولا يكره ذلك للمأموم، لأن الكراهة
في حق الإِمام للاشتباه، وهذا لا يوجد في حق
المأموم، لكن يستحب له أن يتنحى أيضا،
حتى تنكسر الصفوف، ويزول الاشتباه على
الداخل من كل وجه(٢) وقال ابن قدامة: قال
أحمد: لا يتطوع الإِمام في مكانه الذي صلى فيه
المكتوبة. كذا قال علي بن أبي طالب رضي اللّه
عنه. قال أحمد: ومن صلى وراء الإِمام فلا
بأس أن يتطوع مكانه، فعل ذلك ابن عمر
رضي الله عنهما. وبهذا قال إسحاق، وروى
أبوبكر حديث علي بإسناده. وبإسناده عن
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أن النبي وَّ
= والكافي لابن عبدالبر ٢١٢/١، ٢٦٠، والمغني
١٢٨/٢،٥٦١/١، ١٤١، ومنتهى الإرادات ٢٣١/١،
والمهذب ١/ ٩١، ٩٢، ومغني المحتاج ١٨٣/١
(١) حديث: ((أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر))
أخرجه ابن ماجة (٤٥٨/١ ط عيسى الحلبي)، وأبو داود
(٤٠٩/١ ط عبيد الدعاس). وضعف الحديث الحافظ في
فتح الباري (٢/ ٣٣٥ ط السلفية). لكنه حسن إسناده عند
ابن أبي شيبة عن علي بلفظ ((من السنة أن لا يتطوع الإِمام
حتی یتحول من مكانه)) فهو إن شاء الله بشواهده حسن
الإِسناد.
(٢) البدائع ٢٨٥/١، ٢٩٨
- ١٥٥ -

تطوع ١٥
قال: ((لا يتطوع الإِمام في مقامه الذي يصلي فيه
المكتوبة)). (١)
صلاة التطوع على الدابة :
١٥ - يجوز باتفاق المذاهب صلاة التطوع على
الدابة في السفر. قال ابن قدامة : لا نعلم خلافا
بين أهل العلم في إباحة التطوع على الراحلة في
السفر الطويل. قال الترمذي : هذا عند عامة
أهل العلم، وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على أنه
جائز لكل من سافر سفرا يقصر فيه الصلاة أن
يتطوع علی دابته حيثما توجهت، یومیء
بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من
الركوع .
ويجوز عند الحنابلة التطوع على الراحلة في
السفر القصير أيضا، لقوله تعالى :
﴿ولله المشرقُ والمغربُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فثمَّ
وجهُ الله﴾(٢)، قال ابن عمر رضي الله عنهما:
نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه به
بعيرك. وهذا يتناول بإطلاقه محل النزاع، وعن
(١) المغني ١/ ٥٦٢.
وحديث: ((لا يتطوع الإِمام في مقامه الذي يصل فيه
المكتوبة» أخرجه ابن عدي في الكامل (١٩٩٧/٥ ط دار
الفكر)، وأبو داود (١/ ٤٠٩ط عبيد الدعاس)، وابن ماجة
(٤٥٩/١ ط عيسى الحلبي) بنحوه. انظر تخريج الحديث
السابق، وهو بشواهده حسن الإِسناد.
(٢) سورة البقرة / ١١٥
ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ول ((كان
يوتر على بعيره))، وفي رواية: ((كان يسبح على
ظهر راحلته حیث کان وجهه، یومیء برأسه))
وكان ابن عمر يفعله. (١) وللبخاري: ((إلا
الفرائض)) ولمسلم وأبي داود: ((غير أنه لا يصلي
عليها المكتوبة)) ولم يفرق بين قصير السفر
وطويله، ولأن إباحة الصلاة على الراحلة
تخفيف في التطوع، كيلا يؤدي إلى قطعها
وتقليلها . (٢)
والوتر واجب عند الحنفية، ولهذا لا يؤدى
على الراحلة عند القدرة على النزول. كذلك
روى الحسن عن أبي حنيفة أن من صلى ركعتي
الفجر على الدابة من غير عذر وهو يقدر على
النزول لا يجوز، لاختصاص ركعتي الفجر
بزيادة توکید وترغیب بتحصیلھا وترهیب وتحذیر
على تركها، فالتحقت بالواجبات كالوتر. (٣)
وينظر تفصيل ذلك في: (نفل - نافلة).
(١) حديث: ((كان يوتر على بعيره)) وفي رواية: ((كان يسبح
علی ظهر راحلته حیث کان وجهه. یومیء برأسه وكان ابن
عمر یفعله» أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ٥٧٣ ط
السلفية) ومسلم (١/ ٤٨٧ ط الحلبي).
(٢) وهذا يتناول كل وسائل النقل الحديثة من السيارات
والطائرات على تفصيل ينظر في ملحق المسائل المستحدثة.
(٣) البدائع ٢٧١/١، ٢٩٠، ومابعدها، والهداية ١ / ٦٩،
وجواهر الإِكليل ٤٤/١، ومغني المحتاج ١٤٢/١، والمغني
٤٣٤/١، ٤٣٥
- ١٥٦ -

تطوع ١٦ - ١٨
صلاة التطوع قاعدا :
١٦ - تجوز صلاة التطوع من قعود باتفاق بين
المذاهب. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في
إباحة التطوع جالسا، وأنه في القيام أفضل،
وقد قال النبي ◌ّ: ((من صلى قائما فهو أفضل،
ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم))(١) ولأن
كثيرا من الناس يشق عليه القيام، فلو وجب في
التطوع لترك أكثره، فسامح الشارع في ترك
القيام فيه ترغيبا في تكثيره. (٢)
الفصل بين الصلاة المفروضة وصلاة التطوع :
١٧ - يستحب أن يفصل المصلى بين الصلاة
المفروضة وصلاة التطوع بعدها بالأذكار
الواردة، كالتسبيح والتحميد والتكبير، وهذا
عند الجمهور. وعند الحنفية يكره الفصل بين
المكتوبة والسنة، بل يشتغل بالسنة . (٣)
وللتفصيل : (ر: نفل).
قضاء التطوع :
١٨ - إذا فإِت التطوع - سواء المطلق، أو المقيد
(١) حديث: ((من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله
نصف أجر القائم)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ٥٨٦
- ط السلفية) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(٢) الهداية ٦٩/١، والبدائع ٢٩٧/١، ٢٩٨، وجواهر
الإكليل ٥٧/١، ومغني المحتاج ١٥٥/١. والمغني
١٤٢/٢
(٣) الاختيار ٦٦/١، وجواهر الإكليل ٧٣/١، والمهذب
٨٧/١، ومنتهى الإرادات ١٩٤/١
بسبب أو وقت - فعند الحنفية والمالكية لا يقضى
سوى ركعتي الفجر، لما روت أم سلمة رضي اللّه
عنها قالت: ((صلى رسول اللّه تحليل العصر ثم
دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت:
يارسول الله! صليتَ صلاةً لم تكن تصليها
فقال: قدم عليَّ مالٌ فشغلني عن الركعتين كنت
أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن. فقلت:
يارسول الله أفنقضيها إذا فاتتا؟ قال: لا)).(١)
وهذا نص على أن القضاء غير واجب على
الأمة، وإنما هو شيء اختص به النبي ێ ،
ولا شركة لنا في خصائصه. وقياس هذا الحديث
أنه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلا، إلا أنا
استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض، لأن
النبيِ مَ﴾ ((فعلهما مع الفرض ليلة
التعريس))(٢) فنحن نفعل ذلك لنكون على
طريقته. وهذا بخلاف الوتر، لأنه واجب عند
الحنفية، والواجب ملحق بالفرض في حق
العمل .
وقال النووي من الشافعية: لوفات النفل
(١) حديث أم سلمة: ((قالت: صلى رسول الله بيئة العصر ثم
دخل بيتي ... )) أخرجه أحمد (٣١٥/٦ - ط الميمنية) وقال
الهيثمي (٢٢٤/٢ - ط القدسي): رجال أحمد رجال
الصحيح.
(٢) حديث: ((فعلهما مع الفرض ليلة التعريس)) أخرجه مسلم
(٤٧٣/١ - الحلبي) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
- ١٥٧ -

تطوع ١٨ - ١٩
المؤقت (كصلاة العيد والضحى) ندب قضاؤه
في الأظهر، لحديث الصحيحين: ((من نسي
صلاةً أو نام عنها فكفارُتها أن يصليها إذا
ذكرها))(١) ولأن النبي ◌َّ قضى ركعتي الفجر لما
نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت
الشمس. وفي مسلم نحوه. وقضی رکعتي سنة
الظهر المتأخرة بعد العصر، ولأنها صلاة مؤقتة
فقضيت كالفرائض، وسواء السفر والحضر، كما
صرح به ابن المقري .
والثاني : لا يقضى كغير المؤقت.
والثالث : إن لم يتبع غيره كالضحى قضي،
لشبهه بالفرض في الاستقلال، وإن تبع غيره
كالرواتب فلا. قال الخطيب الشربيني في شرح
المنهاج: قضية كلامه ( أي النووي ) أن المؤقت
يقضى أبدا وهو الأظهر، والثاني: يقضي فائتة
النهار ما لم تضرب شمسه، وفائتة الليل ما لم
يطلع فجره. والثالث: يقضي ما لم يصلِّ
الفرض الذي بعده. وخرج بالمؤقت ما له سبب
كالتحية والكسوف فإنه لا مدخل للقضاء فيه .
نعم لوفاته وِرْدُه من الصلاة، فإنه یندب له
قضاؤه كما قاله الأذرعي .
(١) حديث: ((من نسى صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها
إذا ذكرها)) أخرجه مسلم (١/ ٢٧٧ - ط الحلبي) من حديث
أنس بن مالك رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (الفتح
٧٠/٢ ط السلفية) دون ذكر النوم.
وعند الحنابلة، قال الإِمام أحمد : لم يبلغنا أن
النبي ◌َّ قضى شيئا من التطوع، إلا ركعتي
الفجر والركعتين بعد العصر.
وقال القاضي وبعض الأصحاب: لا يُقْضى
إلا ركعتا الفجر وركعتا الظهر.
وقال ابن حامد: تقضى جميع السنن
الرواتب، لأن النبي ێ قضی بعضها، وقسنا
الباقي عليها .
وفي شرح منتهى الإِرادات: يسن قضاء
الرواتب، إلا ما فات مع فرضه وكثر، فالأولى
تركه، إلا سنة الفجر فيقضيها مطلقا
لتأكدها. (١)
انقلاب الواجب تطوعا :
١٩ - قد ينقلب واجب العبادات إلى تطوع،
سواء أكان بقصد أم بغير قصد. ومن ذلك مثلا
في الصلاة يقول ابن نجيم: لو افتتح الصلاة
بنية الفرض، ثم غير نيته في الصلاة وجعلها
تطوعا، صارت تطوعا .
وفي شرح منتهى الإِرادات: إن أحرم مصلٍّ
بفرض، كظهر في وقته المتسع له ولغيره، ثم قلبه
نفلا، بأن فسخ نية الفرضية دون نية الصلاة،
(٢) البدائع ٢٧٩/١، ٢٨٧، ٢٩٠، ومنح الحليل ١/ ٢١٠،
والدسوقي ٣١٩/١، ومغني المحتاج ٢٢٤/١، والمغني
١٢٨/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢٣٠/١
- ١٥٨ -

تطوع ١٩ - ٢٠
صحت مطلقا، أي سواء كان صلى الأكثر منها
أو الأقل، وسواء كان لغرض صحيح أوْلا، لأن
النفل يدخل في نية الفرض، وکره قلبه نفلا لغیر
غرض صحيح. ثم قال: وينقلب نفلا ما بان
عدمه، كما لو أحرم بفائتة ظنها عليه، فتبين أنه لم
تكن عليه فائتة، أو أحرم بفرض ثم تبين له أنه لم
يدخل وقته، لأن الفرض لم يصح، ولم يوجد ما
يبطل النفل.
ومن ذلك الصيام. جاء في شرح منتهى
الإِرادات: من قطع نية صوم نذر أو كفارة أو
قضاء، ثم نوی صوما نفلا صح نفله، وإن قلب
صائم نية نذر أو قضاء إلى نفل صح، كقلب
فرض الصلاة نفلا. وخالف الحجاوي في
((الإِقناع)) في مسألة قلب القضاء، وكره له ذلك
لغير غرض. (١)
ومن ذلك الزكاة. جاء في بدائع الصنائع :
إذا دفع الزكاة إلى رجل، ولم يخطر بباله أنه ليس
ممن تصرف الزكاة إليهم وقت الدفع، ولم يشك
في أمره، فإذا ظهر بيقين أنه ليس من مصارفها لم
تجزئه زكاة، ويجب عليه الإِعادة، وليس له أن
يسترد ما دفع إليه، ويقع تطوعا. ثم قال
الكاساني في موضع آخر: حكم المعجل إذا لم
يقع زكاة: أنه إن وصل إلى يد الفقير يكون
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٥١، وشرح منتهى الإِرادات
١٦٨/١، ١٦٩، ٤٤٧
تطوعا، سواء وصل إلی یده من يد ربّ المال أو
من يد الإِمام أو نائبه ۔ وهو الساعي - لأنه حصل
أصل القربة. وصدقة التطوع لا يحتمل الرجوع
فيها بعد وصولها إلى يد الفقير .
وفي المهذب أيضا : من أحرم بالحج في غير
أشهره انعقد إحرامه بالعمرة، لأنها عبادة
مؤقتة، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها
من جنسها، كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل
الزوال، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل.
وفي الأشباه لابن نجيم : لو أحرم بالحج نذرا
ونفلا كان نفلا، ولو أحرم بالحج فرضا وتطوعا
كان تطوعا عندهما في الأصح. (١)
حصول التطوع بأداء الفرض وعكسه :
٢٠ - هناك صور يحصل التطوع فيها بأداء
الفرض، ولكن ثواب التطوع لا يحصل إلا
بنيته. جاء في الأشباه لابن نجيم (في الجمع بين
عبادتين) قالوا: لو اغتسل الجنب يوم الجمعة
للجمعة ولرفع الجنابة، ارتفعت جنابته،
وحصل له ثواب غسل الجمعة .
وفي ابن عابدين : مَنْ علیه جنابة نسيها
واغتسل للجمعة مثلا، فإنه يرتفع حدثه ضمنا،
(١) البدائع ٢/ ٥٠، ٥٢، والمهذب ٢٠٧/١، ٢٤٠،
والأشباه لابن نجيم ص ٤١
- ١٥٩ -

تطوع ٢١ - ٢٢
ولا يثاب ثواب الفرض، وهو غسل الجنابة ما لم
ينوه، لأنه لا ثواب إلا بالنية .
وفي الشرح الصغير : تتأدى تحية المسجد
بصلاة الفرض فيسقط طلب التحية بصلاته،
فإن نوى الفرض والتحية حصلا، وإن لم ينو
التحية لم يحصل له ثوابها، لأن الأعمال بالنيات.
ومثل ذلك غسل الجمعة والجنابة، وصيام يوم
عرفة مع نية قضاء ما عليه.
وفي القواعد لابن رجب : لوطاف عند
خروجه من مكة طوافا ينوي به الزيارة والوداع،
فقال الخِرَقي وصاحب المغني: يجزئه عنهما. (١)
(ثانيا) ما يشمل العبادات وغيرها من أحكام:
أ - قطع التطوع بعد الشروع فيه :
٢١ - إذا كان التطوع عبادة كالصلاة والصيام،
فعند الحنفية والمالكية: إذا شرع فيه وجب
إتمامه، وإذا فسد وجب قضاؤه، لأن التطوع
يلزم بالشروع مُضِيًا وقضاء. ولأن المؤدى
عبادة، وإبطال العبادة حرام، لقوله تعالى :
﴿ولا تُبْطِلوا أعمالَكم﴾، (٢) وقد قال النبي ◌ِّ
لعائشة وحفصة رضي الله عنهما وقد افطرتا في
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٤٠، وابن عابدين ١/ ٧٧،
والشرح الصغير ١٤٦/١، والقواعد لابن رجب ص ٢٤
(٢) سورة محمد / ٣٣
صوم التطوع ((اقضيا يوما مكانه)). (١)
غير أن المالكية لا يوجبون القضاء إلا إذا
کان الفساد متعمدا، فإن كان لعذر فلا قضاء.
وعند الشافعية والحنابلة: يستحب الإِتمام إذا
شرع في التطوع ولا يجب، كما أنه يستحب
القضاء إذا فسد، إلا في تطوع الحج والعمرة
فيجب إتمامهما إذا شرع فيهما، لأن نفلهما
كفرضها نية وفدية وغيرهما. (٢)
واستدل الشافعية والحنابلة على عدم وجوب
الإِتمام بقول النبي ◌ّة: ((الصائم المتطوع أمير
نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر)). (٣)
وتنظر التفاصيل في (نفل، صلاة، صيام،
حج).
٢٢ - أما غير ذلك من التطوعات، فإما أن
يكون من قبيل عقود التبرعات المعروفة كالهبة
(١) حديث: ((اقضیا يوما مكانه)) أخرجه الترمذي (١١٢/٣ -
ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأعله
بالانقطاع .
(٢) البدائع ١/ ٢٩٠، ٢٩١، والاختيار ٦٦/١، والشرح
الصغير ٤٠٨/١، والخطاب ٢ / ٩٠، والكافي لابن عبدالبر
١/ ٣٥٠، ومغني المحتاج ٤٤٨/١، ٥٢٣، والمهذب
٩٥/١، والمغني ١٥٣/٣، ٣٦٥، وشرح منتهى الإرادات
٤٦١/١
(٣) حديث: ((الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن
شاء أفطر)) أخرجه الترمذي (١٠٩/٣ - ط الحلبي) والحاكم
(٤٣٩/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعله ابن التركماني
بالاضطراب في سنده ومتنه (الجوهر النقي بهامش البيهقي
٤ /٢٧٨ ط دائرة المعارف العثمانية).
- ١٦٠ -