Indexed OCR Text
Pages 61-80
تخمیس ٥
كلام أحمد والقاضي وقصة خيبر، تدل على أنها
لا تخمس، لأنها فيء وليست بغنيمة. (١)
د - تخميس السَلَب:
٥ - إن السلب لا يخمّس، سواء أقال الإِمام: من
قتل قتیلا فله سلبه، أم لم يقله. لما روى
عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما
أن النبي ◌َّ ((قضى في السلب للقاتل، ولم
یخمس السلب». (٢)
وبهذا قال الشافعية على المشهور،
والحنابلة، وهو قول الأوزاعي والليث وإسحاق
وأبي عبيد وأبي ثور. (٣)
وذهب الحنفية إلى أن للإِمام تنفيل السلب
قبل حصول الغنيمة في ید الغانمین، ولا خمس
فيما ينفل، لأن الخمس إنما يجب في غنيمة
مشتركة بين الغانمين، والنفل ما أخلصه الإِمام
لصاحبه وقطع شرکة الأغيار عنه، فلا يجب فيه
الخمس . (٤)
(١) الكافي ٣٢٨/٤، والإنصاف ٤/ ١٩٠
(٢) حديث: ((قضى في السلب للقاتل، .... )) أخرجه
أبوداود (١٦٥/٣ - ط عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر
في التلخيص (١٠٥/٣ ط شركة الطباعة الفنية) وهو في
صحيح مسلم (٥/ ١٤٩ - ط دار الفكر).
(٣) روضة الطالبين ٦/ ٣٧٥ نشر المكتب الإسلامي، وكشاف
القناع ٣/ ٥٥ ط أنصار السنة، والكافي ٢٩٣/٤، والمغني
على الشرح الكبير ٤٢٦/١
(٤) بدائع الصنائع ١١٥/٦ ط الجمالية، وفتح القدير
٣٣٣/٤، ٣٣٤ ط الأميرية.
ويرى المالكية أن السلب من جملة النفل،
يستحقه كل من قتل قتيلا بعد قول الإِمام: من
قتل قتيلا فله سلبه، ولا يعطيه الإِمام إلا من
الخمس على حسب اجتهاده، لأن النفل لا
يكون إلا من الخمس، أي لا من الأربعة
الأخماس، فكذا السلب.(١)
أما إذا لم يجعل الإِمام السلب للقاتل، فيرى
الحنفية والمالكية - وهو قول الثوري، ورواية عن
أحمد - أن القاتل لا يستحق سلب المقتول في
هذه الحالة، فهو من جملة الغنيمة، بمعنى أن
السلب یخمس، فيدفع خمسه لأهل الخمس،
ثم يقسم باقيه كسائر المغنم، القاتل وغيره في
ذلك سواء. (٢)
وهناك قول آخر للشافعیة یقابل المشهور،
بتخمیس السلب ودفع خمسه لأهل الخمس
وباقيه للقاتل، ثم تقسيم باقي الغنيمة. (٣)
وللفقهاء في تعريف السلب وشروط
استحقاقه تفاصيل يرجع إليها في (تنفيل،
وسلب، وغنيمة).
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢/ ١٤ نشر دار
المعرفة، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/ ٤٢٧
(٢) بدائع الصنائع ١١٥/٦، وفتح القدير ٣٣٣/٤، ٣٣٤،
وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢/ ١٤، وبداية
المجتهد ٣٩٧/١ ط دار المعرفة، والمغني مع الشرح الكبير
٤٢٦/١٠ - ٤٢٧، وكشاف القناع ٣/ ٥٥ ط أنصار
السنة .
(٣) روضة الطالبين ٣٧٥/٦
- ٦١ -
تخمیس ٦، تخمین، تخنث ١ - ٢
هــ تخميس الركاز :
٦ - لا خلاف بين الفقهاء في تخميس الركاز(١)
بشروط ذكروها، لما روى أبوهريرة رضي الله
عنه عن رسول الله وسلم أنه قال: ((العجماء
جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الرِّكاز
الخمس))(٢) ولأنه مال كافر مظهور عليه بالإِسلام
فوجب فيه الخمس كالغنيمة. (٣)
وفي تعریف الرکاز وأنواعه وحکم کل نوع
وشروط إخراج الخمس منه ومصرفه خلاف
وتفصيل موطنه (ركاز، وزكاة).
تحمين
انظر : خَرْص
(١) الرِّكاز: المال المدفون في الجاهلية. المصباح مادة: ((ركز))
(٢) حديث: ((العجماء جبار ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٣٦٤/٣ - ط السلفية) ومسلم (١٣٣٢/٣ - ط الحلبي)
واللفظ للبخاري.
(٣) بدائع الصنائع ٦٦/٢، والزيلعي ٢٨٨/١، وحاشية
العدوي ١/ ٤٣٦ نشر دار المعرفة، ومغني المحتاج
٣٩٥/١ ط مصطفى الحلبي، وروضة الطالبين ٢٨٦/٢،
والكافي ٣١٣/١، والمغني مع الشرح الكبير ٢/ ٦١٢
تخنّٹ
التعريف :
١ - التخنث في اللغة بمعنى: التثني والتكسر،
وتَخَّث الرجل: إذا فعل فعل المخَنَّث. وخنث
الرجل كلامه: إذا شبهه بكلام النساء لينا
ورخامة . (١)
والتخنث اصطلاحا كما يؤخذ من تعريف
ابن عابدين للمخنث: هو التزيي بزي النساء
والتشبه بهن في تليين الكلام عن اختيار، أو
الفعل المنكر.
وقال صاحب الدر: المخنث بالفتح من يفعل
الرديء. وأما بالكسر فالمتكسر المتلين في أعضائه
وكلامه وخلقه. ويفهم من القليوبي أنه لا فرق
بين الفتح والكسر في المعنى، فهو عنده المتشبه
بحركات النساء. (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - يحرم على الرجال التخنث والتشبه بالنساء
(١) لسان العرب والمصباح مادة: ((خنث)).
(٢) ابن عابدين ٣٨١/٤ و٢٣٩/٥، وجواهر الإكليل
٤٠/٢، ٤١، وقليوبي ٣٢٠/٤، والمغني ٥٦٢/٦، وفتح
الباري ١٨٨/٢
- ٦٢ -
تخنث ٣ - ٤
في اللباس والزينة التي تختص بالنساء، وكذلك
في الكلام والمشي، لما روي عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه قال: ((لعن النبي ص ◌َل
المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء))(١)
وفي رواية أخرى: ((لعن رسول الله وَلـ
المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من
النساء بالرجال))(٢) قال ابن حجر في الفتح:
والنهي مختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان
أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه والإِدمان(٣)
على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله
الذم، ولا سيما إذا بدا منه مايدل على الرضا به،
وأما إطلاق من قال: إن المخنث خِلْقة لا يتجه
عليه الذم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك
التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه
المعالجة لترك ذلك. (٤)
إمامة المخنث :
٣ - المخنث بالخلقة، وهو من يكون في كلامه
لين وفي أعضائه تکسر خلقة، ولم يشتهر بشيء
(١) حديث: ((لعن النبي مصر المخنثين من الرجال والمترجلات
من النساء)). أخرجه البخاري (الفتح ٣٣٣/١٠ - ط
السلفية).
(٢) حديث: ((لعن رسول الله ◌َلايز المتشبهين من الرجال بالنساء
والمتشبهات من النساء بالرجال)). أخرجه البخاري (الفتح
٣٣٢/١٠ - ط السلفية).
(٣) أي المواظبة والملازمة .
(٤) فتح الباري ٣٣٢/١٠، وانظر ابن عابدين ٣٨١/٤
من الأفعال الرديئة لايعتبر فاسقا، ولا يدخله
الذم واللعنة الواردة في الأحاديث، فتصح
إمامته، لكنه يؤمر بتكلف تركه والإدمان على
ذلك بالتدريج، فإذا لم يقدر على تركه فليس
علیه لوم . (١)
أما المتخلق بخلق النساء حرکة وهيئة،
والذي يتشبه بهن في تليين الكلام وتكسر
الأعضاء عمدا، فإِن ذلك عادة قبيحة ومعصية
ويعتبر فاعلها آثما وفاسقا. والفاسق تكره إمامته
عند الحنفية والشافعية، وهورواية عند المالكية.
وقال الحنابلة، والمالكية في روايةأخرى،ببطلان
إمامة الفاسق، (٢) كما هو مبين في مصطلح:
(إمامة).
ونقل البخاري عن الزهري قوله: لا نرى أن
يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لابد
منها . (٣)
شهادة المخنث :
٤ - صرح الحنفية أن المخنث الذي لا تقبل
شهادته هو الذي في كلامه لین وتکسر، إذا كان
يتعمد ذلك تشبها بالنساء. وأما إذا كان في
(١) الزيلعي ٢٢١/٤، وفتح الباري ٣٣٢/١٠، ونهاية
المحتاج ٢٨٣/٨
(٢) مراقي الفلاح ص ١٥٦، وجواهر الإكليل ١/ ٧٨ - ٨٢،
ومغني المحتاج ٢٤٢/١، وكشاف القناع ١/ ٤٧٥
(٣) فتح الباري ٢/ ١٩٠
- ٦٣ -
تخنٹ ٥ -٦
کلامه لین، وفي أعضائه تکسر خلقة، ولم يشتهر
بشيء من الأفعال الرديئة، فهو عدل مقبول
الشهادة .
واعتبر الشافعية والحنابلة التشبه بالنساء
محرما ترد به الشهادة، ولا يخفى أن المراد
بالتشبه التعمد، لا المشابهة التي تأتي طبعا.
واعتبر المالكية المجون مما ترد به الشهادة،
ومن المجون التخنث.
وعليه تكون المذاهب متفقة في التفصيل
الذي أورده الحنفية، وتفصيله في (شهادة). (١)
نظر المخنث للنساء :.
٥ - المخنث بالمعنى المتقدم، والذي له أرب في
النساء، لا خلاف في حرمة اطلاعه على
النساء ونظره إلیھن، لأنه فحل فاسق - كما قال
ابن عابدين .
أما إذا كان مخنثا بالخلقة، ولا إرب له في
النساء، فقد صرح المالكية والحنابلة وبعض
الحنفية بأنه يرخص بترك مثله مع النساء،
ولا بأس بنظره إليهن، استدلالا بقوله تعالى
فيمن يحل لهم النظر إلى النساء، ويحل للنساء
الظهور أمامهم متزينات، حيث عد منهم أمثال
(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٢٢١/٤، وابن عابدين ٣٨١/٤،
والقليوبي ٣٢٠/٢، ٣٢١، وجواهر الإكليل ٢٣٣/٢،
والخطاب ١٥٢/٦، والمغني ٩/ ١٧٤
هؤلاء، وهو ﴿أو التابعينّ غيرِ أولي الإِرْبَةِ من
الرجال ... ﴾(١)
وذهب الشافعية وأكثر الحنفية إلى أن المخنث
- ولو كان لا إرب له في النساء - لا يجوز نظره إلى
النساء، وحكمه في هذا كالفحل: استدلالاً
بحديث ((لا يَدخلن هؤلاءِ عليكن)). (٢)
عقوبة المخنث :
٦ - التخنث بالاختيار من غير ارتكاب الفعل
القبيح معصية لا حد فيها ولا كفارة، فعقوبته
عقوبة تعزيرية تناسب حالة المجرم وشدة
الجرم. وقد ورد أن النبي صل ﴿ عزر المخنثين
بالنفي، فأمر بإخراجهم من المدينة، وقال:
((أخرجوهم من بيوتكم))(٣) وكذلك فعل
الصحابة من بعده. (٤)
أما إن صدر منه مع تخنثه تمكين الغیر من
فعل الفاحشة به، فقد اختلف في عقوبته،
(١) سورة النور / ٣١
(٢) ابن عابدين ٢٣٩/٥، وأسنى المطالب ١١٢/٣،
والبجيرمي على الخطيب ٣١٤/٣، والقرطبي ١٢/ ٢٣٤،
والمغني ٦/ ٥٦١، ٥٦٢.
وحديث: ((لا يدخلن هؤلاء عليكن)). أخرجه
البخاري (الفتح ٣٣٣/١٠ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((أخرجوهم من بيوتكم)). أخرجه البخاري
(الفتح ٣٣٣/١٠ - ط السلفية).
(٤) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك ٢/ ٢٦٠،
وفتح الباري ٣٣٢/١٠
- ٦٤ -
تخنث ٧، تخويف ١ - ٢
فذهب كثير من الفقهاء إلى أنه تطبق عليه
عقوبة الزنى .
وذهب أبوحنيفة إلى أن عقوبته تعزیریة قد
تصل إلى القتل أو الإِحراق أو الرمي من شاهق
جبل مع التنكيس، لأن المنقول عن الصحابة
اختلافهم في هذه العقوبة، ويراجع في هذا
مصطلح: (حد، عقوبة، تعزير، ولواط).
مواطن البحث :
٧ - يذكر الفقهاء أحكام التخنث في مباحث
خيار العيب إذا كان العبد المبيع مخنثا،
ويذكرونها في بحث الشهادة، والنكاح، والنظر
إلى المرأة الأجنبية، وفي مسائل اللباس والزينة
وأبواب الحظر والإِباحة ونحوها.
تخويف
التعريف :
١ - التخويف مصدر من باب التفعيل، ومعناه
في اللغة: جعل الشخص يخاف، أو جعله
بحالة يخافه الناس. يقال: خوفه تخويفا: أي
جعله يخاف، أو صيره بحال يخافه الناس. وفي
التنزيل العزيز: ﴿إنما ذلكم الشيطان يُخُوِّف
أولياءه﴾ (١) أي يجعلكم تخافون أولياءه، وقال
ثعلب: معناه يخوفکم بأوليائه.(٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن
المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
الإنذار :
٢ - الإنذارهو: التخويف مع إعلام موضع
المخافة . فإذا خوف الإِنسان غيره وأعلمه حال
ما يخوفه به، فقد أنذره. (٣)
فالإِنذار أخص من التخويف .
(١) سورة آل عمران / ١٧٥
(٢) محيط المحيط ، والقاموس المحيط، ولسان العرب مادة:
«خوف)) .
(٣) الفروق في اللغة ص ٢٣٧
- ٦٥ -
تخويف ٣ - ٤
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث :
ما یکون التخويف به إكراها :
أ - التخويف بالقتل والضرب والحبس :
٣ - یری الحنفية والمالكية - وهو رواية عند كل
من الشافعية والحنابلة - أن الإكراه يحصل
بتخويف بقتل أو ضرب شديد أو حبس
طويل. (١)
أما التخويف بالضرب والحبس اليسيرين
فيختلف باختلاف طبقات الناس وأحوالهم،
فالتخويف بضرب سوط أو حبس يوم في حق من
لا يبالي ليس بإكراه، إلا أن التخويف بهما يعتبر
إكراها في حق ذي جاه يعلم أنه يستضربهما، كما
يتضرر واحد من أوساط الناس بالضرب
الشديد، وذلك كالقاضي وعظيم البلد، فإن
مطلق القيد والحبس إكراه في حقه. (٢)
وقال القاضي من الحنابلة، وهو وجه عند
(١) نهاية المحتاج ٦/ ٤٣٦ - ٤٣٧ ط مصطفى الحلبي، والبناية
شرح الهداية ١٧٣/٨، وجواهر الإكليل ١/ ٣٤٠، والمغني
مع الشرح الكبير ٢٦٠/٨، و٢٦١، والإنصاف ٤٣٩/٨ -
٤٤٠ ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) نهاية المحتاج ٦/ ٤٣٧، وروضة الطالبين ٥٩/٨، والبناية
شرح الهداية ١٧٥/٨، وحاشية ابن عابدين ٨١/٥،
والمغني مع الشرح الكبير ٢٦١/٨، ٢٦٢، والإنصاف
٨/ ٤٤٠، وجواهر الإكليل ١/ ٣٤٠، وبلغة السالك
١٦٩/٢ ط عيسى الحلبي.
الشافعية - حكاه الحناطي - إن الإكراه يحصل
بالتخويف بالقتل فقط .
وهناك وجه آخر عند الشافعية: أن التخويف
بالحبس لا يكون إكراها . (١)
ب - التخويف بأخذ المال وإتلافه :
٤ - يرى الحنفية - وهو قول عند المالكية - حصول
الإِكراه بالتخويف بأخذ المال، إذا قال متغلب
لرجل: إما أن تبيعني هذه الدار أو أدفعها إلى
خصمك، فباعها منه، فهو بیع مکره.
ويشترط القهستاني من الحنفية لحصول
الإِكراه - كما يفهم من سياق عبارة رد المحتار-
كون التخويف بإتلاف كل المال. (٢)
وقال الشافعية في وجه - وهو المذهب عند
الحنابلة، وقول عند المالكية - إن الإكراه يحصل
بأخذ المال الكثير وإتلافه .
وهناك وجه عند الشافعية - وهو أحد الأقوال
الثلاثة للمالكية - أن التخويف بأخذ المال ليس
إكراها . (٣)
وللفقهاء تفاصيل في معنى الإكراه وأنواعه
(١) نهاية المحتاج ٦/ ٤٣٧، وروضة الطالبين ٨/ ٥٩ - ٦٠،
والإنصاف ٤٤٠/٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥/ ٨٠ ط بولاق، وبلغة السالك
١٦٩/٢ ط عيسى الحلبي.
(٣) بلغة السالك ١٦٩/٢، ونهاية المحتاج ٦/ ٤٣٧، وروضة
الطالبین ٨/ ٥٩ - ٦٠، والإنصاف ٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠
- ٦٦ -
تخويف ٥ - ٦، تخيير ١
وشروطه وأثره وما يكون التخويف به إكراها
تنظر في مواطنها من كتب الفقه، وفي مصطلح
(إكراه).
القتل تخويفا :
٥ - لا خلاف بين الفقهاء في إمكان حصول
القتل بالتخويف. کمن شهر سيفا في وجه
إنسان، أو دلاء من مكان شاهق فمات من
روعته، وکمن صاح في وجه إنسان فجأة فمات
منها، وکمن رمی علی شخص حية فمات رعبا
وما إلى ذلك.(١)
وتنظر التفاصيل المتعلقة بأنواع القتل، وصفة
كل نوع، وحكم القتل بالتخويف في مختلف
صوره في مصطلح (قتل).
الإجهاض بسبب التخويف :
٦ - يرى الفقهاء وجوب الضمان على من خوف
امرأة فأجهضت بسبب التخويف، على خلاف
وتفصيل في الإِجهاض المعاقب عليه، (٢) وعقوبة
الإِجهاض يرجع إليه في مصطلح (إجهاض).
(١) المغني مع الشرح الكبير ٩/ ٥٧٨، وحاشية ابن عابدين
٣٧٧/٥ ط بولاق، وبدائع الصنائع ٢٣٥/٧ ط الجمالية،
والشرح الصغير للدردير ٣٤٢/٤، ونهاية المحتاج
٣٢٩/٧، ٣٣٠، وقليوبي وعميرة ١٤٥/٤
(٢) قليوبي وعميرة ١٥٩/٤، والشرح الصغير للدردير
٣٧٧/٤، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٣٧٧ ط بولاق،
وكشاف القناع ٦/ ١٦ ط عالم الكتب.
........
تغییر
التعريف :
١ - التخییر لغة: مصدر خیرّ، يقال خيرته بین
الشيئين، أي: فوضت إليه الخيار، وتخير
الشيء: اختاره، والاختيار: الاصطفاء وطلب
خير الأمرين، وكذلك التخير. والاستخارة:
طلب الخيرة في الشيء، وخارَ اللّه لك أي :
أعطاك ماهو خير لك. والخيرة - بسكون الياء -
الاسم منه(١)
وفي الاصطلاح: لا يخرج استعمال الفقهاء
لمصطلح (تخيير) عن معناه اللغوي .
فهو عندهم: تفويض الأمر إلى اختيار
المكلف في انتقاء خصلة من خصال معينة
شرعا، ويوكل إليه تعيين أحدها، بشروط
معلومة .
كتخييره بين خصال الكفارة، وتخییره بین
القصاص والعفو، وتخييره في جنس ما يخرج في
الزكاة، وتخييره في فدية الحج، وتخييره في
(١) تهذيب الأسماء واللغات ط المنيرية، والمصباح المنير مادة:
((خير)) .
- ٦٧ -
.
تخيير ٢ - ٦
التصرف في الأسرى، وتخييره في حد المحارب،
وغيرها من الأحكام .
والتخيير بهذا دليل على سماحة الشريعة
ويسرها ومراعاتها لمصالح العباد فيما فوضت
إليهم اختياره، مما يجلب النفع لهم ويدفع الضر
عنهم .
التخيير عند الأصوليين :
٢ - يتكلم الأصوليون على التخيير في المباح،
والمندوب، والواجب المخير، والواجب الموسع،
والنهي على جهة التخيير، والرخصة. وتفصيل
ذلك في الملحق الأصولي.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإباحة :
٣ - الإِباحة في اللغة: الإِحلال، يقال: أبحتك
الشيء أي: أحللته لك، والمباح خلاف
المحظور.
وفي اصطلاح الفقهاء: الإِذن بالإِتيان
بالفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإِذن(١)
ب - التفويض :
٤ - التفويض مصدر فوض، يقال: فوض إليه
الاختيار بين الشيئين، فاختار أحدهما، ومنه
(١) الموسوعة ١٢٦/١ مصطلح: (إباحة)
٠
تفويض الزوج إلى زوجته طلاق نفسها أو
بقاءها في عصمته(١)
أحكام التخيير :
للتخيير أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية
نبینها فیما يلي:
أولا : تخيير المصلي في أداء الصلاة في الوقت
الموسع :
٥ - اتفق الفقهاء على القول بتخيير المصلي في
أداء الصلاة في الوقت الموسع. وهو الوقت الذي
وگّل إيقاع الصلاة فيه لاختيار المصلي، فإن شاء
أوقعها في أوله، أو في وسطه، أو في آخره، ولا
إثم عليه فيما يختار.
وذهب بعض الفقهاء إلى القول بالإِثم إن
أخر إلى وقت الكراهة في بعض الأوقات.
وتفصيل ذلك في (أوقات الصلاة).
٦ - وتجب الصلاة عند الجمهور بأول الوقت
وجوباً موسعا، بمعنى أنه لا يأثم بتأخيرها. فلو
أخرها عازما على فعلها من غير عذر، فمات في
أثناء الوقت لم یأثم، لأنه فعل مايجوز له فعله، إذ
هو بالخيار في أداء الصلاة في أي جزء من وقتها،
والموت ليس من فعله ، فلا يأثم بالتخير .
إلا أن يظن الموت ، ولم يؤد حتى مات ، فإنه
(١) المصباح المنير، وتهذيب الأسماء واللغات مادة: ((فوض)).
- ٦٨ -
تخيير ٧ - ٨
یموت عاصیا. وكذا إذا تخلف ظنه فلم يمت،
لأن الموسع صارفي حقه مضیقا، وانتفى بذلك
اختياره. فإِن أخّرها غير عازم على الفعل أثم
بالتأخير، وإن أخرها بحیث لم يبق من الوقت
مايتسع لجميع الصلاة أثم أيضا.
وعند الحنفية أن الصلاة لا تجب في أول
الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء من
الوقت غير معين، والتعيين للمصلي باختياره من
حيث الفعل.
فإِذا شرع في أول الوقت يجب في ذلك
الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره. ومتى
لم يعين بالفعل حتى بقي من الوقت مقدار
مايسع الصلاة يجب علیه تعیین ذلك الوقت
للأداء فعلا، حتى يأثم بترك التعيين، لأنه لا
خيار له في غيره. (١)
٧ - ودليل التخيير في أداء الصلاة في الوقت
الموسع حديث جبريل - عليه السلام - الذي
يرويه ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي
﴿* قال: «أُمّني جبريل عند البيت مرتین،
فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء
مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل
(١) روضة الطالبين ١٨٣/١ ط المكتب الإسلامي، والمغني
٣٩٥/١ ط الرياض مكتبة الرياض الحديثة - السعودية،
وحاشية الدسوقي ١٧٦/١ - ط دار الفكر بيروت مصورة
عن الطبعة الأميرية. وبدائع الصنائع ٩٦/١ الطبعة
الأولى ١٣٢٧ هـ - شركة المطبوعات العلمية - مصر.
شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت
الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر
وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية
الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، لوقت
العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل
كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول،
ثم صلى العشاء الآخرة حین ذهب ثلث الليل،
ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم
التفت إليّ جبريل وقال: يا محمد هذا وقت
الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين
الوقتين)). (١)
وفي حديث بريدة عن مسلم: ((وقت
صلاتكم بين ما رأيتم)). (٢)
ثانيا : التخيير في نوع ما يجب إخراجه في الزكاة
٨ - اتفق الفقهاء على أن البقر إذا بلغت مائة
(١) حديث: ((أمّني جبريل عند البيت مرتين .... )) أخرجه
الترمذي (٢٧٩/١ - ٢٨٠ - ط مصطفى الحلبي من حديث
ابن عباس) وقال ابن حجر: وفي إسناده عبدالرحمن بن
الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، مختلف فيه، لكنه توبع
أخرجه عبدالرزاق عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن
أبيه عن ابن عباس نحوه، قال ابن دقيق العيد: هي متابعة
حسنة (التلخيص الحبير لابن حجر ١٧٣/١ - ط شركة
الطباعة الفنية).
(٢) حديث بريدة: ((وقت صلاتكم بين ما رأيتم)). أخرجه
مسلم (١/ ٤٢٨ - ط عيسى الحلبي).
- ٦٩ -
تخيير ٩ - ١٠
وعشرین یخیر في أخذ زکاتها بين ثلاث مسنات
أو أربع تبيعات.
والخيار في ذلك للساعي عند المالكية
والشافعية والحنابلة، وللمالك عند الحنفية.
وهكذا كلما أمكن أداء الواجب من الأتبعة أو
المسنات .
أما الإِبل فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين،
فعند المالکیة زکاتها حقتان أو ثلاث بنات لبون،
والخيار فيه للساعي. فإن اختار الساعي أحد
الصنفين، وكان عند رب المال من الصنف الآخر
أفضل أجزأه ما أخذه الساعي، ولا يستحب له
إخراج شيء زائد .
وعند الشافعية والحنابلة زکاتها ثلاث بنات
لبون بلا تخيير .
وعند الحنفية تستأنف الفريضة، (١) وتفصيل
ذلك في مصطلح (زكاة).
٩ - أما إذا ضمت أنواعا مختلفة من جنس واحد
لتكميل نصاب السائمة، كأن تضم العراب
إلى البخاتي من الإِبل، والجواميس إلى البقر،
والضأن إلى المعز من الغنم: فعند المالكية يخير
الساعي في الأخذ من أيها شاء إذا تساوى
النوعان المضمومان، وإذا لم يتساويا أخذ من
الأكثر إذ الحكم للأغلب.
(١) حاشية الدسوقي ٤٣٥/١ - ٤٣٦، والمجموع ٣٨٢/٥،
٤١٦، وكشاف القناع ٢/ ١٨٧، ١٩٢، والبناية ٥٢/٣،
وفتح القدير ٢ / ١٣١
وعند الشافعية ثلاثة أقوال في المذهب:
أحدها: أنه يؤخذ من الأغلب،فإن استويا
يؤخذ من الأغبط للمساكين على المذهب،
وذلك باعتبار القيمة، كاجتماع الحقاق وبنات
اللبون .
والقول الثاني: أنه يؤخذ من الأعلى، كما لو
انقسمت إلی صحاح ومراض.
والقول الثالث: أنه يؤخذ من الوسط كما في
الثمار. وهو مذهب الحنفية. وعند الحنابلة أنه
يؤخذ من أحدهما على قدر قيمة المالين
المزكيين، فإذا كان النوعان سواء، وقيمة المخرج
من أحدهما اثنا عشر، والمخرج من الآخر خمسة
عشر، أخرج من أحدهما ماقيمته ثلاثة عشر
ونصف. (١)
١٠ - فإن اتفق في نصاب فرضان، کالمائتین من
الإِبل، وهي نصاب خمس بنات لبون ونصاب
أربع حقاق، فيخير بينهما، فإن شاء أخرج أربع
حقاق، وإن شاء أخرج خمس بنات لبون .
لحديث: ((فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو
خمس بنات لبون))، (٢) ولأنه وجد مايقتضي
إخراج كل نوع منهما.
(١) حاشية الدسوقي ٤٣٦/١، والمجموع ٤٢٤/٥، وبدائع
الصنائع ٣٣/٢، وكشاف القناع ١٩٣/٢
(٢) حديث: ((فإذا كانت مائتين ففيها ... )) أخرجه أبوداود
(٢٢٧/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٣٩٣/١ -
٣٩٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
- ٧٠ -
تخيير ١١ - ١٣
والخيار في هذا للمالك. وهذا باتفاق
الفقهاء .
وللشافعي في القدیم أنه تجب أربع حقاق،
لأنه إذا أمكن تغير الفرض بالسن، لم يغير
بالعدد. (١)
ثالثا: التخيير في فدية الجناية على الإِحرام في
الحج
١١ - اتفق الفقهاء على أن المحرم إذا جنى على
إحرامه بأن حلق شعره، أو قلم أظفاره، أو
تطيب، أو لبس مخيطا، أنه تجب عليه الفدية
وهي على التخيير بين خصال ثلاث: فإما أن
يهدي شاة، أويطعم ستة مساكين، أويصوم
ثلاثة أيام . (٢) وتفصيل موجب الفدية تقدم في
مصطلح: (إحرام).
١٢ - ودلیل ذلك قوله تعالى : ﴿فمن كان منكم
مريضا أوبه أَذَى من رأسِه فَفِدْيَةٌ من صيامٍ أو
صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ﴾. (٣)
ولحديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه -
أن النبي﴿ قال له: ((لعلك آذاك هوامٌ
(١) حاشية الدسوقي ٤٣٤/١، وكشاف القناع ٢/ ١٨٧،
والمجموع ٤١٠/٥، وفتح القدير ٢/ ١٣٠
(٢) المجموع ٧/ ٣٦٤ - ٣٨٤، وكشاف القناع ٢/ ٤٥١
وفتح القدير ٢/ ٤٥١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٦٧
(٣) سورة البقرة / ١٩٦
رأسك، قال: نعم يارسول الله، فقال وعليه:
احلق رأسك وصم ثلاثة، أو أطعم ستة
مساكين، أو انسك شاة)). (١)
وقصر الحنفية التخيير في الفدية على
أصحاب الأعذار، أما غير المعذور فيفدي بذبح
شاة، ولا خيار له في غيرها. ولم يفرق الجمهور
بینھما.
ودليل الحنفية على ما ذهبوا إليه، أن الآية
واردة في المعذور بدليل حديث كعب بن عجرة
المفسر للآية، فجاء في رواية: قال: ((ُمِلت إلى
رسول الله وعليه والقمل يتناثر على وجهي،
فقال: ما كنت أری الوجع بلغ بك ما أری، أو
ماكنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى. أتجد شاة؟
فقلت: لا، فقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم
ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)). (٢)
فدل على أنه كان معذورا وحملت الآية
عليه .
ودلیل الجمهور ماتقدم في الآية والحديث من
التخيير بلفظ ((أو)) .
١٣ - والحكم ثابت في غير المعذور بطريق التنبيه
(١) حديث: ((لعلك آذاك هوام رأسك .... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٢/٤ ط السلفية) ومسلم
(٢ /٨٦٠ - ط عيسى الحلبي) من حديث كعب بن عجرة
واللفظ للبخاري.
(٢) حديث كعب بن عجرة أخرجه البخاري (فتح الباري
١٨٦/٨ - ط السلفية) ومسلم (٨٦٢/٢ - ط عيسى
الحلبي).
- ٧١ -
تخيير ١٤ - ١٥
تبعا للمعذور، لأن کل کفارة ثبت التخییر فیها
مع العذر ثبت مع عدمه . (١)
١٤ - كما يثبت التخيير في كفارة قتل الصيد في
الحرم. ویخیر فیه قاتله بین ثلاث خصال: فإِما
أن يهدي مثل ما قتله من النّعَم لفقراء الحرم، إن
كان الصيد له مثل من الإِبل أو البقر أو الغنم.
أو أن يقومه بالمال، ويقوم المال طعاما، ويتصدق
بالطعام على الفقراء. وهذا مذهب الحنفية
والشافعية والحنابلة، أما المالكية فذهبوا إلى أن
الصید یقوم ابتداء بالطعام، ولو قومه بالمال ثم
اشتری به طعاما أجزأه .
والخصلة الثالثة التي يخير فيها قاتل الصيد أن
يصوم عن كل مد من الطعام يوما. (٢) ودليل
الاتفاق على التخيير في كفارة صيد الحرم قوله
تعالى: ﴿هَذْيا بالغَ الكعبةِ أو كفارةٌ طعام
مساكين أو عَدْلُ ذلك صياما﴾(٣) و((أو)) تفيد
التخيير .
رابعا: من أسلم على أكثر من أربع نسوة:
١٥ - ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية
ومحمد بن الحسن إلى تخيير من أسلم وتحته أكثر
(١) المراجع السابقة .
(٢) فتح القدير ٣/ ٧، والمجموع ٤٢٧/٧، والمغني ٥١٩/٣،
والخطاب على خليل ١٧٩/٣، والشرح الصغير ١١٥/٢
(٣) سورة المائدة / ٩٥
من أربع نسوة، أو أختان، أومن لا يحل له
الجمع بينهن بنسب أو رضاع، فيخير في إمساك
من أراد منهن، بأن يمسك أربعا أو أقل، أو أن
يمسك إحدى الأختين، وهكذا. ويفسخ
نكاحه ممن سوی مَنْ اختارهن. (١) وذلك
لحديث قيس بن الحارث قال: ((أسلمتُ وتحتي
ثمان نسوة، فأتيت النبي صل﴿ فذكرت له ذلك،
فقال: اختر منهن أربعا)). (٢)
ولحديث محمد بن سويد الثقفي: ((أن
غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة،
فأسلمن معه، فأمره النبي ◌ّ ر أن يختار منهن
أربعا)). (٣) وذهب أبوحنيفة وأبويوسف إلى أن
الكافر إذا أسلم وتحته خمس نسوة فصاعدا أو
أختان بطل نکاحهن، إن کان قد تزوجهن بعقد
(١) نهاية المحتاج ٦/ ٢٩١، وروضة الطالبين ٧/ ١٥٦،
وكشاف القناع ١٢٢/٥، وحاشية الدسوقي ٢٧١/٢،
وحاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩٧
(٢) قول قيس بن الحارث ((أسلمت وتحتى ثمان نسوة ....
الحديث)) أخرجه أبوداود (٢/ ٦٧٧ - تحقيق عزت عبيد
دعاس)، وفي رواية: الحارث بن قيس قال الشوكاني: قال
أبو عمر بن عبدالبر: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من
وجه صحيح (نيل الأوطار ١٦٩/٦ - ط مصطفى الحلبي).
(٣) حديث محمد بن سويد الثقفي في قصة غيلان أخرجه
الترمذي (٤٣٥/٣ - ط عيسى الحلبي) وصححه ابن
القطان كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣/ ١٦٩ - ط
شركة الطباعة الفنية).
- ٧٢ -
تخيير ١٦ - ١٧
واحد، فإن كان قد رتب فالآخر هو الذي
يبطل. (١)
ودليلهم على ما ذهبوا إليه أن هذه العقود
فاسدة، ولكنا لا نتعرض لهم، لأنا أمرنا بتركهم
ومايدينون، فإذا أسلموا بطلت الأنكحة
الفاسدة .
١٦ - ومن أحكام التخيير في هذا الباب وآثاره:
أن الاختيار يحصل باللفظ الصريح(٢) كأن
يقول: اخترت نكاح هؤلاء، أو اخترت
إمساکهن، کما يحصل بأن يطلق بعضهن، لأن
الطلاق لا يكون إلا لزوجة.
كما يحصل إذا وطئها، وإذا وطىء الكل
يتعين الأربع الأول للإمساك، وما عداهن يتعين
للترك.
وخالف الشافعية(٣) في اعتبار الوطء اختیارا،
لأن الاختيارهنا كالابتداء، ولا يصح ابتداء
النكاح واستدامته إلا بالقول.
وإذا لم يختر أجبر على الاختيار بالحبس أو
بالتعزير بالضرب وغيره، لأن الاختيار حق
عليه، فألزم بالخروج منه إن امتنع كسائر
الحقوق.
وعن ابن أبي هريرة من الشافعية أنه
لا يضرب مع الحبس، بل يشدد عليه الحبس،
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩٧
(٢) نهاية المحتاج ٢٩٩/٦، وكشاف القناع ١٢٣/٥، ١٢٤
(٣) روضة الطالبين ١٦٧/٧
فإن أصر عزر ثانيا وثالثا إلى أن يختار. وإذا
حبس لا يعزر على الفور. فلعله يؤخر ليفكر
فيتخير بعد روية وإمعان نظر. ومدة الإمهال
ثلاثة أيام. وليس للحاكم أن يختار على
الممتنع، لأن الحق لغير معين، وهو اختيار
رغبة، فكان من حق الزوج.(١)
ومن الأحكام كذلك: أنه إذا أسلم بعض
زوجاته، وليس البواقي کتابیات، فينحصر
تخييره في المسلمات فقط، وليس له أن يختار من لم
يسلمن، لعدم حلهن له. (٢)
ومن الأحكام أنه يلزم الزوج النفقة
لجمیعهن في مدة التخییر إلی أن يختار، لأنهن
محبوسات لأجله، وهن في حكم الزوجات. (٣)
خامسا: تخيير الطفل في الحضانة :
١٧ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى تخيير
المحضون بین أبيه وأمه إذا تنازعا فيه على مايأتي
من التفصيل، فيلحق بأيهما اختار. فإن اتفقا
على أن يكون المحضون عند أحدهما جاز،
وعند الشافعية يبقى التخيير وإن أسقط أحدهما
حقه قبل التخيير - خلافا للماوردي والروياني -
ولا فرق في التخيير بين الذكر والأنثى .
(١) نهاية المحتاج ٦/ ٣٠٠، وكشاف القناع ١٢٤/٥
(٢) كشاف القناع ١٢٣/٥
(٣) نهاية المحتاج ٦/ ٣٠٠، وكشاف القناع ١٢٣/٥
- ٧٣ -
تخییر ١٨ - ٢١
وعند الحنابلة: يخير الغلام إذا بلغ سبع
سنين عاقلا، لأنها السن التي أمر الشرع فيها
بمخاطبته بالصلاة. وحدّه الشافعية بالتمييز بأن
يأكل وحده، ويشرب وحده، ولم يعتبروا بلوغه
السابعة حدا، فلو جاوز السبع بلا تمييز بقي عند
أمه، ولا فرق في هذا بين الذكر والأنثى. وهذا
يخالف في ظاهره ماورد من أمره بالصلاة إذا بلغ
سبع سنين، وعدم أمره بها قبل أن يبلغها وإن
میز.
والفرق بينهما أن في أمره بالصلاة قبل السبع
مشقة، فخفف عنه ذلك. بخلاف الحضانة،
لأن المدار في التخيير على معرفة مافيه صلاح
نفسه وعدمه، فيقيد بالتمييز وإن لم يجاوز
السبع .
وفرق الحنابلة بين الذكر والأنثى، فیخیر
الصبي إذا بلغ سبع سنين، أما البنت فتكون في
حضانة والدها إذا تم لها سبع سنين، حتى سن
البلوغ، وبعد البلوغ تكون عند الأب أيضا إلى
الزفاف وجوبا، ولو تبرعت الأم بحضانتها، لأن
الغرض من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ لها.
ولأنها تخطب منه، فوجب أن تكون تحت نظره(١)
١٨ - والتخيير في الحضانة مشروط بالسلامة من
الفساد، فإذا علم أنه يختار أحدهما لیمکنه من
(١) نهاية المحتاج ٢١٩/٧، وكشاف القناع ٥/ ٥٠١
الفساد، ويكره الآخر لما سيلزمه به من أدب، لم
يعمل بمقتضى اختياره، لأنه مبني على
الشهوة، فیکون فيه إضاعة له.
كما أنه مشروط بأن يظهر للحاكم معرفته
بأسباب الاختیار.
١٩ - ودليل التخيير ما رواه أبو هريرة -
رضي الله عنه - قال: ((جاءت امرأة إلى النبي
﴿﴿ فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني،
وقد سقاني من بئر أبي عنبة ونفعني، فقال النبي
وَله : هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما
شئت، فأخذ بيد أمه،فانطلقت به))(١)
وما ورد من قضاء عمر بذلك.
٢٠ - ومن أحكام التخيير: أنه لو امتنع المختار
من كفالة المحضون كفله الآخر، فإن رجع
الممتنع منها أعيد التخيير.
وإن امتنعا أي الأب والأم، خير بين الجد
والجدة، وإلا أجبر عليها من تلزمه نفقته، لأنها
من جملة الكفالة(٢)
٢١ - ومن أحكامه كذلك أن المميز الذي لا أب
له يخير بين أم وإن علت وجد وإن علا، عند
(١) حديث: ((هذا أبوك وهذه أمك)) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٠٨
- تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة.
وصححه ابن القطان. (التلخيص الحبير ١٢/٤ - ط شركة
الطباعة الفنية).
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ٢١٩، وكشاف القناع ٥/ ٥٠١
- ٧٤ -
تخییر ٢٢ - ٢٤
فقد من هو أقرب منه، أو قيام مانع به لوجود
الولادة في الكل.
٢٢ - ومن أحكامه كذلك أن المميز إن اختار
أحد الأبوين، ثم اختار الآخر حول إليه، لأنه
قد یظهر الأمر على خلاف ماظنه، أویتغیر حال
من اختاره أولا . إلا إذا ظهر أن سبب اختياره
للآخر قلة عقله، فیجعل عند أمه وإن بلغے،كما
قبل التمییز.
٢٣ - ومن الأحكام كذلك: أن المحضون إذا
اختار أبويه معا أقرع بينهما لانتفاء المرجح.
أما إذا لم يختر واحدا منهما، فعند الشافعية
الأم أولى، لأنها أشفق واستصحابا لما كان
عليه. وعند الحنابلة: يقرع بينهما، لأنه
لا أولوية حينئذ لأحدهما. وهو قول للشافعية.
فإذا اختار المحضون غير من قدم بالقرعة رد
إليه، كما لو اختاره ابتداء.
ولا یخیر الغلام إذا كان أحد أبویه لیس من
أهل الحضانة، لأنه غير أهل، فيكون وجوده
کعدمه، ویتعین أن یکون الغلام عند الآخر.
وإن اختار ابن سبع أباه ثم زال عقله رد إلى
الأم، لحاجته إلى من يتعهده كالصغير، وبطل
اختیاره لأنه لا حکم لكلامه.(١)
أما الحنفية والمالكية فذهبوا إلى أنه لا خيار
للصغیر ذكرا كان أو أنثى، وأن الأم أحق بهما.
وعند الحنفية يبقى الصبي عند أمه إلى أن
(١) المراجع السابقة.
یستغني بنفسه، بأن یأکل وحده ویشرب وحده
ويستنجي وحده ويلبس وحده. وعند المالكية
إلى البلوغ في المشهور من المذهب، ويقابل
المشهور ما قاله ابن شعبان: إن أمد الحضانة في
الذكر حتى يبلغ عاقلا غير زَمِن. أما البنت
فعند الحنفية تبقى حضانة أمها إلى أن تحيض.
وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين والحفظ والأب
فيه أقوى.
وعن محمد بن الحسن أن البنت تدفع إلى
الأب إذا بلغت حد الشهوة، لتحقق الحاجة إلى
الصيانة .
أما عند المالكية فتبقى عند أمها إلى أن
يدخل بها زوجها. لأنها تحتاج إلى معرفة آداب
النساء، والمرأة على ذلك أقدر(١)
٢٤ - والعلة في عدم تخيير المحضون عند الحنفية
والمالكية هي : قصور عقله الداعي إلى قصور
اختيار. فقد يختار من عنده الدعة والتخلية بينه
وبين اللعب، فلا يتحقق المقصود من الحضانة
وهو النظر في مصالح المحضون.
وما ورد من أحاديث تفيد تخيير الطفل، جاء
فيها أن اختياره کان لدعاء النبي پ# أن يهديه
إلی الأصلح. کما جاء في حدیث رافع بن سنان
أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم فقالت: ابنتي
وهي فطيم، وقال رافع: ابنتي. فأقعد النبي ◌َّ
الأم ناحية، والأب ناحية، وأقعد الصبية ناحية
(١) فتح القدير ١٨٩/٤، وحاشية الدسوقي ٥٢٦/٢
- ٧٥ -
تخییر ٢٥ - ٢٧
وقال لهما: ((ادعواها)) فمالت الصبية إلى أمها،
فقال النبي ◌ّل: ((اللهم اهدها)) فمالت إلى
أبيها فأخذها. (١)
وجاء في رواية أنه ابنهما وليست بنتهما،
ولعلهما قضیتان مختلفتان.
كما يحمل ماورد في تخيير الغلام على أنه كان
بالغا، بدليل أنه كان يستسقي من بئر
أبي عنبة، ومن یکون دون البلوغ لا يرسل إلى
الآبار للخوف عليه من السقوط .
سادسا : تخيير الإِمام في الأسرى:
٢٥ - اتفق الشافعية والمالكية والحنابلة على
تخيير إمام المسلمين في أسرى الحرب بين خمس
خصال: فإما أن يسترقهم، وإما أن يقتلهم،
وإما أن يأخذ الجزية منهم، وإما أن يطلب
الفدية مقابل إعتاقهم سواء بالمال، أو
بمفاداتهم بأسرى المسلمين الذين في أيدي
الكفار، وإما أن يمن عليهم فيعتقهم.
واستثنى الحنفية الخصلتين الأخيرتين، وهما
الفداء والمنّ، فقالوا بعدم جواز المنّ ،وعدم جواز
المفاداة بالمال في المشهور من المذهب، أما المفاداة
بأسری المسلمین فلا يجوز في قول لأبي حنيفة،
(١) حدیث رافع بن سنان أخرجه أبوداود (٢/ ٦٧٩ - تحقيق
عزت عبيد دعاس) وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل،
وفي إسناده مقال (التلخيص الحبير لابن حجر ١١/٤ - ط
شركة الطباعة الفنية).
وجائز في قول الصاحبين، وهو قول لأبي حنيفة
كذلك. (١) وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في
بحث (أسرى).
ودليل جواز أخذ الجزية قوله تعالى: ﴿حتى
يُعْطُوا الجِزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾.(٢)
وكذلك ما جاء أن عمر رضي الله عنه فعل ذلك
في أهل السواد.
٢٦ - وما تقدم من تخيير الإِمام في الأسرى محله
في الرجال البالغين، أما النساء والصبيان فلا
خیار فیھم، ولا یحکم فیهم إلا بالاسترقاق،
وحكمهم حكم سائر أموال الغنيمة. كما في
سبايا هوازن وخيبر وبني المصطلق.
وجاء عنه بأنه ((نهى عن قتل النساء
والولدان)). (٣)
وعند المالكية : للإِمام الخيرة فيهم بين
الاسترقاق والفداء. (٤)
٢٧ - وتخيير الإِمام بين هذه الخصال مقيد بما
يظهر له من المصلحة الراجحة في أحدها،
(١) روضة الطالبين ٢٥٠/١٠ -٢٥١، والخرشي على خليل
١٢١/٣، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٨٤، وكشاف القناع
٥١/٣ -٥٤، وفتح القدير ٢١٨/٥ - ٢٢١
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) حديث: ((نهى عن قتل النساء والولدان)) أخرجه البخاري
(فتح الباري ١٤٨/٦ - ط السلفية) ومسلم (٣/ ١٣٦٤ -
ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) المراجع السابقة .
- ٧٦ -
تخییر ٢٨ - ٢٩
فيختار الأصلح للمسلمین من بينها . فإن كان
الأسير ذا قوة وشوكة فقتله هو المصلحة، وإن
کان ضعيفا صاحب مال كانت المصلحة في أخذ
الفدية منه، وإن کان ممن یرجی إسلامه فيمنّ
عليه تقريبا وتأليفا لقلبه على الإِسلام. وإن
تردد نظر الإِمام ورأيه في اختيار الأصلح، فعند
الحنابلة(١) القتل أولى لما فيه من كفاية شرهم.
وعند الشافعية يحبسهم حتى يظهر له الأصلح.
فالتخيير في تصرف الإِمام في الأسرى مقيد
بالمصلحة بخلاف التخيير في خصال الكفارة،
إذ هو تخيير مطلق أبيح للحانث بموجبه أن يختار
أي خصلة دون النظر إلى المصلحة . (٢)
٢٨ - أما إذا اختار الإِمام خصلة بعد الاجتهاد
وتقليب وجوه المصالح، ثم ظهر له بالاجتهاد أن
المصلحة في غيرها، فقد قال ابن حجر في تحفة
المحتاج: الذي يظهر لي في ذلك تفصيل لابد
منه أولا :
فإن كانت رقا لم يجزله الرجوع عنها مطلقا،
سواء استرقهم لسبب أم لغير سبب، وذلك لأن
أهل الخمس ملكوهم بمجرد ضرب الرق، فلم
يملك إبطاله عليهم إلا برضا من دخلوا في
ملکهم .
وإن اختار القتل جازله الرجوع عنه تغليبا
لحقن الدماء، كما في جواز رجوع المقربالزنى
(١) الفروق ١٧/٣، وكشاف القناع ٥٣/٣
(٢) روضة الطالبين ١٠/ ٢٥١، والفروق ١٧/٣
وسقوط القتل عنه، بل إن الرجوع عن قتل
الأسير أولى، لأنه محض حق لله تعالى، أما حد
الزنا ففيه شائبة حق آدمي .
أما إذا كان ما اختاره الإِمام أولا هو المنّ أو
الفداء فلا يرجع عنه باجتهاد آخر، لأنه من قبیل
نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غیر موجب، کما
أن الحاكم إذا اجتهد في قضية فلا ينقض
اجتهاده باجتهاد آخر.
أما إذا اختار أحدهما لسبب، ثم زال ذلك
السبب، وظهرت المصلحة في اختيار الثاني لزمه
العمل بما أداه الیه اجتهاده ثانیا، وليس هذا من
قبيل نقض الاجتهاد بالاجتهاد، لأنه انتقال إلى
الاختيار الثاني لزوال موجب الاختيار الأول.
ويشترط في الاسترقاق والفداء اللفظ الدال
على اختيارهما، ولا يكفي مجرد الفعل، لأنه
لا يدل عليه دلالة صريحة. أما في غيرهما من
الخصال، فيكفي الفعل لدلالته الصريحة على
اختيارها . (١)
سابعا: تخيير الإِمام في حد المحارب:
٢٩ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن حد
المحازب يختلف باختلاف الجناية، فلكل جناية
عقوبتها، كما في قوله تعالى: ﴿إنما جزاءُ الذين
يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْن في الأرض فسادا
(١) تحفة المحتاج مع الحواشي ٩/ ٢٤٧ - ٢٤٨
- ٧٧ -
تخيير ٣٠ - ٣١
أن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلُهم من
خِلافٍ أو يُنْفَوا من الأرض ذلك لهم خِزْي في
الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾. (١)
وذهب الحنفية إلی أن الإمام مخير في بعض
جنايات المحارب دون بعضها على تفصيل
عندهم .
وذهب المالكية إلى أن الإِمام بالخيار في
المحارب بين أربعة أمور:
أن يقتله بلا صلب، أو أن يصلبه مع القتل،
أو أن ينفي الذكر الحر البالغ العاقل في مكان
بعيد ويسجن حتى تظهر توبته أويموت، أو أن
تقطع يده الیمنی ورجله الیسری.
وهذه الأربعة في حق الرجال، أما النساء فلا
يصلبن ولا ينفين، وحدّهن القتل أو القطع.
وتخيير الإِمام بين هذه الأمور يكون على
أساس المصلحة . (٢)
ثامنا: تخيير ملتقط اللقطة بعد التعريف بها:
٣٠ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الملتقط خير
بين أن يتملك ما التقطه وينتفع به، أو يتصدق
به، أو يحفظه أمانة إلى أن يظهر صاحب اللقطة
فيدفعها إلیه، وهذا بعد التعريف بها .
(١) سورة المائدة / ٣٣
(٢) فتح القدير ١٧٧/٥، وحاشية الدسوقي ٤٣٩/٤،
وروضة الطالبين ١٥٦/١٠، والمغني ٢٨٨/٨
وذهب الحنابلة والشافعية في قول إلى أن
الملتقط يملك ما التقطه حتما - كالميراث -
بمجرد تمام التعريف بها، على التفصيل المذكور
في مصطلح: (لقطة).
وفي الأصح عند الشافعية، وهو قول
أبي الخطاب من الحنابلة: أنه لا يملك اللقطة
حتى يختار التملك بلفظ صريح أو كنابة مع
النية، وفي وجه آخر عند الشافعية: أنه يملك
بمجرد النية بعد التعريف. (١)
ودلیل التملك والانتفاع بمجرد التعريف ما
جاء في روايات الحديث عن زید بن خالد
الجهني رضي الله عنه قال: جاء أعرابي النبي
﴿ل# فسأله عما يلتقطه فقال: ((عرفها سنة، ثم
اعرف عقاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك
بها، والا فاستنفقها)) وفي أخرى: ((وإلا فهي
كسبيل مالك)) وفي لفظ: ((ثم كلها)) وفي لفظ:
((فانتفع بها)) وفي لفظ: ((فشأنك بها))(٢)
٣١ - أما دلیل أنه لا يتملك حتی يختار فما ورد في
(١) الشرح الصغير ١٧٢/٤، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣٢٠،
والبناية شرح الهداية ٢٣/٦ - ٢٦، وكشاف القناع
٢١٨/٤، والمغني ٧٠١/٥، والمهذب ٤٣٧/١، وروضة
الطالبين ٤٠٧/٥، ونهاية المحتاج ٥/ ٤٤٠
(٢) حديث زيد بن خالد الجهني في اللقطة أخرج البخاري
بعض هذه الروایات (فتح الباري ٥/ ٨٠، ٨٤، ٩٣ - ط
السلفية) .. ومسلم بعضها (١٣٤٧/٣، ١٣٤٨، ١٣٤٩،
١٣٥١ ط عيسى الحلبي) وأحمد في المسند (١٢٧/٥ - ط
اليمنية).
- ٧٨ -
تخییر ٣٢ - ٣٣
حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي صل﴿ قال:
((فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها))(١) فجعله
إلى اختياره، ولأنه تملك ببدل فاعتبر فیه اختیار
التملك كالملك بالبيع .
وإنما جاز للملتقط اختيار التصدق لأن فيه
إيصالا للحق إلى المستحق، وهو واجب بقدر
الإِمكان، فإما أن يكون بإيصال العين
لصاحبها، وإما أن يكون بإيصال العوض عند
تعذره، وهو الثواب على اعتبار إجازة صاحب
اللقطة التصدق بها. ولهذا كان له الخيار عند
ظهوره بين إمضاء الصدقة أو الرجوع بالضمان
على الملتقط. (٢) وفي المسألة تفصيلات أخرى
تنظر في (لقطة).
تاسعا: التخيير في كفارة اليمين :
٣٢ - اتفق الفقهاء على التخيير في كفارة اليمين
بين أربع خصال: إطعام عشرة مساكين، أو
کسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد مایکفر به من
هذه الثلاثة - بأن عجز عن الإِطعام والكسوة
والعتق - صام ثلاثة أيام.
فهي كفارة على التخيير في الثلاثة الأولى،
وعلى الترتيب بينها وبين الخصلة الرابعة . (٣)
(١) حديث: ((فإن جاء صاحبها)) تقدم في التخريج السابق.
(٢) البناية ٦/ ٢٣ - ٢٦
(٣) كشاف القناع ٢٤٢/٦، وحاشية الدسوقي ١٣٢/٢،
١٣٣، وحاشية قليوبي وعميرة ٢٧٤/٤، وفتح القدير
٤/ ٣٦٥
والأصل في التخيير في كفارة اليمين قوله
تعالى: ﴿لا يؤاخِذُكُم الله باللغوِ فِي أَيْمانِكم
ولكن يؤاخِذُكم بما عَقّدْتُم الأيمانَ فكفارتُه
إطعامُ عَشَرَةٍ مساكينَ من أوسطِ ماتُطْعِمُونَ
أَهْلِيكم أو كِسْوَتُهُم أو تحريرُ رَقَبَةٍ. فمن لم يجدْ
فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ ذلك كفارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتُم
واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياتٍه
لعلكم تشكرون﴾(١)
والمقصود بالتخيير في كفارة اليمين أن للمكفر
أن يأتي بأي خصلة شاء، وأن ينتقل عنها إلى
غيرها بحسب مايراه ويميل إليه ومايراه الأسهل
في حقه، فإن الله سبحانه وتعالى ماخيره إلا
لطفا به .
وهذا مايفترق به التخيير في كفارة اليمين
عن التخيير في حد المحارب والتصرف بالأسرى
حيث قيدا بالمصلحة. (٢)
عاشرا: التخيير بين القصاص والدية والعفو:
٣٣ - أجمع الفقهاء على أن ولي الدم مخير في
الجناية على النفس بين ثلاث خصال: فإما أن
يقتص من القاتل، أو يعفو عنه إلى الدية أو
بعضها، أو أن يصالحه على مال مقابل العفو،
أو يعفو عنه مطلقا. (٣)
(١) سورة المائدة / ٨٩
(٢) الفروق ١٦/٣، ١٧
(٣) المغني ٧/ ٧٤٢ - ٧٥٢، وبدائع الصنائع ٢٤١/٧=
- ٧٩ -
تخيير ٣٣ - ٣٤
ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا
كُتِبَ عليكم القصاصُ في القتلى الْحُرُّ بالحُرِّ
والعبدُ بالعبدِ والأنثی بالأنثی فمن ◌ُفِيَ له من
أخيه شيءٌ فاتباعٌ بالمعروفِ وأداءٌ إليه بإحسانٍ
ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾(١) الآية.
وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النَّفْسَ
بالنفسِ ﴾ إلی قوله ﴿والجروحَ قصاص فمن
تَصَدَّقَ به فهو كفارةً له﴾(٢) الآية: أي كفارة
للعافي بصدقته على الجاني.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((من قُتِلَ له قتيل فهو بخير
النَّظَرين: إما أن يودي، وإما أن يقاد))(٣)
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: ((ما رأيت
رسول الله 18ُّ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر
فيه بالعفو)) . (٤)
وفي الحديث أن النبي ( 8* قال: ((إنكم
يامعشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل،
و٢٤٧، وروضة الطالبين ٢٣٩/٩، وكشاف القناع
٥٤٢/٥، والبناية ٨/١٠، وحاشية الدسوقي ٢٣٩/٤
(١) سورة البقرة / ١٧٨
(٢) سورة المائدة / ٤٥
(٣) حديث أبي هريرة: ((من قتل له قتيل ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٢ /٢٠٥ - ط السلفية). ومسلم
(٢/ ٩٨٩ - ط عيسى الحلبي).
(٤) حديث أنس: ((ما رأيت رسول الله {# رفع إليه ... ))
أخرجه أبوداود (٤ / ٦٣٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال
الشوكاني: إسناده لا بأس به. (نيل الأوطار ٧/ ٣٢ - ط
مصطفى الحلبي).
وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله
بين خيرتين: إما أن يقتلوا، أو يأخذوا
العقل))(١)
واختلف الفقهاء في توقف تخيير ولي الدم في
أخذ الدية على رضا الجاني.
فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يجوز أن
يعفوولي الدم إلى الدية إلا برضا الجاني، وأنه
ليس لولي الدم جبر الجاني على دفع الدية إذا
سلم نفسه للقصاص.
وذهب الشافعية في الأظهر، والحنابلة في
المعتمد إلى أن موجب القتل العمد هو القود،
وأن الدية بدل عنه عند سقوطه. فإذا عفا عن
القصاص واختار الدية وجبت دون توقف على
رضا الجاني. وهو قول أشهب من المالكية. وفي
قول آخر للشافعية، وهو رواية عند الحنابلة أن
موجب القتل العمد هو القصاص أو الدية
أحدهما لا بعينه، ويتخير ولي الدم في تعيين
أحدهما . (٢)
٣٤ - أما دلیل الحنفية والمالکیة فیما ذهبوا إليه فهو
ماورد من نصوص توجب القصاص، كقوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم
(١) حديث: ((إنكم يا معشر خزاعة ... )) أخرجه الترمذي
(٢١/٣ - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي شريح الكعبي
وقال: حسن صحيح، وقال ابن حجر: أصله متفق عليه.
(التلخيص الحبير ٤/ ٢١ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) بدائع الصنائع ٢٤١/٧، وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٤٠،
وروضة الطالبين ٩/ ٢٣٩، وكشاف القناع ٥٤٣/٥
- ٨٠ -