Indexed OCR Text

Pages 61-80

تبرج ١ - ٢
تبرج
التعريف :
١ - التبرج لغة: مصدر تبرج، يقال تبرجت
المرأة: إذا أبرزت محاسنها للرجال.
وفي الحديث (( کان یکره عشر خلال، منها:
التبرج بالزينة لغير محلها))(١) والتبرج: إظهار
الزينة للرجال الأجانب وهو المذموم. أما للزوج
فلا، وهو معنى قوله لغیر محلها . (٢)
وهو في معناه الشرعي لا يخرج عن هذا.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : ﴿غيرَ
مُتْبِرِّجات بِزِينَةٍ﴾(٣) أي غير مظهرات
(١) حديث ((كان يكره عشر خلال منها التبرج ... )) أخرجه
أبوداوود (٤٢٧/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وأعله ابن
المديني بجهالة أحد رواته (مختصر السنن للمنذري
١١٤/٦ نشر دار المعرفة)
(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((برج))
(٣) سورة النور/ ٦٠
ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن، فإن ذلك
من أقبح الأشياء وأبعدها عن الحق. وأصل
التبرج: التكشف والظهور للعيون. (١)
وقال في تفسير قوله تعالى ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبرُّجُ
الجاهلية الأولى﴾(٢) حقيقة التبرج: إظهار
ماستره أحسن .
قيل ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام :
كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ غير محيط
الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري
بدنها . (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
التزين :
٢ - التزين: اتخاذ الزينة، وهي مايستعمل
استجلابا لحسن المنظر من الحلي وغيره، ومنه
قوله تعالى ﴿حتى إذا أخذتِ الأرضُ زُخرِفَها
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢/ ٣٠٩، وانظر ابن
عابدين ٢٣٥/٥، وتكملة فتح القدير ٨/ ٤٦٠، ٤٦٥ -
٤٧٠، وقليوبي ٢٠٨/٣ - ٢١٠، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ٢٦٥/١، ١٥/٥ - ١٧ نشر مكتبة النصر الحديثة،
والآداب الشرعية والمنح المرعية ٣/ ٣٩٠، والمغني لابن
قدامة ٦/ ٥٥٤ - ٥٥٨، ٥٦٠ ط الرياض
(٢) سورة الأحزاب / ٣٣
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/ ١٧٩ - ١٨٠
- ٦١ -
:

تبرج ٣ - ٤
وازیّنتْ﴾(١) أي حسنت وبهجت بالنبات.
فأما التبرج: فهو إظهار تلك الزينة لمن
لا يحل له النظر إليها.
ما يعتبر إظهاره تبرجا :
٣ - التبرج: إظهار الزينة والمحاسن، سواء
أكانت فيما يعتبر عورة من البدن: كعنق المرأة
وصدرها وشعرها، وما على ذلك من الزينة. أو
كان فيما لا يعتبر عورة: كالوجه والكفين، إلا
ما ورد الإِذن به شرعا كالكحل، والخاتم،
والسوار، على ماروي عن ابن عباس في تفسير
قوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِين زينَتَهن إلا ما ظهر
منها﴾(٢) قال: ما ظهر منها: الكحل، والخاتم
والسوار. (٣) ولأنها تحتاج إلى كشف ذلك في
المعاملات فكان فيه ضرورة، على أن في اعتبار
الوجه والكفين من العودة خلافا ينظر في
مصطلح (عورة).
الحكم التكليفي للتبرج
تبرج المرأة
٤ - تبرج المرأة على أشكاله المختلفة، سواء
(١) سورة يونس/ ٢٤
(٢) سورة النور/ ٣١
(٣) تفسير القرطبي ١٢/ ٢٢٨، وفتح القدير للشوكاني ٢٤/٤
ما كان منه بإظهار الزينة والمحاسن لغير من
لا يحل له نظر ذلك، أوما كان بالتبختر
والاختيال، والتثني في المشي، ولبس الرقيق من
الثياب الذي يصف بشرتها، ويبين مقاطع
جسمها، إلى غير ذلك ــ مما يبدو منها مثيرا
للغرائز ومحركا للشهوة - حرام إجماعا لغير
الزوج، لقول الله تبارك وتعالى ﴿وَقَرْنَ في
بيوتكن ولا تَبرَّجْنَ تبرج الجاهلية الأولى﴾(١)
وقوله ﴿ولا يَضْرِبْنَ بأرجِلهن لِيُعْلَمَ مايُخْفِين من
زينتهن﴾(٢) وذلك أن النساء في الجاهلية الأولى
كن يخرجن في أجود زينتهن ويمشين مشية من
الدلال والتبختر، فيكون ذلك فتنة لمن ينظر
إليهن. (٣) حتى القواعد من النساء، وهن
العجائز ونحوهن ممن لا رغبة للرجال فیھن،
نزل فيهن قوله تعالى ﴿والقواعدُ من النساء
اللاتي لا يَرْجون نكاحا فليس عليهن جُنَاحٌ أن
يَضَعْنَ ثيابَهن غيرَ متبرِّجَاتٍ بزينةٍ﴾(٤) فأباح
(١) سورة الأحزاب/ ٣٣
(٢) سورة النور/ ٣١
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢٣٦/٥، وتكملة فتح القدير
٨/ ٤٦٠، ٤٦٥، وقليوبي ٢٠٨/٣ - ٢١٠، ٢١٣،
والشرح الكبير ٢١٤/١، ٢١٤/٢ - ٢١٥، وكشاف
القناع ١٥/٥ - ١٧ ط النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة
٥٥٧/٦ ط الرياض الحديثة، والآداب الشرعية والمنح
المرعية ٣/ ٢٩٠، ٥٢٣ ط الرياض الحديثة.
(٤) سورة النور/ ٦٠
- ٦٢ -

تبرج ٥ - ٧
لهن وضع الخمار، وكشف الرأس ونحوه،
ونهاهن مع ذلك عن التبرج.
تبرج الرجل :
تبرج الرجل إما بإظهار عورته أو تزينه،
والتزين إما أن يكون موافقا للشريعة، أو مخالفا
لها .
أ - التبرج بإظهار العورة:
٥ - يحرم على الرجل كشف عورته أمام الرجال
والنساء غير زوجته، أو لحاجة التداوي
والختان، على خلاف بين الفقهاء في تحديد
العورة. ينظر إليه في مصطلح (عورة).
ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر
الرجل إليه من الرجل إذا أمنت الشهوة،
الاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس
بعورة، وذهب بعض الفقهاء إلى التحريم.
كما يكره نظر الرجل إلى فرجه عبثا من غير
حاجة . (١)
ب - التبرج بإظهار الزينة :
٦ - إظهار الزينة من الرجل قد يكون موافقا
(١) تكملة فتح القدير ٨/ ٤٦٣ - ٤٦٥، وابن عابدين ٣٧٥/١
- ٣٧٩، والشرح الصغير ٢٨٥/١، والدسوقي ٢١١/١ -
٢١٧، ومغني المحتاج ١٨٥/١، وقليوبي ٢١١/٣،
وروضة الطالبين ٢٨٣/١، والمغني ١ /٥٥٨، وكشاف
القناع ٣٠٦/١، والآداب الشرعية ٣٣٧/٣
سريعة، وقد يكون مخالفا لها. فالتزين
المخالف للشريعة، كالأخذ من أطراف الحاجب
تشبها بالنساء، وكوضع المساحيق على الوجه
تشبها بالنساء، وكالتزين بلبس الحرير والذهب
والتختم به وما إلى ذلك، وهناك صور من
التزين اختلف في حكمها. تنظر في (اختضاب)
وفي (لحية وتزين).
وأما التزين الذي أباحته الشريعة، ومنه
تزين حضت عليه: كتزين الزوج لزوجته
كتزينها له، وتسريح الشعر أو حلقه، لكن يكره
القزع، ويسن تغيير الشيب إلى الحمرة
والصفرة .
ويجوز التزين بالتختم بالفضة، لأن
النبي ◌َّل٣ اتخذ خاتما من الفضة، إلا أن الفقهاء
اختلفوا في مقدار الخاتم(١) وينظر في مصطلح
(تختّم).
تبرّج الذمية :
٧ - الذمية الحرة عورتها كعورة المسلمة الحرة،
حيث لم يفرق الفقهاء في إطلاقهم للحرة بين
المسلمة وغيرها، كما أنهم لم يفرقوا بين عورة
الرجل المسلم والكافر، وهذا يقتضي تحريم
(١) ابن عابدين ١٥٥/٥، ٢٥٥، والمنتقى على الموطأ
٧/ ٢٥٤، وبجيرمي على الخطيب ٢/ ٢٢٧ - ٢٣٠،
والمغني ٥٨٨/١ - ٥٩١، وشرح مسلم للنووي ١٤٩/٣،
ونيل الأوطار ١١٦/١، والآداب الشرعية لابن مفلح
٣٤٥/٣، وما بعدها و٥٠١/٣ وما بعدها.
- ٦٣ -

تبرج ٨، تبرز
النظر إلى عورة الذمي رجلا كان أو انثى، وعلى
ذلك يجب على الذمية ستر عورتها والامتناع عن
التبرج المثير للفتنة، درءا للفساد ومحافظة على
الآداب العامة . (١)
العنيف، أو ليس فيه تقدیر، بل هو مفوض إلى
رأي من يقوم به وفق مقتضيات الأحوال التي
يطلب فيها التعزير. (١) وانظر مصطلح (تعزير).
مَنْ يطلب منه منع التبرج؟
٨ - على الأب أن يمنع بنته الصغيرة عن
التبرج إذا كانت تشتهى، حيث لا يباح مسها
والنظر إليها والحالة هذه لخوف الفتنة، وكذلك
عليه ذلك بالنسبة لبنته التي لم تتزوج متى كانت
في ولايته، إذ ينبغي له أن يأمرها بجميع
المأمورات، وينهاها عن جميع المنهيات، ومثل
الأب في ذلك وليها عند عدمه .
وعلى الزوج منع زوجته عنه، لأنه معصية،
فله تأديبها وضربها ضربا غير مبرح في كل
معصية لا حد فيها، إذا لم تستجب لنصحه
ووعظه، متى كان متمشيا مع المنهج الشرعي،
وعلى ولي الأمر أن ينهى عن التبرج المحرم، وله
أن يعاقب عليه، وعقوبته التعزير، والمراد به
التأديب، ويكون بالضرب أو بالحبس أوبالكلام
(١) ابن عابدين ٣٧٥/١ - ٣٧٩، وتبيين الحقائق ٩٥/١ -
٩٧، والشرح الصغير ٢٨٥/١، والقوانين الفقهية ص
٥٣، والدسوقي ٢١١/١ -٢١٧، ومغني المحتاج
١٨٥/١، والروضة ٣٢٨/١٠، والمغني ٥٧٧/١ - ٥٨٢،
وكشاف القناع ٣٠٦/١ -٣١٥، وأحكام أهل الذمة
٢/ ٧٣٥ ومابعدها و٧٦٥، ٧٦٦.
تبرز
انظر : قضاء الحاجة
(١) تكملة فتح القدير ٤٦٢/٨، وابن عابدين ٢٣٥/١،
٥٣٧/٢، ٦٦٥، ١٧٧/٣ - ١٨٢، ١٨٨ - ١٨٩،
٢٧٤/٥، وقليوبي ٢٠٥/٤ - ٢٠٦، ٢١٤، وكشاف
القناع عن متن الإقناع ٢٠٩/٥ - ٢١٠، ١٢١/٦ -
١٢٥ ط النصر الحديثة، والآداب الشرعية والمنح المرعية
٥٠٦/١، ٥٥٧/٣ -٥٥٨ ط الرياض الحديثة، والجامع
لأحكام القرآن للقرطبي ١٦٨/٥ - ١٧٤
- ٦٤ -

تبرع ١ - ٣
تبرع
التعريف :
١ - التبرع لغة: مأخوذ من برع الرجل وبرع
بالضم أيضا براعة، أي : فاق أصحابه في العلم
وغيره، فهو بارع، وفعلت كذا متبرعا أي :
متطوعا، وتبرع بالأمر: فَعَلَه غير طالب
عوضا . (١)
وأما في الاصطلاح، فلم يضع الفقهاء
تعريفا للتبرع، وإنما عرفوا أنواعه كالوصية
والوقف والهبة وغيرها، وكل تعريف لنوع من
هذه الأنواع يحدد ماهيته فقط، ومع هذا فإن
معنى التبرع عند الفقهاء كما يؤخذ من
تعريفهم لهذه الأنواع، لا يخرج عن كون
التبرع: بذل المكلف مالا أو منفعة لغيره في
الحال أو المآل بلا عوض بقصد البر والمعروف
غالبا .
(١) الصحاح للجوهري والمصباح مادة: (برع)
الألفاظ ذات الصلة :
التطوع :
٢ - التطوع: اسم لما شرع زيادة على الفرض
والواجب(١) وهو فرد من أفراد التبرع، فالتبرع
قد يكون واجبا، وقد لا يكون واجبا، ويكون
التطوع أيضا في العبادات، وهي النوافل كلها
الزائدة عن الفروض والواجبات .
الحكم التكليفي للتبرع :
٣ - حث الإِسلام على فعل الخير وتقديم
المعروف في الكتاب والسنة والإجماع، والتبرع
بأنواعه المختلفة من الخير، فيكون مشروعا بهذه
الأدلة .
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على
البِرِّ والتقوى ولا تَعَاونوا على الإِثم
والعدوان﴾(٢) فقد أمر الله بالتعاون على البر،
وهو كل معروف يقدم للغير سواء أكان بتقديم
المال أم المنفعة .
وقوله سبحانه ﴿كُتِبَ عليكم إذا حضر
أحدكم الموتُ إنْ ترك خيرا الوصيةُ للوالدَيْن
والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾(٣)
وأما السنة، فإِن الأحاديث الدالة على أعمال
(١) التعريفات للجرجاني.
(٢) سورة المائدة / ٢
(٣) سورة البقرة / ١٨٠
- ٦٥ -

تبرع ٣ - ٥
الخير كثيرة، منها: ماروي عن ابن عمر قال:
أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي دولار
يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت
أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي
منه. فما تأمرني به؟ قال: ((إن شئت حَبِسْتَ
أصلها وتصدقت بها)). قال: فتصدق بها عمر:
أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث،
ولا يوهب. قال: فتصدق عمر في الفقراء. وفي
القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله،
وابن السبيل. والضيف. لا جناح على من
وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا،
غير متمول فيه . (١)
قال: فحدثت بهذا الحديث محمدا. فلما
بلغت هذا المكان: غير متمول فیه. قال محمد :
غير متأثل مالا .
قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب،
أن فيه: غير متأثل مالا .
ومنها قوله پێ: ((تهادوا تحابوا))(٢) وقوله ێ :
((إن الله تبارك وتعالى تصدق عليكم بثلث
أموالكم عند وفاتكم زيادةً في حياتكم، ليجعلها
(١) حديث: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها .... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٥٤/٥ - ٣٥٥ - ط السلفية).
ومسلم (١٢٥٥/٣ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم .
(٢) حديث: ((تهادوا تحابوا)) أخرجه البخاري في الأدب المفرد
(برقم ٥٩٤ ص ١٥٥ - ط السلفية) وجوده السخاوي في
المقاصد (ص ١٦٦ - ط الخانجي).
لكم زيادة في أعمالكم)). (١)
وأما الإِجماع فقد اتفقت الأمة على مشروعية
التبرع، ولم ينكر ذلك أحد. (٢).
٤ - والتبرعات أنواع متعددة منها: تبرع
بالعين، ومنها تبرع بالمنفعة، وتكون التبرعات،
حالة أو مؤجلة، أو مضافة إلى مابعد الموت .
والتبرع بأنواعه يدور عليه الحكم التكليفي
بأقسامه .
٥ - وقد اتفق الفقهاء على أن التبرع ليس له
حكم تكليفي واحد، وإنما تعتريه الأحكام
الخمسة: فقد یکون واجبا، وقد یکون مندوبا،
وقد يكون حراما، وقد يكون مكروها تبعا،
لحالة المتبرع والمتبرع له والمتبرع به .
فإِن كان التبرع وصية، فتكون واجبة لتدارك
قربة فاتته كزكاة أو حج، وتكون مندوبة إذا كان
ورثته أغنياء وهي في حدود الثلث، وتكون
حراما إذا أوصى لمعصية أو بمحرم، وتكون
مكروهة إذا أوصى لفقير أجنبي وله فقير
قريب، وتكون مباحة إذا أوصى بأقل من الثلث
الغني أجنبي وورثته أغنياء.
(١) حديث: ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم ... ))
أخرجه الطبراني كما في مجمع الزائد (٢١٢/٤ - ط القدسي)
وقال عن طرقه ابن حجر في بلوغ المرام (ص ٢٢١ - ط
عبدالحميد حنفي): كلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها
بعضا ..
(٢) مغني المحتاج ٢/ ٢٧٦
- ٦٦ -

تبر ع ٦ -٨
والحكم كذلك في باقي التبرعات كالوقف
والهبة . (١)
أركان التبرع :
٦ - التبرع أساسه العقد، ولابد من توافر أركان
العقد، وقد اختلف الفقهاء في عدد هذه
الأركان .
فالجمهور يرون أن للتبرع أربعة أركان:
متبرع، ومتبرع له، ومتبرع به، وصيغة.
فالمتبرع هو الموصي أو الواهب أو الواقف أو
المعير. والمتبرع له قد يكون الموصى له أو
الموهوب له أو الموقوف عليه أو المستعير. والمتبرع
به قد یکون موصی به أو موهوبا أو موقوفا أو
معارا إلى غير ذلك. والصيغة هي التي تنشىء
التبرع وتبين إرادة المتبرع .
أما الحنفية فللتبرع عندهم رکن واحد، وهو
الصيغة، والخلاف عندهم فيما تتحقق به هذه
الصيغة، وهذا يختلف تبعا لنوع التبرع. (٢)
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١ ط بولاق، والحطاب
٢٢٤/٥، والبهجة شرح التحفة ٢٣٦/٢، والدسوقي
٣٧٦/٤، ومغني المحتاج ٢٦٤/٢، ٣٩٦، والمغني
٣٥٤/٥، ٤١٤/٦ - ٤١٨
(٢) بدائع الصنائع ٣٣١/٧ - ٣٣٣، والدسوقي مع الشرح
الكبیر ٣/ ٣٨٩ - ٣٩١، ٦٩/٤، ٧٦، ٣٧٥، ٣٩٠،
وبداية المجتهد ٢٥١/٢ ط دار الفكر، =
شروط التبرع
٧ - لكل نوع من التبرعات شروط إذا تحققت
كان التبرع صحيحا .. وإذا لم تتحقق لم يكن
صحيحا، وهذه الشروط كثيرة ومتنوعة،
فبعضها يتعلق بالمتبرع، وبعضها يتعلق
بالمتبرغ له، وبعضها يتعلق بالمتبرع به،
وبعضها يتعلق بالصيغة، وتفصيل شروط كل
نوع من التبرعات في مصطلحه. (١)
اثار التبرع
٨ - التبرع إذا تم بشروطه الشرعية يترتب عليه
أثر شرعي، وهو انتقال المتبرع به إلى المتبرع
له، ويختلف ذلك باختلاف المتبرع به .
ففي الوصية مثلا ينتقل الملك من الموصي
بعد وفاته إلى الموصى له بقبوله، سواء أكان
الموصى به أعيانا أم منافع، وفي الهبة ينتقل ملك
الموهوب من الواهب إلى الموهوب له إذا قبضه
عند جمهور الفقهاء، ويتوقف انتقاله على
القبض عند الحنفية. وفي العارية ينتقل حق
الانتفاع إلى المستعير انتقالا مؤقتا، وأما الوقف
ومغني المحتاج ٢٦٤/٢ - ٢٦٦، ٣٧٦، ٣٧٩ - ٣٨١،
٣٩٧، ٣٩/٣ - ٤٠، ٤٤، ٥٣، والمغني ١٩٠/٥،
٤٤٠/٦
(١) بدائع الصنائع ٣٣١/٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٧ - ٣٣٨،
والدسوقي مع الشرح الكبير ٣٨٠/٤، ٣٩٠، ومغني
المحتاج ٢٦٤/٢ - ٢٦٦، ٣٧٦، ٣٩٧، ٣٩/٣ - ٤٠،
٤٧، والمغني ٦/ ٤٤٠
- ٦٧ -
:

تبرع ٩
فقد اختلفوا في انتقال الملك وعدمه، فعند
الحنفية والشافعية والمشهور من مذهب أحمد: (١)
أن الوقف يخرج عن ملك الواقف ويبقى على
ملك الله تعالى، وعند المالكية وهو رواية عن
أحمد : أنه يبقى على ملك صاحبه(٢) واستدلوا
بما روي عن عمر رضي الله عنه لما وقف أسهما له
بخيبر قال له النبي عليه الصلاة والسلام :
((حبس أصلها))(٣) فاستنبطوا من ذلك النص
بقاء الموقوف على ملك واقفه، وبالجملة فإن
التبرع ينتج أثرا شرعيا، وهو انتقال الملك في
العين أو المنفعة من المتبرع إلى المتبرع له إذا تم
· العقد بشروطه. وفي المسألة تفصيلات
واختلاف يرجع إليها في (عارية. هبة. وقف.
وصية. الخ).
ماينتهي به التبرع :
٩ - انتهاء التبرع قد يكون ببطلانه، وقد يكون
بغير فعل من أحد، وقد يكون بفعل المتبرع أو
غيره. والأصل في التبرع عدم انتهائه لما فيه من
البر والمعروف، باستثناء الإعارة لأنها مؤقتة .
وباستعراض أقوال الفقهاء في انتهاء التبرع
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٨٥ وما بعدها ط بولاق، ٣٨٩٨/٨.
٣٩١٣ ط الإمام.
(٢) مغني المحتاج ٣٨٢/٢، والمغني لابن قدامة ٦/ ١٩٠،
والشرح الكبير ٤ /٧٦ ط الحلبي.
(٣) حديث: ((حبس أصلها)) سبق تخريجه (ف ٣).
يتبين أن الانتهاء يتسع في بعض أنواع التبرع،
ويضيق في بعضها الآخر، ومن ناحية أخرى فقد
يكون إنهاء بعض التبرعات غير ممكن كالوقف
عند جمهور الفقهاء، وقد يكون أمرا حتميا
كالإعارة . (١)
وتفصيل مايتعلق بكل نوع من التبرعات
ينظر في مصطلحه.
(١) بدائع الصنائع ٣٩٤/٧ ط بولاق، والمبسوط ٢/ ٤١،
وفتح القدير ٦/ ٤٨ ط الحلبي، وحاشية الدسوقي
٣٩٤/٣، ٤/ ٦٩ - ٧٦، ٩٩ وما بعدها ٣٧٩ - ٣٨٠،
ومغني المحتاج ٤٠١/٢ - ٤٠٣، ٥٤/٣، ٧١، ٧٢،
والمغني ٦/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٤٣٥، ٤٣٨، ٤٨٠، ومنسار
السبيل ٤٣٠/١
- ٦٨ -

تبرك ١ - ٤
تبرك
التعريف :
١ - التبرك لغة: طلب البركة، والبركة هي :
النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء للإِنسان
بالبركة. وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه :
وضع فيه البركة، وفي التنزيل : ﴿وهذا کتابُ
أنزلناه مبارك﴾(١) وتبر کت به تیمنت به. قال
الراغب الأصفهاني: البركة ثبوت الخير الإِلهي
في الشيء. قال تعالى: ﴿ولو أنّ أهلَ القرى
آمنوا واتقَوْا لَفَتَحْنا عليهم بركاتٍ من السماء
والأرض﴾(٢) ﴿وهذا ذِكْر مبارك أنزلناه﴾(٣)
تنبيها على مايفيض به من الخيرات الإِلهية. (٤)
وعلى هذا فالمعنى الاصطلاحي للتبرك هو:
طلب ثبوت الخير الإِلهي في الشيء.
(١) سورة الأنعام / ٩٢
(٢) سورة الأعراف/ ٩٦
(٣) سورة الأنبياء / ٥٠
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير مادة (برك) والمفردات في
غريب القرآن للراغب الأصفهاني.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التوسل :
٢ - التوسل لغة: التقرّب. يقال: توسّل العبد
إلى ربه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل . (١)
وفي التنزيل: ﴿وَابْتَغُوا إليه الوسيلةَ﴾(٢).
ب - الشفاعة :
٣ - الشفاعة: لغة من مادة شفع، ويقال:
استشفعت به: طلبت منه الشفاعة. وقال
الراغب الأصفهاني: الشفاعة الانضمام إلى آخر
ناصرا له وسائلا عنه، وشفّع وتشفّع: طلب
الشفاعة، والشفاعة: كلام الشفيع للملك في
حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره،
وشفع إليه في معنى : طلب إليه قضاء حاجة
المشفوع له.(٣)
وفي الاصطلاح: الضراعة والسؤال في
التجاوز عن ذنوب المشفوع له أو قضاء حاجته.
جـ - الاستغاثة :
٤ - الاستغاثة لغة: طلب الغوث، وفي
التنزيل: ﴿إِذْ تستغيثون ربَّكم﴾(٤) وأغاثه
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة:
(وسل).
(٢) سورة المائدة / ٣٥
(٣) لسان العرب، وغريب القرآن للأصفهاني مادة (شفع).
(٤) سورة الأنفال / ٩
- ٦٩ -

تبرك ٥ - ٧
إغاثة: إذا أعانة ونصره، فهو مغيث،
وأغاثهم الله برحمته: كشف شدتهم. (١)
الحكم التكليفي :
التبرك مشروع في الجملة على التفصيل
التالي :
(١) التبرك بالبسملة والحَمْدَلَة:
٥ - ذهب بعض أهل العلم إلى سنية ابتداء كل
أمر ذي بال يهتم به شرعا ۔بحیث لا یکون محرّما
لذاته، ولا مكروها لذاته، ولا من سفاسف
الأمور ومحقراتها - بالبسملة والحمدلة، كل في
موضعه على سبيل التبرك.
وجرى العلماء في افتتاح كلماتهم وخطبهم
ومؤلفاتهم وكل أعمالهم المهمة بالبسملة عملا بما
روي عن النبي حه: ((كل أمرذي بال لا يبدأ
فيه ببسم الله فهو أبتر أو أقطع أو أجزم))(٢) وفي
رواية أخرى: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه
بالحمد لله فهو أبتر أو أقطع أو أجزم))(٣) ومن
(١) المصباح المنير، وغريب القرآن للأصفهاني.
(٢) حديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أو
أقطع أو أخذم». أخرجه عبدالقادر الرهاوي في الأربعين،
وعنه السبكي في الطبقات، وإسناده ضعيف جدا. (فيض
القدير للمناوي ٥/ ١٣ - ط المكتبة التجارية).
(٣) حديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر أو
أقطع أو أجذم)) أخرجه ابن ماجة (١/ ٦١٠ - ط الحلبي)
وإسناده ضعيف، (فیض القدير للمناوي ١٣/٥ - ط
المكتبة التجارية).
هذا الباب الإِتيان بالبسملة عند الأكل،
والشرب، والجماع، والاغتسال، والوضوء،
والتلاوة، والتيمم، والركوب والنزول. (١)
وما إلى ذلك.
(٢) التبرك بآثار النبي مايلي :
٦ - اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار
النبي وية، وأورد علماء السيرة والشمائل
والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة
الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره
الي نجملها فيما يأتي:
أ - في وضوئه :
٧ - كان النبي # إذا توضأ كادوا يقتتلون على
وضوئه، (٢) لفرط حرصهم على التبرك بما سّه
(١) حاشية ابن عابدين ٤/١، وجواهر الإكليل ١/ ١٠،
٢١٢، وتحفة المحتاج ٣/١، وحاشية الباجوري ٢/١،
٤، وسبل السلام ١/١، وكشف المخدرات ص ١٣.
والبدائع ١/ ٢٠، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين
٢١٥/٣، ٢٣٩، ٤٥٥، وإحياء علوم الدين ٢٥٢/٢،
ومغني المحتاج ٤٢/١، ٥١، ٥٧، وفتح الباري شرح
صحيح البخاري ٣/١، ٩/ ٥٢١، ٦٠١، ٠٦٣٣
والأذکار للإمام النووي ص ٢٤، ٣٢، ٣٣، ٢٠٥، وزاد
المعاد لابن القيم ٢٢/٢
(٢) حديث: ((ما تنخم رسول الله مح نخامة إلا وقعت في كف
رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا
أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه)». أخرجه
البخاري (الفتح ٣٣٠/٥ - ط السلفية).
- ٧٠ -

تبرك ٨ - ١٠
محملة ببدنه الشريف، وكان من لم يصب من
وضوئه يأخذ من بلل يد صاحبه. (١)
ب - في ريقه ونخامته :
٨ - كان مَّ لا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة
إلا تلقوها، وأخذوها من الهواء، ووقعت في كف
رجل منهم، فدلکوا بها وجوههم وأجسادهم،
ومسحوا بها جلودهم وأعضاءهم تبركا بها. (٢)
وكان يتفل في أفواه الأطفال، ويمج ريقه في
الأيادي، وکان یمضغ الطعام فیمجه في فم
الشخص، وكان الصحابة يأتون بأطفالهم
ليحنكهم النبي ◌ُ ◌ّ رجاء البركة. (٣)
جـ ـ في دمه ◌َل﴾ :
٩ - ثبت أن بعض الصحابة شربوا دمه مخ لل على
سبيل التبرك، فعن عبد الله بن الزبير رضي الله
(١) نسيم الرياض في شرح القاضي عياض، وشرح الشفا
٣٩٢/٣، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٣٣٠/٥،
وزاد المعاد في هدي خير العباد ٢/ ١٢٤
(٢) الحديث بتمامه تقدم تخريجه في الفقرة السابقة.
(٣) نسيم الرياض ٣٩٣/٣، والخصائص الكبرى للسيوطي
١٥٣/١، وزاد المعاد ٢/ ١٢٤، ومغني المحتاج ٤ /٢٩٦،
وجواهر الإكليل ٢٢٤/١، وصحيح مسلم مع النووي
١٤/ ١٢٢
وحديث: ((كان الصحابة ... )) ورد بلفظ: ((كان
رسول الله * يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم)).
أخرجه مسلم (١/ ٢٣٧ - ط الحلبي).
عنه أنه أتى النبي ◌ِّ وهو يحتجم، فلما فرغ
قال: ((ياعبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث
لا يراك أحد» فشربه، فلما رجع، قال:
((ياعبد الله ماصنعت؟)) قال: جعلته في أخفی
مكان علمت أنه مخفي عن الناس، قال:
((لعلك شربته؟)) قلت: نعم. قال: ((ويل
للناس منك !! وويل لك من الناس !! )) فكانوا
یرون أن القوة التي به من ذلك الدم.(١) وفي
رواية أن النبي صلّ قال له: ((من خالط دمه دمي
لم تمسه النار)). (٢)
د - في شعره صلاير :
١٠ - كان النبي مي يوزع شعره بين الصحابة
عندما يحلق رأسه الشريف، وكان الصحابة
رضي الله عنهم يحرصون على أن يحصلوا شيئا
من شعره محليّة ويحافظون على مايصل إلى
أيديهم منه للتبرك به. فعن أنس رضي الله عنه
أن رسول الله ﴿ أتى منى فأتى الجمرة فرماها
. ثم أتى منزله بمنی ونحر، ثم قال: للحلاق: خذ
وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل
(١) الخصائص الكبرى ١٧١/١، وحاشية البيجوري
١/ ١٠٤، ودفيل الفالحين ٢٢٢/٢
(٢) حديث عبد الله بن الزبير في شربه دم النبي مخل﴾. أخرجه
الحاكم (٥٥٤/٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) والطبراني كما
في مجمع الزوائد (٢٧١/٨ - ط القدسي) وقال الهيثمي:
رواه الطبراني والبزار باختصار، ورجال البزار رجال
الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة .
- ٧١ -

تبرك ١٠ - ١١
يعطيه الناس. وفي رواية: لما رمى الجمرة ونحر
نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن،
فحلقه، ثم دعا أباطلحة الأنصاري رضي الله
عنه فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال:
أحلق، فحلقه، فأعطاه أباطلحة، فقال:
اقسمه بین الناس . (١)
وفي رواية : فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة
والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر فصنع به
مثل ذلك. (٢)
وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه:
فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فطلبها حتى
وجدها، وقال: اعتمر رسول الله فحلق رأسه
فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته
فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي
معي إلا رزقت النصر. (٣)
وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت
رسول الله احله والحلاق يحلقه وأطاف به
أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد
رجل . (٤)
(١) حديث: ((اقسمه بين الناس ... )) أخرجه مسلم
(٩٤٧/٢ - ط الحلبي).
(٢) زاد المعاد لابن القيم ٢٣٢/١، ونسيم الرياض ٣/ ١٣٣
(٣) حديث خالد بن الوليد. أخرجه الحاكم (٣/ ٢٩٩ - ط
دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي في تلخيصه: منقطع.
(٤) حديث أنس: ((لقد رأيت رسول الله الشلل ... )) أخرجه
مسلم (٤ / ١٨١٢ - ط الحلبي).
هـ ـ في سؤره وطعامه ملاية :
١١ - ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يتنافسون في سؤره # ليحوز كل واحد منهم:
البركة التي حلّت في الطعام أو الشراب من قبل
الرسول بَليل. (١) فعن سهل بن سعد رضي الله
عنه: أن رسول اللّه ** أتي بشراب فشرب منه
وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ فقال
للغلام: ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلام:
- وهو ابن عباس رضي الله عنهما -: والله
يا رسول اللّه لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله
رسول الله {الچ٣ في يده. (٢).
وعن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها: أنها
دخلت على النبي ◌َّهل هي وأخواتها يبايعنه،
وهن خمس، فوجدته يأكل قديدة، فمضغ لهن
قدیدة، ثم ناولني القديدة، فمضغتها كل
واحدة قطعة قطعة، فلقين الله وما وجد
لأفواههن خلوف. (٣)
وفي حديث خنس بن عقيل: سقاني
(١) دليل الفالحين ٥٦٨/٢، وصحيح مسلم بشرح الإِمام
النووي ٤٠/١٥
(٢) حديث سهل بن سعد .... أخرجه البخاري (الفتح
٨٦/١٠ - ط السلفية)، ومسلم (١٦٧/٣ - ط الحلبي).
(٣) حديث عميرة بنت مسعود: أخرجه الطبراني (٣٤١/٢٤ -
ط وزارة الأوقاف العراقية) وقال الهيثمي في المجمع
(٢٨٣/٨ - ط القدسي): فيه إسحاق بن إدريس
الأسواري وهو ضعيف.
- ٧٢ -

تبرك ١٢ - ١٤
رسول اللّه ◌َليل شربة من سويق شرب أولها
وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا
جعت، وريها إذا عطشت، وبردها إذا
ظمئت .(١)
و- في أظافره آثار :
١٢ - ثبت أنه ما قلم أظافره، وقسمها بين
الناس للتبرك بها، فقد ذكر الإِمام أحمد
رحمه الله، من حديث محمد بن زيد أن أباه
حدثه: ((أنه شهد النبي صلي على المنحر ورجلا
من قريش، وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه منها
شيء ولا صاحبه، فحلق رسول الله وَل رأسه
في ثوبه، فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلّم
أظافره فأعطاه صاحبه)).
وفي رواية ((ثم قلم أظافره وقسمها بين
الناس)). (٢)
ز - في لباسه ول﴾ وأوانيه :
١٣ - ثبت كذلك أن الصحابة رضي الله عنهم
كانوا يحرصون على اقتناء ملابسه وأوانيه للتبرك
بها والاستشفاء.
فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما:
أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: إن رسول الله
(١) حديث خمس بن عقيل: عزاه ابن حجر في الإصابة إلى
قاسم بن ثابت في الدلائل (٣٥٨/١ ط مطبعة السعادة).
(٢) حديث محمد بن زيد في تقليم الأظافر: أخرجه أحمد
(٤٢/٤ - ط اليمنية) ورجاله ثقات. وانظر زاد المعاد
٢٣٢/١
{* كان يلبسها فنحن نغسلها للمرضى
یستشفى بها. (١)
وفي رواية: فنحن نغسلها نستشفي بها. (٢)
وروي عن أبي محمد الباجي قال: كانت
عندنا قصعة من قصاع النبي م فكنا نجعل
فيها الماء للمرضى، يستشفون بها، فيشفون
بها . (٣)
ح - في ما لمسه رجل ومصلاه:
١٤ - كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون فيما
تلمس يده الشريفة ال . (٤)
ومن ذلك برکة یده فیما لمسه وغرسه لسلمان
رضي الله عنه ((حين كاتبه مواليه على ثلثمائة
وديّة (وهو صغار النخل) يغرسها لهم كلها،
تعلق وتطعم، وعلى أربعين أوقية من ذهب،
فقام ﴾ وغرسها له بيده، إلا واحدة غرسها
غيره، فأخذت كلها إلا تلك الواحدة، فقلعها
النبي # وردّها فأخذت)) وفي رواية: ((فأطعم
النخل من عامه إلا الواحدة، فقلعها رسول الله
(١) حديث أسماء بنت أبي بكر. أخرجه مسلم (٣/ ١٦٤١ - ط
الحلبي).
(٢) نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ٣/ ١٣٤
(٣) صحيح مسلم مع شرح الإمام النووي ١٤/ ١٢٣
(٤) صحيح مسلم بشرح الإِمام النووي ١٥/ ٨٢. والشفاء
للقاضي عياض ٢٧٨/١
- ٧٣ -

تبرك ١٤ - ١٦
وَّ وغرسها فأطعمت من عامها، وأعطاه مثل
بيضة الدجاجة من ذهب، بعد أن أدارها على
لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقية، وبقي
عنده مثل ما أعطاهم)). (١)
ووضع يده الشريفة م# على رأس
حنظلة بن حذيم وبرّك عليه، فكان حنظلة
يؤتى بالرجل قد ورم وجهه، والشاة قد ورم
ضرعها، فيوضع على موضع كف النبي {*
فيذهب الورم . (٢)
وكان يؤتى إليه # بالمرضى وأصحاب
العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشريفة
وُ ل﴿ فیزول مابهم من مرض وجنون وعاهة. (٣)
وكذلك كانوا يحرصون على أن يصلي النبي
وَلّ في مكان من بيوتهم، ليتخذوه مصلى لهم
بعد ذلك، وتحصل لهم بركة النبي بح﴾. فعن
عتبان بن مالك رضي الله عنه - وهو ممن شهد
بدرا - قال: ((كنت أصلي لقومي بني سالم، وكان
يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشقّ
عليّ اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله
(١) حديث سلمان ... أخرجه البزار (٢٦٨/٣ - كشف
الأستار - ط الرسالة) وقال الهيثمي في المجمع (٣٣٧/٩ -
ط القدسي): رجاله رجال الصحيح.
(٢) حديث حنظلة بن حذيم. أخرجه أحمد (٦٧/٥ - ٦٨ - ط
الميمنية) وقال الهيثمي في المجمع (٤١٨/٩ - ط القدسي)
رجاله ثقات .
(٣) نسيم الرياض ٣/ ١٤٧
وصلة فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي
الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار
فيشق عليّ اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي في
بيتي مكانا أتخذه مصلى، فقال رسول الله التالي :
سأفعل إن شاء اللّه فغدا عليّ رسول الله وأبوبكر
رضي الله عنه بعدما اشتد النهار، واستأذن
رسول اللّهِ بَ لٍ فأذنت له، فلم يجلس حتى
قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له
إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام
رسول الله مل فكبر وصففنا وراءه فصلى
ركعتين ثم سلّم، وسلّمنا حين سلم)). (١)
(٣) التبرك بماء زمزم :
١٥ - ذهب العلماء إلى سنية شرب ماء زمزم
المطلوبه في الدنيا والآخرة، لأنها مباركة، لقوله
اَ لّ: «ماء زمزم لما شُرِبَ له))(٢)
(٤) التبرك ببعض الأزمنة والأماكن في النكاح:
١٦ - ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرة
عقد النكاح في المسجد، وفي يوم الجمعة للتبرك
بهما، فقد قال الرسول وهي: ((أَعْلِنُوا هذا
(١) حديث عتبان بن مالك: أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٣/٢
- ط السلفية) ومسلم (٤٥٥/١ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((ماء زمزم لما شرب له)) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٧ -
ط اليمنية) وصححه المنذري كما في المقاصد الحسنة
للسخاوي (ص ٣٥٧ - ط الخانجي).
- ٧٤ -

٠٠
تبرك ١٦، تبسط، تبع، تبعض، تبعة، تبعيض ١ - ٢
النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه
بالدفوف)). (١)
تبسط
انظر : توسعة .
تبع
انظر : تابع .
تبعض
انظر : تبعيض .
تبعة
انظر : اتباع، ضمان .
(١) حديث: ((أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد)) أخرجه
الترمذي (٣/ ٣٩٠ - ط الحلبي) وقال: هذا حديث غريب
حسن في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري - يعني
راويه - يضعف في الحديث.
تبعیض
التعريف :
١ - التبعيض في اللغة: التجزئة، وهو مصدر
بعّض الشيء تبعيضا، أي جعله أبعاضا أي
أجزاء متمايزة. وبعض الشيء: جزؤه، وهو
طائفة منه سواء قلَّت أو كثرت. ومنه: أخذوا
ماله فبعَّضوه، أي: فرقوه أجزاء. (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التبعيض
عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصلة :
التفريق :
٢ - التفريق: مصدر فرّق الشيء تفريقا، أي
فصّله أبعاضا، فيكون بمعنى التبعيض
والتجزؤ، وهو ضد الجمع. وفرّقت بين الرجلين
فتفرقا. قال ابن الأعرابي : فرقت بين الكلامين
فافترقا، مخفف، وفرّقت بين العبدين فتفرقا
مثقّل، فجعل المخفف في المعاني، والمثقل في
(١) مختار الصحاح، والمصباح المنير، وتاج العروس مادة:
((بعض))
- ٧٥ -

تبعيض ٣ - ٧
الأعيان. والذي حكاه غيره أنهما بمعنى ،
والتثقيل للمبالغة. (١) ويأتي التفريق بين
الشيئين بمعنى التمييز بينهما .
الحكم التكليفي :
٣ ۔ لیس للتبعیض حکم عام جامع، ولا یمکن
اطراده على حكم واحد، ويختلف حكمه
باختلاف مايتعلق به من العبادات، والمعاملات
والدعاوى، والجنايات، وغيرها على ماسيأتي.
أهم القواعد التي تبنى عليها مسائل التبعيض
وأحكامها :
٤ - تبني أحكام التبعيض من ناحية الجواز
وعدمه على قواعد فقهية كثيرة في المذاهب
المختلفة، نجمل أهمها فيما يأتي :
أ - قاعدة ((ذکر بعض مالا يتجزأ کذکر کله)).
٥ - فإِذا طلق المرأة نصف تطليقة وقعت واحدة،
أو طلق نصف المرأة طلقت. (٢)
وللقاعدة فروع أخرى عند الحنفية. يأتي
ذكر بعضها في مواضعها، ونظيرها عند الشافعية
قاعدة ((ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه
کاختیار کله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله)). (٣)
(١) مختار الصحاح، ومحيط المحيط، ولسان العرب المحيط.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ١٨٩
(٣) المنثور في القواعد للزركشي ١٤٩/٣
ب - ماجاز على البدل لا يدخله تبعيض في
البدل والمبدل منه معا»:
٦ - ولهذا قال الرافعي في باب العدد: الواجب
الواحد لا يتأدى ببعض الأصل، وبعض البدل
كخصال الكفارة، وكالتيمم مع الوضوء، أما في
أحدهما فنعم، كما لو وجد من الماء مالا يكفيه،
فإنه يستعمله ويتيمم عن الباقي . (١) فهذا يجوز
عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز عند الحنفية
والمالكية. كما سيأتي بيانه.
جـ - قاعدة ((الميسور لا يسقط بالمعسور)).
٧ - قال ابن السبكي: هي من أشهر القواعد
المستنبطة من قوله وسلم: ((إذا أمرتُكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم)) (٢) ومن أمثلتها ما إذا قدر
المصلي على بعض الفاتحة لزمه قطعا.
وكما لو وجد بعض الصاع من الفطرة لزمه
إخراجه على الأصح، ويخرج عن هذه القاعدة
أمور منها: أنه لو وجد المحدث الفاقد للماء ثلجا
أو بردا، وتعذرت إذابته فلا يجب مسح الرأس به
على المذهب، وكما إذا وجد في الكفارة المرتّبة
بعض الرقبة لا يجب قطعا، لأن الشرع قصد
(١) المنثور في القواعد للزركشي ٢٥٨/١، ٢٥٩
(٢) حديث: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٣ /٢٥١ ط السلفية) ومسلم
(٩٧٥/٢ ط الحلبي).
- ٧٦ -

تبعيض ٨
تكميل العتق قطعا. (١) وسيأتي تفصيل هذه
الأحكام .
أحكام التبعيض
التبعيض في الطهارة :
٨ - اتفق الفقهاء على أن التبعيض يتأتى في
الطهارة :
فإِن قطعت يد الشخص من المرفق غسل
مابقي من محل الفرض، وكذلك كل عضو سقط
بعضه يتعلق الحكم بباقيه غسلا ومسحا، طبقا
لقاعدة ((الميسور لا يسقط بالمعسور)). (٢)
وإذا وجد الجنب ماء يكفي غسلَ بعض
أعضائه، فذهب الحنفية والمالكية، وابن المنذر،
وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه یتیمم ویترکه،
لأن هذا الماء لا يطهره، فلم يلزمه استعماله كالماء
المستعمل، ولما فيه من الجمع بين البدل
والمبدل، ولأن ما جاز على البدل لا يدخله
تبعیض. وهو قول الحسن، والزهري، وحماد.
وذهب الحنابلة، وهو قول آخر للشافعي إلى
أنه يلزمه استعماله، ویتیمم للباقي . وبه قال
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ١٤٢، والمنثور في القواعد
للزركشي ٢٣١،٢٢٧/١
(٢) ابن عابدين ١/ ٦٩، وحاشية الدسوقي ٨٧/١، وروضة
الطالبين ٥٢/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٤٢،
والمغني ١/ ١٢٣
عبدة بن أبي لبابة ومعمر، ونحوه قال عطاء. (١)
وأما إن وجد المحدث حدثا أصغر بعض
مايكفيه من ماء فالحكم لا يختلف عند من لا
يجوز الجمع بين البدل والمبدل منه. وعند
الشافعية يجب استعماله على الأصح، وهو وجه
للحنابلة أيضا، لأنه قدر على بعض الطهارة
بالماء فلزمه كالجنب، وكما لو كان بعض بدنه
صحيحا وبعضه جريحا .
ومأخذ من لا يراه من الحنابلة: إما أن
الحدث الأصغر لا يتبعض رفعه فلا يحصل به
مقصوده، أو أنه يتبعض لكنه يبطل بالإِخلال
بالموالاة، فلا يبقى له فائدة، أو أن غسل بعض
أعضاء المحدث غير مشروع، بخلاف غسل
بعض أعضاء الجنب. (٢)
وعلى هذا الخلاف الجريح والمريض إذا
أمكن غسل بعض جسده دون بعض، فقد قال
أبوحنيفة ومالك: إن کان أکثر بدنه صحيحا
غسل ولا تيمم عليه، وإن كان العكس تيمم
ولا غسل عليه، لأن الجمع بين البدل والمبدل
لا يجب كالصيام والإطعام. ويلزمه غسل
(١) ابن عابدين ١٧٢/١، وحاشية الدسوقي ١٤٩/١.
وروضة الطالبين ٩٦/١، والمغني ٠٢٣٨،٢٣٧/١
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤٢ ، وقواعد ابن رجب
١١، والمنثور في القواعد للزركشي (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩ ٢٥٩
(٢) المراجع السابقة
- ٧٧ -

تبعيض ٩ - ١٠
ما أمكنه، والتيمم للباقي عند الحنابلة، وبه قال
الشافعي .(١)
٩ - وإذا توضأ ومسح على خفيه، ثم خلعهما
قبل انقضاء المدة، فذهب الحنفية والمالكية، وهو
قول للشافعي، ورواية عن أحمد: أنه يجزئه
غسل قدميه .
ومذهب الحنابلة، وهو قول آخر للشافعي :
أنه إذا خلع خفيه قبل انقضاء المدة بطل
وضوؤه، وبه قال النخعي والزهري ومکحول
والأوزاعي وإسحاق. وهذا الاختلاف مبني
على الاختلاف في وجوب الموالاة في الوضوء،
فمن أجاز التفريق جوز غسل القدمین لأن سائر
أعضائه مغسولة، ومن منع التفريق أبطل وضوءه
لفوات الموالاة .
ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل
العلم، منهم: مالك والثوري والأوزاعي وابن
المبارك والشافعي، وأصحاب الرأي،
والحنابلة. ويلزمه نزع الآخر. وقال الزهري
يغسل القدم التي نزع الخف منها، ويمسح
الآخر، لأنهما عضوان فأشبها الرأس والقدم . (٢)
(١) ابن عابدين ١/ ١٧١، وحاشية الدسوقي ١٦٦/١،
والمغني ٢٥٨/١
(٢) ابن عابدين ١٨٣/١، ١٨٤، وحاشية الدسوقي
١٤٥/١، وروضة الطالبين ١٣٢/١، والمغني ٢٨٨/١،
٢٨٩
كما أنه لا يجوز غسل إحدى الرجلين والمسح
على الأخرى، لأن الشارع خير المتوضىء بين
غسل الرجلين والمسح على الخفين، لأنه لا
یجمع بین البدل والمبدل منه .(١)
١٠ - وأما التبعيض في مسح الرأس: فقد اتفق
الفقهاء على وجوب مسح الرأس واختلفوا في
قدر الواجب :
فذهب الحنفية والشافعية، وهو رواية عن
أحمد إلى أن المتوضىء يجزئه مسح بعض
الرأس، وإليه ذهب الحسن والثوري
والأوزاعي، وقد نقل عن سلمة بن الأكوع أنه
كان يمسح مقدم رأسه، وابن عمر مسح
اليافوخ.
وذهب المالكية، وهورواية عن أحمد إلى
وجوب مسح جميعه في حق كل أحد، إلا أن
الظاهر عن أحمد في حق الرجل: وجوب
الاستيعاب، وأن المرأة يجزئها مسح مقدم
رأسها . (٢).
وفي موضع المسح وبيان القدر المجزىء
تفصيل ذكر في موطنه . ر: مصطلح (وضوء).
(١) المنثور في القواعد للزركشي ٢٥٩/١، وروضة الطالبين
١٣٣/١
(٢) ابن عابدين ١/ ٦٧، وقليوبي وعميرة ١/ ٤٩، وشرح
الزرقاني ٥٩/١، والمغني ١٢٥/١، ١٢٦
- ٧٨ -

تبعيض ١١ - ١٣
التبعيض في الصلاة :
١١ - ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز التبعيض في
بعض أفعال الصلاة، ومنها مايلي:
إذا قدر المصلي على بعض الفاتحة: فذهب
المالكية والشافعية، والحنابلة إلى أنه يلزمه،
والأصل في هذا الباب عند الشافعية قاعدة
((الميسور لا يسقط بالمعسور)) أي عدم القدرة
على الكل لا يسقط البعض المقدور عليه، وعند
الحنابلة قاعدة ((من قدر على بعض العبادة، فما
هو جزء من العبادة - وهو عبادة مشروعة في
نفسه - فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير
خلاف)) . (١)
وأما الحنفية فلا یتأتي هذا عندهم، لأن
قراءة الفاتحة في الصلاة لا تتعين، وتجزى.
آية من القرآن من أي موضع كان. (٢)
وإذا وجد المصلي بعض مايستر به العورة،
فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يلزمه قطعا.
وكذلك لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام
لزماه عند غير الحنفية، وإذا لم يمكنه رفع اليدين
في الصلاة إلا بالزيادة أو النقصان أتى بالممكن،
(١) الدسوقي ٢٣٦/١، وروضة الطالبين ٢٤٦/١، والمغني
٤٨٧/١، والمواهب السنية على هامش الأشباه والنظائر
للسيوطي ص٣٤٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٤٢،
١٤٣، والمنثور في القواعد للزركشي ٢٢٧/١، ٢٢٨،
وقواعد ابن رجب ١١
(٢) ابن عابدين ٣٠٠/١، والمغني ١ / ٤٧٩
للقواعد المذكورة، (١) ولقول النبي وضعية: ((إذا
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). (٢)
التبعيض في الزكاة :
١٢ - من أتلف جزءا من النصاب قصدا
للتنقيص لتسقط عنه الزكاة، لم تسقط عند
الإِمام مالك والحنابلة، وتؤ خذ الزكاة منه في آخر
الحول إذا كان إبداله أو إتلافه عند قرب
الوجوب، ولو فعل ذلك في أول الحول لم تجب
الزكاة لأن ذلك ليس بمظنة للفرار. وبه قال
الأوزاعي، وابن الماجشون، وإسحاق
وأبوعبيد .
وقال الشافعي وأبو حنيفة: تسقط عنه
الزكاة، لأنه نقص قبل تمام الحول، فلم تجب
فيه الزكاة، كما لو أتلفه لحاجته. (٣)
التبعيض في الصوم :
١٣ - لا يصح صيام بعض اليوم، فمن قدر على
صوم بعض الیوم لا يلزمه إمساكه، لأنه ليس
بصوم شرعي . (٤)
(١) ابن عابدين ١/ ٢٧٧، ٥٠٩، وحاشية الدسوقي
١/ ٢٢٠، ٢٥٨، وروضة الطالبين ٢٣٣،٢٣١/١،
٢٤٨، ٢٨٩، والمغني ١/ ٤٧١، ٤٩٥، ٥٩٥، ٥٩٦
(٢) حديث: ((إذا أمرتكم ... )) سبق تخريجه (ف٦)
(٣) ابن عابدين ٣/ ٢١، والدسوقي ١/ ٤٧٣، وروضة
الطالبين ٢/ ١٩٠، والمغني ٢ / ٩٧٩
(٤) المواهب السنية على هامش الأشباه والنظائر للسيوطي
٣٤٩، وقواعد ابن رجب ١٠
- ٧٩ -

تبعيض ١٤ - ١٥
وأما من قدر على صوم بعض أيام رمضان
دون جمیعه فإنه يلزمه صوم ماقدر عليه، لقوله
تعالى: ﴿فَمِنْ شَهِدَ منكم الشهرَ فَلْيصمه،
ومن كان مريضا أو على سَفَر فَعِدَّةٌ من أيام
أخر﴾ .(١)
التبعيض في الحج :
أ - التبعيض في الإِحرام :
١٤ - اتفق الفقهاء على أن التبعيض لا يؤثر في
انعقاد الإِحرام، فإِذا قال: أحرمت بنصف
نسك، انعقد بنسك كامل، طبقا لقاعدة :
((المضاف للجزء كالمضاف للكل)) وقاعدة: ((ذكر
بعض مالا يتجزأ كذكر كله)) وكذلك قاعدة ((مالا
يقبل التبعیض یکون اختیار بعضه کاختیار کله،
وإسقاط بعضه كإسقاط كله))(٢)
كما أجمع أهل العلم على أنه لا فرق بين
تغطية جميع الرأس وتغطية بعضه، وكذلك
تغطية جميع الوجه بالنسبة للمرأة، وقلم جميع
الأظفار أو بعضها، وحلق جميع الرأس، أو
بعضه، فإِن المحرم يمنع من تغطية بعض
رأسه، كما يمنع من تغطية جميعه، وهكذا، لأن
(١) سورة البقرة/ ١٨٥
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ١٥٣/٣، ١٧٥، والأشباه
والنظائر لابن نجيم ١٨٩
النبي ◌َّه قال: ((لا تُخَمِّروا رأسَه))(١) والمنهي عنه
يحرم فعل بعضه. وكذلك لما قال تعالى :
﴿وَلا تَحْلِقُوا رؤوسَكم﴾(٢) حرم حلق
بعضه. (٣) وإنما الفرق فيما يترتب على ذلك من
دم وفدية. وانظر مصطلح (إحرام وحج).
ب - التبعيض في الطواف :
١٥ - اتفق الفقهاء على أن الطواف إنما شرع
بجميع البيت، وأن ترك بعض البيت في
الطواف مبطل له. (٤) وقال الحنفية: إن طاف
داخل الحجر فعليه قضاء ما ترك، فإن لم يفعل
فعليه دم. (٥) أما التبعيض في عدد أشواط
الطواف فلا يجوز نقصه عن سبعة كاملة خلافا
للحنفية القائلين: بأن الأشواط الأربعة ركن،
ومازاد عليها واجب .
وصرح الشافعية بأنه لابد في الطواف أن يمر
في الابتداء بجميع البدن على جميع الحجر
الأسود، فلو حاذاه ببعض بدنه، وكان بعضه
٠
(١) حديث: ((لا تخمروا رأسه ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٣٦/٣ ط السلفية) ومسلم (٨٦٥/٢ ط الحلبي).
(٢) سورة البقرة ١٩٦
(٣) ابن عابدين ١٦٢/٢، ٢٠١، ٢٠٤، والخطاب
١٤٠/٣، ١٦٤، وروضة الطالبين ١٢٥/٣، ١٢٧،
١٣٦، والمغني ٣١٩/٣، ٣٢٤
(٤) الحطاب ٣/ ٧١، ٧٢، وروضة الطالبين ٣ / ٨٠، ٨١،
والمغني ٣٨٣،٣٨٢/٣
(٥) ابن عابدين ٢/ ١٦٧
- ٨٠ -