Indexed OCR Text

Pages 161-180

بيع منهي عنه ٢٤ - ٢٥
قال: ((نهى النبي ◌ُّ عن شراء ما في بطون
الأنعام حتى تضع، وعن بيع مافي ضروعها إلا
بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء
المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى
تقبض، وعن ضربة الغائص)). (١)
ولا يختلف الفقهاء في فساد هذا البيع، لأنه
بيع معدوم، وبيع مالم يملك، وبيع مجهول،
وبيع غرر.
وصرح الحنفية ببطلانه. ونص ابن الهمام
على أنه بيع باطل، لعدم ملك البائع المبيع قبل
العقد، فكان غررا، ولجهالة ما يخرج. (٢)
وكذلك الحصكفي من الحنفية، وعلل
البطلان بأنه بيع ماليس في ملكه(٣)
(٦) بيع الصدقة والهبة قبل القبض :
٢٤ - جمهور الفقهاء يشترطون القبض في
التبرعات، كالصدقة ونحوها، فما لم تقبض
لا تلزم ولا تفيد الملك، فلا يجوز بيعها قبل
((قبضها، كما نص عليه حديث ((النهي عن شراء
(١) حديث ((نهى عن شراء مافي بطون الأنعام ... )) جزء من
حديث أخرجه ابن ماجة (٣/ ٧٤٠ ط عيسى الحلبي). من
حديث أبي سعيد الخدري، ونقل الزيلعي عن عبدالحق
الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به. (نصب الراية ٤ / ١٥
ط المجلس العلمي بالهند).
(٢) فتح القدير ٦/ ٥٣
(٣) الدر المختار ٤ / ١٠٩، وانظر تبيين الحقائق ٤ /٤٧
الصدقات حتى تقبض))(١) وذلك لعدم الملك.
وهذا خلافا للمشهور في مذهب مالك
وآخرين، والمروي عن أحمد في غير المكيلات
والموزونات، من اللزوم قبل القبض، وإنما
القبض شرط تمام - كما يقول المالكية - لا شرط
صحة، والانعقاد واللزوم بالقول. ولذلك يجوز
بيعها قبل قبضها لثبوت الملك فيها، خلافا لما
ملك بالمعاوضة ولم يقبض فلا يجوز بيعه، كما
سيأتي عند الكلام عن بيع ما لم يقبض.
(٧) بيع الغنيمة قبل القسم :
٢٥ - مما يتصل ببيع مالم يملك، مسألة بيع
المجاهد نصيبه من الغنيمة، قبل أن يقسمه له
الإِمام. (٢)
وقد ورد النص بها في خصوصها في حدیث
أبي سعيد رضي الله عنه قال: ((نهى النبي ◌ِّ
عن شراء مافي بطون الأنعام .. وعن شراء
المغانم حتى تقسم)) (٣) الحديث
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما
(١) حديث: ((النهي عن شراء الصدقات حتى تقبض ... ))
سبق تخريجه (ف٢٧)
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٢٣، والجمل على شرح المنهج
٥٩٨/٣، والإنصاف ١١٩/٧ - ٢٢٠
وانظر القوانين الفقهية ١٧٠، ٢٤٢،١٧١، والشرح
الكبير للدردير ١٠١/٤، والدسوقي ١٥١/٣، ١٥٢.
(٣) حديث أبي سعيد ((نهى النبي ميز عن شراء مافي بطون
الأنعام)) سبق تخريجه (ف ٢٧).
- ١٦١ -

بیع منهي عنه ٢٦ - ٢٨
قال: ((نهى النبي بَل عن بيع الغنائم حتى
تقسم))(١)
ويرى الفقهاء إباحة أخذ الأطعمة ونحوها
من الأقوات من الغنائم قبل قسمتها للحاجة
بوجه عام، ولم يبيحوا تملكها، ولا تمولها - كما
عبر الحصكفي من الحنفية - فدل هذا على منع
البيع، ولذلك بحثوا حكم بيعها عند الكلام
عن الانتفاع بها .
٢٦ - فنص الحنفية على أنه لا يجوز بيع شيء
من المذكورات قبل القسمة أصلا، ولو كان
لحاجة، وذلك لعدم الملك، لأن الغنائم
لا تملك قبل القسمة، وإنما أبيح الانتفاع
للحاجة، والمباح لا يملك بالبيع، وهذا نص
المرغيناني في بدايته: ولا يجوز بيع الغنائم قبل
القسمة في دار الحرب . (٢)
فلوباع شيئا من المذكورات المباحة له، كان
بیعه فضولیا عندهم، فإن أجازه الإِمام رد ثمنه
إلى المغانم، فإن كانت المغانم قد قسمت
تصدق بالثمن إن كان غير فقير، لأنه لقلته
لا يمكن قسمته، فتعذر إيصاله إلى مستحقه،
فيتصدق به كاللقطة. وإن كان فقيرا أكله. (٣)
(١) حديث ابن عباس ((نهى عن بيع الغنائم حتى تقسم ... ))
جزء من الحديث المتقدم (ف٢٧)
(٢) انظر الهداية شرح البداية بشروحها ٢٢٧/٥، وانظر الدر
المختار ورد المحتار ٢٣٣/٣
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٢٣٢/٣، وانظر الهداية بشروحها
٢٢٧/٥.
٢٧ - والمالكية قالوا: يجوز- مع الكراهة - مبادلة
الطعام بمثله أو غيره، ولوبتفاضل أو تأخير في
الطعام الربوي المتحد الجنس. (١)
٢٨ - والشافعية خالفوا في ذلك، وقرروا أنه
ليس له صرف الطعام إلى حاجة أخرى، بدلا
عن طعامه، وأنه لا يجوز له إلا أكله فقط، لأنه
على سبيل الإِباحة لا التمليك. (٢)
وهذا كالنص على عدم جواز البيع .
هذا ما قاله الشافعية في بحث الغنائم، لكن
في بحث حكم بيع المبيع قبل قبضه، قرروا
خلافه. ولما قرر النووي في منهاجه أن الشخص
له بيع ماله في يد غيره أمانة ، كوديعة ومشترك
وقراض، ومرهون بعد انفكاكه، علق القليوبي
علی قوله: ((کودیعة)) بما نصه :
ومثله غلة وقف وغنيمة، فلأحد المستحقين
أو الغائمين، بيع حصته قبل إفرازها. قاله
شيخنا. بخلاف حصته من بيت المال، فلا
يصح بيعها قبل إفرازها ورؤيتها، واكتفى بعض
مشايخنا بالإِفراز فقط، ولو مع غيره. (٣)
فكلام القليوبي هنا، نقلا عن شيخه،
يخالف ما تقدم، من أن له الأخذ على سبيل
الإباحة لا التمليك .
(١) شرح الخرشي ١٣٦/٣، وانظر الشرح الكبير للدردير
٢ /١٩٤
(٢) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٤/ ٢٢٣
(٣) المرجع السابق نفسه ٢١٣/٢
- ١٦٢ -

بيع منهي عنه ٢٩
فيبدو أن هذا بناء على أحد أقوال ثلاثة عند
الشافعية في ملك الغنيمة قبل القسمة :
أولها : أنها لا تملك إلا بالقسمة، لكن
لا بمجردها، بل إن قبل ما أحرز له أو رضي
به، لأن المعتبر هو اختيار التملك، ولابد من
اللفظ بأن يقول: اخترت ملك نصيبي. وهذا
هو القول المعتمد عندهم.
الثاني : وقيل يملكون قبل القسمة
بالاستيلاء ملكا ضعيفا يسقط بالإعراض،
ووجه هذا الشيخ عميرة البرلسي : بأن ملك
الكفار قد زال، وبعيد بقاؤه بلا مالك.
الثالث : إن سلمت الغنيمة إلى القسمة،
بانَ (أي ظهر ملكهم) بالاستيلاء، وإلا بأن
تلفت أو أعرضوا فلا ملك لهم. (١)
فيبدو أن صحة البيع عند شيخ القليوبي قبل
القسمة، بناء على غير المعتمد عندهم.
٢٩ - أما الحنابلة فقد نص الخرقي منهم على أن
من تعلف فضلا عما يحتاج إليه، رده على
المسلمین، فإن باعه رد ثمنه في المقسم. (٢) ..
وعللوا وجوب رد مَنْ فضل معه طعام كثير
من الغنائم وأدخله البلد، إلى مقسم تلك
الغزوة بأنه: أخذ ما لا يحتاج إليه، فیلزمه رده،
(١) شرح المحلي على المنهاج وحاشيتي القليوبي وعميرة عليه
٢٢٤/٤
(٢) المغني ١٠/ ٤٨٧
لأن الأصل تحريمه، لكونه مشتركا بين
الغانمین، كسائر المال، وإنما أبيح منه مادعت
الحاجة إليه، فما زاد يبقى على أصل التحریم،
ولهذا لم يبح بيعه. (١)
ورووا في ذلك هذا الأثر، وهو: (أن صاحب
جيش الشام کتب إلى عمر رضي الله عنه: إنا
أصبنا أرضا كثيرة الطعام والعلف، وكرهت أن
أتقدم في شيء. فكتب إليه: دع الناس يعلفون
ویأکلون، فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة،
ففيه خمس لله وسهام المسلمين)) (٢)
وفصل القاضي من أئمتهم تفصيلا دقيقا،
في هذه المسألة، وقد ارتضوه، فقال: لا يخلو إما
أن يبيعه من غاز أو غيره.
- فإن باعه لغيره، فالبیع باطل، لأنه يبيع
مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة، فيجب رد
المبيع، ونقض البیع. فإن تعذر رده، رد قيمته أو
ثمنه، إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم.
قال ابن قدامة : وعلى هذا الوجه حمل كلام
الخرقي
- وإن باعه لغاز لم يحل، إلا أن يبدله بطعام
أو علف، مما له الانتفاع به أو بغيره على النحو
التالي :
(١) المرجع السابق نفسه ٤٨٧/١٠، والشرح الكبير في ذيله
١٠ / ٤٧٢
(٢) المغني ١٠/ ٤٨٨ وقال: رواه سعيد.
- ١٦٣ -

بيع منهي عنه ٣٠ - ٣٢
- فإن باعه بمثله، فليس هذا بيعا في
الحقیقة، إنما سلم إليه مباحا وأخذ مثله مباحا،
ولكل واحد منهما الانتفاع بما أخذ، وصار أحق
به، لثبوت یده علیه .
فعلى هذا لوباع صاعا بصاعين، وافترقا
قبل القبض جاز، لأنه ليس ببيع. وإن باعه
نسيئة، أو أقرضه إياه فأخذه، فهو أحق به،
ولا يلزمه إیفاؤه، فإن وفاه أورده إلیه، عادت
الید إلیه .
- وإن باعه بغير الطعام والعلف، فالبيع
أيضا غير صحيح، ويصير المشتري أحق به،
لثبوت يده عليه، ولا ثمن عليه. وإن أخذ منه
وجب رده إليه . (١)
٣٠ - ومن هذا يتضح أن الاتجاه العام في الفقه
- بغض النظر عما روي من قول للشافعية، وعن
حال مبادلة الطعام بالمثل وغيره عند المالكية
والحنابلة - هو عدم جواز بيع المغانم قبل
القسمة، كما هو نص الحديث الشريف، الذي
نهى عن شراء المغانم حتى تقسم .
وفي هذا يقول الشوكاني : مقتضى النهي
عدم صحة بيعها قبل القسمة، لأنه لا ملك -
على ماهو الأظهر من قول الشافعي وغيره -
لأحد من الغانمين قبلها، فيكون ذلك من أكل
أموال الناس بالباطل. (٢)
(١) المغني ١٠/ ٤٨٩، والشرح الكبير في ذيله ١٠ / ٤٦٩
(٢) نيل الأوطار ٥ / ١٤٩، ١٥٠
٣١ - هذا حكم بيع الغزاة الغانمين أنصبتهم
وما يأخذونه من الغنائم، قبل القسمة .
أما حكم بيع الإِمام الغنائم قبل القسمة،
فقد عرض له الحنفية فذكر الطحاوي أنه يصح،
لأنه مجتهد فيه، يعني أنه لا بد أن يكون الإِمام
رأى المصلحة في ذلك، وأقلها تخفيف إكراه
الحمل على الناس، أو عن البهائم ونحوه،
وتخفيف مؤنته عنهم، فيقع عن اجتهاد في
المصلحة، فلا يقع جزافا، فينعقد بلا كراهة
مطلقا . (١)
كما عرض له المالكية أيضا، ولهم فيه قولان :
الأول : وجوب بيع الإِمام الأربعة الأخماس
من الغنائم، ليقسمها بين المجاهدين، لأن
قسمة الأثمان أقرب إلى المساواة، لما يدخل
التقويم من الخطأ .
الآخر : عدم الوجوب، بل الإِمام مخير،
فإن شاء باع وقسم الثمن، وإن شاء قسم
الأعيان بحسب مايراه من المصلحة . (٢)
الشرط الخامس : أن يكون المبيع مقدور
التسليم .
٣٢ - نص الفقهاء على أن من شروط المبيع
(١) فتح القدير ٢٢٧/٥
(٢) شرح الجرشي ١٣٦/٣، وانظر الشرح الكبير للدردير
٢ / ١٩٤، والقوانين الفقهية ١٠٠
- ١٦٤ -

بيع منهي عنه ٣٣ - ٣٤
كونه مقدور التسلیم، بعد اشتراط كونه مملوكا .
فقد يملك الإِنسان مالا، ولا يقدر على
تسليمه کالجمل الذي شرد من صاحبه، فلا
يصح بيعه في هذه الحال، لأن ما لا يقدر على
تسلیمه شبیه بالمعدوم، والمعدوم لا یصح بيعه
- كما تقدم ـ(١) فكذا ما أشبهه .
ومما يمثل بيع غير مقدور التسليم: السمك
إذا وقع في البحر بعد امتلاكه، والطير المملوك
إذا طار في الهواء، والصيد إذا انفلت بعد
صيده، ومنه بيع العبد الآبق والشيء
المغصوب .
والآبق: من ترك سیده من غیر خوف ولا کدّ
عمل.
ولهذا قيل: إن کان هروبه من خوف أو
تعب، يقال له: هارب(٢)
٣٣ - والفقهاء متفقون على فساد هذا العقد
وإن تردد الحنفية في الفساد والبطلان مع
مايترتب على ذلك: من أن ارتفاع المفسد یرد
العقد صحيحا، لقيام العقد مع الفساد،
بخلاف ارتفاع المبطل، لأن العقد معدوم معه
وإن رجح الكمال منهم الفساد، لانعدام القدرة
فیه علی التسليم. (٣)
وعللوا فساد هذا العقد :
- بالنهي عنه في حديث أبي سعيد المتقدم(٤)
(١) راجع فيما تقدم (ف٥ وما بعدها) من هذا البحث.
(٢) حاشية القليوبي على شرح المحلي ١٥٩/٢، والمصباح
(٣) رد المحتار ١١٣/٤
(٤) حديث أبي سعيد: سبق تخريجه (ف٢٧)
.(نهى النبي ◌ُّ عن شراء مافي بطون
الأنعام ... وعن شراء العبد وهو آبق)).
ـ ولأنه لا يقدر على تسليمه، وهو شرط
جوازه . (١)
٣٤ - ومع ذلك، لو حصل بيع العبد وهو آبق،
ففيه هذه الصور التفصيلية المذهبية :
الأولى: أن يبيعه المالك ممن هو في يده.
وهذه الصورة جائزة عند الجمهور، (٢)، بل
قطعا كما يعبر الشافعية(٣) وهو مقتضى نص
ابن قدامة وغيره من أنه: إن حصل في ید إنسان
جاز بيعه، لإِمكان تسليمه، (٤) لكن المصرح به
في المذهب الحنبلي أنه لا يجوز بيعه ولو لقادر على
تحصيله . (٥)
غير أن الحنفية فصلوا في صير ورة الذي هو
في يده قابضا بعد البيع :
أ - فإن كان قبض الآبق حين وجده لنفسه،
لا ليرده على سيده، ولم يشهد على قبضه
لسیده، فإنه یصیر قابضا، لأن قبضه هذا قبض
غصب، وهو قبض ضمان، كقبض المبيع.
ب - وإن أشهد على قبضه عندما وجده
(١) تبيين الحقائق ٤٩/٤، وبدائع الصنائع ١٤٧/٥
(٢) الدر المختار ورد المحتار ١١٢/٤، وهو الذي يبدو من
شرح الخرشي ١٦/٥.
(٣) حاشية القليوبي على شرح المحلي ٢/ ١٥٩
(٤) المغني ٢٧١/٤، والشرح الكبير في ذيله ٤/ ٢٤
(٥) كشاف القناع ١٦٢/٣، وانظر الإنصاف ٢٩٣/٤
- ١٦٥ -

بيع منهي عنه ٣٤ - ٣٥
لا يصير قابضا، لأن قبضه هو قبض أمانة،
حتى لوهلك قبل أن يصل إلى سيده
لا يضمنه، فلا ينوب عن قبض الضمان، وهو
قبض المبيع، لأنه أقوى، ولأنه مضمون
بالثمن، ولهذا لوهلك قبل أن يرجع إلى
مالكه، انفسخ البيع ورجع بالثمن .(١).
الثانية : أن يبيعه المالك ممن هو في يد غيره.
وهذه الصورة جائزة عند الجمهور، بشرط
القدرة على الانتزاع والتحصيل - لكن بسهولة
كما هو نص المالكية -(٢) وهو الصحيح من
مذهب الشافعية، (٣) والقول الثاني المصوب عند
الحنابلة، ومقتضى نص ابن قدامة وغيره. (٤)
لكن الحنفية نصوا على فساد هذه
الصورة، (٥) وهذا هو الوجه الآخر عند
الشافعية، (٦) وهو المذهب عند الحنابلة . (٧)
وعلله الشافعية بعجز البائع عن التسليم.
(١) الدر المختار ورد المحتار ١١٢/٤ . وانظر الهداية وشروحها
٥٩/٦، والعناية على التخصيص.
(٢) شرح الدردير ١١/٣
(٣) شرح المحلي على المنهاج ١٥٨/٢، وانظر تحفة المحتاج
٤/ ٢٤٣
(٤) انظر الإِنصاف ٢٩٣/٤، والمغني ٤ / ٢٧١
(٥) الدر المختار ورد المحتار ١١٢/٤، وانظر تبيين الحقائق
٤/ ٥٠، وقارن بالبدائع ١٤٧/٥
(٦) شرح المحلي على المنهاج ١٥٨/٢
(٧) كشاف القناع ١٦٢/٣ وانظر الإنصاف ٢٩٣/٤
الثالثة : أن يبيعه المالك ممن يقدر على رده،
وليس هو في ید أحد .
وهذه الصورة جائزة عند الجمهور، (١) وفي
القول الثاني عند الحنابلة . (٢)
لكن القليوبي من الشافعية، قيدها بأن
يكون المشتري قادرا على رده بلا مشقة
لا تحتمل عادة، وبلا مؤنة لها وقع. (٣)
والمذهب عند الحنابلة عدم جوازها . (٤)
الرابعة : أن يبيعه ممن لا يقدر على
تحصیله .
والإِجماع على عدم جوازها، وهي محمل
الحدیث .
٣٥ - ويتصل ببيع الآبق، بيع المغصوب:
أ -فإن باعه من غاصبه، جاز بالاتفاق،
وعبر الشافعية بالجوازهنا(٥) لأن المبيع مسلم
بالفعل إلى المشتري، (٦) (وقبضه بعد البيع ،
كقبضه قبله، في المضمونية) .. وقيده - مع
(١) رد المحتار ١١٢/٤. والشرح الكبير للدردير ١١/٢.
وتحفة المحتاج ٢٤٣/٤
(٢) الإِنصاف ٤/ ٢٩٣
(٣) حاشية القليوبي على شرح المنهاج ٢/ ١٥٨
(٤) كشاف القناع ١٦٢/٣، والإنصاف ٢٩٣/٤
(٥) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٥٨، وانظر الشرح الكبير في
ذیل المغني ٤/ ٢٥، والإنصاف ٤/ ٢٩٤
(٦) الشرح الكبير للدردير ٣/ ١١
- ١٦٦ -

بیع منهي عنه ٣٥ - ٣٦
ذلك - المالكية بشرط أن يعلم أن الغاصب عزم
علی رده لربه . (١)
ب - وإن باعه من قادر على انتزاعه أوردّه
صح عند الجمهور، (٢) وهو القول الصحيح عند
الشافعية. لكنهم قيدوه بتیسر وصوله إلى
المشتري بلا مؤنة ولا مشقة ملحوظة عليه، (٣)
فإن احتاج الرد إلى مؤنة انتفى المنع. (٤) كما
قیده المالكية بكون الغاصب مقرا مقدورا علیه،
وإلا لا. لأن المشهور عندهم منع شراء مافيه
خصومه. (٥) والمقرر أنه لا يجوز بيع المغصوب
عندهم إلا من غاصبه، (٦) كالحنابلة.
وفي قول للشافعية: انه لا يصح، لعجز
البائع بنفسه عن التسليم. (٧) وهو رواية عن
الإِمام أحمد .. (٨)
وصرح الحنفية بأن بيع المغصوب من غير
الغاصب ينعقد موقوفا علی التسليم،فلوسلم
نفذ، وإلا لا .
(١) شرح الخرشي ٥/ ١٧
(٢) المرجع السابق نفسه، وشرح المحلي على المنهاج ١٥٨/٢،
والإنصاف ٤/ ٢٩٤
(٣) تحفة المحتاج وحاشية الشبراملسي عليها ٤/ ٢٤٣
(٤) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٢٨/٣
(٥) شرح الخرشي ٥/ ١٧
(٦) القوانين الفقهية (١٦٤) وقارن بالشرح الكبير للدردير.
١١/٣. وقارن بكشاف القناع ١٦٢/٣
(٧) شرح المحلي على المنهاج ١٥٨/٢
(٨) الإنصاف ٤/ ٢٩٤
وفرقوا بین بیع الآبق - فإنه فاسد بل غیر
منعقد - وبين بيع المغصوب - فإنه صحيح - بأن
المالك في بيع المغصوب قادر على التسليم بقدرة
الحاكم، إلا أنه موقوف لم ينفذ للحال لقيام يد
الغاصب صورة، فإذا سلم زال المانع فينفذ.
وهذا بخلاف الآبق، لأنه ــ كما قال
الكاساني - : معجوز التسليم على الإطلاق إذ
لا تصل إلیه ید أحد، لما أنه لا يعرف مكانه،
فكان العجز متقررا، والقدرة محتملة موهومة،
فلا ینعقد مع الاحتمال، فأشبه بیع الآبق بيعَ
الطير الذي لم يوجد وبيع السمك الذي لم
یوجد، وذلك باطل، كذا هذا. (١)
الأسباب التي تتعلق بلازم العقد
وهي : الربا، وماهو ذريعة إليه، والغرر.
وفيما يلي أسباب النهي المتعلقة بالربا.
٣٦ - الربا في اللغة: الزيادة
وفي الاصطلاح الفقهي : عرفه الحنفية بأنه :
فضل - ولو حكما - خال عن عوض بمعيار
شرعي، مشروط لأحد المتعاقدين، في
المعاوضة . (٢)
وقَيْدُ الحكمية، الإِدخال ربا النسيئة وأكثر
(١) بدائع الصنائع ١٤٧/٥
(٢) انظر الدر المختار، ورد المحتار ٤/ ١٧٦، ١٧٧.
والتعريف المذكور للتمرتاشي في تنوير الأبصار
- ١٦٧ -

بيع منهي عنه ٣٦ - ٣٩
البيوع الفاسدة، لأن الربا نوعان: ربا الفضل،
وربا النسيئة .
والربا محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .
قال ابن قدامة: أجمعت الأمة على أن الربا
محرم(١) بنوعيه: الفضل والنسيئة، ويجري ربا
الفضل وربا النسيئة في بعض مسائل الصرف
وتفصيله في (الصرف).
والربا من الكبائر، ولم يحل في شريعة قط
لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذَرُوا
مايَقِيَ من الربا إن كنتم مؤمنين، فإنْ لم تَفْعَلوا
فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ منَ الله ورسوله، وإن تُبْتُم فلكم
رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلمون ولا تُظْلمون﴾(٢)
وفي الحديث (( لعن الله آكلَ الربا وموكِلَه
وكاتِبَه وشاهديه)). وقال: ((هم سواء))(٣)
وليس القصد هنا ذكر أحكام الربا وشروطه
ومسائله، بل ينظر تفصيل ذلك تحت عنوان
(ربا).
والقصد هنا التعرف على أحكام بعض
البيوع الربوية، وهي التي ورد النهي عنها في
السنة، ومن هذه البيوع مايلي :
(١) المغني والشرح الكبير في ذیله ٤/ ١٢٢
(٢) سورة البقرة / ٢٧٨ - ٢٧٩
(٣) حديث: ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه
وقال: هم سواء ... )) أخرجه مسلم (١٢١٩/٣ ط عيسى
الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله.
وانظر حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج
١٦٦/٢
أ - بيع العينة :
٣٧ - هو: بيع العين بثمن زائد نسيئة ليبيعها
المستقرض بثمن حاضر أقل ليقضي دينه، كما
عرفه الحنفية (١) وهناك تعريفات وصور أخرى
اختلف الفقهاء فيها وفي حكمها .
وينظر تفصيله في مصطلح: (بيع العينة).
ب - بيع المزابنة .
٣٨ - المزابنة: بيع التمر على النخيل بتمر مجذوذ
مثل کیله خرصا (أي ظنا وتقديرا) وذلك بأن
يقدر الرطب الذي على النخيل بمقدار مائة
صاع مثلا بطريق الظن والحزر، فيبيعه بقدره
من التمر. (٢)
واتفق الفقهاء على فساد هذا النوع من
البيع .
وتفصيله في مصطلح (بيع المزابنة).
جـ - بيع المحاقلة :
٣٩ - المحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة
مثل كيلها خرصا . (٣)
واتفق الفقهاء على عدم جواز المحاقلة،
لحديث جابر رضي الله عنه قال: ((نهى
رسول الله (صل﴿ عن المزابنة والمحاقلة)).
وللتفصيل (ر: بيع المحاقلة)
(١) ابن عابدين ٤/ ٢٧٩
(٢) فتح القدير والهداية ٦/ ٥٣، وابن عابدين ٤/ ١٠٩
(٣) الهداية مع شروحها ٦/ ٥٤
- ١٦٨ -

بيع منهي عنه ٤٠ - ٤٢
د - بيع العرايا :
٤٠ - هو: بيع الرطب على النخل بتمر في
الأرض، أو العنب في الشجر بزبيب. (١)
واختلف الفقهاء في جواز العرايا .
وينظر تفصيله في مصطلح (بيع العرايا)
هـ - بيع العربون :
٤١ - بيع العربون هو: أن يشتري السلعة
ويدفع إلى البائع درهما أو أكثر على أنه إن أخذ
السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم یأخذها
فھو للبائع .
وقد اختلف الفقهاء في جوازه، فذهب
الجمهور إلى أنه لا يصح، وذهب الحنابلة إلى
جوازه على تفصيل ينظر في (بيع العربون).
و- النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه
الصاعان :
٤٢ - ورد فيه حديث جابر رضي الله عنه. قال:
((نهى رسول الله وَّل عن بيع الطعام، حتى
يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع
المشتري))(٢)
(١) شرح المحلي على المنهاج ٢٣٨/٢
(٢) حديث: ((نهى عن بيع الطعام ... )) أخرجه ابن ماجة
(٢/ ٧٥٠ ط الحلبي) من حديث جابر وضعفه البوصيري،
وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة، وجوّد إسناده
ابن حجر كما في الدراية (١٥٥/٢ ط مطبعة الفجالة).
وفي معناه ورد أيضا حديث عثمان رضي الله
عنه. قال: كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود
یقال لهم: بنو قينقاع، وأبيعه بربح، فبلغ ذلك
النبي # فقال: ((یاعثمان إذا اشتريت فاكْتَل،
وإذا بعت فَكِلْ)). (١)
كما ورد أيضا حديث يحيى بن أبي كثير، أن
عثمان بن عفان، وحكيم بن حزام رضي الله
عنهما. كانا يبتاعان التمر، ويجعلانه في غرائر،
ثم يبيعانه بذلك الكيل، ((فنهاهما رسول الله وَ ل
أن يبيعاه حتی یکیلا لمن ابتاعه منهما)). (٢)
وهذه الأحاديث تدل على أن من اشترى
شیئا مکایلة، وقبضه ثم باعه إلى غيره، لم يجز
تسلیمه بالکیل الأول، حتی یکیله علی من
اشتراه ثانیا، وإلیه ذهب الجمهور، کما حكاه
ابن حجر في فتح الباري. (٣)
ونص ابن الهمام على أن هذا مذهب
أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضي الله
(٤)
عنهم .
(١) حديث: ((ياعثمان إذا اشتريت ... )) أخرجه أحمد (١/ ٦٢
ط اليمنية) من حديث عثمان بن عفان وأورده الهيثمي في
المجمع (٤ / ٩٨ ط القدسي) وقال: إسناده حسن.
(٢) حدیث یحی بن أبي کثیر أخرجه عبدالرزاق (٣٩/٨) وفي
إسناده انقطاع بین یحیی بن أبي کثیر وبين الصحابي راوي
الحديث (التهذيب لابن حجر ١١/ ٢٧٠ ط دائرة المعارف
العثمانية).
(٣) نيل الأوطار ١٦١/٥
(٤) فتح القدير ١٣٩/٦
- ١٦٩ -

بيع منهي عنه ٤٣
وقد اشترط الفقهاء القبض قبل بيع المبيع في
الجملة. فهذا من تمام القبض - كما يعبر
الحنفية - أو هو شرط في (صحة) قبض المنقول
مع نقله. كما يقول الشافعية . (١)
لكن قام الإجماع على عدم اعتبار الكيل
فيما بيع جزافا. واستثناء الجزاف من الشرط
كان أخذا من معنى النص، أو من دليل آخر. (٢)
٤٣ - ونذكر هنا بعض الأمثلة التطبيقية الفقهية
عند الشافعية والحنابلة، لتقاربهما فيها .
المثال الأول :
لو كان لبكر طعام مقدر على زيد، كعشرة
أصع ، ولعمرو على بكر مثله، فليطلب
بکر من زيد أن یکیله له، حتى يدخل في ملكه،
ثم يكيل بكر لعمرو، ليكون القبض والإِقباض
صحيحين، لأن الإِقباض هنا متعدد، ومن
شرط صحته الكيل، فلزم تعدده، لأن
الكيلين، قد يقع بينهما تفاوت. (٣)
فلو قال بکر لعمرو: اقبض یاعمرو من زيد
عني مالي علیه لنفسك، ففعل عمرو، فالقبض
بالنسبة إلى زيد صحيح عند الشافعية، وفي
إحدى روايتين عند الحنابلة، وتبرأ ذمته لوجود
(١) فتح القدير ٦/ ١٣٩، وشرح المحلي على المنهاج ٢١٧/٢،
٢١٨، وشرح المنهج ١٧٣/٣
(٢) شرح المحلي وحاشية القليوبي ٢/ ٢١٧، وحاشية الجمل
١٧٣/٣، وتحفة المحتاج ٤ /٤١٩
(٢) تحفة المحتاج ٤ / ٤١٩
الإذن، وهو إذن الدائن، وهو بكر في القبض منه
ءِ
له بطريق الاستلزام، فأشبه قبضه قبض وكيله.
لكن هذا القبض فاسد بالنسبة إلى عمرو،
لكونه قابضا من نفسه لنفسه، لأن قبضه
مشروط بتقدم قبض بكر ولم يوجد، ولا يمكن
حصولهما، لما فيه من اتحاد القابض والمقبض،
وماقبضه عمر ومضمون عليه، لأنه قبضه
لنفسه، فحينئذ یکیله المقبوض له، وهو بکر،
للقابض، وهو عمرو، ویصح قبضه له .
والرواية الأخرى عند الحنابلة هي : أن هذا
القبض غير صحيح، لأنه لم يجعله نائبا له في
القبض، فلم يقع له، بخلاف الوكيل.
وعلى هذه الرواية يكون المقبوض باقيا على
ملك المسلم إليه، وهو زيد، لعدم القبض
الصحيح.
بخلافه على الرواية السابقة، فإنه يكون
المقبوض ملكا لبكر.
ويبدو أن هذه الرواية الأخيرة هي الراجحة،
فعليها متن الإقناع.
ولو قال: اقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك،
صح القبض لكل منهما، لأنه استنابه في قبضه
له، وإذا قبضه لموكله جاز أن يقبضه لنفسه، كما
لو کان له ودیعة عند من له علیه دین، وأذنه في
قبضها عن دينه .
هذا ، وإن يكن المثال المذكور ، وهو المثال
الأول، في السلم، لكن التقييد به، لأنه الذي
- ١٧٠ -

بيع منهي عنه ٤٤ - ٤٧
في کلام الأصحاب من الشافعية، ومثل السلم"
- كما قالوا - دين القرض والإِتلاف. (١)
المثال الثاني :
٤٤ ۔ لو قال بکر لعمرو: احضر اکتیالي من زید
لأقبضه لك، ففعل، لم يصح قبضه لعمرو،
لعدم كيله، ويكون بكر قابضا لنفسه لاكتياله
إياه. (٢)
المثالث الثالث :
٤٥ - لو قال بكر لعمرو، خذه بهذا الكيل الذي
قد شاهدته، فأخذه به صح، لأنه شاهد کیله
وعلمه، فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية. (٣)
وفي رواية عن أحمد أنه لا يجزىء، وذلك
للحديث المتقدم أن النبي ◌َّر ((نهى عن بيع
الطعام، حتى يجري فيه الصاعان ... )). (٤)
وهذا داخل فيه .
ولأنه قبضه من غير كيل، فأشبه ما لو قبضه
جزافا .
(١) تحفة المحتاج ٤١٩/٤، ٤٢٠، وشرح المحلي وحاشية
قليوبي عليه ٢١٧/٢، ٢١٨، وحاشية الجمل ١٧٤/٣،
١٧٥، والمغني ٢٢٢/٤، وكشاف القناع ٣٠٨/٣
(٢) كشاف القناع ٣٠٨/٣، ٣٠٩، والمغني ٢٢٢/٤
(٣) نفس المراجع
(٤) حديث: ((نهى عن بيع الطعام ... )) سبق تخريجه ف/ ٤٢
المثال الرابع :
٤٦ - لو قال بكر لعمرو: احضرنا حتى أكتاله
لنفسي، ثم تكتاله أنت، وفعلا، صح بغير
إشكال.
ولو اكتاله بكر لنفسه، ثم أخذه عمروبذلك
الکیل الذي شاهده، فعلی روايتين.
ولو ترکه في المکیال، ودفعہ إلی عمرو،
لیفرغه لنفسه صح، وكان ذلك قبضا صحيحا،
لأن استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه، ولا معنی
لابتداء الكيل ههنا، إذ لا يحصل به زيادة
علم.
ومع أن ابن قدامة أسند إلى الشافعية عدم
صحة القبض، للنهي عن بيع الطعام حتى
يجري فيه الصاعان، وقرر أنه يمكن القول
بموجب الحدیث، وأنه يعتبر قبض المشتری له
في المکیال إجراء لصاعه فيه، إلا أن ابن حجر
نص على أن الاستدامة في نحو المكيال
کالتجديد، فتكفي.(١)
المثال الخامس :
٤٧ - لودفع بكر إلى عمرودراهم، فقال: اشتر
لك بها مثل الطعام الذي لك علي، ففعل، لم
يصح، لأنه فضولي إِذ اشتری لنفسه بمال غيره،
لأن دراهم بكر لا يكون عوضها لعمرو.
(١) المغني ٢٢٢/٤، وحاشية الجمل ١٧٣/٣، وتحفة المحتاج
٤١٠/٤
- ١٧١ -

بيع منهي عنه ٤٧ - ٤٩
والشافعية يعللون بأنه: لا یمکن أن يشتري
بمال غيره لنفسه، والدراهم أمانة في يده، فإن
اشترى بعينها بطل الشراء، وإن اشتری بثمن
في ذمته، صح الشراء له، والثمن عليه. وإن
قال: اشتر لي بها طعاما، ثم اقبضه لنفسك
ففعل، صح الشراء، ولم يصح القبض
لنفسه. (١)
· وعلله الشافعية بأن حق الإِنسان لا یتمکن
غيره من قبضه لنفسه، وضَمِنَّه الغريم
القابض لاستيلائه عليه لنفسه.
وقال الحنابلة : إنّ قبضه لنفسه فرعٌ عن
قبض موکله، ولم یوجد.
وإن قال: اشتر لي بها طعاما (واقبضه لي) ثم
اقبضه لنفسك، ففعل، جاز، لأنه وكله بالشراء
والقبض، ثم الاستيفاء من نفسه لنفسه، وذلك
صحيح .
وقال الشافعية : صح الشراء والقبض الأول
دون الثاني، لاتحاد القابض والمقبض، دون
الأول.
لكن الحنابلة قاسوه على مسألة شراء الوالد
لنفسه من مال ولده الصغير، وهبته له، وقبضه
لنفسه من نفسه .
والشافعية يمنعون القياس في هذه الصورة،
(١) الشرواني على تحفة المحتاج ٤/ ٤٢٠، والمغني ٤/ ٢٢٢،
وكشاف القناع ٣٠٩/٣
وليس لواحد تولي الطرفين عندهم، ولو بوكالة
عنهما.
. كما يمنعه المالكية أيضا، لأنه یصیر قابضا
من نفسه لنفسه، وليس هو ممن يتولى طرفي
العقد، فقبضه كلا قبض. (١)
المثال السادس :
٤٨ ۔ اشتری اثنان طعاما، فقبضاه، ثم باع
أحدهما نصيبه من الآخر قبل أن يقتسماه:
أ - فيحتمل أن لا يجوز ذلك، لأنه لم يقبض
نصيبه منفردا، فأشبه غير المقبوض.
ب - ويحتمل الجواز، لأنه مقبوض لهما، يجوز
بيعه لأجنبي، فجاز بيعه لشريكه، كسائر
الأموال.
ولو تقاسماه وافترقا، ثم باع أحدهما نصيبه
بذلك الکیل الذي کاله، لم يجز، كما لو اشترى
من رجل طعاما، فاكتاله وتفرقا، ثم باعه إیاه
بذلك الکیل.
أما لو تقاسماه ولم يفترقا، وباع أحدهما نصيبه
بذلك الكيل، ففيه روايتان. (٢) كما تقدم في
المثال الرابع .
٤٩ - وقد تناول الحنفية هذه المسألة تناولا
(١) الشرواني على تحفة المحتاج ٤/ ٤٢٠، وكشاف القناع
٣٠٩/٣، وحاشية القليوبي ٢١٨/٢، والمغني ٢٢٣/٤،
والشرح الكبير للدردير ١٥٢/٣، ١٥٣
(٢) المغني ٤/ ٢٢٣
- ١٧٢ -

بيع منهي عنه ٤٩
خاصا، بالنص والتفصيل والتعليل. فقال
المرغیناني منهم: من اشترى مكيلا مکایلة (أي
بشرط الكيل) أو موزونا موازنة (أي بشرط
الوزن) فاکتاله أو اتزنه، ثم باعه مکایلة أو
موازنة، لم يجز للمشتري منه أن یبیعه، ولا أن
یأکله، حتى يعيد الكيل والوزن(١) وذلك
لحديثي جابر وعثمان رضي الله عنهما المذكورين
سابقا(٢)
ولأنه يحتمل أن يزيد على المشروط، وذلك
للبائع في المقدرات، والتصرف في مال الآخرين
حرام، فيجب التحرز عنه.
ولأن الكيل والوزن والعد من تمام القبض،
فأصل القبض شرط لجواز التصرف فيه على
ماسبق، فكذا تمامه. (٣)
وقد قید الحكم المذكور بالشراء، لأنه لوملكه
بهبة أو إرث أو وصية، جاز التصرف فيه قبل
الکیل.
كما أن البيع عند الإطلاق ينصرف إلى
الكامل، وهو البيع الصحيح، حتى لوباع
مااشتراه فاسدا، بعد قبضه مکایلة، لم يحتج
المشتري الثاني الى إعادة الكيل. قال
(١) تببين الحقائق ٤/ ٨١، والهداية بشروحها ٦/ ٨١
(٢) راجع فيما تقدم (ف ٤٢)
(٣) تبيين الحقائق ٨٢/٤، والهداية بشروحها ١٣٩/٦،
١٤٠، وراجع (ف ٤٢)
أبو يوسف: لأن البيع الفاسد يملك بالقبض،
كالقرض. (١)
كما ألحقوا بالمكيل والموزون المعدود الذي
لا يتفاوت، کالجوز والبيض، إذا اشتري
معادَّة. وبه قال أبو حنيفة في أظهر الروايتين
عنه، فأفسد البيع قبل العد ثانيا لاتحاد الجامع،
وهو: وجوب تعرف المقدار، وزوال احتمال
اختلاط المالين، فإن الزيادة فيه للبائع، خلافا
لما روي عنهما من جواز البيع الثاني قبل العد.
وقد ذكر المعدود مع المکیل والموزون في متن
الکنز والتنوير.
واستثنوا من الموزون الدراهم والدنانير،
لجواز التصرف فيهما بعد القبض قبل الوزن في
عقد الصرف أو السلم، كبيع التعاطى، فإنه لا
يحتاج في الموزونات إلى وزن المشترى ثانيا، لأنه
صار بيعا بالقبض بعد الوزن .
ويلاحظ أن الحنفية استثنوا من هذا الحكم
- كغيرهم - المبيع مجازفة، إذا لم يكن البائع
اشتری مکایلة، لأن کل المشار إلیه للمشتري،
فلا يتصور فيه اختلاط الملكين.
وكذلك ما إذا باع الثوب مذارعة، لأن
الزيادة للمشتري، إذ الذرع وصف في الثوب،
لا يقابله شيء من الثمن، بخلاف القدر. (٢)
(١) رد المحتار ١٦٣/٤
(٢) فتح القدير ٦/ ١٤٠، وقارن بحاشية الشلبي على تبيين
الحقائق ٤/ ٨١، ٨٢، والدر المختار ١٦٤/٤
- ١٧٣ -

بیع منهي عنه ٥٠ - ٥١
ويبدو أن تحدید الأذرع ليس له مايقابله من
الثمن في أيامهم، لأن الثوب في زمانهم، يطلق
على مايكفي كساء واحدا، فلا تضر الزيادة
فيه، ولا تختلط بملك البائع، بخلاف الأثواب
والأقمشة في أيامنا، حيث تقتطع منها أذرع
لتخاط ثيابا، فإنها مقابلة بالثمن، وتعتبر من
القدر.
ومع أن بعض الحنفية أطلق تحريم البيع قبل
إعادة الكيل، لكن الشراح فسروه بكراهة
التحريم، وذلك لأن النهي في الحديث المذكور
خبر آحاد، لا تثبت به الحرمة القطعية عند
الحنفية . (١)
ومع ذلك، فلا يقال لآکله: إنه أکل حراما،
فقد نص في الجامع الصغير على أنه: لو أكله،
وقد قبضه بلا کیل، لا يقال: إنه أکل حراما،
لأنه أكل ملك نفسه، إلا أنه آثم، لتركه ما أمر
به من الکیل .
٥٠ - ومع أن البيع قبل إعادة الكيل مكروه
تحريما، لكن الحنفية صرحوا بفساده.
وهذه عبارة الإِمام محمد في الجامع الصغير:
عن أبي حنيفة، قال: إذا اشتريت شيئا مما
یکال أو یوزن أو یعد، فاشتر یت مایکال کیلا،
ومایوزن وزنا، ومایعد عدا، فلا تبعه حتى
تکیله وتزنه وتعده، فإن بعته قبل أن تفعل، وقد
قبضته، فالبیع فاسد في الکیل والوزن. (٢)
(١) الدر المختار ورد المحتار ١٦٣/٤
(٢) ابن عابدين ١٦٣/٤، وفتح القدير ٦/ ١٤٠
وعلق ابن عابدين - رحمه الله تعالى - على
هذا بأن الفاسد هو البيع الثاني، وهوبيع
المشتری قبل کیله، وأن الأول وقع صحيحا،
لكنه يحرم عليه التصرف فيه من أكل أوبيع حتى
یکیله، فإذا باعه قبل کیله، وقع البيع الثاني
فاسدا، لأن العلة كون الكيل من تمام القبض،
فإذا باعه قبل كيله، فكأنه باع قبل القبض،
وبيع المنقول قبل قبضه لا يصح. (١)
٥١ - ويمكن أن يتخذ التصرف في المكيل
والموزون بعد شرائه هذه الصور، عند الحنفية :
الأولى : أن يشتري مکایلة، ویبیع مکایلة،
ففي هذه الصورة لا يجوز للمشتري من
المشتري الأول أن يبيعه، حتى يعيد الكيل
لنفسه، کما کان الحكم في حق المشتري الأول،
للنهي عنه في الحديث المتقدم، ولاحتمال الزيادة
كما تقدم. (٢)
الثانية: أن يشتري مجازفة، ويبيع كذلك
مجازفة، فلا يحتاج إلى كيل، لعدم الافتقار إلى
تعيين المقدار.
الثالثة : أن يشتري مكايلة، ويبيع مجازفة،
فلا يحتاج المشتري الثاني إلی کیل، لأنه لما
اشتراه مجازفة، مَلَك جمیع ما كان مشارا إلیه،
فکان متصرفا في ملك نفسه.
الرابعة: أن يشتري مجازفة، ویبیع مکایلة،
(١) رد المحتار ١٦٣/٤
(٢) راجع فقرة (٤٢)
- ١٧٤ -

بيع منهي عنه ٥٢ - ٥٣
فيحتاج إلى كيل واحد، إما كيل المشتري، أو
کیل البائع بحضرته، لأن الکیل شرط لجواز
التصرف فيما بيع مكايلة، لمكان الحاجة إلى
تعيين المقدار الواقع مبيعا، وأما المجازفة فلا
يحتاج إليه.
فبناء على هذه الصورة الأخيرة، تخرج هذه
الصورة التي حققها ابن عابدين - رحمه الله -
وهي :
إذا ملك زيد طعاما، بيع مجازفة أو بإرث
ونحوه، ثم باعه من عمرومکایلة سقط هنا
صاع البائع، لأن ملکه الأول لا يتوقف على
الكيل، وبقي الاحتياج إلى كيل للمشتري
فقط، فلا يصح بيعه من عمروبلا کیل، فهنا
فسد البيع الثاني فقط. ثم إذا باعه عمرو من
بكر، فلابد من كيل آخر لبكر، فهنا فسد البيع
الأول والثاني، لوجود العلة في كل منهما . (١)
٥٢ - وبصدد الكيل المعتبر شرعا، نص الحنفية
على أنه:
أ - لا معتبر بكيل البائع قبل البيع من المشتري
الثاني، وإن كان كاله لنفسه بحضرة المشتري
عن شرائه هو، لأنه ليس صاع البائع
والمشتري، وهو الشرط بالنص.
ب - ولا معتبر بكيله بعد البيع الثاني، بغيبة
المشتري، لأن الكيل من باب التسليم، لأن به
(١) شرح العناية على الهداية ٦/ ١٣٩، ١٤٠ بتصرف
يصير المبيع معلوما، ولا تسليم إلا بحضرته.
جـ - وإن کاله أو وزنه بعد البيع، بحضرة
المشتري، ففيه اختلاف المشايخ:
- قیل : لا یکتفی به، ولا بد من الکیل أو الوزن
مرتین، احتجاجا بظاهر الحديث.
- وقال عامتهم: كفاه ذلك، حتى يحل
للمشتري التصرف فیه قبل کیله ووزنه إذا
قبضه، وهذا هو الصحيح، لأن الغرض من
الكيل والوزن صيرورة المبيع معلوما، وقد
حصل ذلك بكيل واحد، وتحقق معنى
التسليم .
وقد بحث البابرتي، في الاكتفاء بالكيل
الواحد في هذه الصورة، ونظر إلى تعليل الحكم
في الأصل، باحتمال الزيادة على المشروط،
وقرر: أن مقتضى ذلك الاكتفاء بالكيل الواحد
في أول المسألة أيضا، وقال: ولو ثبت أن وجوب
الكيلين عزيمة، والاكتفاء بالكيل الواحد
رخصة، أو قیاس واستحسان، لكان ذلك
مدفعا جاريا على القوانين (أي القواعد) لكن لم
أظفر بذلك.(١)
ز - بيع الكالىء بالکالیء :
٥٣ ۔ الکالیء مأخوذ من: کلأ الدین یکلا ،
مهموز بفتحتين، كلوءا: إذا تأخر، فهو كالىء
(١) الهداية وفتح القدير مع شرح العناية ٦/ ١٤٠، ١٤١،
وتبیین الحقائق ٨٢/٤
- ١٧٥ -

بيع منهي عنه ٥٣ - ٥٤
بالهمز، ويجوز تخفيفه، فيصير مثل القاضي .
وكان الأصمعي لا يهمزه. قال: هو مثل
القاضي، ولا يجوز همزه.
وبيع الكالىء بالكالىء هو: بيع النسيئة
بالنسيئة .
قال أبو عبيد: صورته: أن يسلم الرجل
الدراهم في طعام إلى أجل، فإذا حل الأجل
يقول الذي عليه الطعام : ليس عندي طعام،
ولكن بعني إياه إلى أجل. فهذه نسيئة انقلبت
إلى نسيئة. فلوقبض الطعام، ثم باعه منه أو
من غيره، لم يكن كالئا بكالىء. (١)
ولا يخرج المعنى الشرعي عن المعنى
اللغوي، إذ هو بيع الدين بالدين. (٢)
وقد ورد النهي عنه في حديث ابن عمر
رضي الله عنهما أن النبي ◌َّهِ((نهى عن بيع
الكالىء بالكالىء))، وقال: ((هو النسيئة
بالنسيئة)). (٣)
وفسر أيضا ببيع الدين، كما ورد التصريح به
في رواية .
(١) المصباح المنير ومختار الصحاح مادة: ((كلأ))
(٢) انظر على سبيل المثال كفاية الطالب١٦٦/٢، وشرح
المحلي على المنهاج ٢/ ٢١٥، والشرح الكبير في ذيل المغني
٤/ ١٦٥
(٣) حديث: ((نهى عن بيع الكالىء بالكالىء)) أخرجه
البيهقي (٥/ ٢٩٠ ط دار المعارف العثمانية) وضعفه
ابن حجر في بلوغ المرام (ص١٩٣ ط عبدالمجيد حنفي)
وفي بيع الدين صورتان: بيعه من المدين
نفسه، وبيعه من غيره.
ولا يختلف الفقهاء في عدم جواز بيع الدين
من غیر مَنْ علیه الدین.
وإنما اختلفوا في جواز بيعه ممن هو عليه،
وجمهورهم - بوجه عام - لا يجيزه، إلا في أحوال
معينة، خلافا للحنفية .
وفيما يلي عرض لأهم الصور والتقاسيم التي
يطرحها الفقهاء في هذا الصدد، مع تبيان
أحكامها .
٥٤ - مذهب المالكية: ويتخذ العقد على
الدين عندهم صورا شتى :
أ - فسخ ما في ذمة المدين أي إسقاطه في شيء
يتأخر قبضه عن وقت الفسخ، سواء أحل الدين
المفسوخ أم لا، إن كان المؤخر من غير جنسه أو
من جنسه بأكثر منه، وسواء أكان المفسوخ فيه
معينا كالعقار، أم كان منافعَ ذاتٍ معينة كركوب
دابة. فهذا غير جائز، وهو من ربا الجاهلية،
وهو أشد الأنواع تحريما، وتحريمه بالكتاب.
ب - بيع الدين بدين لغير من هو عليه ولو حالاً :
وهذا ممنوع بالسنة .
فمن له دين على زيد، ولآخردين على
عمرو، فباع كل منهما دینه بدین صاحبه، کان
محرما بالسنة، وهو فاسد.
أما بیعه بمعین یتأخر قبضه كعقار، أو بمنفعة
ذاتٍ معینة، کما لو کان لزید دین علی عمرو،
- ١٧٦ -

.
بيع منهي عنه ٥٤ - ٥٥
فباع زید ذلك الدین خالد بما ذكر، فإنه جائز.
وقد اعتبر العقار ومنافع الذات المعينة من قبيل
الحاضر ولو تأخر تسلیمه، لأن ذلك لیس مما
يضمن في الذمة إذ لا تثبت المعينات في الذمة
فهما نقد بهذا المعنى. أي حاضر ينقد ولا يثبت
بالذمة.
جــ تاخیر رأس مال السلم أکثر من ثلاثة أيام،
وهو عین، فهذا منهي عنه غير جائز، لما فيه من
ابتداء دين بدين. ووجه كون هذا من ابتداء
· الدين بالدين، أن كلا منهما شغل ذمة صاحبه
بدین له عليه . (١)
أما لو كان رأس المال غير عين، فإنه يجوز
تأخیره أكثر من ثلاثة أيام، إن لم يكن بشرط.
فکل واحد من هذه الصور الثلاث يقال له
بيع الدين بالدين لغة، إلا أن فقهاء المالكية
سموا کل واحد منها باسم يخصه .
هذه أقسام بيع الدين بالدين عند المالكية
وأحكامها .
أما بیع الدین بالنقد ، فإنه لا يجوز، إلا إذا
كان المدين حيا حاضرا في البلد، وإن لم يحضر
مجلس البيع، وأقربالدين، وكان ممن تأخذه
الأحكام (أي من المكلفين)، وبِيعَ الدين بغير
جنسه، أو بيع بجنسه وكان متساويا، لا أنقص
ولا أزید، ولیس ذهبا بفضة ولا عكسه، وليس
بين المشتري والمدين عداوة.
(١) حاشية الدسوقي ٣/ ٦١ - ٦٣ مع تعليقات الشيخ عليش.
ويشترط أن يكون الدين مما يجوز أن يباع قبل
قبضه، وهذا احتراز من طعام المعاوضة.
قال الدسوقي : فإن وجدت تلك الشروط
جاز بيعه، وإن تخلف شرط منها منع البيع. (١)
٥٥ - ومذهب الشافعي الجدید، وهو رواية عن
الإِمام أحمد: جواز الاستبدال عن الثمن الذي
في الذمة .
ومذهبه القديم هو المنع . (٢)
ودلیل المذهب الجدید، وهو نفسه دلیل
الحنابلة في هذه الرواية، حديث ابن عمر
رضي الله عنهما قال: ((كنت أبيع الإِبل
بالدنانير، وآخذ مكانها الدراهم، وأبيع
بالدراهم، وآخذ مكانها الدنانير، فأتيت
رسول الله ے فسألته عن ذلك، فقال: لا بأس
إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)). (٣)
قالوا : وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه،
وهو أحد العوضين. (٤)
ودليل المذهب القديم: حديث: ((إذا
(١) نفس المراجع
(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢١٤/٢، وشرح المنهج
١٦٤/٣، والمغني ٤/ ٢٢٠، ٢٢١
(٣) حديث ابن عمر: (( كنت أبيع الإِبل ... )) أخرجه أبوداود
(٦٥١/٣ تحقيق عزت عبيد دعاس). ونقل البيهقي عن
شعبة أنه أعله بالوقف على ابن عمر. (التلخيص
لابن حجر ٢٦/٣ ط شركة الطباعة الفنية
(٤) المغني ٤/ ٢٢١
- ١٧٧ -

بيع منهي عنه ٥٥ - ٥٧
اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه)). (١)
فإن استبدل بموافق في علة الربا، كدراهم
بدنانير، اشترط قبض البدل في المجلس.
وإن استبدل بغير موافق في علة الربا، كما لو
اشترى ثوبا بدراهم في الذمة، لم يشترط ذلك(٢)
أما بیع الدین لغیر من هو عليه، فباطل في
الأظهر من مذهب الشافعية، وهو باطل أيضا في
مذهب الحنابلة. كما لو اشترى ثوبا من زيد بمائة
له على عمرو، وذلك لعدم القدرة على
التسليم .
وفي قول ثان للشافعية، يصح، وصححه في
أصل الروضة، مخالفا للرافعي، وهو المعتمد،
نظرا لاستقرار الدين، كبيعه ممن هو عليه.
لكن يشترط في هذا قبض العوضين في
المجلس، فلو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل
البيع. وإن كان مقتضى كلام الأكثرين يخالفه،
كما ذكره المحلي. (٣)
أما لو كان لزيد وعمرو دَيْنان على شخص،
فباع زيد عمرا دينه بدينه، بطل قطعا بلا
خلاف، اتفق الجنس أو اختلف، وذلك لحديث
(١) حديث: ((إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه ... ))
أخرجه أحمد (٤٠٢/٣ ط الميمنية) وصححه ابن حبان كما
في نصب الراية (٣٣/٤ ط المجلس العلمي بالهند).
(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢١٤/٢، وشرح المنهج بحاشية
الجمل ٣/ ١٦٤ و١٦٥، وتحفة المحتاج ٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧
(٣) شرح المحلي ٢١٥/٢، وانظر كشاف القناع ٢٦٥/٣
ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي بَّ ((نهى عن
بيع الكالىء بالكالىء)). (١)
٥٦ - ومذهب الحنابلة بطلان بيع الدين بدين
ممن هو عليه، أو من غيره مطلقا.
وذكروا له صورا، سوى ما وافقوا فيه مذهب
الشافعية من بعض الصور مما ذكرنا. وقال
ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين
بالدين لا يجوز. وقال أحمد: إنما هو إجماع(٢)
٥٧ - بقي أن نشير إلى موقف الحنفية المتميز.
بالتفرقة بین بیع الدین ممن هو عليه، وبین بیعه
مِنْ غير مَنْ هو عليه، وأن التصرف الجائز في
الدین، هو تملیکه ممن علیه الدین، ولو بعوض،
ولا يجوز من غيره كما نقله الحصكفي عن
ابن ملك.
واستثنوا ثلاث صور أجازوا فيها تمليك
الدين لغير من هو عليه .
الأولى : إذا سلط الدائن غيره على قبض
الدين، فيكون وكيلا قابضا للموكل، ثم
لنفسه .
الثانية : الحوالة واستثناء جوازها إجماع - كما
صرح به الشافعية .
(١) حديث: ((نهى عن بيع الكالىء بالكالىء)). تقدم تخريجه
(فقرة ٥٣)
(٢) كشاف القناع ٣/ ٢٦٥، والشرح الكبير في ذيل المغني
١٧٢/٤
- ١٧٨ -

بيع منهي عنه ٥٨ - ٥٩
الثالثة : الوصية.
ومعنى عدم الجوازهنا: عدم الانعقاد،
وبذلك عبر الكاساني فقال: ولا ينعقد بيع
الدين مِنْ غير مَنْ عليه الدين، لأن الدين إما
أن يكون عبارة عن مال حكمي في الذمة، وإما
أن یکون عبارة عن فعل تمليك المال وتسلیمه،
وكل ذلك غير مقدور التسليم في حق البائع .
ولوشرط التسليم على المدین لا يصح أيضا،
لأنه شرط التسليم على غير البائع، فيكون
شرطا فاسدا، فيفسد البيع.
ويجوز بيعه ممن هو عليه، لأن المانع هو العجز
عن التسليم، ولا حاجة إلى التسليم ههنا.
ونظيره بيع المغصوب، فإنه يصح من
الغاصب، ولا يصح من غيره، إذا كان
الغاصب منکرا، ولا بینة للمالك.(١)
ويمكن لزيادة التفصيل والتصوير، في بيع
الکالیء بالکالیء، مراجعة مصطلح: (ربا،
صرف، دین).
بيع اللحم بالحيوان :
٥٨ - ورد فيه حديث سعيد بن المسيب أن النبي
وَ* ((نهى عن بيع اللحم بالحيوان)» وفي لفظ:
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤/ ١٤، ١٦٦ نقلا عن الأشباه،
وبدائع الصنائع ١٤٨/٥، وانظر تحفة المحتاج وحاشية
الشرواني عليها ٤/ ٤٠٩
((نهى عن بيع الحي بالميت)). (١)
ويتوزع البحث في هذه المسألة على النقاط
التالية :
أولا : هل اللحم کله جنس واحد؟
٥٩ - هذه مسألة خلافية بين الفقهاء، وهي
كالأصل بالنسبة إلى مابعدها.
(أ) فمذهب الحنفية، ومقابل الأظهر عند
الشافعية، والأصح عند الحنابلة: هو أن اللحم
أجناس، باختلاف أصوله :
فالإِبل بأنواعها - العراب والبخاتي
والهجين، وذي السنامين، وذي السنام الواحد -
كلها جنس واحد، فكذا لحومها .
والبقر والجوامیس جنس واحد.
والغنم والمعزجنس واحد. (٢) ويحتمل أن
یکونا صنفین، لأن القرآن فرق بينهما کما فرق
بين الإِبل والبقر، فقال: ﴿ ثمانيةَ أزواجٍ :
من الضّأْنِ اثنينِ ومن المعزِ اثنين﴾ .. ﴿ومنَ
الإِبِلِ اثنين، ومن البقرِ اثنينِ﴾(٣)
(١) حديث: ((نهى عن بيع اللحم بالحيوان ... )). وفي لفظ:
((نهى عن بيع الحي بالميت ... )) أخرجه مالك (٢/ ٦٥٥ ط
الحلبي) عن سعيد بن المسيب مرسلا، وذكر ابن حجر في
التلخيص (٢ / ١٠ ط شركة الطباعة) طرقا أخرى له يتقوى
الحديث بها. وانظر فتح القدير (٦/ ٦٦ - ٦٨)
(٢) بدائع الصنائع ١٨٩/٥
(٣) سورة الأنعام / ١٤٣، ١٤٤
- ١٧٩ -

بيع منهي عنه ٦٠
والوحش أصناف: بقرها صنف، وغنمها
صنف، وظباؤها صنف.
والطیر أصناف، کل ما انفرد باسم وصفة
فهو صنف .
ب - والأظهر عند الشافعية، وقول الخرقي
من الحنابلة، ورواية عن الإِمام أحمد: أن
اللحم کله جنس واحد.(١)
(جـ) ويبدو من تمثيل المالكية للجنس الواحد
ببيع لحم بقري بكبش حي، ولغير الجنس ببيع
الحيوان الحي بلحم طير أوسمك: أنهم
يعتبرون لحوم الأنعام جنسا، ولحوم الطير
جنسا، ولحوم الأسماك جنسا.
ونص ابن جزي على أن اللحوم عند مالك
ثلاثة أصناف: فلحم ذوات الأربع صنف،
ولحم الطيور صنف، ولحم الحيتان صنف. (٢)
ثانيا : بيع اللحم بحيوان من جنسه :
٦٠ - لا يستجيز جمهور الفقهاء بيع اللحم
بحيوان من جنسه، كلحم شاة بشاة حية،
وذلك : .
(١) انظر شرح المحلي على المنهاج ١٧٤/٢، ١٧٥، والمغني
٤ / ١٤٢، ١٤٣، والشرح الكبير في ذيله ١٤٢/٤، ١٤٤
(٢) القوانين الفقهية ص١٦٨، ١٦٩ وحاشية الدسوقي على
الشرح الكبير للدردير ٣/ ٥٥. وهذا ماأكده ابن الهمام،
انظر فتح القدير ٦/ ١٧٤
للنهي عن بيع اللحم بالحيوان في الحديث
المتقدم - كما يقول الشافعية -
ولأنه مال ربوي، بیع بما فیه من جنسه مع
جهالة المقدار، فلم يجز كبيع السمسم
بالشیرج.
ولأنه بيع معلوم - وهو اللحم - بمجهول وهو
الحيوان، وهو المزابنة، كما يقول المالكية . (١)
فهذا قول مالك، وهو محمل الحديث عنده:
أن يباع حيوان مباح الأکل بلحم من جنسه،
وهو مذهب الشافعي، وهو أيضا المذهب عند
الحنابلة، بلا خلاف.
وأجاز الحنفية هذا البيع، ولكن :
منهم من اعتبرهما جنسين مختلفين (لأن
أحدهما موزون، والآخر معدود) فبنوا عليه جواز
بيعهما مجازفة، عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
لأنه باع الجنس بخلاف الجنس.
ومنهم من اعتيرهما جنسا واحدا، وبنوا
مذهبهما - أي مذهب الشيخين - على أن الشاة
ليست بموزونة، فيجوز بيع أحدهما بالآخر،
مجازفة ومفاضلة، لأن ربا الفضل يعتمد اجتماع
الوصفين: الجنس والقدر، لكن بشرط التعيين
(١) انظر شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٤، ١٧٥، وكشاف
القناع ٢٥٥/٣، والمغني ١٤٦/٤ - ١٤٩، والشرح الكبير
في ذيله ٤ / ١٤٦، والشرح الكبير للدردير، وحاشية
الدسوقي عليه ٥٤/٣، وشرح الخرشي ٦٨/٥، والقوانين.
الفقهية (ص١٦٩)
- ١٨٠ -