Indexed OCR Text
Pages 41-60
بيع ٦٦ لم يصح التسليم، وأجبر البائع على تفريغ المبيع . (١) ومن صور شغل المبيع: أن يكون محلا لعقد إجارة أبرمه البائع، فإن رضي المشتري بالانتظار إلى نهاية مدة الإِجارة لم تكن له المطالبة بالتسليم، ولكن يحق له حبس الثمن إلى أن الإجارة، ويصبح المبيع قابلا تنتھي للتسليم . (٢) وكما يجب تسليم المبيع يجب تسليم توابعه . (٣) ويختلف حكم القبض بين المثلي من مكيل أو موزون أو معدود، وبين غيره من عقار أو حيوان ونحوه . ففي قبض العقار تكفي التخلية اتفاقا بشرط فراغه من أمتعة البائع، فلو جمعت أمتعة البائع في غرفة صح قبض ما عداها، وتوقف قبضها على تفريغها . (٤) لكن لو أذن البائع للمشتري بقبض الدار والمتاع صح التسليم، لأن المتاع صاروديعة عند المشتري . (٥) (١) المجلة (المواد ٢٦٢، ٢٦٩، ٢٧٦، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٦٢ (٢) جامع الفصولين الفصل الثاني والثلاثين . (٣) المجلة المادة (٤٨) (٤) حاشية ابن عابدين ٨٨/٤ و٥١٢، والقليوبي ٢١٦/٢ (٥) الفتاوى الهندية ١٧/٣ ومن عبارات المالكية: أن العقار إن كان أرضا فقبضه بالتخلية، وإن كان دارا للسكنى (١) فقبضها بالإخلاء .. فإن لم يحضر العاقدان العقار المبيع. فقد ذهب الشافعية في الأصح (ونقل مثله عن بعض الحنفية في العقار البعيد عن العاقدين) إلى أنه يعتبر مرور زمن يمكن فيه المضي إلى العقار، لأنه إذا لم يعتبر حضور العاقدين إلى العقار للمشقة، فلا مشقة في اعتبار مضي الزمان، (٢) ويبدو أن الحكمة في ذلك الأمن من تداخل الضمانين . أما المنقول، فقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى: أن قبض المكيل والموزون والمعدود باستيفاء الكيل أو الوزن أو العد. وقال الشافعية: لابد مع ذلك من النقل. وهذا ما لم يبع جزافا، فيحصل قبضه بالنقل، على خلاف وتفصيل. (٣) ر: (بيع الجزاف). وأما غير ذلك من الحيوان والعروض، فإن قبضها بحسب العرف، كتسليم الثوب وزمام الدابة وسوقها أو عزلها عن دواب البائع أو انصراف البائع عنها . (١) الشرح الصغير ٢ / ٧١ ط الحلبي. (٢) مغني المحتاج ٧٢/٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٦٣ (٣) مغني المحتاج ٧٣/٢، والمغني ٤ /١٢٥ ط الرياض. - ٤١ - بيع ٦٧ ولم يفرق الحنفية - وهي رواية عن أحمد - بين المكيلات والموزونات والمعدودات وبين غيرها. فالتخلية قبض في الجميع، حتى لو كانت التخلية في بیت البائع فإنها صحيحة. فإن هلك المبيع بعدئذ هلك من ضمان المشتري، لأنه کالودیعة عنده. (١) الكلي، فإن البیع ینتهي بتمام آثاره من تسليم وتسلم . وينتهي البيع أيضا بالإِقالة .(١) وتفصيل الكلام عنها في مصطلح (إقالة). وينوب القبض السابق للمبيع عن تجديد قبضه، إذا كان قد قبض علی سبیل الضمان، بأن كان المشتري قد غصبه من البائع قبل أن یشتر یه منه، فإن ذلك القبض یغني، لأنه قبض قوي بمنزلة قبض المشتري مااشتراه، إذ تبعة هلاكه في الحالين على القابض. أما إذا كان القبض السابق من قبيل قبض الأمانة، كقبض المستعير والوديع - وهو ما لا ضمانه ممن هو بیده في حال هلاکه دون تعد أو تقصير - فيعتبر ذلك القبض ضعيفا لا ينوب عن قبض الضمان. (٢) انتهاء البيع : ٦٧ - بالإِضافة إلى ما سبق الكلام عنه من انفساخ البيع بسبب بعض حالات الهلاك (١) الفتاوى الهندية ١٦/٣، والفروع ١٤٢/٤، والمغني ١٢٤/٤ - ١٢٥ (٢) حاشية ابن عابدين ٥١٢/٤، وشرح المجلة للأتاسي (المادة ٨٤٦) (١) بداية المجتهد ١٥٣/٢ - ٤٢ - بيع الاستجرار ١ - ٣ بيع الاستجرار التعريف : ١ - البيع : مبادلة المال بالمال تمليكا وتملّكا.(١) والاستجرار لغة : الجذب والسحب، وأجررته الدين: أخرته له. (٢) وبيع الاستجرار : أخذ الحوائج من البياع شيئا فشيئا، ودفع ثمنها بعد ذلك. (٣) الألفاظ ذات الصلة : البيع بالتعاطي : ٢ - المعاطاة والتعاطي: المناولة والمبادلة . والبيع بالتعاطي : أن يتقابض البائع والمشتري من غير صيغة، أي أن البائع يعطي المبيع ولا يتلفظ بشيء، والمشتري يعطي الثمن كذلك. (٤) (١) المغني ٣/ ٥٦٠. ومجلة الأحكام العدلية م(١٠٥) (٢) لسان العرب والمصباح المنير . (٣) ابن عابدين ١٢/٤، والمدونة ٢٩٢/٤، وأسنى المطالب ٣/٢، والمحرر ٢٩٨/١ (٤) البناية شرح الهداية ٦/ ١٩٧ والفرق بين بيع الاستجرار والتعاطي هو: أن بیع الاستجرار أعم، لأنه قد یکون بإيجاب وقبول، وقد يكون بالتعاطي، كما أن الغالب في الاستجرار تأجيل الثمن، وعدم تحديده في بعض الصور. الأحكام المتعلقة ببيع الاستجرار : تتعدد صور بیع الاستجرار، ولذلك تختلف أحكامه من صورة لأخرى، وبيان ذلك فيما يلي: مذهب الحنفية : صور بيع الاستجرار التي وردت عند الحنفية هى : ٣ - الصورة الأولى: أن يأخذ الإِنسان من البياع ما يحتاج إليه شيئا فشيئا مما يستهلك عادة، كالخبز والملح والزيت والعدس ونحوها، مع جهالة الثمن وقت الأخذ، ثم يشتريها بعد استهلاکھا . فالأصل عدم انعقاد هذا البيع، لأن المبيع معدوم وقت الشراء، ومن شرائط المعقود عليه أن يكون موجودا، لكنهم تسامحوا في هذا البيع وأخرجوه عن هذه القاعدة (اشتراط وجود المبيع) وأجازوا بيع المعدوم هنا استحسانا، وذلك كما في البحر الرائق والقنية . وقال بعض الحنفية : ليس هذا بيع معدوم، - ٤٣ - بيع الاستجرار ٤ - ٧ إنما هو من باب ضمان المتلفات بإذن مالكها عرفا، تسهيلا للأمر ودفعا للحرج، كما هو العادة. ولم يرتض الحموي وغيره هذا المعنى . وقال ابن عابدين : إن المسألة استحسان، ويمكن تخريجها على قرض الأعيان، ويكون ضمانها بالثمن استحسانا، كحل الانتفاع في الأشياء القيمية، لأن قرضها فاسد لا يحل الانتفاع به وإن ملکت بالقبض . ٤ - الصورة الثانية : وهي نفس الصورة الأولى، لكنها تختلف عنها بالنسبة لمعرفة الثمن، أي أن الإِنسان یأخذ مايحتاج إليه شيئا فشيئا مع العلم بالثمن وقت الأخذ، ثم يحاسبه بعد ذلك. وهذا البيع جائز ولا خلاف في انعقاده، لأنه كلما أخذ شيئا انعقد بيعا بثمنه المعلوم، ويكون بيعا بالتعاطي، والبيع بالتعاطي ينعقد، سواء أدفع الثمن وقت الأخذ أم تأجل. ومثلها في الحكم: أن يدفع الإِنسان إلى. البياع الدراهم دون أن يقول له: اشتريت، وجعل يأخذ كل يوم خمسة أرطال مع العلم بثمنها . هذا البیع جائز، وما أكله حلال، لأنه وإن كانت نيته الشراء وقت الدفع إلا أنه لا ينعقد بيعا بمجرد النية، وإنما انعقد بيعا الان بالتعاطي، والآن المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحا . ٥ - الصورة الثالثة : أن يدفع الإِنسان إلى البياع دراهم، ويقول له: اشتريت منك مائة رطل من خبز مثلا، وجعل يأخذ كل يوم خمسة أرطال. هذا البيع فاسد، وما أكل فهومكروه، وذلك لجهالة المبيع، لأنه اشترى خبزا غير مشار إليه فكان المبيع مجهولا ، ومن شرائط صحة البيع : أن يكون المبيع معلوما . ٦ - الصورة الرابعة : وهي أن يدفع الإِنسان الدراهم للبياع دون أن يقول له: اشتريت، وجعل يأخذ كل يوم خمسة أرطال ولا يعلم ثمنها. فهذا لا ينعقد بيعا بالتعاطي لجهالة الثمن، فإذا تصرف الآخذ في المبيع، وقد دفعه البياع برضاه بالدفع وبالتصرف فيه على وجه التعويض عنه، لم ينعقد بيعا، وإن كان على نية البيع، لأن البيع لا ينعقد بالنية، فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته، فإذا توافقا على شيء بدل المثل أو القيمة برئت ذمة الاخذ. (١) مذهب المالكية : الصور التى وردت عند المالكية هي : ٧ - أن يضع الإِنسان عند البياع دراهم، ثم يأخذ بجزء معلوم من الدراهم سلعة معلومة (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١٢/٤، ١٣، والبحر الرائق ٢٧٩/٥، وأشباه ابن نجیم ص٣٦٤ - ٤٤ - بيع الاستجرار ٨ - ١٣ وهكذا. فهذا البيع صحيح، لأن السلعة معلومة والثمن معلوم . ٨ - أن يضع عند البياع درهما، ويقول له: آخذ به منك كذا وكذا من التمر مثلا، أوكذا وكذا من اللبن أو غير ذلك. يقدر معه فیه سلعة ما، ويقدر ثمنها قدرا ما، ويترك السلعة يأخذها متی شاء، أويؤقت لها وقتا يأخذها فيه، فهذا البيع جائز أيضا. ٩ - أن يترك عند البياع درهما في سلعة معينة أو غير معينة، على أن يأخذ منها في كل يوم بسعره، وعقدا على ذلك البيع، فهذا البيع غير جائز، لأن ما عقدا عليه من الثمن مجهول، وذلك من الغرر الذي يمنع صحة البيع . ١٠ - أن يأخذ الإِنسان من البياع ما يحتاج إليه بسعر معلوم، فيأخذ كل يوم وزنا معلوما بسعر معلوم، والثمن إلى أجل معلوم، أو إلى العطاء إذا كان العطاء معلوما مأمونا، فهذا البيع جائز. (١) مذهب الشافعية : لبيع الاستجرار عند الشافعية صورتان : ١١ - إحداهما : أن يأخذ الإِنسان من البياع مايحتاجه شيئا فشيئا، ولا یعطیه شيئا، ولا يتلفظان ببيع، بل نويا أخذه بثمنه المعتاد، (١) المنتقى شرح الموطأ للباجي ١٥/٥ ط السعادة، والمدونة ٤/ ٢٩٢ ويحاسبه بعد مدة ويعطيه، كما يفعل كثير من الناس. قال النووي : هذا البيع باطل بلا خلاف (أي عند الشافعية) لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة . قال الأذرعي : وهذا ما أفتى به البغوي، وذكر ابن الصلاح نحوه في فتاويه . وتسامح الغزالي فأباح هذا البيع، لأن العرف جارٍ به، وهو عمدته في إباحته . وقال الأذرعي : قول النووي - إن هذا لا يعد معاطاة ولا بيعا - فيه نظر، بل يعده الناس بيعا، والغالب أن يكون قدر ثمن الحاجة معلوما لهما عند الأخذ والعطاء، وإن لم يتعرضا له لفظا . ١٢ - الثانية : أن يقول الإِنسان للبياع: أعطني بكذا لحما أو خبزا مثلا، فيدفع إليه مطلوبه فيقبضه ویرضی به، ثم بعد مدة يحاسبه ويؤدي ما اجتمع علیه، فهذا البيع مجزوم بصحته عند من يجوّز المعاطاة. (١) مذهب الحنابلة : ١٣ - مسائل بيع الاستجرار عند الحنابلة مبنية على البيع بغير ذكر الثمن، وقد ذكر المرداوي في الإِنصاف هذه المسائل فقال: (١) المجموع ٩/ ١٥٠، ١٥١، ومغني المحتاج ٢ /٤، وأسنى المطالب ٣/٢، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٢١٧،٢١٦/٤ - ٤٥ - بيع الاستجرار ١٤ - ١٥ البيع بما ينقطع به السعر لا يصح، وهو المذهب وعليه الأصحاب، وفي رواية أخرى عن الإِمام أحمد: يصح، واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: هو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد . ءِ ومن شروط البيع كون الثمن معلوما حال العقد على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، واختار ابن تيمية صحة البيع وإن لم يسم الثمن ، وله ثمن المثل، نظيره: صحة النكاح بدون تسمية مهر، وها مهر المثل . (١) وقد ذكر ابن مفلح في فوائده على مشكل المحرر(٢) اختلاف الروايات عن الإِمام أحمد في مسائل البيع بغير ذكر الثمن، وأورد صورتين اختلف فيهما رأي الإِمام أحمد، فلم يجز البيع في إحداهما، وأجازه في الأخرى. ١٤ - قال الخلال في البيع بغير ثمن مسمى، عن حرب: سألت الإِمام أحمد قلت: الرجل يقول لرجل : ابعث لي جريبا من بر، واحسبه علي بسعر ماتبيع. قال: لا يجوز هذا حتى يبين له السعر. وعن إسحاق بن منصور قلْت للإِمام أحمد : الرجل يأخذ من الرجل سلعة فيقول: أخذتها منك على ماتبيع الباقي، قال: لا يجوز، وعن (١) الإنصاف ٣١٠/٤ (٢) النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر ٢٩٨/١، ٢٩٩ حنبل قال عمي : أنا أكرهه، لأنه بيع مجهول، والسعر یختلف، يزيد وينقص. في هاتين الروايتين لا يجيز الإمام أحمد هذا البيع . ١٥ ۔ أما روایتا الجواز فهما : قال أبوداود في مسائله: باب في الشراء ولا يسمي الثمن. سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال، فيأخذ منه الشيء بعد الشيء، ثم يحاسبه بعد ذلك، قال: أرجو أن لا یکون بذلك بأس، قيل لأحمد: يكون البيع ساعتئذ؟ قال: لا. قال ابن تيمية : وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه، وأن البيع لم يكن وقت القبض وإنما كان وقت التحاسب، وأن معناه: صحة البيع بالسعر، أي السعر المعهود بيعه به . وعن مثنى بن جامع عن أحمد في الرجل یبعث إلى مُعَامِل له، لیبعث إليه بثوب، فيمر به فيسأله عن ثمن الثوب فيخبره، فيقول له: اكتبه. والرجل يأخذ التمر فلا يقطع ثمنه، ثم يمر بصاحب التمر فيقول له: اكتب ثمنه؟ فأجازه إذا ثمّنه بسعر يوم أخذه. وهذا صريح في جواز الشراء بثمن المثل وقت القبض لا وقت المحاسبة، سواء أذكر ذلك في العقد أم أطلق لفظ الأخذ زمن البيع . ورواية الجواز هذه هي ما اختارها وأخذ بها - ٤٦ - بيع الاستجرار ١٦، بيع الاستنامة ابن تيمية وابن القيم. يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: اختلف الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد، وصورتها: البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم، يأخذ منه کل یوم شيئا معلوما، ثم يحاسبه عن رأس الشهر أو السنة على الجمیع، ویعطیه ثمنه. فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبض فيه غیر ناقل للملك، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب، لأنه مقبوض بعقد فاسد، هذا وكلهم إلا من شدد علی نفسه يفعل ذلك، ولا يجد منه بدا، وهو يفتي ببطلانه، وأنه باق على ملك البائع، ولا یمکنه التخلص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قلّ ثمنها أو أكثر، وإن كان ممن شرط الإِيجاب والقبول لفظا، فلابد مع المساومة أن يقرن بها الإِيجاب والقبول لفظا. ١٦ - قال ابن القيم : القول الثاني وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر: جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإِمام أحمد، واختاره شيخنا (يعني ابن تيمية) وسمعته يقول: هو أطيب القلب المشتري من المساومة، يقول لي : أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري، قال: والذين يمنعون ذلك لا یمکنہم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله 450* ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرّمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، وأكثرهم يجوزون عقد الإِجارة بأجرة المثل، كالغسال والخباز والملاح وقيم الحمام والمكاري، فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل، فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصور وغيرها، فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به . (١) بيع الاستنامة انظر : استرسال (١) إعلام الموقعين ٤ / ٥، ٦ - ٤٧ - ... ": : : ٠٠ بيع الأمانة ١ - ٥ بيع الأمانة التعريف : ١ - الأمانة لغة : الاطمئنان، يقال: أمن أمنا وأمانا وأَمَنَةً: إذا اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأَمِن وأمين. وأمُن الرجل وأمِن أيضا: صار أمينا، والمصدر: الأمانة. واستعمل في الأعيان مجازا فقيل : الوديعة مثلا أمانة . وأمن فلانا على كذا: وثق به واطمأن إليه . (١) وفي الاصطلاح: يطلق (بيع الأمانة) على مافيه اطمئنان من قبل البائع، لأنه أمانة في يد المشتري، فبيع الأمانة مبني على الثقة والاطمئنان في التعامل بين الطرفين . أنواع بيع الأمانة : ٢ - بيع الأمانة يطلق على بيع الوفاء، وبيع التلجئة، وبيع المرابحة، والوضيعة، والإِشراك، وبيع المسترسل أو البيع بسعر السوق . (١) المصباح والمعجم الوسيط مادة ((أمن)) - وهذه الأمانة والثقة تارة تكون مطلوبة من قبل المشتري، وتارة تكون مطلوبة من قبل البائع . ٣ - فإن كانت مطلوبة من جانب المشتري، فإنها تتحقق ببيع الوفاء، لأن المشتري أمين على المبيع حتى يرد له الثمن الذي دفعه، ويأخذ البائع مبيعه. أما إذا كانت مطلوبة من جانب البائع - وهو الذي يجب عليه الصدق بثمن مبیعه وشرائه له ۔ فإذا كان البيع بمثل الثمن الذي اشتراه به من غير زيادة ولا نقصان فهو بيع التولية، وإن كان بيع بعض المبيع ببعض الثمن فهو بيع إشراك، وإن كان بالثمن مع زيادة فبيع المرابحة، وإن كان بأقل من الثمن فهو بيع الوضيعة أو الحطيطة . ١ وإن كان البيع بغض النظر عن الثمن الذي اشترى به المبيع، من مساواة أوزيادة أو نقصان، وكان بسعر السوق، فهو بيع المسترسل أو البيع بسعر السوق. ٤ - ويقابل بيع الأمانة بيع المساومة، وهو البيع بالثمن الذي يتراضى عليه العاقدان من غير نظر إلى الثمن الأول الذي اشترى به البائع . بيع الوفاء : ٥ - هو البيع بشرط أن البائع متی رد الثمن يرد المشتري المبيع إليه، لأن المشتري يلزمه الوفاء - ٤٨ - بيع الأمانة ٦ - ٩ بالشرط. وإنما أطلق عليه (بيع الأمانة) عند من سماه كذلك من القائلين بجوازه لأن المبيع بمنزلة الأمانة في يد المشتري، لا يحق له فيه التصرف الناقل للملك إلا لبائعه، ويسميه المالكية ((بيع الثنيا)) والشافعية ((بيع العهدة)) والحنابلة ((بيع الأمانة)). وقد ذهب المالكية والحنابلة، والمتقدمون من الحنفية، والشافعية إلى : أن بيع الوفاء فاسد. وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية إلى جوازه. وذهب بعض الحنفية أيضا إلى أن بيع الوفاء رهن، ويثبت له جميع أحكامه. (١) وللتفصيل انظر مصطلح (بيع الوفاء). بيع المرابحة : ٦ - المرابحة مصدر رابح. تقول: بعته المتاع أو اشتر یته منه مرابحة: إذا سميت لكل قدر من الثمن ربحا . (٢) واصطلاحا : بيع ما ملكه بما قام عليه وبفضل. أوهو: بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به وزيادة ربح معلوم لهما . (١) ابن عابدين ٢٤٦/٤، والبحر الرائق ٨/٦، ومعين الحكام ص١٨٤، والفتاوى الهندية ٢٠٨/٣، ومجلة الأحكام العدلية م(١١٨)، والحطاب ٣٧٣/٤، وبغية المسترشدين ص١٣٣، وكشاف القناع ١٤٩/٣ - ١٥٠ (٢) المصباح المنير . وعند المالكية: أن لفظ المرابحة حقيقة عرفية فيما تقدم، وفي المساواة والوضيعة، إلا أن النوع الغالب في المرابحة الكثيرَ الوقوع هو ماتقدم. وبيع المرابحة من البيوع الجائزة عند الفقهاء، وذهب المالكية إلى أنه خلاف الأولى ، وتركه أحب، لكثرة ما يحتاج البائع فيه إلى البيان. (١) فالأولى عندهم البيع بطريق المساومة . بيع التولية : ٧ - هو نقل جميع المبيع إلى المولى بما قام عليه، بلفظ: وليتك أو نحوه من غير زيادة رح ولا نقصان. وللتفصيل انظر (تولية). بيع الإشراك : ٨ - هو كبيع التولية، إلا أنه بيع بعض المبيع ببعض الثمن . وللتفصيل انظر مصطلح (إشراك، بيع). بيع الوضيعة : ٩ - هو بيع الشيء بنقصان معلوم من الثمن الأول، وهو ضد بيع المرابحة . وللتفصيل انظر مصطلح (وضيعة). (١) ابن عابدين ١٥٢/٤، ١٥٣، وتبيين الحقائق ٤/ ٧٣- ٧٦، والبدائع ٢٢٠/٥ -٢٢٢، والدسوقي ١٥٩/٣، والخطاب ٤/ ٤٩٠، وقليوبي ٢٢١/٢، وكشاف القناع ٣/ ٢٣٠، والمغني ٤ / ١٩٩ . - ٤٩ - بيع الأمانة ١٠ - ١٢ بيع المسترسل : ١٠ - عرفه المالكية بأنه : قول الشخص لغيره بعني كما تبيع الناس، أو بسعر السوق، أو بسعر اليوم، أو بما يقوله فلان، أو أهل الخبرة ونحو ذلك . والمسترسل - كما عرفه الإِمام أحمد - هو الجاهل بقيمة السلعة ولا يحسن الماكسة أو لا یماکس . وبيع المسترسل بهذا التعريف ينعقد باتفاق الفقهاء، واختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فیه . (١) حكم الخيانة في بيوع الأمانة : سبق أن هذه البيوع إنما سميت بيوع الأمانة لأنها مبنية على الثقة والاطمئنان في التعامل بين الطرفين : البائع والمشتري . ١١ - فأما في بيع الوفاء - عند من يجوزه - فإنه يجب على المشتري رد المبيع إلى بائعه بعد تسلم الثمن، ولا يجوز له إمساك المبيع، لأن بيع الوفاء لا يسوغ للمشتري التصرف الناقل للملکیة، ومن ثمّ فلا يجوز بيعه لغیر باتعه ولیس فيه الشفعة، وخراجه على بائعه، ولو هلك (١) القواعد الفقهية ص٢٦٩، ومواهب الجليل ٤ / ٤٧٠، والدسوقي ٥٥/٣، والزرقاني ١٧٥/٥، والمغني ٥٨٤/٣، وابن عابدين ١٥٩/٤، وروضة الطالبين ٤١٩/٣، والمجموع ١١٨/١٢ المبيع في يد المشتري بغير تفريط فلا شيء لواحد منهما على الآخر، لأن يد المشتري على المبيع يد أمانة . وإذا مات البائع انتقل المبيع بالإِرث إلى ورثته. (١) وللتفصيل انظر (بيع الوفاء). ١٢ - وأما بالنسبة لبيوع الأمانة الأخرى فإنه إذا ظهرت الخيانة في المرابحة، فلا يخلو إما أن تكون قد ظهرت في صفة الثمن، أو أنها ظهرت في قدره . فإن ظهرت الخيانة في صفة الثمن، بأن اشترى شيئا بنسيئة ثم باعه مرابحة على الثمن الأول، ولم يبين أنه اشتراه بنسيئة، أو باعه تولية ولم يبين، ثم علم المشتري، فله الخيار بالإجماع، إن شاء أخذه وإن شاء رده، لأن المرابحة عقد بني على الأمانة، لأن المشتري اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثمن الأول، فكانت الأمانة مطلوبة في هذا العقد، فكانت صيانته عن الخيانة مشروطة دلالة، وفواتها يوجب الخيار كفوات السلامة عن العيب. وإن ظهرت الخيانة في قدر الثمن في المرابحة والتولية، بأن قال: اشتريت بعشرة وبعتك بربح دينار على كل عشرة دنانير، أوقال: اشتريت بعشرة ووليتك بما توليت، ثم تبين أنه (١) ابن عابدين ٢٤٧/٤، والفتاوى الهندية ٢٠٩/٣، ومعين الحكام ص١٨٣، وبغية المسترشدين ص١٣٣ - ٥٠ - بيع الأمانة ١٣ - ١٥ کان اشتراه بتسعة، فقد اختلف في حکمه: فذهب الشافعية - في الأظهر - وهو المذهب عند الحنابلة، وقال به أبو يوسف من الحنفية: إلى أنه لا خيار له، ولكن يحط قدر الخيانة فيهما جميعا، وذلك درهم في التولية ودرهم في المرابحة، وحصته من الربح، وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم ويلزم البيع . وقال أبو حنيفة : المشتري بالخيار في المرابحة، إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك، وفي التولية لا خيار له، لكن يحط قدر الخيانة، ويلزم العقد بالثمن الباقي . وذهب المالكية إلى أنه إن حط البائع الزائد المكذوب وربحه لزم البيع، وإن لم يحط لم يلزم المشتري وخير بين الإمساك والرد. وفي القول الثاني للشافعية، وبه قال محمد : له الخيار في المرابحة والتولية جميعا، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده على البائع . ١٣ - وأما المواضعة، فإنها تطبق عليها شروط المرابحة وأحكامها، إذ هي بيع بمثل الثمن الأول مع نقصان معلوم منه . وكذا الإِشراك حكمه حكم التولية، ولكنه تولية بعض المبيع ببعض الثمن. (١) ١٤ - وأما بالنسبة لبيع المسترسل فمن صوره: (١) البدائع ٢٢٥/٥ - ٢٢٦، ٢٢٨، وابن عابدين ١٦٣/٤، والدسوقي ١٦٨/٣، وقليوبي ٢٢٣/٢، وكشاف القناع ٢٣١/٣ أن يقول الرجل للرجل: بعني كما تبيع الناس، فهذا البيع صحيح عند المالكية، ولكن إن غبنه بما يخرج عن العادة فله الخيار. ١٥ - ومن صوره أيضا: أن يبيع شخصا لا يماكس، أو لا يحسن المماكسة، فكأن المشتري استرسل إلى البائع واطمأن إليه، فأخذ ماأعطاه من غير مماكسة، ولا معرفة بغبنه . وبيع المسترسل بهذا التعريف ينعقد باتفاق الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فیه . فذهب الحنفية - في ظاهر الرواية - والشافعية: إلى أنه لا يثبت له الخيار، لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد، ومجرد کونه مغبونا لا یثبت له خیارا، لكنه مكروه عند الشافعية . وذهب الحنفية في القول المفتى به عندهم، والمالكية والحنابلة : إلی ثبوت الخيار له إذا كان الغبن فاحشا. وفسره الحنفية بما لا يدخل تحت تقويم المقومين، لأن ما لم يرد الشرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف، وفسر المالكية والحنابلة الغبن الفاحش بأنه ما زاد على الثلث، لقول النبي ول في الوصية: ((الثلث، والثلث كثير)(١) (١) حديث: ((الثلث، والثلث كثير)). أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٤ ط السلفية). - ٥١ - بيع الأمانة ١٥، البيع الباطل ١ فقد وصف الثلث بأنه كثير، وقيل: السدس، وقيل: ما لا يتغابن به الناس عادة. واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((غبن المسترسل حرام)) (١) ولأنه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار، كالغبن في تلقي الركبان. (٢) (١) حديث: ((غبن المسترسل حرام)). أخرجه الطبراني (١٤٩/٨ ط وزارة الأوقاف العراقية) وقال الهيثمي : فيه موسى بن عمير الأعمى، وهو ضعيف جدا. (مجمع الزوائد ٧٦/٤ ط القدسي) (٢) ابن عابدين ١٥٩/٤، ومقدمات ابن رشد ٦٠٣/٢، ومواهب الجليل ٤/ ٤٧٠، وروضة الطالبين ٤١٩/٣، والمجموع ١١٨/١٢، والمغني ٥٨٤/٣ البيع الباطل التعريف : ١ - البيع لغة من الأضداد مثل الشراء، والأصل في البيع مبادلة مال بمال، وذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنه أطلق على العقد مجازا، لأنه سبب التمليك والتملك. والباطل من بَطَل الشيء: فسد أوسقط حکمه فهو باطل . (١) والبيع اصطلاحا : مبادلة مال بمال. (٢) والبيع الباطل عند الحنفية هو: مالم يشرع لا بأصله ولا بوصفه. (٣) وعند الجمهور - وهم لا يفرقون بين الفاسد والباطل في الجملة - هو مالم يترتب أثره عليه، فلم يثمر ولم تحصل به فائدته من حصول الملك (٤) وهو موافق لما عند الحنفية أيضا. (١) المصباح المنير ولسان العرب مادة: ((بيع - بطل)). (٢) مجلة الأحكام العدلية المادة/ ١٠٥، ونهاية المحتاج ٣٦١/٣، وابن عابدين ٣/٤، ٤، والمغني ٣/ ٥٦٠ وحاشية الدسوقي ٢/٣ . (٣) ابن عابدين ١٠٠/٤، وفتح القدير ٤٢/٦ نشر دار إحياء التراث العربي، والزيلعي ٤/ ٤٣ (٤) منح الجليل ٢/ ٥٥٠، والموافقات للشاطبي ٢٩٢/١ = - ٥٢ - البيع الباطل ٢ - ٥ الألفاظ ذات الصلة : أ - البيع الصحيح : ٢ - هو: ماشرع بأصله ووصفه، ويفيد الحكم بنفسه إذا خلا من الموانع. أو هو: ماترتب عليه أثره من حصول الملك والانتفاع بالمبيع. (١) وعلى ذلك فهو مباين للبيع الباطل . ب - البيع الفاسد : ٣ - الجمهور على عدم التفرقة بين البيع الباطل والبيع الفاسد. أما الحنفية فيجعلون البيع الفاسد مرتبة بين البيع الصحيح والبيع الباطل. ويعرفه الحنفية بأنه: ما شرع بأصله دون وصفه . أوهو : ما ترتب عليه أثره، ولكنه مطلوب التفاسخ شرعا، وهو مباين للباطل كما يقول ابن عابدين، لأن ماكان مشروعا بأصله فقط يباين ماليس بمشروع أصلا. وأيضا حكم الفاسد. أنه يفيد الملك بالقبض، والباطل لا يفيده أصلا، وتباين الحكمين دليل تباينهما . (٢) = وروضة الناظر / ٣١، والقواعد والفوائد الأصولية / ١١٠، وأشباه السيوطي / ٣١٠، ٣١٢ ط عيسى الحلبي. (١) الزيلعي ٤٣/٤، والموافقات للشاطبي ٢٩٢/١، ومنح الجليل ٢/ ٥٥٠، وجمع الجوامع ١٠١/١، وروضة الناظر / ٣١ (٢) ابن عابدين ٢٩٧/٢، ١٠٠/٤، والزيلعي ٤٣/٤، وأشباه ابن نجيم/ ٣٣٧ جـ - البيع المكروه : ٤ - هوما کان مشروعا بأصله ووصفه، لكن نهي عنه لوصف مجاور غير لازم، كالبيع عقب النداء للجمعة، وهذا عند الحنفية والمالكية والشافعية. خلافا للحنابلة، إذ النهي عندهم يقتضي الفساد مطلقا، وهو يتفق مع البيع الصحیح في ترتب أثره علیه، ولکنه مباین له باعتباره منهيا عنه. (١) الحكم التكليفي : ٥ - الإقدام على البيع الباطل مع العلم بالبطلان حرام، ويأثم فاعله، لارتكابه المعصية بمخالفته المشروع، وعدم امتثاله لما نهى الشارع عنه، لأن البيع الباطل لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه. (٢) هذا مع استثناء حالة الضرورة، كالمضطر يشتري الطعام بزيادة على ثمن المثل، وكالعقد (٣) الذي يختبر به رشد الصبي (١) ابن عابدين ١/ ١١٧، ونهاية المحتاج ٣/ ٤٣٠، ومنتهى الإرادات ٢/ ١٥٤، ١٥٥ (٢) كشف الإِسرار ٢٥٧/١ - ٢٦١، وابن عابدين ٥/٤، ٩٩، ١٠٠، وبدائع الصنائع ٣٠٥/٥، والموافقات للشاطبي ٣٣٣/٢ - ٣٣٧، والدسوقي ٥٤/٣، ونهاية المحتاج ٤٢٩/٣، والمغني ٢٢٩/٤ - ٢٥٢، والتبصرة بهامش فتح العلي ١٩٩/١ ومابعدها نشر دار المعرفة ببيروت. (٣) المنشور في القواعد ١/ ٣٥٤، ٣٥٥، وابن عابدين ٥/٤ ومنتهى الإرادات ١٥٥/٢ - ٥٣ - : : : : البيع الباطل ٦ فقد قيل : يشتري الولي شیئا ثم يدفعه إلى آخر، ثم يأمر الطفل بشرائه منه، وهذا بالنسبة للبيع المتفق على بطلانه، كبيع المجنون والصبي الذي لا يميز، وكبيع الميتة والدم والملاقيح والمضامين. أما البيع المختلف في بطلانه بين المذاهب بأن كان باطلا في مذهب وغير باطل في مذهب آخر، كبيع الفضولي، وبيع المعاطاة، وبيع الكلب المأذون في اتخاذه، فإن المقْدِم عليه إن كان مجتهدا قد بلغ رتبة الاجتهاد فلا يعتبر البيع باطلا في حقه، ولا إثم عليه، لأنه تحری قصد الشارع ببذل الجهد، حتى وصل إلى دليل یرشده، بحيث لو ظهر له خلاف مارآه بدلیل أقوى لرجع إليه، والمخطىء في اجتهاده لا یعاقب، بل يكون معذورا ومأجورا. (١) إلا أنه يستحب الخروج من الخلاف، بمعنى أن من يعتقد جواز الشيء، فإنه يستحب له ترکه إن کان غيره يعتقده حراما . (٢) والمقلد كذلك يأخذ حكم المجتهد في سقوط الإِثم عنه، مادام مقلدا لإِمامه تقليدا سائغا. والعامي ينبغي له أن يستفتي من غلب على (١) التلويح على التوضيح ١١٨/٢ -١٢١، وفتح العلي المالك ٦٠/١٠، والموافقات للشاطبي ٤/ ٢٢٠، والمنثور في القواعد ٢/ ١٤٠ (٢) المنثور في القواعد ٢/ ١٢٧، ١٢٨ ظنه أنه من أهل العلم والدين والورع، وإن اختلف عليه العلماء أخذ بقول أعلمهم وأورعهم وأغلبهم صوابا في قلبه، ولا يتخير ما يميل إليه هواه، لأن ذلك يؤدي إلى تتبع المذاهب من غير استناد إلى دليل، وقال قوم : لا يجب ذلك عليه، لأن الكل طرق إلی الله.(١) أسباب بطلان البيع : ٦ - يرى جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) أنه لا فرق بين البيع الفاسد والبيع الباطل، فهما مترادفان، لأن كلا من البيع الفاسد والباطل وقع على خلاف ماطلبه الشارع، ولذلك لم يعتبره، ولم يرتب عليه الأثر الذي رتبه على البيع الصحيح من حصول الملك وحل الانتفاع . وأسباب فساد البيع هي أسباب بطلانه، وهي ترجع إلى الخلل الواقع في ركن من أركان العقد، أو في شرط من شرائط الصحة، أولورود النهي عن الوصف الملازم للفعل، أو عن (١) الذخيرة/ ١٣٩ - ١٤١ نشر وزارة الأوقاف بالكويت، وفتح العلي المالك ١/ ٦٠ - ٦٥، والتقرير والتحبير في شرح التحرير ٣٤٩/٣ ط بولاق، وإرشاد الفحول/ ٢٧١، والموافقات للشاطبي ٤/ ١٣٣، ١٤٠، ١٤٧ - ٥٤ - البيع االباطل ٦ الوصف المجاور عند الحنابلة . (١) واستدل الجمهور على ذلك بما يأتي : أ -- البيع الباطل أو الفاسد منهي عنه شرعا، والمنهي عنه يكون حراما، والحرام لا يصلح سببا لترتب الأثر عليه، لأن النهي عن التصرف إنما هو لبیان أن ذلك التصرف قد خرج عن اعتباره وشرعيته . ب - قال النبي وَثير: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهوردّ))(٢) والبيع المنهي عنه وقع على غير ما أمر به الشارع، فيكون مردودا، فكأنه لم یوجد . جـ - أجمع سلف الأمة على الاستدلال بالنهي. على الفساد، (٣) ففهموا فساد الربا من قوله تعالى: ﴿وذروا مابَقِيَ من الرِّبا﴾ (٤) وقوله وَل : (١) حاشية الدسوقي ٥٤/٣، والقوانين الفقهية لابن جزي/ ١٧٠، ونهاية المحتاج ٤٢٩/٣، وأشباه السيوطي / ٣١٢ ط عيسى الحلبي، وروضة الناظر / ١١٣، والمغني ٤/ ٢٢٩ ومابعدها، وشرح منتهى الإِرادات ١٥٤/٢، ١٥٦، ١٥٧، والبدائع ٢٩٩/٥، ٠،٣٠٠ وبداية المجتهد ١٢٥/٢ - ١٦٧ - ١٦٩. (٢) حديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهورد)) أخرجه البخاري (الفتح ٣١/٥ ط السلفية)، ومسلم (١٣٤٢/٣ ط الحلبي). (٣) ينظر كتاب تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، لصلاح الدين بن کیکلدي العلائي، رسالة دكتوراه، تحقيق د. محمد ابراهيم السلقيني. من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق. (٤) سورة البقرة/ ٢٧٨ ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل))(١) و((نهى وَثّل عن بيع وشرط)). (٢) هذا عند الجمهور : أما الحنفية فإن سبب بطلان البيع عندهم يرجع إلى اختلال ركن البيع أو شرط من شرائط الانعقاد، فإذا تخلف الركن أو شرط من شرائط الانعقاد كان البيع باطلا ولا وجود له، لأنه لا وجود للتصرف إلا من الأهل في المحل حقيقة، ويكون العقد فائت المعنى من كل وجه، إما لانعدام معنى التصرف كبيع الميتة والدم، أولانعدام أهلية التصرف كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل. أما اختلال شرط من شرائط الصحة فلا يجعل البيع باطلا، کما هوعند الجمهور، بل یکون فاسدا . (١) حديث: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٣٧٩ ط السلفية)، ومسلم (١٢٠٨/٣ ط الحلبي). (٢) جمع الجوامع ١/ ١٠٥، وروضة الناظر/ ١١٣، والمستصفى للغزالي ٢٦/٢، ٢٧، وحاشية الدسوقي ٥٤/٣، وبداية المجتهد ١٦٧/٢ - ١٦٩، والفروق للقرافي ٢/ ٨٤،٨٢، ونهاية المحتاج ٣/ ٤٢٩، والمنثور في . القواعد ٧/٣، ٣١٣، والمغني ٢٢٩/٤ - ٢٥٨، ومنتهى الإِرادات ١٥٤/٢ - ١٥٧. وحديث: ((نهى عن بيع وشرط ... )). أخرجه الطبراني في الأوسط كما في نصب الراية، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعيف (نصب الراية ١٨/٤ - ط المجلس العلمي) - ٥٥ - البيع الباطل ٧ -٨ واستدل الحنفية على ذلك بأن البيع الفاسد مشروع فيفيد الملك في الجملة، والدليل على أنه مشروع بأصله: النصوص العامة المطلقة في باب البيع من نحو قوله تعالى: ﴿وأحلَّ الله البيعَ﴾(١) ونحو ذلك مما ورد من النصوص العامة في هذا الباب. (٢) ويلحظ هنا أن بعض الشافعية يسايرون المذهب الحنفي في التفريق بين البيع الباطل والبيع الفاسد، رغم أن القواعد العامة عندهم تخالف ذلك . جاء في أسنى المطالب: فرق الأصحاب بین الباطل والفاسد، فقالوا: إن رجع الخلل إلى رکن العقد کبیع الصبي فهو باطل، وإن رجع إلى شرطه أو صفته فهو فاسد. (٣) ٧ - بعد هذا التفريق بين مذهب الحنفية والجمهور، هناك من البيوع الباطلة ماهو متفق على بطلانها بين المذاهب الأربعة، كالبيع الذي حدث خلل في ركنه، أو في شرط من شرائط انعقاده، كبيع الميتة والدم والملاقيح والمضامين فهذه متفق على بطلانها . وهناك من البيوع ماهو مختلف في بطلانه بین (١) سورة البقرة/ ٢٧٥ (٢) البدائع ٥/ ٢٩٩، ٣٠٠، والزيلعي ٦٣/٤، والتلويح على التوضيح ١٢٣/٢، وجمع الجوامع ١٠٥/١ - ١٠٧ (٣) أسنى المطالب شرح روض الطالب مع حاشية الرملي ١٧١/٢ المذاهب، وهو مارجع الخلل فيها لغير ماسبق. فبيع الفضولي مثلا صحيح، ولكنه موقوف على الإِجازة عند الحنفية والمالكية، وهو باطل في الأصح عند الشافعية والحنابلة. والبيع عند النداء يوم الجمعة باطل عند الحنابلة. ومثل ذلك يقال في بيع المعاطاة، وبيع الكلب المأذون في اتخاذه، وبيع النجش، وهكذا. ويرجع سبب الاختلاف في الحكم على مثل هذه البيوع بالبطلان أو عدمه إلى الاختلاف في الدلیل . (١) ما يتعلق بالبيع الباطل من أحكام : ٨ - البيع الباطل لا يترتب عليه أثر، لأنه لا وجود له إلا من حيث الصورة، وهو منقوض من أساسه، ولا يحتاج لحكم حاكم لنقضه. (٢) ولا تلحقه الإِجازة لأنه معدوم، والإِجازة لا تلحق المعدوم . وهذا باتفاق الفقهاء في البيع المجمع على بطلانه، وأما البيع المختلف فيه كبيع الفضولي، فإنه إذا حكم حاكم بصحته صح العقد قضاء، (١) الفروق للقرافي ٨٢/٢، ٨٣، والفرق: ٧٠، ومنح الجليل ٢/ ٥٥٠، وبداية المجتهد ١٩٣/٢ وينظر ص ١٦٧ (٢) البدائع ٥/ ٣٠٥، وابن عابدين ١٠٥/٤، وحاشية الدسوقي ٥٤/٣، ومنتهى الإِراذات ٢/ ١٩٠ . - ٥٦ - البيع الباطل ٩ - ١١ حتى عند من يقول ببطلانه وهم الشافعية، والحنابلة في الأصح عندهم، لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف. ومقابل الأصح عندهم: أنه تلحقه الإِجازة . (١) وإذا وقع البیع الباطل، فإن وجوده من حیث الصورة يتعلق به بعض الأحكام. وبيان ذلك فيما يلي : أ - التراد : ٩ - إذا وقع البيع الباطل وحدث فيه تسليم شيء من أحد الطرفين وجب رده، لأن البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، ويجب على كل من الطرفين رد ماأخذه إن كان باقيا، وهذا باتفاق. (٢) يقول ابن رشد : اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت، حكمها الرد، أي أن يرد البائع الثمن، ويرد المشتري المثمون (٣) ورد المبيع يكون مع نمائه المتصل والمنفصل (١) ابن عابدين ٤/ ٧، ومنح الجليل ٢/ ٥٧٢، وكشاف القناع ١٥٧/٣، ونهاية المحتاج ٣٨٩/٣، ٣٩٠، وقليوبي وعميرة ٢ / ١٦٠، وحاشية الدسوقي ٣/ ٧١ (٢) البدائع ٣٠٥/٥، وابن عابدين ٤ /١٠٥، والدسوقي ٧١/٣، والقوانين الفقهية ص١٧٢، ١٧٣، ونهاية المحتاج ٣٦٤/٣، ٤٣٥، وكشاف القناع ٣/ ١٥٠، والمغني ٤/ ٢٥٢، ٢٥٣ (٣) بداية المجتهد ١٩٣/٢ ط عيسى الحلبي. وأجرة مثله مدة بقائه في يده، وإن نقص ضمن نقصه، لأنه مضمون عليه، فأجزاؤها تكون مضمونة أيضا . صرح بهذا الشافعية والحنابلة، وهو ماتفيده قواعد المذهب الحنفي . أما عند المالكية فإن تغير الذات بزيادة أو نقص يعتبر فوتا ينتقل الحق فيه إلى الضمان(١) ب - التصرف في المبيع : ١٠ - إذا تصرف المشتري في المبيع بيعا باطلا ببيع أوهبة أو غير ذلك فلا ينفذ تصرفه، لأنه لم يملكه، فيكون قد تصرف في ملك غيره بدون إذنه، وتكون تصرفاته کتصرفات الغاصب، ولذلك فإن هذا التصرف لا يمنع الرد لعدم نفوذه، وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة . أما عند المالكية فإن التصرف في المبيع يعتبر مفوتا، وينتقل الحق فيه إلى الضمان. (٢) جـ - الضمان : ١١ - إذا تلف المبيع في يد المشتري، فالصحيح سـ (١) روضة الطالبين ٤٠٨/٣، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٨٤/٣، والمغني ٤/ ٢٥٣، والقوانين الفقهية/ ١٧٢، وبداية المجتهد ١٩٣/٢ (٢) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ١٣٣/٢، والدسوقي ٧١/٣، ٧٤، وحاشية الجمل على المنهج ٣/ ٨٤، ٨٥، والمغني ٤/ ٢٥٥ - ٥٧ - البيع الباطل ١١ - ١٢ عند الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة : أنه يلزمه ضمانه بالمثل في المثلي والقيمة في المتقوَّم . والقيمة عند الشافعية تقدر بأقصى القيم في المتقوم من وقت القبض إلى وقت التلف، وفي وجه تعتبر قيمته يوم التلف، وفي وجه يوم القبض. وعند الحنابلة تعتبر القيمة يوم تلف ببلد قبضه فيه، قاله القاضي ، ونص أحمد عليه في الغصب، ولأنه قبضه بإذن مالكه فأشبه العارية، وذكر الخرقي في الغصب: أنه يلزمه قیمته أكثر ماكانت، فيخرج ههنا كذلك، وهو أولى، لأن العين كانت على ملك صاحبها في حال زیادتها، وعلیه ضمان نقصها مع زیادتها، فكذلك في حال تلفها . وللمالکية تفصيل في ذلك، يقولون : إن فات المبيع بيد المشتري مضی المختلف فيه ۔ ولو کان الخلاف خارج المذهب المالكي - بالثمن الذي وقع به البيع، وإن لم يكن مختلفا فيه - بل متفقا علی فساده - ضمن المشتري قیمته إن كان مقوما حين القبض، وضمن مثل المثلي إذا بيع کیلا أووزنا، وعلم كيله أووزنه، ولم يتعذر وجوده، وإلا ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرد .(١) (١) ابن عابدين ١٠٥/٤، والبدائع ٣٠٥/٥، والدسوقي ٧١/٣، ومنح الجليل ٢/ ٥٧٧، ٥٧٨، وروضة = وللحنفية رأي آخر، وهو: أن المبيع يكون أمانة عند المشتري، لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط في الحفظ، لأنه مال قبضه بإذن صاحبه في عقد وجد صورة لا معنى، فالتحق بالعدم وبقي إذنه بالقبض. (١) د - تجزؤ البيع الباطل : ١٢ - المراد بتجزؤ البيع الباطل: أن يشتمل البيع على ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة، فیکون في شق منه صحيحا وفي الشق الآخر باطلا، ومن القواعد الفقهية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام. وأدخل الفقهاء تحت هذه القاعدة مايسمى بتفريق الصفقة، وهو الجمع بين ما يجوز وما لا يجوز في عقد واحد . وعقد البیع إذا کان في شق منه صحيحا، وفي الشق الآخر باطلا، كالجمع بين العصير والخمر، أو بين المذكاة والميتة، وبيع ذلك صفقة واحدة، فالصفقة كلها باطلة، وهذا عند الحنفية والمالكية - عدا ابن القصار منهم - وهو أحد قولي الشافعية (وادعى الأسنوي في كتاب المهمات أنه الطبالبين ٤٠٨/٣، وحاشية الجمل على المنهج ٣/ ٨٤، = وأشباه السيوطي ص٣٧٣، وكشاف القناع ١٩٧/٣، ١٩٨، والمغني ٤/ ٢٥٣ (١) البدائع ٥/ ٣٠٥، وابن عابدين ١٠٥/٤، ودرر الحكام المادة (٣٧٠) ٣٣٤/١ - ٥٨ - البيع الباطل ١٢ - ١٣ المذهب) وهو رواية عن الإِمام أحمد، وذلك لأنه متى بطل العقد في البعض بطل في الكل، لأن الصفقة غير متجزئة، أو لتغليب الحرام على الحلال عند اجتماعها، أو لجهالة الثمن . ٠٠١٠٠ والقول الأظهر للشافعية، والرواية الثانية عن الإِمام أحمد، وهو قول ابن القصار من المالكية : أنه يجوز تجزئة الصفقة، فيصح البيع فيما يجوز، . ويبطل فيما لا يجوز، لأن الإِبطال في الكل لبطلان أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكل لصحة أحدهما، فیبقیان علی حکمهما، ويصح فيما يجوز، ويبطل فيما لا يجوز. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: إن عيَّنَّ ابتداء لكل شق حصته من الثمن، فعند ذلك تعتبر الصفقة صفقتين مستقلتين تجوز فيهما التجزئة، فتصح واحدة وتبطل الأخرى. وهذه إحدى صور تفريق الصفقة . والصورة الثانية : أن يكون العقد في شق منه صحيحا، وفي الشق الآخر موقوفا، كالجمع بين داره ودار غيره، وبيعهما صفقة واحدة، فإن البيع يصح فيهما، ويلزم في ملكه، ويوقف اللزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا عند المالكية والحنفية عدا زفر، وهو مبني عند الحنفية على قاعدة عدم جواز البيع بالحصة ابتداء، وجواز ذلك بقاء . وعند زفر: يبطل الجميع، لأن العقد وقع على المجموع، والمجموع لا يتجزأ. وعند الشافعية والحنابلة: يجرى الخلاف السابق في الصورة الأولى، لأن العقد الموقوف عندهم باطل في الأصل. والصورة الثالثة ذكرها ابن قدامة، وهي : أن یبیع معلوما ومجهولا ، كقوله: بعتك هذه الفرس ومافي بطن هذه الفرس الأخرى بألف، فهذا البيع باطل بكل حال. قال ابن قدامة: ولا أعلم في بطلانه خلافا. (١) هـ - تصحيح البيع الباطل : ١٣ - تصحيح البيع الباطل يمكن تصويره بصورتين . الأولى : إذا ارتفع مايبطل العقد، فهل ينقلب البيع صحيحا؟ الثانية : إذا كانت صيغة البيع الباطل تؤدي إلى معنى عقد آخر صحيح، فهل يتحول البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح؟ وبيان ذلك فيما يلي : أما الصورة الأولى : فإن الحنفية يفرقون بين البيع الباطل والبيع الفاسد، فيصح عندهم في (١) الأشباه لابن نجيم ١١٣، ١١٤، والبدائع ١٤٥/٥، وابن عابدين ١٠٤/٤، والاختيار ٢٣/٢، وجواهر الإكليل ٦/٢، والقوانين الفقهية ص١٧٢، والدسوقي ٢٦٦/٢، والأشباه للسيوطي ص ١٢٠ - ١٢٢، والمنثور في القواعد ٣٨٢/١، ونهاية المحتاج ٤٦١/٣، وروضة الطالبين ٣/ ٤٢٠، والمغني ٤/ ٢٦١، ٢٦٢ - ٥٩ - ١٠٠ البيع الباطل ١٤ الجملة تصحيح البيع الفاسد بارتفاع المفسِد دون الباطل، ويعللون ذلك بأن ارتفاع المفسد في الفاسد يرده صحيحا، لأن البيع قائم مع الفساد، ومع البطلان لم يكن قائما بصفة البطلان، بل معدوما. وعلى ذلك لا يجوز بيع الدقيق في الحنطة، والزيت في الزیتون، واللبن في الضرع، والبزر في البطيخ، والنوى في التمر، لأنه معدوم حتى لوسلم البائع للمشتري اللبن، أو الدقيق، أو العصير، لا ينقلب صحيحا، لأن المعقود عليه معدوم حالة العقد، ولا يتصور انعقاد العقد بدونه، فلم ينعقد أصلا، فلا يحتمل النفاذ. (١) ١٤ - أما الجمهور (وهم لا يفرقون بين البيع الفاسد والباطل) فالحكم عندهم أن البيع الباطل لا ينقلب صحيحا برفع المفسِد. ففي كتب الشافعية : لوحذف العاقدان المفسد للعقد، ولو في مجلس الخيار، لم ينقلب العقد صحيحا، إذ لا عبرة بالفاسد. (٢) وفي المغني لابن قدامة : لوباعه بشرط أن يسلفه أويقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه، (١) ابن عابدين ١٠٨/٤، ١١٣، والزيلعي ٤/ ٤٧ - ٥٠ وفتح القدير ٥٢/٦ نشر دار إحياء التراث، والبدائع ١٣٩/٥ (٢) نهاية المحتاج ٤٣٤/٣، ٤٣٥، وروضة الطالبين ٤١٠/٣، ومغني المحتاج ٢/ ٤٠، وحاشية الجمل ٨٤/٣، ٨٥ فهو محرم، والبيع باطل، لما روى عبدالله بن عمرورضي الله عنهما أن النبي وَّ قال: (( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ماليس عندك)). (١) ولأنه اشترط عقدا فى عقد ففسد، كبيعتين في بیعة، ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله، فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن. القرض وربحا له، وذلك ربا محرم، ففسد کما لو صرح به، ولأنه بیع فاسد فلا يعود صحيحا، كما لوباع درهما بدرهمين ثم ترك أحدهما. (٢) وفي شرح منتهى الإِرادات: من باع بشرط ضمان درکه إلا من زید لم يصح بیعه له، لأن استثناء زید من ضمان درکه يدل على حق له في المبيع، لأنه لم يأذن له في بیعه فیکون باطلا، ثم إن ضمن درکه منه أيضا لم يعد البيع صحيحا، لأن الفاسد لا ينقلب صحيحا. (٣) والأصل عند المالكية أن کل شرط یناقض مقتضى العقد كبيع الثنيا (بيع الوفاء) - وهو أن (١) حديث: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح مالم يضمن، ولا بيع ماليس عندك)». أخرجه أبوداود (٧٦٩/٣ ط عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٥٣٥/٣ ط الحلبي)، والحاكم (١٧/٢ ط المعارف العثمانية) وصححه . (٢) المغني ٤/ ٢٥٩، ٢٦٠ ط الرياض. (٣) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٥٠ - ٦٠ -