Indexed OCR Text

Pages 241-260

بيت الزوجية ١٠
يملك الزوج فسخها، ولا منعها من الرضاع
حتى تنقضي المدة، لأن منافعها ملكت بعقد
سابق على نكاح الزوج مع علمه بذلك.
وصرح الشافعية بأن للمرأة أن تخرج من
بيت الزوجية إن كانت تخاف على نفسها أو مالها
من فاسق أوسارق، أو أخرجها معير المنزل، كما
صرح الشافعية بأن لها الخروج والسفر بإِذن
الزوج مطلقا مع محرم. (١)
وصرح الحنفية(٢) والشافعية(٣) أنه يجوز
للمرأة الخروج من بيت الزوجية ولوبغير إذن
الزوج، إن كانت في منزل أضحى كله أوبعضه
يشرف على الانهدام، مع وجود قرينة على
ذلك. ولها الخروج إلى مجلس العلم برضا
الزوج، وليس لها ذلك بغير رضاه .
مايترتب على رفض الزوجة الإقامة
في بيت الزوجية :
١٠ - يرى الفقهاء أن المرأة إذا امتنعت عن
الإقامة في بيت الزوجية بغير حق، سواء أكان
بعد خروجها منه، أم امتنعت عن أن تجىء إليه
(١) نهاية المحتاج ١٩٦/٧
(٢) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٢١٢/٤، ٢١٣
(٣) نهاية المحتاج ١٩٦/٧
ابتداء بعد إیفائها معجل مهرها، وطلب زوجها
الإقامة فيه، فلا نفقة لها ولا سكنى حتى تعود
إلیه، لأنها بالامتناع قد فوتت حق الزوج في
الاحتباس الموجب للنفقة، فتكون ناشزا.(١)
(١) رد المحتار على الدر المختار ٦٤٦/٢، ٦٤٧، والبحر
الرائق ١٩٥/٤، وشرح فتح القدير ١٩٦، وبدائع
الصنائع ١٩/٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٥١٤/٢، وشرح الزرقاني ٢٥١/٤، ومواهب الجليل
١١٨/٤، ونهاية المحتاج ١٩٦/٧، ومنهاج الطالبين مع
حاشية قليوبي ٧٨/٤، وروضة الطالبين للنووي ٥٨/٩،
٥٩، ومطالب أولي النهى ٥/ ٦٣٢، وكشاف القناع
٤٦٧/٥، ٤٧١، والمغني لابن قدامة ٧/ ٦١١، ٦١٢
- ٢٤١ -

بیت المال ١ - ٢
بیت المال
التعريف :
١ - بيت المال لغة: هو المكان المعد لحفظ المال،
خاصا كان أو عاما.
وأما في الاصطلاح: فقد استعمل لفظ ((بيت
مال المسلمين)) أو ((بيت مال الله)) في صدر
الإِسلام للدلالة على المبنى والمكان الذي تحفظ
فيه الأموال العامة للدولة الإِسلامية من
المنقولات، كالفيء وخمس الغنائم ونحوها، إلى
أن تصرف في وجوهها. (١) ثم اكتفي بكلمة
(بيت المال)) للدلالة على ذلك، حتى أصبح
عند الإِطلاق ینصرف إليه.
وتطور لفظ ((بيت المال)) في العصور
الإِسلامية اللاحقة إلى أن أصبح يطلق على
الجهة التي تملك المال العام للمسلمين، من
النقود والعروض والأراضي الإِسلامية وغيرها.
(١) كلام القاضي أبي يوسف في الخراج (ص ١٤٤) يدل على
أن الأراضي الأميرية لعهده لم تكن تعتبر من أموال بيت
المال، وأما لعهد ابن عابدين فإِن كلامه وكلام متأخري
الحنفية صريح في أنها من أموال بيت المال. وانظر مصطلح
(أرض الحوز) ومصطلح (إرصاد).
والمال العام هنا: هو كل مال ثبتت عليه اليد
في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم
جميعا. قال القاضي الماوردي والقاضي
أبو يعلى: كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين
مالکه منهم، فهو من حقوق بیت المال. ثم
قال: وبيت المال عبارة عن الجهة لا عن
المكان . (١)
أما خزائن الأموال الخاصة للخليفة أو غيره
فكانت تسمى ((بيت مال الخاصة)).
٢ - وينبغي عدم الخلط بين (ديوان بيت المال)
و(بيت المال) فإن ديوان بيت المال هو الإِدارة
الخاصة بتسجيل الدخل والخرج والأموال
العامة. وهو عند الماوردي وأبي يعلى : أحد
دواوين الدولة، فقد كانت في عهدهما أربعة
دواوین: دیوان یختص بالجیش. ودیوان یيختص
بالأعمال، ودیوان یختص بالعمال، ودیوان يختص
ببيت المال. (٢) وليس للديوان سلطة التصرف في
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٥ مصطفى الحلبي،
١٣٥٧ هـ، والأحكام السلطانية للقاضي أبي الحسن
الماوردي ص ٢١٣ ط مصطفى الحلبي.
وفي هذا إشارة إلى أن بيت المال له شخصية اعتبارية،
ويعامل معاملة الشخص الطبيعي من خلال ممثلیه، فله ذمة
مالیة بحیث تثبت الحقوق له وعليه، وترفع الدعوى منه
وعليه. وكان يمثله سابقا إمام المسلمين أو من يعهد إليه
بذلك، وحاليا يمثله وزير المالية أو من يعهد إليه .
(٢) الماوردي ص ٢٠٣، وأبویعلی ص ٢٢٤
- ٢٤٢ -

بيت المال ٢ - ٣
أموال بيت المال، وإنما عمله قاصر على
التسجيل فقط.
والديوان في الأصل بمعنى (السجل) أو
(الدفتر) وکان في أول الإِسلام عبارة عن الدفتر
الذي تثبت فيه أسماء المرتزقة(١) (من لهم رزق في
بیت المال) ثم تنوع بعد ذلك، کما سبق.
ومن واجبات كاتب الديوان أن يحفظ قوانين
بيت المال على الرسوم العادلة، من غير زيادة
تتحیف بها الرعية، أو نقصان ینتلم به حق بیت
المال. (٢)
وعليه فيما يختص ببيت المال أن يحفظ قوانينه
ورسومه، وقد حصر القاضيان الماوردي
وأبويعلى أعماله في ستة أمور، نذكرها
باختصار:
أ - تحديد العمل بها يتميز به عن غيره،
وتفصيل نواحيه التي تختلف أحكامها.
ب - أن يذكر حال البلد، هل فتحت عنوة أو
صلحا، وما استقر عليه حكم أرضها من عشر أو
خراج بالتفصيل .
جـ - أن يذكر أحكام خراج البلد وما استقر
على أراضيه، هل هو خراج مقاسمة، أم خراج
وظيفة (دراهم معلومة موظفة على الأرض).
(١) حاشية القليوبي على شرح المحلي لمنهاج النووي.
١٩٠/٣ ط عيسى الحلبي.
(٢) أبو يعلى ص ٢٣٧
د - أن يذكر مافي كل ناحية من أهل الذمة،
وما استقر عليهم في عقد الجزية .
هـ- إن كان البلد من بلدان المعادن، يذكر
أجناس معادنه، وعدد كل جنس، ليعلم ما
يؤخذ مما ینال منه .
و- إن كان البلد يتاخم دار الحرب، وكانت
أموالهم إذا دخلت دار الإِسلام تعشر عن صلح
استقرمعهم، أثبت في الديوان عقد صلحهم
وقدر المأخوذ منهم. (١)
نشأة بيت المال في الإِسلام:
٣ - تشير بعض المصادر إلى أن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه كان أول من اتخذ بيت المال. نقل
ذلك ابن الأثير. (٢)
غير أن كثيرا من المصادر تذكر أن أبا بكر
رضي الله عنه كان قد اتخذ بيت مال
للمسلمين .
ففي الاستيعاب لابن عبدالبر وتهذيب
التهذيب لابن حجر في ترجمة معیقیب بن أبي
فاطمة: استعمله أبوبكر وعمر على بيت
(١) الماوردي ص ٢٠٧، وأبویعلی ٢٢٨ - ٢٢٩
(٢) الكامل لابن الأثير ٢/ ٢٩٠، دار الطباعة المنيرية، ومقدمة
ابن خلدون باب دیوان الأعمال والجبابات ص ٢٤٤ ط
القاهرة .
- ٢٤٣ -

بیت المال ٣ - ٥
المال. (١) بل ذكر ابن الأثير في موضع آخر: أن
أبابكر رضي الله عنه ((كان له بيت مال بالسنح
(من ضواحي المدينة) وكان يسكنه إلى أن انتقل
إلى المدينة. فقيل له: ألا نجعل عليه من
يحرسه؟ قال: لا . فكان ينفق مافيه على
المسلمين، فلا يبقى فيه شيء، فلما انتقل إلى
المدينة جعل بيت المال في داره. ولما توفي أبوبكر
جمع عمر الأمناء، وفتح بيت المال، فلم يجدوا.
فيه غير دينار سقط من غرارة، فترحموا
علیه))(٢).
وقال: وأمر أبوبكر أن يرد جميع ما أخذ من
بيت المال لنفقته بعد وفاته(٣)
وفي کتاب الخراج لأبي يوسف أن خالد بن
الوليد - في عهده لأهل الحيرة زمن أبي بكر
رضي الله عنه - كتب لهم: وجعلت لهم أيما شيخ
ضعف عن العمل، أو أصابته آفة، أو كان غنيا
فافتقر وصار أهل دینه یتصدقون علیه، طرحت
جزیته، وعیل من بيت مال المسلمين وعیالُه ما
أقام بدار الهجرة ودار الإِسلام .... وشرطت
علیهم جباية ما صالحتهم علیه، حتى يؤدوه
إلى بيت مال المسلمين عما لهم منهم. (٤)
(١) الاستيعاب بهامش الإصابة. ٣/ ٤٥٥، المكتبة التجارية
١٣٥٨ هـ
(٢) الكامل ٢/ ٢٩٠
(٣) الكامل ٢٩١/٢
(٤) كتاب الخراج ص ١٤٤، ١٤٥، المطبعة السلفية ومكتبتها
١٣٨٢ هـ
٤ - أما النبي ح فلا تذكر كتب السنة وغيرها
من المراجع - فيما اطلعنا عليه - استعمال هذه
التسمية ((بيت المال)) في عهده بين. ولكن يظهر
من كثير من الأحاديث الواردة أن بعض وظائف
بيت المال كانت قائمة، فإِن الأموال العامة من
الفيء، وأخماس الغنائم، وأموال الصدقات،
وما يهيأ للجيش من السلاح والعتاد ونحوذلك،
كل ذلك كان يضبطه الكتاب وكان يخزن إلى أن
يحين موعد إخراجه. (١)
أما فيما بعد عهد عمر رضي الله عنه فقد
استمر بيت المال يؤدي دوره طيلة العهود
الإِسلامية إلى أن جاءت النظم المعاصرة،
فاقتصر دوره في الوقت الحاضر- في بعض البلاد
الإِسلامية - على حفظ الأموال الضائعة ومال
من لا وارث له. وقام بدوره في غير ذلك وزارات
المالية والخزانة .
سلطة التصرف في أموال بيت المال:
٥ - سلطة التصرف في بيت مال المسلمين
للخلیفة وحده أو من ينيبه. (٢) وذلك لأن الإِمام
نائب عن المسلمين فيما لم يتعين المتصرف فيه
منهم. وكل من يتصرف في شيء من حقوق
(١) مسند أحمد ٤٥٩/١، والخراج لأبي يوسف ص ٣٦،
والتراتيب الإدارية ٣٩٨/١، ٤١١، ٤١٢
(٢) جواهر الإكليل ٢٦٠/١
- ٢٤٤ -

بيت المال ٥ - ٦
بيت المال فلابد أن يستمد سلطته في ذلك من
سلطة الإمام . ويجب - وهو ما جرت عليه العادة
- أن يولي الخليفة على بيت المال رجلا من أهل
الأمانة والقدرة. وكان المتصرف في بيت المال
بإِنابة الخليفة يسمى ((صاحب بيت المال)) وإنما
يتصرف فيه طبقا لما يحدده الخليفة من طرق
الصرف .
وکون الحق في التصرف في أموال بيت المال
للخليفة ليس معناه أن يتصرف فيها طبقا لما
یشتھي، کما یتصرف في ماله الخاص، فإن كان
يفعل ذلك قیل: إن بيت المال قد فسد، أو
أصبح غير منتظم، ويستتبع ذلك أحكاما
خاصة يأتي بيانها، بل ينبغي أن يكون تصرفه
في تلك الأموال كتصرف ولي اليتيم في مال
الیتیم، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة ولي
اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت
أكلت بالمعروف، فإِذا أيسرت قضيت.(١)
ويعني ذلك أن يتصرف في المال بالذي یری أنه
خیر للمسلمین وأصلح لأمرهم، دون التصرف
بالتشهي والهوى والأثرة. (٢)
وبين القاضي أبويعلى أن مايلزم الإِمام من
أمور الأمة عشرة أشياء، منها: جباية الفيء
(١) الخراج لأبي يوسف ص ١١٧ - ط السلفية.
(٢) الخراج لأبي يوسف ص ٦٠
والصدقات على ما أوجبه الشرع، ومنها تقدير
العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف
ولا تقصير، ودفعه في وقت لا تقدیم فيه ولا
تأخير، (١) وله أن يعطي الجوائز من بيت المال لمن
كان فيه نفع ظاهر للمسلمين، وقوة على
العدو، ونحو ذلك مما فيه المصلحة.
وقد كانت العادة في صدر الدولة الإِسلامية
أن العامل (أي الوالي) على بلد أو إقليم، ينوب
عن الإِمام بتفويض منه في الجباية لبيت المال
والإنفاق منه، وكان المفترض فيه أن يتصرف
على الوجه الشرعي المعتبر. ولم يكن ذلك
للقضاة. (٢) وربما كان صاحب بيت المال في
بعض الأمصار يتبع الخليفة مباشرة، مستقلا
عن عامل المصر.
موارد بيت المال :
٦ - موارد بيت المال الأصناف التالية، وأما صفة
اليد على كل منها فإِنها مختلفة، كما سنبينه فيما
بعد .
أ - الزكاة بأنواعها، التي يأخذها الإِمام سواء
أكانت زكاة أموال ظاهرة أم باطنة، من السوائم
والزروع والنقود والعروض، ومنها عشور تجار
المسلمين إذا مروا بتجارتهم على العاشر.
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢،١١
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٥٢
- ٢٤٥ -

بيت المال ٦
ب - خمس الغنائم المنقولة. والغنيمة هي كل
مال أخذ من الكفار بالقتال، ما عدا الأراضي
والعقارات، فیورد خمسها لبيت المال، ليصرف
في مصارفه. قال الله تعالى: ﴿واعلموا أنّما
غَنِمْتُم من شيءٍ فَأَن لله خُسَه وللرسولِ ولذي
القُرْبى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل ... ﴾
الآية. (١)
جـ - خمس الخارج من الأرض من المعادن
من الذهب والفضة والحديد وغيرها، (٢) وقيل :
مثلها المستخرج من البحر من لؤلؤ وعنبر
وسواهما . (٣)
د۔ خمس الرکاز (الکنوز) وهو کل مال دفن في
الأرض بفعل الإِنسان. والمراد هنا كنوز أهل
الجاهلية والكفر إذا وجده مسلم، فخمسه لبيت
المال، وباقيه بعد الخمس لواجده.
هـ - الفيء: وهو كل مال منقول أخذ من
الكفار بغير قتال، وبلا إيجاف خيل ولا
ركاب. (٤)
(١) سورة الأنفال / ٤١
(٢) ابن عابدين ٤٣/٢
(٣) الخراج لأبي يوسف ص ٧٠، والمغني ٢٧/٣
(٤) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٥، وابن عابدين
٢٢٨/٣، وجواهر الإكليل ٢٥٩/١، والقليوبي
١٣٦/٣، والمغني ٦/ ٤٠٢
والفيء أنواع :
(١) ما جلا عنه الكفار خوفا من المسلمين من
الأراضي والعقارات، وهي توقف كالأراضي
المغنومة بالقتال، وتقسم غلاتها کل سنة، نص
عليه الشافعية . (١)
وفي ذلك خلاف (انظر: فيء).
(٢) ما تركوه وجلوا عنه من المنقولات. وهو
يقسم في الحال ولا يوقف. (٢)
(٣) ما أخذ من الكفار من خراج أو أجرة عن
الأراضي التي ملكها المسلمون، ودفعت
بالإِجارة لمسلم أو ذمي، أو عن الأراضي التي
أقرت بأيدي أصحابها من أهل الذمة صلحا أو
عنوة على أنها لهم، ولنا عليها الخراج.
(٤) الجزية وهي : مايضرب على رقاب الكفار
لإِقامتهم في بلاد المسلمين. فيفرض على كل
رأس من الرجال البالغين القادرين مبلغ من
المال، أو يضرب على البلد كلها أن تؤدي مبلغا
معلوما. ولو أداها من لا تجب عليه كانت هبة لا
جزية . (٣)
(٥) عشور أهل الذمة، وهي : ضريبة تؤخذ
منهم عن أموالهم التي يترددون بها متاجرین إلى
دار الحرب، أو يدخلون بها من دار الحرب إلى
(١) القليوبي على شرح المنهاج ٣/ ١٩١
(٢) القليوبي على شرح المنهاج ١٨٨/٣
(٣) المغني ٨/ ٥٠٧
- ٢٤٦ -

بيت المال ٦
دار الإِسلام، أوینتقلون بها من بلد في دار
الإِسلام إلى بلد آخر، تؤخذ منهم في السنة
مرة، مالم يخرجوا من دار الإِسلام، ثم يعودوا
إليها .
ومثلها عشور أهل الحرب من التجار كذلك،
إذا دخلوا بتجارتهم إلينا مستأمنين. (١)
(٦) ما صولح علیه الحربیون من مال يؤدونه إلى
المسلمين .
(٧) مال المرتد إن قتل أومات، ومال الزنديق إن
قتل أومات، فلا يورث مالهما بل هو فيء، وعند
الحنفية في مال المرتد تفصيل . (٢)
(٨) مال الذمي إن مات ولا وارث له، وما فضل
من ماله عن وارثه فهو فيء كذلك. (٣)
(٩) الأراضي المغنومة بالقتال، وهي الأراضي
الزراعية عند من يرى عدم تقسيمها بين
الغانمين . (٤)
و۔ غلات أراضي بيت المال وأملاكه ونتاج
المتاجرة والمعاملة .
(١) الدر وحاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩ وما بعدها.
(٢) انظر الدر المختار وحاشيته ٣/ ٣٠٠، وشرح المنهاج
١٨٨/٣، وجواهر الإكليل ٢٧٩/٢، والمغني ٢٩٨/٦،
٣٠١
(٣) شرح المنهاج ١٣٦/٣، ١٣٧، ١٨٨، والمغني ١٢٨/٨،
و٢٩٦/٦
(٤) جواهر الإكليل ١/ ٢٦٠، وحاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ٢/ ١٩٠، وانظر مصطلح (أرض الحوز).
ز - الهبات والتبرعات والوصايا التي تقدم
لبيت المال للجهاد أو غيره من المصالح
العامة .(١)
ح - الهدايا التي تقدم إلى القضاة ممن لم يكن
يهدي لهم قبل الولاية، أو كان يهدي لهم لكن له
عند القاضي خصومة، فإِنها إن لم ترد إلى
مهديها ترد إلى بيت المال. (٢) لأن النبي والث وم
أخذ من ابن اللتْبِيّة ما أهدي إليه. (٣)
وكذلك الهدايا التي تقدم إلى الإِمام من أهل
الحرب، والهدايا التي تقدم إلى عمال الدولة،
وهذا إن لم يعط الآخذ مقابلها من ماله
الخاص. (٤)
ط - الضرائب الموظفة على الرعية
لمصلحتهم، سواء أكان ذلك للجهاد أم لغيره.
ولا تضرب عليهم إلا إذا لم يكن في بيت المال
مايكفي لذلك، وكان لضرورة، وإلا كانت
موردا غير شرعي . (٥)
(١) المغني ٨/ ٥٠٧
(٢) روضة الطالبين للنووي ٩٣/١١، وشرح المنهاج وحاشية
القليوبي ٣٠٣/٤، والمغني ٧٨/٩
(٣) حديث: ((أن النبي﴾ أخذ من ابن اللتبية .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٢٠/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٤٦٣/٣ - ط الحلبي).
(٤) الدر المختار ٣/ ٢٨٠، والحطاب والمواق ٣٥٨/٣، وانظر
فتاوى السبكي ٢١٥/١، نشر مكتبة القدسي ١٣٥٦ هـ.
(٥) ابن عابدين ٥٧/٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص ٢٣٠
- ٢٤٧ -

بيت المال ٦ - ٧
ي ـ الأموال الضائعة، وهي كل مال وجد ولم
يمكن معرفة صاحبه، من لقطة أو وديعة أو
رهن، ومنه مايوجد مع اللصوص ونحوهم مما لا
طالب له، فيورد إلى بيت المال. (١)
ك ـ مواريث من مات من المسلمين بلا
وارث، أو له وارث لا يرث كل المال - عند من لا
یری الرد ۔ ومن قتل وکان بلا وارث فإِن دیته
تورد إلى بيت المال. ويصرف هذا في مصارف
الفيء.
وحق بيت المال في هذا النوع هو على سبيل
الميراث عند الشافعية والمالكية أي على سبيل
العصوبة. وقال الحنابلة والحنفية: يرد إلى بيت
المال فيئا لا إرثا(٢) (ر: إرث).
ل - الغرامات والمصادرات: وقد ورد في
السنة تغريم مانع الزكاة بأخذ شطر ماله، وبهذا
يقول إسحاق بن راهويه وأبوبكر عبد العزيز،
وورد تغريم من أخذ من الثمر المعلق وخرج به
ضعف قیمته، وبهذا يقول الحنابلة وإسحاق بن
راهويه(٣): والظاهر أن مثل هذه الغرامات إذا
(١) روضة الطالبين ٢٧٩/٥، ومتن خليل وجواهر الإكليل
٥٩/٢، وابن عابدين ٢٨٢/٣
(٢) ابن عابدين ٤٨٨/٥، وفتح القدير ٢٧٧/٥، وشرح
المنهاج ١٣٦/٣، ١٣٧، والمغني ٥/ ٦٨٤، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٢١٥، والعذب الفائض ١٩/١
(٣) المغني ٥٧٣/٢ ٢٥٨/٨، وتبصرة الحكام ٢/ ٥٦١
أخذت تنفق في المصالح العامة، فتكون بذلك
من حقوق بيت المال.
وورد أن عمر رضي الله عنه صادر شطر
أموال بعض الولاة، لما ظهر عليهم الإثراء بسبب
أعمالهم، فيرجع مثل ذلك إلى بيت المال أيضا.
أقسام بيت المال ومصارف كل قسم :
٧ - الأموال التي تدخل بيت المال متنوعة
المصارف، وكثير من أصنافها لا يجوز صرفه في
الوجوه التي تصرف فيها الأصناف الأخرى.
ومن أجل ذلك احتيج إلى فصل أموال بيت
المال بحسب مصارفها، لأجل سهولة التصرف
فيها، وقد نص أبويوسف على فصل الزكاة عن
الخراج في بيت المال، فقال: مال الصدقة
والعشور لا ينبغي أن يجمع إلى مال الخراج،
لأن الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات
لمن سمی الله في كتابه.(١)
وقد نص الحنفية على أنه يجب على الإِمام
توزيع موجودات بيت المال على أربعة بيوت،
ولا تأبى قواعد المذاهب الأخرى التقسيم من
حيث الجملة. وقد قال الحنفية: للإِمام أن
يستقرض من أحد البيوت الأربعة ليصرفه في
مصارف البيوت الأخرى، ويجب رده إلى البيت
المستقرض منه، مالم يكن ما صرفه إليه يجوز
(١) الخراج ص ٨٠
- ٢٤٨ -

بيت المال ٨ - ٩
صرفه من هذا البيت الآخر. (١)
والبيوت الأربعة هي :
البيت الأول: بيت الزكاة :
٨ - من حقوقه: زكاة السوائم، وعشور الأراضي
الزكوية، والعشور التي تؤخذ من التجار
المسلمين إذا مروا على العاشر، وزكاة الأموال
الباطنة إن أخذها الإِمام.
ومصرف هذا النوع المصارف الثمانية التي
نص عليها القرآن العظيم. وفي ذلك تفصيل
وخلاف يرجع إليه في مصطلح (زكاة).
وقد نقل الماوردي الخلاف بين الفقهاء في
صفة اليد على هذه الأموال، فنقل أن قول
أبي حنيفة: إنها من حقوق بيت المال، أي
أملاكه التي يرجع التصرف فيها إلى رأي الإِمام
واجتهاده، كمال الفيء. ولذا يجوز صرفه في
المصالح العامة كالفيء، وأن رأي الشافعي أن
بیت المال مجرد حرز للزکاة يحرزها لأصحابها،
فإن وجدوا وجب الدفع إليهم، وإن لم يوجدوا
أحرزها لبيت المال، وجوبا على مذهبه القدیم،
وجوازا على مذهبه الجديد، بناء على وجوب
دفع الزكاة إلى الإِمام، أو جواز ذلك.
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥٧/٢ ٠ ٢٨٢/٣
ونقل أبويعلى الحنبلي أن قول أحمد كقول
الشافعي في ذلك. وخرج وجها في زكاة الأموال
الظاهرة كقول أبي حنيفة . (١)
البيت الثاني: بيت الأخماس :
٩ - والمراد بالأخماس:
أ - خمس الغنائم المنقولة، وقيل: وخمس
العقارات التي غنمت أيضا.
ب- خمس مایوجد من كنوز الجاهلية وقيل هو
زکاة.
جـ - خمس أموال الفيء على قول
الشافعي، وإحدى روايتين عن أحمد. وعلى
الرواية الأخرى ومذهب الحنفية والمالكية : لا
يخمس الفيء.
ومصرف هذا النوع خمسة أسهم: سهم الله
ورسوله، وسهم لذوي القربى، وسهم
للیتامی، وسهم للمساکین، وسهم لابن
السبيل، على ما قال الله تعالى: ﴿واعلَموا أنّا
غَنِمْتُم من شيءٍ فَأَن الله خُمُسَه وللرسولِ ولذي
القُربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل﴾(٢)
وكان السهم الأول يأخذه النبي #1 في حياته،
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٤ ط ١٣٢٧ هـ،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣، ٢٤
(٢) سورة الأنفال / ٤١
- ٢٤٩ -

بيت المال ١٠ - ١١
وبعده يصرف في مصالح المسلمين على رأي
الإِمام، فينقل لبيت مال الفيء الآتي ذكره.
وسائر الأسهم الأربعة تحرز لأصحابها في بيت
المال، حتى تقسم عليهم، وليس للإِمام أن
يصرفها في المصالح.(١)
البيت الثالث: بيت الضوائع :
١٠ - وهي الأموال الضائعة ونحوها من لقطة
لا یعرف صاحبها، أو مسروق لا یعلم صاحبه،
ونحوهما على ما تقدم، فتحفظ في هذا البيت
محرزة لأصحابها، فإِن حصل اليأس من
معرفتهم صرف في وجهه .
ومصرف أموال هذا البيت - علی ما نقله ابن
عابدين عن الزيلعي، وقال: إنه المشهور عند
الحنفية - هو اللقيط الفقير، والفقراء الذين لا
أولياء لهم، فيعطون منه نفقتهم وأدویتھم
وتكاليف أكفانهم ودية جناياتهم. وقال
الماوردي : عند أبي حنيفة يصرف لهؤلاء صدقة
عمن المال له، أو من خلف المال.
ولم نعثر لغير الحنفية على تخصيص هذا
النوع من الأموال بمصرف خاص، فالظاهر أنها
عندهم تصرف في المصالح العامة كالفيء، وهو
(١) ابن عابدين ٢/ ٥٧، والمغني ٦/ ٤٠٦، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ١٢١، و٢٣٥، ٢٣٦،
وللماوردي ص ١٢٧
ما صرح به أبویعلی والماوردي في مال من مات
بلا وارث(١)، وبناء على ذلك تكون البيوت
عندهم ثلاثة لا أربعة .
البيت الرابع : وهو بيت مال الفيء:
١١ - أهم موارد هذا البيت مايلي:
أ - أنواع الفيء التي تقدم ذكرها.
ب - سهم الله ورسوله من الأخماس.
جـ - الأراضي التي غنمها المسلمون على
القول بأنها لا تقسم، وأنها ليست من الوقف
المصطلح عليه .
د - خراج الأرض التي غنمها المسلمون،
سواء اعتبرت وقفا أم غير وقف.
هـ - خمس الكنوز التي لم يعلم صاحبها، أو
تطاول عليها الزمن .
و- خمس الخارج من الأرض من معدن أو
نفط أو نحو ذلك. وقيل: ما يؤخذ من ذلك هو
زكاة مقدارها ربع العشر، ويصرف في مصارف
الزكاة .
ز - مال من مات بلا وارث من المسلمين،
ومِنْ ذلك دیته.
ح - الضرائب الموظفة على الرعية، التي لم
توظف لغرض معين.
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢١٥، وللماوردي
ص ١٩٣
- ٢٥٠ -

بيت المال ١٢ - ١٣
ط - الهدايا إلى القضاة والعمال والإِمام.
ي - أموال البيت السابق على قول غير
الحنفية .
مصارف بيت مال الفيء :
١٢ - مصرف أموال هذا البيت المصالح العامة
للمسلمين، فيكون تحت يد الإِمام، ويصرف
منه بحسب نظره واجتهاده في المصلحة العامة .
والفقهاء إذا أطلقوا القول بأن نفقة كذا هي
في بيت المال، يقصدون هذا البيت الرابع، لأنه
وحده المخصص للمصالح العامة، بخلاف
ماعداه، فالحق فيه لجهات محددة، يصرف لها لا
لغيرها. وفيما يلي بيان بعض المصالح التي
تصرف فيها أموال هذا البيت مما ورد في كلام
الفقهاء، لا على سبيل الحصر والاستقصاء،
فإِن أبواب المصالح لا تنحصر، وهي تختلف من
عصر إلى عصر، ومن بلد إلى بلد.
١٣ - ومن أهم المصالح التي تصرف فيها أموال
هذا البيت مايلي:
أ - العطاء، وهو نصيب من بيت مال
المسلمين يعطى لكل مسلم، سواء أكان من
أضل القتال أم لم يكن. وهذا أحد قولين
للحنابلة قدمه صاحب المغني، وهو كذلك أحد
قولين للشافعية هو خلاف الأظهر عندهم. قال
الإِمام أحمد: في الفيء حق لكل المسلمين، وهو
بين الغني والفقير .
ومن الحجة لهذا القول قول الله تعالى: ﴿ما
أفاءَ الله على رسوله من أهلِ القُرَى فَلِلّهِ
وَلِلرسولِ ... ﴾(١) الآية. ثم قال: ﴿لِلفقراءِ
المهاجرينَ الذين أُخْرجوا من ديارِهم وأموالهم
يَبْتغونَ فَضْلا من الله ورضوانا وينصرونَ الله
ورسوله أولئكَ هُم الصادقون﴾(٢) ثم قال:
﴿والذين تَبَوَّءُوا الدارَ والإِيمانَ من قَبْلِهِم يُحِبُّونَ
.﴾(٣) ثم قال: ﴿والذين
مَنْ هَاجَرَ إلیھم.
جَاءُوا مِنْ بَعْدِهم ... ﴾ (٤) فاستوعب كل
المسلمين. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه بعد أن قرأ الآيات من سورة الحشر: هذه
- يعني الآية الأخيرة - استوعبت المسلمين
عامة، ولئن عشتُ ليأتين الراعي بِسَروِ حِمِيرَ
نصيبه منها، لم یعرق فيه جبينه .
والقول الثاني للحنابلة، وهو الأظهر عند
الشافعية: أن أهل الفيء هم أهل الجهاد
المرابطون في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم
بمصالحهم - أي بالإِضافة إلى أبواب المصالح
الآتي بيانها.
وأما الأعراب ونحوهم ممن لا يُعِدّ نفسه
(١) سورة الحشر / ٧
(٢) سورة الحشر / ٨
(٣) سورة الحشر / ٩
(٤) سورة الحشر / ١٠
- ٢٥١ -

بيت المال ١٣
للقتال في سبيل الله فلا حق لهم فيه، مالم
يجاهدوا فعلا .
ومن الحجة لهذا القول ما في صحيح مسلم
وغيره من حديث بريدة ((أن النبي م ◌ٍ كان إذا
أمر أميرا على جيش أوسرية أوصاه في خاصتِه
بتقوى الله .... )) إلى أن قال: ((ثم ادعهم
إلى الإِسلام، فإِن أجابوك فاقبل منهم وكف
عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى
دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك
فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على
المهاجرين. فإِن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم
أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم
حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون
لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع
المسلمين.)) (١)
وقيل عند الشافعية: إن الفيء كله يجب
قسمه بین من له رزق في بیت المال في عامه، ولا
يبقى منه شيء ولا يوفر شيء للمصالح ماعدا
خمس الخمس (أي الذي لله ورسوله) والتحقيق
عندهم: إعطاء من لهم رزق في بيت المال
كفايتهم، وصرف مايتبقى من مال الفيء
(١) حديث بريدة: ((كان إذا أمر أميرا على جيش ... ))
أخرجه مسلم (١٣٥٧/٣ - ط الحلبي).
للمصالح . (١)
ب - الأسلحة والمعدات والتحصينات
وتكاليف الجهاد والدفاع عن أوطان المسلمين.
جـ ــ رواتب الموظفين الذين يحتاج إليهم
المسلمون في أمورهم العامة، من القضاة
والمحتسبين، ومن ينفذون الحدود، والمفتين
والأئمة والمؤذنين والمدرسين، ونحوهم من كل
من فرغ نفسه لمصلحة المسلمين، فيستحق
الكفاية من بيت المال له ولمن يعوله. ويختلف
ذلك باختلاف الأعصار والبلدان لاختلاف
الأحوال والأسعار. (٢)
وليست هذه الرواتب أجرة للموظفين من كل
وجه، بل هي كالأجرة، لأن القضاء ونحوه من
الطاعات لا يجوز أخذ الأجرة عليه أصلا. (٣)
ثم إن سمي للموظف مقدار معلوم
استحقه، وإلا استحق مايجري لأمثاله إن كان
ممن لا يعمل إلا بمرتب. (٤)
وأرزاق هؤلاء، وأرزاق الجند إن لم توجد في
بيت المال، تبقى دينا عليه، ووجب إنظاره،
كالديون مع الإِعسار. بخلاف سائر المصالح
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢١٣/٢ و١٨٩/٣،
١٩١، والمغني ٦/ ٤١٤
(٢) ابن عابدين ٣/ ٢٨٠، ٢٨١، والمغني ٤١٧/٦
(٣) ابن عابدين ٢٨٢/٣
(٤) المنهاج وحاشية القليوبي ١٢٨/٣ و٢٥٥/٤، ٢٥٦
- ٢٥٢ -

بيت المال ١٣
فلا يجب القيام بها إلا مع القدرة، وتسقط
بعدمها . (١)
والراجح عند الحنفية: أن من مات من أهل
العطاء، كالقاضي والمفتي والمدرس ونحوهم قبل
انتهاء العام، يعطى حصته من العام، أما من
مات في آخره أو بعد تمامه فإنه يجب الإِعطاء إلى
وارثه. (٢)
د - القيام بشؤون فقراء المسلمين من العجزة
واللقطاء والمساجين الفقراء، الذين ليس لهم ما
ینفق علیهم منه، ولا أقارب تلزمهم نفقتهم،
فيتحمل بيت المال نفقاتهم وكسوتهم
ومايصلحهم من دواء وأجرة علاج وتجهیز میت،
وكذا دية جناية من لم يكن له عاقلة من
المسلمين، أو كان له عاقلة فعجزوا عن الكل أو
البعض، فإِن بيت المال يتحمل باقي الدیة،
ولا تعقل عن كافر. ونبّه بعض الشافعية إلى أن
إقرار الجاني لا يقبل على بيت المال، كما لا يقبل
على العاقلة. (٣)
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٦، وشرح المنهاج
٢٩٤/٣، ٢٩٦، وجواهر الإكليل ٢٧١/٢، والخراج
لأبي يوسف ص ١٨٧، وروضة الطالبين للنووي
١١١/١١، ١٣٧، ١٣٨
(٢) الدرورد المحتار ٢٨٢/٣
(٣) ابن عابدين ٤١٣/٥، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧١،
والقليوبي ٢٩٢/٢، و١٢٥/٣، ٢٩٤ - ٢٩٦،
و٤ /٢١١، ٢١٤، والمقنع ٣٠٣/٢، وكشاف القناع
٢٣٤/١، وأسنى المطالب ٨٣/٤ - ٨٦
هـ - الإِنفاق على أهل الذمة من بيت المال:
ليس لكافر ذمي أو غيره حق في بيت مال
المسلمين. لكن الذمي إن احتاج لضعفه يعطى
مايسد جوعته. (١) وفي كتاب الخراج لأبي
يوسف أن مما أعطاه خالد بن الوليد رضي الله
عنه في عهده لأهل الحيرة: أيما شيخ ضعف عن
العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيا
فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت
جزيته، وعیل من بيت مال المسلمين وعياله ما
أقام بدار الهجرة ودار الإِسلام. ونقل مثل ذلك
أبوعبيد في كتاب الأموال. (٢)
و- ومن مصارف بيت مال الفيء أيضا:
فكاك أسرى المسلمين من أيدي الكفار، ونقل
أبو يوسف في كتاب الخراج قول عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: كل أسير كان في أيدي المشركين
من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين.
وهناك وجه للشافعية بأن فکاکه في ماله هو(ر:
أسرى).
وشبيه بهذا ما قاله بعض الشافعية أن مالك
الدواب - غير المأكولة - لو امتنع من علفها، ولم
يمكن إجباره لفقره مثلا ينفق عليها من بيت
المال مجانا، وكذلك الدابة الموقوفة إن لم يمكن
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٨٢
(٢) الخراج ص ١٤٤، والأموال ص ٤٥
- ٢٥٣ -

بيت المال ١٣
أخذ النفقة من كسبها. (١)
ز - المصالح العامة لبلدان المسلمين، من
إنشاء المساجد والطرق والجسور والقناطر والأنهار
والمدارس ونحو ذلك، وإصلاح ماتلف منها. (٢)
ح - ضمان ما يتلف بأخطاء أعضاء الإِدارة
الحكومية :
من ذلك أخطاء ولي الأمر والقاضي ونحوهم
من سائر من يقوم بالأعمال العامة، إذا أخطئوا في
عملهم الذي کلفوا به، فتلف بذلك نفس أو
عضو أومال، كدية من مات بالتجاوز في
التعزیر، فحیث وجب ضمان ذلك يضمن في
بیت المال.
فإِن کان العمل المكلف به لشأن خاص
للإِمام أو غيره من المسئولين فالضمان على
عاقلته، أو في ماله الخاص بحسب الأحوال.
وذلك لأن أخطاءهم قد تكثر، فلو حملوها هم أو
عاقلتهم لأجحف بهم.
هذا عند الحنفية والمالكية، وهو الأصح عند
الحنابلة، والقول غير الأظهر للشافعية. أما
الأظهر للشافعية، ومقابل الأصح عند الحنابلة
(١) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٦، والمواق ٣/ ٣٨٧، وجواهر
الإكليل ٢٦٠/١، ٢٧٠ ٢٠٩/٢، والقليوبي ٨٦/٣،
و٩٣/٤، ٢١٥، وكشاف القناع ٥٥/٣
(٢) المغني ٦/ ٤١٧، وشرح المنهاج ٩٥/٣
فهو أن الضمان على عاقلته. أما ضمان العمد
فيتحمله فاعله اتفاقا . (١)
ط - تحمل الحقوق التي أقرها الشرع
لأصحابها، واقتضت قواعد الشرع أن
لا يحملها أحد معين :
ومن أمثلة ذلك ما لوقتل شخص في زحام
طواف أو مسجد عام أو الطريق الأعظم، ولم
يعرف قاتله، فتكون ديته في بيت المال لقول علي
رضي الله عنه: ((لا يطل في الإِسلامِ دٌ))(٢)،
وقد تحمل النبي وَّ دية عبدالله بن سهل
الأنصاري حين قتل في خيبر، لما لم يعرف قاتله،
وأبي الأنصار أن يحلفوا القسامة، ولم يقبلوا أيمان
اليهود، فوداه النبي وَ له من عنده كراهية أن
يبطل دمه . (٣)
(١) ابن عابدين ٣/ ١٩٠، والدسوقي ٣٥٥/٤، وروضة
الطالبین ٣٠٨/١١، والمغني ٣١٢/٨، ٣٢٨
(٢) الأثر: ((لا يطل في الإِسلام دم)). ورد من قول علي بن أبي
طالب، أورده صاحب المغني (٧/ ٧٩١ - ط الرياض) دون
عزوه لأحد. وفيه أن رجلا قتل في زحام في مكة، فسأل
عمر عليا فيه فقال: لا يطل دم في الإِسلام، فوداه عمر من
بيت المال. وأورد القصة عبدالرزاق في المصنف (١٠/ ٥١
- ط المجلس العلمي - في الهند) دون مقالة علي.
(٣) حديث: ((تحمل دية عبدالله بن سهل الأنصاري)) أخرجه
البخاري (٢٧٥/٦ - الفتح - ط السلفية). ومسلم
(١٢٩٢/٣ - ط الحلبي).
وانظر المغني ٨/ ٧٨، والدر المختار وحاشيته ٤٠٦/٥
- ٢٥٤ -

بيت المال ١٤ - ١٥
ومن ذلك أيضا أجرة تعريف اللقطة،
فللقاضي أن يرتب أجرة تعریفها من بيت المال،
على أن تكون قرضا على صاحبها.(١)
أولويات الصرف من بيت المال :
١٤ - يرى المالكية والشافعية أنه يندب البدء
بالصرف لآل النبي ◌َّر الذين تحرم عليهم
الصدقة، اقتداء بفعل عمر رضي الله عنه، إذ
قدّم آل بيت النبي ◌َّه في ديوان العطاء. ثم بعد
ذلك يجب البدء بمصالح أهل البلد الذين جمع
منهم المال، كبناء مساجدهم وعمارة ثغورهم
وأرزاق قضاتهم ومؤذنیهم وقضاء دیونهم وديات
جناياتهم، ويعطون كفاية سنتهم.
وإن كان غير فقراء البلد التي جبي فيها المال
أكثر احتياجا منهم، فإن الإِمام يصرف القليل
لأهل البلد التي جبي فيها المال، ثم ينقل الأكثر
لغيرهم. (٢)
ویری الحنابلة أنه إذا اجتمع على بيت المال
حقان، ضاق عنهما واتسع لأحدهما، صرف فيما
یصیر منهما دینا على بيت المال لو لم يؤد في وقته،
كأرزاق الجند وأثمان المعدات والسلاح ونحوهما،
٦
(١) المنهاج وشرحه ١٢١/٣ - ١٢٨
(٢) جواهر الإكليل ١/ ٢٦٠، والقليوبي ١٩٠/٣، والشرح
الكبير بحاشية الدسوقي ١٩٠/٢
دون ما يجب على وجه الإِرفاق والمصلحة،
کالطرق ونحوها . (١)
الفائض في بيت المال :
١٥ - لعلماء المسلمين فيما يفيض في بيت المال،
بعد أداء الحقوق التي عليه، ثلاثة اتجاهات:
الأول - وهو مذهب الشافعية: أنه يجب
تفريق الفائض وتوزيعه على من يعم به صلاح
المسلمين، ولا يدخر، لأن ماينوب المسلمين
يتعين فرضه عليهم إذا حدث. وفي المنهاج
وشرحه من كتب الشافعية: يوزع الفائض على
الرجال البالغين ممن لهم رزق في بيت المال،
لا على غيرهم ولا ذراريهم. قال القليوبي:
والغرض أن لا يبقى في بيت المال شيء.
والثاني - وهو مذهب الحنفية: أنها تدخر في
بیت المال لما ینوب المسلمین من حادث.
والثالث - التفويض لرأي الإِمام. قال
القليوبي من الشافعية: قال المحققون: للإِمام
الا دخار.
ونقل صاحب جواهر الإِكليل عن المدونة:
يبدأ في الفيء بفقراء المسلمين، فما بقي يقسم
بين الناس بالسوية، إلا أن يرى الإِمام حبسه
لنوائب المسلمين(٢).
(١) الأحكام السلطانية لأبي یعلی ص ٢٣٧
(٢) الماوردي ص ٢١٥ ط مصطفى الحلبي، وأبو يعلى ص
٢٣٧، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ١٩١/٣، وجواهر
الإكليل ١/ ٢٦٠
- ٢٥٥ -

بيت المال ١٦ - ١٧
إذا عجز بيت المال عن أداء الحقوق:
١٦ - بينّ الماوردي وأبو يعلى حالة عجزبيت
المال عن أداء الحقوق فقالا ما حاصله: إن
المستحق على بيت المال ضربان :
الأول: ما كان بيت المال له مجرد حرز،
کالأخماس والزكاة، فاستحقاقه معتبر بالوجود،
فإِن کان المال موجودا فیه کان مصرفه مستحقا،
وعدمه مُسْقط لاستحقاقه.
الثاني: ما كان بيت المال له مستحقا، وهو
مال الفيء ونحوه، ومصارفه نوعان:
أوهما : ما كان مصرفه مستحقا على وجه
البدل، کرواتب الجنود، وأثمان ما اشترى من
السلاح والمعدات، فاستحقاقه غير معتبر
بالوجود، بل هو من الحقوق اللازمة لبيت المال
مع الوجود والعدم. فإن كان موجودا يعجل
دفعه، کالدين على الموسر، وإن كا معدوما
وجب فيه، ولزم إنظاره، كالدين على المعسر.
ثانيهما : أن يكون مصرفه مستحقا على وجه
المصلحة والإِرفاق دون البدل، فاستحقاقه
معتبر بالوجود دون العدم. فإن كان موجودا
وجب فيه، وإن كان معدوما سقط وجوبه عن
بيت المال. ثم يكون - إن عم ضرره - من
فروض الكفاية على المسلمين، حتى يقوم به
من فيه كفاية كالجهاد. وإن كان مما لا يعم
ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس غيره
طريقا بعيدا، أو انقطاع شرب يجد الناس غيره
شربا. فإِذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم
سقط وجوبه عن الكافة، لوجود البدل. (١)
ويلاحظ أنه قد يكون العجز في بيت المال
الفرعي، أي في أحد الأقاليم التابعة للإِمام.
فإِذا قلد الخليفة أميرا على إقليم، فإذا نقص
مال الخراج عن أرزاق جيشه، فإِنه يطالب
الخليفة بتمامها من بيت المال. أما إن نقص مال
الصدقات عن كفاية مصارفها في عمله
فلا يكون له مطالبة الخلیفة بتمامها، وذلك لأن
أرزاق الجيش مقدرة بالكفاية، وحقوق أهل
الصدقات معتبرة بالوجود. (٢)
تصرفات الإِمام في الديون على بيت المال :
١٧ - إذا ثبتت الدیون على بيت المال، ولم یکن
فيه وفاء لها، فللإِمام أن يستقرض من أحد
بيوت المال للبيت الآخر. نص على ذلك
الحنفية. وقالوا: وإذا حصل للخزانة التي
استقرض لها مال يرد إلى المستقرض منه، إلا أن
يكون المصروف من الصدقات أو خمس الغنائم
على أهل الخراج، وهم فقراء، فإِنه لا يرد من
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٥، ولأبي يعلى ص
٢٣٧، وانظر شرح المنهاج وحاشية القليوبي ١٩١/٣،
و٢١٥/٤
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٧ والماوردي ص ٣١
- ٢٥٦ -

بيت المال ١٨
ذلك شيئا، لاستحقاقهم الصدقات بالفقر.
وكذا غيره إذا صرف إلى المستحق(١).
وللإِمام أيضا أن يستعير أو يقترض لبيت
المال من الرعية. ((وقد استعار النبي ◌ُ ◌ّ دروعا
للجهاد من صفوان بن أمية))(٢). ((واستسلف
عليه الصلاة والسلام بعيرا ورد مثله من إبل
الصدقة))، (٣) وذلك اقتراض على خزانة
الصدقات من بيت المال. (٤)
تنمية أموال بيت المال والتصرف فيها :
١٨ - بالإِضافة إلى ما تقدم من صلاحيات
الإِنفاق في بيت المال، فإِن للإِمام التصرف في
أموال بيت المال. والقاعدة في ذلك أن منزلة
الإِمام من أموال بيت المال منزلة الولي من مال
اليتيم، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة ولي
اليتيم. (١) فله فيه من التصرف ما لولي اليتيم في
مال اليتيم .
وليست هذه القاعدة على إطلاقها، فلا يلزم
التشبيه من كل وجه، (٢) بدليل أن للإِمام
التمليك من بيت المال والإِقطاع منه .
ومن الأمثلة التي تعرض لها بعض الفقهاء
مايلي :
أ - البيع : يجوز للإِمام بيع شيء من أموال
بيت المال، إذا رأى المصلحة في ذلك. أما
شراؤه لنفسه شيئا منها فقد جاء في الدر المختار:
لا يصح بيع الإِمام ولا شراؤه من وكيل بيت
المال لشيء من أموال بيت المال. لأنه كوكيل
اليتيم، فلا يجوز ذلك منه إلا لضرورة. زاد في
البحر: أو رغب في العقار بضعف قيمته، على
قول المتأخرين المفتى به(٣).
ب - الإِجارة: أرض بيت المال تجري عليها
أحكام الوقوف المؤبدة. فتؤجر كما يؤجر
الوقف . (٤)
(١) ابن عابدين ٥٧/٢ ٢٨٢/٣
(٢) حديث: ((استعار النبي ◌َّ﴾ دروعا للجهاد من صفوان بن
أمية)) أخرجه أبوداود (٣٢٨/٣ - ط عزت عبيد دعاس)
والحاكم (٤٨/٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه
ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: ((استلف عليه الصلاة والسلام بعيرا ورد مثله من
إيل الصدقة)) أخرجه مسلم (١٢٢٤/٣ - ط الحلبي) من
حديث أبي رافع.
(٤) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٧
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ١٩٨، وأخبار عمر بن الخطاب لابن
الجوزي ص ٤٣٠، وأخبار عمر بن الخطاب للشيخ علي
الطنطاوي وأخيه ص ٤١٣
(٢) نهاية المحتاج ١١٨/٥
(٣) ابن عابدين والدر المختار ٣/ ٢٥٥ و ٢٥٨
(٤) ابن عابدين ٣٩٧/٣
- ٢٥٧ -

بيت المال ١٨ - ١٩
جـ - المساقاة: تصح المساقاة من الإِمام على
بساتين بيت المال، كما تصح من جائز التصرف
لصبي تحت ولایته .(١)
د - الإعارة: اختلف قول الشافعية في إعارة
الإِمام لشيء من أموال بيت المال، فأفتى
الأسنوي بجوازه، بناء على أنه إذا جازله
التمليك من بيت المال فالإِعارة أولى . وقال
الرملي: لا يجوز للإِمام مطلقا إعارة أموال بيت
المال، كالولي في مال مولّیه. (٢) وقال القليوبي :
ثم إن أخذ أحد شيئا من بيت المال عارية فهلك
في یده فلا ضمان علیه، إن کان له في بیت المال
حق، وتسميته عارية مجاز. (٣)
هـ - الإِقراض : ذكر ابن الأثير أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أقرض هنداً بنت عنبه
أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها . (٤)
ومما يجري مجرى الإِقراض الإِنفاق بقصد
الرجوع، ومن ذلك الإِنفاق على البهيمة
الضائعة ونحوها، حفظا لها من التلف. ثم
يرجع بيت المال بالنفقة على صاحب البهيمة .
وإن لم يعرف بيعت، وأخذ من ثمنها حق بيت
(١) حاشية القليوبي على شرح منهاج النووي ٣/ ٦١
(٢) نهاية المحتاج ١١٨/٥
(٣) حاشية شرح المنهاج ٣/ ٢٠
(٤) الكامل ٣/ ٢٩
المال. (١)
إقطاع التمليك :
١٩ - يرى الحنفية أن للإِمام أن يُقْطِع من
الأراضي التي لم تكن لأحد ولا في یدوارث، لمن
فيه غناء ونفع للمسلمين على سبيل النظر في
المصلحة، لا على سبيل المحاباة والأثرة، كما أن
له أن يعطي من أموال بيت المال الأخرى، إذ
الأرض والمال شيء واحد. كذا قال القاضي
أبو يوسف، واحتج بما روي أن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أصفى أموال كسرى وأهله لبيت
المال، ومالَ كل رجل قتل في الحرب أو لحق
بأرض الحرب أو مغيض ماء أو أجمة. وكان
خراج ذلك سبعة آلاف ألف، فكان يقطع من
هذه لمن أقطع. قال أبويوسف: وذلك بمنزلة
المال الذي لم يكن لأحد، ولا في يد وارث،
فللإِمام العادل أن يجيز منه ويعطي من كان له
غناء في الإِسلام. (٢) ونقل هذا ابن عابدين،
وقال: هذا صريح في أن القطائع قد تكون من
الموات، وقد تكون من بيت المال لمن هو من
مصارفه، كما يعطي المال حيث رأى المصلحة،
وأن المقطع يملك رقبة الأرض، ولذا يؤخذ منها
العشر، لأنها بمنزلة الصدقة. (٣)
(١) جواهر الإكليل ٢/ ٢٢٠
(٢) الخراج لأبي یوسف ص ٥٧، ٥٨
(٣) رد المحتار ٢٦٥/٣
- ٢٥٨ -

بیت المال ١٩ - ٢٠
ويرى الشافعية والحنابلة - على ما فصله
الماوردي وأبو يعلى - أن أراضي بيت المال ثلاثة
أقسام :
أ - ما اصطفاه الإِمام لبيت المال بحق
الخمس أو باستطابة نفوس الغانمين، كما
اصطفى عمر أراضي كسرى وأهله، ولم يقطع
من ذلك شيئا. فلما جاء عثمان أقطع منه وأخذ
منه حق الفيء. قال الماوردي : فكان ذلك
إقطاع إجارة لا إقطاع تمليك. ولا يجوز إقطاع
رقبته، لأنه صار باصطفائه لبيت المال ملكا
لكافة المسلمين، فجرى على رقبته حكم الوقف
المؤبد .
ب - أرض الخراج، فلا يجوز تمليك رقبتها،
لأن أرض الخراج بعضها موقوف، وخراجها
أجرة، وبعضها مملوك لأهلها، وخراجها جزية .
جــ ما مات عنه أربابه ولم يستحقه وارث
بفرض أو تعصيب. واختلف أصحاب الشافعي
في هذا النوع على وجهين:
أحدهما: أنها تصير وقفا، فعلى هذا لا يجوز
بيعها ولا إقطاعها .
وثانيهما: أنها لا تصير وقفا حتى يقفها
الإِمام. فعلى هذا يجوز له إقطاعها تمليكا، كما
يجوز بيعها .
ونقل قولا آخر: أن إقطاعها لا يجوز، وإن
جاز بيعها، لأن البيع معاوضة، وهذا الإِقطاع
صلة، والأثمان إذا صارت ناضّة لها حكم يخالف
في العطايا حكم الأصول الثابتة، فافترقا، وإن
كان الفرق بينهما ضعيفا. (١)
والحكم كذلك عند المالكية في أرض العنوة
العامرة فإِنها لا يجوز للإِمام إقطاعها تملیکا، بناء
على أنها تكون وقفا بنفس الاستيلاء عليها . (٢)
ولم نجد لهم تعرضا للأرض التي تؤول إلى بيت
المال بهلاك أربابها. هل يجوز إقطاع التمليك
منها أم لا؟
إقطاع الانتفاع والإِرفاق والاستغلال:
٢٠ - يجوز للإِمام - إذا رأى المصلحة - أن يقطع
من أراضي بيت المال أو عقاره - بعض الناس
إرفاقا أو ليأخذ الغلة. قال المالكية: ثم
ما اقتطعه الإِمام من العنوة، إن كان لشخص
بعینه انحل بموت المنتفع. وإن کان لشخص
وذريته وعقبه استحقته الذریة بعده، للأنثى
مثل الذكر.
وانظر (إرفاق. إرصاد. أرض الحوز)
وبعضهم جعل مثل هذا وقفا. (٣)
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٤، ١٩٥، ولأبي
یعلی ص ٢١٤
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٦٨/٤
(٣) ابن عابدين ٢٢٦/٣، ٢٥٩، والفتاوى المهدية ٦٤٥/٢ -
٦٥٠، ورسالة («بغية الآمال في حکم ما رتب وأرصد من
بيت المال)) للحموى، والشرح الكبير وحاشية =
- ٢٥٩ -

بیت المال ٢١ - ٢٤
وقف عقار بيت المال :
٢١ - ذكر الحنفية جواز وقف الإِمام من بيت
المال، ثم قالوا: إن كان السلطان اشترى
الأراضي والمزارع من وكيل بيت المال يجب
مراعاة شرائطه، وإن وقفها من بيت المال
لا تجب مراعاتها(١).
ويرى الشافعية، كما نقل عميرة البرلسي :
وقف الإِمام من بيت المال. قالوا: لأن له
التملیك منه، وکما فعل عمر رضي الله عنه في
أرض سواد العراق، إذ وقفها على المسلمين. (٢)
وانظر (ر: إرصاد).
تملیك حقوق بیت المال قبل توريدها إليه :
٢٢ - ذهب الحنفية إلى أن للإِمام أن يترك
الخراج للمالك لا العشر، ثم يحل ذلك للمالك
عند أبي يوسف، إن كان المالك ممن يستحق
شيئا من بيت المال، وإلا تصدق به.
ولو ترك الإِمام العشر ونحوه من أموال الزكاة
= الدسوقي ٦٨/٤، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج
٩٢/٣، والمغني ٥٢٦/٥، ونهاية المحتاج ٣٣٧/٥،
٣٥٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٦، ولأبي
يعلى ص ٢١٩
(١) ابن عابدين ٤١٨/٣
(٢) حاشية عميرة والقليوبي على شرح المنهاج ١٨/٣، ٩٧،
١٠٩، ونهاية المحتاج ١١٨/٥
فلم يأخذه لا يجوز إجماعا، ويخرجه المالك بنفسه
للفقراء ونحوهم من مصارف الزكاة . (١)
الديون التي لبيت المال:
٢٣ - تثبت لبيت المال الديون في ذمم الأفراد.
فلو ضرب الإِمام أموالا على الرعية عامة، أو
طائفة منهم أو أهل بلد، لمصلحتهم، كتجهيز
الجيوش أو فداء الأسري، وكأجرة الحراسة
وکری الأنهار، فمن لم يؤد من ذلك ماضرب
عليه بقي في ذمته دينا واجبا لبيت المال، لا يجوز
لهم الامتناع منه.(٢)
انتظام بيت المال وفساده :
٢٤ - يكون بيت المال منتظما إذا كان الإِمام
عدلا یأخذ المال من حقه، ويضعه في مستحقه.
ویکون فاسدا إذا كان الإِمام غیر عدل،
فيأخذ المال من أصحابه بغير حق. أو يأخذه
بحق، ولكن ينفق منه في غير مصلحة
المسلمين، وعلى غير الوجه الشرعي، كما لو
أنفقه في مصالحه الخاصة، أو يخص أقاربه أو من
يهوى بما لا يستحقونه، ويمنع أهل
الاستحقاق.
ومن الفساد أيضا أن يفوض الإِمام أمر بيت
(١) ابن عابدين ٢/ ٥٧
(٢) ابن عابدين ٢/ ٥٧
- ٢٦٠ -