Indexed OCR Text
Pages 161-180
بقر ٧ - ٨ وقال أبو حنيفة ومالك: إن كانت الأمهات أهلية وجبت الزكاة فيها، وإلا فلا. واستدل لهذا القول بأن جانب الأم في الحيوان هو المعتبر، لأن الأم في الحيوان هي التي تقوم وحدها برعاية ابنها. (١) وقال الشافعي : لا زكاة فيه مطلقا، سواء أكانت الوحشية من قبل الفحل أم من قبل الأم.(٢) اشتراط الحول في زكاة البقر: ٧ - اتفق العلماء على أن الحول لا بد منه في زكاة البقر كغيرها من الماشية. ومعنى الحول: أن تمضي سنة قمرية كاملة على ملكه للنصاب، لتجب علیه الزكاة فیه . (٣) اشتراط تمام النصاب : أما النصاب فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوال، من أشهرها اتجاهان: ٨ - الاتجاه الأول: وهو قول علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وقال به الشعبي وشهر بن حوشب (١) بدائع الصنائع ٢/ ٣٠، والمغني ٢/ ٥٩٥ (٢) مغني المحتاج ٣٦٩/١، والجمل على شرح المنهج ٢١٩/٢ (٣) مغني المحتاج ٣٧٨/١، والمغني ٢/ ٦٣٥ وطاووس وعمر بن عبدالعزيز والحسن البصري، ونقله الزهري عن أهل الشام، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي، قالوا: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء، فإِذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة، (والتبيع هو الذي له سنتان، أو الذي له سنة وطعن في الثانية، وقيل: ستة أشهر، والتبيعة مثله)، (١) ثم لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين، فإِذا بلغتها ففيها بقرة مسنة . (٢) ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ستين، فإِذا بلغتها ففيها تبيعان أو تبيعتان. ثم لا شيء فيها حتى تبلغ عشرا زائدة، فإِذا بلغتها ففي كل ثلاثين من ذلك العدد تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مُسِنّ أو مسنة، (٣) ففي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشر مسنتان وتبيع، وفي مائة وعشرين ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، فالمالك مخير بين إخراج الأتبعة أو المسنات، وإن كان الأولى النظر إلى حاجة الفقراء والأصلح لهم. ثم یتغیر الواجب كلما زاد (١) المجموع للنووي ٤١٦/٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٣٥/١، والمحلى ٢٩٠/٥ (٢) المجموع للنووي ٤١٦/٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٣٥/١، والمحلى ٢٩٠/٥ (٣) حاشية الدسوقي ٤٣٥/١، والأم ٨/٢، وفتح القدير ١٣٣/٢، والمغني ٥٩٢/٢، والمحلى ٢٩٠/٥ - ١٦١ - بقر ٨ - ٩ العدد عشرا . واحتج أصحاب هذا القول بما روي عن معاذ رضي الله عنه ((أن رسول الله (پے حین بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، ومن البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة)). (١) وروى ابن أبي ليلى والحكم ابن عتيبة عن معاذ أنه سأل النبي وَّر عن الأوقاص: مابين الثلاثين إلى الأربعين، ومابين الأربعين إلى الخمسين؟ قال: ((ليس فيها شيء)).(٢) واحتجوا أيضا بما جاء في كتاب رسول الله وث* إلى عمروبن حزم: ((فرائض البقرليس فيما دون الثلاثين من البقر صدقة، فإِذا بلغت ثلاثین ففیھا عجل رائع جذع، إلی أن تبلغ أربعين، فإِذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة، إلى أن تبلغ سبعين، فإِن فيها بقرة وعجلا جذعا، فإِذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان، ثم على هذا الحساب)). (٣) (١) حديث معاذ حین بعثه إلی الیمن تقدم وسبق تخريجه ف / ٢ (٢) حديث معاذ: ((أنه سأل النبي ◌َّ عن الأوقاص ... )) أخرجه الدارقطني (٩٩/٢ - ط شركة الطباعة الفنية) وأعله الزيلعي بالإرسال. (نصب الراية ٢/ ٣٤٨ - ط المجلس العلمي). (٣) حديث: ((كتاب رسول الله آلقر إلى عمروبن حزم ... )) أخرجه أبوداود في مراسيله، وقال النسائي: سليمان بن أُرقم - يعني الذي في إسناده - متروك الحديث. (نصب الراية ٢/ ٣٤٠ - ط المجلس العلمي). هذا، ولتفصيل أحكام مابين الفريضتين في الزكاة - وهو المسمى بالوقص - ينظر مصطلح : (أوقاص). ٩ - الاتجاه الثاني: قول سعيد بن المسيب والزهري وأبي قلابة وغيرهم: أن نصاب البقر هو نصاب الإِبل، وأنه يؤخذ في زكاة البقر مايؤخذ من الإِبل، دون اعتبار للأسنان التي اشترطت في الإِبل، من بنت مخاض وبنت لبون وحقة وجذعة، وروي هذا عن کتاب عمر بن الخطاب في الزكاة، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم، وشيوخ أدوا الصدقات على عهد النبي وَليل، وروى أبوعبيد: أن في كتاب عمر بن الخطاب (في الزكاة) أن البقر یؤخذ منها مثل مايؤخذ من الإِبل، قال: وقد سئل عنها غيرهم، فقالوا: فيها ما في الإِبل. وقد ذكر ابن حزم بسنده عن الزهري وقتادة كلاهما عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: في كل خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شیاه . قال الزهري : فرائض البقرمثل فرائض الإِبل غير أسنان فيها: فإِذا كانت البقر خمساً وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين، فإِذا زادت على خمس وسبعين ففيها بقرتان إلى مائة وعشرين، فإِذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بقرة. قال الزهري: وبلغنا أن - ١٦٢ - بقر ١٠ - ١١ قولهم: في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين بقرة، أن ذلك کان تخفیفا لأهل الیمن، ثم كان بعد ذلك لا یروی. وروي أيضا عن عكرمة بن خالد قال: استعملت - أي وليت - على صدقات (عك) فلقیت أشیاخا ممن صدق (أخذت منهم الصدقة) على عهد رسول الله وولره فاختلفوا عليَّ: فمنهم من قال اجعلها مثل صدقة الإِبل، ومنهم من قال: في ثلاثین تبيع، ومنهم من قال: في أربعين بقرة مسنة. وذكر ابن حزم أيضا بسنده عن ابن المسيب وأبي قلابة وآخرين مثل مانقل عن الزهري، ونقل عن عمربن عبدالرحمن بن خلدة الأنصاري : أن صدقة البقر صدقة الإِبل، غير أنه لا أسنان فيها. (١) ما يجزىء في الأضحية : ١٠ - لا يجزىء في الأضحية سوى النعم، وهي الإِبل والبقر والغنم، خلافا لمن قال: يجوز التضحية بأي شيء من مأكول اللحم من النعم أو من غيرها. (٢) وتفصيله في (الأضحية). (١) بداية المجتهد ١/ ٢٦١، والمغني ٥٩٢/٢، والمحلى ٣/٦ (٢) المحلى ٤٣٤/٧ واتفق العلماء على أن الشخص إذا ضحى بالبقرة الواحدة عن نفسه فقط فإِن الأضحية تقع له، وسواء أكانت واجبة أم متطوعا بها. ١١ - وأما الاشتراك في التضحية بالبقرة الواحدة ففيه خلاف : فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وأكثر أهل العلم: إلى أن البقرة الواحدة تجزىء عن سبعة أشخاص، فيجوز لهم الاشتراك في البقرة الواحدة، وسواء أكانوا أهل بيت واحد، أم أهل بیتین، أم متفرقين، وسواء أكانت أضحية واجبة أم متطوعا بها، وسواء أراد بعضهم القربة أم أراد اللحم، فيقع لكل واحد منهم ما قصد. إلا أنه عند الحنفية لابد أن يريد كلهم القربة، فلو أراد أحدهم اللحم لم تجزىء عن الكل عندهم. وقال مالك: يجزىء الرأس الواحد من الإِبل أو البقر أو الغنم عن واحد، وعن أهل البيت وإن كثر عددهم وكانوا أكثر من سبعة، إذا أشركهم فيها تطوعا، ولا تجزىء إذا اشتروها بينهم بالشركة، ولا على أجنبيين فصاعدا. (١) واحتج أصحاب القول الأول بما رواه جابر قال: ((نحرنا مع رسول الله صل ﴿ البدنة عن (١) المجموع للنووي ٣٩٨/٨، والمغني لابن قدامة ٨/ ٦١٩، وحاشية الدسوقي ١١٩/٢، وحاشية قليوبي وعميرة ٤/ ٢٥٠، وتكملة فتح القدير ٤٢٩/٨، والمحلى ٤٤٨/٧، ونيل الأوطار للشوكاني ١٩٣/٥ - ١٦٣ - بقر ١٢ - ١٣ سبعة، والبقرة عن سبعة))(١) وعنه قال: ((خرجنا مع رسول الله ﴿ مُهِلِّين، فأمرنا أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة)). (٢) وأما مالك فقد أخذ بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه کان یقول: البدنة عن واحد والبقرة عن واحد، والشاة عن واحد لا أعلم شركا. وقد روي هذا أيضا عن غير ابن عمر کمحمد بن سيرين فإنه يرى أن النفس الواحدة لا تجزىء إلا عن نفس واحدة فقط. (٣) البقر في الهدي : ١٢ - حكم البقرة في الهدي كحكمها في الأضحية، باستثناء ما يتصل بالتضحية عن الرجل وأهل بيته، وتفصيله في (الحج، والهدي). أما إشعار البقر في الهدي فقد اتفق العلماء (سوى أبي حنيفة) على أن الإِشعار سنة، وأنه مستحب، وقد فعله النبي ◌َّ والصحابة من بعده، واتفقوا أيضا على أن الإِشعار سنة في (١) حديث جابر: ((نحرنا مع رسول الله وَ ل﴾ البقرة ... )) أخرجه مسلم (٩٥٥/٢ - ط الحلبي). (٢) حديث جابر: ((خرجنا مع رسول الله صلٍ ... )) أخرجه مسلم (٩٥٥/٢ - ط الحليي). (٣) حاشية الدسوقي ١١٩/٢، والمغني ٨/ ٦٢٠، والمحلى ٤٤٨/٧ الإِبل، سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام، فإِن لم يكن لها سنام فإنها تشعر في موضع السنام. وأما البقر فمذهب الشافعية: الإِشعار فيها مطلقا، سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام، فهي عندهم كالإِبل. وقد ذهب مالك إلى أن البقر إذا كان لها سنام فإِنها تشعر، أما إذا لم يكن لها سنام فإِنها لا تشعر.(١) حكم التقليد : ١٣ - التقليد: جعل القلادة في العنق، وتقلید الهدي: أن يعلق في عنقه قطعة من جلد، ليعرف أنه هدي فلا یتعرض له. واتفق العلماء على أن التقليد مستحب في الإِبل والبقر. وأما الغنم فقد ذهب الشافعية إلى استحباب التقليد فيها كالإبل والبقر. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم استحباب التقليد فيها . وتقلید الإِبل والبقر یکون بالنعال ونحوها مما يشعر أنها هدي. (٢) (١) المجموع ٨/ ٣٦٠ (٢) المجموع ٣٦٠/٨ - ١٦٤ - بقر ١٤ - ١٦ ذكاة البقر : ١٤ - ذكاة البقر كذكاة الغنم، فإِذا أريد تذكية البقرة فإِنها تضجع على جنبها الأيسر، وتشد قوائمها الثلاث: اليد اليمنى واليسرى والرجل اليسرى، وتترك الرجل اليمني بلا شد لتحركها عند الذبح، ويمسك الذابح رأسها بيده اليسرى، ويمسك السكين بيده اليمنى، ثم يبدأ الذبح بعد أن يقول: باسم الله والله أكبر وبعد أن يتجه هو وذبيحته نحو القبلة. وأما الإِبل فإنها تنحر بطعنها في اللبة، أي أسفل العنق، وهي قائمة معقولة الركبة اليسرى. (١) استعمال البقر للركوب : ١٥ - اتفق العلماء على أن مايركب من الأنعام ويحمل عليه هو الإِبل. وأما البقر فإِنه لم يخلق للركوب، وإنما خلق لينتفع به في حرث الأرض، وغير ذلك من المنافع سوى الركوب. وأما الغنم فهي للدر والنسل واللحم لقوله تعالى: ﴿وإنَّ لكم في الأنْعامِ لَعِبْهُ نُسْقِيكم مما في بُطُونِها ولَكُم فيها مَنَافِعُ كثيرةٌ ومنها تأكلونَ، وَعَلَيها وعلى الفُلْكِ تُحْمَلون﴾، (٢) وقوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لكم الأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا (١) حاشية قليوبي وعميرة ٢٤٣/٤ (٢) سورة المؤمنون / ٢٢،٢١ منها ومنها تأكلون﴾، (١) وقوله تعالى: ﴿وَجْعَلَ لكم من الفُلْكِ والأَنْعَامِ ما تَرْكبون﴾. (٢) وأما الآيات التي تذكر أن الأنعام تُركب فهي محمولة عند العلماء على بعض الأنعام، وهي الإِبل، وهو من العام الذي أريد به الخاص. (٣) ومما يدل على أن استعمال البقر للركوب غیر لائق ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وصله: ((بينما رجل يَسُوق بقرةً له قد حَمَل عليها، التفتتْ إليه البقرةُ فقالت: إني لم أُخْلَق لهذا، ولكني إنما خُلِقْتُ للحَرْث، فقال الناس: سبحان الله - تعجبا وفزعا - أبقرة تَكَلَّم؟ فقال رسول الله وَله : فإني أومن به وأبوبكر وعمر)). (٤) بول وروث البقر : ١٦ - اتفق الفقهاء على نجاسة بول وروث ما لا يؤكل لحمه، سواء أكان إنسانا أم غيره. وأما بول وروث مايؤكل لحمه كالإِبل والبقر والغنم ففيه الخلاف. (١) سورة غافر / ٧٩ (٢) سورة الزخرف / ١٢ (٣) تفسير القرطبي ٧٢/١٠، وروح المعاني ٢٤/١٨ (٤) حديث: ((بينما رجل يسوق بقرة ... )) أخرجه مسلم (٤ / ١٨٥٧). - ١٦٥ - بقر ١٧ فذهب أبوحنيفة وأبو يوسف والشافعي إلى نجاسة الأبوال والأرواث كلها، من مأكول اللحم وغيره. وذهب مالك وأحمد وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني، ومن الحنفية محمد بن الحسن إلى طهارة بول مايؤكل لحمه. (١) وانظر للتفصيل والاستدلال مصطلح (نجاسة). حكم البقر في الدية : ١٧ - اختلف العلماء في اعتبار البقر أصلا في الدية على قولين: فذهب أبوحنيفة ومالك والشافعي في القديم إلى أن الدية ثلاثة أصول: الإِبل، والذهب، والفضة. وليس البقر أصلا. (٢) وذهب صاحبا أبي حنيفة (أبويوسف ومحمد ابن الحسن) والثوري وأحمد بن حنبل إلى أن الدية خمسة أصول: الإِبل، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم. وزاد الصاحبان: الحلل، وهو قول عمر وعطاء وطاووس وفقهاء المدينة السبعة، فعلى هذا القول تعتبر البقر (١) نيل الأوطار ١/ ٦٠، ٦١ (٢) المغني ٧/ ٧٥٩، والمجموع للنووي ١٩/ ٥١، وبدائع الصنائع ٧/ ٢٥٣ أصلا من أصول الدية، ويجوز لأصحابها - كما عند الصاحبين - دفعها ابتداء، ولا يكلفون غيرها. وذهب الشافعي في الجديد إلى أن الدية ليس لها إلا أصل واحد، وهو الإِبل، فإِذا فقدت فالواجب قيمتها من نقد البلد بالغة ما بلغت. فليست البقر أصلا على هذا القول كذلك.(١) وانظر للتفصيل مصطلح (دية). (١) بدائع الصنائع ٧/ ٢٥٤، والمجموع ١٩/ ٥٠ - ١٦٦ - بكاء ١ - ٤ بکاء التعريف : ١ - البكاء: مصدر بكى يبكي بُكَىَّ، وبكاءً . (١) قال في اللسان: البكاء يقصر ويمد. قال الفراء وغيره: إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها . قال کعب بن مالك رضي الله عنه في رثاء حمزة: بكت عيني وحق لها بُكاها ومايغني البكاء ولا العويل قال الخليل: من قصر ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت . والتباكي: تكلف البكاء كما في الحديث ((فإِن لم تَبْكُوا فَتَبَاكُوا))(٢) ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك. (١) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((بكى)). (٢) حديث: (( ... فإِن لم تبكوا فتباكوا)) أخرجه ابن ماجة (٤٢٤/١ - ط الحلبي) وقال البوصيري: في إسناده أبورافع، اسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك. الألفاظ ذات الصلة : أ - الصياح والصراخ : ٢ - الصياح والصراخ في اللغة: هو الصوت بأقصى الطاقة، وقد يكون معهما بكاء، وقد لا يكون، ويرد الصراخ أيضا لرفع الصوت على سبيل الاستغاثة . (١) ب - النياح : ٣ - النياح والنياحة لغة : البكاء بصوت على الميت. (٢) وقال في المصباح، وهو قريب مما جاء في القاموس : ناحت المرأة على الميت نوحا من باب قال، والاسم النُّوَاحِ وزان غُراب، وربما قيل: النياح بالكسر، فهي نائحة،والنياحة بالكسر: الاسم منه، والمناحة بفتح الميم: موضع النوح. جـ - الندب : ٤ - الندب لغة: الدعاء إلى الأمر والحث عليه. والندب: البكاء على الميت وتعداد محاسنه. والاسم: الندبة. (٤) (١) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((صيح )). (٢) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((نوح)). (٣) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((ندب)). - ١٦٧ - بكاء ٥ - ٩ د - النحب، أو النحيب: ٥ - النحب لغة: أشد البكاء، كالنحيب. (١) العويل : ٦ - العويل: هورفع الصوت بالبكاء، يقال: أعولت المرأة إعوالا وعويلا.(٢) هذا ويتضح مما تقدم أن النحيب والعويل معناهما البكاء الشديد، وأن الصراخ والصياح متقاربان في المعنى، وأن النواح يأتي بمعنى البكاء على الميت، وأن الندب هو تعداد محاسن الميت، وأن البكاء ما كان مصحوبا بصوت، والبکی ما كان بلا صوت، بأن كان قاصرا على خروج الدمع . أسباب البكاء : ٧ - للبكاء أسباب، منها: خشية الله تعالى، والحزن، وشدة الفرح. الحكم التكليفي للبكاء في المصيبة : ٨ - البكاء قد يكون قاصرا على خروج الدمع فقط بلا صوت، أو بصوت لا يمكن الاحتراز عنه، وقد يكون مصحوبا بصوت كصراخ أو نواح أو ندب وغيرها، وهذا يختلف باختلاف (١) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: ((نحب)). (٢) المصباح المنير مادة: ((عال)). من يصدر منه البكاء، فمن الناس من يقدر على كتمان الحزن، ويملك السيطرة على مشاعره، ومنهم من لا يستطيع ذلك . فإن كان البكاء مجردا عن فعل اليد، كشق جيب أولطم، وعن فعل اللسان، كالصراخ ودعوى الويل والثبور ونحو ذلك، فإِنه مباح(١) لقوله ◌َ ﴾ ((إنه مهما كان من العينِ والقلبِ فمن اللّه عزّ وجلّ ومن الرحمة، وما كان من اليدِ واللسانِ فمنَ الشيطانِ))(٢) ولقوله وسيل أيضا ((إن الله لا يُعَذِّب بدمع العينِ ولا بِحُزْن القلبِ، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم)). (٣) . أما حكم البكاء في غير هذه الحالة فسيأتي فيما بعد . البكاء من خشية الله تعالى : ٩ - المؤمن يعيش في جهاد مع نفسه، ويراقب الله في جميع أفعاله وتصرفاته، فهو يخاف الله، ويبكي عند ذكره سبحانه تعالى، فهذا من المخبتين الذين بشرهم الله سبحانه وتعالى (١) نيل الأوطار للشوكاني ٤/ ١٤٩، ١٥٠ ط دار الجيل. (٢) حديث: ((إنه مهما كان من العين ... )) أخرجه أحمد (١/ ٢٤٧ - ط اليمنية) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعیف. تہذیب التھذیب لابن حجر (٣٢٣/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية). (٣) حديث: ((إن الله لا يعذب بدمع ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٧٥/٣ - ط السلفية). - ١٦٨ - بكاء ٩ - ١٠ بقوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ، الذين إذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قلوبُهم والصابرين على ما أصَابهم والمقِيمي الصلاةِ ومما رَزَقْناهم يُنْفقون﴾(١) وهم الذين عناهم الله بقوله: ﴿إنما المؤمنونَ الذين إذا ذُكِرَ اللّهَ وَجِلَتْ قلوبُهم وإذا تُلِيَتْ عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يَتَوَكَّلون﴾.(٢) ومما قاله القرطبي في تفسير هذه الآية، مع الإِشارة إلى غيرها من الآيات القريبة منها في المعنى : وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ونظير هذه الآية ﴿وبشر المخبتين الذين إذا ذُكِر اللّه وجِلَتْ قلوبُهم﴾ وقال: ﴿الذين آمنوا وتَطْمَئِنَّ قُلوبُهم بِذِكْر الله﴾، (٣) فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب، والوجل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض، وقد جمع اللّه بين المعنيين في قوله تعالى: ﴿اللّهُ نَزَّلَ أحسنَ الحديثِ كِتَابًا مُتَشَابِها مَثَانِيَ تَقْشَعِرُ منه جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم ثم تَلِين جلودُهم وقلوبهم إلى ذِكْرِ اللّه﴾ (٤) أي تسكن نفوسهم مع الله من حيث اليقين، وإن كانوا يخافون الله . ١٠ - فهذه حالة العارفين باللّه، الخائفين من سطوته وعقوبته. لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام، من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من اللّه، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِل إلى الرسول تَرَى أعينهم تَفِيضُ من الدَّمْعِ مِمَا عَرَفُوا من الحقِّ، يقولون: ربَّنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾. (١) فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومن لم يكن کذلك فلیس علی هدیہم ولا على طريقتهم، فمن كان مستنا فليستن بهم، ومن تعاطى أحوال المجانین والجنون فهو من أخسهم حالا ، والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي # حتى أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم، فصعد المنبر، فقال: ((سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم، مادمت في مقامي هذا. فلما سمع ذلك القوم أرموا(٢) ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت یمینا وشمالا فإِذا کل (١) سورة الحج ٣٤ - ٣٥ (٢) سورة الأنفال / ٢ (٣) سورة الرعد / ٢٨ (٤) سورة الزمر / ٢٣ (١) سورة المائدة / ٨٣ (٢) أرم الرجل إرماما: إذا سكت، فهو مرم. - ١٦٩ - بكاء ١١ - ١٢ إنسان لافّ رأسه في ثوبه يبكي ... )). وذكر الحدیث.(١) وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: ((وعظنا رسول الله ومليّ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب)). الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا. (٢) وقال صاحب روح المعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين إذا ذُكِرَ اللّه وَجِلَتْ قلوبهم﴾(٣) أي خافت قلوبهم منه عز وجل لإِشراق أشعة الجلال عليها . (٤) ١١ - والبكاء خشية من اللّه له أثره في العمل، وفي غفران الذنوب، ويدل لذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس أن النبي محلّ قال: ((عينانٍ لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)). (٥) (١) حديث: ((سلوني، لا تسألوني عن شيء ... )) أخرجه مسلم (١٨٣٤/٣ - ط الحلبي). (٢) القرطبي ٧/ ٣٦٥، ٣٦٦ ط دار الكتب المصرية. وحديث العرياض: ((وعظنا رسول الله (﴿سلام ... )) أخرجه ابن ماجة (١٦/١ - ط الحلبي) وأبوداود (١٦/٥ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١/ ٩٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. (٣) سورة الحج / ٣٥ (٤) روح المعاني ١٧ / ١٥٤ ط المنيرية. (٥) حديث: ((عينان لا تمسهما النار: عين .... )) أخرجه الترمذي (١٧٥/٤ - ط الحلبي) وأبو يعلى كما في فتح الباري (٨٣/٦ - ط السلفية) وحسّن إسناده ابن حجر. قال صاحب تحفة الأحوذي: قوله: ((عينانِ لا تمسهما النار)) أي لا تمس صاحبهما، فعبر بالجزء عن الجملة، وعبر بالمس إشارة إلى امتناع مافوقه بالأولى، وفي رواية: ((أبدا)) وفي رواية : ((لا يقربان النار)). (١) وقد ذكر صاحب روح المعاني أخبارا وردت في مدح البكاء خشية من الله تعالى، من بينها هذا الحديث المتقدم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه وَ﴾: ((لا يَلِجُ النارَ رجلٌ بكى من خشية الله تعالى حتى يعودَ اللبن في الضَرْع، ولا يجتمعُ على عبدٍ غبارٌ في سبيل الله تعالى ودخانُ جهنم)). (٢) البكاء في الصلاة : ١٢ - يرى الحنفية أن البكاء في الصلاة إن كان سببه ألما أو مصيبة فإنه يفسد الصلاة، لأنه يعتبر من كلام الناس، وإن كان سببه ذكر الجنة أو النار فإنه لا يفسدها، لأنه يدل على زيادة الخشوع، وهو المقصود في الصلاة، فكان في معنى التسبيح أو الدعاء. ويدل على هذا حديث الرسول و ال# «أنه كان يصلي بالليل وله (١) تحفة الأحوذي ٥/ ٢٦٩ ط الفجالة. (٢) روح المعاني ١٥/ ١٩٠، ١٩١ ط المنيرية. وحديث: ((لا يلج النار رجل بكى من ... )) أخرجه الترمذي (١٧١/٤ - ط الحلبي). وقال: حديث حسن صحیح. - ١٧٠ - بكاء ١٢ أزيز كأزيز المرجل من البكاء)). (١) وعن أبي يوسف أن هذا التفصيل فيما إذا كان على أكثر من حرفين، أو على حرفين أصليين، أما إذا كان على حرفين من حروف الزيادة، أو أحدها من حروف الزيادة والآخر أصلي، لا تفسد في الوجهين معا، وحروف الزيادة عشرة يجمعها قولك: أمان وتسهيل . (٢) وحاصل مذهب المالكية في هذا: أن البكاء في الصلاة إما إن يكون بصوت، وإما أن يكون بلا صوت، فإن كان البكاء بلا صوت فإنه لا يبطل الصلاة، سواء أكان بغير اختيار، بأن غلبه البكاء تخشعا أولمصيبة، أم كان اختياريا مالم يكثر ذلك في الاختياري . وأما إذا كان البكاء بصوت، فإن كان اختياريا فإِنه يبطل الصلاة، سواء كان لمصيبة أم لتخشع، وإن كان بغير اختياره، بأن غلبه البكاء تخشعا لم يبطل، وإن كثر، وإن غلبه البكاء بغير تخشع أبطل . (٣) (١) حديث: ((كان يصلي بالليل وله أزيز ... )) أخرجه أبوداود (٥٥٧/١ - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (١٣/٣ - ط المكتبة التجارية). (٢) تبين الحقائق ١٥٥/١، ١٥٦ ط دار المعرفة، وفتح القدير ١/ ٢٨١، ٢٨٢ - ط دار صادر. (٣) حاشية الشيخ علي العدوي على مختصر خليل، وهي بهامش الخرشي ٣٢٥/١، ط دار صادر، وجواهر الإكليل ٦٣/١، ومواهب الجليل ٣٣/٢ هذا، وقد ذكر الدسوقي أن البكاء بصوت، إن كان لمصيبة أولوجع من غير غلبة أو الخشوع فهو حينئذ کالكلام، یفرق بین عمده وسھوه، أي فالعمد مبطل مطلقا، قل أو كثر، والسهو يبطل إن كان كثيرا، ويسجد له إن قل.(١) وأما عند الشافعية، فإِن البكاء في الصلاة على الوجه الأصح إن ظهر به حرفان فإِنه يبطل الصلاة، لوجود ما ينافيها، حتى وإن كان البكاء من خوف الآخرة. وعلى مقابل الأصح : لا يبطل لأنه لا يسمي كلاما في اللغة، ولا يفهم منه شيء، فكان أشبه بالصوت المجرد. (٢) وأما الحنابلة فإِنهم یرون أنه إن بان حرفان من بكاء، أو تأوه خشيةٍ، أو أنين في الصلاة لم تبطل، لأنه يجري مجرى الذكر، وقيل: إن غلبه وإلا بطلت، كما لو لم يكن خشية، لأنه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى كالكلام، قال أحمد في الأنین: إذا كان غالبا أكرهه، أي من وجع، وإن استدعى البكاء فيها كره كالضحك وإلا فلا . (٣) (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٨٤/١ - ط دار الفكر. (٢) نهاية المحتاج ٣٤/٢، وحاشية قليوبي وعميرة ١/ ١٨٧، ومغني المحتاج ١٩٥/١ (٣) الفروع ١/ ٣٧٠، ٣٧١ - ١٧١ - بكاء ١٣ - ١٤ البكاء عند قراءة القرآن : ١٣ - البكاء عند قراءة القرآن مستحب، ويفهم ذلك من قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَيخِرُّون للأذْان یَْكُون ویَزِيدُهم خُشُوعا﴾ .(١) قال القرطبي : هذا مدح لهم، وحق لكل من توسم بالعلم، وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل. (٢) وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهم خُشُوعا﴾ أي یزیدهم لين قلب ورطوبة عين. (٣) وقال الطبري عند الكلام على هذه الآية: يقول تعالى ذكره: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين، من قبل نزول الفرقان، إذا يتلى عليهم القرآن الأذقانهم ييكون، ويزيدهم مافي القرآن من المواعظ والعبر خشوعا، يعني خضوعا لأمر الله وطاعته استكانة له . (٤) ويفهم استحباب البكاء أيضا عند قراءة القرآن بما أخرجه ابن ماجة وإسحاق بن راهويه (١) سورة الإسراء / ١٠٩ (٢) القرطبي ٣٤١/١٠ (٣) الكشاف ٢/ ٤٦٩، ط دار المعرفة. (٤) مراده بالآيتين: الآية ١٠٧، والآية ١٠٩ من سورة الإِسراء، والطبري ١٨١/١٥، ١٨٢ - ط الحلبي، وروح المعاني ١٥/ ١٩٠ - ط المنيرية. والبزار في مسندیهما من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعا: ((إن هذا القرآنَ نَزَل بحزن، فإذا قرأتموه فابْكوا، فإِن لم تبكوا فَتَباکوا)).(١) البكاء عند الموت وبعده : ١٤ - اتفق الفقهاء على أن البكاء إن كان قاصرا على خروج الدمع فقط بلا صوت فإنه جائز، قبل الموت وبعده، ومثله غلبة البكاء بصوت إذا لم يقدر على رده، ومثله حزن القلب. واتفقوا أيضا على تحريم الندب بتعداد محاسن الميت برفع صوت، إلا ما نقل في الفروع عن بعض الحنابلة . واتفقوا على تحريم النواح وشق الجيب أو الثوب ولطم الخد وما أشبه ذلك، إلا أن الحنفية عبروا في ذلك بالكراهة، ومرادهم الكراهة التحريمية، وبذلك لا يكون بين الفقهاء في ذلك خلاف . وأما إذا كان البكاء بصوت وغير مصحوب بنیاحة وندب أو شق جیب أونحوذلك، فیری الحنفية والمالكية والحنابلة أنه جائز، واشترط المالكية عدم الاجتماع للبكاء، وإلا كره. (٢) (١) حديث: ((إن هذا القرآن نزل بحزن فإِذا ... )) سبق تخريجه (ف ١). (٢) فتاوى قاضيخان والبزازية مع الفتاوى الهندية = - ١٧٢ - بكاء ١٥ والشافعية تفصيل أتى به القليوبي ، فقال: إن البكاء على الميت إن كان لخوف عليه من هول يوم القيامة ونحوه فلا بأس به، أو لمحبة ورقة كطفل فكذلك، ولكن الصبر أجمل، أو لصلاح وبركة وشجاعة وفقد نحو علم فمندوب، أو لفقد صلة وبر وقيام بمصلحة فمكروه، أو لعدم تسليم للقضاء وعدم الرضى به فحرام . (١) وقال الشافعي : يجوز البكاء قبل الموت، فإِذا مات أمسكن. واستدل بحديث النسائي عن جابر بن عتيك كما يأتي قريبا . (٢) واستدل الفقهاء في ذلك بما ورد في السنة، فقد أخرج الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: ((أخذ النبي ◌ُ ◌ّ بيد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ◌ِّ فوضعه في حجره فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أو لم تكن نهيتَ عن = ١٩٠/١، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٣٨٣/١، وحاشية ابن عابدين ١/ ٦٠٧، وحاشية الدسوقي ٤٢٢/١، وجواهر الإكليل ١١٢/١، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٢٣٥/٢، والخرشي مع حاشية العدوي ١٣٣/٢ (١) القليوبي ٣٤٣/١، ومغني المحتاج ٣٥٥/١، ٣٥٦، ونهاية المحتاج ٣/ ١٤، ١٥، والمهذب للشيرازي ١٤٦/١ (٢) المجموع للنووي ٣٠٧/٥ البكاء؟ قال: لا. ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان)). (١) وقد أخرج البخاري عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله وص﴾ قال: ((ليس منا مِن لَطَمَ الخدودَ وشقَّ الجيوبَ ودَعَى بدعوى الجاهليةِ)). (٢) فهذا يدل على عدم جواز ما ذكر فيه من اللطم وشق الجيب ودعوى الجاهلية. وأخرج النسائي عن جابر بن عتيك رضي الله عنه: ((أن رسول الله مَ ل# جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غُلِب، فصاح النسوة وبکین، فجعل ابن عتیك یسکتهن، فقال رسول الله وح لول: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية. قالوا: وما الوجوب يارسول الله؟ قال: الموت)). (٣) البكاء عند زيارة القبر : ١٥ - البكاء عند زيارة القبر جائز، والدليل على (١) حديث: ((نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ... )) أخرجه الحاكم (٤ / ٤٠ - ط دائرة المعارف العثمانية). (٢) حديث: ((ليس منا من لطم الخدود .... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٦٣/٣ - ط السلفية). (٣) حديث: جابر بن عتيك ((أن رسول الله وعليه جاء يعود ... )) أخرجه أبوداود (٣٨٢/٣ - ط عزت عبيد دعاس)، وفي إسناده جهالة عيتك بن الحارث، التهذيب لابن حجر (١٠٥/٧ - ط دائرة المعارف النظامية). - ١٧٣ - بكاء ١٦ - ١٨ ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((زار النبي ◌َله قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله ... )) إلخ الحديث. (١) اجتماع النساء للبكاء: ١٦ - اجتماع النساء للبكاء عند المالكية مكروه إن كان بلا صوت، وحرام إن كان معه صوت . (٢) والشافعية لا يجيزون الاجتماع للبكاء. (٣) ولم يتعرض الحنفية ولا الحنابلة لاجتماع النساء للبكاء. على أن الفقهاء متفقون على جواز البكاء بالدمع فقط بلا صوت، وإنما تأتي الكراهة أو التحريم على ما إذا قصد الاجتماع له . هذا، وإذا كان اجتماع النساء للبكاء مكروها أو محرما فكراهة أو تحريم اجتماع الرجال له أولى، وإنما خص الفقهاء النساء بالذكر لأن هذا شأنهن . (٤) أثر بكاء المولود عند الولادة: ١٧ - إذا بكى المولود عند ولادته، بأن استهل (١) حديث: ((زار النبي ◌َّلل قبر أمه فبكى ... )) أخرجه مسلم (٦٧١/٢ - ط الحلبي). (٢) جواهر الإكليل ١١٤/١، ومواهب الجليل ٢٤٠/٢، ٢٤١، وحاشية الدسوقي ١/ ٤٢٤ (٣) مغني المحتاج ٣٥٦/١ (٤) حاشية الدسوقي ١/ ٤٢٤ صارخا، فإن ذلك يدل على تحقق حياته، سواء انفصل بالكلية كما عند الشافعية، أم لم ينفصل كما عند الحنفية. فإن لم يبك، ولم توجد منه علامة تدل على الحياة فلا يحكم بحياته. فإِن بدا منه ما يدل على حياته، كالبكاء والصراخ ونحو ذلك، فإِنه يعطى حكم الأحياء، فيسمى ويرث، ويقتص من قاتله عمدا، ويستحق مواليه الدية في غیر العمد فإن مات بعد تحقق حياته فإنه يغسل ويصلى عليه ويورث . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح (استهلال). أثر بكاء البكر عند الاستئذان لتزويجها : ١٨ - إذا استؤذنت البكر في النكاح فبكت، فإِن للفقهاء في دلالته على الرضا وعدمه اتجاهات ثلاثة : أ - فالحنفية والشافعية يقولون: إن كان البكاء بلا صوت فيدل على الرضا، وإن كان بصوت فلا يدل على الرضا. (١) ب - والمالكية يقولون: إن بكاء البكر غير المجبرة، وهي التي يزوجها غير الأب من الأولياء، يعتبر رضا، لاحتمال أن هذا البكاء إنما هو لفقد الأب مثلا، فإِن علم أنه للمنع من (١) الاختيار لتعليل المختار ٣/ ٩٢ ط دار المعرفة، وفتح الباري ٩/ ١٩٣ - ط الریاض. - ١٧٤ - بكاء ١٩ الزواج لم يكن رضا. (١) جـ ـ والحنابلة يقولون: إن البكاء إذن في النكاح، لما روى أبو هريرة قال رسول الله وكل : ((تستأمر اليتيمة فإِذا بكت أوسكتت فهو رضاها، وإن أبت فلا جواز عليها))(٢) ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماع الاستئنذان، فكان ذلك إذنا منها كالصمات. والبكاء يدل على فرط الحياء لا الكراهة. ولو كرهت لامتنعت، فإِنها لا تستحي من الامتناع. (٣) بكاء المرء هل يكون دليلا على صدق مقاله : ١٩ - بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله، ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة يوسف ﴿وَجَاءوا أبَاهم عِشَاءً يَبْكون﴾ . (٤) فإِن إخوة يوسف تصنعوا البكاء ليصدقهم أبوهم بما أخبروه به، مع أن الذي أخبر وه به كذب، فهم الذین دبروه وفعلوه . (١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٢٧/٢ ط دار الفکر. (٢) حديث: ((تستأمر اليتيمة، فإِذا بكت أو سكتت ... )) أخرجه أبوداود (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥ - ط عزت عبيد دعاس) وقال أبوداود: وليس ((بكت)) بمحفوظ، وهووهم في الحديث، الوهم من إدريس أو محمد بن العلاء. وأما أصل الحديث دون قوله ((بكت)) فأخرجه البخاري (الفتح ٩/ ١٩١ - ط السلفية). (٣) مطالب أولي النهى ٥/ ٥٦، ٥٧ ط - المكتب الإسلامي. (٤) سورة يوسف / ١٦ قال القرطبي قال علماؤنا: هذه الآية دلیل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر علی ذلك، وفيهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفی. کما قال حكيم : إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى (١) (١) القرطبي ٩/ ١٤٥ - ١٧٥ - بكارة ١ - ٣ بكارة التعريف : ١ - البكارة (بالفتح) لغة: عذرة المرأة، وهي الجلدة التي على القبل. (١) والبكر: المرأة التي لم تفتض، ويقال للرجل : بكر، إذا لم يقرب النساء، ومنه حديث «البِكرُ بالبِكرِ جلدُ مائةٍ ونَفْي سنةٍ)).(٢) والبكر اصطلاحا عند الحنفية: اسم لامرأة لم تجامع بنكاح ولا غيره، فمن زالت بكارتها بغير جماع كوثبة، أو درور حيض، أو حصول جراحة، أو تعنیس : بأن طال مكثها بعد إدراكها في منزل أهلها حتى خرجت عن عداد الأبكار فهي بكر حقيقة وحكما. (٣) وعرفها المالكية: بأنها التي لم توطأ بعقد (١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: ((بكر)) (٢) حديث: ((البكر بالبكر جلد مائة ... )) أخرجه مسلم (١٣١٦/٣ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت. (٣) رد المحتار على الدر المختار ٣٠٢/٢ دار إحياء التراث العربي. صحيح، أو فاسد جرى مجرى الصحيح. وقيل: إنها التي لم تزل بكارتها أصلا. (١) الألفاظ ذات الصلة : أ - العذرة : ٢ - العذرة لغة: الجلدة التي على المحل. (٢) ومنه العذراء، وهي: المرأة التي لم تزل بكارتها بمزيل . (٣) فالعذراء: ترادف البكر لغة وعرفا، وقد يفرقون بينهما، فيطلقون العذراء على من لم تزل بكارتها أصلا، وقال الدردير: إذا جرى العرف بالتسوية بينهما يعتبر . (٤) ب - الثيوبة : ٣ - الثيوبة: زوال البكارة بالوطء ولو حراما. والثيب لغة: ضد البكر، فهي التي تزوجت فثابتْ، وفارقت زوجها بأي وجه کان بعد أن مسها، وعن الأصمعي أن الثيب: هو الرجل أو المرأة بعد الدخول. (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ٢٨١ ط عيسى الحلبي بمصر. (٢) لسان العرب مادة: ((عذر)). (٣) رد المحتار على الدر المختار ٣٠٢/٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٨١/٢ (٤) نهاية المحتاج ٦/ ٢٢٣ ط المكتبة الإسلامية، والدسوقي ٢٨١/٢ - ١٧٦ - بكارة ٤ - ٥ والثيب اصطلاحا: من زالت بكارتها بالوطء ولو حراما. (١) والثيب والبكر ضدان . ماتثبت به البكارة عند التنازع : ٤ - أجاز جمهور الفقهاء قبول شهادة النساء في البكارة والثيوبة. واختلفوا في العدد المشترط : فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن البكارة تثبت بشهادة امرأة ثقة، والثنتان أحوط وأوثق . وأجاز أبوالخطاب من الحنابلة شهادة الرجل في ذلك. وذهب المالكية - على ماصرح به خليل والدردير في شرحيه - إلى أنها تثبت بشهادة امرأتين . لکن قال الدسوقي في باب النکاح : إن أتی الرجل بامرأتين، أو امرأة واحدة تشهد له على ماتصدق فيه الزوجة قبلت. وقال الشافعية: تثبت البكارة بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو شهادة أربع نسوة . (٢) (١) لسان العرب والمصباح المنير مادة ((ثيب))، وكشاف القناع ٥/ ٤٦ ط الریاض. (٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٩٦، ٨٩/٤، ٣٧١ ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٨٥/٢، ١٨٨/٤، وشرح المنهاج ٣٢٥/٤، والإقناع = ومناط قبول شهادة المرأة في إثبات البكارة أن موضعها عورة لا يطلع عليه الرجال إلا للضرورة، وروى مالك عن الزهري : مضت السنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادة النساء وعيوبهن. (١) وقیس على ذلك البكارة والثبوبة . وتثبت البكارة كذلك باليمين حسب التفصيل الذي سيأتي . أثر البكارة في عقد النكاح : ما يكون به إذن البكر: ٥ - اتفق الفقهاء على أن سكوت البكر البالغة عند استئذانها في النكاح إذن منها، لحديث: ((البكر تُسْتأذن في نفسها، وإِذْنها صُماتها)). (٢) ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيِ وَّ قال: ((الأيّم أحقُ بنفسها مِن وَليها، والبكرُ تُسْتأذن في نفسِها، وإِذْنُها صماتها)). (٣) = للخطيب الشربيني ٢ / ٦٩، وكشاف القناع ١٣/٥ ط الرياض، المغني لابن قدامة ١٥٥/٩، ١٥٧ (١) الأثر عن الزهري أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كما في نصب الراية (٤ /٨٠ ط المجلس العلمي) وعبدالرزاق في مصنفه (٨/ ٣٣٣ ط المجلس العلمي) مطولا . (٢) حديث: ((البكر تستأذن في نفسها ... )) أخرجه مسلم (١٠٣٧/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس. (٣) حديث: ((الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر ... )) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٣٧ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس. - ١٧٧ - بكارة ٦ - ٧ ومثل السكوت: الضحك بغير استهزاء، لأنه أدل على الرضا من السكوت، وكذا التبسم والبكاء بلا صوت، لدلالة بكاها على الرضا ضمنا . والمعول عليه اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضحك، فإِن تعارضت أو أشكل احتيط. (١) واستثمار البكر البالغة العاقلة مندوب عند الجمهور، لأن لوليها الحق في إجبارها على النكاح. وسنة عند الحنفية،لأنه ليس لوليها حق الإِجبار. (٢) وتفصيل ذلك في مصطلح (نكاح). ٦ - وقد ذکر المالکیة أبکارا لا یکتفی بصمتهن، بل لابد من إذنهن بالقول عند استئذانهن في النكاح : أ - بكر رشدها أبوها أو وصیه بعد بلوغها، لأنه لا جبر لأبيها عليها، لما قام بها من حسن التصرف على المعروف في المذهب. (١) حاشية ابن عابدين ٢٩٨/٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٢٤/٢، ٢٢٧ ط دار الفكر، والقليوبي على شرح المنهاج ٢٢٣/٣ ط عيسى الحلبي بمصر، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٩٣، ٤٩٤ ط الرياض، وكشاف القناع ٤٣/٥، ٤٦ ط الرياض. (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٢٤/٢، ٢٢٧، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٢٤، وكشاف القناع ٤٣/٥، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٩١ ط الرياض، وحاشية ابن عابدين ٢٩٨/٢ ومابعدها، وفتح القدير ٣/ ١٦٤. ب - بكر مجبرة عَضَلها أبوها، أي منعها من النكاح لا لمصلحتها، بل للإضرار بها، فرفعت أمرها للحاكم، فأراد تزويجها لامتناع أبيها، وزوجها . جـ - بكر يتيمة مهملة لا أب لها ولا وصي، خيف فسادها بفقر أوزنى أو عدم حاضن شرعي في قول، والمعتمد أنها تجبر . د - بكر غير مجبرة، افتيت عليها، زوجها ولیھا غیر المجبر ۔۔ وهو غیر الأب ووصیہ - بغیر إذنها، ثم أنهى إليها الخبر فرضيت . هـ - بكر أريد تزويجها لذي عيب موجب لخيارها، كجنون وجذام وبرص. (١) والتفصیل في مصطلح (نكاح). اشتراط الولي وعدمه : ٧ - البكر إن كانت صغيرة فالإِجماع على أنها لا تزوج نفسها، بل يزوجها وليها . وأما إن كانت كبيرة، فجمهور الفقهاء من السلف والخلف على أنها لا تزوج نفسها، وإنما يزوجها وليها. وعند المالكية: ولو كانت عانسا (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٢٨، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي ٣٦٧/٢، ٣٦٨ ط دار المعارف بمصر. - ١٧٨ - بكارة ٨ بلغت الستين في مشهور المذهب. (١) وذهب الحنفية إلى أنه ليس لوليها حق إجبارها، ولها أن تزوج نفسها، فإِن زوجت نفسها بغير كفء، أو بدون مهر المثل، فلوليها حق طلب الفسخ مالم تحمل . (٢) وروي عن أبي يوسف أن نكاح الحرة البالغة العاقلة إذا كانت بكرا لا ينعقد إلا بولي، وعن محمد ينعقد موقوفا . والتفصيل في مصطلح (نكاح). متى يرتفع الإِجبار مع وجود البكارة: ٨ - أ- يرى المالكية أن الأب لا يجبر بكرا رشّدها - إن بلغت - بأن قال لها: رشدتك، أو أطلقت يدك، أو رفعت الحجر عنك، أو نحو ذلك. وثبت ترشيدها بإقراره، أو ببينة إن أنكر، وحيث كانت لا تجبر فلابد من نطقها وإذنها، وهو المعروف في المذهب. وقال ابن عبدالبر: له جبرها. ب - إذا عضل والد البكر المجبرة، ومنعها (١) ابن عابدين ٢/ ٢٦٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٢٢/٢ -٢٢٤، ونهاية المحتاج ٢٢٣/٢ ط مصطفى الحلبي بمصر، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٤٩ ط الریاض. (٢) رد المحتار على الدر المختار ٢٩٦/٢، ٢٩٨ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير والعناية ١٥٧/١، ١٦٣ من نكاح من ترغب فيه، ورفعت أمرها للقضاء، وثبت كفاءة من ترغب في زواجه يأمره الحاكم بتزويجها، فإن امتنع ارتفع إجباره، وزوجها الحاكم، ولابد من نطقها برضاها بالزوج وبالصداق. (١) ولا يختلف مذهب الشافعية والحنابلة عن هذا إلا في بعض التفصيلات، كتكرار امتناع الولي العاضل مرارا . (٢) جـ ـ والبكر اليتيمة الصغيرة إذا خيف فسادها، يجبرها وليها على التزويج، وتجب مشاورة القاضي على المعتمد عند المالكية . (٣) ولا خصوصية لهذا الحالة عند الحنفية، لأن مطلق الصغيرة - بكرا كانت أوثيبا - لوليها إجبارها على النكاح، ثم إذا بلغت وكان الولي المجبر غير الأب أو الجد ثبت لها خيار البلوغ. وذهب الحنابلة - في رواية - إلى أن الولي المجبر هو الأب فقط، ولا يزوج الصغيرة غيره ولو كان جدا. وفي المذهب رواية أخرى كمذهب الحنفية . ويرى الشافعية أن ولاية الإِجبار في تزويج (١) حاشية الدسوقي ٢٣١/٢، وشرح الزرقاني ١٧٨/٢ (٢) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي ٢٢٥/٣، وكشاف القناع ٤٤/٥، ٥٤، ٥٥ ط الریاض. (٣) شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢/ ٢٢٤، وحاشية ابن عابدين ٢٩٦/٢، والمغني ٤٨٩/٦، والقليوبي ٢٢٣/٣ ط عيسى الحلبي. - ١٧٩ - بكارة ٩ البكر هي للأب والجد وحدهما، دون بقية الأولياء. فالبكر اليتيمة تنحصر ولاية إجبارها في الجد. اشتراط الزوج بكارة الزوجة : ٩ - ذهب الحنفية إلى أن الرجل لو تزوج امرأة على أنها بكر، فتبین بعد الدخول أنها ليست كذلك، لزمه كل المهر، لأن المهر شرع لمجرد الاستمتاع دون البكارة، وحملا لأمرها على الصلاح، بأن زالت بوثبة . فإِن کان قد تزوجها بأزيد من مهر مثلها على أنها بكر، فإذا هي غير بكر، لا تجب الزيادة، لأنه قابل الزيادة بما هو مرغوب فيه، وقد فات، فلا يجب ماقوبل به. ولا يثبت بتخلف شرط البكارة فسخ العقد. (١) وعند المالكية: إذا تزوج الرجل امرأة ظانا أنها بكر، ثم تبين أنها ثيب، ولا علم عند أبيها، فلا رد للزوج بذلك، إلا أن يقول: أتزوجها بشرط أنها (عذراء) وهي التي لم تزل بكارتها بمزيل، فإذا وجدها ثيبا فله ردها، وسواء أعلم الولي أم لا ، وسواء أكانت الثيوبة بنكاح أم لا . وأما إذا شرط أنها (بكر) فوجدها ثيبا بغير (١) حاشية ابن عابدين ٣٤٦/٢، و٤٨/٤ وطء نكاح، ولم يعلم الأب بذلك، ففیه تردد، قيل: يخير، وقيل: لا، وهو الأصوب لوقوع اسم البكارة عليها. ولأن البكارة قد تزول بوثبة ونحوها. وإن علم الأب بثيوبتها بلا وطء وكتم، فللزوج الرد على الأصح، وأحرى بوطء . ولو شرط البكارة ووجدها قد ثیّت بنكاح، فله الرد مطلقا علم الأب أم لا . (١) وعند الشافعية: لو نكح امرأة بشرط بكارتها، فتبين فوات الشرط صح النكاح في الأظهر، لأن المعقود عليه معين لا يتبدل بخلف الصفة المشروطة. والقول الثاني عندهم : بطلانه، لأن النكاح يعتمد الصفات والأسماء دون التعيين والمشاهدة، فيكون اختلاف الصفة فيه كاختلاف العين. (٢) وورد عن الحنابلة: إن شرط في التزويج أن تكون بكرا فوجدها ثيبا بالزنى ملك الفسخ . وإن شرط أن تكون بكرا فبانت ثيبا، قال ابن قدامة: عن أحمد كلام يحتمل أمرين : أحدهما: لا خيارله، لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى ثمانية عيوب، فلا يرد منه بمخالفة الشرط . (١) الخرشي على مختصر خليل ٣/ ٢٣٩ ط دار صادر (٢) شرح منهاج الطالبين ٢٦٥/٣ ط عيسى الحلبي بمصر. - ١٨٠ -