Indexed OCR Text

Pages 101-120

إكراه ٥ - ٩
الألفاظ ذات الصلة :
٥ ۔ الرضی والاختیار:
الرضى لغة: الاختيار. يقال: رضيت الشيء
ورضيت به: اخترته.
والاختيار لغة: أخذ مايراه خيرا. (١)
وأما في الاصطلاح، فإِن جمهور الفقهاء لم يفرقوا
بين الرضى والاختيار، لكن ذهب الحنفية إلى
التفرقة بینهما .
فالرضى عندهم هو: امتلاء الاختيار وبلوغه
نهايته، بحيث يفضي أثره إلى الظاهر من ظهور
البشاشة في الوجه ونحوها .
أو هو: إيثار الشيء واستحسانه. (٢)
والاختيار عند الحنفية هو: القصد إلى مقدور
متردد بين الوجود والعدم بترجيح أحد جانبيه على
الآخر.
أو هو: القصد إلى الشيء وإرادته. (٣)
حكم الإكراه :
٦ - الإِکراه بغير حق ليس محرما فحسب، بل هو
إحدى الكبائر، لأنه أيضا ينبىء بقلة الاكتراث
بالدين، ولأنه من الظلم. وقد جاء في الحديث
القدسي : ((يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي
وجعلته بينكم محرَّما فلا تَظَالموا ... ))(٤)
(١) لسان العرب والمصباح المنير. والمفردات للراغب الأصفهاني.
(٢) كشف الأسرار ٤/ ٣٨٣، وابن عابدین ٤/ ٧
(٣) التلويح ١٩٦/٢، وابن عابدين ٤/ ٧
(٤) نيل الأوطار ٣٠٨/٨، والفتاوی الکبری لابن حجر ١٧٣/٤،
وتيسير التحرير ٣١٠/٢.
وحديث ((يا عبادي إني حرمت الظلم .. )) أخرجه مسلم
(٤ /١٩٩٤ - ط الحلبي).
شرائط الإكراه
الشريطة الأولى :
٧ - قدرة المکره (بالکسر) علی إیقاع ما هدد به،
لكونه متغلبا ذا سطوة وبطش - وإن لم یکن سلطانا
ولا أميرا - ذلك أن تهديد غير القادر لا اعتبار
له.(١)
الشريطة الثانية :
٨ - خوف المکره (بفتح الراء) من إيقاع ما هدد به،
ولا خلاف بين الفقهاء في تحقق الإكراه إذا كان
المخوف عاجلا. فإن كان آجلا، فذهب الحنفية
والمالكية والحنابلة والأذرعي من الشافعية إلى تحقق
الإكراه مع التأجيل. وذهب جماهير الشافعية إلى
أن الإكراه لا يتحقق مع التأجيل، ولو إلى الغد.
والمقصود بخوف الإيقاع غلبة الظن، ذلك أن
غلبة الظن معتبرة عند عدم الأدلة، وتعذر التوصل
إلى الحقيقة . (٢)
الشريطة الثالثة :
٩-أن یکون ما هدد به قتلا أو إتلاف عضو، ولو
بإِذهاب قوته مع بقائه كإِذهاب البصر، أو القدرة
على البطش أو المشي مع بقاء أعضائها، (٣) أو
(١) المبسوط ٣٩/٢٤، ورد المحتار ٥/ ٨٠، والخرشي ١٧٥/٣،
ومغني المحتاج ٣/ ٢٩٠، والمغني لابن قدامة ٨/ ٢٦١
(٢) رد المحتار ٥/ ٨٠، ٨٨، والمبسوط ٧٨/٢٤، ٤٩، ٧١،
والبزازية بهامش الهندية ١٣١/٦، والخرشي ١٧٤/٣،
والشرقاوي على التحرير ٣٩١/٢، تحفة المحتاج ٣٦/٧،
وأسنى المطالب ٢٨٣/٣، ومغني المحتاج ٢٨٩/٣، ٢٩٠،
والمقنع ١٣٥/٣، والمغني ٢٦١/٨
(٣) وما يحسبه الأخرق مهلکا - وإن لم یکن کذلك - يحقق إكراهه، =
- ١٠١ -

إکراه ١٠ - ١١
غيرهما مما يوجب غما يعدم الرضا، ومنه تهديد المرأة
بالزنى، والرجل باللواط.
أما التهديد بالإِجاعة، فيتراح بين هذا وذاك،
فلا يصير ملجئا إلا إذا بلغ الجوع بالمكرَه (بالفتح)
حد خوف الهلاك . (١)
ثم الذي يوجب غما يعدم الرضا يختلف
باختلاف الأشخاص والأحوال: فليس الأشراف
کالأراذل، ولا الضعاف کالأقوياء، ولا تفویت المال
اليسير كتفويت المال الكثير، والنظر في ذلك
مفوض إلى الحاكم، يقدر لكل واقعة قدرها. (٢)
الشريطة الرابعة :
١٠ - أن يكون المكرّه ممتنعا عن الفعل المكره عليه
لولا الإكراه، إما لحقِّ نفسه - كما في إكراهه على بيع
ماله - وإما لحق شخص آخر، وإما لحق الشرع -
کما في إكراهه ظلما علی إتلاف مال شخص آخر،
أو نفس هذا الشخص، أو الدلالة عليه لذلك(٣) أو
= كما أشرنا سلفا (قليوبي على المنهاج ٣٣٢/٣) وقولهم: لا عبرة
بالظن البينّ خطؤه، محله فيما يحتاج إلى النية، لا ما يناط فيه الأمر
بالظاهر كما هنا، إذ هو ساقط الطواعية وإن کان بظن فاسد.
(١) البدائع ٩/ ٤٤٨١، وأشباه السيوطي ص ٢٠٩
(٢) المبسوط ٢٤/ ٥٢، والتلويح ١٩٨/٢، ورد المحتار ٨١/٥،
والخرشي ٣/ ١٧٤، والمهذب ٧٩/٢، والفروع ١٧٦/٣
(٣) وله - أو عليه - إذا حلفه الحامل، أن يحلف كاذبا، ويحنث، لأنه
مخير بين اليمين والدلالة، كما هي القاعدة عند غير الحنفية
والمالکیة، فیما اعتمدوه. وقيل: لا تنعقد يمينه أصلا، واختاره
ابن رجب من الحنابلة (قواعده ٣٧) ومقتضى قواعد الحنفية
والمالكية أن هذا التخيير لا ينافي الإكراه، ولكن يمين المكره
منعقدة وصحيحة في رأي الحنفية، وباطلة أو قابلة للإِجازة عند
المالكية، كما سيجيء.
على ارتكاب موجب حد في خالص حق الله،
كالزنی وشرب الخمر. (١)
الشريطة الخامسة :
١١ - أن يكون محل الفعل المكرَه عليه متعينا. وهذا
عند الشافعية وبعض الحنابلة على إطلاقه. وفي
حكم المتعين عند الحنفية، ومن وافقهم من الحنابلة
مالوخير بين أمور معينة . (٢)
ويتفرغ على هذا حكم المصادرة التي سلف
ذكره في فقرة (٤).
ومنه يستنبط أن موقف المالكية في حالة الإِبهام
أدنى إلى مذهب الحنفية، بل أوغل في الاعتداد
بالإِكراه حينئذ، لأنهم لم يشترطوا أن يكون مجال
الإِبهام أمورا معينة .
أما الإكراه على طلاق إحدى هاتين المرأتين، أو
قتل أحد هذين الرجلين، فمن مسائل الخلاف
الذي صدرنا به هذه الشريطة :
فعند الحنفية والمالكية، ومعهم موافقون من
الشافعية والحنابلة، يتحقق الإِكراه برغم هذا
التخییر .
وعند جماهير الشافعية، وقلة من الحنابلة، لا
يتحقق، لأن له مندوحة عن طلاق كل بطلاق
الأخرى - وكذا في القتل - نتيجة عدم تعيين
المحل. (٣) والتفصيل في الفصل الثاني.
(١) رد المحتار٥/ ٨٠، ومغني المحتاج ٢٣٩/٣، ٢٩٠، ونيل
المآرب ٧٣/٢
(٢) رد المحتار ٨٨/٥، والمبسوط ٢٤ /٦١
(٣) فتاوى ابن حجر ١٧٦/٤، وأشباه السيوطي ص ٢١٠،
ومطالب أولي النهى ٣٢٦/٥
- ١٠٢ -

إكراه ١٢
الشريطة السادسة :
١٢ - ألا يكون للمكرَه مندوحة عن الفعل المكرّه
علیه، فإن كانت له مندوحة عنه، ثم فعله لا يكون
مكرها عليه، وعلى هذا لوخير المكرّه بين أمرين
فإِن الحكم يختلف تبعا لتساوي هذين الأمرين أو
تفاوتهما من حيث الحرمة والحل، وتفصيل الكلام في
ذلك کمايلي :
إن الأمرین المخیر بینهما إما أن یکون کل واحد
منہما محرما لا یرخص فیه، ولا یباح أصلا، كما لو
وقع التخيير بين الزنى والقتل.
أُویکون کل واحد منهما محرما یرخص فیه عند
الضرورة، كما لووقع التخيير بين الكفر وإتلاف
مال الغير .
أویکون كل واحد منهما محرما يباح عند
الضرورة، كما لو وقع التخيير بین أكل الميتة وشرب
الخمر.
أويكون كل واحد منهما مباحا أصالة أو
للحاجة، كما لو وقع التخيير بين طلاق امرأته وبيع
شيء من ماله، أو بين جمع المسافر الصلاة في الحج
وفطره في نهار رمضان .
ففي هذه الصور الأربع التي يكون الأمران
المخير بينهما متساويين في الحرمة أو الحل، يترتب
حكم الإِكراه على فعل أي واحد من الأمرين
المخير بينهما، وهو الحكم الذي سيجىء تقريره
بخلافاته وكل ما يتعلق به، لأن الإكراه في الواقع
ليس إلا على الأحد الدائر دون تفاوت، وهذا لا
تعدد فیه، ولا يتحقق إلا في معین، وقد خالف في
هذا أكثر الشافعية وبعض الحنابلة، فنفوا حصول
الإكراه في هذه الصور.
وإن تفاوت الأمران المخیر بینہما، فإن كان
أحدهما محرما لا یرخص فیه ولا یباح بحال کالزنى
والقتل، فإِنه لا يكون مندوحة، ويكون الإكراه
واقعا على المقابل له، سواء أكان هذا المقابل محرما
يرخص فيه عند الضرورة، کالكفر وإتلاف مال
الغير، أم محرما يباح عند الضرورة، كأكل الميتة
وشرب الخمر، أم مباحا أصالة أو للحاجة، كبيع
كشيء معين من مال المكره، والإِفطار في نهار
رمضان، ويترتب على هذا الإكراه حكمه الذي
سيجيء تفصيله بخلافاته .
وتكون هذه الأفعال مندوحة مع المحرم الذي لا
یرخص فیہ ولا یباح بحال، أما هو فإنه لا یمکن
مندوحة لواحد منها، ففي الصور الثلاث المذكور
آنفا، وهي ما لو وقع التخيير بين الزنى أو القتل
وبين الكفر أو إتلاف مال الغير، أووقع التخییر بین
الزنى أو القتل وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، أو
وقع التخيير بين الزنى أو القتل وبين بيع شيء
معین من المال، فإِن الزنی أو القتل لا يكون مكرها
علیه، فمن فعل واحدا منهما كان فعله صادرا عن
طواعية لا إكراه، فيترتب عليه أثره إذا كان الإِكراه
ملجئا حتى يتحقق الإِذن في فعل المندوحة، وكان
الفاعل عالما بالإِذن له في فعل المندوحة عند
الإكراه .
وإن کان أحد الأمرين المخیر بينهما محرما یرخص
فيه عند الضرورة، والمقابل له محرما يباح عند
الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو إتلاف
مال الغير، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، فإِنهما
يكونان في حكم الأمرين المتساويين في الإِباحة،
فلا يكون أحدهما مندوحة عن فعل الآخر، ويكون
- ١٠٣ -

إكراه ١٣ - ١٥
الإكراه واقعا على فعل كل واحد من الأمرين
المخیر بینهما، متى كان بأمر متلف للنفس أو لأحد
الأعضاء.
وإن كان أحد الأمرين محرما يرخص فيه أو يباح
عند الضرورة، والمقابل له مباحا أصالة أو
للحاجة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو شرب
الخمر، وبين بيع شيء من مال المكره أو الفطر في
نهار رمضان، فإن المباح في هذه الحالة يكون
مندوحة عن الفعل المحرم الذي يرخص فيه أويباح
عند الضرورة، وعلى هذا يظل على تحريمه،
سواء كان الإِكراه بمتلف للنفس أو العضو أو بغير
متلف لأحدهما، لأن الإكراه بغير المتلف لا يزيل
الحظر عند الحنفية مطلقا، والإكراه بمتلف - وإن
كان يزيل الحظر - إلا أن إزالته له بطريق
الاضطرار، ولا اضطرار مع وجود المقابل المباح. (١)
تقسيم الإكراه
ينقسم الإِكراه إلى : إكراه بحق، وإكراه بغير
حق. والإِكراه بغير حق ینقسم إلى إكراه ملجیء،
وإكراه غیر ملجىء.
أولا : الإكراه بحق :
تعريفه :
١٣ - هو الإِكراه المشروع ، أي الذي لا ظلم فيه
(١) المبسوط ١٣٥/٢٤، ١٣٨، ١٤٠، ١٤١، ١٥٢، وابن عابدين
٨٨،٨٧/٥، والبحر الرائق ٨٧/٨، وبدائع الصنائع
٤٤٩٢/٩ - ٤٤٩٣، ٤٤٩٨، والفتاوى الهندية ٤٠/٥، ٤١،
والفواكه الدواني ٢٤٣/٢، والخرشي ٣٢٧/٢، ٣٢٨،
٣٨٤/٣، ٦٧٢، والحموي على الأشباه ١/ ١٢٤، وتحفة
المحتاج ٥٧٣/٧، والغرر على البهجة ٥٩/٥، والمهذب
١/ ٢٥٠، والقليوبي على المنهاج ٢٦٤/٤ والخرشي ٣٢٧/٢،
٣٢٨
ولا إثم. (١)
وهو ما توافر فيه أمران :
الأول : أن يحق للمکره التهدید بما هدد به.
الثاني : أن يكون المكره عليه مما يحق للمكره
الإلزام به. وعلى هذا فإِكراه المرتد على الإِسلام
إكراه بحق، حيث توافر فيه الأمران، وكذلك إكراه
المدين القادر على وفاء الدين، وإكراه المولي على
الرجوع إلى زوجته أو طلاقها إذا مضت مدة
الإِيلاء.(٢)
أثره :
١٤ - والعلماء عادة يقولون : إن الإِكراه بحق، لا
ينافي الطوع الشرعي - وإلا لم تكن له فائدة،
ويجعلون من أمثلته إكراه العنين على الفرقة، ومن
عليه النفقة على الإِنفاق، والمدين والمحتكر على
البيع، وكذلك من له أرض بجوار المسجد أو المقبرة
أو الطريق يحتاج إليها من أجل التوسيع، ومن معه
طعام يحتاجه مضطر. (٣)
ثانيا : الإكراه بغير حق :
تعريفه :
١٥ - الإِكراه بغير حق هو الإِكراه ظلما، أو الإكراه
المحرم، لتحریم وسيلته، أو لتحريم المطلوب به .
ومنه إكراه المفلس على بيع ما يترك له . (٤)
(١) جواهر الإكليل ٣/٢
(٢) فتاوى ابن حجر ١٧٣/٤
(٣) رد المحتار ٥/ ٨٠، والخرشي ١٧٤/٣، ٣٦٥، وجواهر الإكليل
٣/٢، والمهذب ٧٩/٢، والقليوبي على المنهاج ٣٥٩/٣،
والغرر على البهجة ٢٤٨/٤، وأشباه السيوطي ٢٠٦، ٢١١،
والقواعد الکبری لابن حجر ص ٣١، ٢٢١
(٤) الخرشي ٣٦٥/٣
- ١٠٤ -

إكراه ١٦ - ١٩
الإكراه الملجىء والإكراه غير الملجىء:
١٦ - تقسيم الإِكراه إلى ملجىء وغير ملجىء
يتفرد به الحنفية .
فالإكراه الملجىء عندهم هو الذي یکون
بالتهديد باتلاف النفس أو عضومنها، أو بإتلاف
جميع المال، أو بقتل من يهم الإِنسان أمره.
وحكم هذا النوع أنه يعدم الرضى ويفسد
الاختیار ولا یعدمه. أما إعدامه للرضی ، فلأن
الرضا هو الرغبة في الشيء والارتياح إليه، وهذا لا
یکون مع أي إكراه.
وأما إفساده للاختیار دون إعدامه، فلأن
الاختيار هو: القصد إلى فعل الشيء أو تركه
بترجيح من الفاعل، وهذا المعنى لا يزول
بالإكراه، فالمكره یوقع الفعل بقصده إلیه، إلا أن
هذا القصد تارة یکون صحیحا سلیما، إذا كان
منبعثا عن رغبة في العمل، وتارة یکون فاسدا، إذا
كان ارتكابا لأخف الضررين، وذلك كمن أکره
على أحد أمرین كلاهما شر، ففعل أقلهما ضررا
به، فإن اختياره لما فعله لا یکون اختیارا صحیحا،
بل اختیارا فاسدا .
والإِكراه غير الملجىء هو : الذي يكون بمالا
يفوت النفس أوبعض الأعضاء، كالحبس لمدة
قصيرة، والضرب الذي لا يخشى منه القتل أوتلف
بعض الأعضاء.
وحکم هذا النوع أنه یعدم الرضا ولكن لا يفسد
الاختیار، وذلك لعدم اضطرار المکره إلى الاتیان بما
أكره عليه، لتمكنه من الصبر على تحمل ما هدد به
بخلاف النوع الأول. (١)
(١) المبسوط ٤٨/٢٤، وابن عابدين ٨٠/٥ - ٨١، ٨٩، وفتح
القدير ٢٩٨/٧، والبدائع ٤٤٧٩/٩
١٧ - أما غير الحنفية فلم يقسموا الإِكراه الى
ملجیء وغیر ملجیء كما فعل الحنفیة، ولکنهم
تكلموا عما يتحقق به الإكراه وما لا يتحقق، ومما
قرروه في هذا الموضوع يؤخذ أنهم جميعا يقولون بما
سماه الحنفية إكراها ملجئا، أما مايسمى بالإكراه
غير الملجیء فإنهم يختلفون فیه، فعلى إحدى
الروايتين عن الشافعي وأحمد يُعتبر إكراها، وعلى
الرواية الأخرى لا يعتبر إكراها.
أما عند المالكية فإنه لا يعتبر إكراها بالنسبة
لبعض المكره عليه، ويعتبر إكراها بالنسبة للبعض
الآخر، فمن المكره عليه الذي لا يعتبر الإكراه غير
الملجىء إكراها فيه: الكفر بالقول أو الفعل،
والمعصية التي تعلق بها حق لمخلوق، كالقتل أو
القطع، والزنى بامرأة مكرهة أولها زوج، وسب
نبي أو مَلَك أو صحابي، أو قذف لمسلم.
ومن المكره عليه الذي يعتبر الإِكراه غير
الملجىء إكراها فيه: شرب الخمر، وأكل الميتة،
والطلاق والأيمان والبيع وسائر العقود والحلول
والآثار. (١)
أثر الإكراه :
١٨ - هذا الأثر موضع خلاف، بين الحنفية وغير
الحنفية، على النحوالآتي :
أثر الإكراه عند الحنفية :
١٩ - يختلف أثر الإكراه عند الحنفية باختلاف
القول أو الفعل الذي يقع الإِکراه علیه، فإن كان
المكره عليه من الإقرارات، كان أثر الإكراه إبطال
الإقرار وإلغاؤه، سواء كان الإكراه ملجئا أم غير
(١) جواهر الإكليل ٢٨١/٢، وبلغة السالك ١/ ٤٥٢، والخرشي
١٧٥/٣، ١٧٦، وتحفة المحتاج ٣٦٩/٧، والأشباء للسيوطي
ص ٢٠٩، ومغني المحتاج ٣/ ٢٩٠، والفروع ٣٨٤/٣، ٤٧٦،
- ١٠٥ -

إكراه ١٩ - ٢١
ملجىء. فمن أكره على الاعتراف بمال أوزواج أو
طلاق کان اعترافه باطلا، ولا يعتد به شرعا، لأن
الإِقرار إنما جعل حجة في حق المقر باعتبار ترجح
جانب الصدق فيه على جانب الكذب، ولا
يتحقق هذا الترجيح مع الإكراه، إذ هو قرينة قوية
على أن المقر لا يقصد بإقراره الصدق فیما أقر به،
وإنما يقصد دفع الضرر الذي هدد به عن نفسه.
وإن كان المكره عليه من العقود والتصرفات
الشرعية كالبيع والإِجارة والرهن ونحوها كان أثر
الإكراه فيها إفسادها لا إبطالها، فيترتب عليها
مايترتب على العقد الفاسد، حسب ما هو مقرر في
المذهب أنه ينقلب صحيحا لازما بإجازة المكره،
وكذلك لوقبض المكره الثمن، أو سلم المبيع
طوعا، يترتب عليه صحة البيع ولزومه.(١)
وحجتهم في ذلك أن الإكراه عندهم لا يعدم
الاختيار الذي هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو
العكس، وإنما يعدم الرضى الذي هو الارتياح إلى
الشيء والرغبة فيه، والرضی لیس ركنا من أركان
هذه التصرفات ولا شرطا من شروط انعقادها،
وإنما هو شرط من شروط صحتها، فإذن فقد ترتب
على فقدانه فساد العقد لا بطلانه. ولكنهم استثنوا
من ذلك بعض التصرفات، فقالوا بصحتها مع
الإكراه، ولو كان ملجئا، ومن هذه التصرفات:
الزواج والطلاق ومراجعة الزوجة والنذر واليمين.
وعللوا هذا بأن الشارع اعتبر اللفظ في هذه
التصرفات - عند القصد إليه - قائما مقام إرادة
معناه، فإذا وجد اللفظ ترتب عليه أثره الشرعي،
(١) ابن عابدين ٤/٤، ٨٣/٥ ومابعدها
وإن لم یکن لقائله قصد إلی معناه، کما في الهازل،
فإن الشارع اعتبر هذه التصرفات صحيحة إذا
صدرت منه، مع انعدام قصده إليها، وعدم رضاه
بما يترتب عليها من الآثار.
وإن كان المكره عليه من الأفعال، كالاكراه على
قتل من لا يحل قتله، أو إتلاف مال لغيره أو شرب
الخمر وما أشبه ذلك، فالحكم فيها يختلف
باختلاف نوع الإكراه والفعل المكره عليه.
٢٠ - فإن كان الإكراه غير ملجىء - وهو الذي
يكون بمالا يفوت النفس، أوبعض الأعضاء
كالحبس لمدة قصيرة، أو أخذ المال اليسير، ونحو
ذلك - فلا يحل الإقدام على الفعل. وإذا أقدم
المكره (بالفتح) على الفعل بناء على هذا الإكراه
كانت المسئولية عليه وحده، لا على من أكرهه.
٢١ - وإن كان الإكراه ملجئا - وهو الذي يكون
بالقتل أو تفويت بعض الأعضاء أو العمل المهين
لذي الجاه - فالأفعال بالنسبة إليه أربعة أنواع:
أ - أفعال أباحها الشارع أصالة دون إكراه
کالأكل والشرب، فإنه إذا أكره على ارتكابها وجب
على المكرَه (بالفتح) أن يرتكب أخف
الضررین.(١)
ب - أفعال أباح الشارع إتيانها عند الضرورة،
كشرب الخمر وأكل لحم الميتة أو الخنزير، وغير ذلك
من كل ما حرم لحق الله لا لحق الآدمي، (٢) فالعقل
- مع الشرع - يوجبان ارتكاب أخف الضررين.
(١) الحموي على الأشباه ١٢٣/١
(٢) التقرير والتحبير ١٤٧/٢، وفتح القدير ٢٩٧/٧، والمبسوط
١٣٩/٢٤
- ١٠٦ -

إكراه ٢١
فهذه ییاح للمکره فعلها، بل يجب عليه الاتيان
بها، إذا ترتب على امتناعه قتل نفسه أو تلف عضو
من أعضائه، لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة
بقوله عزمن قائل: ﴿إِنّما حرَّمَ عليكم الميتَةَ والدَمَ
ولحم الخنزيرِ وما أُهِلّ به لغيرِ اللهِ، فمن اضْطُرَ غيرَ
باغٍ ولا عَدٍ فلا إثمَ عليه إن اللّهَ غفورٌ رحيمٌ﴾. (١)
ولا شك أن الإكراه الملجىء من الضرورة التي
رفع الله الإِثم فيها، فيباح الفعل عند تحققها،
وتناول المباح دفعا للهلاك عن النفس أو بعض
أجزائها واجب، فلا يجوز تركه، ولو شرب الخمر
مكرها لم يحد، لأنه لا جناية حينئذ، والحد إنما شرع
زجرا عن الجنايات.
جـ ـ أفعال رخص الشارع في فعلها عند
الضرورة، إلا أنه لوصبر المكرَه على تحمل الأذى،
ولم يفعلها حتى مات، كان مثابا من الله تعالى،
وذلك كالكفر بالله تعالی أو الاستخفاف بالدین،
فإذا أكره الانسان على الاتیان بشيء من ذلك جاز
له الفعل متى كان قلبه مطمئنا بالإِيمان، لقول الله
عز وجل ﴿إِلا مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَ بالإِيمانِ﴾.(٢)
ومن السنة ما جاء بإسناد صحيح عند الحاكم
والبيهقي وغيرهما عن محمد بن عمار عن أبيه ((أخذ
المشركون عمار بن ياسر، فلم یتر کوه حتی سب
النبي *، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي عليه
الصلاة والسلام قال: ما وراءك؟ قال: شرٌ،
يارسولَ الله، ما تُرِکْتُ حتی نِلْتُ منك، وذكرت
آلهتهم بخیر، قال چے: فکیف تجد قلبك؟ قال:
مطمئنا بالإِيمان، قال ﴿: فإِن عادوا فَعُدْ). (١)
وقد ألحق علماء المذهب بهذا النوع الإِكراه على
إفساد صوم رمضان، أو ترك الصلاة المفروضة، أو
إتلاف مال الغير، فإِن المكرَه لو صبر وتحمل
الأذى، ولم يفعل ما أکره علیه کان مثابا، وإن فعل
شيئا منها فلا إثم عليه، وكان الضمان في صورة
الإتلاف على الحامل عليه لا على الفاعل، لأن
فعل الإِتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل
الفاعل آلة له، فیثبت الضمان عليه .
د - أفعال لا يحل للمكرَه الإِقدام عليها بحال
من الأحوال، كقتل النفس بغير حق، أو قطع
عضومن أعضائها، أو الضرب الذي يؤدي إلى
الهلاك، فهذه الأفعال لا يجوز للمكره الإقدام
علیها، ولو کان في امتناعه عنها ضياع نفسه، لأن
نفس الغير معصومة كنفس المكرّه، ولا يجوز
للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على
غيره، فإِن فعل كان آثما، ووجب عقاب الحامل له
على هذا الفعل باتفاق علماء المذهب، والخلاف
بينهم إنما هو في نوع هذا العقاب.
فأبوحنيفة ومحمد یقولان: إنه القصاص، لأن
القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل
آلة له، والقصاص إنما يكون على القاتل لا على
آلة القتل.
وأبو يوسف يقول: إنه الدية، لأن القصاص لا
(١) سورة البقرة / ١٧٣
(٢) سورة النحل / ١٠٦
(١) حديث تعذيب عمار: ((فإن عادوا فعد)). أخرجه ابن جرير
(١٤/ ١٨٢ - ط الحلبي) والحاكم (٢/ ٣٥٧ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
- ١٠٧ -

إكراه ٢١ - ٢٢
يثبت إلا بالجناية الكاملة، ولم توجد الجناية الكاملة
بالنسبة لكل من الحامل والمكره.
وهذا القتل يقوم مانعا من الإِرث بالنسبة
للمكره (بالكسر) إذا كان المكره (بالفتح) مكلفا.
أما إذا كان غير مكلف كالصبي أو المجنون فلا
یکون مانعا. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، أما
أبو يوسف فلا يحرم ولو كان المكره مكلفا.
أما بالنسبة للمكره (بالفتح) فلا يحرم باتفاق
الحنفية . (١)
وإنما يجب القصاص عند أبي حنيفة ومحمد على
المكره إذا كان المطلوب قتله شخصا ثالثا غير المكره
ولا المكره، فإن كان المطلوب قتله هو المكره كان قال
للذي قتله: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله، فلا
قصاص على القاتل، وتجب الدية لوجود الشبهة،
ولأن الدية تثبت للوارث ابتداء لا ميراثا عن
المقتول.
وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه، فإنه لا
یکون ثم إكراه، لأن المهدد به لا يزيد على القتل،
فلا يتحقق الإِکراه ولا شيء من آثاره، فلا قصاص
ولا دية في هذا القتل، إلا إذا كان التهديد بقتل
أشنع کما لو قال له: لتلقین نفسك في النار أو
لأقتلنك، فعند أبي حنيفة يختار ماهو الأهون في
ظنه، وعند الصاحبين: يصبر ولا يقتل نفسه، لأن
مباشرة الفعل سعي في إهلاك نفسه فيصبر تحاميا
عنه. ثم إذا ألقى نفسه في النار فاحترق فعلى
المكرِه القصاص باتفاقهم، كما في الزيلعي.
ونقل صاحب مجمع الأنهر أن القصاص إنما هو
(١) البدائع ٩/ ٤٤٩٠، ورد المحتار ٥/ ٨٥
عند أبي حنيفة خلافا للصاحبين. (١)
ومن هذا النوع أيضا: الزنى، فإنه لا یرخص
فیه مع الإِكراه، کما لا يرخص فيه حالة الاختيار،
لأن حرمة الزنى لا ترتفع بحال من الأحوال، فإِذا
فعله إنسان تحت تأثير الإكراه كان آثما، ولكن لا
يجب عليه الحد، لأن الإكراه يعتبر شبهة، والحدود
تدرأ بالشبهات.
وقد أورد البابرتي من الحنفية ضابطا لأثر الإِكراه
نصه :
الإكراه الملجىء معتبر شرعا سواء، أكان على
القول أم الفعل. والإِكراه غير الملجىء إن كان
على فعل فليس بمعتبر، ويجعل كأن المكرَه فعل
ذلك الفعل بغیر إكراه. وإن کان علی قول، فإِن
کان قولا يستوي فيه الجد والهزل فكذلك، وإلا فهو
معتبر. (٢)
أثر الإكراه عند المالكية :
٢٢ - يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكره
عليه :
أ - فإن كان المکره علیه عقدا أو حلا أو إقرارا أو
يمينا لم يلزم المكره شيء، ویکون الإكراه في ذلك
بالتخويف بقتل أو ضرب مؤلم أو سجن أو قيد أو
صفع لذي مروءة على ملأ من الناس. وإن أجاز
المکره (بالفتح) شيئا مما أکرہ علیه۔۔ غیر النكاح -
طائعا بعد زوال الإِكراه لزم على الأحسن، وأما
النكاح فلا تصح إجازته .
ب - وإن كان الإكراه على الكفر بأي صورة من
(١) تبيين الحقائق ١٩٠/٥، ومجمع الأنهر ٤١٨/٢
(٢) العناية شرح الهداية ٧/ ٢٩٧، وابن عابدين ٨٥/٥
- ١٠٨ -

إكراه ٢٢ - ٢٣
صوره، أو قذف المسلم بالزنى، أو الزنى بامرأة
طائعة خلية (غير متزوجة)، فلا يحل له الإِقدام
على شيء من هذه الأشياء إلا في حالة التهديد
بالقتل، لا فیما دونه من قطع أو سجن ونحوه، فإِن
فعل ذلك اعتبر مرتدا، ويحد في قذف المسلم، وفي
الزنى .
جـ - وإن كان الإكراه على قتل مسلم، أو قطع
عضومنه، أو على زنى بمكرهة، أو بامرأة لها
زوج، فلا يجوز الإقدام على شيء من ذلك ولو
أکره بالقتل. فإِن قتل یقتص منه، ويعتبر القتل هنا
مانعا للقاتل من ميراث المقتول، لأنه شريك في
الفعل، وكذلك المکره (بالکسر) یقتص منه أيضا
ويمنع من الميراث. وإنما يجب القصاص عندهم
على المكره والمكره، إذا كان المطلوب قتله شخصا
ثالثا غيرهما .
فإِن کان المطلوب قتله هو المکره (بالکسر) كما لو
قال للذي قتله: اقتلني وإلا قتلتك فقتله، فلا
قصاص عندهم وتجب الدية، لمكان الشبهة من
ناحية، وبناء على أن الدية تثبت للوارث ابتداء لا
میراثا .
وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه (بالفتح)،
فالأصل أنه لا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا
قصاص فيه ولا دية، إلا إذا كان التهديد بقتل
أشنع، كالإِحراق بالنار وبتر الأعضاء حتى الموت،
فإِن المكرَه (بالفتح) يختار أهون الميتتين، جزم به
اللقاني. (١) وإن زنى يحد. (٢)
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٥٤٨/٢ - ٥٥٠، والدسوقي
على الشرح الكبير ٢٣٩/٢، والخرشي ٣/ ١٧٥، ١٧٦
(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٥٤٩/٢، والدسوقي على
الشرح الكبير ٢/٢، والخرشي ٣/ ١٧٥، ١٧٦ و٥ /٤٦٤
د - وأما لو أكره على فعل معصية - غير الكفر-
لا حق فيها مخلوق کشرب خمر وأكله ميتة، أو
إبطال عبادة كصلاة وصوم، أو على تركها فيتحقق
الإكراه بأية وسيلة من قتل أو غيره. ويترتب عليه
في الصوم القضاء دون الكفارة. وفي الصلاة يكون
الإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها، ولا
يسقط وجوبها. وفي شرب الخمر لا يقام الحد.
وألحق سحنون بهذا النوع الزنى بامرأة طائعة لا
زوج لها، خلافا للمذهب. (١)
ويضيف المالكية أن القطع في السرقة يسقط
بالإكراه مطلقا، ولو كان بضرب أو سجن لأنه شبهة
تدرأ الحد. (٢)
أثر الإكراه عند الشافعية :
٢٣ - يختلف أثر الإِكراه عندهم باختلاف المكره
علیه .
أ - الإكراه بالقول :
إذا كان المكره عليه عقدا أو حلا أو أي تصرف
قولي أو فعلي، فإِنه لا يصح عملا بعموم الحديث
الصحيح: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه))(٣) إذ المقصود ليس رفع ما وقع
(١) الشرح الصغير ٢٥٩/١، ٧٠٩
(٢) الشرح الصغير ١٨٦/٤
(٣) حديث: ((رفع عن أمتي الخطأ .... )) قال العجلوني: قال في
اللآلي - لابن حجر - لا يوجد بهذا اللفظ، وورد بلفظ: ((إن الله
وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) أخرجه ابن
ماجة (٦٥٩/١ - ط الحليبي) وغيره، وله طرق أخرى، ولذا قال
السخاوي في المقاصد: مجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث
أصلا (المقاصد ص ٢٣٠ ط الخانجي).
- ١٠٩ -

إ کراه ٢٣ - ٢٤
مکان الاستحالة، وإنما رفع حکمه، مالم يدل دلیل
على خلاف ذلك، فيخصص هذا العموم في
موضع دلالته. وبمقتضى أدلة التخصيص يقرر
الشافعية أنه لا أثر لقول المكرَه (بالفتح) إلا في
الصلاة فتبطل به (١) وعلى هذا فيباح للمكرَه
(بالفتح) التلفظ بكلمة الكفر، ولا يجب، بل
الأفضل الامتناع مصابرة على الدين واقتداء
بالسلف .
وفي طلاق زوجة المكرِه (بالكسر) أوبيع ماله
ونحوهما من كل ما يعتبر الإكراه فيه إذنا أبلغ .
والإِكراه في شهادة الزور التي تفضي إلى القتل
أو الزنى، وفي الإِكراه بالحكم الباطل الذي يفضي
إلى القتل أو الزنى، فلا يرتفع الإِثم عن شاهد
الزور، ولا عن الحاكم بالباطل، وحكمهما في هذه
الحالة من حيث الضمان حكم المكره (بالكسر)(٢)
ب - الإكراه بالفعل :
لا أثر للإِكراه بالفعل عند الشافعية إلا فيما
يأتي :
(١) الفعل المضمن كالقتل أو إتلاف المال أو
الغصب، فعلى المكرَه (بالفتح) القصاص أو
الضمان، وقرار الضمان على المكره (بالكسر)، وإن
قيل: لا رجوع له على المكره (بالكسر) بما غرم في
إتلاف المال، لأنه افتدی بالاتلاف نفسه عن
الضرر. قال القليوبي في مسألة القتل: فيقتل هو
المکره (بالفتح) ومن أكرهه.
(٢) الزنى وما إليه: يأثم المكرَه (بالفتح)
(١) حاشية القليوبي ١٥٦/٢
(٢) الأشباه والنظائر ص ١٨٠ - ١٨١
بالزنى، ويسقط الحد للشبهة، ويترتب على وطء
الشبهة حكمه .
(٣) الرضاع: فيترتب عليه التحريم المؤبد في
المناكحات وما ألحق بها .
(٤) كل فعل يترتب عليه بطلان الصلاة،
كالتحول عن القبلة، والعمل الكثير، وترك قيام
القادر في الفريضة، والحدث، فتبطل الصلاة بها
تقدم برغم الإِكراه عليه .
(٥) ذبح الحيوان: تحل ذبيحة المكرَه (بالفتح)
الذي تحل ذبيحته، كالمسلم والكتابي ولو كان
المكره (بالكسر) مجوسيا، أو محرما والمذبوح
صيد.(١)
قال السيوطي : وقد رأيت الإكراه يساوي
النسيان، فإِن المواضع المذكورة، إما من باب ترك
المأمور، فلا يسقط تداركه، ولا يحصل الثواب
المرتب عليه، وإما من باب الإِتلاف، فيسقط
الحكم المرتب عليه، وتسقط العقوبة المتعلقة به،
إلا القتل على الأظهر. (٢)
أثر الإكراه عند الحنابلة :
٢٤ - يختلف أثر الإِكراه عند الحنابلة باختلاف
المکره علیه :
أ - فالتصرفات القولية تقع باطلة مع الإكراه إلا
النكاح، فإِنه یکون صحیحا مع الإِكراه، قياسا
المكرَه على الهازل. (٣) وإنما لم يقع الطلاق مع
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٧ - ١٨٢، والغرر على
البهجة ٤/ ٢٤٩، وبجيرمي على المنهج ٣٥/٤، والشرقاوي
على التحرير ٣٩٠/٢، ٣٩١
(٢) الأشباه والنظائر ص ١٧٨، ١٧٩
(٣) الإِنصاف ٤٣٩/٨، والمغني ٥٣٥/٦، والمقنع ٤/٢،٤٣٤/٣
- ١١٠ -

إكراه ٢٤ - ٢٥
الإِكراه للحديث الشريف ((لا طلاق في
إغلاق)»، (١) والإِكراه من الإغلاق.
ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدا، ومتى
زال عنه الإِكراه أمر بإِظهار إسلامه، والأفضل لمن
أكره على الكفر أن يصبر(٢) وإذا أكره على
الإِسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن،
فأسلم لم يثبت له حكم الإِسلام، حتى يوجد منه
ما يدل على إسلامه طوعا .
أما من يجوز إكراهه على الإِسلام كالمرتد، فإنه
إذا أكره فأسلم حكم بإِسلامه ظاهرا. (٣)
جـ - وإلاكراه يسقط الحدود عن المكره، لأنه
شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (٤)
د - وإذا أكره رجل آخر على قتل شخص
فقتله، وجب القصاص على المكره والمكره جميعا،
وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما، وإن أحب
ولي المقتول قتل أحدهما، وأخذ نصف الدية من
الآخر أو العفو فله ذلك . (٥) ويعتبر القتل هنا مانعا
من الميراث بالنسبة للمكره والمكره. (٦)
والقصاص عندهم لا يجب على المكره والمكره،
إلا إذا كان المطلوب قتله شخصا ثالثا غيرهما.
فإن كان المطلوب قتله هو المكره (بالكسر) فإِنه
(١) حديث: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) أخرجه أحمد (٢٧٦/٦ -
ط اليمنية) من حديث عائشة، وله طرق يتقوى بها (فيض القدير
٤٣٣/٦ - ط المكتبة التجارية).
(٢) المغني ٨/ ١٤٥، ١٤٦
(٣) المغني ٨/ ١٤٤، ١٤٥
(٤) المغني ٨/ ٢١٧
(٥) المغني ٦٤٥/٧
(٦) المقنع ٢/ ٤٦٠
يكون هدرا، ولا قصاص ولا دية في المختار
عندهم.
وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه (بالفتح)،
فلا يتحقق الإِكراه في هذه الحالة، ولا دية ولا
قصاص عند بعضهم. (١) إلا إذا كان التهديد بقتل
أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى
الروايتين. (٢)
أثر إكراه الصبي على قتل غيره :
٢٥ - إذا كان المكرَه على القتل صبيا، فإنه يعتبر
آلة في يد المکره عند الحنفية، فلا قصاص ولا دية،
وإنما القصاص على المكره (بالكسر). (٣)
وذهب المالكية إلى وجوب القصاص على
المكره (بالكسر) ونصف الدية على عاقلة
الصبي . (٤).
وذهب الشافعية إلى التفرقة بين الصبي المميز،
وغير المميز.
فإِن كان غير مميز، اعتبر آلة عندهم، ولا شيء
عليه، ويجب القصاص على المكره.
وإن كان مميزا، فيجب نصف الدية على
عاقلته، والقصاص على المكره (بالكسر). (٥)
وذهب الحنابلة إلى أن الصبي غير المميز إذا
أکره على قتل غیرہ فلا قصاص عليه، والقصاص
على المكرِه (بالكسر). وفي قول: لا يجب
(١) الفروع ٣٨٦/٣
(٢) قواعد ابن رجب ص ١١٢
(٣) المبسوط ٢٤/ ٣٩
(٤) الدسوقي ٤ / ٢٤٦
(٥) المهذب ١٧٨/٢، ومغني المحتاج ٤/ ١٠
- ١١١ -

إكراه ٢٥ . إكسال ١ - ٤
القصاص لا عليه وعلى من أكرهه، لأن عمد
الصبي خطأ، والمكرِه (بالكسر) شريك المخطىء،
ولا قصاص على شريك مخطىء. أما إذا كان
الصبي مميزا فلا يجب القصاص على المكرِه
(بالكسر) ولا يجب على الصبي المميز. (١)
إكسال
التعريف :
١ - الإكسال لغة: مصدر أكسل، وأكسل
المجامع: خالط المرأة ولم ينزل، أو عزل ولم يرد
ولدا. (٢)
وعند الفقهاء: أن يجامع الرجل ثم يفتر ذكره
بعد الإِيلاج، فلا ینُزِل. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاعتراض :
٢ - الاعتراض هو: عدم انتشار الذكر للجماع.
وقد يكون الاعتراض قبل الإِيلاج أو بعده. (٤)
فالإِعتراض ليس من الإِكسال.
ب - العمة :
٣ - العنة : عجز الرجل عن إتيان النساء، وقد
(١) المقنع ٣٤١/٣، والمغني ٧/ ٧٥٧
(٢) ترتيب القاموس، والمصباح مادة: (كسل).
(٣) المغني ٢٠٤/١ ط الرياض، والمغرب مادة: (كسل).
(٤) الدسوقي على الشرح الكبير ٢٧٨/٢، ٢٧٩
یکون عنینا عن امرأة دون أخرى. (١) والفرق بین
العنة والإِكسال واضح.
الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
٤ - لا يغير الإِكسال الأحكام المتعلقة بالجماع، ولا
يختلف الجماع مع الإِنزال عنه بدونه، إلا ما حكي
عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، كانوا
يقولون: «لا غسل على من جامع فأكسل(٢)) يعني
لم ينزل. ورووا في ذلك أحاديث عن النبي رَ﴾.
أما بقية الفقهاء فإنه يجب الغسل عندهم وإن
أكسل المجامع، لقول النبي *: ((إذا التقى
الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل))(٣) والتقاء
الختانين كناية عن الإِيلاج.
قال سهل بن سعد: حدثني أبي بن كعب أن:
((الماء من الماء)) كان رخصة أرخص فيها رسول الله
* ثم نهى عنها. (٤)
ولم يختلفوا أن الزنا الذي يجب به الحد یکون
بمجرد إيلاج الحشفة، ولو لم يكن من إنزال.
كذلك يثبت الإِحصان بالجماع مع الإكسال عند
(١) المصباح مادة : (عنن).
(٢) الأثر ((لا غسل على من جامع فأكسل)) أخرجه البخاري (الفتح
٣٩٦/١ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((إذا التقى الختانان ... )) أخرجه مسلم (١/ ٢٧١ - ط
الحلبي).
(٤) المغني ١/ ٢٠٤، والبدائع ١٦٢/١ ط العاصمة، والجمل على
المنهج ١٥٢/١ ط إحياء التراث العربي، والخرشي ١٦٣/١،
١٦٤ ط دار صادر.
وحديث ((الماء من الماء ... )) أخرجه أبوداود (١٤٦/١ - ط
عزت عبيد دعاس) وصححه البيهقي (١٦٥/١ - ١٦٦ ط دائرة
المعارف العثمانية) بعد أن رواه من طريق أبي داود.
- ١١٢ -

إكبسال ٤ ، أكل ١
من يقول: إن الإِحصان لا يحصل إلا بتغييب
الحشفة . (١)
وتحصل فيئة المولي إن غيب حشفته، وإن لم
ينزل. (٢)
وترفع العنة بالوطء دون إنزال أيضا. (٣)
ويحصل التحليل لمطلق المرأة ثلاثا بمجرد
الإيلاج من الزوج الآخر، لحديث عائشة
رضي الله عنها: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم
طلقها فتزوجت آخر، فأتت النبي # فذكرت له:
أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هُذْبة، فقال:
«لا. حتی تذوقي عسیلته ویذوق عسیلتك)). رواه
البخاري . (٤)
وهذا قول الجمهور، وقالوا: العسيلة هي :
الجماع، وشذ الحسن البصري فقال: لا يحلها إلا
إذا أنزل، وشذ سعيد بن المسيب فقال: يكفي في
إحلالها العقد.
وتنظر مسائل أحكام الجماع في مصطلح:
(وطء).
(١) عون المعبود ٨٧/١، نيل المآرب ١١٣/٢ ( الكويت.
ومغني المحتاج ٤/ ١٤٧ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٨/ ١٨١
(٢) البجيرمي ٦/٤، نيل المآرب ٨٢/٢
(٣) نيل المآرب ٥٦/٢، وفتح القدير ١٣١/٤ ط دار إحياء التراث
العربي.
(٤) حديث عائشة: ((أن رفاعة القرظي ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٦٦/٩ - ط السلفية).
أکل
حكم الطعام المأكول ذاته :
١ - إن بيان ما يحل ويحرم من الأطعمة ومعرفتهما من
مهمات الدین. فقد ورد الوعيد الشديد علی أکل
الحرام، لقول النبي وَّ: ((كل لحم نّبَتَ من حرام
فالنار أولى به».(١)
وقد حرم الله في القرآن العظيم أشياء كما في قوله
تعالى: ﴿حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الميتةُ والدَّمُ ولحم الخنزيرِ
وما أُهِّلِ لِغَيرِ الله به والمنخَنِقَةُ والموقُودَةُ والمترَدِّيةُ
والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبْعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبُحَ على
النَّصُبِ وأن تَسْتَقْسِمُوا بالأزلام). (٢) ونحوها من
الآيات .
وحرمت أشياء بالسنة النبوية كما في قول النبي
الى: ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام))(٣)
(١) نهاية المحتاج شرح المنهاج ١٦/٨، وأسنى المطالب شرح روض
الطالب ٥٦٣/١.
وحدیث «کل لحم ... )) أخرجه الترمذي بلفظ «إنه لا يربو
لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به)) قال الترمذي: هذا
حديث حسن غريب من هذا الوجه. (سنن الترمذي ٢/ ٥١٢،
٥١٣ ط استنابول).
(٢) سورة المائدة/ ٣
(٣) حديث ((كل ذي ناب ... )) أخرجه مسلم من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. (صحيح مسلم ٣/ ١٥٣٤ ط
عيسى الحلبي).
- ١١٣ -

أكل ٢
وسکت الشرع عن أشیاء. ويرجع إلى إيضاح
ذلك كله تحت عنوان (أطعمة).
صفة الأكل بالنسبة للآكل :
٢ - إن الأكل قد يكون فرضا، يثاب الإنسان على
فعله ويعاقب على تركه، وذلك إذا كان للغذاء
بقدرما يدفع عنه الهلاك، لأن الإِنسان مأمور
بإحياء نفسه وعدم إلقائها إلى التهلكة.
وقد يكون واجبا، وذلك بقدرما يستطيع معه
أداء الصلاة المفروضة عليه قائما، وأداء الصوم
الواجب، لأنه من قبيل مالا يتم الواجب إلا به.
ومنه مندوب، وهو ما یعینه علی تحصیل رزقه
وتحصيل العلم وتعلمه وتحصيل النوافل .
وقد يكون الأكل مباحا يجوز للإنسان أن
يتناوله، وذلك إلى حد الشبع الذي لا يضر معه
الامتلاء.
وقد يكون حراما، وهو ما فوق الشبع، وكل
طعام غلب على ظنه أنه يفسد معدته، لأنه إسراف
منهي عنه، لقوله تعالى: ﴿ولا تُسْرفوا﴾(١) إلا إذا
كانت الزيادة على الشبع لا تضره، وقصد بالأكل
القوة على صوم الغد، أو الزيادة في الطاعات، أو
لئلا يستحيي الحاضر معه بعد إتمام طعامه. وقد
قال النبي ◌َله: ((ما ملأ آدمي وعاءً شرا من بطن،
يحسب ابن آدم أكلات یقمن صلبه، فإن كان لا
محالة فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث
لنفسه)». (٢)
(١) سورة الأعراف / ٣١
(٢) حديث ((ما ملاء آدمي ... )) أخرجه الترمذي واللفظ له
وابن ماجة من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعا، وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، كما حسنه الحافظ =
ومن الأكل ما هو مكروه، وهو ما زاد على الشبع
قليلا، فإِنه يتضرر به، (١) وقد قال البعض: إن
الآكل لا ينبغي له أن يقصد به التلذذ والتنعم، فإن
الله تعالى ذم الكافرين بأكلهم للتمتع والتنعم
وقال: ﴿والذين كفروا يَتَمتعونَ ويأكلون كما تَأْكل
الأنعامُ، والنارُ مّثْوى لهم﴾. (٢) وقال النبي عليه
الصلاة والسلام: ((المسلم يأكل في مَعْيٍ واحد،
والكافر يأكل في سبعة أمعاء)). (٣)
هذا، والتحقيق أنه يجوز للإنسان الأكل بقصد
التمتع والتلذذ بما أنعم الله علينا به، لقصد التقوى
على أعمال الخير لقوله تعالى: ﴿قل من حَرّمَ زينةً
اللهِ التي أخرج لعبادِهِ والطيباتِ من الرزق؟ قل :
هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةً يومَ
القيامةِ﴾(٤) وأما الآية التي احتج بها هذا القائل فإِن
الله تعالى ينعي عليهم أنهم يتمتعون بالأطعمة التي
رزقهم الله من غير أن يفكروا في المنعم، وأن
یشکروه على نعمه.
وأما الحديث فليس فيه دلالة على ما احتجوا
عليه، وإنما فيه النعي على من أكثر من الطعام .
= ابن حجر في الفتح (تحفة الأحوذي ٧/ ٥٢ نشر المكتبة
السلفية، وسنن ابن ماجة ٢/ ١١١١ ط عيسى الحلبي، وفتح
الباري ٥٢٨/٩ ط السلفية).
(١) حاشية ابن عابدين ٢١٥/٥
(٢) سورة محمد / ١٢
(٣) حديث: ((المسلم يأكل ... )) أخرجه البخاري ومسلم (فتح
الباري ٩/ ٥٣٦ ط السلفية، وصحيح مسلم ١٦٣١/٣ ط
عيسى الحلبي).
(٤) سورة الأعراف / ٣٢
- ١١٤ -

أكل ٣ - ٤
حكم الأكل من الأضحية والعقيقة :
٣ - يتفق الفقهاء على أنه يستحب للمضحي أن
یأکل من أضحيته، لقوله تعالى : ﴿فإذا وَجَبَتْ
جُنُوبُها فكلوا منها ... ﴾(١) وهذا وإن كان واردا في
الهدي إلا أن الهدي والأضحية من باب واحد.
ولقول النبي ◌َّه : ((إذا ضحى أحدُكم فَلْيأكلْ من
أضحيته وَيُطْعم منها غيره))(٢) ولأنه ضيف الله
عز شأنه في هذه الأيام، فله أن يأكل من ضيافة الله
تعالی .
ويتفقون كذلك على أن له أن يطعم غيره
منها. (٣)
وهذا الاتفاق في الأضحية التي لم تجب. أما إذا
وجبت الأضحية ففي حكم الأكل منها اختلاف
الفقهاء .
ووجوبها يكون بالنذر أو بالتعيين، وهي واجبة
عند الحنفية من حيث الأصل بشرط الغنى، ولو
اشتراها الفقير من أجل التضحية وجبت عليه .
فعند المالكية، والأصح عند الحنابلة، أن له أن
يأكل منها ويطعم غيره، لأن النذر محمول على
المعهود، والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها
والأكل منها، والنذر لا يغير من صفة المنذور إلا
الإيجاب .
(١) سورة الحج/ ٣٦
(٢) حديث ((إذا ضحى أحدكم ... )) أخرجه أحمد، وقال الهيثمي،
رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٢٥/٤ نشر مكتبة
القدسي).
(٣) البدائع ٥/ ٨٠، وابن عابدين ٢٠٨/٥، وفتح القدير ٤٣٦/٨،
والدسوقي ١٢٢/٢، والتاج والإكليل بهامش الخطاب
٢٤٥/٣، والفواكه الدواني ١/ ٤٤٧، وشرح الروض
٥٤٥/١، ونهاية المحتاج ١٣٣/٨، والمهذب ٢٤٦/١، والمغني
٦٣٢/٨ - ٦٣٤، وكشاف القناع ٢٢/٣
وعند بعض الحنابلة، وهو ظاهر كلام أحمد: أنه
لا يجوز الأكل من الأضحية المنذورة، بناء على
الهدي المنذور، وهذا هو المذهب عند الشافعية،
وفي قول آخر للشافعية: إن وجبت الأضحية بنذر
مطلق جاز له الأكل منها . (١)
والحكم عند الحنفية - كما فصله ابن عابدين -
أنه يجوز للغني الأكل من الأضحية الواجبة عليه،
كما يجوز له الأكل من الأضحية التى نذرها إن قصد
بنذره الإِخبار عن الواجب علیه، فإن کان النذر
ابتداء فلا يجوز له الأكل منها. وبالنسبة للفقير إذا
وجبت عليه بالشراء، ففي أحد القولين: له الأكل
منها، وفي القول الثاني: لا يجوز له الأكل منها ..
هذا ما ذكره ابن عابدين توضيحا لما ذكره
الزيلعي من أنه لا يجوز الأكل من الأضحية المنذورة
دون تفصيل .
غير أن الكاساني ذكر في البدائع أنه يجوز
بالإِجماع - أي عند فقهاء الحنفية - الأكل من
الأضحية، سواء أكانت نفلا أم واجبة، منذورة
كانت أو واجبة ابتداء. (٢)
٤ - ومن وجبت عليه أضحية فمضت أيام النحر
قبل أن يذبحها، فعند الجمهور يذبحها قضاء،
ويصنع بها ما يصنع بالمذبوح في وقته، لأن الذبح
أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته .
وعند الحنفية: يجب عليه أن يتصدق بها حية، ولا
يأكل من لحمها، لأنه انتقل الواجب من إراقة الدم
(١) الدسوقي ١٢٢/٢، والخرشي ٣٩/٣، والمغني ٨/ ٦٤٢،
والفروع ٥٥٥/٣، ٥٥٦، وشرح الروض ٥٤٥/١، والمهذب
٢٤٥/١
(٢) ابن عابدين ٢٠٨/٥، والزيلعي مع حاشية الشلبي ٨/٦،
والبدائع ٥/ ٨٠
- ١١٥ -

أکل ٥- ٦
إلى التصدق. (١)
وإذا ولدت الأضحية قبل التضحية، فحكم
ولدها في الأكل منه حكم الأم، وهذا عند
الجمهور. وعند الحنفية: لا يجوز الأكل منه. (٢)
ومن أوجب أضحية ثم مات قام ورثته مقامه،
فيجوز لهم الأكل منها وإطعام غيرهم. وهذا عند
المالكية والحنابلة. وعند الشافعية، وهو المختار عند
الحنفية: لا يجوز لهم الأكل منها، بل سبيلها
التصدق. (٣)
٥ - والعقيقة (وهي ما يذبح عن المولود) حكمها في
استحباب الأكل منها، وإطعام الغير منها حكم
الأضحية، إلا أن الحنفية لا يرونها واجبة. (٤)
وقد ورد في مراسیل أبي داود عن جعفر بن محمد
عن أبيه أن النبي ◌َّ قال في العقيقة التي عقتها
فاطمة عن الحسن والحسين: ((أن يبعثوا إلى القابلة
بِرِجْل، وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظما)). (٥)
حکم الأکل من الكفارات والنذور :
٦ - يتفق الفقهاء على أن من وجب عليه إطعام في
کفارة یمین أو ظهار أو إفطار في نهار رمضان أو فدية
(١) ابن عابدين ٢٤٠/٥، والمغني ٦٣٩/٨، والدسوقي ١٢٢/٢،
ومنح الجليل ٦١٨/١، والمهذب ١/ ٢٤٥
(٢) ابن عابدين ٢٠٨/٥، وقليوبي ٤/ ٢٥٤، والمغني ٦٢٨/٨،
والدسوقي ١٢٢/٢
(٣) الدسوقي ١٢٥/٢، ١٢٦، والمغني ٨/ ٦٣١، ونهاية المحتاج
١٣٦/٨، وابن عابدين ٢٠٨/٥
(٤) ابن عابدين ٢١٣/٥، والفواكه الدواني ١/ ٤٦٠، والمهذب
٢٤٨/١، والمغني ٨/ ٦٤٨
(٥) كشاف القناع ٣/ ٣٠، ٣١
وحديث: ((أن النبي ﴾ قال في العقيقة ... )) أخرجه أبو داود في
مراسيله كما في تحفة الأشراف (٣٦٢/١٣ نشر الدار القيمة بالهند)
الأذى في الحج فإنه لا يجوز له أن یأکل منه، لأن
الكفارة تكفير للذنب. هذا بالنسبة للمكفِّر. (١)
أما المعطى - وهو المستحق - فعند الشافعية، وهو
المذهب عند الحنابلة : أنه لا يكفي إباحة الإِطعام،
وأنه لا بد من تمليك المستحق، لأن تدارك الجناية
بالإِطعام أشبه البدل، والبدلية تستدعي تمليك
البدل، ولأن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم، ففي
قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ((مد!
لكل مسكين))(٢) وقال النبي ريل لكعب في فدية
الأذى: ((أطعم ثلاثة آصع من تمر بين ستة
مساكين))(٣) ولأنه مال وجب للفقراء شرعا فوجب
تمليكهم إياه كالزكاة. وعلى ذلك فلا يجزىء أن
يغديهم ويعشيهم، لأن ذلك يعتبر إباحة لا
تمليكا . (٤)
والأصل عند المالكية هو التمليك، وخاصة في
كفارتي الظهار وفدية الأذى، لقول الإمام مالك :
لا أحب الغداء والعشاء للمساكين، حتى حمل
أبوالحسن كلام الإِمام على الكراهة، وحمله
(١) البدائع ٢٢٦/٢ و٨٠/٥، ١٠٣، وابن عابدين ٢/ ٢٥٠
و٢٠٨/٥، والدسوقي ٨٩/٢، ١٣٢، والخطاب ٣/ ١٩٠،
ونهاية المحتاج ١٩٩/٣، والمغني ٣٧٦/٧
(٢) والأثر عن ابن عباس وابن عمر في إعطاء الكفارة للمساکین «مدا
لكل مسكين)) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (مصنف عبدالرزاق
٨/ ٥٠٦، ٥٠٧)
(٣) حديث: ((أطعم ثلاثة آصع ... )) أخرجه البخاري ومسلم
ولفظ مسلم: «احلق رأسك، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة
أيام، أو أطعم ثلاثة أصح من تمر على ستة مساكين)). (فتح
الباري ١٢/٤ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ /٨٦١ ط عيسى
الحلبي).
(٤) نهاية المحتاج ١٣٤/٨، والمهذب ١٨٨/٢، والمغني ٧/ ٣٧١،
٣٧٢، ومنتهى الإرادات ٣/ ٢٠٥، ٢٠٦
- ١١٦ -

أ کل ٦ - ٧
ابن ناجي على التحريم.
والعلة في التمليك هو خشية ألا يبلغ ما يأكله
الواحد منهم مقدار الواجب إخراجه، ولذلك قال
مالك: لا أظنه (الغداء والعشاء) يبلغ ذلك
(المقدار الواجب إخراجه) ومن هنا قال الدردير:
فلو تحقق بلوغة أجزأ.
وفي كفارة اليمين يجزىء شبعهم مرتين.
وإجزاء الإِطعام بغداء وعشاء إن بلغ مقدار
الواجب لهم هورواية عن الإِمام أحمد، لأنه أطعم
المساكين، فأجزأه كما لو ملكهم.(١)
ويرى الحنفية أن التمليك ليس بشرط لجواز
الإِطعام بل الشرط هو التمكين. وإنما يجوز
التملیك من حیث هو تمکین، لا من حیث هو
تمليك، لأن النص ورد بلفظ الإِطعام (فَكَفّارتُه
إطعامُ عَشَرَةِ مساكين)(٢) والإِطعام في متعارف
اللغة اسم للتمكين من المطعم لا التمليك، وإنما
يطعمون على سبيل الإِباحة دون التمليك. (٣)
وفي النذر لا يجوز للناذر الأكل من نذره، لأنه
صدقة، ولا يجوز الأكل من الصدقة، وهذا في
الجملة، لأن الأضحية المنذورة فيها خلاف على
ماسبق بيانه. وكذلك النذر المطلق الذي لم يعين
للمساكين - لا بلفظ ولا بنية - يجوز الأکل منه، عند
المالكية وبعض الشافعية .
وبالنسبة للمنذور له فذلك يكون بحسب كيفية
النذر، فمن نذر إطعام المساكين أطعمهم، ومن
(١) منح الجليل ٤٠٣/١، ٦٣٥ و٣٥١/٢، والدسوقي ١٣٢/٢،
٤٥٤، وجواهر الإكليل ١/ ١٥٠ و٢٢٨، والمغني ٣٧١/٧،
٣٧٢
(٢) سورة المائدة/ ٨٩
(٣) البدائع ١٠٠/٥ - ١٠١
نذر على سبيل التمليك ملكه لهم. (١) وينظر
تفصيل ذلك في (كفارة) و(نذر).
الأكل من الوليمة والأكل مع الضيف :
٧ - من دعي إلى طعام الوليمة - وهي طعام العرس
- فإن كان مفطرا فإنه يستحب له الأكل، وهذا
باتفاق في الجملة، لخبر مسلم: ((إذا دُعِيَ أحدُكم
إلى طعام فليجب، فإن كان صائما فَلْيُصَلِّ. وإن
كان مفطراً فَلْيَطْعَمْ))(٢) أي فليدع بالبركة .
ووقع للنووي في شرح مسلم تصحيح وجوب
الأكل. وهو قول عند بعض المالكية.
وإن كان صائما تطوعا، فعند الشافعية والحنابلة
يستحب له الأكل، وإفطاره لجبر خاطر الداعي
أفضل من إمساكه ولو آخر النهار، لما روي أنه صنع
أبوسعيد الخدري طعاما فدعا النبي ◌َّ وأصحابه
فقال رجل من القوم : إني صائم، فقال له رسول
اللّه ◌َّ صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك أفطر
وصم يوما مكانه)). (٣) ولأن في الأكل إجابة أخيه
(١) البدائع ٢٢٦/٢، ٨٠/٥ -٨٦ -٨٧، وجواهر الإكليل
٢٠٣/١، والدسوقي ١٢٢/٢، وفتح العلي المالك ٢٠٧/١،
والخطاب ١٩٠/٣، ونهاية المحتاج ١٢٩/٨، ١٣٠، والمهذب
٢٤٧/١، والفروع ٥٥٥/٣، ومنتهى الإرادات ٢٠٥/٣،
٢٠٦
(٢) حديث: ((إذا دعي ... )) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعا. (صحيح مسلم ٢/ ١٠٥٤ ط عيسى
الحلبي).
(٣) حديث: ((صنع لك أخوك .... )) أخرجه أبوداود الطيالسي
والدارقطني واللفظ له والبيهقي وحسنه ابن حجر في الفتح (سنن
أبي داود الطيالسي ص ٢٩٣ ط دائرة المعارف النظامية بحيدر
آباد، والدارقطني ٢/ ١٧٧، ١٧٨ ط شركة الطباعة الفنية
المتحدة، وفتح الباري ٢٠٩/٤، ٢١٠ ط السلفية)
- ١١٧ -

أكل ٨ - ١٠
المسلم وإدخال السرور على قلبه.
وعند الحنفية والمالكية يكتفي الصائم بالدعاء
لصاحب الوليمة،(١) ومن أضاف أحدا وقدم له
الطعام فالمستحب أن يأكل صاحب الطعام مع
ضيفه، وألا يقوم عن الطعام وغیره یأکل، ما دام
يظن به حاجة إلى الأكل، قال الإِمام أحمد: (٢)
يأكل بالسرور مع الإِخوان، وبالإِيثار مع الفقراء،
وبالمروءة مع أبناء الدنيا.
آداب الأكل :
أ - آداب ما قبل الأكل :
٨ - أولا : من آداب الأكل السؤال عن الطعام إذا
كان ضيفا على أحد ولا يعرفه، ولا يطمئن إلى
ماقد يقدمه إلیه. فقد كان الرسول پے لا یأکل
طعاما حتی یحدث أویسمی له فیعرف ماهو، فقد
روى البخاري عن خالد بن الوليد أنه دخل مع
رسول الله وَلي على ميمونة، وهي خالته وخالة
ابن عباس، فوجد عندها ضبا محنوذا قدمت به
أختها حفيدة بن الحرث من نجد فقدمت الضب
لرسول الله صَل#، وكان قلما يقدم يده لطعام حتى
يحدث به ویسمی له، وأهوی رسول الله (ێ يده
إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور:
أخبرن رسول الله و سلم: أن ما قدمتن له هو الضب
(١) ابن عابدين ٢٢١/٥، والفواكه الدواني ٢/ ٤٢١، وشرح
روض الطالب ٣/ ٢٢٦، والمغني ٧/ ٢
(٢) ابن عابدين ١٩٦/٥، ٢١٦، والكافي لابن عبدالبر
١١٣٩/٢، ١١٤٠، والفواكه الدواني ٤١٩/٢، وشرح روض
الطالب ٢٢٧/٣، ٢٢٨، والآداب الشرعية لابن مفلح
٢١٢،١٩٧/٣
يارسول الله، فرفع رسول الله يده عن الضب،
فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يارسول الله؟
قال: ((لا. ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني
أعافه)) قال خالد: فاجتر رته فأكلته ورسوله الله {آل﴾
ينظر إلي. (١) وشرحه الزركشي فقال: قال
ابن التين: إنما كان يسأل، لأن العرب كانت لا
تعاف شيئا من المآكل لقلتها عندهم، وكان هو ێ
قد يعاف بعض الشيء، فلذلك كان يسأل.
ويحتمل أنه كان يسأل لأن الشرع ورد بتحريم
بعض الحيوانات وإباحة بعضها، وكانوا لا يحرمون
منها شيئا، وربما أتوا به مشويا أو مطبوخا فلا يتميز
عن غيره إلا بالسؤال عنه .
ثانيا : المبادرة إلى الأكل إذا قدم إليه الطعام من
مضيفه :
٩ - فإن من كرامة الضيف تعجيل التقديم له، ومن
كرامة صاحب المنزل المبادرة إلى قبول طعامه
والأكل منه، فإنهم كانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل
ظنوا به شرا، فعلى الضيف أن يهدىء خاطر
مضيفه بالمبادرة إلی طعامه، فإن في ذلك اطمئنانا
لقلبه . (٢)
ثالثا : غسل اليدين قبل الطعام :
١٠ - يستحب غسل اليدين قبل الطعام، ليأكل
بهما وهما نظیفتان، لئلا یضر نفسه بما قد يكون
عليهما من الوسخ. وقيل إن ذلك لنفي الفقر، لما فى
(١) حديث خالد بن الوليد ((أنه دخل ... )) رواه البخاري (فتح
الباري ٥٣٤/٩، ٦٦٢) وبوب عليه: باب ما كان النبي مح لا
یأکل حتی یسمی له فیعلم ما هو.
(٢) تفسير القرطبي ٩/ ٦٤
- ١١٨ -

أكل ١١ - ١٣
الحديث: ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر)). (١)
رابعا : التسمية قبل الأكل :
١١ - تستحب التسمية قبل الأكل، والمراد بالتسمية
على الطعام قول ((باسم الله)) في ابتداء الأكل، فقد
روي عن عائشة مرفوعا: ((إذا أكل أحدكم طعاما
فليقل : باسم الله، فإِن نسي في أوله فليقل : باسم
الله في أوله وآخره))(٢) ويرى النووي أن الأفضل أن
يقول المرء: بسم الله الرحمن الرحيم، فإِن قال:
باسم الله كفاه وحصلت السنة، لما روى عمربن
أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله وَلتر
وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول
الله ◌َ: ((يا غلام: سَمّ الله، وگُلْ بيمينك، وكل
مما يليك)). (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٢١٦/٥
وحديث: ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ... )) أخرجه
الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا.
ولفظه ((الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر، وهو من سنن
المرسلين)) قال الهيثمي فيه نهشل بن سعيد وهو متروك ( مجمع الزوائد
٢٣/٥، ٢٤ نشر مكتبة القدسي).
(٢) حديث: ((إذا أكل أحدكم ... )) أخرجه الترمذي واللفظ له
وأبو داود والحاكم. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
كما صححه الحاكم وأقره الذهبي ( تحفة الأحوذي ٥/ ٥٩٤،
٥٩٥ نشر المكتبة السلفية، وسنن أبي داود ٤ / ١٣٩، ١٤٠ ط
عزت عبيد دعاس، والمستدرك ١٠٨/٤)
(٣) فتح الباري ٤١٨/٩، ٤١٩، وأسنى المطالب ٢٢٧/٣،
وحاشية ابن عابدين ٢١٥/٥
وحديث عمر بن أبي سلمة قال: ((كنت غلاما ... )) أخرجه
البخاري ومسلم (فتح الباري ٣/ ٥٢١ ط السلفية، وصحيح مسلم
١٥٩٩/٣ ط عيسى الحلبي).
خامسا : آداب الأكل أثناء الطعام وبعده:
أ - الأكل باليمين :
١٢ - ينبغي للمسلم أن يأكل بيمينه ولا يأكل
بشماله، فقد روت عائشة رضي الله عنها: أن النبي
وَّ كان يعجبه التيمن في تَنَعُّلِهِ وتَرَجُلِهِ وطهوره.في
شأنه كله)).(١)
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي
﴿قال: ((لا يأكلَنَّ أحدٌ منكم بشماله، ولا يشربَنّ
بها، فإِن الشیطان یأکل بشماله ويشرب بها)). (٢)
وهذا إن لم يكن عذر، فإِن كان عذر يمنع الأكل
أو الشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك
فلا كراهة في الشمال
.
والحديث يشير إلى أن الإِنسان ينبغي أن
يتجنب الأفعال التي تشبه أفعال الشيطان. (٣)
ب - الأكل مما يليه :
١٣ - يسن أن يأكل الإِنسان مما يليه في الطعام
مباشرة، ولا تمتد يده إلى مايلي الآخرين، ولا إلى
وسط الطعام، لأن أكل المرء من موضع صاحبه
سوء عشرة وترك مروءة، وقد يتقذره صاحبه لاسيما
في الأمراق وما شابهها، وذلك لما روی ابن عباس
أن النبي ◌َ الله قال: ((إن البركة تنزل وسط الطعام،
فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه)). (٤) وكذلك
(١) حديث عائشة: ((أن النبي ( #) كان يعجبه ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١/ ٢٦٩ ط السلفية).
(٢) حديث: ((لا يأكلن أحد منكم بشماله ... )) أخرجه مسلم
(صحيح مسلم ٣/ ١٥٩٩ ط عيسى الحلبي).
(٣) نيل الأوطار ٩/ ٤١، ٤٢
(٤) حديث: ((إن البركة تنزل ... )) أخرجه الترمذي من حديث =
- ١١٩ -
.7- m

أكل ١٤ - ١٦
ما روي عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في
حجر النبي * وكانت يدي تطيش في الصحفة،
فقال لي: «یا غلام سم الله وکل بیمینك وكل مما
بلیك)) قال: فمازالت تلك طعمتي بعد.(١)
إلا أنه إن كان الطعام تمرا أو أجناسا فقد نقلوا
إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه. (٢)
جـ - غسل اليد بعد الطعام :
١٤ - تحصل السنة بمجرد الغسل بالماء، قال ابن
رسلان: والأولى غسل اليد بالأشنان أو الصابون أو
مافي معناهما. فقد أخرج الترمذي عن أنس قال:
قال رسول الله صل#1: ((إن الشيطان حسّاس حاس،
فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده غمر
فأصابه شيء فلا يلومَنَّ إلا نفسه)»(٣)
هذا والغسل مستحب قبل الأكل وبعده، ولو
کان الشخص على وضوء. وروی سلمان عن النبي
* أنه قال: ((بركة الطعام الوضوءُ قبله، والوضوءُ
= ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا. وقال: هذا حديث حسن
صحيح (تحفة الأحوذي ٥/ ٥٢٥ نشر المكتبة السلفية).
(١) حديث: ((كنت غلاما ... )) سبق تخريجه (ف ١١).
(٢) المغني لابن قدامة ٩١/١١
(٣) نيل الأوطار ٤٢/٩ وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ٢١٦/٥،
والمحلى ٤٣٥/٧.
وحديث: ((إن الشيطان حساس لحاس ... )) أخرجه
الترمذي عن طريق يعقوب بن الوليد المدني من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعا وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه،
وحسنه المنذري بعد أن ذكر طرق الحديث المختلفة ( تحفة
الأحوذي ٤/ ٥٩٦ نشر المكتبة السلفية، والترغيب والترهيب
٢١٢/٤، ٢١٣ ط المكتبة التجارية).
بعده))، (١) قال الطيبي : المراد بالوضوء تنظيف اليد
بغسلها، وليس الوضوء الشرعي . (٢)
د - المضمضة بعد الطعام :
١٥ - المضمضة بعد الفراغ من الطعام مستحبة، (٣)
لما روى بشير بن يسارعن سويد بن النعمان أنه
أخبره أنهم كانوا مع النبي ◌َّر بالصهباء - وهي
على روحة من خيبر - فحضرت الصلاة، فدعا
بطعام فلم يجده إلا سويقا فلاك منه، فلکنا معه ثم
دعا بماء فمضمض، ثم صلى وصلينا، ولم
يتوضأ . (٤)
هـ - الدعاء للمضيف :
١٦ - فقد روى أنس أن النبي والر جاء إلى سعد
ابن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي
﴿ل *: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم
الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة)). (٥) وعن جابر
(١) حديث: ((بركة إطعام ... )) أخرجه الترمذي ( تحفة الأحوذي
٥٧٨/٥ نشر المكتبة السلفیة) وأبو داود (سنن أبي داود ١٣٩/٤
ط عزت عبيد دعاس). قال أبو داود: هو ضعيف. وقال
الترمذي : لا نعرف هذا الحدیث إلا من حدیث قيس بن
الربيع، وقيس يضعف في الحديث. قال المنذري بعد نقل كلام
الترمذي هذا: قيس بن الربيع صدوق وفيه كلام لسوء حفظه لا
يخرج الإسناد عن حد الحسن.
(٢) المغني ١١/ ٩١، وفيض القدير ٣/ ٢٠٠
(٣) فتح الباري ٩/ ٤٥٧، والمحلى ٤٣٥/٧
(٤) حديث: ((روى بشيربن يسار عن سويد بن النعمان أنه
أخبره ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٣٤/٩ ط
السلفية).
(٥) حديث أنس: ((أن النبي ### جاء إلى سعد بن عبادة ... ))=
- ١٢٠ -