Indexed OCR Text
Pages 41-60
إشهاد ٢٧ - ٢٩
قيام الإشهاد مقام القبض في الهبة :
٢٧ - ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الولي لو وهب
المحجوره شيئا، وأشهد على نفسه، فالهبة تامة،
والإِشهاد يغني عن القبض. واستدلوا على ذلك بما
رواه مالك عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان
رضي الله عنه قال: ((من نحل ولدا له صغيرا لم
يبلغ أن يجوز نحلته، فأعلن ذلك وأشهد على
نفسه فهي جائزة، وإن وليها أبوه)).
واستثنى المالكية من ذلك الدار التي يسكنها
الواهب، والملبوس الذي هو لابسه، إذا وهبهما
المحجوره، فإنه لا يكتفى بالإِشهاد على الهبة، بل
لابد من إخلائه للدار، ومثلها الملبوس. ولابد من
معاينة البينة للإِخلاء. وإن لم تعاين البينة الحيازة
فالإِشهاد بالهبة يغني عن الحيازة فيما لا يسكنه الولي
ولا يلبسه.
واستثنوا كذلك ما لا يعرف بعينه، كالمعدود
والموزون والمكيل فلابد من حيازته. (١) والهبة تتم
كذلك عند الحنفية بالإعلام والإِشهاد، إلا أن
الإِشهاد ليس شرطا، وإنما هو للاحتياط. (٢)
وعند الشافعية يتولى الأب طرفي العقد. وكيفية
القبض أن ينقله من مكان لآخر. ولم أقف على من
اشترط الإِشهاد من المتأخرين، لكن جاء في الأم:
أن الهبة لا تتم إلا بأمرين: الإِشهاد، والقبض،
ولا يغني الإِشهاد عن القبض. (٣)
(١) بداية المجتهد ٢/ ٣٠١ط التجارية، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ١٠٥/٤، والمغني ٥/ ٦٦٢، ٦٦٣
(٢) المبسوط ٤٨/١٢، والأم ٤/ ٥٥، والمغني ٦٤٩/٥ وما بعدها.
(٢) المبسوط ١٢/ ٦١
(٣) الروضة ٥/ ٣٦٧، والجمل على المنهج ٥٩٨/٣، والأم ٤/ ٥٢
الإشهاد على التصرف في الموهوب قبل قبضه :
٢٨ ۔ ذهب المالکیة إلی أن الموهوب له إذا باع ما
اتهبه أو أعتقه أو وهبه قبل أن يقبضه فإن تصرفه
ماض، وفعله ذلك حوز له إذا أشهد على ذلك
وأعلن بما فعله.(١)
وعند الحنفية، والشافعية لا يكون الإشهاد
بمنزلة القبض، ولا يثبت حكم الهبة إلا بقبضها.
وكذلك الحكم عند الحنابلة في المکیل والموزون
اللذين لا تصح هبتهما إلا بالقبض عندهم.(٢)
والصدقة كالهبة عند المالكية، فلودفع مالا لمن
يفرقه صدقة على الفقراء والمساكين، ولم يشهد
على ذلك، فلم يتصدق به، واستمر المال عنده
حتى مات الواهب، فإن الصدقة تبطل وترجع إلى
ورثته .
أما إذا أشهد على ذلك حين دفع المال إلى من
يتصدق به، فإن الصدقة لا تبطل بموت المتصدق،
وترجع للفقراء والمساكين. (٣)
وينطبق على الصدقة ما ينطبق على الهبة عند
الحنفية والشافعية والحنابلة من حيث عدم إغناء
الإِشهاد عن القبض على ما تقدم. (٤)
الإشهاد في الوقف :
٢٩ - عند المالكية لو وقف على محجوره، وهو ولده
الصغير الذي في حجره، أو السفيه أو الوصي على
يتيمه فإنه لا يشترط في حوز الوقف الحوز الحسي،
(١) الخرشي ١٠٨/٧
(٣) الخرشي ٧/ ١٠٦، ١٠٧
(٤) المبسوط ٤٨/٢، والأم ٥٢/٤، والمغني ٦٤٩/٥
- ٤١ -
٢٠
أ
أ
إشهاد ٣٠ - ٣١
بل يكفي فيه الحوز الحكمي، وهو أن يشهد على
ذلك. وسواء أكان الحائز الأب أم الوصي أو المقام
من قبل الحاکم، فیصح الوقف ولو کان تحت ید
الحائز إلى موته أو إلى فلسه أو إلى مرضه الذي
مات فيه، إذا توافرت بقية الشروط مع الإِشهاد.
ولابد من معاينة البينة لما وقع الإِشهاد على وقفه
إن كان الوقف على أجنبي، فلا يكفي إقرار
الواقف، لأن المنازع للموقوف عليه إما الورثة وإما
الغرباء .
ولا بد أن يشهد الواقف على الوقف قبل
حصول المانع للواقف من التصرف.
ولا يشترط أن يقول عند الإشهاد على الوقفية :
رفعت يد الملك ووضعت يد الحوز ونحو ذلك. (١)
والمذاهب الأخرى لم يتكلموا عن الإِشهاد في
الوقف، لعدم اشتراطهم القبض لصحته.
الإِشهاد على بناء الإنسان لنفسه في أرض الوقف:
٣٠ - لو بنی ناظر الوقف لنفسه بمال نفسه في أرض
الوقف، أوزرع وأشهد على ذلك فإِن الحنفية
والحنابلة يعتدون بذلك الإِشهاد، ويجعلون البناء
والغراس ملکا للناظر إن أشهد. فإِن لم يشهد فهو
تابع للوقف. قال الحنفية: ولا بد أن يكون الإِشهاد
قبل البناء والغراس. (٢) والمالكية لا يجعلون
للإِشهاد أثرا. (٣) وتفصيل ما يترتب على البناء
(١) الخرشي وحاشية العدوي ٧/ ٨٥، والتحفة شرح البهجة
٢٢٨/٢
(٢) جامع الفصولين ٢/ ٢١، وابن عابدين ٤٢٩/٣، ومطالب أولى.
النهي ٤ /٣٤١
(٣) الدسوقي ٤ / ٩٦
والغراس يذكر في موطنه الأصلي (الوقف).
وعند الشافعية ليس للواقف - والناظر بالأولى -
أن يزرع أو يبني في أرض الوقف لنفسه، وغرسه
وبناؤه فيه بغير الحق، والحال لا يحتاج إلى إشهاد
عندهم.(١)
وتفصيل أحكام البناء والغراس في الوقف ينظر
في كتاب الوقف .
الإشهاد في اللقطة :
٣١ - ورد في الحديث: ((من وجد لقطة فلیشهد ذا
عدل أوذوي عدل، ولا يكتم، ولا يغيب)). (٢)
وهذا أمر بالإِشهاد على اللقطة ليحفظها الإِنسان
عن نفسه من أن یطمع فیھا، وعن ورثته إن مات،
وعن غرمائه إن أفلس.
وفي الأمر الوارد به رأیان :
أ - استحباب الإِشهاد، وهو مذهب الحنابلة،
والمذهب عند الشافعية، وهو قول المالكية إن خيف
أن يدعيها مع طول الزمان .. (٣) وقد حملوا الحديث
(١) مغني المحتاج ٣٧٨/٢، ٤٠٣ط مصطفى الحلبي، والفتاوى
الفقهية الكبرى ٣٦٧/٣
(٢) حديث: ((من وجد لقطة فليشهد ... )) أخرجه أبو داود واللفظ
له، وابن ماجة من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه مرفوعا.
والحديث سكت عنه أبو داود وصححه الألباني وعبدالقادر
الأرناؤوط (عون المعبود ٢ / ٦٦ط الهند، وسنن ابن ماجة بتحقيق
محمد فؤاد عبد الباقي ٢/ ٨٣٧ط عيسى الحلبي، وصحيح الجامع
الصغير ٣٦٦/٥ نشر المكتب الإسلامي، وجامع الأصول
بتحقيق عبدالقادر الأرناؤوط ١٠/ ٧٠٧، ٧٠٨، نشر مكتبة
الحلواني ١٣٩٢ هـ).
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٧٨، والشرواني على التحفة
٣١٩/٦ ط دار صادر، والجمل على المنهج ٦٠٣/٣، والدسوقي
١٢٦/٤ ط عيسى الحلبي، والزرقاني على خليل ٧/ ١٢٠ نشر
دار الفكر، وجواهر الإكليل ٣/ ٦٠٣، والمغني ٥ /٧٠٨، ٧٠٩
- ٤٢ -
1
إشهاد ٣١ - ٣٤
السابق على الاستحباب. واستدلوا على
الاستحباب بخبر زيد بن خالد مرفوعا: ((اعرف
وكاءها وعفاصها)).(١) وحديث أبي بن كعب، ولم
يؤمر بالإِشهاد فيهما، (٢) واكتفي بالتعريف، ولا
يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلو كان واجبا
لبينه النبي ◌َّر، سيما وقد سئل عن حكم اللقطة
فلم يكن ليخل بأمر واجب فيها فيتعين حمل الأمر
على الندب في خبر عياض. ولأنه أمانة فلم يفتقر
إلى الإِشهاد كالوديعة . (٣)
ب - وجوب الإشهاد: وهو قول أبي حنيفة. جاء في
كتب الحنفية: أن الإِشهاد لابد منه عند الإِمام: (٤)
وهو قول المالكية إن تحقق الملتقط أو ظن أنه
سيجحد اللقطة. (٥) ووجوب الإشهاد هو مقابل
المذهب عند الشافعية. قالوا: في الحديث زيادة
على بقية الأخبار، وهي الأمر بالإِشهاد، وزيادة
الثقة مقبولة، والأصل في الأمر الوجوب، ولا منافاة
بين هذه الزيادة وبين بقية الأخبار التي ليس فيها
أمر.(٦)
والإِشهاد يكون حين الأخذ إن أمكن، وإلا
أشهد عند أول التمكن منه. (٧)
(١) خبر زيد بن خالد مرفوعا: ((اعرف وكاءها وعفاصها ...
أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري ٥/ ٨٠ - ط السلفية،
وصحيح مسلم ١٣٤٨/٣ ط الحلبي).
(٢) حديث أبي بن كعب: ((احفظ وعاءها وعددها ووكاءها)) أخرجه
البخاري ومسلم (الفتح ٧٨/٥ ط السلفية، وصحيح مسلم
٣/ ١٣٥٠)
(٣) المغني ٥/ ٧٠٨، ٧٠٩
(٤) ابن عابدين ٣١٩/٣ ط بولاق الأولى.
(٥) الدسوقي ٤ /١٢٦
(٦) الجمل على المنهج ٦٠٣/٣، والشرواني على التحفة ٣١٩/٦
(٧) ابن عابدين ٣١٩/٣، والزرقاني على خليل ٧/ ١٢٠، والمغني
٧٠٨/٥
نفي الضمان مع الإِشهاد :
٣٢ - يتفق الفقهاء على أن الملتقط لا يضمن
اللقطة إن أشهد علیها. فإِن لم يشهد فإنه يضمنها
إن تلفت عند جمهور الفقهاء. وقال الحنابلة
وأبو يوسف: لا ضمان على الملتقط سواء أشهد أم لم
يشهد. وفي البدائع: ولا ضمان على الملتقط أشهد
أو لم يشهد عند الصاحبين. وعند أبي حنفية يضمن
إن لم يشهد.(١)
فإِن خشي استيلاء ظالم عليها، فقد قال
الشافعية: إنه يمتنع الإشهاد ولو أشهد ضمن، (٢)
وقال الحنفية لا یضمن إن لم يشهد خوفا من استيلاء
ظالم عليها، وكذا لا يضمن إن لم يتمكن من
الإشهاد. (٣)
الإشهاد والتعريف :
٣٣ - لا يغني الإِشهاد عن التعريف عند أكثر
الفقهاء، وذهب بعض الحنفية إلى أنه يغني عن
التعريف. (٤)
الإشهاد على اللقيط :
٣٤ - لا يختلف حكم الإشهاد على التقاط اللقيط
عن الإشهاد في اللقطة عند المالكية، (٥) وعند
(١) الرهوني ٢٤٩/٧ ط بولاق، والبدائع ٢٠١/٦ ط الجمالية،
وكشف الحقائق ٣٣٠/١، والجمل على المنهج ٦٠٣/٣، والمغني
٧٠٨/٥
(٢) الجمل على المنهج ٦٠٣/٣، وشرح الروض ٤٨٧/٢
(٣) الفتاوى الهندية ٢/ ٢٩١، وابن عابدين ٣٢٠/٣، والمبسوط
١٢/١١ نشر دار المعرفة .
(٤) ابن عابدين ٣١٩/٣، والدسوقي ٤/ ١٢٠، ١٢٦، والجمل
٦٠٣/٣، والمغني ٧٠٩/٥
(٥) الدسوقي ٤ /١٢٦
- ٤٣ -
٣٥ - ٣٦
إشهاد
الشافعية يجب الإشهاد قولا واحدا، (١) وهو وجه
عند الحنابلة، وعليه اقتصرت بعض كتبهم. (٢)
وإنما فرقوا بين اللقطة واللقيط في الإِشهاد، لأن
اللقطة الغرض منها المال، والإِشهاد في التصرف
المالي مستحب، والغرض من التقاط اللقيط حفظ
حریته ونسبه، فوجب الإِشهاد، کما في النكاح،
ولأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريف في
اللقيط. (٣)
واستظهر ابن قدامة وجوب ضم مشرف إلى
الملتقط إن كان غير أمين.
والوجه الثاني عند الحنابلة: استحباب
الإشهاد. (٤)
ويجب الإِشهاد على ما مع اللقيط تبعا له عند
الشافعية، ولئلا يتملكه. وقید الماوردي وجوب
الإشهاد على اللقيط وعلى ما معه بحالة ما إذا كان
هو الملتقط.
أما من سلمه الحاكم له لیکفله فالإِشهاد
مستحب له قطعا . (٥)
الإشهاد على نفقة اللقيط :
٣٥ - الحنفية والشافعية اشترطوا لجواز الرجوع بما
ينفقه الملتقط على اللقيط الإِشهاد على إرادته
الرجوع.
وقيد الشافعية ذلك بما إذا لم يتمكن المنفق من
(١) شرح الروض ٤٩٦/٢
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٧٨
(٣) المغني ٥/ ٧٥٦، وشرح الروض ٤٩٦/٢
(٤) المغني ٧٥٦/٥
(٥) شروح الروض ٢/ ٤٩٦
استئذان الحاكم. (١) ووجوب الإشهاد هو قول
شریح والنخعي . (٢)
وقال الحنابلة : لا يشترط. (٣)
ولا يتأتى القول بالإِشهاد عند المالكية، فالملتقط
ينفق، ولا يرجع على اللقيط عندهم، لأنه
بالالتقاط ألزم نفسه. (٤)
الإشهاد بالباطل للتوصل إلى الحق :
٣٦ - فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه يجوز
الإشهاد بالباطل للتوصل إلى الحق في صور
ذكروها. فعند الحنفية: الصغيرة التي يزوجها ولي
غير الأب والجد، ويثبت لها شرعا خيار البلوغ في
النكاح على الفور، فإنها إذا رأت الحيض في الليل
واختارت الفسخ فورا، فإنها حين تشهد في الصباح
على البلوغ تقول: بلغت الآن، ضرورة إحياء
الحق، (٥) لأن خيار البلوغ يسقط بالتراخي، فلو
أخبرت عن اختيارها متباعدا عن الإِشهاد لم تستفد
من الخيار.
وعند المالكية : يجوز للإِنسان إذا لم يكن له
وارث معين، ولم ينتظم بيت المال أن يتحيل على
إخراج ماله بعد موته في طاعة الله، وذلك بأن يشهد
في صحته بشيء من حقوق الله تعالی في ذمته،
کزکاة أو كفارات وجب إخراجها من رأس المال،
ولو أتى على جميعه بعد الحقوق المتعلقة بالعين. (٦)
(١) ابن عابدين ٣١٧/٣، وشرح الروض ٤٩٦/٢
(٢) المغني ٧٥٢/٥
(٣) المغني ٧٥٢/٥
(٤) الدسوقي ٤/ ١٢٤، ١٢٥ نشر دار الفكر.
(٥) ابن عابدين ٢/ ٣١٠
(٦) الصاوي على الدردير ٦١٨/٤
- ٤٤ -
إشهاد ٣٦ - ٣٧
وذكر الحنابلة عدة صور منها : ما يسمى بمسألة
إيداع الشهادة، كأن يقول له الخصم: لا أقرلك
حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه، وأشهد
عليك إنك لا تستحق علي بعد ذلك شيئا، فيأتي
صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشهدا أني على
طلب حقي كله من فلان، وأني لم أبرئه من شيء
منه، وإني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه،
لأتوصل بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا
أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه
فهو إشهاد باطل، وأني إنما أشهدت على ذلك
توصلا إلى أخذ بعض حقي ، فإذا فعل ذلك جاز
له أن يدعي بقاءه على حقه، ويقيم الشهادة
بذلك.(١) فالإِنسان له التوصل إلى حقه بکل
طريق جائز، وقد توصل المظلوم إلى حقه بطريق لم
يسقط بها حقا لأحد، ولم يأخذ بها ما لا يحل له
أخذه، فلا خرج بها من حق، ولا دخل بها في
باطل.
ونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق
فیجحده، ویابی أن يقر به حتى تقر له بالزوجية،
فتشهد على نفسها أنها ليست امرأة فلان، وأني
أريد أن أقر له بالزوجية إقرارا كاذبا لا حقيقة له
لأتوصل بذلك إلى أخذ مالي عنده، فاشهدوا أن
إقراري بالزوجية باطل أتوصل به إلى أخذ حقي .
ومثله أيضا : أن ینکر نسب أخيه، ویابی أن يقر
له به حتی یشهد أنه لا يستحق في ترکة أبیه شیئا،
وأنه قد أبرأه من جمیع ماله في ذمته منها، أو أنه وهب
له جميع ما يخصه منها، أو أنه قبضه، أو اعتاض
(١) إعلام الموقعين ٤/ ٣٠ ط الأولى التجارية.
عنه، أو نحو ذلك، فيودع الشهادة عدلين أنه باق
على حقه، وأنه يظهر ذلك الإقرار توصلا إلى إقرار
أخيه بنسبه، وأنه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئا ولا
أبرأ أخاه ولا عاوضه ولا وهبه.(١)
الإشهاد على كتابة الوصية :
٣٧ - يتفق الفقهاء على نفاذ الوصية إن كتب
الموصي وصيته وأشهد عليها، ثم قرأها على
الشهود. (٢)
ويختلفون إن كتبها ولم يعلم الشهود بما فيها،
سواء أكتبها ولم يشهد عليها أم كتبها في غيبة
الشهود، ثم أشهدهم عليها .
فإن كتبها مبهمة ثم دعا الشهود، وقال: هذه
وصيتي فاشهدوا على ما في هذا الكتاب، فللفقهاء
في نفاذ هذه الوصية وعدمه رأیان:
أحدهما : عدم النفاذ، وبه قال الحنفية،
والحنابلة، وجمهور الأصحاب من الشافعية. وبهذا
قال الحسن البصرى وأبو قلابة وأبو ثور. إلا أن
بعض كتب الحنابلة أطلقت هذا القول، وبعضها
قيده بما إذا لم يعرف خط الكاتب، وقالوا في تعليل
عدم النفاذ: إن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد
بالشهادة بالإجماع فكذا هنا. (٣)
الثاني : أن هذا الإِشهاد يصح وينفذ به الوصية
وإن لم يقرأها على الشهود، وهو قول المالكية،
(١) إعلام الموقعين ٣١/٤
(٢) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٣٧/٣ ط بغداد، والروضة
١٤١/٦، والخرشي ٨/ ١٩٠، والمغني ٦/ ٦٩، وكشاف القناع
٣٣٧/٤
(٣) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٣٧/٣، والروضة ٦/ ١٤١،
والمغني ٦/ ٦٩
- ٤٥ -
إشهاد ٣٧ - ٣٨
وقول محمد بن نصر المروزي من الشافعية، (١) وهو
قول جماعة من التابعين منهم سالم وعبدالملك بن
يعلى قاضي البصرة. (٢)
فإِن كتبها بحضرتهم، وأشهدهم عليها، دون
علم بما فيها فإنها تنفذ عند المالكية، وهو رواية عن
أبي يوسف إذا أودعه عنده، (٣) وهو مذهب أحمد إن
عرف خطه. والعمل حينئذ بالخط لا بالإِشهاد.
وممن قال ذلك عبدالملك بن یعلى ومكحول والليث
والأوزاعي ومحمد بن مسلمة وأبوعبيد وإسحاق،
واحتج أبو عبيد بكتب رسول الله ور إلى عماله
وأمرائه في أمر ولا يته وأحكام سننه، ثم ما عمل به
الخلفاء الراشدون المهدیون بعده من کتبهم إلى
ولاتهم الأحكام التي تتضمن أحكاما في الدماء
والفروج والأموال، يبعثون بها مختومة لا يعلم
حاملها ما فيها، وأمضوها على وجوهها. وذكر
استخلاف سليمان بن عبدالملك عمر بن عبدالعزيز
بکتاب کتبه وختم علیه. قال ابن قدامة : ولا نعلم
أحدا أنكر ذلك مع شهرته في علماء العصر فكان
إجماعا . (٤)
ولا تنفذ عند أبي حنيفة والشافعية، وهو محكي
عن أحمد بن حنبل، قال صاحب المغني: ووجهه
أنه کتاب لا یعلم الشاهد ما فيه، فلم يجز أن يشهد
عليه، ككتاب القاضي إلى القاضي .(٥)
(١) الخرشي ٨/ ١٩٠، والروضة ٦/ ١٤١
(٢) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٣٨/٣
(٣) الخرشي ٨/ ١٩٠، وشرح أدب القاضي للخصاف ٣٤٢/٣
(٤) كشاف القناع ٣٣٧/٤، والمغني ٦ / ٦٩، ٧٠
(٥) شرح الروض ٤٢/٣، والمغني ٦/ ٦٩، ٧٠، وشرح أدب
القاضي للخصاف ٣٤١/٣
الإشهاد على النكاح :
٣٨ - الحنفية والشافعية، والمشهور عن أحمد أنه لا
ء
يصح عقد النكاح إلا بإشهاد على العقد، لقوله
: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل. (١) وروي
ذلك عن عمر وعلي، وهو قول ابن عباس
وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن والنخعي
وقتادة والثوري والأوزاعي .
والمعنى فيه صيانة الأنكحة عن الجحود،
والاحتياط للأبضاع.(٢)
وعند المالكية الإِشهاد على العقد مستحب،
لكن يشترط الإِشهاد عند الدخول، فإِن أشهدا
قبل الدخول صح النكاح ما لم يقصدا الاستسرار
بالعقد. فإِن قصداه لم يقرا على النكاح عليه، لنهيه
عليه الصلاة والسلام عن نكاح السر، ويؤمر أن
يطلقها طلقة وإن طال الزمان، ثم يستأنف العقد.
(١) حديث : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) أخرجه الدارقطني
والبيهقي من حديث الحسن عن عمران بن حصين مرفوعا، وفي
إسناده عبدالله بن محرز، وهو متروك. ورواه الشافعي من وجه
آخر عن الحسن مرسلا. وروي الحديث عن عائشة رضي الله
عنها بعدة طرق وضعف ابن معين ذلك كله، وأقره البيهقي.
وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعا، ونقل الزيلعي
عن الدارقطني أن هذا الحديث رجاله ثقات، إلا أن المحفوظ من
قول ابن عباس ولم يرفعه إلا عدي بن الفضل. وللحديث طرق
أخرى. وقال شعيب الأرناوؤط: هذه الطرق والشواهد يشبه
بعضها بعضا، فيصلح الحديث للاستشهاد (السنن الكبرى
للبيهقي ٧/ ١٢٥ ط دائرة العثمانية بالهند، وسنن الدارقطني
٢٢١/٣ -٢٢٧ ط دار المحاسن للطباعة، ونيل الأوطار ٢٥٨/٦
- ٢٦٠ ط دار الجيل، وفيض القدير ٤٣٨/٦ نشر المكتبة
التجارية الكبرى، وشرح السنة بتحقيق شعيب الأرناوؤط
٩/ ٤٥ نشر المكتب الإسلامي، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث
منار السبيل ٢٤٣/٦ نشر المكتب الإسلامي).
(٢) العناية على الهداية ٢/ ٣٥١، ٣٥٢ ط بولاق الأولى، ونهاية
المحتاج ٢١٣/٦، والمغني ٦/ ٤٥٠
- ٤٦ -
إشهاد ٣٩ - ٤١
وإن دخلا بلا إشهاد فسخ النكاح كذلك، وحدا في
الحالتين، ما لم يكن النكاح فاشيا. (١)
وهناك شروط وتفصيلات فيما يتعلق بالإِشهاد في
هذا الموضوع، يرجع إليه في مصطلح (نكاح).
الإشهاد على الرجعة :
٣٩ - للفقهاء في حكم الإِشهاد على الرجعة
رأیان :
أولهما : ندب الإِشهاد، وهو مذهب الحنفية،
والصحيح عند المالكية، وهو قول الشافعية.
والإِشهاد عندهم يكون على صيغة الرجعة أو
الإِقرار بها، وهو رواية عند الحنابلة.
وثانيهما : وجوب الإِشهاد، وهو قول ابن بکیر
وغيره ومن المالكية، وهو رواية عند الحنابلة.
واستدل الفريقان على أن الإشهاد مطلوب
بقول الله سبحانه وتعالى: (فإذا بلغن أجلهن
فأمسکوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا
ذَوَيْ عدل منكم). (٢)
فحمل الفريق الأول الأمر على الاستحباب،
وذلك لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر
إلى شهادة، كسائر حقوق الزوج، ولأنها استدامة
للنكاح وهذا لا يتطلب الإِشهاد. وحمل الفريق
الثاني الأمر على الوجوب وهو ظاهر الأمر. (٣)
(٢) الخطاب والتاج والإكليل ٤٠٨/٣ - ٤١٠، وجواهر الإكليل
٢٧٥/١
(٢) سورة الطلاق / ٢
(٣) المغني ٧/ ٢٨٣ ط الرياض.
ثم من أوجب الإِشهاد إذا راجعها بدونه هل
تصح الرجعة؟
من اعتبر الإِشهاد شرطا قال: لا تصح، ومن
اعتبره واجبا ديانة فقط صحت الرجعة مع الإِثم.
وتفصيل ذلك في مبحث الرجعة.
إشهاد المنفق على الصغير :
٤٠ - نفقة الصغير في ماله إن كان له مال، وإلا
فیلزم بالإِنفاق علیه من تجب نفقته علیه شرعا،
وهذا لا يحتاج إلى إشهاد.
وإن کان له مال وأنفق علیه ولیه أو وصیه من
مالهما بقصد الرجوع عليه، فلابد لجواز الرجوع
على الصغير في ماله من الإِشهاد.
وكذلك إن أنفق عليه من لا تجب عليه نفقته .
وفي ذلك تفصیل وخلاف يرجع إليه في مصطلح
(نفقة).
الإِشهاد بالإِنفاق على من لا تجب عليه النفقة
ليرجع بما أنفق:
٤١ - من أنفق على من لا تجب نفقته عليه بقصد
الرجوع عليه، أو على من تلزمه النفقة كان عليه أن
يشهد حتى يرجع بما ينفق، وذلك إن عجز عن
استئذان من تجب عليه النفقة أو الحاكم. وهذا هو
رأي الشافعية، وإحدى الروايات عن أحمد،
واكتفى المالكية بيمين المنفق: أنه أنفق ليرجع .
وأما الحنفية فإنهم يقولون: إن قيم الوقف إذا أنفق
على الوقف من ماله بقصد الرجوع فلابد من
الإِشهاد. ويمكن التخريج على هذه عندهم فيما
- ٤٧ -
إشهاد ٤٢ ، إشهار ١ - ٢
يشبه الوقف. (١)
وفي الموضوع تفصيل يرجع إليه في (الوقف
والوديعة والرهن والنفقة واللقطة واللقيط).
الإشهاد على الحائط المائل للضمان:
٤٢ - إذا سقط الحائط المائل، فتلف بسقوطه
شيء، فيرى الحنفية أنه لا يضمن صاحب
الحائط، إلا إذا طلب إليه إزالة الحائط قبل
سقوطه، وأشهدوا على ذلك. ويتحقق الطلب من
أي عاقل ولو صبيا. ویکون الضمان عليه في ماله إن
كان الضرر واقعا على مال الغير، ويكون الضمان
في هلاك النفس على عاقلة صاحب الحائط إلحاقا
بالقتل الخطأ.
ويرى المالكية أن الإشهاد لا يتحقق إلا من
القاضي أو ممن له النظر في مثل هذه الأمور كالبلدية
الآن. وأما طلب الناس وإشهادهم فلا عبرة به في
وجوب الضمان إلا إذا کان في مکان لیس به قاض
ولا مسئول عن مثل هذا. ويكون الضمان عندهم
في المال والنفس على صاحب الحائط إن قصر.
والشافعية والحنابلة لا يوجبون الإِشهاد على
الطلب، وإنما يكفي عندهم الطلب وحده في
وجوب الضمان .
وأما شروط وجوب الضمان فيرجع إليها في
موضوع الضمان والجنايات. (٢)
(١) البجيرمي على الخطيب ٦٨/٤، ٧٠، وتصحيح الفروع
٥٩٩/٢، ٦٠٠، والدسوقي ١٢٤/٤، ١٢٥، وتحفة الفقهاء
٤٦/٣
(٢) تبصرة الحكام ٣٤٧/٢، وابن عابدين ٣٨٤/٥، ٣٨٥، وفتح
القدير ٣٤٢/٨، والروضة ٣٢١/٩، والمغني ٨٢٧/٧ وما
بعدها، والهندية ٣/ ٣٤٠، والخرشي ٧/ ٢١٧. وترى اللجنة أن =
إشهار
التعريف :
١ - الإِشهار: مصدر أشهر بمعنى أعلن، والشهر
في اللغة بمعنى الإعلان والإظهار. يقال: شهرته
بین الناس وشهرته. أي أبرزته وأوضحته. (١)
أما الإشهار فغير منقول لغة - كما قال الفيومي -
ولكن الفقهاء استعملوه - ولاسيما المالكية - بمعنى
الإعلان.
الحكم الاجمالي :
٢ - يستعمل الفقهاء الإشهار في مواطن كثيرة. منها
المطلوب: كإشهار النكاح، والحجر، والحدود،
والعقود والعهود: ومنها الممنوع: كإشهار الفاحشة.
ففي إشهار النكاح : يرى جمهور الفقهاء أنه
مندوب بأي شيء متعارف کإطعام الطعام عليه، أو
إحضار جمع من الناس زيادة على الشاهدين، أو
بالضرب فيه بالدف حتى يشتهر ويعرف، (٢) لقوله
= ما ذكر من اشتراط إشهاد القاضي إنما هو أمر تنظيمي، ولولي
الأمر أن يتخذ من الاجراءات ما يدفع الضرر عن العامة، مراعيا
في ذلك ظروف العصر.
(١) المصباح المنير، ومعجم مقاييس اللغة، والصحاح مادة:
(شهر)، والدسوقي ٢١٦/٢
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٦١ ط بولاق، وحاشية الدسوقي
٢١٧/٢ ط دار الفكر، وحاشية الشرواني ٢٢٧/٧، والمغني
٥٣٧/٦ ط الرياض.
- ٤٨ -
إشهار ٣ ، أشهر الحج ١
: ((أظهروا النكاح))(١) وفي لفظ: ((أعلنوا
النكاح)). (٢)
مواطن البحث :
٣- تبحثمسألة إِشھار النكاح في (النكاح) عند
الحديث عن أركانه أو الوليمة فيه. ومسألة إشهار
الصلاة المكتوبة في (الصلاة) عند الكلام عن
السنن والنوافل. وإشهار قرار الحجر في (الحجر)
عند الكلام عن معاملة المحجور عليه.
أشهر الحج
تحديد الفقهاء لأشهر الحج :
١ - جمهور الفقهاء على أن أشهر الحج هي:
شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، لأن
قوله تعالى: (الحَجُّ أشهرٌ معلوماتٌ)(٣) مقصود به
(١) حديث: ((أظهروا النكاح)) . أخرجه الديلمي في مسند
الفردوس من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال المناوي: وفيه
من لا يعرف، لكن له شواهد تجبره (فيض القدير ٥٤٩/١ ط
المكتبة التجارية).
(٢) حديث: ((أعلنوا النكاح)). أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من
حديث عبدالله بن الزبير مرفوعا وقال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال
أحمد ثقات (موارد الظمآن ص ٣١٣ ط دار الكتب العلمية،
والمستدرك ١٨٣/٢ نشر دار الكتاب العربي، وفيض القدير
١٠/٢ ط المكتبة التجارية، وشرح السنة للبغوي ٩/ ٤٧ نشر
المكتب الاسلامي.
(٣) سورة البقرة/ ١٩٧
وقت الإحرام بالحج، لأن الحج لا يحتاج إلى
أشهر، فدل على أنه أراد به وقت الإِحرام. وقد
روي ذلك عن العبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن
عمر، وابن عمرو، وابن الزبير رضي الله تعالى
عنهم. ولأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة،
ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات، وهذا يدل على
أن المراد من الآية شهران وبعض الثالث لا كله،
لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله. (١) وهذا
التحديد يدخل فيه يوم النحر عند الحنابلة والحنفية
غير أبي يوسف. وعند الشافعية وأبي يوسف من
الحنفية ليس منها يوم النحر، بل على وجه عند
الشافعية لا تدخل ليلة النحر كذلك، لأن الليالي
تبع للأيام، ويوم النحر لا يصح فيه الإحرام، فكذا
لیلته.
والمالكية - وإن كانوا يقولون إن أشهر الحج هي
شوال وذو القعدة وذو الحجة - إلا أن مرادهم بذلك
أن وقت الإِحرام يبدأ من شوال إلى فجريوم
النحر، أما الإِحلال من الحج فيمتد إلى آخر ذي
الحجة . (٢)
ثمرة الخلاف في تحديد أشهر الحج :
ثمرة الخلاف في تحديد أشهر الحج، على ما
ذكره ابن رشد، هي جواز تأخير طواف الإفاضة
عند المالكية إلى آخرذي الحجة، فإن أخره إلى
(١) تفسير القرطبي ٢/ ٤٠٥
(٢) ابن عابدين ٢/ ١٥٤ ط بولاق ثالثة، والهداية ١٥٩/١ ط المكتبة
الإسلامية، وشرح منتهى الإرادات ١١/٢ ط دار الفكر، ومغني
المحتاج ٤٧١/١ ط مصطفى الحلبي، والمهذب ٢٠٧/١ ط دار
المعرفة بيروت، وجواهر الإكليل ١٦٨/١ ط دار المعرفة بيروت.
- ٤٩ -
أشهر الحج ٢ - ٤ ، الأشهر الحرم ١
المحرم فعليه دم، وعند الحنفية إن آخره عن أيام
النحر کان علیه دم.
أما عند الشافعية والحنابلة فإِن آخره غیر
موقت، بل يبقى ما دام حيا ولا دم عليه. (١)
علاقة أشهر الحج بالأشهر الحرم :
٢ - تظاهرت الأخبار عن رسول الله صل* بأن الأشهر
الحرم هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة،
والمحرم، وهو قول عامة أهل التأويل.(٢) وعلى
ذلك فأشهر الحج تشترك مع الأشهر الحرم في ذي
القعدة وعشر من ذي الحجة، أما شوال فهو من
أشهر الحج فقط، ورجب وبقية ذي الحجة من
الأشهر الحرم فقط.
الحكم الإجمالي :
٣ - تحديد أشهر الحج مقصود به أن الإحرام بالحج
يتم في هذا الوقت، ولذلك يرى الحنفية والمالكية
والحنابلة كراهة الإحرام بالحج في غير هذا الوقت،
والمراد عند الحنفية بالكراهة كراهة التحريم،
وبذلك صرح القهستاني. أما الشافعية فلا ينعقد
عندهم الإحرام بالحج في غير هذا الوقت، وإنما
ينعقد عمرة، لأن الحج عبادة مؤقتة، فإذا عقدها
في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها، كصلاة
الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال فإنه ينعقد إحرامه
بالنفل.
(١) منح الجليل ١/ ٤٩٢، وبداية المجتهد ٢٧٨/١، وابن عابدين
١٨٣/٢، ١٨٤، والمجموع ٢٢٤/٨، والإفصاح ص ٢٧٢
(٢) الطبري ٨٨/١٠
مواطن البحث :
٤ - أشهر الحج تتم فيها مناسکه بما في ذلك من
إحرام وطواف وسعي ووقوف.
ر: (حج - طواف - سعي - إحرام).
الأشهر الحرم
المراد بالأشهر الحرم :
١ - الأشهر الحرم(١) هي التي ورد ذكرها في قول الله
تعالى: (إن عِدّةَ الشهورِ عند الله اثنا عشر شهرا في
كتاب الله يوم خلق السموات والأرض،منها أربعة
حرم). (٢)
وهن : رجب مضر، (٣) وذو القعدة، وذو
الحجة، والمحرم.
وهذا التحدید تظاهرت به الأخبار عن رسول
الله. فعن أبي بكرة أن النبي وَ ﴾ قال: ((إن
الزمان قد استدار کھیئته يوم خلق الله السماوات
والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم :
ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. (٤)
(١) المصباح مادة: (شهر) .
(٢) سورة التوبة/ ٣٦
(٣) نسبة إلى قبيلة مضر، وإنما قيل رجب مضر، لأنهم كانوا أشد
تعظيما له من غيرهم.
(٤) حديث: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض ... )). أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة
مرفوعا (فتح الباري ٨/ ٣٢٤ ط السلفية، وصحيح مسلم
١٣٠٥/٣ ط الحليمي).
٥٠ -
-
الأشهر الحرم ٢ - ٤
وروي مثل ذلك عن أبي هريرة وقتادة، وهو
أيضا قول عامة أهل التأويل.(١)
المقارنة بينها وبين أشهر الحج :
٢ - ذكر أشهر الحج ورد في قول الله تعالى: (الحج
أشهر معلومات). (٢) وقد اختلف أهل التأويل في
ذلك. فقيل: إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو
الحجة كله، يريدون بذلك أنهن أشهر الحج، لا
أشهر العمرة، وأن أشهر العمرة سواهن من شهور
السنة. وقيل: يعني بالأشهر المعلومات شوالا وذا
القعدة وعشرا من ذي الحجة .
وقد صوب الطبري ذلك القول، لأن ذلك من
الله خير من ميقات الحج، ولا عمل للحج يعمل
بعد انقضاء أيام مني . (٣)
وعلى ذلك فبين أشهر الحج والأشهر الحرم
بعض التداخل، إذ أن ذا القعدة وعشرا من ذي
الحجة من أشهر الحج والأشهر الحرم، أما شوال فهو
من أشهر الحج فقط، والمحرم ورجب من الأشهر
الحرم فقط.
فضل الأشهر الحرم :
٣ - الأشهر الحرم فضلها الله على سائر شهور
العام، وشرفهن على سائر الشهور. فخص الذنب
فیھن بالتعظیم، کما خصهن بالتشریف، وذلك
نظير قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة
الوسطى)(٤) قال ابن عباس : خص الله من شهور
العام أربعة أشهر فجعلهن حرما، وعظم
حرماتهن، وجعل الذنب فيهن والعمل الصالح
والأجر أعظم، وعن قتادة: الظلم في الأشهر الحرم
أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها، وإن
كان الظلم في كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من
أمره ما شاء، فإن الله تعالى اصطفى صفايا من
خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس
رسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من
الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان
والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة،
واصطفى من الليالي ليلة القدر. قال قتادة:
فعظموا ما عظم الله، فإنها تعظم الأمور بما عظمها
الله عند أهل الفهم وأهل العقل. (١)
ما تختص به من الأحكام :
أ - القتال في الأشهر الحرم :
٤ - كان القتال في الأشهر الحرم محرما في الجاهلية
قبل الإِسلام، فكانت الجاهلية تعظمهن وتحرم
القتال فيهن، حتى لولقي الرجل منهم فيهن قاتل
أبيه أو أخيه تركه.
قال النيسابوري في تفسير قوله تعالى: (ذلك
الدين القيّمُ)، (٢) أي هو الدين المستقيم الذي
كان عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقد
توارثته العرب منهما فكانوا يحرمون القتال فيها. (٣)
ثم جاء الإِسلام يؤيد حرمة القتال في الأشهر
الحرم بقوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام
(١) الطبري ٨٨/١٠
(٢) البقرة/ ١٩٧
(٣) الطبري ٢/ ١٥٠
(٤) البقرة/ ٢٣٨
(١) الطبري ٨٩/١٠
(٢) سورة التوبة / ٣٦
(٣) النيسابوري بهامش الطبري ٧٩/١٠
- ٥١ -
الأشهر الحرم ٥ - ٦ ، إصبع ١
قتالٍ فيه. قل قتالٌ فيه كبير وصد عن سبيل الله
وكفرً به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند
الله والفتنة أكبر من القتل). (١)
ب - هل نسخ القتال في الأشهر الحرم؟
٥- اختلف أهل التأويل في الآية التي أثبتت حرمة
القتال في الأشهر الحرم، وهي قوله تعالى:
(يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه. قل قتالٌ فيه
كبير) هل هو منسوخ أم ثابت الحكم؟
قال بعضهم : إن ذلك حکم ثابت، لا يحل
القتال لأحد في الأشهر الحرم، لأن الله جعل القتال
فیه کبیرا.
وقال بعضهم : هو منسوخ بقول الله عز وجل :
(وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (٢) ورد
ذلك عن الزهري وعطاء بن ميسرة.
قال عطاء بن ميسرة : أحل القتال في الشهر
الحرام في براءة قوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن
أنفسكم وقاتلوا المشرکین کافة)، يقول: فیھن وفي
غیرهن.
وعن الزهري قال: كان النبي ﴿ فيما بلغنا يحرم
القتال في الشهر الحرام ثم أحل بعد. (٣) قال
(١) سورة البقرة/ ٢١٧
(٢) سورة التوبة/ ٣٦
(٣) حديث: ((كان النبي # فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر
الحرام ثم أحل بعد ... )) أورده الطبري عند تفسير قوله
تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه). وقال أحمد
محمد شاكر عند تخريجه: هذا حديث مرسل، مروي بإسنادین
عن اثنين من التابعين هما: الزهري ومقسم مولى ابن عباس
(تفسير الطبري بتحقيق محمود محمد شاكر ٣٠٨/٢ نشر دار
المعارف بمصر)
الطبري: والصواب من القول في ذلك ما قال
عطاء بن ميسرة من أن النهي عن قتال المشركين في
الأشهر الحرم منسوخ (١) بقول الله عز وجل: (إن
عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في کتاب الله
يوم خلق الله السموات والأرض منها أربعة محُم
ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا
المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). (٢) وإنما قلنا
ذلك ناسخ لقوله تعالى : (يسألونك عن الشهر
الحرام قتال فيه. قل قتال فيه كبير) لتظاهر الأخبار
بذلك عن رسول الله ﴾ .
تغليظ الديات في الأشهر الحرم :
٦ - اختلف الفقهاء في تغليظ دية القتل في الأشهر
الحرم أو عدم تغليظها، فالشافعية والحنابلة يرون
تغليظ الدية للقتل في الأشهر الحرم. (٣) وعند
الحنفية والإِمام مالك لا تغلظ الدية.
ومن قال بالتغليظ اختلف في صفتها، فقيل:
إنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة،
وقيل غير ذلك، ويفصل الفقهاء ذلك في الديات.
إصبع
التعريف :
١ - الإصبع : معروفة لغة وعرفا.
(١) الطبري ٢/ ٢٠٦
(٢) سورة التوبة / ٣٦
(٣) نهاية المحتاج ٧/ ٣٠٠، والمغني ٩/ ٤٩٩، والمدونة
١٠٧/١٦، والميزان للشعراني ١٤٩/٢
- ٥٢ -
إصبع ٢ - ٥
الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
أ - تخليل أصابع اليدين والرجلين في الوضوء:
٢ - ذهب الفقهاء إلى أن تخليل أصابع اليدين
والرجلين في الوضوء مطلوب، وجمهور الفقهاء على
أنه مسنون في اليدين والرجلين، والمالكية يرون أنه
واجب في اليدين. واختلفوا في وجوبه في الرجلين .
فقال جماعة منهم بالوجوب، وقال الآخرون بأنه
مسنون في الرجلین، والذین فرقوا یرون أن التخليل
في أصابع الرجلين فيه نوع من العسر. واستدلوا
على الوجوب بما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنه {# قال: «إذا توضأتَ فخلل بين أصابع
یدیك ورجلیك».(١)
واستدل الجمهور على السنية بأن آية الوضوء
وردت مطلقة عن التخليل. (٢)
كيفية التخليل :
٣ - یکفي في تحقق التخليل أي کیفیة مخلل بها بين
الأصابع، إلا أن بعض الفقهاء توسع في بيان
(١) حديث: ((إذا توضأت فخلل ... )) أخرجه الترمذي - واللفظ
له - وابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال
الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال ابن حجر والشوكاني:
فيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف، ولكن الحديث حسنه
البخاري، لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح، وسماع
موسى من صالح هذا كان قبل أن يختلط (تحفة الأحوذي
١/ ١٥١، ١٥٢ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجة بتحقيق
محمد فؤاد عبدالباقي ١/ ١٥٣ ط عيسى الحلبي، والتلخيص
الحبير ١/ ٩٤ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، ونيل الأوطار
١٩٠/١ ط دار الجيل).
(٢) المحلى على المنهاج بحاشية القليوبي ١/ ٥٤ ط مصطفى
الحلبي، وابن عابدين ١/ ٨٠ ط بولاق الأولى، والمغني ١٠٨/١
ط الرياض، والخرشي وحاشية العدوي ١٢٣/١، ١٢٦ نشر دار
صادر، والزرقاني على خليل ١/ ٥٧ نشر دار الفكر.
الکیفیة، فقالوا: إن تخلیل الأصابع في الیدین
یکون بتشبيك أصابع الیدین، مع وضع باطن
الیسری علی ظاهر الیمنی والعكس، وفي الرجلین
يخلل بخنصريده اليمنى، مبتدئا بخنصر رجله
اليمنى منتهيا بإبهامها، وفي اليسرى يبتدىء
بإِبهامها منتهيا بخنصرها. (١)
ب - وضع الأصابع في الأذنين عند الأذان :
٤ - يسن أن يجعل المؤذن إصبعيه في صماخي أذنيه
عند الأذان، لأنه أجمع للصوت، (٢) لقوله ﴾
لبلال: ((اجعل إصبعيك في أذنيك فإنه أرفع
لصوتك)». (٣)
جـ - ما يتعلق بالأصابع في الصلاة:
٥ - يكره في الصلاة تشبيك الأصابع، وفرقعتها،
وتحريكها إلا عند التشهد، فإنه يرفع السبابة عند
النفي، ويضعها عند الإِثبات. (٤)
(١) المحلى على المنهاج ٥٤/١، وابن عابدين ١/ ٨٠، والزرقاني
على خليل ٥٧/١، وكشاف القناع ١٠٢/١ نشر مكتبة النصر
الحديثة.
(٢) ابن عابدين ١/ ٢٦٠، والمجموع ٣/ ١٠٨ نشر المكتبة السلفية،
والمغني ١/ ٤٢٢، ٤٢٣
(٣) حديث: ((اجعل إصبعيك في أذنيك فإنه أرفع لصوتك)) أخرجه
ابن ماجة والحاكم من حديث سعد بن عائذ، مؤذن رسول الله
*، ولفظ ابن ماجة: ((أن رسول الله# أمر بلالا أن يجعل
إصبعیه في أذنیه، وقال: إنه أرفع لصوتك)». والحديث سكت
عليه الحاكم والذهبي. وقال الحافظ البوصيري: هذا إسناد
ضعيف لضعف أولاد سعد (وهم في إسناد الحاكم أيضا) سنن
ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢٣٦/١ ط عيسى
الحلبي، والمستدرك ٦٠٧/٣، ٦٠٨ نشر دار الكتاب العربي).
(٤) جواهر الإكليل ٥٢/١، ٥٤، وشرح الروض ١٨٣/١ ط
الميمنية، والمغني ٢/ ١٠ ط الرياض، وفتح القدير ٢٢٠/١ ط
بولاق، والقليوبي ١٦٤/١
i
- ٥٣ -
:
1
:
:
إصبع ٦، إصرار ١ - ٢
د - قطع الأصابع :
٦ - قطع الإصبع الأصلية إن كان عمدا ففيه
القصاص، وإن كان خطأ ففيه الدية، وهي عشر
دية النفس، أما إذا كانت زائدة ففيها حكومة عدل
عند جمهور الفقهاء. ويرى المالكية أنها إن كانت في
قوة الإصبع الأصلية ففيها دية الإصبع، وتفصيل
ذلك في الجنايات والدیات. (١)
إصرار
التعريف :
١ - الإصرار لغة: مداومة الشيء وملازمته والثبوت
عليه (٢)
واصطلاحا : الإصرار : هو العزم بالقلب على
الأمر وعلى ترك الإقلاع عنه.(٣)
وأكثر ما يستعمل الإصرار في الشر والإِثم
والذنوب. (٤)
الحكم الإجمالي :
٢ - الإصرار إما أن يكون عن جهل، أوعن علم.
فإذا كان الإِصرار عن جهل فقد یعذر من لا يعلم
حرمة الفعل الذي أصر عليه. أما إذا كان عن علم
(١) ابن عابدين ٣٧١/١، ٣٧٤، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧٠،
والقليوبي ١٤٧/٤، والمغني ٣٥/٨، ٣٦
(٢) المصباح المنير ولسان العرب مادة (صرر) .
(٣) القرطبي ٢١١/٤، والتعريفات للجرجاني .
(٤) لسان العرب مادة (صرر).
بالحكم فإن الفاعل یکون آثما إذا كان على
معصية، ويتضاعف إثمه بمقدار ما هو عليه من
جرم، لأن الإصرار على الصغيرة كبيرة، والإِصرار
على الكبائر يؤدي إلى عظم ذنبها وزيادة وزرها (١)
وأما إذا كان الإصرار على غير معصية، فإنه قد
يكون مندوبا إليه، كالإصرار على عدم إنشاء
أسرار المسلمين للعدو رغم ما يلاقيه من عنت
الأعداء.
وقد يكون واجبا، كالمداومة على فعل الطاعات
وترك المعاصي .
أما الإصرار على المعصية دون تحققها ففيه
رأیان :
الأول : يؤاخذ به الإنسان، لقوله تعالى :
(ومن يُرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
أليم)، (٢) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا التقى
المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قالوا:
يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول، قال: إنه
كان حريصا على قتل صاحبه)). (٣)
الثاني : لا يؤاخذ به الإنسان، لقوله چار: ((من
همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها
كتبت عليه سيئة واحدة)) (٤)
(١) طهارة القلوب للدريني ص ١١٢، والقليوبي ٩٤/٢، والفخر
الرازي ٩/ ١١
(٢) سورة الحج/ ٢٥
(٣) حديث: ((إذا التقى المسلمان ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٨٥/١ ط السلفية) وأخرجه مسلم (٢٢١٣/٤ - ٢٢١٤ ط
الحلبي) بلفظ مقارب.
(٤) حديث: ((من همّ بسيئة ... )) أخرجه البخاري من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: ((من همّ بسيئة فلم
يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها
كتبها الله له سيئة واحدة» (فتح الباري ٣٢٣/١١ ط السلفية).
- ٥٤ -
إصرار ٣ - ٤،اصطياد ، أصل ١ - ٢
وقد ضعف القرطبي هذا الرأي، وحمل الحديث
على أن معنى ((فلم يعملها)) فلم يعزم على
عملها . (١)
مبطلات الإصرار :
٣ - أ - يبطل الإصرار على المعصية بالتوبة، حيث
لا إصرار مع التوبة، لما روي: ((ما أصر من
استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة))(٢) وللقاعدة
المعروفة: ((لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع
الإِصرار)).
ب - يبطل الإِصرار بترك المصر عليه واتباع
غيره. (٣)
مواطن البحث :
٤ - أ - قرر الفقهاء أن الإصرار على الصغائر مسقط
للعدالة - انظر (شهادة، وتوبة).
ب - إصرار المرتد بعد استتابته يوجب القتل،
لحديث رسول الله وَلو: ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٤)
انظر (ردة).
جـ - إصرار المدعى عليه على السكوت على
جواب الدعوى يعد منه إنكارا ونكولا . انظر
(دعوى). (٥)
(١) القرطبي ٢١٥/٤
(٢) حديث: ((ما أصر من استغفر ... )) أخرجه أبو داود (٢/ ١٧٧
- ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥٥٨/٥ ط الحلبي). وقال
الترمذي: هذا حدیث غریب، وليس إسناده بالقوي
(٣) القرطبي ٢١١/٤، والنسفي ١٨٣/١، والشهاب ٦٤/٣
(٤) حديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)). أخرجه البخاري (الفتح
٢٦٧/١٢ ط السلفية).
(٥) ابن عابدين ٣٠٣/٣، ٣٧٦/٤، ٤٣٠/٤ ط بولاق، وقليوبي
١٧٧/٤، ٣١٩، ٣٣٨، ومسلم الثبوت ٢/ ١٤٣، والخرشي
١٧٥/٧، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧٨، والمغني ٦ / ١٦٧، ٦٧٤،
١٢٤/٨، ٩/ ٦٤، ٦٦، ٢٧١ ط الرياض.
اصطياد
انظر : صيد
أصل
التعريف :
١ - الأصل يجمع على أصول. (١)
وقد كثر استعمال الأصل، فاستعمل في كل ما
يستند إليه غيره ويبتني علیه، من حيث أنه يبتني
علیه ويتفرع عنه، فالأب أصل للولد، والأساس
أصل للجدار، والنهر أصل للجدول. وسواء أكان
الابتناء حسيا كما مثل، أم عقليا كابتناء المدلول
على الدليل.
٢ - ويطلق الأصل في الاصطلاح بمعان ترجع
كلها إلى استناد الفرع إلى أصله وابتنائه عليه،
ومن تلك المعاني الاصطلاحية:
(١) الدليل في مقابلة المدلول.
(٢) القاعدة الكلية
(١) اللسان ، والقاموس، مادة (أصل).
- ٥٥ -
أصل ٣ - ٧
(٣) المستصحب ، وهو الحالة الماضية.
(٤) ما يقابل الأوصاف.
(٥) وعلى أصول الإِنسان: أبيه وأمه،
وأجداده وجداته وإن علوا.
(٦) على المبدل منه في مقابلة البدل.
(٧) وعلى أصل القياس (المحل المقيس عليه)
(٨) وعلى الأصول في باب البيوع، ونحوها
الأشجار والدور ونحو ذلك في مقابلة الثمرة
والمنفعة.
(٩) وعلى أصول المسائل في الميراث، يخرج منه
فرض المسألة أو فروضها بلا کسر.
(١٠) وعلى الأصل في باب رواية الأخبار: (الشيخ
المروي عنه في مقابلة الفرع، وهو الراوي، أو
النسخة المنقول منها في مقابلة النسخة المنقولة).
(١١) وعلى أصول كل علم (مبادئه والقواعد
العامة التي تستخدم في دراسته).
وفيما يلي بيان هذه الأنواع بإيجاز:
أ - الأصل بمعنى الدليل :
٣ - يطلق الأصل بمعنى الدليل، (١) كقول
الفقهاء: الأصل في وجوب الحج الكتاب والسنة
والإِجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (ولله على الناس حج
البيت). (٢)
والأصول التي يستدل بها في علم الشريعة عند
الجمهورهي : القرآن العظيم، والسنة النبوية
الشريفة، والإِجماع، والقياس. وهناك أدلة مختلف
(١) كشاف اصطلاحات الفنون ، وشرح مسلم الثبوت ٨/١ ط
بولاق.
(٢) سورة آل عمران / ٩٧
فيها. وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصولي.
وأصول الإِثبات : الأدلة التي تقدم في
التقاضي، مثل البينة واليمين والإقرار والنكول.
ب - الأصل بمعنى القاعدة الكلية :
٤ - القاعدة الكلية حكم أكثري، ينطبق على
معظم جزئيات موضوعها. (١) وتسمى الأحكام
الداخلة فيها فروعها، واستخراجها من القاعدة
الكلية تفريع عليها .
فقول الفقهاء : ((الیقین لا یزول بالشك)) أصل
من أصول الفقه بهذا المعنى، وإن كانت لا تدخل
في (أصول الفقه) بمعناه العلمي، كما سيأتي.
وللتفصيل ينظر مصطلح (قواعد)، والملحق
الأصولي .
جـ ـ الأصل بمعنى الحالة الماضية المستصحبة :
٥ - يطلق الأصل على المستصحب ، وهو الحالة
الماضية، في مقابلة الحالة الطارئة، كقولهم: إذا
شك في الطهارة والحدث يستصحب الأصل. (٢)
د - الأصل بمعنى ما قابل الوصف :
٦ - من ذلك تفرقة الحنفية بين الباطل والفاسد في
المعاملات، فما كان الخلل في أصله فهوباطل غیر
منعقد، وما كان في وصفه فهو منعقد فاسد،
وتفصيله في (بطلان، وفساد). (٣)
هـ - أصول الإِنسان :
٧ - أصول الإِنسان هم: أبوه وأمه وأجداده وجداته
(١) الأشباه والنظائر بحاشية الحموي ص ٢٢
(٢) نهاية السول في شرح منهاج الأصول ٣/ ١٢١ ط التوفيق
الأدبية، والمستصفى ٢١٨/١ ط بولاق، والكليات لأبي البقاء،
والكشاف، وشرح مسلم الثبوت ٨/١
(٣) شرح مسلم الثبوت ٣٩٦/١، ٣٩٧ ط بولاق.
- ٥٦ -
أصل ٨ - ٩
من الطرفين. وسموا بذلك لأنه فرع لهم. ويقال
للأصول والفروع: عمودا النسب، والقرابة بين
النوعين تسمى قرابة الولاد، أو الولادة.
والأصول من أقرب القرابات إلى الإِنسان،
ولذا كان لهم في الشرع أحكام يشاركون فيها سائر
القرابات، من المحرمية والميراث والبر والصلة وغير
ذلك.
ثم إن النفقة تجب للأصول إذا كانوا محتاجين،
ولا يجوز صرف الزكاة إليهم. وفي ذلك تفصيل (ر:
زكاة. نفقة) ولكل نوع من الأصول أحكام تخصه
(ر: أب. أم. جد. جدة).
٨ - وللأصول وللفروع - كل تجاه الآخر - أحكام
معينة يختصون بها دون سائر الأقارب، عدها
السيوطي من الشافعية كما يلي:
(١) لا يقطع أحد الطرفين بسرقة مال الآخر.
(٢) ولا يقضي ولا يشهد للآخر .
(٣) ولا يدخلون في الوصية للأقارب.
(٤) وتحرم موطوءة كل منهما ومنكوحته على الآخر.
(٥) ومن ملك منهم الآخر عتق عليه.
(٦) جواز بيع المسلم منهم للکافر إن کان مملوكا،
لأنه يعتق علیه .
(٧) وجوب النفقة عند العجز ووجوب الفطرة (ر
: زكاة الفطر).
وفي بعض هذه المسائل تفصيلات واشتراطات
وخلاف .
ولمعرفة ذلك تنظر كل مسألة في بابها. (١)
ـ
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢١٦، والأشباه لابن نجيم
بحاشية الحموي ص ٥١٨ الطبعة الهندية.
٩ - وللأصول أحكام خاصة ينفردون بها عن
الفروع وسائر القرابات، حصر منها السيوطي - من
الشافعية - جملة هي ما يلي:
(١) لا يقتل الأصل بالفرع قصاصا، وكذلك لا
يقتل الأصل قصاصا إذا كان ولي القصاص
الفرع، أما الفرع فيقتل بالأصل. كما يقتل للأصل
أيضا، وذلك إذا کان الأصل ولي الدم، کما لو قتل
الولد عمه وکان أبو الولد ولي الدم.
(٢) لا يجد الأصل بقذفه للفرع، ويحد الفرع
بقذفه.
(٣) لا يحبس الأصل بدين الفرع.
(٤) لا تقبل شهادة الفرع على أصله بما يوجب
قتلا .
(٥) لا يجوز المسافرة بالفرع الصغير إلا بإذن
أصوله.
(٦) ولا يجوز له الخروج للجهاد إلا بإذنهم.
(٧) لا يجوز التفريق بين الأصل والفرع بالبيع إن
كانا مملوكين.
(٨) الأصل أن يمنع الفرع من الإِحرام.
(٩) إذا دعاه أصله وهو في الصلاة يجيبه، وفي
بطلان الصلاة بذلك اختلاف.
(١٠) للأصل تأديب الفرع وتعزيره.
(١١) للأصل الرجوع فيما وهب للفرع .
(١٢) يتبع الفرع ۔ إن کان صغیرا - أصله في
الإسلام .
(١٣) يهنأ كل من الأصول بالمولود .
ووافق ابن نجيم - من الحنفية - على أكثر هذه
الفروع، وأضاف:
- ٥٧ -
أصل ١٠ - ١٣
(١٤) لا يجوز للفرع قتل أصله الحربي إلا دفاعا
عن نفسه . (١)
وفي كل ما سبق من هذه الأحكام الخاصة
بأصول الإِنسان خلاف وتفصیل یرجع في كل شيء
منها إلى بابه.
و - الأصل بمعنى المتفرع منه :
١٠ - تتعلق بالأصل بهذا المعنى أحكام شرعية منها
قواعد فقهية .
ومن ذلك ما جاء في مجلة الأحكام العدلية في
المادتين التاليتين :
أ - قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل (م٨١)
فلوادعى شخص على اثنين أن أحدهما استقرض
منه مبلغا، وأن الثاني قد كفله، فاعترف الكفيل
وأنكر الآخر، وعجز المدعي عن إثبات دعواه،
يؤخذ المبلغ من الكفيل، لأن المرء مؤاخذ بإقراره.
وكذا لو أقر شخص لمجهول النسب أنه أخوه،
وأنكر الأب، ولا بينة، يؤاخذ المقر بإِقراره،
فيقاسمه المقر له حصته من الميراث، ولا تثبت
الأبوة .
ب - إذا سقط الأصل سقط الفرع (م ٥٠) ولا يلزم
من سقوط الفرع سقوط الأصل. فلو أبرأ الدائن
المدین برىء الكفيل أيضا، وسقط الرهن إن كان
الدين موثقا بكفيل أورهن. بخلاف ما لو أبرأ
الدائن الكفيل، أو رد الرهن، فإن الدين لا
يسقط .
ز - الأصل بمعنى المبدل منه :
١١ - وذلك كما في إحدى قواعد المجلة ونصها:
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ولابن نجيم الصفحات السابقة.
((إذا تعذر الأصل یصار إلى البدل» (٥٣٢) ومثاله:
يجب رد عين المغصوب ما دامت قائمة، فإذا
هلكت يرد بدلها من مثلها أو قيمتها .
وإذا تعذر رد المبيع المعيب لمانع شرعي، كما لو
کان المبيع ثوبا فصبغه المشتري، ثم ظهر فيه عيب
قديم، يسترد المشتري من البائع فرق نقصان
العيب.
لكن إذا وجدت القدرة على الأصل قبل
استيفاء المقصود من البدل ينتقل الحكم إلى
الأصل، كالمعتدة بالأشهر بدلا عن الحيض، فلو
حاضت في أثناء ذلك يرجع الحكم إلى الأصل،
فتعتد بالحيض، وکالمتیمم إذا وجد الماء خلال
صلاته يلزمه التوضؤ لها. (١)
ح - الأصل في القياس :
١٢ - الأصل أحد أركان القياس الأربعة، وهي :
الأصل والفرع والعلة والحكم. فمن قاس الذرة
على البر في جریان الربا فيه، بجامع الکیل في کل
منهما، فإن البر في هذا القياس هو الأصل، والذرة
فرع، والكيل العلة، وتحريم الربا هو الحكم. (٢)
ويرجع في تفصيل ذلك إلی مباحث القیاس من
الكتب الأصولية، وإلى الملحق الأصولي.
ط - الأصول بمعنى الدور والأشجار في مقابل
المنفعة والثمرة :
١٣ - يتحدث الفقهاء عن بيع الأصل دون الثمرة،
والثمرة دون الأصل، وبيع الأصل بشرط أن تكون
معه الثمرة. فيذكرون أنه إن باع النخل مثلا، ولم
(١) شرح المجلة للأتاسي ١١٦/١ وما بعدها.
(٢) شرح مسلم الثبوت ٢٤٨/٢، والمستصفى ٢/ ٣٣٤ ط بولاق.
- ٥٨ -
أصل ١٤ - ١٥
ينصا على الثمرة لمن تكون، فإنها بعد التأبير للبائع
عند الجمهور متروكة إلى الجذاذ، وكذا سائر
الشجر سوى النخل، إذا بيع بعد أن تفتحت أكمامه
أو ظهرت الثمرة. وفي ذلك خلاف وتفصيل يذكره
الفقهاء ضمن (باب بيع الأصول والثمار) من كتاب
البيع.(١)
ي - أصل المسألة :
أصل المسألة عند الفقهاء والأصوليين :
١٤ - يطلق الفقهاء لفظ ((أصل المسألة)) على
القاعدة الفقهية المستنبطة من القرآن والسنة، والتي
تشهد لها الفروع بالصحة، (٢) كما سبق.
كما يطلقونه في الميراث على أقل عدد يخرج منه
فرض المسألة أو فروضها. (٣)
ويعرف أصل المسألة في الميراث بالنظر في مخارج
فروض الورثة المستحقين للميراث :
فإن كان في المسألة وارث واحد فأصل المسألة
من مخرج فرضه .
وإن كان في المسألة أكثر من وارث ، ولكن
مخارج فرائض جميع الورثة من مضاعفات مخرج
النصف فقط، أو من مضاعفات مخرج الثلث
فقط، فأصل المسألة يكون أكبر مخرج من هذه
الفرائض.
كما إذا اجتمع في المسألة ١/٢ (نصف) و١/٤
(١) المغني ٧٤/٤ - ١٠٣
(٢) المقدمات الممهدات لابن رشد ١/ ٢٢ طبع مطبعة السعادة،
والموافقات للشاطبي ٢٩/١ وما بعدها - المقدمة الأولى، طبع
المكتبة التجارية الكبرى.
(٣) العذب الفائض شرح عمدة الفارض ١٥٨/١ طبع مصطفى
البابي الحلبي، وحاشية القليوبي ٣/ ١٥١ طبع عيسى البابي
الحلبي.
(ربع) و١/٨ (ثمن) فأصل المسألة من (٨) لأنه
أكبر هذه المخارج.
وكما إذا اجتمع ١/٣ (ثلث)، ٢/٣ (ثلثين)،
١/٦ (سدس) فأصل المسألة من (٦)، لأنه أکبر
هذه المخارج.
أما إذا اجتمع في المسألة ما كان مخرجه ١/٢
(نصف) أو مضاعفاته، مع ما كان مخرجه
١/٣ (ثلث) أو مضاعفاته فينظر:
فإن كان في المسألة ١/٢ (نصف) و١/٣ (ثلث)
فأصل المسألة من (٦)
وإن كان في المسألة ١/٤ (ربع) و١/٣ (ثلث)
فأصل المسألة من (١٢)
وإن كان في المسألة ١/٨ (ثمن) و١/٦
(سدس) فأصل المسألة من (٢٤)
وتفصیل ذلك کله موجود في الإِرٹ عند بحث
(أصول المسائل).
تغير أصول المسائل :
١٥ - هذه الأصول قد يحدث أن تكون صالحة
للقسمة على المستحقين، وقد لا تكون صالحة،
وعندئذ تحتاج إلى تصحيح بالزيادة عليها، أو
الانقاص منها أو إجراء إصلاح عليها.
أ - تكون الزيادة عليها إذا زادت سهام المستحقين
على أصل المسألة، وعندئذ يقال: إن المسألة قد
عالت (ر: عول).
ب - ويكون الإِنقاص منها إذا نقصت سهام
المستحقين عن عدد سهام أصل المسألة، وعندئذ
يقال: إن المسألة ردية (ر: رد).
- ٥٩ -
أصل ١٦ - ١٧
ج - ويكون الإصلاح بتغيير يطرأ على الشكل لا
على القيمة، وذلك في حالات:
الحالة الأولى : إذا كانت الحصة الخارجة من
أصل المسألة لبعض الورثة غير صالحة للقسمة
عليهم بغير كسر، وعندئذ يضطر لإجراء الإصلاح
لإزالة الكسر، ويسمى هذا الإصلاح بـ (تصحيح
المسائل).
الحالة الثانية : إذا اضطر لتقسيم التركة
باعتبارين، لإعطاء الورثة الأقل من الحظين - كما
في حالة وجود حمل في بطن زوجة الميت حين وفاته ۔
حيث تحسب المسألة مرتين: الأولى يفرض فيها
الحمل ذكرا، والثانية يفرض فيها الحمل أنثى، ثم
يجري إصلاح على أصلي المسألتين، بصنع المسألة
الجامعة، كما هو مفصل في كتب المواريث في مبحث
(إرث الحمل).
الحالة الثالثة : إذا اتفق الورثة مع أحدهم على
إخراجه من البين على مبلغ يؤدونه إليه، اقتسام
حصته فيما بينهم، وهذا ما يعرف بـ (التخارج)
(ر: تخارج).
الحالة الرابعة : إذا توفي رجل ولم يقسم ميراثه
إلا بعد وفاة بعض الورثة، وكان هذا الميت الثاني
ورثة، وهو ما يسمى بالمناسخة (ر: مناسخة).
وكل ذلك مبسوط بالتفصيل في كتب المواريث.
ك - الأصل في باب الرواية :
١٦ - الأصل عند رواة الأحاديث ونقلة الأخبار هو
: الشيخ المروي عنه، في مقابلة «الفرع» وهو:
الراوي عن ذلك الشيخ. (١) ويقال مثل ذلك في
(١) شرح مسلم الثبوت ٢/ ١٧٠
نسخ الكتب، فالأصل هو النسخة المنقول منها،
والفرع النسخة المنقولة.
هذا ويذكر الأصوليون أن الأصل إذا كذب
الفرع في روايته عنه سقط الحديث المروي اتفاقا،
لانتفاء صدقهما معا في هذا الحديث، إذ يشترط
للصحة صدقهما جميعا.
وبفوات ذلك تفوت الحجية. فقد أورث هذا
التكذيب ريبة قوية لا حجية بعدها.
لكن لوقال الأصل: ((لا أدري)) أي لم يكذب
الفرع صريحا، فالأكثر قالوا: يبقى المروي حجة ولا
تسقط بذلك حجيته، خلافا للکرخي وأبي زید،
وللإِمام أحمد روايتان. وينظر تمام البحث في الملحق
الأصولي، وباب السنة من كتب الأصول. (١)
ل ـ أصول العلوم :
١٧ - كثيرا ما يضاف لفظ (الأصول) إلى أسماء
العلوم، ويراد به حينئذ القواعد العامة التي يتبعها
أصحاب ذلك العلم في دراسته، والتي تحكم طرق
البحث والاستنباط في ذلك العلم. وقد تُكَوِّنُ تلك
الأصول علما مستقلا.
فمن ذلك أصول التفسير، وأصول الحديث،
وأصول الفقه. أما (أصول الدين) ۔ ویسمی أيضا
علم العقائد، وعلم الكلام، والفقه الأكبر - فليس
من هذا الباب، بل هو - كما قال صاحب كشف
الظنون -: ((علم يقتدر به على إثبات العقائد
الدينية بإيراد الحجج عليها، ودفع الشبه
عنها)). (٢) وسمي أصولا لا من حيث أنه قواعد
استنباط ودراسة، بل من حيث أن الدين يبتني
(١) شرح مسلم الثبوت ٢/ ١٧٢
(٢) کشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٢٧
- ٦٠ -