Indexed OCR Text
Pages 1-20
وزارة الأوقاف والشئون الإسْلاميّة
الموسوعةَ الفِقْصِيّة
الجزء الخامس
إشراف - إقالة
٠-١
بشـ
(( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَفَّةٌ . فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلٍ
فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَبِقَةٌ لِيَتَفَقَّهُوْ فِ الّذِينِ وَلُنِذِرُوا قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )) .
( سورة التوبة آية ١٢٢ )
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
( أخرجه البخاري ومسلم )
٢١٧
موس
د
المُؤْعَةِ الفِقْفَةَ
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت
الطبعة الثانيَة
١٤٠٦ هـ ~ ١٩٨٦م
طباعَة ذات السلاسل - الكويت
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص.ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية- الكويت
اشراف ١ - ٥
إشراف
التعريف :
١ - الإشراف لغة: مصدر أشرف، أي اطلع على
الشيء من أعلى. (١)
وإشراف الموضع : ارتفاعه، والإشراف: الدنو
والمقاربة .
وانطلاقا من المعنى الأول أطلق المحدثون كلمة
إشراف على ((المراقبة المهيمنة)). (٢)
وهو معنى استعمله الفقهاء كالمعاني اللغوية
الأخرى. فقد استعملوه في مراقبة ناظر الوقف
والوصي والقيم ومن في معناهم.
الإِشراف بمعنى العلو :
أ - إشراف القبر :
٢ - لا يحل أن يكون القبر مشرفا بالاتفاق، لما رواه
مسلم وغيره عن أبي الهیاج الأسدي قال: قال لي
علي بن أبي طالب: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه
(١) لسان العرب، والصحاح، مادة: (شرف).
(٢) انظر : المرجع للعلايلي مادة: (شرف).
رسول الله ڑألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا
مشرفا إلا سويته))(١)
وفي اعتبار تسنيم القبر إشرافا خلاف تجده
مفصلا في كتاب الجنائز من كتب الفقه. (٢)
ب - إشراف البيوت :
٣ - يباح للإنسان أن يعلو ببنائه ما شاء بشرطين:
الأول : ألا يضر بغيره، كمنع النور أو الهواء
عن الغير. (٣)
الثاني : ألا يكون صاحب البناء ذمیا، فيمنع
من تطويل بنائه على بناء المسلمين، وإن رضي
المسلم بذلك، ليتميز البناءان، ولئلا يطلع على
عورة المسلم. (٤) وقد فصل الفقهاء ذلك في كتاب
الجزية .
الإشراف بمعنى الاطلاع من أعلى :
٤ - يمنع الشخص من الإشراف على دار غيره إلا
بإذنه، ولذلك یمنع من أن يفتح في جداره كوّة
يشرف منها على جاره وعياله. (٥)
٥ - أما الإشراف على الكعبة والنظر إليها فهومن
جملة القربات، والساعي بين الصفا والمروة يصعد
على الصفا وعلى المروة حتى يشرف على الكعبة،
(١) حديث: ((ألا تدع تمثالا إلا طمسته ... )) أخرجه مسلم .
(صحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ٦٦٦ ط عيسى
الحلبي).
(٢) مطالب أولي النهى ١/ ٩١٠ طبع المكتب الإسلامي، وجواهر
الإكليل ١١١/١ طبع شقرون، وحاشية قليوبي ٣٤١/١ طبع
مصطفى الحلبي، وحاشية ابن عابدين ١/ ٦٠١
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٦١/٤ الطبعة البولاقية الأولى.
(٤) أسنى المطالب ٢٢٠/٢، ٢٢٠/٤ طبع المكتبة الإسلامية،
وحاشية ابن عابدين ٢٧٦/٣، والمغني ٥٣٢/٨
(٥) حاشية ابن عابدين ٣٦١/٤
-٥ -
إشراف ٦ - ٧ ، إشراك ١ - ٢
كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الحج عند كلامهم
على السعي بين الصفا والمروة.
الإشراف بمعنى المراقبة المهيمنة :
٦ - إقامة هذا النوع من الإشراف واجب تحقيقا
للمصالح التي هي مقصد من مقاصد الشارع
ويتجلى ذلك فيما يأتي :
أ - الولاية : سواء أكانت ولاية عامة كولاية أمير
المؤمنين والقاضي ونحوهما، أم ولاية خاصة كولاية
الأب على ابنه الصغير، كما سيأتي ذلك مفصلا في
مبحث (ولاية).
ب - الوصاية : كالوصاية على المحجور عليه
كما هو مبين في مبحث (الحجر).
جـ ـ القوامة: كقوامة الرجل على زوجته، كما
هو مفصل في مبحث (النكاح).
د- النظارة : کناظر الوقف، کما هو مفصل في
کتاب الوقف من كتب الفقه.
الإشراف بمعنى المقاربة والدنو :
٧ - يترتب على الإِشراف بهذا المعنى كثير من
الأحكام، ذكرها الفقهاء في أبوابها، ومن ذلك على
سبيل المثال لا الحصر:
أ - عدم أكل الذبيحة إذا ذبحت بعد أن أشرفت
على الموت، على خلاف وتفصیل مبين في کتاب
الذبائح (التذكية).
ب - وجوب إنقاذ من أشرف على الموت كالغريق
ونحوه إن كان من الممكن إنقاذه.
جـ - وجوب الانتفاع باللقطة إذا أشرفت على
التلف. كما هو مبين في كتاب (اللقطة).
إشراك
التعريف :
١ - الإِشراك: مصدر أشرك، وهو اتخاذ الشريك،
يقال أشرك بالله : جعل له شریکا في ملکه،
والاسم الشرك. (١) قال الله تعالى حكاية عن
لقمان: (يا بُنَّ لا تُشرك بالله إن الشِّرْكَ لظلم
عظيم)(٢) هذا هو المعنى المراد عند الاطلاق.
كما يطلق أيضا على الكفر الشامل لجميع الملل
غير الإِسلام. فالشرك أخص من الكفر على
الاطلاق العام، فكل شرك كفر ولا عكس.
كما يطلق الإِشراك على مخالطة الشريكين.
يقال: أشرك غيره في الأمر أو البيع : جعله له
شریکا. کما یقال: تشارك الرجلان، واشترکا،
وشارك أحدهما الآخر. (٣) وتفصيله في مصطلحي
(تولية، وشركة).
الإشراك بالله تعالى :
٢ - الإشراك بالله تعالى جنس تحته أنواع، وكله
مذموم، وإن كان بعضه أكبر من بعض.
والشرك له مراتب، فمنه الشرك الأكبر، ومنه
الأصغر، وهو الشرك الخفي .
أ - الشرك الأكبر : وهو اتخاذ الشريك لله تعالى في
(١) لسان العرب والمصباح مادة: (شرك).
(٢) سورة لقمان / ١٣
(٣) شرح الروض مع حاشية الرملي ١٦٣/٣
-٦ -
إشراك ٣
ألوهيته أو عبادته، وهو المراد بقوله تعالى: (إن
الشرك لظلم عظيم)(١) وعن ابن مسعود في
الصحيحين قال: ((سألت رسول الله (﴾ أي
الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا، وهو
خلقك)) . (٢)
ب - الشرك الأصغر وهو الشرك الخفي : وهو مراعاة
غير الله في العبادة. مثل الرياء والنفاق، لقوله
تعالى: (ولا يشركْ بعبادة ربه أحدا)(٣) قال
ابن حجر: نزلت فيمن يطلب الحمد والأجر
بعباداته وأعماله. وقول رسول الله ريالاغير: ((إن أدنى
الرياء شرك، وأحب العبيد إلى الله الأتقياء
الأسخياء الأخفياء))(٤) وقوله عليه السلام: (٥) ((إن
(١) سورة لقمان / ١٣
(٢) حديث: ((أي الذنب أعظم؟ ... )) أخرجه البخاري ومسلم
واللفظ له من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه (فتح
الباري ٤٩٢/٨ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ١/ ٩٠ ط عيسى الحلبي).
(٣) سورة الكهف / ١١٠
(٤) حديث: ((إن أدنى الرياء شرك ... )) أخرجه الحاكم وابن ماجة
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ((إن اليسير
من الرياء شرك، وإن من عادى ولي الله فقد بارز الله تعالى
بالمحاربة، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم
يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى
يخرجون من كل غبراء مظلمة» وقال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وقال الحافظ البوصيري
تعليقا على إسناد ابن ماجة: في إسناده عبدالله بن لهيعة وهو
ضعيف (المستدرك ٤/ ٣٢٨ نشر دار الكتاب العربي، وسنن ابن
ماجة بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ١٣٢٠ - ١٣٢١ ط عيسى
الحلبي).
(٥) حديث: ((إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله ... ))
أخرجه ابن ماجة بهذا اللفظ من حديث شداد بن أوس مرفوعا.
قال الحافظ البوصيري: في إسناده عامر بن عبدالله، لم أرمن
تكلم فيه. وباقي رجال الإسناد ثقات. وأخرجه أحمد والخاكم
عن طریق عبدالواحد بن زید من حدیث شداد بن أوس مطولا
ضمن قصة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم=
أخوف ما أتخوف على أمتي الإِشراك بالله، أما إني
لست أقول یعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا، ولکن
أعمالا لغير الله وشهوة خفية».
ما يكون به الشرك :
٣ - يكون الشرك بأمور يتنوع اسمه بحسبها إلى
ما يأتي :
أ - شرك الاستقلال، وهو إثبات إلهين
مستقلين كشرك الثنوية، أو أكثر من إلهين.
ب - شرك التبعيض، وهو اعتقاد أن الإله
مركب من آلهة،كشرك النصارى القائلين بالأقانيم
الثلاثة وشرك البراهمة.
جـ ــ شرك التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب
إلى الله زلفى، كشرك متقدمى الجاهلية.
د - شرك التقليد، وهو عبادة غير الله تعالى تبعا
للغير، کشرك متأخری الجاهلية.
هـ- الحكم بغير ما أنزل الله مع استحلال
ذلك: لقول تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
أربابا من دون الله)(١) وقد ورد (أما إنهم لم يكونوا
يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا
استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه)) فهم لم
يعبدوهم ولكن شرعوا لهم ما لم يأذن به الله. (٢)
= يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: عبدالواحد متروك. علما بأن
إسناد ابن ماجة ليس فيه عبدالواحد (سنن ابن ماجة بتحقيق
محمد فؤاد عبدالباقي ١٤٠٦/٢ ط عيسى الحلبي، ومسند
أحمد بن حنبل ١٢٤/٤ نشر المكتب الإسلامي، والمستدرك
٤/ ٣٣٠ نشر دار الكتاب العربي، والفتح الرباني في ترتيب مسند
الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ١٩/ ٢٢٠)
(١) سورة التوبة / ٣١
(٢) حديث: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم
شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه)). أخرجه أحمد
والترمذي وابن جرير وابن سعد، وعبد بن حميد وابن المنذر =
- ٧ -
إشراك ٤ - ٧
و - شرك الأغراض : وهو العمل لغير الله
تعالى .
ز - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب
العادية . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الكفر :
٤ - الكفر اسم یقع علی ضروب من الذنوب، منها
الشرك بالله، ومنها الجحد للنبوة، ومنها استحلال
ما حرم الله، ومنها إنكارما علم من الدين
بالضرورة. أما الشرك فهو خصلة واحدة، هو اتخاذ
إله مع الله.
وقد يطلق الشرك على كل كفر على سبيل
المبالغة.
فعلی هذا یکون کل شرك کفرا، ولا یکون کل
كفر شركا إلا على سبيل المبالغة.(٢)
ب - التشريك :
٥ - التشریك مصدر: شرك، وهو جعلك الغیر لك
= وابن أبي حاتم، وأبوالشيخ، وابن مردويه والبيهقي في سننه أثرا
عن عدي بن حاتم الطائي. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا
نعرفه إلا من حديث عبدالسلام بن حرب، وغطيف بن أعين
ليس بمعروف في الحديث. قال عبدالقادر الأرناؤوط: لکن في
الباب عن حذيفة موقوفا أخرجه الطبري (١٦٦٣٤) وربما يتقوى
به (تحفة الأحوذي ٤٩٢/٨ - ٤٩٤، والدر المنثور ٢٣٠/٣ -
٢٣١ ط المطبعة الإسلامية بطهران، وتفسير الطبري بتحقيق
محمود محمد شاكر ١٤/ ٢٠٩ - ٢١١ ط دار المعارف بمصر،
وجامع الأصول بتحقيق عبدالقادر الأرناؤوط ٢/ ١٦١ نشر مكتبة
الحلواني).
(١) الكليات لأبي البقاء ٣/ ٧٠، وتلخيص كتاب الاستغاثة
لابن تيمية ص ١٤٧، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٨٥ ط
المكتب الإسلامي.
(٢) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري في مادة: (إلحاد،
وشرك)
شريكا في الأمر أو البيع. (١) فهو بمعنى الإشراك.
إلا أنه عند الإطلاق ينصرف الإشراك إلى: اتخاذ
شريك لله، والتشريك: اتخاذك للغير شريكا في
المال أو الأمر.
صفته : (حكمه التكليفي) :
٦ - الإشراك بالله تعالى حرام. وحكم الأنواع
الخمسة الأولى كفر مرتكبها بالإجماع. وحكم
السادس المعصية من غير كفر بالإِجماع. وحكم
السابع التفصيل، فمن قال في الأسباب العادية:
إنها تؤثر بطبعها فقد حكي الإِجماع على كفره،
ومن قال إنها مؤثرة (على سبيل الاستقلال) بقوة
أودعها الله فيها فهو فاسق . (٢)
إسلام المشرك :
٧ - يدخل المشرك كغيره من الكفار في الإِسلام
بالنطق بالشهادتين، لقول النبي صل9: ((أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها
فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على
الله». (٣)
ولم تشترط المذاهب الأربعة إضافة شيء إلى
الشهادتين، كالتبري من كل دين يخالف دين
الإِسلام، (٤) إلا في بعض الحالات. وهناك أمور
(١) المصباح المنير مادة: (شرك).
(٢) الکلیات لأبي البقاء ٣/ ٧١
(٣) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... ))
أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعا
(فتح الباري ٣/ ٢٦٢ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد
فؤاد عبدالباقي ٥١/١، ٥٢ ط عيسى الحلبي).
(٤) حاشية ابن عابدين ٢٨٦/٣،٢٣٥/١، ٢٨٧، وجواهر
الإكليل ٢٢/١، وحاشية الدسوقي ١/ ١٣٠، ١٣١، والمغني
١٤٢/٨، ونهاية المحتاج ٢٩٩/٧
- ٨ -
إشراك ٨ - ١٠
أخرى يدخل بها المشرك في الإِسلام، وينظر تفصيل
ذلك كله تحت عنوان (إسلام).
نكاح المشرك والمشركة :
٨ - أنكحة الكفار المتفق عليها بينهم الأصل فيها
الصحة، وأنهم يقرون عليها، (١) وفي ذلك خلاف
وتفصيل موطنه مصطلحي : (نكاح، وكفر).
ولا يختلف نكاح المشركين عن غيرهم من
الكفار أهل الكتاب إلا في أن الكافر إذا أسلم
وكانت زوجته کتابیة فله استدامة نكاحها، ولیس
له ذلك إن كانت مشركة غير كتابية. وانظر
التفصيل تحت عنوان (نكاح).
الاستعانة بالمشركين في الجهاد :
٩ - المراد بالمشرك هنا ما يعم كل كافر، فينظر:
إن خرج للخدمة، كسائق سيارة ونحوه، فذلك
جائز اتفاقا .
أما إذا خرج للقتال فهناك ثلاثة اتجاهات:
ذهب الجمهور إلى الجواز مطلقا، سواء أكان
خروجه بدعوة أم بغير دعوة، واستدلوا على ذلك
بأن رسول الله ﴿ استعان بناس من اليهود في
حربه،(٢) کما روي أن صفوان بن أمية خرج مع
النبي ﴿ يوم حنين، وهو على شركه، فأسهم
له. (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٣٨٦/٢ - ٣٩٠، وحاشية الدسوقي
٢٦٨/٢، وشرح روض الطالب ١٦٣/٣، والمغني ٦/ ٦١٣،
٦١٤
(٢) حديث : «أن رسول الله ﴾ استعان بناس من اليهود في حربه»
أخرجه أبو داود في المراسيل كما في تحفة الأشراف (١٣ / ٣٧٩ - ط
الدار. القیمة) وأعله ابن حجر في التلخیص بالإِرسال (١٠٠/٤ -
ط الشركة الفنية).
(٣) حديث: ((أن صفوان بن أمية خرج مع النبي {18 يوم حنين وهو
على شركه فأسهم له)). أخرجه مسلم (٢/ ٧٣٧ - ط الحلبي).
وذهب المالكية في المعتمد عندهم إلى منع
الاستعانة بالمشرك، لكن لا يمنع إذا خرج من
تلقاء نفسه .
والرأي الآخر للمالكية - وهو اختيار أصبغ - أنه
يمنع مطلقا. (١)
أخذ الجزية من المشركين :
١٠ - اتفق الفقهاء على أن الجزية تقبل من أهل
الكتاب، لقوله تعالى: (قاتِلوا الذين لا يؤمنون
بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ماحرم الله
ورسوله،ولا يَدینون دين الحق من الذين أُوتوا
الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون)(٢) واتفقوا كذلك على أخذها من
المجوس، لنص الحديث ((سنوا بهم سنة أهل
الكتاب)»(٣) ولأن لهم شبهة كتاب. وقد وضع
رسول الله ﴾ الجزية عليهم.
أما ماعدا هؤلاء فهم ثلاثة أنواع :
أ - مرتدون :
وهؤلاء لا تقبل منهم الجزیة بالإجماع، لأن
(١) حاشية ابن عابدين ٢٣٥/٣، والمغني ٢٥٩/٩ط القاهرة،
والدسوقي ١٧٨/٢، ٢١٧/٤
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) حديث: ((سِنُوا بهم .... )) أخرجه مالك عن طريق محمد بن
علي من حديث عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه مرفوعا. قال
ابن عبدالبر: هذا منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا
عبدالرحمن بن عوف، إلا أن معناه متصل من وجوه حسان.
وأخرجه الطبراني من حديث السائب بن يزيد وقال الهيثمي: فيه
من لم أعرفهم. وقال ابن حجر: روى أبو عبيد بإسناد صحيح
عن حذيفة رضي الله عنه ((لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية
من المجوس ما أخذتها)). (تنوير الحوالك ٢٦٤/١ نشر مكتبة
المشهد الحسيني، ومجمع الزوائد ١٣/٦ نشر مكتبة القدسي،
وفتح الباري ٢٦١/٦ ط السلفية).
-٩ -
إشراك ١١ - ١٢
المرتد كفر بربه بعد ما هدي للإسلام ووقف على
محاسنه، فلا يقبل منه إلا الإِسلام أو السيف.
ب - مشركون من العرب :
وهؤلاء لا تقبل منهم الجزية عند الحنفية
والشافعية والحنابلة وبعض المالكية، لأن النبي ومثله
نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة
في حقهم أظهر، ولذلك لا يقبل منهم إلا الإِسلام،
فإن لم يسلموا قتلوا، والراجح عند المالكية أنه تقبل
منهم الجزية .
جـ - مشركون من غير العرب :
وهؤلاء لا تقبل منهم الجزية عند الشافعية
وظاهر مذهب الإِمام أحمد، ولا يقبل منهم إلا
الإِسلام أو السيف، لقوله تعالى: (فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم)(١) وقوله وَلاير: ((أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا
قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))(٢)
وعند الحنفية والمالكية ورواية عن الإِمام أحمد تقبل
منهم الجزية، لأنه يجوز استرقاقهم، فيجوز ضرب
الجزية عليهم. (٣)
إعطاء الأمان للمشرك :
١١ - أجاز العلماء إعطاء الأمان للمشرك ليسمع
كلام الله، لِقوله تعالى: (وإنْ أحدٌّ من المشركين
استجارك فَأَجِرْهُ حتى يسمع كلام الله ثم أَبْلغه
(١) سورة التوبة / ٩
(٢) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس .... )) سبق تخريجه (ف/ ٧).
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٧٨/٣، والهداية ٢/ ١٦٠، وحاشية
الدسوقي ٢٠١/٢، ومغني المحتاج ٢٤٤/٤، وروضة الطالبين
٣٠٥/١٠
مأمنه)(١) قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة. كما
أجازوه للرسل، لأن الرسول پے کان یؤمن رسل
المشركين، وقال الرسولي مسيلمة: ((لولا أن الرسل
لا تقتل لقتلتكما)». (٢)
ويكون الأمان من الإِمام،لأن ولايته عامة، ومن
الأمير لمن يوجد بإزائه من المشركين، ومن مسلم
مكلف مختار لحديث الرسول *: ((ذمة المسلمين
واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه
صرف ولا عدل)). (٣) والتفصيل في مصطلح
(مستأمن). (٤)
صيد المشرك وذبيحته :
١٢ - اتفق العلماء على تحريم صيد المجوسي
وذبيحته إلا ما لا ذکاة له کالسمك والجراد، فإِنهم
أجمعوا على إباحته .
وحكم سائر الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة
وغيرهم حكم المجوس في تحريم ذبائحهم
(١) سورة التوبة / ٩
(٢) حديث: ((لولا أن الرسل لاتقتل لقتلتكما)) أخرجه أحمد وأبو داود
من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي بلفظ مقارب، والحديث
سکت عنه أبو داود والمنذري. وقال صاحب الفتح الرباني:
سنده جيد (مسند أحمد بن حنبل ٣/ ٤٨٧، ٤٨٨ نشر المكتب
الإسلامي ١٣٩٨ هـ، وعون المعبود ٣٨/٣ ط الهند، والفتح
الرباني ١٤/ ٦٢ الطبعة الأولى ١٣٧٠هـ).
(٣) حديث: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم .... )) أخرجه
البخاري من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا
(فتح الباري ٦/ ٢٧٩، ٢٨٠ ط السلفية).
(٤) ابن عابدين ٢٢٧/٣، والمغني ٣٩٨/٨، والجمل ٢٠٥/٥،
٢٠٦، ٢٠٧، وقليوبي ٢٢٦/٤، والدسوقي ١٨٤/٢، ١٨٥،
وجواهر الإكليل ٢٥٧/١، ٢٥٨، وبدائع الصنائع
٤٣٢١/٩ ط الإمام.
- ١٠ -
إشراك ١٢، أشربة ١
وصیدهم إلا ما لا ذکاة له كالسمك والجراد، لقوله
* ((أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد))(١) وقال في
البحر ((هو الطهور ماؤه، الحِل ميتته)). (٢)
كما اتفق فقهاء المذاهب علی حل صید الكتابي
وذبيحته، لقوله تعالى : (وطعامُ الذين أوتوا
(١) حديث: ((أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد)) أخرجه ابن ماجة
واللفظ له وأحمد والشافعي وعبد بن حميد والدارقطني وابن عدي
وابن مردويه من طریق زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا، وقال
ابن حجر: إسناده ضعيف. وأخرجه البيهقي موقوفا على
عبدالله بن عمر وقال: هذا إسناد صحيح وهو في معنى المسند،
وصوب الدارقطني أيضا وقفه. قال النووي: هو وإن كان
الصحیح وقفه في حکم المرفوع، إذ لا يقال من قبل الرأي (سنن
ابن ماجة ١٠٧٣/٢ ط عيسى الحلبي، والدارقطني ٤/ ٢٧١،
٢٧٢ ط دار المحاسن للطباعة، والسنن الكبرى للبيهقي
١/ ٢٥٤، ٢٥٧/٩ ط دائرة المعارف العثمانية بالهند، والدراية في
تخريج أحاديث الهداية ٢١٢/١ ط مطبعة الفجالة الجديدة
١٣٨٤ هـ، وفيض القدير ٢٠٠/١ نشر المكتبة التجارية
١٣٥٦ هـ.).
(٢) رد المحتار على الدر المختار الشهير بابن عابدين ١٨٩/٥،
والكافي ٦٤٧/١ ط المكتب الإسلامي، والمغني ٨/ ٥٦٧،
٥٧٠، والدسوقي على الشرح الكبير ١٠٣/٢، ونهاية المحتاج
١٠٦/٨ ط المكتب الإسلامي - دمشق. وحديث: ((هو الطهور
ماؤه .. .» روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث جابر، ومن
حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث أنس، ومن حديث
عبدالله بن عمرو، ومن حديث الفراسي، ومن حديث أبي بكر
رضي الله عنهم. أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه الترمذي
والنسائي وأبو داود وابن ماجة مرفوعا. قال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي
(تحفة الأحوذي ١/ ٢٢٤ - ٢٣٠ نشر المكتبة السلفية، وسنن
النسائي ١٧٦/١ ط المطبعة المصرية بالأزهر، وعون المعبود
٣١/١، ٣٢ ط الهند، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ١٣٦/١ ط عيسى الحلبي، ونصب الراية/ ٩٥، ٩٦ط
دار المأمون، والتلخيص الحبير ٩/١ - ١٢ ط شركة الطباعة الفنية
المتحدة).
الكتاب حِلٌّ لكم)(١) قال البخاري: طعامهم:
ذبائحهم، وهو المروي عن ابن مسعود وأهل
العلم، ولما روي عن قيس بن السكن الأسدي
قال: قال رسول الله صلير: ((إنكم نزلتم بفارس من.
النبط، فإِذا اشتریتم لحما فإن کان من يهودي أو
نصراني فكلوا، وإن كان ذبيحة مجوسي فلا
تأكلوا)»(٢) وللتفصیل ر۔ (صید، ذبائح).
الأشربة
التعريف :
١ - الأشربة جمع شراب، والشراب: اسم لما
يشرب من أي نوع كان، ماء أو غيره، وعلى أي
حال کان. وكل شيء لا مضغ فيه فإنه يقال فيه:
یشرب.(٣)
وفي الاصطلاح تطلق الأشربة على ما كان
مسکرا من الشراب، سواء كان متخذا من الثمار،
كالعنب والرطب والتين، أو من الحبوب كالحنطة أو
(١) سورة المائدة / ٥
(٢) حديث: ((إنكم نزلتم بفارس من النبط، فإذا اشتريتم لحما
... » أخرجه عبدالرزاق في مصنفه عن طریق قيس بن سكن
من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه موقوفا عليه بلفظ)»:
(إنكم نزلتم أرضا لا يقصب بها المسلمون، إنما هم النبط - أو
قال: النبیط ۔ وفارس، فإذا اشتریتم حما فسلوا، فإن كان ذبيحة
يهودي أو نصراني فكلوه، فإن طعامهم حل لكم)) (المصنف
٤ / ٤٨٧ - ٤٨٨ نشر المكتب الإسلامي).
(٣) لسان العرب، وتاج العروس مع القاموس المحيط، ومختار
الصحاح مادة: (شرب).
- ١١ -
أشربة ٢ - ٤
الشعير، أو الحلویات کالعسل. وسواء كان مطبوخا
أو نيئا. (١)
وسواء كان معروفا باسم قدیم کالخمر، أو
مستحدث (كالعرق والشمبانيا ... الخ)،
لحديث النبي ◌َله: «ليشربن أناس من أمتي الخمر
ويسمونها بغير اسمها». (٢)
أنواع الأشربة المسكرة وحقيقة كل نوع :
٢ - تطلق الأشربة المسكرة عند الفقهاء على
اختلاف مذاهبهم على قسمين: الخمر، والأشربة
الأخرى.
النوع الأول : الخمر
التعريف :
٣ - الخمر لغة: ما أسكر من عصير العنب،
وسميت بذلك لأنها تخامر العقل. وحقيقة الخمر إنما
(١) تبيين الحقائق ٦/ ٤٤ ط دار المعرفة، وتكملة فتح القدير مع
اهدایة ٢٢/٩ ط دار إحياء التراث، وابن عابدين ٢٨٨/٥ط دار
إحياء التراث، والمدونة ٦/ ٢٦١ ط دار صادر، وحاشية الدسوقي
مع الشرح الكبير ١١٣/٤ ط دار الفكر، والزرقاني ٨/ ١١٢ط
دار الفكر، والمحلي مع حاشيتيه القليوبي وعميرة ٢٠٢/٤ط
عيسى الحلبي، ومغني المحتاج ٤/ ١٨٧ ط مصطفى الحلبي،
ونهاية المحتاج ٩/٨ - ١٠ نشر المكتبة الإسلامية، وحاشية الجمل
على شرح المنهج ٥/ ١٥٧ - ١٥٨ ط إحياء التراث، والمغني
٣٠٣/٨ط الرياض، وكشاف القناع ١١٦/٦ نشر مكتبة
النصر.
(٢) حديث: ((ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها)).
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث أبي مالك الأشعري
مرفوعا، وفي إسناده مقال، وذكر له ابن حجر شواهد جيدة في
الفتح (عون المعبود ٣٧٩/٣ط الهند، وسنن ابن ماجة
١٣٣٣/٢ط عيسى الحلبي، ومسند أحمد بن حنبل ٣٤٢/٥ط
اليمنية، وفتح الباري ١٠/ ٥١، ٥٢ط السلفية).
هي ما كان من العنب دون ما كان من سائر
الأشياء. (١) قال الفيروز آبادي : الخمر ما أسكر من
عصير العنب، أو هوعام، والعموم أصح، لأنها
حرمت وما بالمدینة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا
البسر والتمر. (٢)
وقال الزبدي یشرح قول صاحب القاموس :
(أو عام) أي : ما أسكر من عصير كل شيء، لأن
المدار على السكر وغيبوبة العقل، وهو الذي اختاره
الجماهير. وسمي الخمر خمرا، لأنها تخمر العقل
وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت. (٣)
فعلى القول الأول يكون إطلاق اسم الخمر
على سائر الأنبذة المسكرة من باب القياس اللغوي
لما فيها من مخامرة العقل. (٤)
٤ - واصطلاحا : اختلف الفقهاء في تعريف الخمر
بناء على اختلافهم في حقيقتها في اللغة وإطلاق
الشرع. فذهب أهل المدينة، وسائر الحجازيين،
وأهل الحديث كلهم، والحنابلة، وبعض الشافعية
إلى أن الخمر تطلق على ما یسکر قليله أو كثيره،
سواء اتخذ من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو
غيرها. واستدلوا بقول النبي مثل: ((كل مسكر
خمر، وکل خمر حرام)).(٥)
وبقول عمر رضي الله عنه: ((أيها الناس: إنه
نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب،
(١) لسان العرب مادة: (خمر).
(٢) القاموس المحيط مادة : (خمر).
(٣) تاج العروس مادة : (خمر).
(٤) روضة الناظر ص ٨٨ ط السلفية.
(٥) حديث: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)). أخرجه مسلم
(١٥٨٧/٣ط الحلبي) وأبو داود (٤/ ٨٥ط عزت عبيد).
- ١٢ -
أشربة ٤ - ٥
والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمرما
خامر العقل)). (١)
وأن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة
-وهم أهل اللسان - أن كل شيء یسمی خمرا
يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب
ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، على أن
الراجح من حيث اللغة كما تقدم هو العموم. ثم
على تقدير التسليم بأن المراد بالخمر المتخذ من
عصير العنب خاصة. فإن تسمية كل مسكر خمرا
من الشرع كان حقيقة شرعية، وهي مقدمة على
الحقيقة اللغوية . (٢)
وذهب أكثر الشافعية، وأبو یوسف ومحمد من
الحنفية، وبعض المالكية إلى أن الخمر هي المسكر
من عصير العنب إذا اشتد، سواء أقذف بالزبد أم
لا، وهو الأظهر عند الشرنبلالي. (٣)
(١) الأثر عن عمر رضي الله عنه: ((أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر
وهي من خمسة ... )) أخرجه البخاري (٣٥/١٠ - الفتح
ط السلفية) ومسلم (٢٣٢٢/٤ ط الحلبي).
(٢) المغني ٩/ ١٥٩، وكشاف القناع ١١٦/٦، والمدونة ٦/ ٢٦١،
والروضة ١٦٨/١٠ ط المكتب الإسلامي، والخطابي على سنن
أبي داود ٢٦٢/٤ - ٢٦٣ ط العلمية حلب، وحاشية البناني على
شرح الزرقاني ١١٢/٤، وفتح الباري ٤٨/١٠ السلفية،
وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد مع العدة ٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤،
وتفسير الرازي ٤٢/٦ وما بعدها ط المطبعة البهية، والمنتقى
للباجي ١٤٧/٣، وأحكام القرآن للقرطبي ٥٢/٣ و ٢٨٦/٦،
وفتح القدير للشوكاني ٢/ ٧٤
(٣) ابن عابدين ٢٨٨/٥، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٣٥٣/٤، وتحفة المحتاج ٧/ ٦٣٦ دار صادر، والروضة
١٦٨/١٠، ونهاية المحتاج ٩/٨، وتفسير الآلوسي ٢/ ١١٢،
والطبري ٢/ ٣٥٧، والكرماني شرح البخاري ١٤٠/٢٠،
وعمدة القارى ١٦٦/٢١ وما بعدها.
وذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية إلى أن الخمر
هي عصير العنب إذا اشتد. (١) وقيده أبو حنيفة
وحده بأن يقذف بالزبد(٢) بعد اشتداده. (٣)
واشترط الحنفية في عصير العنب كونه نيئا.
يتبين مما سبق أن إطلاق اسم الخمر على جميع
أنواع المسكرات عند الفريق الأول من باب
الحقيقة، فكل مسکر عندهم خمر.
وأما الفريق الثاني والثالث، فحقيقة الخمر
عندهم عصير العنب إذا غلى (٤) واشتد عند
الفريق الثاني، وقذب بالزبد عند الفريق الثالث.
وإطلاقه على غيره من الأشربة مجاز وليس
بحقيقة .
النوع الثاني : الأشربة المسكرة الأخرى
٥ - ذهب جماهير العلماء إلى أن كون كل مسكر
خمرا هو حقيقة لغوية أو شرعية كما علم مما سبق،
وجمهور الشافعية الذين ذهبوا إلى أن الخمر ما كان
من عصير العنب لا يخالفون الجمهور في أن
ما أسكر كثيره فقليله حرام، والاختلاف في
الإطلاق بين الجمهور، وأكثر الشافعية لم يغير
الأحكام من وجوب الحد عند شرب قلیله،
والنجاسة، وغير ذلك مما يتعلق بالخمر، ماعدا
مسألة تكفير مستحل غير الخمر، فلا يكفر منكر
(١) اشتد: قوي تأثيره بحیث یصیر مسکرا (ابن عابدين ٢٨٨/٥)
(٢) قذف بالزبد: رمى بالرغوة (المرجع السابق).
(٣) ابن عابدين ٢٨٨/٥، وفتح القدير مع الهداية ٢٦/٩، وأسنى
المطالب ١٥٨/٤ ط الميمنية بمصر، ومغني المحتاج ١٨٦/٤.
(٤) الغليان: الفوران من غير نار .
- ١٣ -
أشربة ٥ - ٦
حکمه للاختلاف فیه، كما سيأتي كل ذلك
مفصلا .
وذهب الحنفية إلى أن الخمر التي يحرم قليلها
وكثيرها، ويحد بها، ويكفر مستحلها، إلى غير
ذلك هي المتخذة من عصير العنب خاصة، أما
الأنبذة عندهم فلا يحد شاربها إلا إذا سكر منها. (١)
والأشربة المحرمة عند الحنفية على ثلاثة أنواع
:
النوع الأول : الأشربة المتخذة من العنب وهي:
أ - الخمر: وهي المتخذة من عصير العنب النيء إذا
غلی واشتد عند أبي يوسف ومحمد، وقذف بالزبد
عند أبي حنيفة. ويقول الصاحبين من عدم
اشتراط قذف الزبد (٢) قال الأئمة الثلاثة (مالك
والشافعي وأحمد). (٣)
ولعصير العنب أنواع بحسب ذهاب جزء منه
بالطبخ، كالباذق، والطلاء، والمثلث، والمنصف،
ولا يختلف حكمها كما سيأتي بيانه. (٤)
وفي حکم هذا النوع مایتخذ من الزبيب، وهو
صنفان :
(١) نقيع الزبيب : وهو أن يترك الزبيب في الماء من
غیر طبخ حتى تخرج حلاوته إلى الماء، ثم يشتد
ویغلي ويقذف بالزبد عند أبي حنيفة، أولم يقذف
بالزبد عند صاحبيه .
(١) الهداية مع فتح القدير ٩/ ٣١.
(٢) رد المحتار ٢٨٨/٥
(٣) المغني ٣١٧/٨، والفواكه الدواني ٢٨٩/٢، والدسوقي مع
الشرح الكبير ٣٥٢/٤، ومغني المحتاج ١٨٦/٤، والمصباح
المنير، وأساس البلاغة.
(٤) الفتاوى الهندية ٤٠٩/٥، وابن عابدين مع الدر المختار
٢٩٠/٥، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٩٤٥ط الإمام.
(٢) نبيذ الزبيب : وهو النيء من ماء الزبيب إذا
طبخ أدنى طبخ وغلى واشتد.(١)
النوع الثاني: ما يتخذ من التمر أو الرطب (وهو
السكر) والبسر (وهو الفضيخ).
وفي حكم هذا النوع الخلیطان . وهو شراب من
ماء الزبيب وماء التمر أو البسر أو الرطب المختلطين
إذا طبخا أدنى طبخ وإن اشتد، ولا عبرة بذهاب
الثلثين. (٢)
النوع الثالث : نبيذ ما عدا العنب والتمر
كالعسل أو التين أو البر ونحوها. (٣)
هذه هي الأشربة المحرمة عند الحنفية، أما
الخمر فبإجماع الأمة، وأما نبيذ العنب والتمر فيحرم
عند أبي حنيفة وأبي يوسف القدر المسكر منها
خلافا لمحمد، وأما نبيذ العسل والتين والبر
والشعير ونحوذلك فمباح عند أبي حنيفة
وأبي يوسف، بشرط ألا يشرب للهوأوطرب،
وخالفهما محمد، ورأيه هو المفتى به عند الحنفية، (٤)
كما سيتضح فيما يأتي .
أحكام الخمر :
٦ - المراد بالخمر هنا جميع المسكرات جريا على
مذهب الجمهور، وأحكامها ما يأتي :
(١) المصباح المنير، والفتاوى الهندية ٤٠٩/٥، وفتح القدير مع
الهداية ٣٠/٩ - ٣١
(٢) المغني ٣١٨/٨ - ٣١٩، وتبيين الحقائق ٤٥/٦، والبدائع
٢٩٤٥/٦
(٣) البدائع ٢٩٤٦/٦، والفتاوي الهندية ٤١٢/٥، وابن عابدين
٢٩٢/٥ - ٢٩٣، والهداية مع فتح القدير ٣٢/٩
(٤) نفس المراجع.
- ١٤ -
أشربة ٧ - ٩
الأول ۔ تحریم شربها قليلها وكثيرها:
٧ - ثبتت حرمة الخمر بكتاب الله وسنة رسوله
وإجماع الأمة. أما الكتاب. فقوله تعالى: (إنما
الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ من عمل
الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد
الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر
والميسر، ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل
أنتم منتهون). (١)
وتحريم الخمر كان بتدريج وبمناسبة حوادث
متعددة، فإنهم كانوا مولعین بشربها. وأول ما نزل
. صريحا في التنفیر منها قوله تعالى : (يسألونك عن
الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس)(٢)
فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا
حاجة لنا فیما فيه إثم کبیر، ولم یتر کها بعضهم،
وقالوا: نأخذ منفعتها، ونترك إثمها. فنزلت هذه
الآية: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)(٣) فتركها
بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن
الصلاة، وشربها بعضهم في غير أوقات الصلاة
حتى نزلت: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر
... ) الآية. فصارت حراما عليهم، حتى صار
يقول بعضهم: ما حرم الله شيئا أشدّ من الخمر.
٨ - وقد أكد تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد:
منها: تصدیر الجملة بإنما.
ومنها : أنه سبحانه وتعالى قرنهما بعبادة
الأصنام.
(١) سورة المائدة / ٩٠ - ٩١
(٢) سورة البقرة / ٢١٩
(٣) سورة النساء / ٤٣
ومنها : أنه جعلهما رجسا.
ومنها : أنه جعلهما من عمل الشيطان،
والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحث.
ومنها : أنه أمر باجتنابهما.
ومنها : أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا
كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة وممحقة.
ومنها : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو
وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر
والقمار، وما يؤديان إليه من الصدّ عن ذكر الله،
وعن مراعاة أوقات الصلاة.
وقوله تعالى : (فهل أنتم منتهون) من أبلغ
ماینهی به، كأنه قیل: قد تلي علیکم مافيهما من
أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه
الصوارف منتهون، أم أنتم على ماكنتم عليه، كأن
لم توعظوا ولم تزجروا. (١)
٩ - وأما السنة فقد وردت أحاديث كتيرة في تحريم
الخمر قليلها وكثيرها. وقد قال جماهير العلماء: كل
شراب أسكر كثيره حرم قليله، فيعم المسكر من
نقيع التمر والزبيب وغيرهما، لما تقدم من الآية
الكريمة والأحاديث الشريفة التالية:
عن عائشة رضي الله عنها أنه قال: ((كل
شراب أسكر فهو حرام)). (٢)
(١) تفسير الزمخشري ٦٧٤/١ - ٦٧٥ نشر دار الكتاب العربي،
وتفسير القرطبي ٢٨٥/٦ وما بعدها مطبعة دار الكتب، وتفسير
الطبري ٣١/٧ وما بعدهاط مصطفى الحلبي، وتفسير الرازي
١٧٩/٢ وما بعدها المطبعة البهية، وتفسير الآلوسي ١٥/٧
وما بعدها الطباعة المنيرية.
(٢) حديث: «كل شراب أسكر فهو حرام». أخرجه البخاري
(٤١/١٠ - الفتح - ط السلفية) ومسلم (١٥٨٥/٣ - ط
الحلبي).
- ١٥ -
أشربة ٩
وقال عليه الصلاة والسلام: ((کل مسکر خمر،
وكل خمر حرام)». (١)
وعن سعد بن أبي وقاص أنه® قال: ((أنهاكم
عن قليل ما أسكر كثيره)). (٢)
وعن النبي ﴿ أنه قال: ((ما أسكر كثيره فقليله
حرام». (٣)
وقال عليه الصلاة والسلام: ((كل مسكر حرام،
وما أسكر منه الفرق (٤) فملء الكف منه
حرام». (٥)
وعن أم سلمة قالت: ((نهى رسول الله ﴾ عن
كل مسكر ومفتر)). (٦)
(١) الحديث تقدم (ف ٤)
(٢) حديث : ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره)). أخرجه الدار قطني
(٢٥١/٤ - ط دار المحاسن بالقاهرة) والنسائي (٣٠١/٨ - ط
المكتبة التجارية) وجوده المنذري في مختصر السنن (٢٦٧/٥ نشر
دار المعرفة).
(٣) حديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». أخرجه ابن ماجة
(١١٢٥/٢ - ط الحلبي) والدارقطني (٤ /٢٥٤ - ط دار المحاسن
بالقاهرة). وصححه ابن حجر في الفتح (٤٣/١٠ - ط
السلفية).
(٤) الفرق (بفتح الراء) مكيال يسع ستة عشر رطلا، والفرْق
(بالسكون) هو ما يسع مائة وعشرين رطلا، وهو المراد في
الحديث - (النهاية لابن الأثير ولسان العرب مادة: فرق).
(٥) حديث: ((كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق، فملء الكف
منه حرام». أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان من حديث
عائشة رضي الله عنها، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأقره
المنذري. قال الشوكاني: أعله الدارقطني بالوقف (عون المعبود
٣٧٩/٣ ط الهند، وتحفة الأحوذي ٦٠٧/٥ نشر المكتبة السلفية،
وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص ٣٣٦ نشر دار الكتب
العلمية، ونيل الأوطار ٦٥/٩، ٦٦ نشر دار الجيل ١٩٧٣م)
(٦) حدیث : «نیی عن کل مسکر ومفت» أخرجه أبو داود من حديث
أم سلمة رضي الله عنها. قال المنذري: فيه شهر بن حوشب وثقه
الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد. قال =
فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر
حرام، ومنها ما يدل على تسمیة کل مسکر خمرا،
وهو قوله ێ : «كل مسكر خمر)».
كما يدل بعضها على أن المسكر حرام لعينه، قل
أو كثر، سكر منه شاربه أو لم يسكر، وهذا عند
الجمهور. (١)
وذهب الحنفية إلى أن النيّء من عصير العنب
إذا غلی واشتد عند الصاحبین، وقذف بالزبد عند
أبي حنيفة، هو الخمر التي يحرم شرب قليلها
وكثيرها إلا عند الضرورة، لأنها محرمة العين،
فيستوي في الحرمة قليلها وكثيرها.
أما عصير غير العنب والتمر، أو المطبوخ منهما
بشرطه، فليس حراما لعينه. (٢) ومن هنا فلا يحرم
إلا السكر منه كما سيأتي تفصيله.
وأما السّكر والفضيخ ونقيع الزبيب، فيحرم
شرب قليلها وكثيرها باتفاق الفقهاء، لما تقدم من
الأحاديث، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخمر
من هاتين الشجرتين)). (٣) وأشار عليه الصلاة
= الشوكاني: هذا الحديث صالح للاحتجاج به. قال عبدالقادر
الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وفي سنده ضعف وقد حسنه
الحافظ في الفتح، كما أن في إسناده الحكم بن عتيبة. قال ابن
حبان في الثقات: کان یدلس وقد عنعنه (عون المعبود ٣/ ٣٧٠ -
٣٧٧ ط الهند، وجامع الأصول ٥/ ٩٣ نشر مكتبة الحلواني،
وتهذيب التهذيب ٤٣٢/٢ - ٤٣٤ط دار صادر).
قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في
الأعضاء، وهذا لاشك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة
المسكرة. (التفسير الكبير ٤٥/٦)
(١) مغني المحتاج ١٨٧/٤، والمغني ٣٠٤/٨، والمدونة ٦/ ٢٦١،
وكشاف القناع ١١٧/٦، والتفسير الكبير ٦/ ٤٤ - ٤٥
(٢) هذه الأشياء تصنع من التمر أو من العنب كما تقدم.
(٣) حديث: ((الخمر من هاتين الشجرتين)) أخرجه مسلم
(١٥٧٣/٣ ط الحلبي)، وأبو داود (٤/ ٨٤ - ٨٥ ط عزت عبيد =
- ١٦ -
أشربة ١٠ - ١٢
والسلام إلى النخلة والكرمة. والذي ها هنا هو
المستحق لاسم الخمر، فکان حراما. هذا إذا كان
عصيرهما نيئا غير مطبوخ، وغلى واشتد عند
الصاحبين، وقذف بالزبد عند أبي حنيفة.
أما المطبوخ من هذه الأشياء فسيأتي حكمه عند
الأحناف.
شرب دردي(١) الخمر :
١٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلی تحريم شرب دردي
الخمر، ويحد شاربه، لأنه خمر بلاشك، وسواء
دردي الخمر أو دردي غيره، وأنه لا فرق بين
الجمیع، ويحد بالثخین منها إذا أكله.
وذهب الأحناف إلى كراهة(٢) شرب دردي
الخمر، لأن فيه ذرات الخمر المتناثرة، وقليله
ککثیرة، ولكن لا يحد شارب الدردي إلا إذا سکر،
لأنه لا یسمی خمرا، فإِذا سكر منه وجب الحد
علیه، کما في شرب الباذق أو المنصف. (٣)
حكم المطبوخ من العنب أو عصيره :
١١ - إن المطبوخ من عصير العنب أدنی طبخ،
بحیث ذهب منه أقل من الثلثین، وکان مسکرا
= دعاس). وحصر الأحناف الخمر في التمر والعنب بناء على هذا
الحدیث، وخالفهم الجمهور، فقالوا : ليس في الحديث حصر،
ويجوز أن تكون الخمرة من غير هاتين الشجرتين. (انظر المغني
٣٠٤/٨ - ٣٠٥، والمدونة ٢٦١/٦، والمحلى ٤٩٣/٧
وما بعدها).
(١) دردي الخمر: ما يبقى أسفله (ترتيب القاموس المحيط).
(٢) المراد بالكراهة هنا: كراهة التحريم، وهي ثبوت طلب الكف
عن الفعل بدليل ظني. (مسلم الثبوت ٨٥/١ ط بولاق).
(٣) البدائع ٩٣٦/٦، ومغني المحتاج ١٨٨/٤، والمحلى ٥٧٩/١
يحرم شرب قليله وكثيره عند الفقهاء عامة، لأنه إذا
ذهب أقل من الثلثین بالطبخ، فالحرام فيه باق،
وهوما زاد علی الثلث. أما إذا ذهب ثلثاه بالطبخ،
وبقي ثلثه فهو حلال وإن اشتد عند أبي حنيفة
وأبي يوسف. وقال محمد: يحرم. وهذا الخلاف فيما
إذا قصد به التقوي، أما إذا قصد به التلهي فإنه لا
يحل بالاتفاق. وعن محمد مثل قولهما. وعنه أنه کره
ذلك، وعنه أنه توقف فیه.
هذا إذا طبخ عصير العنب، فأمّا إذا طبخ
العنب كما هو، فقد حكى أبو يوسف عن
أبي حنيفة أن حكمه حكم العصير لا يحل حتى
یذهب ثلثاه.
وروی الحسن عن أبي حنيفة أن حكمه حكم
الزبيب، حتى لوطبخ أدنى طبخة يكون بمنزلة
الزبيب، أي يحل منه ما دون المسكر وإن لم يذهب
ثلثاه، لأن طبخه قبل عصره أبعد عن صفة الخمر،
فلم یعتبر ذهاب الثلثین. (١)
حكم المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب وسائر
الأنبذة:
١٢ - مذهب جمهور العلماء - كما تقدم - أن ما أسكر
من النيء والمطبوخ، سواء اتخذ من العنب أو التمر
أو الزبيب أو غيرها محرم شرب قليله وكثيره، وقد
سبق ذكر أدلتهم.
أما عند الحنفية، فقد قال أبو حنيفة
وأبو يوسف: إن المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع
(١) بدائع الصنائع ٢٩٤١/٦ - ٢٩٤٢، والهداية مع فتح القدير
٣٥/٩، والدر المختار ٢٩٠/٥
- ١٧ -
أشربة ١٢ - ١٣
الزبيب أدنى طبخة، يحل شربه ولا يحرم إلا السكر
منه .
وعن محمد روايتان :
الرواية الأولى : لا يحل شربه، لكن لا يجب
الحد إلا بالسكر.
والرواية الثانية : قال محمد : لا أحرمه، ولکن
لا أُشرب منه .
واحتج أبو حنيفة وأبو یوسف لقوهما : بأن طبخ
العصير على هذه الصفة - وهي أن یذهب أقل من
ثلثیه - لا يحرم إلا السكر منه، وإن اشتد وقذف
بالزبد، إذا غلب على ظنه أن الشراب لا يسكره،
وذلك لأنه ليس فيه قوة الإِسکار بنفسه .
هذا، وإن حلّ شرب القليل الذي لا يسكر عند
أبي حنيفة وأبي يوسف ليس مطلقا، ولكنه مقید
بشروط هي :
(١) أن يكون شربه للتقوي ونحوه من غرض
صحيح.
(٢) أن يشربه لا للهو والطرب، فلو شربه للّهو أو
الطرب فقليله وكثيره حرام .
(٣) ألا یشرب ما یغلب على ظنه أنه مسكر، فلو
شرب حينئذ، فيحرم القدح الأخير الذي يحصل
السكر بشربه، وهو الذي يعلم يقينا، أو بغالب
الرأي، أو بالعادة أنه یسکره.(١)
وهذا كله عند أبي حنيفة وأبي يوسف، كما
تقدم، ومثلهما بقية فقهاء العراق: إبراهيم النخعي
من التابعين، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى،
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٩٤٣، وحاشية ابن عابدين مع الدر المختار
٢٩١/٥ - ٢٩٢
وشريك، وابن شبرمة، وسائر فقهاء الكوفيين،
وأكثر علماء البصريين، فإنهم قالوا: إن المحرم من
غير الخمر من سائر الأنبذة التي يسكر كثيرها هو
السكر نفسه، لا العين، وهذا إنما هو في المطبوخ
منها . (١)
١٣ - ودليل أبي حنيفة ومن معه من السنة
ما يأتي : (٢)
أ - عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي
**: «أتي بنبیذ فشمه، فقطب وجهه لشدته، ثم
دعا بماء فصبه عليه وشرب منه)). (٣)
ب - إن النبي ﴾ قال: ((لا تنبذوا الزهو(٤)
والرطب جميعا، ولا تنبذوا الرطب والزبيب جميعا،
ولكن انتبذوا كل واحد منهما على حدته)) وفي لفظ
البخاري ذكر التمربدل الرطب. (٥) قالوا: وهذا
نص على أن المتخذ من كل واحد منهما مباح.
جـ - عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي وكلي
نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، يعني في
الانتباذ. وزید في رواية أنه قال: «من شربه منکم
(١) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٥/ ٢٩١ - ٢٩٢، والهداية
مع فتح القدير ٢٧/٩، وبداية المجتهد ٤٨٧/١
(٢) البدائع ٦/ ٢٩٤٣ وما بعدها، والهداية مع فتح القدير ٣٣/٩،
والمبسوط ٥/٢٤ وما بعدها.
(٣) حديث: ((أن النبي # أتي بنبيذ ... )) أخرجه الدارقطني
(٢٦٤/٤ ط دار المحاسن)، والبيهقي (٣٠٤/٨ ط دائرة
المعارف العثمانية)، وضعفه الدارقطني، ونقل البيهقي تضعيفه.
(٤) الزهو: ثمرة النخل إذا خلص لونها إلى الحمرة أو الصفرة
(المصباح).
(٥) حديث ((لا تنبذوا الزهو ... )) أخرجه مسلم (١٥٧٦/٣ط
الحلبي)، وأخرجه البخاري بلفظ: ((نهى أن يجمع بين التمر
والزهو ... )). (٦٧/١٠ - الفتح ط السلفية).
- ١٨ -
أشربة ١٤ - ١٦
فلیشربه زبیبا فردا، وتمرا فردا، وبسرا فردا)). (١)
د - واستدلوا على إباحة الخليطين بما روته
عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنا ننتبذ لرسول الله
** في سقاء، فنأخذ قبضة من تمر، وقبضة من
زبيب، فنطرحهما فيه، ثم نصب عليه الماء فننتبذه
غدوة فيشربه عشية، وننتبذه عشية فيشربه
غدوة)». (٢)
١٤ - وأدلتهم من الآثار :
أ-ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه کتب إلى
عمار بن ياسر رضي الله عنه: ((إني أتیت بشراب من
الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فذهب منه
شيطانه وریح جنونه، وبقي طيبه وحلاله، فمر
المسلمين قبلك، فليتوسعوا به في أشربتهم)). (٣)
فقد نص على أن الزائد على الثلث حرام، وأشار
إلى أنه ما لم يذهب ثلثاه فالقوة المسكرة فيه قائمة،
ورخص في الشراب الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
ب-ما روي أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه كان
يشرب النبيذ الشديد، وأنه هو وعلي وأبو عبيدة بن
الجراح ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى
الأشعري أحلوا الطلاء، وکانوا یشربونه، وهو:
ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، وقال عمر: هذا الطلاء
(١) حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي 18 ((نهى عن التمر
... )) أخرجه مسلم (١٥٧٤/٣، ١٥٧٥ - ط الحلبي).
(٢) حديث عائشة: ((كنا ننتبذ .... )) أخرجه ابن ماجة (١١٢٦/٢
- ط الحلبي)، وأعله الشوكاني في النيل بجهالة أحد رواته.
(١٩٣/٨ ط الحلبي).
(٣) نيل الأوطار ١٩٧/٨، والبدائع ٢٩٤٤/٦ وما بعدها، والمبسوط
٥/٢٤ وما بعدها.
مثل طلاء الإِبل، ثم أمر بشربه، وكان علي یرزق
الناس طلاء يقع فيه الذباب، فلا يستطيع الخروج
منه، أي حلاوته .
حكم الأشربة الأخرى :
١٥ - تقدم أن مذهب جمهور العلماء تحریم کل
شراب مسكر قليله وكثيره، وعلى هذا فإن الأشربة
المتخذة من الحبوب والعسل واللبن والتين ونحوها
محرم شرب قلیلها إذا أُسکر کثیرها، وبهذا قال
محمد بن الحسن من الحنفية وهو المفتى به
عندهم. (١) وذلك للأدلة المتقدمة من أن ((كل
شراب مسکر خمر وکل خمر حرام» وغير ذلك.
ورأي الجمهور مروي عن عمر، وعلي، وابن
مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي
وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة، وابن
عباس، وجابر بن عبدالله، والنعمان بن بشير،
ومعاذ بن جبل، وغيرهم من فقهاء الصحابة رضي
الله عنهم .
وبذلك قال ابن المسيب، وعطاء، وطاووس
ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبدالعزيز،
وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه،
والأوزاعي، وجمهور فقهاء الحجاز، وجمهور
المحدثين عن فقهاء التابعين ومن بعدهم. (٢)
تفصيلات لبعض المذاهب في بعض الأشربة :
١٦ - اختلف المالكية والشافعية والحنابلة في حكم
(١) البدائع ٥/ ٢٩٤٦، وتبيين الحقائق ٦/ ٤٦ - ٤٧، وابن عابدين
٢٩٢/٥ - ٢٩٣
(٢) المغني ٨/ ٣٠٥ وما بعدها، والمواق ٣١٨/٦، ومغني المحتاج
١٨٦/٤، ١٨٧، والمنتقى على الموطأ ١٤٧/٣، والروضة
١٦٨/١٠
- ١٩ -
أشربة ١٦ - ١٨
بعض الأشربة غير المسكرة في تقديرهم،
كالخليطين، والنبيذ، والفقاع.
أ - الخليطان :
ذهب المالكية إلى تحريم الخليطين من الأشياء
التي من شأنها أن تقبل الانتباذ، كالبسر والرطب،
والتمر والزبيب ولو لم یشتدا، لأن الرسول څے نهى
أن ينبذ الرطب والبسر جميعا. (١) والنهي يقتضي
التحريم، إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى غير
ذلك كالكراهة. أي أخذا بظاهر هذا الحديث
وغيره يحرم الخيلطان، وإن لم يكن الشراب منهما
مسكرا سدا للذرائع. (٢)
وقال الشافعية : يكره من غير المسكر:
المنصف، وهو ما يعمل من تمر ورطب، والخليط :
وهو ما يعمل من بسر ورطب، لأن الإِسكاريسرع
إلى ذلك بسبب الخلط قبل أن يتغير، فيظن
الشارب أنه ليس بمسکر، ویکون مسکرا، فإن
أمن سكره ولم تكن فيه شدة مطربة فيحل. (٣)
وقال الحنابلة: یکره الخلیطان، وهو أن ينبذ في
الماء شيئان، لأن النبي ( * نهى عن الخليطين. (٤)
وعن أحمد: الخليطان حرام، قال القاضي :
يعني أحمد بقوله: (هو حرام)). إذا اشتد وأسكر،
وهذا هو الصحيح إن شاء الله، وإنما نهى النبي اليه
لعلة إسراعه إلى السكر المحرم، فإِذا لم يوجد لم
يثبت التحريم. (٥)
(١) والحديث تقدم تخريجه (ف ١٢).
(٢) المنتقى على الموطأ ١٤٩/٣، وبداية المجتهد ٤٨٧/١ وما بعدها
نشر مكتبة الكليات الأزهرية .
(٣) مغني المحتاج ٤/ ١٨٧
(٤) والحديث تقدم تخريجه ( ف ١٦).
(٥) المغني ٣١٨/٨ وما بعدها، وكشاف القناع ٩٦/٦ وما بعدها.
ب - النبيذ(١) غير المسكر :
١٧ - قال الحنابلة وغيرهم : لا يكره إذا كانت مدة
الانتباذ قريبة أويسيرة، وهي يوم وليلة. أما إذا بقي
النبيذ مدة يحتمل فيها إفضاؤه إلى الإِسكار، فإِنه
يكره، ولا يثبت التحريم عند المالكية والشافعية إلا
بالإِسكار، فلم يعتبروا المدة أو الغليان. (٢) ولا
يثبت التحريم عند الحنابلة ما لم يغل العصير، أو
تمض عليه مدة ثلاثة أيام بلياليها .
وإن طبخ العصير أو النبيذ قبل فورانه
واشتداده، أو قبل أن تمضي عليه ثلاثة أيام حتى
صارغیر مسکر کالدبس، ونحوه من المربيات،
وشراب الخروب، فهو مباح، لأن التحريم إنما ثبت
في المسكر، فبقي ما عداه على أصل الإِباحة. (٣)
واستدلوا بحديث ابن عباس أن النبي (# كان
ینقع له الزبيب، فیشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى
مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى أو يهراق. (٤)
الانتباذ في الأوعية :
١٨ - الانتباذ: اتخاذ النبيذ المباح، وقد اتفق
الفقهاء على أنه يجوز الانتباذ في الأوعية المصنوعة
من جلد، وهي الأسقية، واختلفوا فيما سواها.
(١) هو ما يلقى من التمر أو الزبيب ونحوهما، أو الحبوب في الماء
ليكسبه من طعمه بشرط ألا يمضي عليه ثلاثة أيام، وإلا حرم،
كما سيتضح مما سيأتي (المعجم الوسيط مادة: نبذ).
(٢) الروضة ١٦٨/١٠، والمدونة ٢٦٣/٦، وبداية المجتهد
٤٩٠/١
(٣) المغني ٣١٧/٨ -٣١٩
(٤) حديث: ((أن النبي # كان ينقع ... )) أخرجه مسلم
(١٥٨٩/٣ - ط الحلبي).
- ٢٠ -