Indexed OCR Text
Pages 181-200
استتار ١١ - ١٣ كان أحدنا خاليا ؟ قال : فالله أحق أن يستحيى منه من الناس)). (١) وذهب عبد الرحمن بن أبي ليلى إلى وجوب الاستتار حين الغسل، ولو كان في خلوة . (٢) مستدلا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي أن رسول اللّه الله رأى رجلا يغتسل بالبراز - أي بالخلاء - فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ((إن الله عز وجل حليم حييّ ستير، يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر)). (٣) . استتار المرأة المتزينة : ١١ - يجب على المرأة الاستتار عن غير الزوج والمحارم، بستر عورتها وعدم إبداء زينتها، (٤) لقوله تعالى: ((يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأزواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِهِنَّ)). (٥) وفيما يجب ستره عن المحارم وغيرهم، وفي ستر الوجه والكفين والقدمين خلاف وتفصيل موطنه مصطلح: (تزين) و(عورة). الاستتار من عمل الفاحشة : ١٢ - من ابتلي بمعصية ، كشرب الخمر والزنى، فعليه أن يستتر بذلك، ولا يجاهر بفعله السيء، كما ينبغي لمن علم بفاحشته أن يستر عليه (١) تحفة المحتاج بشرح المنهاج ٢٩٧/١، والحديث تقدم تخريجه في فقرة (٤) (٢) فتح الباري ١/ ٣٠٦، ونيل الأوطار ٢٥٣/١ (٣) أخرجه أبو داود في الحمّام، والنسائي في الاغتسال باب الاستتار عند الاغتسال . (٤) تفسير الطبري ١٨ /١١٨، ١١٩، وتفسير القرطبي ٢٢٨/١٢ (٥) سورة الأحزاب / ٥٩ وينصحه، ويمنعه عن المنكر بالوسيلة التي يستطيعها . ١٣ - وقد اتفق الفقهاء على أن المرء إذا وقع منه ما يعاب عليه يندب له الستر على نفسه، فلا يعلم أحدا، حتى القاضي، بفاحشته لإِقامة الحد أو التعزير عليه، (١) لما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه ل﴾. يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)). (٢) وقوله څ﴾ (( من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستر بستر الله، فإنه من يبدي لنا من صفحته نقم عليه كتاب الله)). (٣) وقال أبو بكر الصديق: لو أخذت شاربا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقا لأحببت أن يستره الله، (٤) وأن الصحابة أبا بكر وعمر وعلياً وعمار بن ياسر وأبا هريرة وأبا الدرداء والحسن بن علي وغيرهم، (٥) قد أثر عنهم الستر على معترف بالمعصية، أو تلقينه الرجوع من إقراره بها، سترا عليه، وستر معترف المعصية على نفسه أولى من ستر غيره عليه. والجهر بالمعصية عن جهل، ليس كالجهر بالمعصية تبجحاً، قال ابن حجر: فإِن من قصد (١) فتح الباري ١/ ٣٩٩، والفروع ٢٦٤/٣، ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٦٠، ومغني المحتاج ٤/ ١٥٠، وحاشية ابن عابدين ٥ /١٤٠ (٢) فتح الباري ١٠/ ٣٩٩ (٣) أخرجه الحاكم والبيهقي، ومالك في الموطأ باب الحدود. (٤) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٢ (٥) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة ١٢٣/٢ و١٣٠ - ١٨١ - استتار ١٤ ، استثمار ١ - ٣ إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه. (١) وقال الخطيب الشربيني: وأما التحدث بها تفكها فحرام قطعا . (٢) أثر الاستتار بالمعصية : ١٤ - يترتب على الاستتار بالمعصية : أ- عدم إقامة العقوبة الدنيوية، لأن العقوبات لا تجب إلا بعد إثباتها. (ر: اثبات) فإذا استتر بها ولم يعلنها ولم يقربها ولم ينله أي طريق من طرق الإِثبات، فلا عقوبة . ب - عدم شيوع الفاحشة، قال الله تعالى: (إِنَّ الّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُوا هُمْ عَذَابٌ أَليمُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، واللّهُ يَعْلَمُ وانْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). (٣) جـ ـ من ارتكب معصية فاستتر بها فهو أقرب إلى أن يتوب منها، فإن تاب سقطت عنه المؤاخذة، فإِن كانت المعصية تتعلق بحق الله تعالى فإِن التوبة تسقط المؤاخذة، لأن الله أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة. وإن كانت تتعلق بحق من حقوق العباد، کقتل وقذف ونحو ذلك، فإن من شروط التوبة فيها أداء هذه الحقوق لأصحابها، أو عفو أصحابها عنها، ولذلك وجب على من استتر بالمعصية المتعلقة بحق آدمي أن يؤدي هذا الحق لصاحبه. (٤) (ر: التوبة). (١) فتح الباري ١٠/ ٤٠٠ (٢) مغني المحتاج ٤/ ١٥٠ (٣) فتح الباري ٤٠٠/١٠، والآية من سورة النور/ ١٩ (٤) مغني المحتاج ٤ / ١٥٠، وابن عابدين ٥/ ١٤٠، وكفاية الطالب ٢/ ٢٥٥، والشرواني ٤ / ٤٣٤ - ٤٣٥ ط ٢ مصطفى البابي الحلبي سنة ١٩٦٣ هـ . استثما التعريف : ١ - الاستثمار في اللغة: من (ثمر)، وثمر الشيء : إذا تولد منه شيء آخر (١) ، وثمر الرجل ماله : أحسن القيام عليه ونماه ، وثمر الشيء : هو ما يتولد منه ، وعلى هذا فإن الاستثمار هو : طلب الحصول على الثمرة . والفقهاء يستعملون هذا اللفظ بهذا المعنى أيضا . الألفاظ ذات الصلة : أ - الانتفاع : ٢ - الانتفاع هو الحصول على المنفعة ، فالفرق بينه وبين الاستثمار، أن الانتفاع أعم من الاستثمار ، لأن الانتفاع قد يكون بالاستثمار، وقد لا يكون . ب - الاستغلال : ٣ - الاستغلال طلب الغلة ، والغلة هي: كل عين حاصلة من ريع الملك ، وهذا هوعين الاستثمار ، فما تخرجه الأرض هو ثمرة ، وهو غلة ، وهو ريع . وللحنفية تفرقة خاصة بين الثمرة والغلة في باب الوصية ، فإِذا أوصى بثمرة بستانه انصرف إلى (١) مقاييس اللغة، ولسان العرب، والمصباح. - ١٨٢ - استثمار ٤ - ٨ الموجود خاصة ، وإذا أوصى بغلته شمل الموجود وما هو بعرض الوجود . (١) صفته ( الحكم التكليفي ) : ٤ - الأصل استحباب استثمار الأموال القابلة لذلك ، لما فيه من وجوه النفع. (٢) أركان الاستثمار : كل استثمار لا يخلومن ركنين اثنين : المستثمر ( بكسر الميم )، والمستثمر ( بفتح الميم ) . أولا : المستثمر ( بكسر الميم ) : ٥ - الأصل أن يتم استثمار المال من قبل مالكه ، ولكن قد يحدث ما يجعل الغير يقوم بهذا الاستثمار عن المالك، وهذا على صورتين : أ - الاستثمار بالإنابة : والإنابة قد تكون من المالك كالوكالة ، أومن الشارع كالقيم . ب - الاستثمار بالتعدي : وقد يقدم على استثمار المال أجنبي بغير إذن صاحب المال ، وبغير إعطاء الشرع هذا الحق له ، وعندئذ يعتبر غاصبا ( ر: غصب)(٣) (١) أساس البلاغة، والمغرب، والمصباح المنير، مادة ( غل )، وحاشية القليوبي ٣ / ١٧١، والهداية بشرح فتح القدير ٤٨٤/٨ ط بولاق، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٤٤٤ ط بولاق ، وانظر المغرب مادة ( ريع ) . (٢) القليوبي ٤/ ٩٥ (٣) الخراج ليحيى بن آدم ص ٩٥ ثانيا : المال المستثمر : ٦ - لكي يكون الاستثمار حلالا يشترط في المال المستثمر أن يكون مملوكا ، ملكا مشروعا للمستثمر ( بكسر الميم ) ، أو لمن كان المستثمر نائبا عنه نيابة شرعية أو تعاقدية ، فإِن لم يكن كذلك لم يحل استثماره ، كالمال المغصوب أو المسروق . وكذلك لا يحل استثمار الوديعة ، لأن يد الوديع يد حفظ . ملك الثمرة : ٧ - إذا كان الاستثمار مشروعا، كانت الثمرة ملكا للمالك ، أما إذا كان الاستثمار غير مشروع ، كمن غصب أرضا واستغلها ، فإِن الثمرة عند الحنفية يملكها الغاصب ملكا خبيثا ، ويؤمر بالتصدق بها . وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى : أن الغلة للمالك ، وفي رواية عن أحمد : أنه يتصدق بها .(١) طرق الاستثمار : ٨ - يجوز استثمار الأموال بأي طريق مشروع . (٢) (١) ابن عابدين ٥/ ١٢٠، والشرح الصغير ٣/ ٥٩٥، والقليوبي ٣٣/٣، والمغني ٢٧٥/٥ (٢) ابن عابدين ٤٤/٢، ٤٥، وجواهر الإكليل ١/ ١٣٦، ١٣٧، و٢/ ١٢٠، وحاشية قليوبي ٣/ ٩٤، والمغني ٥٢١/٥، وتكملة فتح القدير ٣٢/٨، ٤٥ - ١٨٣ - استثناء ١ استثناء التعريف : ١ - الاستثناء لغة : مصدر استثنى، تقول: استثنيت الشيء من الشيء إذا أخرجته، ويقال: حلف فلان يمينا ليس فيها ثنيا، ولا مثنوية، ولا استثناء ، کله واحد .(١) وذكر الشهاب الخفاجي أن الاستثناء في اللغة والاستعمال يطلق على: التقييد بالشرط، (٢) ومنه قوله تعالى (وَلاَ يَسْتَثْنُون) (٣) أي لا يقولون: ((إن شاء الله)). والاستثناء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين إما أن يكون لفظيا أو معنويا أو حكميا، فالاستثناء اللفظي هو: الإِخراج من متعدد بإلا ، أو إحدى أخواتها، (٤) ويلحق به في الحكم الإِخراج بأستثني وأخرج ونحوهما على لفظ المضارع، وعرفه السبكي بأنه: الإِخراج بإلا أو إحدى أخواتها من متكلم واحد . (٥) وعرفه صدر الشريعة الحنفي بأنه: المنع من دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حکمه بإلا أو إحدى أخواتها، فعرفه بالمنع، ولم يعرفه بالإِخراج، (١) لسان العرب - ثنى (٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٠٩ (٣) سورة القلم / ١٨ (٤) روضة الناظر ص ١٣٢ ط السلفية ١٣٨٥ هـ (٥) جمع الجوامع وحاشية البناني ٢/ ٩ لأن الاستثناء عند الحنفية لا إخراج به، إذ لم يدخل المستثنى في المستثنى منه أصلا حتى يكون مخرجا . فالاستثناء لمنعه من الدخول، (١) والفقهاء يستعملون الاستثناء أيضا بمعنى قول: ((إن شاء الله)) في كلام إنشائي أو خبري . (٢) وهذا النوع ليس استثناء حقيقيا بل هو من متعارف الناس . فإن كان بإلا ونحوها فهو استثناء حقيقي ، أو (( استثناء وضعي))، (٣) كأن يقول: لا أفعل كذا إلا أن يشاء الله ، أو : لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله، ومن العرفي قول الناس: إن يسر اللّه، أو إن أعان الله ، أو ماشاء الله. وإنما سمي هذا التعليق - ولو كان بغير إلا - استثناء لشبهه بالاستثناء المتصل في صرفه الكلام السابق له عن ظاهره . (٤) والاستثناء المعنوي هو: الإِخراج من الجملة بغير أداة استثناء ، كقول المقر: ((له الدار، وهذا البيت منها لي)) . وإنما أعطوه حكم الاستثناء لأنه في قوة قوله: ((له جميع الدار إلا هذا البيت)). (٥) والاستثناء الحكمي يقصد به أن يرد التصرف مثلا على عين فيها حق للغير ، كبيع الدار المؤجرة ، فإِن الإِجارة لا تنقطع بذلك ، والبيع صحيح ، فكأن البيع ورد على العين باستثناء منفعتها مدة الإجارة . وهذا الإِطلاق قليل في متعارف الفقهاء والأصوليين ، وقد ورد في الأشباه والنظائر للسيوطي (١) التوضيح ومعه التلويح على التوضيح ٢/ ٢٠ صبيح. (٢) المغني ٣٥١/٧ (٣) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥١٤ (٤) المغني ٥/ ١٥٥ ط الرياض (٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٤١١ - ١٨٤ - استثناء ٢ - ٥ والقواعد لابن رجب، (١) إلا أن هذا النوع لا يدخل في مفهوم الاستثناء المصطلح عليه ، ولذا فلا تنطبق عليه أحكام الاستثناء فيما يلي من هذا البحث . الألفاظ ذات الصلة : أ - التخصيص : ٢ - التخصيص : قصر العام على بعض أفراده، (٢) فهو يبين كون اللفظ قاصرا عن البعض . وقال الغزالي : إن الاستثناء يفارق التخصيص في أن الاستنثاء يشترط اتصاله، وأنه يتطرق إلى الظاهر والنص (٣) جميعا، إذ يجوز أن يقول: له عليّ عشرة إلا ثلاثة ، كما يقول : اقتلوا المشركين إلا زيدا ، والتخصيص لا يتطرق إلى النص أصلا، ومن الفرق بينهما أيضا أن الاستثناء لا بد أن يكون بقول ، ويكون التخصيص بقول أو قرينة أو فعل أو دليل عقلي . (٤) هذا وإن الفرق الأول الذي ذكره الغزالي من اشتراط الاتصال في الاستثناء، وعدم اشتراطه في التخصيص، لا يجري عند الحنفية ، لقولهم بوجوب اتصال المخصصات أيضا . ب - النسخ : ٣ - النسخ : رفع الشارع حكما من أحكامه بدلیل لاحق، والفرق بينه وبين الاستثناء : أن النسخ (١) القواعد لابن رجب ص ٤١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٨ (٢) شرح جمع الجوامع ٣/٢ (٣) المستصفى ١٦٤/٢ (٤) كشاف اصطلاحات الفنون ١٨٣/١ رفع لما دخل تحت اللفظ ، والاستثناء يدخل على الكلام فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ماکان يدخل لولاه ، فالنسخ قطع ورفع ، والاستثناء منع أو إخراج ، وأن الاستثناء متصل ، والنسخ لا بد أن يكون منفصلا . (١) جـ - الشرط : ٤ - يشبه الاستثناء بإِلا وأخواتها الشرط ( التعليق )، لاشتراكهما في منع الكلام من إثبات موجبه ، ويفترقان في أن الشرط يمنع الكل، والاستثناء يمنع البعض . ويشابه الاستثناء بالمشيئة الشرط، لاشتراكهما في منع الكل وذكر أداة التعليق، ولكنه ليس على طريقه ، لأنه منع لا إلى غاية ، والشرط منع إلى غاية تحققه، كما في قولك : أكرم بني تميم إن دخلوا داري . ومن هذه الحيثية لا يدخل الاستثناء بالمشيئة في بحث التعليق والشرط . ولا يورده الفقهاء في مباحث تعليق الطلاق ، وإنما في باب الاستثناء ، لمشاركته له في الاسم . (٢) ٥ - القاعدة الأصيلة في الاستثناء : الاستثناء من النفي إثبات ، والاستثناء من الإِثبات نفي ، فنحو : ما قام أحد إلا زيدا ، يدل على إثبات القيام لزيد ، ونحو: قام القوم إلا زيدا ، يدل على نفي القيام عنه . وفي هذا خلاف أبي حنيفة ومالك . فأما أبو حنيفة فقد قيل : خلافه في المسألتين . وقيل : بل في الثانية فقط ، فقد قال : إن (١) المستصفى ٢/ ١٦٤، وروضة الناظر ص ١٣٢ (٢) ابن عابدين ٢/ ٥٠٩، وشرح فتح القدير ٣/ ١٤٣ بولاق - ١٨٥ - استثناء ٦ المستثنی من حیث الحکم مسكوت عنه غیر محكوم عليه ، فزيد في المثال المتقدم غير محكوم بقيامه ولا بعدمه . وحاصل الخلاف في نحو : قام القوم إلا زيدا، أن الجمهور يقولون : إن زيدا بالاستثناء دخل في عدم القيام . وعند الحنفية انتقل إلى عدم الحكم . وعند الفريقين هو مخرج من الكلام الأول . (١) وأما مالك فيوافق الجمهور على أن الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان ، أما في الأيمان فليس الاستثناء إثباتا . فمن حلف : لا يلبس اليوم ثوبا إلا الكتان، يحنث عند الجمهور إذا قعد ذلك اليوم عاريا فلم يلبس شيئا ، لأنه لما كان النفي إثباتا فقد خلف أن يلبس الكتان، فإِذا لم يلبسه وقعد عاريا حنث . أما عند مالك فلا يحنث ، وهو أحد الوجهین عند الشافعية ، ووجّه القرافي ذلك بأن ( إلا ) في هذا المثال ونحوها صفة ، فهي بمعنى غير ، فيكون قد حلف على ألّ يلبس ثيابا مغايرة للكتان . ووجّهه أيضا بأن معنى الكلام : أن جميع الثياب محلوف عليها غير الكتان . (٢) (١) شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢/ ١٥، ١٦، وشرح مسلم الثبوت ٣٢٦/١ وما بعدها. (٢) شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢/ ١٥، ١٦، والأشباه للسيوطي ص ٢٨٨ أنواع الاستثناء : ٦ - الاستثناء إما متصل وإما منفصل . فالاستثناء المتصل : ماكان فيه المستثنى بعض المستثنى منه . نحو جاء القوم إلا زيدا. والاستثناء المنقطع : (ويسمى المنفصل أيضا) ما لم يكن فيه المستثنى بعض المستثنى منه، مثل قوله تعالى : (( مَاَ لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّ اتَّبَاعَ الظَّنِّ ))(١) فإِن اتباع الظن ليس علما. (٢) ويتبين من هذا أن الاستثناء المنقطع لا إخراج به ، ولا يكون من المخصصات ، لأن المستثنى لم يدخل أصلا . هذا ولابد للاستثناء المنقطع من المخالفة بين المستثنى والمستثنى منه بوجه من الوجوه، فيما يتوهم فيه الموافقة . والفائدة فيه دفع هذا التوهم ، وهو في ذلك شبيه بـ (لكن)، فإِنه للاستدراك ، أي دفع التوهم من السابق . وأشهر صور المخالفة: أن ينفي عن المستثنى الحكم الذي ثبت للمستثنى منه ، نحو: جاءني المدرسون إلا طالبا ، فقد نفينا المجيء عن الطالب بعدما أثبتناه للمدرسين . ولما كان الاستثناء المنقطع لا إخراج به، فإِنه لا يكون استثناء حقيقة ، بل هو مجاز . (٣) قال المحلي : هذا هو الأصح ، بدليل أنه يتبادر إلى الذهن المتصل دون المنقطع . وعلى هذا جاء حد الاستثناء فيما سبق، فقد عرف بما لا يشمل (١) سورة النساء / ١٥٧ (٢) في كشاف اصطلاحات الفنون أنه: ليس جميع أدوات الاستثناء تصلح في الاستثناء المنقطع، وإنما ذلك في ((إلا))، (وغیر» و«بید أن» خاصة. (٣) كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ١٨٤، وشرح مسلم الثبوت ٣١٦/١ وانظر مصطلح (أيمان) - ١٨٦ - استثناء ٧ - ٩ المنقطع (١) وفي المسألة أقوال أخرى موطن تفصيلها كتب الأصول . صيغة الاستثناء : أ - ألفاظ الاستثناء: ٧ - يذكر اللغويون والأصوليون للاستثناء الحقيقي الألفاظ التالية : إلا ، وغير، وسوى ، وخلا ، وعدا ، وحاشا ، وبيد ، وليس ، ولا يكون . (٢) ب - الاستثناء بالمشيئة ونحوها : ٨ - شرع الله تبارك وتعالى هذا النوع من الاستثناء ، فقد قال لنبيه بَّهُ: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنّ فَاعِلٌ ذَلِك غَدَأَ إلَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ). (٣) قال القرطبي : عاتب الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام على قوله للكفار حين سألوه عن الروح، والفتية، وذي القرنين: ( ائتوني غدا )(٤) ولم يستثن في ذلك . فاحتبس الوحي عنه خمسة عشريوما ، حتى شق ذلك عليه ، وأرجف الكفار به ، فنزلت عليه سورة الكهف ، وأمر في هذه الآية منها: ألا يقول في أمر من الأمور : إني أفعل غدا كذا وكذا إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل ، حتى لا يكون محققا لحكم الخبر ، فإنه إذا قال : لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبا ، وإذا قال لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محققا للمخبر عنه . قال القرطبي : وقال ابن عطية : في الكلام (١) شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢/ ١٢ (٢) روضة الناظر ص ١٣٢ (٣) سورة الكهف / ٢٣ (٤) حديث السؤال عن ذي القرنين أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن مجاهد مرسلا (الدّر المنثور ٢١٧/٤ ط الميمنية) حذف ، تقديره إلا أن تقول : إلا أن يشاء الله . أو : إلا أن تقول : إن شاء الله . وقال : والآية ليست في الأيمان ، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين، (١) وأوضح كذلك أن آخر الآية ، وهو قوله تعالى : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ). (٢) يدل - على أحد الأقوال في تفسيرها - أنه إذا نسي الاستثناء بالمشيئة يقوله بعد ذلك إذا تذكره . فعن الحسن أنه قال : مادام في مجلس الذكر ، وعن ابن عباس ومجاهد : ولو بعد سنة ، وعن ابن عباس: سنتين . فيحمل على تدارك التبرك بالاستثناء. فأما الاستثناء المفيد حكما - يعني في اليمين ونحوها - فلا يصح إلا متصلا. هذا، وإن الاستثناء بالمشيئة ونحوها يدخل في كلام الناس في الأخبار، والأيمان، والنذور، والطلاق، والعتاق، والوعد، والعقد، وغير ذلك . ثم يكون له أثره في حل اليمين ونحوها . استثناء عددين بينهما حرف الشك : ٩ - إذا قال : له على ألف درهم إلّا مائة درهم أو خمسين درهما، فقد اختلف في الحاصل على قولين: الأول : وهو الأصح عند الحنفية : يلزمه تسعمائة، ووجهه أنه لما كان الاستثناء تكلما بالباقي بعد الثنيا شككنا في المتكلّم به، والأصل عدم شغل الذمم، فثبت الأقل. والثاني : وهو ظاهر مذهب الشافعي، ورواية عند الحنفية : أن الاستثناء ((خروج بعد دخول)). (١) الجامع لأحكام القرآن ٣٨٥/١٠ (٢) سورة الكهف / ٢٣ - ١٨٧ - استثناء ١٠ - ١١ يلزمه تسعمائة وخمسون، فإنه لما دخل الألف صار الشك في المُخْرَج، فيخرج الأقل. (١) وتفصيل ذلك في الإِقرار، والملحق الأصولي . الاستثناء بعد جمل متعاطفة : ١٠ - إذا ورد الاستثناء بإلا ونحوها بعد جمل متعاطفة بالواو فعند الحنفية والفخر الرازي من الشافعية: الظاهر أنه يتعلق بالجملة الأخيرة فقط . وعند جمهور الشافعية ومن وافقهم: الظاهر أنه يعود إلى الكل . وقال الباقلاني بالتوقف في عوده إلى ما عدا الأخير . وقال الغزالي بالتوقف مطلقا . وقال أبو الحسين المعتزلي : إن ظهر الإضراب عن الأولى، كما لو اختلف بالإِنشائية والخبرية، أو الأمرية والنهيية، أو لم يكن اشتراك في الغرض المسوق له الكلام، فإنه يعود للأخيرة فقط، وإلا فللجميع . والنزاع كما ترى في الظهور. ولا تتأتى دعوى النصوصية في واحد من الاحتمالات المذكورة. ولم ينازع أحد أيضا في إمكان عود الاستثناء إلى الأخيرة وحدها، وإمكان عوده إلى الكل، فقد ثبت ذلك في اللغة، هذا إذا كان العطف بالواو، أما إذا كان العطف بالفاء أو ثم فالخلاف قائم أيضا، لكن ذهب بعض الشافعية - كإمام الحرمين والآمدي - إلى أنه يعود حينئذ إلى الأخير . واحتج الحنفية بأن حكم الجملة الأولى ظاهر في الثبوت عموما، ورفعه عن البعض بالاستثناء مشكوك فيه لجواز كونه للأخيرة فقط، فلا يرفع (١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٥٩ حكم الأولى، لأن الظاهر لا يعارضه المشكوك. بخلاف الأخيرة، فإِن حكمها غير ظاهر، لأن الرفع ظاهر فيها فيما لا صارف له، فيتعلق بها . واحتجوا ثانيا بأن الاتصال من شرط الاستثناء، والاتصال ثابت في الجملة الأخيرة، أما فيما قبلها فإِنها متصلة بالعطف، إلا أن الاتصال بالعطف فقط ضعيف، فلا يعتبر إلا بدليل آخر موجب لاعتبار هذا الاتصال. والشافعية ومن معهم احتجوا بالقياس على الشرط، فإِنه إذا تعقب جملا رجع إليها اتفاقا . واحتجوا أيضا بأن العطف يجعل المتعدد كالمفرد، فالمتعلق بالواحد هو المتعلق بالكل. وبأن الغرض من الاستثناء قد يتعلق بالكل، فإما أن يكرر الاستثناء بعد كل جملة، وإما أن يؤتى به بعد واحدة فقط، أويؤتى به بعد الجميع. فالتكرار مستهجن، فبطل الأول. وفي الثاني ترجيح من غیر مرجح، فبقي الوجه الثالث، فيلزم الظهور فيه. ١١ - ومما اختلف فيه بناء على هذه القاعدة قول الله تبارك وتعالى: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَاِجْلِدُوهُمْ ثَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً، وأَوْلِك هُمُ الفَاسِقُونَ، إلا الذينَ تَابُوا ... )(١) قال الحنفية: الذين تابوا من القاذفين لا تقبل شهادتهم، والاستثناء عائد على الحكم بفسقهم. وقال الشافعية ومن وافقهم : تقبل شهادتهم ، لأن الاستثناء يعود على الجمل الثلاث . (١) مسلم الثبوت وشرحه ٣٣٢/١ -٣٣٨، وشرح جمع الجوامع ١٧/٢ - ١٩، وروضة الناظر ص ١٣٥، والآية من سورة النور/ ٤ - ١٨٨ - استثناء ١٢ - ١٦ أما الجلد فاتفق على عدم سقوطه بالتوبة لأجل الدليل المانع من تعلق الاستثناء بقوله تعالى : (فاجلدوهم ثمانين جلدة)(١) والمانع هوكون الجلد حقا للآدمي، وحق الآدمي لا يسقط بالتوبة . الاستثناء بعد المفردات المتعاطفة : ١٢ - إن كان الاستثناء بعد مفردات متعاطفة فالخلاف فيه كالخلاف في الجمل، ولكن صرح الشافعية بأنه أولى بعوده للكل من الوارد بعد الجمل المتعاطفة، وذلك لعدم استقلال المفردات . نحو: تصدق على الفقراء والمساكين وابن السبيل إلا الفسقة منهم . الاستثناء العرفي بعد المتعاطفات : ١٣ - أما الاستثناء العرفي بإن شاء الله ونحوها، فإنه إذا تعقب جملا نحو: والله لا آكل ولا أشرب إن شاء الله، فيتعلق بالجميع اتفاقا. ووجهه أنه شرط وليس من حقيقة الاستثناء، والشرط مقدم تقدیرا، ؛ لأن له صدر الكلام باتفاق النحاة، فيصح تعلقه بالأول، لأنه مقارن له تقديرا. بخلاف الاستثناء فإِنه مؤخر لفظا أو تقديرا (٢) الاستثناء بعد الاستثناء : ١٤ - هذا النوع من الاستثناء ينقسم قسمين : الأول : الاستثناءات المتعددة المتعاطفة نحو: له علي عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة، وإلا اثنين . (١) سورة النور / ٤ (٢) مسلم الثبوت وشرحه ٣٣٢/١ -٣٣٨، وشرح جمع الجوامع ١٧/٢ - ١٩، وروضة الناظر ص ١٣٥، والتمهيد للأسنوي ٣٩٢ - ٣٩٣ وحكمها أن تعود كلها إلى المستثنى منه المذكور قبلها. فيلزمه في المثال المذكور واحد فقط . الثاني : الاستثناءات المتوالية بدون عاطف إن لم يكن أحدها مستغرقا لما قبله، فإن كلا منها يعود إلى ما قبله. فلوقال : له علي عشرة إلا سبعة، إلا خمسة، إلا درهمين ، صح ، وكان مقرا بستة ، فإِن خمسة إلا درهمين عبارة عن ثلاثة استثناها من سبعة بقي أربعة ، استثناها من عشرة بقي ستة . (١) وإن كان أحد الاستثناءات مستغرقا لما قبله فإِنها لا تبطل، بل تعود جميعها إلى المستثنى منه، وفي ذلك تفصيل واختلاف . (٢) شروط الاستثناء ١٥ - شروط الاستثناء عامة ، ماعدا شرط الاستغراق ، فإنه لا يأتي في الاستثناء بالمشيئة، وقد صرح بذلك الرملي، (٣) وسيأتي أيضا أن شرط القصد مختلف فيه في الاستثناء بالمشيئة . الشرط الأول : ١٦ - يشترط في الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه ، بألا يكون مفصولا بما يعد في العادة فاصلا . فلو كان مفصولا بتنفس أو سعال أو نحوهما لم يمنع الاتصال ، وكذلك إن حال بين المستثنى والمستثنى منه كلام غير أجنبي، ومنه النداء ، لأنه للتنبيه والتأكيد . أما إن سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو فصل بكلام أجنبي، أو عدل إلى شيء آخر استقرحكم المستثنى فلم يرتفع ، بخلاف مالا يمكن، كما لو أخذ آخذ بفمه فمنعه (١) شرح المحلي على جمع الجوامع ١٧/٢، والمغني ١٤٧/٥ (٢) التمهيد ص ٣٩١ (٣) نهاية المحتاج ٦/ ٤٥٥ - ١٨٩ - استثناء ١٦ - ١٧ الكلام . (١) هذا هو القول المقدم عند الأصوليين والفقهاء، ويشترط لتحقق الاتصال أن ينوي الاستثناء في الكلام السابق ، فلولم ينو إلا بعد فراغ المستثنى منه لم يصح . وعند المالكية : العمدة مجرد الاتصال سواء نوى أول الكلام ، أو أثناءه، أو بعد فراغ المستثنى منه . وقد نقل خلاف هذا عن قوم . فعن ابن عباس يجوز الاستثناء إلى شهر، وقيل أبداً . وعن سعيد ابن جبير : إلى أربعة أشهر ، وعن عطاء والحسن : يجوز في المجلس ، وأومأ إليه أحمد في الاستثناء في اليمين، (٢) وعن مجاهد: إلى سنتين . وقيل : مالم يأخذ في كلام آخر . وقيل : إن نوى الاستثناء في أثناء الكلام جاز التأخير بعده . ونسب هذا القول إلى الإِمام أحمد .. وقيل : يجوز التأخير في كلام الله تعالى خاصة . وما ورد أن النبي وَيّ لما حرم مكة، وقال: ((لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها))، قال العباس: (( يا رسول الله إلا الإِذخر، فإِنه لقينهم وبيوتهم))، فقال: ((إلا الإِذخر))(٣) فهذا ظاهره أنه استثناء منفصل. فحمل على أنه استثناء من محذوف مقدر . (١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤ /٤٥٨، وحاشية الدسوقي ٣٨٨/٢ (٢) روضة الناظر ص ١٣٢ (٣) حديث: ((لا يختلى شوكها ... )) أخرجه البخاري ((فتح الباري ٢٠٥/١٢ ط السلفية)) والقين : الحداد ، واختلى الشوك : جزّه رطبا ، وعضد الشجر : ضربه ليسقط ورقه . فكأنه كرر القول ، فلا يتعلق بالكلام المذكور أولا (١) وحجة الجمهور القائلين بوجوب الاتصال ، أن القول بجواز الاستثناء غير المتصل يستلزم ألا يجزم بصدق أو كذب في شيء من الأخبار لاحتمال الاستثناء ، وكذلك لا يثبت عقد من العقود ، ولإجماع أئمة اللغة على وجوب الاتصال. فلو قال : له عشرة، ثم زاد بعد شهر : إلا ثلاثة يعد لغوا . ولعل ما روي عن ابن عباس ، ومن قال شبه قوله، إنما قصد به أن من نسي أن يقول: ((إن شاء الله)) يقولها متى تذكر ذلك ، ولو بعد مدة طويلة ، امتثالا للآية ، وليس في الاستثناء الموجب رفع حكم المستثنى(٢) كما تقدم . الشرط الثاني : ١٧ - ويشترط في الاستثناء ألّ يكون المستثنى مستغرقا للمستثنى منه ، فإن الاستثناء المستغرق للمستثنى منه باطل اتفاقا ، إلا عند من شذ . وادعى البعض الإِجماع عليه. فلوقال: (( له عليّ عشرة إلا عشرة)) لغا قوله ((إلا عشرة)) ولزمه عشرة كاملة . وممن شذ ابن طلحة المالكي في المدخل ، نقل عنه القرافي أنه قال فيمن قال لزوجته: ((أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا)): لا يقع عليه طلاق . (٣) (١) شرح مسلم الثبوت ٣٢٠/١، ٣٢١ (٢) تفسير القرطبي ٣٨٥/١٠، وشرح جمع الجوامع وحاشية البناني ١٠/٢ وما بعدها (٣) جمع الجوامع وشرحه ٢/ ١٤ - ١٩٠ - استثناء ١٨ - ١٩ وعند الحنفية في ذلك تفصيل ، فهم يوافقون على بطلان الاستثناء إن كان بعين لفظ المستثنى منه ، كقوله : عبيدي أحرار إلا عبيدي ، أو بلفظ مساوٍ له ، كقوله : نسائي طوالق إلا زوجاتي . أما إن كان بغير هما كقوله : ثلث مالي لزيد إلا ألفا ، والثلث ألف . فيصح الاستثناء ولا يستحق زيد شيئا . فالشرط عند الحنفية إيهام البقاء لا حقيقته ، حتى لوطلقها ستا إلا أربعا صح ، ووقع ثنتان . وإن كانت الستة لا صحة لها من حيث الحكم ، لأن الطلاق لا يزيد عن ثلاث ، ومع هذا لا يجعل كأنه قال : أنت طالق ثلاثا إلا أربعا، فكأن اعتبار اللفظ أولى . (١) وجعل صاحب المغني من الحنابلة من الاستثناء المستغرق أن يقول مثلا : ((له علي ثلاثة دراهم ودرهمان إلا درهمين)) فلا يصح الاستثناء ، ويلزمه جميع ما أقربه ، وهو في مثالنا خمسة دراهم. (٢) استثناء الأكثر والأقل : ١٨ - أكثر العلماء على أنه يجوز استثناء النصف، وما زاد على النصف، ما لم يكن مستغرقا كما تقدم ، نحو: ((له علي عشرة إلا ستة(٣) أو: له علي عشرة إلا خمسة)). ونسب صاحب فواتح (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٥٨/٤، ومسلم الثبوت ٣٢٣/١، ٣٢٤ (٢) المغني لابن قدامه ٥/ ١٥٩، ١٦٠ نشر مكتبة الرياض الحديثة (٣) ابن عابدين ٤ / ٤٥٨ الرحموت هذا القول إلى الحنفية، والأكثر من المالكية والشافعية . وخالف في ذلك الحنابلة، والقاضي أبوبكر الباقلاني من المالكية . (١) قيل : إنما يمنع الحنابلة استثناء أكثر من النصف، ويجيزون استثناء النصف. وقيل: يمنعون النصف أيضا. وفي المسألة قول ثالث : أنه يمنع استثناء الأكثر إن كان كل من المستثنى والمستثنى منه عددا صريحا. قيل وبهذا قال القاضي (الباقلاني) آخرا. وقد احتج لجواز استثناء الأكثر في غير العدد بقول الله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّ مَنِ اتَّبَعَك مِنَ الْغَاوِينَ)(٢) والغاوون هم الأكثر لقوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينٍ)(٣) واحتج لجوازه أيضا في العدد باتفاق الفقهاء جميعا على لزوم واحد في الإِقرار بلفظ: ((له علي عشرة إلا تسعة)) (٤) واحتج الحنابلة بأن أئمة اللغة أنكروا أن يكون استثناء الأكثر جائزا لغة، منهم ابن جني، والزجاج، والقتيبي. قال الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا في قليل من الكثير . (٥) الشرط الثالث : ١٩ - ويشترط في الاستثناء أن يكون المستثنى مما يدخل تحت المستثنى منه، واختلف العلماء في (١) في فواتح الرحموت أنه من الشافعية، والصواب أنه مالكي كما في الأعلام للزركلي ٧ / ٤٦ (٢) سورة الحجر ٤٢ (٣) سورة يوسف ١٠٣ (٤) فواتح الرحموت ٣٣٥/١، ٣٣٦، وجمع الجوامع وشرح المحلي ١٤/٢ (٥) روضة الناظر ص ١٣٣ - ١٩١ - استثناء ١٩ - ٢٠ صحة الاستثناء إذا كان المستثنی من غیر جنس المستثنى منه، فجوزه مالك، والشافعي، والباقلاني، وجماعة من المتكلمين. ومثال ذلك قوله: له عليّ ألف من الدنانیر إلا فرسا)». وكذا لوقال : له عليّ فرس إلا عشرة دنانير ، فيجبر على البيان فإن استغرقت القيمة المقرَّبِهِ بطل الاستثناء. ولزمه الألف بتمامها. (١) وأما الحنفية ، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يصح استحسانا استثناء المقدر من المقدر الكيلي والوزني، والمعدود الذي لا تتفاوت آحاده، كالفلوس والجوز، من الدراهم والدنانير. وذلك لأنها تثبت في الذمة فاعتبرت جنسا واحدا، فكانت كالذهب والفضة. وتطرح قيمة المستثنى مما أقر به . ويصح عندهما هذا النوع من الاستثناء ولو استغرقت القيمة جميع ما أقرّ به ، لاستغراقه بغير المساوي . والقول الآخر للحنفية أنه لا يصح، وهو قول محمد وزفر. وهو القياس. أما في غير المقدرات، كما لوقال: له علىّ مائة درهم إلا ثوبا، فلا يصح عند الحنفية جميعا، قياسا واستحسانا . وعند الحنابلة الاستثناء من غير الجنس لا يصح إلا أن يستثنی الدراهم من الدنانير، أو الدنانير من الدراهم. وفي رواية عندهم لا يصح مطلقا. وحجة المجيزين أن الاستثناء من غير الجنس ورد في القرآن ، منه قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ (١) حاشية الدسوقي ٤١١/٣ ط دار الفكر. الْجِنٍ). (١) وقال الله تعالى: (لَا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغْوَاً وَلاَ تَأْثِيماً إِلّ قِيلًا سَلَامَاً سَلَامَاً)(٢) وحجة المانعين أن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه . وغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام ، فإذا ذكره فما صرف الكلام عن صوبه، ولا ثناه عن وجه استرساله ، فلا يكون استثناء ، وإنما يسمى هذا النوع استثناء مجازا ، وهو ما تقدم بيانه في الاستثناء المنقطع (ف/٦) وإنما هو في الحقيقة استدراك ، وتكون إلا بمعنى لكن ، فإِذا ذكر الاستدراك بعد الإِقرار ، كأن قال : له عندي مائة درهم إلا ثوبا لي عليه كان باطلا ، لأنه يكون مقرا بشيء، مدعيا لشيء سواه، فيقبل إقراره، وتبطل دعواه وهي الاستثناء . وحجة من فرق بين الأثمان وغيرها أن قدر الدنانير من الدراهم معلوم ، ويعبر بأحدهما عن الآخر ، فإِذا استثنى أحدهما من الآخر علم أنه أراد التعبير بأحدهما عن الآخر، فإِن قوما يسمون عشرة دراهم دينارا ، وفي بلاد أخرى يسمون ثمانية دراهم دينارا . (٣) الشرط الرابع : التلفظ بالاستثناء ٢٠ - ذهب ابن حبيب من المالكية إلى أنه يجزىء في الاستثناء تحريك الشفتين إن لم يكن مستحلفا، فإِن كان مستحلفا لم يجزئه إلا الجهر . (١) سورة الكهف / ٥٠ (٢) سورة الواقعة / ٢٥ (٣) ابن عابدين ٤٥٨/٤، والمغني لابن قدامه ٥/ ١٥٤ وما بعدها ط الرياض. وروضة الناظر ص ١٣٢، والإِحكام للآمدي ٨٥/٢ وما بعدها ط محمد صبيح. - ١٩٢ - استثناء ٢٠ - ٢٢ وقال ابن القاسم : ينفعه وإن لم يسمعه المحلوف له . (١) واشترط الشافعية للاستثناء أن يتلفظ به بحیث يسمع غيره، وإلا فالقول قول خصمه في النفي، وحكم بالوقوع إذا حلف الخصم على نفي الاستثناء . هذا فيما يتعلق به حق الغير، أما فيما عداه فيكفي أن يسمع نفسه، إن اعتدل سمعه ولا عارض، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. (٢) ولم يظهر للحنابلة تعرض لصفة النطق المعتبرة في الاستثناء، غير أنهم فرقوا في نية الاستثناء بالقلب بين أن يكون المستثنى منه المنطوق به عاما، كقوله : نسائي طوالق، واستثنى بقلبه واحدة، فيكون له استثناؤه ديانة لا قضاءً ، لأن قوله ((نسائي)) اسم عام يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له، وبين أن يكون نصا فيما يتناوله لا يحتمل غيره كالعدد، فلا يرتفع بالنية ما ثبت باللفظ، كقوله: نسائي الأربع أو الثلاث طوالق، فلا يقبل استثناؤه ظاهرا، وقيل لا يقبل ولا باطنا. (٣) وعند الحنفية الصحيح أنه إذا تكلم بالطلاق واستثنى فلابد أن يكون استثناؤه مسموعا، والمراد ما شأنه أن يسمع، بحیث لو قرب شخص أذنه إلى فمه يسمع استثناءه، ولو حال دون سماع المنشىء للكلام صمم أو كثرة أصوات. وفي قول الكرخي من الحنفية ليس من شرط صحة الاستثناء أن يكون (١) المواق بهامش الخطاب ٢٦٨/٣ (٢) نهاية المحتاج ٦ / ٤٥٦، وحواشي تحفة المحتاج للشرواني-٧/ ٦٢ (٣) كشاف القناع ٢٧٢/٥، والمغني ٧/ ١٥٨ ط ٣ بلفظ مسموع(١) ويقول الحنفية أيضا : إن الاستثناء بالكتابة صحيح ، حتى لو تلفظ بالطلاق وكتب الاستثناء موصولا ، أوعكس ، أو أزال الاستثناء بعد الكتابة لم يقع الطلاق. (٢) وجاء في التتار خانية من كتب الحنفية: أن الزوجة إذا سمعت الطلاق ولم تسمع الاستثناء لا يسعها أن تمكنه من الوطء، ويلزمها منازعته . ٢١ - ولو اختلف الزوجان في صدور الاستثناء ، فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة ، فيقبل قوله . وهذا ظاهر الرواية عن أبي حنيفة . وهو المذهب . وفي قول عند الحنفية : لا يقبل إلا ببينة ، وعليه الاعتماد والفتوى احتياطا لغلبة الفساد ، إذ قد يعلمه ذلك حيلةً بعضُ من لا يخاف الله تعالى ، ولأن دعوى الزوج خلاف الظاهر ، فإِنه بدعوى الاستثناء يدعي إبطال الموجب بعد الاعتراف به . فالظاهر خلاف قوله ، وإذا عم الفساد ينبغي الرجوع إلى الظاهر . وفي قول ثالث عندهم نقله ابن الهمام عن المحيط إن عرف الزوج بالصلاح فالقول قوله تصديقا له ، وإن عرف بالفسق أو جهل حاله فلا ، لغلبة الفساد . وأيده ابن عابدين . (٣) ولم نطلع على نصوص لغير الحنفية في هذه المسألة . الشرط الخامس : القصد : ٢٢ - اشترط المالكية، والشافعية، والحنابلة لصحة (١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥١٠، ٥١٤ (٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥١٠ (٣) ابن عابدين ٢/ ٥١١ - ١٩٣ - استثناء ٢٢ - ٢٤ ٠٠٠ الاستثناء في اليمين والطلاق القصد، سواء أكان الاستثناء حقيقيا، بإِلا أو إحدى أخواتها ، أم عرفيا، بإن شاء الله ونحوه . فلا يفيد الاستثناء الحالف إلا أن يقصد معنى الاستثناء أي : حل اليمين، لا إن قصد مجرد التبرك ، أولم يقصد شيئا . وكذا لابد أن يقصد التلفظ به ، فلوجرى الاستثناء على لسانه سهوا لم ينفعه . وقد اتفقوا أيضا على صحة هذا القصد إن تحقق في أول النطق بالكلام المشتمل على الاستثناء، أو في أثنائه وقبل الفراغ منه . أما إن وجدت النية بعد الفراغ منه فهي صحيحة عند الحنابلة بشرط الاتصال . أما المالكية والشافعية فلكل منهم قولان : الأول وهو المقدم عند المالكية ، ومقابل الأصح عند الشافعية : أن النية صحيحة وينحل بها اليمين أو الطلاق بشرط الاتصال كما تقدم ، والقول الثاني ، وهو غير المقدم عند المالكية وهو الأصح عند الشافعية: أن القصد بعد الفراغ لا يصح ، فتنعقد اليمين ، ويقع الطلاق .(١) أما الحنفية فقد صرحوا بعدم اشتراط القصد في الاستنثاء بالمشيئة ، فيكون عدم اشتراطه في الاستثناء بإِلا وأخواتها من باب أولى. (٢). وهذا ما قاله ( أسد ) من الحنفية، وهو ظاهر المذهب ، لأن الطلاق مع الاستثناء ليس طلاقا . وكذا إذا قال: ((إن شاء الله)) من لا يعرف معناها . والقول الآخر عندهم أنه يفتقر إلى نية، (١) نهاية المحتاج ٦/ ٤٥٥، والمغني ٨/ ٧١٧، وحاشية الدسوقي ١٢٩/٢، ١٣٠، ٣٨٨ (٢) فتح القدير ١٤٣/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥١٠ وهو قول ( خلف ) . (١) جهالة المستثنى بإِلا وأخواتها : ٢٣ - الاستثناء من حيث الجهالة نوعان : الأول : ما سوى العقود، كالإِقرار، فيجوز أن يستثني المتكلم شيئا مجهولا كأن يقول المقر: له عندي ألف دينار إلا شيئا، أو: إلا قليلا، أو: إلا بعضها، أو يقر له بدار ويستثني غرفة منها دون أن یعینها . وكما يجري في الإِقرار يجري في غيره من النذر واليمين والطلاق وغيرها . ويطالب المتكلم ببيان ما أبهمه ، ويلزمه ذلك إن تعلق به حق الغير ، وفي حكم ذلك في الأبواب المختلفة تنظر المصطلحات الخاصة بتلك الأبواب . النوع الثاني : العقود ، والاستثناء المبهم في العقود باطل ومفسد للعقد . (٢) وفي الحديث (( نهى النبي ◌َّ عن الثنيا إلا أن تعلم)).(٣) وعلة ذلك أن المعقود عليه يشترط أن يكون معلوما ، فلو كان ما استثنى غير معلوم عاد المستثنى منه غير معلوم ، كمن باع ثوبا إلا شيئا منه . ٢٤ - وقد وضع الحنفية قاعدة لما يجوز استثناؤه في العقود بأن (( ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح (١) فتح القدير ١٤٣/٣، والدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥١٠ (٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٧٩ ط مصطفى الحلبي. (٣) الحديث أخرجه النسائي ٧/ ٢٩٦ ط المكتبة التجارية، والترمذي ٥٨٥/٣ ط الحلبي وإسناده صحيح. - ١٩٤ - ١ استثناء ٢٥ - ٢٧ استثناؤه من العقد)» فبيع قفيز من صبرة جائز، فكذا استثناؤه . (١) واشترط المالكية كذلك معلومية المستثنى ، فلو استثنى جزءاً شائعا فله استثناء ماشاء ، أما إن استثنى قدرا معلوما بالكيل من صبرة باعها جزافا ، أو أرطالا من لحم شاة ، لم يجز أن يستثني أكثر من قدر الثلث ، ويجوز عندهم استثناء جلد وساقط من رأس وأكارع ، في السفر فقط ، وإنما جاز استثناؤهما في السفر فقط لخفة ثمنهما فيه دون الحضر . (٢) والحنابلة في اشتراط كون المستثنى معلوما يوافقون الحنفية ، ويقولون بالقاعدة التي قرروها في هذه المسألة ، وإن كانوا يخالفونهم في بعض آحاد المسائل، لمخالفتهم في تحقق مناط الحكم فيها ، فهم مثلا يجيزون استثناء الرأس والأطراف من الشاة المبيعة، لأنهم اعتبر وها معلومة . واحتجوا بأن النبي ◌ّر لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة ، مروا براعي غنم ، فذهب أبوبكر وعامر ، فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها . (٣) مايثبت فيه حكم الاستثناء الحقيقي : ٢٥ - حكم الاستثناء الحقيقي عند الجمهور التخصيص، وعند الحنفية القصر ، لأنهم يشترطون في المخصص أن يكون مستقلا . ويثبت (١) ابن عابدين ٤ / ٤٠، ٤١ (٢) حاشية الدسوقي ١٨/٣ (٣) المغني ٤ / ١٠٠ - ١٠٣ ط الثالثة، وسلب الذبيحة: إهابها وكراعها وما في بطنها - لسان العرب. حكمه هذا حيثما تمت شروطه المعتبرة التي تقدم ذكرها، فيثبت في العقود والوعود والنذور والأيمان والطلاق ، وسائر التصرفات القولية ، فلو استثنى من المبيع جزءا معلوما من العين، أو منفعة معلومة لمدة معلومة جاز ، إلا أنه قد يعرض لبعض الاستثناءات البطلان لمانع . (١) ما يثبت فيه حكم الاستثناء بالمشيئة : ٢٦ - الاستثناء بالمشيئة إذا تمت شروطه يستتبع أثره وهو: إبطال حكم ما قبله . وهذا الإِبطال إما بمعنى الحل بعد الانعقاد ، وإما بمعنى منع الانعقاد ، فإِذا بدا للحالف مثلا أن يستثني بعد تمام يمينه تنحل يمينه باستثنائه عند من أجازنية الاستثناء بعد تمام اليمين . والذي ينويه الحالف قبل الفراغ من يمينه ثم يأتي به يمنع انعقاد یمینه . (٢) ٢٧ - أما ما يبطله الاستثناء، فقد اتفق الفقهاء على أنه يبطل اليمين، (٣) لما ورد من الأحاديث التي تقدم ذكرها . وأما ماعدا ذلك فقد اختلفوا فيه على اتجاهين : الاتجاه الأول : أن الاستثناء بالمشيئة يمنع انعقاد ما اقترن به من التصرفات القولية . وهذا مذهب الحنفية والشافعية . غير أن الحنفية نصوا على أن حكم الاستثناء يثبت في صيغ الإِخبار ، وإن كان (١) القواعد لابن رجب ص ٤١، ونيل المآرب ١/ ١٠١، ١٠٢ و٤/٢ ط بولاق، وجمع الجوامع ٢/ ١٠، ومسلم الثبوت ٣١٦/١ (٢) انظر بحث الأيمان ف ٢٥٠، ٤٢٠، من الطبعة التمهيدية للموسوعة . (٣) تفسير القرطبي ٦/ ٢٧٣ ، ٢٧٤ - ١٩٥ - استثناء ٢٧ - ٢٨ إنشاء إيجاب ، لا في الأمر والنهي . فلوقال : أعطوا ثلث مالي لفلان بعد موتي إن شاء الله بطل الاستثناء وصحت الوصية . وعن الحلواني من الحنفية : أن كل ما يختص باللسان يبطله الاستثناء ، كالطلاق والبيع ، بخلاف مالا يختص به كنية الصوم ، فلا يرفعها الاستثناء فلوقال : نويت صيام غد إن شاء الله ، له أداؤه بتلك النية(١) الاتجاه الثاني : أن الاستثناء بالمشيئة لا يمنع انعقاد أي تصرف ماعدا الأيمان، وهو مذهب المالكية والحنابلة . وبه قال الأوزاعي والحسن وقتادة، فعند المالكية - باستثناء ابن المواز - أن الاستثناء (بإن شاء الله ) يبطل الأيمان ، ولا يبطل ما قبله في غير الأيمان ، فلو أقر قائلا : له في ذمتي ألف إن شاء اللّه، أو: إن قضى الله ، لزمه الألف ، لأنه لما أقر علمنا أن الله شاء أو قضى . (٢) وسواء عند المالكية أكان الطلاق والعتاق منجزا أم كان معلقا . قال ابن عبد البر من المالكية في المشيئة بعد تعليق الطلاق : إنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله تعالى ، وقول المتقدمين : الأيمان بالطلاق والعتاق إنما جاز على التقريب والاتساع ، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله، وهذا طلاق وعتاق . (٣) أما الحنابلة فقد نصوا على أن اليمين يبطلها الاستثناء. وأما غيرها فلا يؤثر فيه، كما لو قال: (١) فتح القدير ١٤٣/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥٠٦، ونهاية المحتاج ٦/ ٤٦٠، والقليوبي ٣/ ٣٤٠ (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٠٢/٣ (٣) المغني لابن قدامه ٧١٩/٨ بعتك أو وهبتك كذا إن شاء الله ، فيثبت حكم البيع والهبة . وهذا هو القول المقدم عندهم . أما الطلاق والعتاق ففي رواية : توقف أحمد عن القول فيهما . وفي رواية أخرى: قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما، وقال: من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق والعتاق لأنهما ليسا من الأيمان. ونقله صاحب المغني أيضا عن الحسن وقتادة، وقال: إن الحديث إنما تناول الأيمان، وليس هذا بيمينه، إنما هو تعليق على شرط(١) . ٢٨ - وذكر متأخرو الحنابلة في الاستثناء في الطلاق والعتاق وغيرهما قولا ثالثا ، قال ابن تيمية، ونقله رواية عن أحمد - وهو أن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل فيما يبطله الاستثناء ، أما الحلف بالطلاق والعتاق فيدخل - قال : ومن أصحابه من قال : إن كان الحلف بصيغة القسم ( كما لوقال : علي الطلاق لأفعلن كذا ) دخل في حديث الاستثناء ، ونفعته المشيئة رواية واحدة . وإن كان بصيغة الجزاء كما لوقال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق ففيه روايتان . قال ابن تيمية : وهذا القول هو الصواب المأثور عن أصحاب رسول الله وير وجمهور التابعين كسعيد والحسن ، لم يجعلوا في الطلاق استثناء ، ولم يجعلوه من الأيمان . ثم نقل عن الصحابة وجمهور التابعين أنهم جعلوا الحلف بالصدقة والهدي والعتاق ونحو ذلك يمينا مكفرة . وقال أحمد : إنما يكون (١) المغني ٧١٩/٨ - ١٩٦ - استثناء ٢٨، استجمار ١ - ٢، استحاضة ١ - ٢ الاستثناء فيما فيه كفارة. (١) وتمام القول في الاستثناء في الطلاق المعلق ينظر في بحث الأيمان ، وتمام الكلام على تفريع مسائل الاستثناء وتفصيل الكلام فيها في أبواب الفقه المختلفة، فيرجع في كل مسألة منها إلى بابها في الطلاق والعتاق والهبة واليمين والنذر وغير ذلك، وما يتعلق منه بالمباحث الأصولية يرجع إليه في الملحق الأصولي . استجمار التعريف : ١ - الاستجمارلغة: الاستنجاء بالحجارة، مأخوذ من الجمرات والجمار، وهي الأحجار الصغيرة. واستجمر واستنجى واحد. (٢) صفته ( الحكم التكليفي ) : ٢ - الاستنجاء بالحجر ونحوه وحده، أو بالماء وحده واجب عند الجمهور على التخيير، وسنة مؤكدة عند الحنفية، والجمع بينهما أفضل. ولكن يتعين الاستنجاء بالماء في المني، والحيض، والنفاس، وفي البول)، والغائط إذا انتشر انتشارا كثيرا، واختلف في بول المرأة، (٣) وتفصيل أحكام الاستجمار في مصطلح ((استنجاء)). (١) مجموع فتاوى ابن تيميه ٢٨٣/٣٥، وما بعدها . وانظر بحثا له جليل القدر في تحليل معنى الاستثناء ومواقعه في ٣٠٧/٣٥ وما بعدها . (٢) لسان العرب مادة (جمر) (٣) الدسوقي ١١١/١، وابن عابدين ١/ ٢٢٦، والمغني ١/ ١٥٩ ، ونهاية المحتاج ١٢٩/١ استحاضة التعريف : ١ - الاستحاضة لغة : مصدر استحيضت المرأة فهي مستحاضة. والمستحاضة من يسيل دمها ولا يرقأ، في غير أيام معلومة، لا من عرق الحيض بل من عرق يقال له : العاذل . (١) وعرف الحنفية الاستحاضة بأنها : دم عرق انفجر ليس من الرحم . وعرفها الشافعية بأنها : دم علة يسيل من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل، قال الرملي : الاستحاضة دم تراه المرأة غير دم الحيض والنفاس، سواء اتصل بهما أم لا . وجعل من أمثلتها الدم الذي تراه الصغيرة . (٢) الألفاظ ذات الصلة : أ - الحيض : ٢ - الحيض دم ينفضه رحم امرأة بالغة لاداء بها ولا حبل، ولم تبلغ سن الإِياس(٣) (١) طحطاوي على مراقي الفلاح ٧٦ (٢) نهاية المحتاج ٣١٥/١، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ٧٩، ومغني المحتاج ١ / ١٠٨، وشرح العناية ١/ ١٦٣، وكشاف القناع ١/ ١٧٧، وحاشية رد المحتار على الدر المختار ١٨٨/١، وفتح القدير ١٤١/١ (٣) طحطاوي على مراقي الفلاح ٧٥، وسن الإِياس هو خمس وخمسون سنة على الراجح. وانظر كشاف القناع ١٩٦/١ ، ونهاية المحتاج ٣٠٤/١، وبلغة السالك ٢٠٧/١ - ١٩٧ - استحاضة ٣ - ٧ ب - النفاس : ٣ - النفاس دم يخرج عقب الولادة، وهذا القدرلا خلاف فيه، وزاد المالكية في الأرجح: ومع الولادة، وزاد الحنابلة: مع ولادة وقبلها بيومين أو ثلاثة. (١) ٤ - وتفترق الاستحاضة عن الحيض والنفاس بأمور منها : أ - الحيض له وقت، وذلك حين تبلغ المرأة تسع سنین فصاعدا، فلا یکون المرئی فیما دونه حیضا، وكذلك ما تراه بعد سن اليأس لا یکون حیضا عند الأكثر، أما الاستحاضة فليس لها وقت معلوم. ب - الحيض دم يعتاد المرأة في أوقات معلومة من كل شهر، أما الاستحاضة فهي دم شاذ يخرج من فرج المرأة في أوقات غير معتادة . جـ ـ الحيض دم طبيعي لا علاقة له بأي سبب مرضي، في حين أن دم الاستحاضة دم ناتج عن فساد أو مرض أو اختلال الأجهزة أو نزف عرق . د۔ لون دم الحيض أسود ثخين منتن له رائحة كريهة غالبا، بينما لون دم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له. هـ ــ دم النفاس لا يكون إلا مع ولادة. الاستمرار عند الحنفية : ٥ - الاستحاضة غالبا ما تحصل بالاستمرار ، وهو : زيادة الدم عن أكثر مدة الحيض أو النفاس، وهذا عند الحنفية إذ لم يعتبر الاستمرار بهذا المعنى غيرهم ، والاستمرار إما أن يكون في المعتادة أو في المبتدأة . (١) نهاية المحتاج ٣٠٥/١، وابن عابدين ١٩٩/١، وكشاف القناع ٢١٨/١، وبلغة السالك ٢١٦/١ الاستمرار في المعتادة : ٦ - إذا استمردم المعتادة وجاوز أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت، وترد إلى عادتها في الحيض والطهر في جميع الأحكام، بشرط أن يكون طهرها المعتاد أقل من ستة أشهر، أما إذا كان طهرها أكثر من ستة أشهر فلا ترد إلى عادتها في الطهر، وقد بين ابن عابدين سبب ذلك فقال: لأن الطهر بين الدمين أقل من أدنى مدة الحمل عادة، وأدنى مدة الحمل كما هو معلوم ستة أشهر. وللعلماء عدة أقوال لتقدير طهر المرأة في مثل هذه الحالة أقواها قولان وهما : أ - يقدر طهرها بستة أشهر إلا ساعة ، تحقيقا للتفاوت بين طهر الحمل وطهر الحيض . (١) ب - يقدر طهرها بشهرين، وهو ما اختاره الحاكم الشهید . قال ابن عابدين : إن أكثر العلماء يقولون بالأول، ولكن الفتوى على الثاني، لأنه أيسر على المفتي والنساء. الاستمرار في المبتدأة : ٧ - ذکر البر کوي أربع حالات للمبتدأة، وهذا عند الحنفية، أما عند الأئمة الثلاثة: الشافعي، وأحمد، ومالك، فسيأتي بيان أحوالها في الموضع التالي . وثلاث من حالات المبتدأة تتصل بموضوع الاستمرار، أما الحالة الرابعة للمبتدأة عند الحنفية فستأتي ف/ ١٣ (١) منهل الواردين (مجموعة رسائل ابن عابدين) ٩٣/١ - ١٩٨ - استحاضة ٨ حالات الاستمرار في المبتدأة : ٨ - الأولى : أن يستمربها الدم من أول ما بلغت، فحينئذ يقدر حيضها من أول الاستمرار عشرة أيام، وطهرها عشرين ثم ذلك دأبها، وإذا صارت نفساء فنفاسها يقدر بأربعين يوما ، ثم بعد النفاس يقدر بعشرين يوما طهرا، إذ لا يتوالى نفاس وحیض عند الحنفية، بل لابد من طهر تام بينهما، ولما كان تقديره بين الحيضتين عشرين، فليكن كذلك بين النفاس والحيض تقديرا مطردا . الثانية : أن ترى دما وطهرا فاسدين ، والدم الفاسد عند الحنفية مازاد على عشرة أيام ، والطهر الفاسد ما نقص عن خمسة عشر يوما ، فلا يعتد بما رأت من حيث نصب العادة به ، بل يكون حيضها عشرة ولوحكما ، من حين استمربها الدم، ويكون طهرها عشرين ، وذلك دأبها حتى ترى دما وطهرا صحيحين . بيان ذلك : مراهقة ( أي مقاربة للبلوغ ) رأت أحد عشر يوما دما، وأربعة عشر ظهرا ، ثم استمربها الدم، فحيضها عشرة وطهرها عشرون ، والطهر الناقص الفاصل بين الدمين يعتبر كالدم المستمر حكما ، وعليه تكون هذه كالتي استمر بها الدم من أول مابلغت ، فيكون حيضها عشرة أيام من أول أيام الدم الأحد عشر وطهرها عشرين . هذا إذا كان الطهر فاسدا بأن كان أقل من خمسة عشر يوما ، أما إذا كان خمسة عشر يوما فأكثر وقد فسد بمخالطته دم الاستحاضة ، كمبتدأة رأت أحد عشردما وخمسة عشر طهرا ثم استمربها الدم ، فالدم الأول فاسد لزيادته على العشرة ، والطهر صحيح ظاهراً ، لأنه تام إذ هو خمسة عشريوما ، ولكنه فاسد في المعنى لأن أوله دم،وهو اليوم الزائد على العشرة ، وليس من الحيض عند الحنفية ، لأن أكثر الحيض عشرة أيام فقط عندهم فهو من الطهر ، وبما أن الطهر خالطه الدم في أوله فلا يصلح أن يكون عادة . قال ابن عابدين في شرح رسالة الحيض : والحاصل أن فساد الدم يفسد الطهر المتخلل فيجعله كالدم المتوالي ، فتصير المرأة كأنها ابتدئت بالاستمرار، ويكون حيضها عشرة وطهرها عشرين ، ولكن إن لم يزد الدم والطهر على ثلاثين يعتبر ذلك من أول ما رأت ، وإن زاد يعتبر من أول الاستمرار الحقيقي ، ويكون جميع مابين دم الحيض الأول ودم الاستمرار طهرا . (١) الثالثة : أن ترى دما صحيحا ، وطهرا فاسدا ، فإِن الدم الصحيح يعتبر عادة لها فقط ، فترد إليه في زمن الاستمرار ، ويكون طهرها أثناء الاستمرار بقية الشهر . فلورأت المبتدأة خمسة دما وأربعة عشر طهرا ثم استمر الدم ، فحيضها خمسة وطهرها بقية الشهر خمسة وعشرون ، فتصلي من أول الاستمرار أحد عشريوما تكملة الطهر ، ثم تترك الصلاة خمسة ، ثم تغتسل وتصلي خمسة وعشرين وهكذا ، وكذلك الحكم إذا كان الطهر فاسدا في المعنى فقط ، كما لو رأت المبتدأة ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ، ثم يوما دما ثم خمسة عشر طهرا ثم استمربها الدم ، فإِن اليوم الذي رأت فيه الدم - وقد توسط بين الطهرين - أفسدهما معا لأنه لا يعتبر حيضا فهو من الطهر ، ، ، وواحـ وعليه : فالأيام الثلاثة الأولى حـ (١) شرح رسالة الحيض مجموعة رسائل ابن عابدين ١/ ٩٤ - ٩٦ - ١٩٩ - استحاضة ٩ - ١١ وثلاثون يوما طهر ، ثم تستأنف من أول الاستمرار فثلاثة حيض ، وسبعة وعشرون طهر ، وهكذا دأبها ، وبهذا تشترك هذه المسألة مع السابقة في الحكم ، من حيث نصب العادة عند الاستمرار في كل شهر . وإذا كان الطهر الثاني الذي مربها قبل الاستمرار طهرا فاسدا - لأنه أقل من خمسة عشر يوما - فالحكم يختلف عما تقرر ، لأنه أمكن اعتبار اليوم الذي رأت فيه الدم بعد الخمسة عشر الأولى من أيام الحيض . فلورأت المراهقة ثلاثة أيام دما ، ثم خمسة عشر يوما طهرا ، ثم يوما دما ، ثم أربعة عشريوما طهرا ، ثم استمربها الدم ، فالأيام الثلاثة الأول دم صحيح ، فهو حيض ، والخمسة عشر بعدها طهر صحيح ، واليوم الذي بعدها مع اثنين مما بعده حيض ، ثم طهرها خمسة عشر ، اثنا عشر من أيام الانقطاع التي سبقت الاستمرار ، وثلاثة من أول الاستمرار ، ولهذا تصلي من أول الاستمرار ثلاثة ثم تعتبر حائضا ثلاثة فتترك فيها الصلاة ، ثم تغتسل وتصلي خمسة عشر يوما ، وهكذا يقدر حيضها بثلاثة وطهرها بخمسة عشر . أما الحالة الرابعة فستبحث في الفقرة / ١٣ استحاضة المبتدأة بالحمل . استحاضة المبتدأة بالحيض ، والمبتدأة بالحمل : ٩ - المبتدأة بالحيض هي التي كانت في أول حيض(١) فابتدأت بالدم ، واستمربها . فعند (١) رد المحتار على الدر المختار ١/ ١٩٠، وفتح القدير ١٥٨/١، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح. الحنفية تقدم تفصيل حكمها . ١٠ - وعند المالكية تعتبر المبتدأة بأترابها ، فإِن تجاوزتهن فرواية ابن القاسم في المدونة : تتمادى إلى تمام خمسة عشريوما ، ثم هي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم . ووفي رواية ابن زياد عن مالك : أنها تقتصر على عوائد أترابها أي في السن ، فتأخذ بعوائدهن في الحيض من قلة الدم وكثرته ، يقال إنها تقيم قدر أيام لداتها،ثم هي مستحاضة بعد ذلك تصلي وتصوم ، إلا أن ترى دما تستكثره لا تشك فيه أنه دم حيضة(١). وقالوا أيضا : إن المستحاضة إذا عرفت أن الدم النازل هودم الحيض ، بأن ميزته بريح أو ثخن أولون أو تألم ، فهو حيض بشرط أن يتقدمه أقل الطهر ، وهو خمسة عشر يوما ، فإن لم تميز ، أو ميزت قبل تمام أقل الطهر فهي مستحاضة أي باقية على أنها طاهرة ، ولومكثت على ذلك طول حياتها . ١١٩ - وأما المبتدأة بالحيض عند الشافعية، فقد قالوا : المبتدأة إما أن تكون مميزة لما تراه أولا ، فإذا كانت المبتدأة مميزة لما تراه بأن ترى في بعض الأيام دما قويا وفي بعضها دما ضعيفا ، أو في بعضها دما أسود وفي بعضها دما أحمر ، وجاوز الدم أكثر الحيض ، فالضعيف أو الأحمر استحاضة وإن طال ، والأسود أو القوي حيض (٢) إن لم ينقص الأسود أو القوي عن أقل الحيض، وهو يوم وليلة عندهم، ولا جاوز أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوما أيضا ، حتى لو رأت يوما وليلة أسود ثم اتصل به (١) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك ١٤١ (٢) مغني المحتاج ١١٣/١، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ١٥٣/١، والمجموع شرح المهذب للإمام النووي ٤١٢/٢ - ٢٠٠ -