Indexed OCR Text

Pages 1-20

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
المُؤْتُوعَة
٨
فِقْهِيَّةَ
عَُ المَشْرَ
الجزء الثالث
إرادة - استظهار

= ١١
٥-١
بِسْـ
ج
(( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِبَنِفِرُواْ كَافَّةٌ. فَلَوَلَا نَفَرَّ مِن كُلِّ
فِرَقَةٍ مِنْهُمْ طَآ ئِقَةٌ لِيَتَفَقَّهُوْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) .
( سورة التوبة آية ١٢٢ )
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)»
( أخرجه البخاري ومسلم )

المُؤْسُعَةُ الفِقْهَة
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

٠
الطبعة الثانيَة
١٤٠٤ هـ ١٩٨٣م
طباعَة ذات السلاسل - الكويت
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص.ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

إرادة ١ - ٦
إرادة
التعريف :
١ - الإرادة في اللغة المشيئة .
ويستعملها الفقهاء بمعنى القصد إلى الشيء
والاتجاه إليه . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - النية :
٢ - إذا كانت الإِرادة ما سبق ، فإِن النية عند
الشافعية: قصد الشيء مقترنا بفعله ، (٢) وعند
الأئمة الثلاثة : عقد القلب على إيجاد الفعل
جزما . (٣) وعلى هذا فإنه يلحظ في النية ارتباطها
بالعمل ، وهي بغير هذا الارتباط لا تسمى نية ،
بينما لا يلاحظ ذلك في الإِرادة.
ب - الرضا :
٣ - الرضا هو الرغبة في الفعل والارتياح إليه، فلا
تلازم بين الإِرادة والرضا ، فقد يريد المرء شيئا مع
أُنہ لا يرضاه ۔ أي لا يرتاح إليه ولا يحبه ۔ ومن هنا
كان تفريق علماء العقيدة بين إرادة الله تعالى
(١) المقنع ٣/ ١٤٣ طبع المطبعة السلفية، والبحر الرائق ٣٢٢/٣
طبع المطبعة العلمية ، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب
٥/٤، طبع المكتبة الإسلامية ديار بكر - تركيا.
(٢) نهاية المحتاج ١/ ١٤٣، طبع مصطفى محمد.
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١١٧ ، طبع المطبعة
العثمانية ، وحاشية الصفتي على الجواهر الزكية ص ٤٧ و٤٨
طبع مصطفى البابي الحلبي ، والمغني مع الشرح الكبير ٢٦/٣
ورضاه ، وكذلك تفرقة الفقهاء بينهما في باب
الإِكراه وغيره.
ج - الاختيار :
٤ - الاختيار لغة : تفضيل الشيء على غيره .
واصطلاحا: القصد إلى أمر متردد بين الوجود
والعدم بترجيح أحد الجانبين على الآخر . فالفرق
بينه وبين الإِرادة أنها تتجه إلى أمر واحد .
الحكم الإجمالي ، ومواطن البحث :
٥ - أ - لا تعتبر الإِرادة صحيحة إلا إذا صدرت عن
ذي أهلية .
وقد تناول الفقهاء ذلك في كتاب الحجر ،
عندما حكموا بفساد تبرعات الصغير والمجنون ،
والسفيه والمفلس ونحوهم ، واعتبروا إرادتهم
الصادرة بذلك لاغية لصدورها عن غير ذي
أهلية ، أو عن مقيد الأهلية، أو ناقصها .
ب - الأصل في الإِرادة أن تصدر عن الأصيل ،
ولكن قد تنوب عن إرادة الأصيل إرادة غيره ، كما
في الوكالة، حيث تنوب إرادة الوكيل عن إرادة
الموكل ، كما هو مفصل في كتاب الوكالة في كتب
· الفقه .
وقد تنوب إرادة غير الأصيل عن الأصيل جبرا
كالولاية أو الوصاية فيلزم الأصيل بما أمضاه ذلك
الغير من تصرفات (٤) في الجملة، وقد سبق الكلام
عنه في مصطلح ( إجبار ) .
ما يعبر به عن الإِرادة :
٦ - الأصل أن يعبر عن الإِرادة باللفظ الصادر عن
(٤) مواهب الجليل ٤ / ٢٤٨
- ٥ -

إرادة ٧ - ٩ ، إراقة ١ - ٢
أهله ، وتقوم مقامه الإِشارة من العاجز عن
اللفظ ، أو الرسالة ، أو السكوت ، أو التعاطي ،
أو القرائن القوية . (١) وذلك منثور في كتب الفقه في
أبواب شتى : كالطلاق ، والنكاح ، والبيوع ،
ومن هنا اعتبر الفقهاء إشارة الأخرس كعبارته في
کثیر من الأمور.
الإرادة والتصرفات :
٧ - هناك تصرفات لا تنتج آثارها إلا بمطابقة
القبول للإِيجاب ، كالعقود ، لأن العقد مأخوذ من
عقد طرفي الحبل ، وقد شبه الفقهاء العقد
بالحبل ، لاحتياجه إلى طرفين ، وبالتالي إلى
إرادتين ، نذكر من ذلك البيع ، والإِجارة ،
والرهن ، والصلح ، والشركة ، والمضاربة ،
والمزارعة ، والنكاح ، والخلع ، ونحو ذلك .
وهناك تصرفات تنتج آثارها بالإِرادة المنفردة
وهي على نوعين :
النوع الأول : ما لا ترد فيه الإِرادة بالرد كالوقف
وتفصيل ذلك في أبوابه من كتب الفقه .
النوع الثاني : ما ترد فيه الإِرادة بالرد،
کالإِقرار،(٢) وتفصيل ذلك في أبوابه من كتب الفقه
أيضا .
(١) بدائع الصنائع ١٣٥/٥ و٢٧٠ طبع شركة المطبوعات العلمية
بمصر ، وحاشية ابن عابدين ٤ /١٣ طبعة بولاق الأولى.
وحاشية الدسوقي ٣/٣ طبع عيسى البابي الحلبي ، ونهاية
المحتاج ٢٦/٦ ٤، والكافي ٢ / ٨٠٢ الطبعة الأولى، وفتح القدير
٧٧/٥ طبع بولاق ١٣١٦هـ، والأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية
الحموي ص ١٨٤ وما بعدها طبع دار الطباعة العامرة، والمبسوط
١٥٠/١١
(٢) انظر المبسوط ١٢/١٣ - ١٣ والمدخل الفقهي للزرقا
ف/ ١٨٣ وما بعدها ومصادر الحق في الفقه الإسلامي للسنهوري
١٠٣/٢ طبع لجنة البيان العربي.
٨ - إن إرادة العاقدين تنشىء العقد ، والإِرادة
المنفردة تنشىء التصرفات غير العقدية. أما أحكام
العقود وآثارها فإِنها من ترتيب الشارع لا
العاقد . (١)
٩ - إذا وقع في تصرف مّا الغلط أو التغرير أو
التدليس أو الإكراه كان هذا التصرف قابلا للإبطال
في الجملة، بإثبات الخيار لمن وقع ذلك في
إرادته . (٢)
إراقة
التعريف :
١ - الإِراقة في اللغة: الصب ، يقال : أراق الماء
أي صبه. (٣) ويستعمل الفقهاء كلمة ((إراقة))
استعمالات متعددة ، كلها تعود لمعنى الصب ،
فيقولون : إراقة الخمر، وإراقة الدم ، وكلها
بمعنى .
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث :
أ - إراقة الدم :
٢ - اعتبر الشارع إراقة دم الأنعام قربة بذاتها في
الهدي والأضحية والعقيقة ، قال ابن القيم :
((والذبائح التي هي قربة لله تعالى وعبادة ثلاثة :
الهدي والأضحية والعقيقة)). (٤) وقال المرغيناني:
(١) حاشية ابن عابدين ١٢٣/٤
(٢) المبسوط ١٢/١٣ - ١٣
(٣) المغرب في ترتيب المعرب .
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٢٤٥ طبع مصطفى البابي
الحلبي سنة ١٣٦٩ هـ
-٦ -

إراقة ٣ - ٤
(( لا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا ، لأنه
قربة تعلقت بإراقة الدم )). (١)
ويترتب على ذلك أنه لا يقوم مقام الإِراقة
غيرها ، حتى لو تصدق بالأضحية أو الهدي أو شاة
العقيقة قبل ذبحها لم يجزئه ذلك عن الأضحية أو
الهدي أو العقيقة . (٢) وقد تحدث الفقهاء عن ذلك
في كتاب الأضاحي ، وفي الحج .
كما اعتبر الشارع إراقة الدم قربة عندما تكون
وسيلة لتحقيق الخير ، كما هو الحال في وجوب قتال
الكافرين والبغاة ، وقتلهم إزالة لطغيانهم ،
وإعلاء لكلمة الله في الأرض ، حتى إذا ما تحقق
ذلك الخير بغير إراقة الدماء وجب ألا يلجأ إليه ،
ولذلك يمتنع القتال والقتل إذا ما أجابوا أهل الحق
إلى الانضواء تحت راية الإِسلام.
وقد فصل الفقهاء ذلك في كتابي الجهاد
والبغاة .
وكما هو الحال في إراقة الدم قصاصا أو حداً،
ليرتدع الناس عن الطغيان وانتهاك حرمات الله ،
قال تعالى: (( وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ يا أُولى
الأَلْبَب)). (٣)
واعتبر الشارع إراقة الدم حراماً إذا كانت بغير
حق ، ولم تكن لغرض مشروع ، ولذلك حرم قتل
المسلم أو الذمي ظلما ، وحرم ذبح الحيوان غير
المؤذي لغير مأكلة . وحرم ذبح الحيوان المأكول إذا
أهل به لغير الله ، (٤) كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب
(١) الهداية ١ / ١٨٥ طبع مصطفى البابي الحلبي .
(٢) البدائع ٦٦/٥ مطبعة الجمالية بمصر سنة ١٣٢٨ هـ
(٣) سورة البقرة / ١٧٩
(٤) جواهر الإكليل ٢٠٩/١ وما بعدها ، وحاشية ابن عابدين
١٦٩/٥
الذبائح .
واعتبر الشارع إراقة الدم مباحة لدفع صيال
إنسان على إنسان ، (١) أو لحصوله على ما يدفع
عنه الموت ، إن لم يمكن الحصول عليه إلا بإِراقة دم
من يمنعه ما يحيى به نفسه مما هو فائض عن
حاجته (٢) كما تباح إراقة دم الحيوان المؤذي (٣)
وقد تحدث الفقهاء عن ذلك في أبواب متعددة ،
كالصيال ، والجنايات ، والحج عند حديثهم على
ما يجوز للمحرم قتله من الحيوان .
ب - إراقة النجاسات :
٣ - إراقة النجاسة إتلاف لها ، وهو مطلوب في
الجملة إن لم تكن ثمة حاجة أو اضطرار إليها ،
وجميع الأحكام التي ترد على إراقتها ترد على
إتلافها ، وقد سبق الكلام عنه تحت مصطلح :
((إتلاف)).
ج - إراقة المني :
٤ - يعبر الفقهاء عن إراقة المني خارج الفرج عند
الوطء بالعزل . وهو جائز عن الحرة بإِذنها ، ولا
يحتاج إلى الإِذن عن الأمة في الجملة . (٤) وتفصيل
ذلك في مصطلح: ((عزل)). وقد تحدث الفقهاء
عنه في كتاب النكاح .
(١) انظر جواهر الإكليل ٢/ ٢٩٧ طبع مطبعة عباس، وحاشية
قليوبي ٢ / ٢٠٦ طبع مصطفى البابي الحلبي ، وحاشية ابن
عابدين ٥/ ٣٥١ ط بولاق الأولى، والمغني ٣٢٩/٨ وما بعدها
(٢) المغني ٨ / ٦٠٢ وما بعدها .
(٣) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٤٩، وموطأ الإمام مالك ٣٥٣/١،
ونيل الأوطار ٢٧/٥ طبع المطبعة العثمانية المصرية ، وعمدة
القاري شرح البخاري في كتاب الصيد ، باب ما يقتل المحرم من
الدواب .
(٤) المغني ٢٣/٧ - ٢٤ ط الرياض.
- ٧ -

٠٠٠٠٠٠٠
أراك ، إربة ١ - ٣
أراك
انظر : استياك
إربة
التعريف :
١- الإِربة لغة: الحاجة، والجمع الإِرب . يقال:
أرب الرجل إلى الشيء إذا احتاج إليه فهو
آرب. (١) واصطلاحا : الحاجة إلى النساء. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
غير أولي الإربة :
٢ - قال الفخر الرازي : قيل : هم الذين يتبعونكم
لينالوا من فضل طعامكم، ولا حاجة بهم إلى
النساء ، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئا ، أو
شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم .
ومعلوم أن الخصي والعنين ومن شاكلهما قد لا
یکون له إربه في نفس الجماع ، ويكون له إربة قوية
فيما عداه من التمتع ، وذلك يمنع من أن يكون هو
المراد . فيجب أن يحمل المراد على مَنْ المعلوم منه
أنه لا إربة له في سائر وجوه التمتع ، إما لفقد
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (أرب)
(٢) تفسير الفخر الرازي ٢٣ /٢٠٨ ط عبد الرحمن محمد .
شهوة ، وإما لفقد المعرفة ، وإما للفقر والمسكنة ،
فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء فقال
بعضهم : هم الفقراء الذين بهم الفاقة، وقال
بعضهم : المعتوه والأبله والصبي ، وقال
بعضهم : الشيخ ، وسائر من لا شهوة له ، ولا
يمتنع دخول الكل في ذلك . على أنه لا ينبغي -
كما قال أبو بكر بن العربي - أن يشمل ذلك
(الصبي) ، لأنه أفرد بحكم يخصه . وهو قوله
تعالى : ( مِنَ الرجالِ أو الطِفلِ الذينَ لَمْ يَظْهَرُوا
عَلَى عَوراتِ النِّسَاءِ).(١)
الحكم الإجمالي :
٣ - الرأي الراجح عند الحنفية أن الخصي والمجبوب
والشيخ والعبد والفقير والمخنث والمعتوه والأبله في
النظر إلى الأجنبية كالفحل ( أي كصاحب
الإربة ) لأن الخصي قد يجامع ويثبت نسب ولده،
والمجبوب يتمتع وينزل ، والمخنث فحل فاسق ،
وأما المعتوه والأبله ففيهما شهوة، وقد يحكيان
مايريانه . (٢) وقال المالكية والشافعية والحنابلة ،
وهو رأي للحنفية : حكم غير أولي الإِربة حكم
المحارم في النظر إلى النساء ، يرون منهن موضع
الزينة مثل الشعر والذراعين ، وحكمهم في
الدخول عليهن مثل المحارم أيضا لقوله تعالى :
(أوِ التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الإِرَبَةِ مِنَ الرِّجَلِ). (٣)
(١) تفسير الفخر الرازي ٢٣ /٢٠٨، وأحكام القرآن لابن العربي
١٣٦٢/٣، والآية من سورة النور/ ٣١
(٢) ابن عابدين ٢٣٩/٥ ط بولاق الأولى، والطحطاوي على الدر
٤ / ١٨٦ ط المعرفة ، وروح المعاني ١٤٤/١٨ ط المنيرية.
(٣) حاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٨٦، والحطاب ١/ ٥٠٠ -
٥٠١ ط ليبيا، والبجيرمي على الخطيب ٣/ ٣١٤ ط المعرفة،
والمغني ٤٦٢/٧ ط الأولى المنار. والآية من سورة النور / ٣١
- ٨ -

أرت ، ارتثاث ١ - ٣، ارتداد ، ارتزاق، ارتفاق - ١
أُرَتّ
انظر : ألثغ
ارتثاث
التعريف :
١ - الارتثاث في اللغة : أن يحمل الجريح من
المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح(١) يقال :
ارتٹ الرجل ۔ علی ما لم یسم فاعله - أي حمل من
المعركة رئيثا أي جريحا وبه رمق ، ويزيد الفقهاء في
تعريفه بعض القيود ، فهو عندهم : الخروج عن
صفة القتلى والصيرورة إلى حال الدنيا، والمرتث
هو من حمل من المعركة مستقر الحياة ، بأن تكلم ،
أو أكل أو شرب ، أونام ، أوباع أو ابتاع ، أوطال
بقاؤه عرفا ، ثم مات بعد ذلك . (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - المرتث يُغسل ويصلى عليه ، لأنه لا يعتبر
(١) لسان العرب وتاج العروس.
(٢) بدائع الصنائع ٣٢١/١ ط شركة المطبوعات العلمية ، وحاشية
الدسوقي مع الشرح الكبير ٤٢٥/١ ط عيسى الحلبي ، والمغني
مع الشرح الكبير ٤٠٣/٢ ط المنار الأولى ، ونهاية المحتاج
٤٩٠/٢ ط مصطفى الحلبي .
شهيدا في حكم الدنيا ، فلا تجري عليه أحكام
الشهداء .
وهو وإن لم یکن شهیدا في حکم الدنيا فهو شهيد
في حق الثواب ، حتى أنه ينال ثواب الشهداء وهذا
باتفاق فيمن مات بعد المعركة مع الكفار .
أما المرتث من البغاة ، أو أهل العدل في المعارك
بينهم، ففيه خلاف الفقهاء من حيث الغسل
والصلاة . (١) ر : بغاة.
مواطن البحث :
٣ - يذكر الفقهاء أحكام المرتث في باب الجنائز وفي
باب البغاة .
ارتداد
انظر : ردة
ارتزاق
انظر : رزق
ارتفاق
التعريف :
١ - من معاني الارتفاق لغة: الاتكاء . وارتفق
(١) المراجع السابقة .
- ٩ -

ارتفاق ٢ - ٥
بالشيء انتفع به . ومرافق الدار: مصاب الماء
ونحوها ، كالمطبخ والكنيف(١)
وفي الاصطلاح : عرفه الحنفية بأنه حق مقرر
على عقار لمنفعة عقار آخر . وعرفه المالكية بأنه
تحصيل منافع تتعلق بالعقار(٢) ، فالارتفاق عندهم
أعم منه عند الحنفية ، لأنه يشمل انتفاع الشخص
بالعقار فضلا عن انتفاع العقار بالعقار .
والذي يستفاد مما أورده الشافعية والحنابلة في
صور الارتفاق أنهم يتفقون مع المالكية في
ذلك. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاختصاص :
٢ - الاختصاص: مصدر اختصصته بالشيء
فاختص هوبه (٤) ، ومتى اختص شخص بشيء
فقد امتنع على غيره الانتفاع به إلا بإِذن منه ،
فالفرق ، عدا شرط الإِذن ، هو أن الارتفاق
تتصور فيه المشاركة في الانتفاع ، خلافا
للاختصاص ، كما أن الارتفاق تغلب عليه
الديمومة ، أما الاختصاص فيغلب عليه عدمها .
ب - الحيازة أو الحوز :
٣ - من معاني الحيازة أو الحوز لغة : الجمع
والضم .
(١) القاموس والمصباح.
(٢) البهجة شرح التحفة ٢٥١/٢، ٢٥٢ ظ الحلبي، والبحر الرائق
٦ / ١٤٨، ١٤٩ ط العلمية .
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٨٧، ولأبي يعلى ص ٢٠٨،
وجامع الفصولين ٦٥/١
(٤) المصباح
واصطلاحا : وضع اليد على الشيء
والاستيلاء عليه . (١)
ج - الحقوق :
٤ - الحقوق جمع حق ، والحق لغة : الأمر الثابت
الموجود .
واصطلاحا يستعمله الفقهاء فيما ثبت الإِنسان
بمقتضى الشرع من أجل صالحه . ومما فرق به بين
الحقوق والمرافق فيما يتعلق بالعقار مانقله ابن نجيم
عن جامع الفصولين ومايذكر في دعوى العقار من
قوله بحقوقه ومرافقه : فحقوقه عبارة عن مسیل الماء
وطريق غيره وفاقا ، ومرافقه عند أبي يوسف منافع
الدار ، وفي ظاهر الرواية المرافق : هي
الحقوق .(٢)
فعلى قول أبي حنيفة المرافق والحقوق سواء ،
وعلى قول أبي يوسف المرافق أعم ، لأنها توابع
الدار مما يرتفق به ، كالمتوضأ ، والمطبخ كما في
القهستاني ، وحق الشيء تابع لابُدَّ له منه ،
كالطريق والشرب فهو أخص .(٣)
صفته ( الحكم التكليفي ) :
٥ - الحكم الأصلي للارتفاق الإِباحة ، ما لم يكن
على المرتفق ضرر، أوما لم يتعين لدفع ضرر ، أما
الإِرفاق فهو مندوب لحضّه عليه الصلاة والسلام
عليه، حيث قال: (( لا يمنع أحدكم جاره أن
(١) البهجة على التحفة ٢٥٢/٢
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٨٧، ولأبي يعلى ص
٧٢٠٨، وجامع الفصولين ٦٥/١، والبحر الرائق ١٤٨/٦ ط
العلمية .
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٩٢/٤ ط بولاق
- ١٠ -

ارتفاق ٦ - ٨
يغرز خشبة في جداره))(١) وقال الله: ((لا يدخل
الجنة من خاف جاره بوائقه)). (٢)
أنواعه من حيث قابلية رجوع المرفق :
٦ - الإِرفاق إما أن يكون محدودا بزمن كسنة ، أو
عشر سنين ، أو إلى الأبد ، فإن كان كذلك اتبع ،
وكان لازما للمرفق ، ليس له الرجوع قبل المدة
المحددة ، وإما أن يكون الإِرفاق مطلقا غير
مقيد بأجل ، وحينئذ يعتبر في ذلك قدر مايعد
ارتفافاً بين الجيران ، بأن يترك مدة ينتفع فيها عادة
أمثاله ، ويستوي في ذلك الإِرفاق بالغرز ، أو فتح
باب ، أو سقي ماء وغير ذلك ، كإعادة عرصة
للبناء . (٣)
ويأتي تفصيل أحكام الرجوع في ( ف ٢٤ )
أسباب الارتفاق :
٧ - ينشأ الارتفاق عن إذن الشارع ، وهو بالنسبة
للأموال العامة ، أو المباحات كإحياء الموات
وغيره ، أو إذن المالك بالنسبة للأموال الخاصة ، أو
باقتضاء التصرف بثبوت الارتفاق كما في الإِجارة
والوقف ، ولو لم يشترط الانتفاع بحقوق
الارتفاق ، وقد يثبت باستصحاب الحال دون
معرفة سبب نشوئه ، وذلك بمضي المدة عليه .
(١) أخرجه البخاري - فتح الباري ٥/ ١١٠ - ط السلفية، ومسلم
(١٢٣٠/٣ - ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٣ - ط الميمنية) وقال الهيثمي في المجمع
(١٦٩/٨ - ط مكتبة القدسي): ((رجاله رجال الصحيح))
(٣) البهجة على التحفة ٢٥١/٢، ٢٥٢
الارتفاق بالمنافع العامة والأولوية فيه :
٨ - صرح الحنابلة بأنه : يجوز الارتفاق بالقعود في
الواسع من الشوارع والطرقات والرحاب بين
العمران للبيع والشراء على وجه لا يضيق على
أحد ، ولا يضر بالمارة ، لاتفاق أهل الأمصار في
جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير
إنكار ، ولأنه ارتفاق مباح من غير إضرار ، فلم
يمنع منه كالاجتياز . قال أحمد في السابق إلى
دكاكين السوق ( أي الأماكن المعدة للباعة غير
الدائمين ) غدوة : فهوله إلى الليل . وكان هذا في
سوق المدينة فيما مضى. وقد قال النبي (#1:
((منى مناخ من سبق)) (١) وله أن يظلل على نفسه
بما لا ضرر فيه .... فإِن قام وترك متاعه فيه لم يجز
لغيره إزالته ، لأن يد الأول عليه، وإن نقل متاعه
كان لغيره أن يقعد فيه، لأن يده قد زالت ، وإن
قعد وأطال منع من ذلك ، لأنه يصير كالمتملك ،
ويختص بنفع يساويه فيه غيره في استحقاقه .
ويحتمل أنه لايزال ، لأنه سبق إلى مالم يسبق إليه
مسلم . وإن استبق اثنان إليه احتمل أن يقرع
بينهما ، واحتمل أن يقدم الإِمام من يرى منهما .
وإن كان الجالس يضيق على المارة لم يحل له
الجلوس فيه ، ولا يحل للإِمام تمكينه بعوض ولا
غيره . (٢)
وبنحو ذلك صرح الشافعية قال الرملي : ( ومن
ألف من مسجد أو مدرسة موضعا يفتي فيه الناس ،
(١) حديث: (( منى مناخ من سبق)) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٠٠ -
ط عيسى الحلبي) والترمذي (٢٢٨/٣ - ط عيسى الحلبي)
(٢) المغني ٥٧٦/٥، ٥٧٧ ط مكتبة الرياض
- ١١ -

ارتفاق ٩
أو يقرىء فيه قرآنا ، أو علما شرعيا ، أو آلة له ، أو
لتعلم ماذکر کسماع درس بين يدي مدرس فهو
كالجالس في الشارع لمعاملة ، لكن ذلك مشروط
بأن يفيد أويستفيد . بل هو أولى ممن يجلس في
الشارع لمعاملة ، لأن له غرضا في ملازمة ذلك
الموضع ليألفه الناس . وحديث النهي عن اتخاذ
المساجد وطنا .... مخصوص بما عدا ذلك، ولا
يشترط في ذلك إذن الإِمام ، وإذا غاب المدرس
فلغيره الجلوس في مكانه ، حتى لا تتعطل
منفعته ).
ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبّل (١)
وانطبق عليه شرطه ، أو فقيه إلى مدرسة ، أو
متعلم قرآن إلى مابني له ، أو صوفي إلى خانقاه (٢)
لم يزعج ولم يبطل حقه منه بخروجه لشراء حاجة
ونحوه من الأعذار ، ولو لم يترك متاعا ولا نائبا .
ومتى عين الواقف مدة للإِقامة فليس للمرتفق
الزيادة عليها ، إلا إذا لم يوجد في البلد من ينطبق
عليه شرط الواقف ، لأن العرف يشهد بأن الواقف
لم يرد خلو المدرسة ، وكذا يعمل بالعرف في كل
شرط شرطه الواقف ، ولا يزاد في رباط مدة على
ثلاثة أيام مالم تدع ضرورة (٣)
٩ - هذا وقد فصل كل من الماوردي وأبي يعلى بيان
الارتفاق بالمنافع العامة ولا سيما من حيث الحاجة
إلي إذن السلطان أو عدمها فقالا : وأما الإِرفاق
فهو من ارتفاق الناس بمقاعد الأسواق ، وأفنية
(١) نهاية المحتاج ٣٤٥/٥ بتصرف يسير.
(٢) الفتاوي البزازية هامش الفتاوي الهندية ٦/ ١١٤ - ١١٦
والبهجة في شرح التحفة ٣٣٥/٢ - ٣٤٢
(٣) نهاية المحتاج ٣٤٥/٥
الشوارع ، وحريم الأمصار، ومنازل الأسفار
فتنقسم ثلاثة أقسام : قسم يختص الارتفاق فيه
بالصحاري والفلوات ، وقسم يختص الارتفاق فيه
بأفنية الأملاك ، وقسم يختص بالشوارع
والطرقات .
والقسم الأول ضربان : أحدهما أن يكون
لاجتياز السابلة واستراحة المسافرين فيه فلا نظر
للسلطان فيه لبعده عنه وضرورة السابلة فيه .
والذي يختص السلطان به من ذلك إصلاح عورته
((خلله)) وحفظ مياهه ، والتخلية بين الناس
ونزوله ، ويكون السابق إلى المنزل أحق بحلوله
فيه من المسبوق حتى يرتحل. فإِن وردوه على سواء
وتنازعوا فيه ، نظر في التعديل بينهم بما يزيل
تنازعهم . وكذلك البادية إذا انتجعوا أرضا طلبا
للكلأ وارتفاقا بالمرعى وانتقالا من أرض إلى أرض
كانوا فيما تركوه وارتحلوا عنه كالسابلة لا اعتراض
عليهم في تنقلهم ورعيهم .
والضرب الثاني . أن يقصدوا بنزولهم بها الإِقامة
والاستيطان ، فللسلطان في نزولهم بها نظر يراعى
فيه الأصلح فإن كان مضراً بالسابلة منعوا منها قبل
النزول وبعده، وإن لم يضر بالسابلة راعى الأصلح
في نزولهم بها أو منعهم منها ونقل غيرهم إليها ، كما
فعل عمر حين مصر البصرة والكوفة . نقل إلى كل
واحدة من المصرين من رأى المصلحة فيه ، لئلا
يجتمع فيه المسافرون ، فيكون سببا لانتشار الفتنة
وسفك الدماء ، كما يفعل في إقطاع الموات مايرى،
فإن لم يستأذنوه حتى نزلوا فيه لم يمنعهم منه . كما لا
يمنع من أحيا مواتا بغير إذنه . ودبرهم بما يراه
صلاحا لهم، ونهاهم عن إحداث زيادة من بعد ،
- ١٢ -

ارتفاق ١٠ - ١٣
إلا عن إذنه . روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن
جده قال : ( قدمنا مع عمر بن الخطاب في عمرته
سنة سبع عشرة ، فكلمه أهل المياه في الطريق أن
يبنوا منازل فيها بين مكة والمدينة لم تكن قبل ذلك
فأذن لهم ، واشترط أن ابن السبيل أحق بالماء
والظل ).
القسم الثاني : وهو ما يختص بأفنية الدور
والأملاك. ينظر فإِن كان مضرا بأربابها منع المرتفق
منها ، وإن كان غير مضربهم ففي إباحة ارتفاقهم
به من غير إذن قولان :
أحدهما : أن لهم الارتفاق بها وإن لم يأذن أربابها ،
لأن الحريم مرفق إذا وصل أهله إلى حقهم منه
ساواهم الناس فيما عداه .
والقول الثاني : أنه لا يجوز الارتفاق بحريمهم
إلا عن إذنهم ، لأنه تبع لأملاكهم فكانوا به أحق
وبالتصرف فيه أخص .
وأما حريم المساجد والجوامع فينظر ، فإن كان
الارتفاق بها مضرا بأهل الجوامع والمساجد منعوا
منه ، ولم يجز للسلطان أن يأذن فيه ، لأن المصلين
بها أحق ، وإن لم يكن مضرا جاز ارتفاقهم
بحريمها .
والقسم الثالث : وهو ما اختص بأفنية الشوارع
والطرقات فكلاهما فيه لا يخرج عما سبق . (١)
حقوق الارتفاق عند الحنفية :
١٠ - تبين مما سبق أن الحنفية يطلقون الارتفاق
على ما يرتفق به ، ويختص بما هو من التوابع ،
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٨٧ وما بعدها ط الحلبي،
ولأبي يعلى ص ٢٠٨ وما بعدها ط الحلبي.
كالشرب ومسيل الماء والطريق والمرور والمجرى
والجوار ، وأن أبا يوسف خص الارتفاق بمنافع
الدار . ولكل من المرافق المذكورة مصطلح خاص
به ، ولذلك فيكفي هنا أن يعرف كل واحد من
هذه المرافق ، ويبين حكمه ، على أن يترك
التفصيل للمصطلحات الخاصة .
الشرب :
١١ - الشرب: لغة النصيب من الماء .(١)
وفي الاصطلاح : هو النصيب من الماء
للأراضي لا لغيرها .
وركنه الماء لأنه يقوم به .
وشرط حله أن يكون ذا حظ من الشرب .
وحكمه الإِرواء ، لأن حكم الشيء ما يفعل
لأجله . (٢)
مسيل الماء :
١٢ - المسيل: المجرى، ومسيل الماء مجراه (٣)، وإذا
كان لشخص مجرى ماء جار أو سياق ماء بحق قديم
في ملك شخص آخر فليس لصاحبه منعه. (٤)
وإذا كان لدار مسيل مطر على دار جار من قديم
فليس للجار منعه ، وصورة حق المسيل أن يكون
لرجل أرض لها مجرى ماء في أرض أخرى . (٥)
حق التسييل :
١٣ - صورته أن تكون لشخص دار لها حق تسييل
(١) المصباح
(٢) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٩٠ ط الإسلامية.
(٣) المصباح
(٤) مجلة الأحكام م (٦)
(٥) حاشية ابن عابدين ٤/ ١٨٣
- ١٣ -

ارتفاق ١٤ - ١٧
الماء على أسطحة دار أخرى، أو على أرض دار
أخرى (١)
الطريق :
١٤ - في حاشية ابن عابدين أن الطرق ثلاثة :
طريق إلى الطريق الأعظم ، وطريق إلى سكة غير
نافذة ، وطريق خاص في ملك إنسان، (٢)
وسيأتي أحكام التصرف فيها .
حق المرور :
١٥ - هو أن يكون لشخص حق المرور في أرض
شخص آخر .
والحكم فيه مانصت عليه المادة ( ١٢٢٥ ) من
مجلة الأحكام : ((إذا كان لأحد حق المرور في
عرصة آخر ، فليس لصاحب العرصة أن يمنعه من
المرور والعبور)).
وقد نصت المادة (١٢٢٤ ) على حكم عام
يتعلق بثبوت الحقوق في المرافق ، هو: (( يعتبر
القدم في حق المرور وحق المجرى وحق المسيل .
يعني تترك هذه الأشياء وتبقى على وجهها القديم
الذي كانت عليه ، لأن الشيء القديم يبقى على
حاله بحكم المادة (٦) ولا يتغير إلا أن يقوم الدليل
على خلافه . أما القديم المخالف للشرع فلا
اعتبار له. يعني إذا كان الشيء المعمول به غير
مشروع في الأصل فلا اعتبار له وإن كان قديما ،
ویزال إن كان فيه ضرر فاحش . مثلا إذا كان لدار
مسيل قذر في الطريق العام ولو من القديم وكان فيه
(١) المصدر السابق ١٨٣/٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٨٠
ضرر للمارة فان ضرره يرفع ولا اعتبار لقدمه)).
وفي شرح المادة قال الأتاسي : ( وكذا لا اعتبار
لقدمه إذا كان غير مشروع ، وإن كان ضرره
خاصا . كما إذا كان لرجل كوة تشرف على مقر
نساء جاره فإنه يجب إزالة الضرر، وإن كان
قديما ، كما أفتى في الحامدية قائلا : ولا فرق بين
القديم والحادث حيث كان الضرربينا ، فلو كان
مشروعا كما إذا ثبت بالبينة الشرعية أن الجار أحدث
البناء بعد أن كانت الكوة تشرف على أرض سليخة
لا يجب عليه إزالة الضرر. (١)
حق التعلي :
١٦ - نصت المادة (١١٩٨) من المجلة على أن
(كل أحد له التعلي على حائطه الملك وبناء ما
یرید، وليس لجاره منعه ما لم یکن ضررا فاحشا).
وقال الأتاسي في شرح المادة: (ولا عبرة بزعمه
أنه يسد عنه الريح والشمس، كما أفتى به في
الحامدية، لأنه ليس من الضرر الفاحش. وفي
الأنقروية: له أن يبني على حائط نفسه أزيد مما
كان، وليس لجاره منعه وإن بلغ عنان السماء).
أقول: هذا مسلم إذا كان التعلي يسد الريح
والشمس عن مثل ساحة دار الجار. أما إذا كان
يسدهما عن سطح بيته المسقف بالخشب فالظاهر أنه
يمنع منه على ما أفتى به المتأخرون.
حق الجوار :
١٧ - نصت المادة (١٢٠١) من المجلة على أن :
(منع المنافع التي ليست من الحوائج الأصلية، كسد
(١) شرح مجلة الأحكام العدلية ١٦٧/٤ ط حمص.
- ١٤ -

ارتفاق ١٨ - ٢٢
الهواء والنظارة، أو منع دخول الشمس ليس بضرر
فاحش، لكن سد الضياء بالكلية ضرر فاحش.
فإِذا أحدث رجل بناء فسد بسببه شباك بيت جاره،
وصار بحال لا يقدر على القراءة معها من الظلمة،
فله أن يكلف رفعه للضرر الفاحش، ولا يقال
الضياء من الباب كاف، لأن باب البيت يحتاج إلى
غلقه للبرد وغيره من الأسباب. وإن كان لهذا
المحل شباكان فسد أحدهما بإِحداث ذلك البناء فلا
يضر ضررا فاحشا). (١)
والعلة في المنع هو تحقق الضرر الفاحش، فإِذا
تحقق منع العمل وإلا أبيح.
تلك هي حقوق الارتفاق عند الحنفية .
١٨ - ويمكن إنشاء حقوق ارتفاق أخرى غيرها
حسبما يجري العرف واستعمال الناس، فإِن حدثت
حقوق ارتفاق أخرى بالاستعمال تطبق عليها
الأحكام السابقة، ففي وسائل المواصلات العامة
مثلا كالقطارات والطيارات والسيارات، والمقاعد
في الأماكن العامة وغيرها، إما أن يخصص مقعد
معین لکل راکب أولا ، فإِن خصص لكل راكب
مقعد معین فلا يجوز لغيره أن يجلس فيه إلا بإذنه .
وأما إذا لم تعين المقاعد للراكبين. فلكل راكب أن
يجلس في المقعد الذي سبق إليه، وهكذا الأمر في
كل ما كان من هذا القبيل .
١٩ - هذا وقد أورد فقهاء المالكية والحنابلة أحكام
المرافق السابقة، لكن تحت عناوين أخرى غير
الارتفاق، حيث أوردها المالكية في باب (نفي
الضرر وسد الذرائع)، وأوردها الشافعية في باب
(تزاحم الحقوق) وأوردها الحنابلة في باب (الصلح).
(١) مجلة الأحكام العدلية
التصرف في حقوق الارتفاق :
٢٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الطريق نوعان:
نافذ، وغير نافذ. فالطريق النافذ مباح لا يملك
لأحد من الناس، فلكل منهم فتح باب ملكه فيه
كيف شاء، فللعامة التصرف فيه بما لا يضر المارة .
وأما غير النافذ فهو ملك من نفذت أبوابهم
إليه، لا من لاصقه جدرانهم من غير نفوذ أبوابهم
إليه، فمن نفذت أبوابهم إليه فهم الملاك وهم
شرکاء في ذلك، ولیس لغیر هم إشراع جناح فيه،
أوباب للاستطراق إلا برضاهم. وهذا في المذاهب
الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة .
٢١ - وقد أجاز المالكية والشافعية والحنابلة بيع
الشرب، أو بعضه ، وبيع حقوق الأملاك، كحق
المرور، وحق المجرى، وحق التعلي، لمسيس
الحاجة، وجوزوا العقد على المنافع وإن كانت
معدومة، إرفاقا بالناس، لكن اشترطوا في حق
إجراء الماء على السطوح وإجارته وإعارته أن
تعرف السطوح التي يجري عليها ومنها، كما أجازوا
إعارة العلو من جدار ونحوه للبناء عليه، وإجارته
لذلك كسائر الأعيان التي تعار وتؤجر، فإن باعه
حق البناء أو العلو المعلوم استحق المشتري البناء
عليه . (١)
٢٢ - أما الحنفية فقد جاء في حاشية ابن عابدين أن
الطرق ثلاثة :
طريق إلى الطريق الأعظم، وطريق إلى سكة
غير نافذة، وطريق خاص في ملك إنسان، فالأخير
لا يدخل في البيع بلا ذكره أو ذكر الحقوق أو
(١) تبصرة الحكام ٣١٦/٢، والمدونة ١٩٢/٦، وأسنى المطالب
والرملي ٢١٩/٢ - ٢٢٦، والمغني ٤ / ٥٤٧
- ١٥ -

ارتفاق ٢٣ - ٢٤
المرافق. والأولان يدخلان بلا ذكر. والمراد بيع رقبة
الطریق لا حق المرور، فإذا كانت داره داخل دار
رجل، وکان له طريق في دار ذلك الرجل إلى داره،
فإما أن يكون له فيها حق المرور فقط، وإما أن
يكون له رقبة الطريق، فإِذا باع رقبة الطريق صح،
فإِن حد فظاهر، وإلا فله بقدر عرض الباب
العظمى .
والفرق بين هذا الطريق والذي يكون في سكة
غير نافذة أن الطريق الأول ملك للبائع، والثاني
مشترك بين جميع أهل السكة، وفيه أيضا حق
للعامة . (١)
ولا يباع الشرب ولا يوهب ولا يؤجر ولا يتصدق
به إلا تبعا للأرض، لأنه ليس بمال متقوم في ظاهر
الرواية، وعليه الفتوى، ونقل عن شرح الوهبانية
أن بعضهم جوز بيعه، ثم قال: وينفذ الحكم
بصحة بيعه. (٢)
٢٣ - أما حق المسيل فإذا كان محددا ببيان المقدار
الذي يسيل فيه الماء فبيعه جائز، وإذا كان غير مبين
فلا يجوز للجهالة. أما بيع الرقبة فيجوز من غير بيع
حق المسیل معه، لكن يشترط تحدیده، ويصح بيع
حق المرور تبعا للأرض بلا خوف، ويصح بيعه
وحده في رواية، وبه أخذ عامة المشايخ، قال
السائحاني: وهو الصحيح وعليه الفتوى.
ولا يجوز بيع حق التعلي، والفرق بينه وبين حق
المرور، أن حق المرور يتعلق برقبة الأرض وهي مال
هوعين، أما حق التعلي فمتعلق بالهواء، وهو ليس
بعين، وفي رواية أخرى أنه لا يصح بيع حق المرور
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٢
(٢) حاشية ابن عابدين ٤/ ١٢٤ ط الأميرية
وحده وصححه أبو الليث.
ولا يجوز بيع حق الشرب إلا تبعا وهو الصحيح
كما في الفتح، وظاهر كلامهم أنه باطل، قال في
الخانية: وينبغي أن يكون فاسدا لا باطلا، لأن
بيعه يجوز في رواية، وبه أخذ بعض المشايخ. (١)
أحكام رجوع المرفق وأثره على الارتفاق:
٢٤ - المعتمد في الا رفاق بالغرز أنه لا رجوع فيه بعد
الإذن، طال الزمان أو قصر، عاش أومات
(المرتفق)، إلا أن ینهدم الجدار فلا یعید الغرز إلا
بإرفاق جديد، وأما إعادة العرصة للبناء فالراجح أن
له الرجوع حيث لم يقيد بأجل، ولو قبل أن يمضي
ما يرفق ويعار لمثله في العادة، ولكن على المرفق دفع
ما أنفق المرتفق أو قيمته.
والفرق بين العرصة والجدار أن بعض أهل
العلم يرى القضاء بإعارة الجدار إذا امتنع صاحبه
متى لم يكن عليه في الإعارة ضرر، وهو قول الإمام
الشافعي وابن كنانة وابن حنبل.
وما ذكر بالنسبة للعرصة من جواز الرجوع هو
مذهب المدونة .
وجعل ابن رشد وابن زرقون حكم العرصة
جاريا في الجدار أيضا، لأن كلا منهما منفعة،
ورجحه ابن رجّال فقال: قد يتبين أن المذهب لا
فرق بين الجدار والعرصة في أن لكل من صاحبيهما
الرجوع حيث لم يقيد بأجل بعد أن يعطي المرفق
كلا منهما ما أنفقه، وإلا فليس له الرجوع إلا بعد
مدة يرتفق فيها المعار، فهناك إذن رأيان في جواز
الرجوع في العرصة (٢)
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٤
(٢) البهجة على التحفة ٣/٢ ط الإسلامية.
- ١٦ -

إرث ١ - ٣
إرث
التعريف :
١ - من معاني الإِرث في اللغة: الأصل، والأمر
القديم توارثه الآخر عن الأول، والبقية من كل
شيء. وهمزته أصلها واو . (١)
ويطلق الإِرث ويراد منه انتقال الشيء من قوم
إلی قوم آخرين .
ويطلق ويراد منه الموروث . (٢)
ويقاربه على هذا الإطلاق في المعنى التركة.
وعلم الميراث - ويسمى أيضا علم الفرائض -
هو علم بأصول من فقه وحساب تعرّف حق كل في
التركة . (٣)
والإِرث اصطلاحا : عرفه الشافعية والقاضي
أفضل الدين الخونجي من الحنابلة بأنه حق قابل
للتجزی یثبت لمستحقه بعد موت من کان له ذلك
لقرابة بينهما أو نحوها . (٤)
(١) القاموس المحيط ١/ ١٦٧
(٢) العذب الفائض ١٦/١، وحاشية البقري ١٠
(٣) الدر، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٤٩٩، والشرح الكبير
٤ /٤٥٦، ونهاية المحتاج ٢/٦، والعذب الفائض ٦٢/١
(٤) العذب الفائض ١٦/١، وحاشية البقري ١٠
أهمية الإِرث :
٢ - معرفة الفرائض من أهم العلوم بعد معرفة
أركان الدين. وقد حث الرسول بول# على تعليمها
وتعلمها. فقد روى ابن مسعود رضي الله عنه. أن
النبي ◌َّ﴾ قال: (تعلموا القرآن وعلموه الناس،
وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ
مقبوض، وسيقبض هذا العلم من بعدي حتى
يتنازع الرجلان في فريضة فلا يجدان من يفصل
بينهما). (١)
وقد كان أكثر مذاكرة أصحاب رسول اللّه الحلو
ورضي الله عنهم إذا اجتمعوا في علم الفرائض
مدحوا على ذلك .
علاقة الإرث بالفقه :
٣ - والفقهاء في المذاهب الإِسلامية حين يتكلمون
عن الميراث يعنونون لذلك في كتبهم بكتاب
الفرائض. (٢) وقد أفرده كثير منهم بكتب مستقلة
عن كتب الفقه. وابتدأ ذلك من القرن الثاني
للهجرة مع ابتداء تدوين الأحكام الفقهية .
ومن أول من ألف الكتب الخاصة بأحكام
الفرائض في القرن الثاني والثالث ابن شبرمة وابن
أبي ليلى وأبو ثور.
وكانت كتب الفقه المدونة في هذين القرنين
خالية من أحكام الفرائض مثل المدونة لسحنون
(١) حديث ((تعلموا القرآن .. )) أخرجه الحاكم (٣٣٣/٤ - ط
دائرة المعارف العثمانية)، وأخرجه الترمذي مختصرا (٢٦٥/٦ -
تحفة الأحوذي - نشر المكتبة السلفية) وقال: ((هذا حديث فيه
اضطراب )).
(٢) العذب الفائض ٨/١، ونهاية المحتاج ٢/٦ نشر المكتبة
الإِسلامية ، والمغني ٦ / ١٦٥ ط الرياض .
- ١٧ -

إرث ٤ - ٥
والجامع الكبير والجامع الصغير لمحمد بن الحسن،
والأم للإِمام الشافعي .
وعلى الخلاف من ذلك كانت كتب السنة، فقد
شملت أحكام الفرائض مع أحكام الفقه كالموطأ
ومصنف ابن أبي شيبة، وصحيح البخاري،
وصحيح مسلم .
ولم تبدأ كتب الفقه تشمل أحكام الفرائض إلا
في القرن الرابع، مثل رسالة ابن أبي زيد من
المالكية، ومختصر القدوري من الحنفية، واستمر الأمر
كذلك.
دليل مشروعيته :
٤ - الميراث مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فآيات المواريث. وأما السنة
فأحاديث مثل قوله يلر: (ألحقوا الفرائض بأهلها
فما بقي فلأولى رجل ذكر)(١) ومثل ثبوت ميراث
الجدة لأم بشهادة المغيرة وابن سلمة لدى عمر بن
الخطاب على أن النبي وَلجه ورّثها، ولم يرد توريثها
في القرآن الكريم (٢)
وأما الإِجماع فمثل إرث الجدة لأب باجتهاد عمر
رضي الله عنه الداخل في عموم الإِجماع، ولا
مدخل للقياس في ذلك .
(١) حديث ((ألحقوا الفرائض بأهلها ... )) أخرجه البخاري
(١١/١٢ - فتح الباري - ط السلفية) ومسلم (١٢٣٣/٣ - ط
عيسى الحلبي ).
(٢) حديث توريث الجدة لأم .. أخرجه أبو داود (٣/ ٨١ - ط
المطبعة الأنصارية بدهلي ) ، والترمذي (٢٧٧/٦ - ٢٧٨ - تحفة
الأحوذي - نشر المكتبة السلفية ) وقد أعله ابن حجر وغيره
بالانقطاع . ( التلخيص الحبير ٣/ ٨٢ - ط شركة الطباعة الفنية
المتحدة بالقاهرة ) . وحاشية ابن عابدين ٤٩٩/٥ ط الأميرية
الثالثة .
التدرج في تشريع الميراث :
٥ - كان أهل الجاهلية يتوارثون بشيئين: النسب
والسبب .
فأما ما يستحق بالنسب فلم يكونوا يورثون
الصغار ولا الإِناث، وإنما يورّثون من قاتل وحاز
الغنيمة، روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن
جبير وآخرين إلى أن أنزل الله تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ
في النِّساءِ قُل الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) : إلى قوله تعالى:
(والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الولدان)(١) وأنزل الله تعالى
(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ
الأنثيين). (٢)
وقد كانوا بعد مبعث النبي صل على ما كانوا
عليه في الجاهلية في المناكحات والطلاق والميراث
إلى أن نقلوا عنه إلى غيره بالشريعة .
قال ابن جريج : قلت لعطاء: أَبَلغَك أن رسول
الله ◌َل أقر الناس على ما أدركهم من طلاق أو
نكاح أو ميراث؟ ، قال: لم يبلغنا إلا ذلك. (٣)
وروى عن سعيد بن جبير قال: بعث الله محمدا
﴿* والناس على أمر جاهليتهم إلى أن يؤمروا
بشيء أوينهوا عنه، وإلا فهم على ما كانوا عليه من
أمر جاهلیتهم .
وكان السبب الذي يتوارثون به شيئين: أحدهما
الحلف والمعاقدة، والآخر التبني. ثم جاء الإِسلام
فتركوا برهة من الدهر على ما كانوا عليه، ثم
نسخ. فمن الناس من يقول: إنهم كانوا يتوارثون
بالحلف والمعاقدة بنص التنزيل ثم نسخ، وقال
(١) سورة النساء / ١٢٧
(٢) سورة النساء/ ١١
(٣) الجصاص ٢/ ٩٠
- ١٨ -

إرث ٦ - ٧
شيبان عن قتادة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ
عَقَدَتْ(١) أَيْمَانُكُمْ فَأَتُوهُمْ نَصِيبَهمْ): كان
الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي
دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي
وأطلب بك. قال: فورثوا السدس في الإِسلام من
جميع الأموال، ثم يأخذ أهل الميراث ميراثهم، ثم
نسخ بعد ذلك فقال الله تعالى: (وَأُولُوْ اْلأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلِى بِبَعْضٍ. (٢)
الحقوق المتعلقة بالتركة والترتيب بينها :
٦ - من إطلاقات الإِرث لغة: التركة. (٣) وهي في
الاصطلاح عند الجمهور: ما تركه الميت من أموال
وحقوق. وعند الحنفية: هي ما تركه الميت من
الأموال صافيا عن تعلق حق الغير بعين من
الأموال، فالأصل عند الحنفية أن الحقوق لا يورث
منها إلا ما كان تابعا للمال أو في معنى المال، كحق
التعلي وحقوق الارتفاق، أما حق الخيار وحق
الشفعة وحق الانتفاع بالعين الموصى بها فلا تورث
عند الحنفية، (٤) ويدخل في التركة اتفاقا الدية
الواجبة بالقتل الخطأ، أو بالصلح عن العمد، أو
بانقلاب القصاص مالاً بعفو بعض الأولياء فتقضى
منه دیون الميت وتنفذ وصاياه .
وعند المالكية والشافعية والرواية المشهورة عند
الحنفية أنه يبدأ من التركة بالديون المتعلقة بأعيانها
(١) سورة النساء/ ٣٣، وقرأ السبعة ما عدا عاصما وحمزة والكسائي
(عاقدت) وقرأ الثلاثة المذكورون (عقدت) الجصاص ٢ / ٩٠ -
٩١ ط البهية .
(٢) سورة الأحزاب / ٦، والمصدر السابق .
(٣) القاموس
(٤) نهاية المحتاج ٣/٦، العذب الفائض ١٣/١، الشرح الكبير
٤/ ٤٥٧
قبل الوفاة كالأعيان المرهونة، لأن المورث في حال
حياته لا يملك التصرف في الأعيان التي تعلق بها
حق الغير، فأولی ألا يكون له فيها حق بعد وفاته .
فإذا كانت التركة كلها مرهونة في دين فإن
المورث (الميت) لا يجهز إلا بعد سداد الدين، أو فيما
يفضل بعد سداده، فإن لم يفضل شيء من التركة
بعد سداد الدین یکون تجهيزه على من كانت تجب
عليه نفقته في حياته . (١)
وعند الحنابلة وغير المشهور عند الحنفية أنه إذا
مات الإِنسان بدىء بتكفينه وتجهيزه مقدما على
غیره، کما تقدم نفقة المفلس علی دیون غرمائه، ثم
بعد التجهيز والتكفين تقضى ديونه من جميع ما بقي
من ماله. (٢)
٧ - لكن اختلف في الديون التي تقضى بعد
التجهيز والتكفين :
فقال الحنفية : إن الدين إن كان للعباد فالباقي
بعد تجهيز الميت إن وفى به فذاك، وإن لم يف فإِن
كان الغريم واحدا يعطي له الباقي. وما بقي له
على الميت إن شاء عفا وإن شاء تركه إلى دار
الجزاء .
وإن كان الغريم متعددا ، فإن كان الكل دين
الصحة - وهو ما كان ثابتا بالبينة أو الإقرار في زمان
صحة المدين - أو كان الكل دين المرض - وهو ما
كان ثابتا بإقراره في مرضه - فإِنه يصرف الباقي
إليهم على حسب مقادير ديونهم .
وإن اجتمع الدينان معا يقدم دين الصحة لكونه
أقوى، لأنه محجور عليه في مرض موته عن التبرع
(١) حاشية ابن عابدين ٤٦٣/٥، ٤٨٣، وشرح السراجية
ص ٤ ، والشرح الكبير ٤ /٤٥٧، ونهاية المحتاج ٦/ ٧
(٢) العذب الفائض ١٣/١ ط مصطفى الحلبي .
- ١٩ -

إرث ٨
بما زاد على الثلث، ففي إقراره حينئذ نوع ضعف.
وأما إذا أقر في مرضه بدين علم ثبوته بطريق
المعاينة، كالذي يجب بدلا عن مال ملكه أو
استهلكه فيكون ذلك من دين الصحة، إذ قد علم
وجوبه بغير إقراره، فلذلك ساواه في الحكم.
وإن كان الدين من حقوق الله تعالى كالصوم
والصلاة والزكاة وحجة الإِسلام والنذر والكفارة،
فإِن أوصى به الميت وجب تنفيذه من ثلث ماله
الباقي بعد دين العباد، وإن لم يوص لم يجب. (١)
وقال المالكية : بعد التجهيز والتكفين تقضى
ديون الميت التي لأدمي كانت بضامن أم لا . حالة
كانت أو مؤجلة. لأن المؤجلة تحل بالموت، ثم
هدي تمتع إن مات بعد رمي العقبة أوصى به أم
لا، ثم زكاة فطر فرط فيها، وكفارات فرط فيها،
مثل كفارة اليمين والصوم والظهار والقتل إذا أشهد
في صحته أنها بذمته، فإن كلا منها يخرج من رأس
المال. سواء أوصى بإخراجها أم لم يوص، لأن
المقرر عندهم أن حقوق اللّه متى أشهد في صحته
بها خرجت من رأس المال، أوصى بها أم لا، فإِن
أوصى بها ولم يُشهد فمن الثلث، ومثل الكفارات
عندهم التي أشهد بها زكاة عين حلّت وأوصى بها،
وزكاة ماشية حلت ولا ساعي، ولم توجد السن التي
تجب فيها، فإِن وجد فهو كالدَّين المتعلق بحق
فيجب إخراجه قبل الكفن والتجهيز. (٢)
وقال الشافعية : إنه بعد التجهيز والتكفين
تقضى الديون المتعلقة بذمة الميت من رأس المال
سواء أكانت للّه تعالى أم لآدمي أوصى بها أم لا،
(١) شرح السراجية ص ٥ وما بعدها ط مصطفى الحلبي.
(٢) حاشية الدسوقى ٤ / ٤٠٨ ط دار الفكر .
لأنها حق واجب عليه، ويقدم دين اللّه تعالى
كالزكاة وغيرها على دين الأدمي. وذلك فيها إذا
تلف المال. فلو كان باقيا فقد تعلق به حق الزكاة
فتخرج قبل التجهيز كما قال المالكية، وإن كانت
الديون متعلقة بعين قدمت على التجهيز (١) كما
سبق .
وقال الحنابلة : إنه بعد التجهيز والتكفين يوفى
حق مرتهن لديه، ثم إن فضل للمرتهن شيء من
دينه شارك الغرماء، لأنه ساواهم في ذلك، فإن
فضل شيء من ثمن الرهن رد على المال ليقسم بين
الغرماء، ثم بعدما سبق تسدد الديون غير المتعلقة
بالأعيان وهي التي ثبتت في الذمة. ويتعلق حق
الغرماء بالتركة كلها وإن لم يستغرقها الدين سواء
أكان الدين لله تعالى كالزكاة والكفارات والحج
الواجب، أم كان لأدمي كالقرض والثمن والأجرة،
فإن زادت الديون عن التركة ولم تف بدين الله
تعالى ودين الأدمي يتحاصون على نسبة ديونهم
كمال المفلس، سواء أكانت الديون لله تعالى أم
للأدميين أم مختلفة، ثم بعد الدين الوصية
للأجنبي - وهو من ليس بوارث - من ثلث ما يفي
من المال بعد الحقوق الثلاثة، فإِن كانت الوصية
لوارث فلابد من إجازة باقي الورثة، وإن كانت
لأجنبي فما يزيد عن الثلث يتوقف على إجازة كل
الورثة . (٢)
٨ - والفقهاء مجمعون - كما سبق - على أن الدين
مقدم على الوصية، لما قاله علي: إن رسول الله واله
قضى أن الدين قبل الوصية، ولأن الدين تستغرقه
حاجته فقدم کمئونة تجهیزه ثم تنفذ وصاياه .
(١) نهاية المحتاج ٦/ ٧٦ وما بعدها
(٢) العذب الفائض شرح عمدة الفارص ١٣/١
- ٢٠ -