Indexed OCR Text
Pages 301-320
اختلاف ٢٨ - ٢٩ فقضى به. فان لم يجىء عنهم شيء اجتهد إن كان من أهل الاجتهاد. وإذا اختلف أبو حنيفة وأصحابه، قال ابن المبارك : يأخذ بقول أبي حنيفة لأنه كان من التابعين.(١) ولو اختلف المتأخرون فيه يختار واحدا من ذلك. ولو أن قاضياً استفتى في حادثة وأفتي، ورأيه بخلاف رأي المفتي، فإنه يعمل برأي نفسه إن كان من أهل الرأي. فإن ترك رأيه وقضى برأي المفتي لم يجز عند أبي يوسف ومحمد. أما عند أبي حنيفة فإنه ينفذ لمصادفته فصلاً مجتهداً فيه . أما إن لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل الأصحاب، وحفظها على الإحكام والإتقان، عمل بقول من يعتقد قوله حقاً على التقليد. (٢) ارتفاع الخلاف بحكم الحاكم : ٢٨ - إذا حكم القاضي في واقعة من الوقائع بحكم مختلف فيه مما يسوغ فيه الخلاف لعدم مخالفته لنص أو إجماع، فإن النزاع يرتفع بالحكم فيما يختص بتلك الواقعة، ويعود الحكم في تلك الواقعة كالمجمع عليه، فليس لأحد نقضه حتى ولا القاضي الذي قضى به نفسه(٣) كما لو حكم بلزوم الوقف. أما في غير تلك الواقعة فإن الخلاف لا يرتفع بالقضاء. (١) وفي هذه المسألة قول آخر نذكره قريبا. (٢) الفتاوى الهندية ٣١١/٣ - ٣١٣ ط بولاق ١٣١٠ هـ، ومعين الحكام ص ٣٠ (٣) حاشية ابن عابدين ٣٦١/٣، ٣٧٣ وهذه إحدى القواعد الفقهية المشهورة، وتعنون عادة بعنوان (الاجتهاد لا ينقض بمثله) وعلتها أنه يؤدي إلى أن لا يستقرّ حكم، وفيه مشقة شديدة، فلو نقض لنقض النقضُ أيضا. ولأنه ليس الثاني بأقوى من الأول. وقد ترجح الأول باتصال القضاء به، فلا ينقض بما هو دونه . وهذه المسألة إجماعية. وقد حكم أبو بكر رضي الله عنه في مسائل، وخالفه فيها بعده عمر رضي الله عنه ولم ينقض حكمه. وحكم عمر في المشرّكة بعدم المشاركة، ثم حكم في واقعة أخرى بالمشاركة، وقال : تلك على ماقضينا، وهذه على ما نقضي. ومن هذه القضية يتبين أن القاضي لا ينقض الماضي، وأما في المستقبل فيجوز أن يحكم فيه بما يخالف ما مضى. ومن شرط نفاذ الحكم في المسائل الخلافية أن يكون في حادثة ودعوى صحيحة وإلا كان فتوى لا حكماً . (١) ارتفاع الخلاف بتصرف الإمام أو نائبه : ٢٩ - إذا تصرف الإمام أو نائبه بما تختلف فيه الاجتهادات طبقا لأحد الأقوال المعتبرة، فلا ينقض ما فعله كذلك، ويصير كالمتفق عليه (أي بالنسبة لما مضى. وأما في المستقبل فله أن يتصرف تصرفاً مغايرا إذا تغير وجه المصلحة في رأيه). وقد قرر أبوبكر رضي الله عنه العطاء بالسوية، ولما جاء عمر رضي (١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠١، والأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموي ١/ ١٤٠، ١٤١ - ٣٠١ - اختلاف ٣٠ - ٣١ الله عنه فاضل بين الناس بحسب سابقتهم وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر الفقهاء أن للإمام أن ينقض حمى من قبله من الأئمة، لأنه يتبع المصلحة، والمصلحة قد تتغير. قال ابن نجيم: ((إذا رأى الإمام شيئا ثم مات أو عزل فللثاني تغييره حيث كان من الأمور العامة. ويستثني هذا من قاعدة عدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد، لأن هذا حکم یدور مع المصلحة، فإذا رآها الثاني وجب اتباعها)). (١) وقال ابن تيمية : إذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد التي شاع فيها النزاع لم يكن لأحد أن ينكر على الإمام ولا على نائبه من حاكم أو غيره، ولا ینقض مافعله الإمام ونوابه من ذلك. (٢) ومع هذا يذكر ابن تيمية أن الواحد من العلماء والأمراء ليس معصوهاً، ولهذا يسوغ لنا أن نبين الحق الذي يجب اتباعه، وان كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والأمراء. (٣) الصلاة خلف المخالف في أحكامها : ٣٠ - ورد عن الأئمة ما يدل على أن المصلي يأتمّ بمن يخالف اجتهاده في أحكام الصلاة، ولو كان يرى أن مثل ذلك مفسد للصلاة، أو غيره أولى منه. لأنه لما كان الإمام مجتهداً اجتهاداً سائغا، أو مقلداً تقليداً سائغا، فإن الانفراد عنه نوع من الفرقة، واختلاف (١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٤٢ ط الحسينية المصرية وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي من الشافعية ص ٩٤ نشر المكتبة التجارية. (٢) مجموع الفتاوى ٤٠٧/٣٠ (٣) مجموع الفتاوى ١٢٣/١٩، ١٢٤ الظواهر تؤدي إلى اختلاف البواطن. ومما ورد من ذلك : أ _ كان أبو حنيفة وأصحابه يرون الوضوء من خروج الدم. ورأى أبويوسف هارون الرشيد احتجم ولم يتوضأ - افتاه مالك بذلك - فصلى أبو يوسف خلفه ولم يُعِد الصلاة. ب ـ الشافعي رضي الله عنه ترك القنوت في الصبح لما صلى مع جماعة من الحنفية في مسجدهم بضواحي بغداد. فقال الحنفية : فعل ذلك أدبا مع الإمام. وقال الشافعية بل تغير اجتهاده في ذلك الوقت. ج - كان الإمام أحمد يرى الوضوء من الحجامة والفصد. فسئل عمّن رأى الإمام قد احتجم ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ أيصَلى خلفه؟ فقال : كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب ؟ إلا ان بعض المتأخرين من الفقهاء مالوا إلى التشدد في ذلك. (١) مراعاة الإمام للمصلين خلفه إن كانوا يخالفونه في أحكام الصلاة : ٣١ - تقدم ذكر مراعاة الخلاف وشروطها، وأنها مستحبة . ومراعاة إمام الصلاة أن يأتي بما يعتقده المأموم شرطا (١) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/١، ٤٤٨، ونهاية المحتاج ١٦٠/٢، ١٦١، وانظر أيضا تحفة المحتاج ٢٥٤/٢، وكشاف القناع ٤٤٢/١، ط مطبعة أنصار السنة، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥٢/٢٣، ٣٧٢، وقد ترك هذا «الاستحسان)» والحمد لله ، في عصرنا الحاضر، وعاد أمره إلى الاستنكار. - ٣٠٢ - اختلاف ٣٢ - ٣٤ اختلاف الدار أو ركناً أو واجباً، ولو لم يعتقده الإمام كذلك. وكذلك فيما يعتقده المأموم من سنة الصلاة. ولا تتأتى المراعاة، على ماصرّح به بعض الحنفية، فيما هو سنة عند المأموم ومكروه عند الإمام، كرفع اليدين في الانتقالات، وجهر البسملة. فهذا وأمثاله لا يمكن الخروج فيه من عهدة الخلاف ((فكلهم يتبع مذهبه(١)) ولكن قال ابن تيمية : ((إن كان الخلاف في الأفضل فقد استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل اذا كان فيه تأليف للمأمومين. فاذا لم يمكنه نقلهم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقتهم أرجح)). (٢) الاختلاف بين المتعاقدين : ٣٢ - قد يتنازع شخصان في إثبات حق من الحقوق لله تعالى، أو لأحدهما قبل الآخر، ناشىء عن عقد من العقود، كالبيع أو الإجارة أو النكاح، أو في فسخ من الفسوخ، كالإقالة والطلاق، أو غير ذلك من التصرفات . والطريق إلى رفع ذلك الاختلاف الادعاء به لدى القضاء ليفصل في شأنه، ويحكم بأداء الحق لصاحبه، بالطريقة الصحيحة شرعاً . وكل نوع من أنواع التصرفات تقع فيه اختلافات تخصه. ويذكر الفقهاء هذه (١) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/١ (٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٩٥/٢٤ ط مطابع الرياض ١٣٨٢ هـ الاختلافات، وطريق الحكم في كل منها، في أثناء عرضهم للعقد أو الفسخ. وتذكر القاعدة العامة لذلك في باب (الدعوى). اختلاف الشهود : ٣٣ - إذا اختلف شاهدا البيع أو شهود الزنا أو نحو ذلك فإن اختلافهم يمنع من كمال الشهادة، والحكم بموجبها، في بعض الأحوال. وفي ذلك اختلاف وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان (شهادة). (١) اختلاف الحديث وسائر الأدلة : ٣٤ - إذا اختلفت الأدلة وجب الجمع بينها إن أمكن، وإلّ يرجح بينها، فإن لم يمكن الترجيح يعتبر المتأخر منهما ناسخا للمتقدم، وينظر ذلك في باب الترجيح بين الأدلة من الملحق الأصولي. (٢) اختلاف الدَار التعريف : ١ - الدار لغة: المحل. وتجمع العرصة والبناء، (٤) وتطلق أيضا على البلدة. (٥) واختلاف الدارين عند الفقهاء بمعنى اختلاف (١) وانظر مثلا: المغني ٢٤٠/٩ مابعدها ط ثالثة. (٢) وانظر كتاب اختلاف الحديث للشافعي مطبوع مع الأم له (٣) يعبر عنه في العصر الحاضر باختلاف الجنسية. (٤) لسان العرب - (دور). (٥) محيط المحيط . - ٣٠٣ - اختلاف الدار ١ - ٢ الدولتين اللتين ينتسب إليها الشخصان. فإن كان اختلاف الدارين بين مسلمَيْن لم يؤثّر ذلك شيئاً، لأن ديار الإسلام كلها دار واحدة. قال السرخسي: ((أهل العدل مع أهل العدل يتوارثون فيما بينهم، لأن دار الإسلام دار أحكام، فباختلاف المنعة والملك لا تتباين الدار فيما بين المسلمين، لأن حكم الإسلام يجمعهم)). وهذا الذي قاله السرخسي في حق المسلمين لم ينقل فيه خلاف ، إلا ما قال العتابي : إن من أسلم ولم يهاجر إلينا لا يرث من المسلم الأصلي سواء كان في دارنا، أو كان مستأمنا بدار الحرب. قال ابن عابدين: وقول العثّابي مدفوع بأن هذا كان في ابتداء الإسلام حين كانت الهجرة فريضة. فقد نفى الله تعالى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: (والَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَالَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، (١) فلما كانت الولاية بينهما منتفية كان الميراث منتفيا، لأن الميراث على الولاية. فأما اليوم فإن حكم الهجرة قد نسخ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح)). (٢) قال السرخسي : ((فأما دار الحرب فليست بدار أحكام، ولكن دار قهر. فباختلاف المنعة والملك تختلف الدار فيما بينهم، وبتباين الدار ينقطع التوارث. وكذلك إذا خرجوا إلينا بأمان، لأنهم من دار الحرب وإن كانوا مستأمنين فينا، فيجعل كل (١) سورة الأنفال / ٧٢ (٢) ابن عابدين ٤٩٠/٥ ط ١٢٧٢هـ. وحديث: ((لا هجرة بعد الفتح)) أخرجه البخاري ١٨/٤ ط صبيح وأخرجه مسلم بلفظ ((لا هجرة ولكن جهاد ونية)) ٩٨٦/٢، بتحقيق محمد عبدالباقي. واحد في الحكم كأنه في منعة ملكه الذي خرج منه بأمان)). (١) أما أهل الذمة فإنهم من أهل دار الإسلام، ولذا فهم مخالفون في الدار لأهل الحرب. أما الحر بیون فيما بينهم فإن دورهم قد تتفق وقد تختلف. قال ابن عابدين شارحاً معنى اختلاف الدارين: ((اختلافهما باختلاف المنعة أي العسكر، واختلاف الملك، كأن يكون أحد الملكين في الهند، وله دار ومنعة، والآخر في الترك، وله دار ومنعة أخرى، وانقطعت العصمة بينهم حتى يستحل كل منهم قتال الآخر. فهاتان الداران مختلفتان، فتنقطع باختلافهما الوراثة، لأنها تنبنى على العصمة والولاية. أما إن كان بينهما تناصر وتعاون على أعدائهما كانت الدار والوراثة ثابتة)»:(٢) (وانظر: دار الإسلام ودار الكفر). ودار الإسلام مخالفة لدار الحرب ولو كان بينهما تناصر وتعاون. أنواع اختلاف الدارين : ٢ - عند الحنفية : قد تختلف الداران حقيقة فقط، أو حكما فقط، أو حقيقة وحكما : فاختلافهما حقیقة فقط، کمستأمن في دارنا وحربيَّ في دارهم، فإن الدار وإن اختلفت حقيقة لكن المستأمن من أهل الحرب حكماً . فهما متحدان حكماً . (١) المبسوط للسرخسي ٣٣/٣٠، وانظر أيضا حاشية ابن عابدين ٤٩٠/٥ (٢) رد المحتار حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٤٨٩/٥، وشرح السراجية ٨١. - ٣٠٤ - : اختلاف الدار ٣ - ٥ وأما اختلافهما حكماً فکستامن وذمّ في دارنا ، فإنهما وإن كانا في دار واحدة حقيقة إلاّ أنها في دارين حكما، لأن المستأمن من أهل الحرب حكماً، لتمكنه من الرجوع إلى دار الحرب. وأما اختلافهما حقيقة وحكما فكالحربي في دارهم والذمي في دارنا. وكالحربييّن في دارين مختلفتين.(١) هذا وإن اختلاف الدارين بين كافر وكافر يستتبع في الفقه الإسلامي أحكاماً مختلفة نعرض جملة منها فيما يلي: التوارث : ٣ - اختلاف الدارين حكما فقط، أو حكما وحقيقة، أحد موانع التوارث عند الحنفية، فلا يرث الذمي حربيا ولا مستأمنا، ولا الحربّ والمستأمن ذمّيًّا ولواتفق دينهما، ولا يرث الحربيّ حر بيا إن اختلفت داراهما . ويثبت التوارث بين مستأمنين في دارنا إن كانا من دار واحدة، كما يثبت بين مستأمن في دارنا وحربي في دارهم لاتحاد الدار بينهما حكماً. ومذهب الشافعية قريب من مذهب الحنفية، فلا توارث عندهم بين ذمي وحربي، أما المستأمن والمعاهد فهما على الأصح عند الشافعي في حكم أهل الذمة، للقرب بينهم ولعصمتهم بالعهد والأمان، كالذّمّي، فيرثان الذمي ويرثهما، ولا توارث بين أحدهما وبين الحربيين. وفي قول آخر : المستأمن والمعاهد كالحربي. أما مذهب الحنابلة، ومثله مذهب المالكية - فيما نقله صاحب العذب الفائض ولم نجدهم صرحوا به فيما اطلعت عليه من كلامهم - فلا يمنع اختلاف الدارين التوارث مادامت الملل متفقة. وعند الحنابلة قول آخر هو للقاضي أبي يعلى : إن الحربي لا يرث ذمياً، ولا الذمي حر بيا، فأما المستأمن فيرثه أهل دار الحرب وأهل دار الإسلام، ويرث أهل الحرب بعضهم بعضا سواء اتفقت ديارهم أو اختلفت . (١) دين الولد : ٤ - بيان من يتبعه الولد في دينه يذكر في موضع آخر (ر: اختلاف الدين)، وقد اشترط الحنفية في تبعية الولد لخير والديه في الدين أن تتحد الدار بين التابع والمتبوع، وإلا فلا تبعية. فلو كان الولد في دار الحرب، ووالده في دار الإسلام، فأسلم الوالد، لا يتبعه الولد، ولا يكون مسلما ، لأنه لا يمكن جعل الوالد من أهل دار الحرب، بخلاف ما إذا كان الوالد في دار الحرب فأسلم، وولده في دار الإسلام، فإنه يتبعه، لأن الوالد المسلم من أهل دار الإسلام حكما . (٢) الفرقة بين الزوجين : ٥ - يرى المالكية والشافعية والحنابلة أن الفرقة لا تقع بين الزوجين لمجرد اختلافهما دارا .. ويرى الحنفية أن اختلاف داري الزوجين حقيقة وحكما موجب للفرقة بينهما . فلو تزوج حربي حربية ثم دخل أحدهما دار الإسلام فأسلم أو عقد (١) حاشية ابن عابدين ٤٩٠/٥، وشرح السراجية ص ٨١، ٨٢، ونهاية المحتاج ٢٧/٦ ط مصطفى الحلبي، والمغني ١٦٨/٧ - ١٧٠، والعذب الفائض ٣٦/١، وانظر أحكام الذميين والمستأمنين ص ٥٢٩ - ٥٣٣ (٢) الهندية ٣٣٩/١ط بولاق ١٣١٠هـ؛ والزيلعي ١٧٣/٢ ط بولاق ١٣١٥ هـ (١) رد المحتار ٤٩٠/٥ - ٣٠٥ - اختلاف الدار ٦ الذمة، وترك زوجه الآخر في دار الحرب، انفسخ نكاحه لاختلاف الدارين حقيقة وحكما . بخلاف ما لو دخل أحدهما مستأمنا فإن نكاحه لا ينفسخ . ولو تزوج مسلم حربيةً في دار الحرب ثم خرج عنها وحده بانت. ويقتضي مذهب أبي حنيفة - كما قال ابن قدامة - أن أحد الزوجين الذميين إذا دخل دار الحرب ناقضا للعهد، وترك زوجه الآخر في دار الإسلام، ينفسخ نكاحهما، لأن الدارين اختلفتا بها فعلا وحكما، فوجب أن تقع الفرقة بينهما، كما لو أسلمت في دار الإسلام قبل الدخول. واحتج الحنفية بأنه مع تباين الدارين حقيقة وحكما لا تنتظم المصالح، والنكاح شرع لمصالحه لا لعينه، فلا يبقى عند عدمها، كالمحرميّة اذا اعترضت عليه. وهذا لأن أهل الحرب كالموتى - أي بالنسبة إلى أهل دار الإسلام - فلا يشرع النكاح بين الحي والميت . واحتج الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول، وكانت قد أسلمت قبله بسنتين، وقيل بست سنين، وهاجرت وبقي هو بمكة. وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة عام الفتح، وفرّا هما وغيرهما دون أن يسلموا، ثم أسلموا فأقروا على أنكحتهم. (١) (١) الزيلعي ١٧٦/٢، والهندية ٣٣٨/١، والمدونة الكبرى ١٥٠/٤ ط القاهرة، مطبعة السعادة ١٣٢٤هـ، والمغني فى ٥٤٤٠ ط خامسة ١٥٧/٧، والحديث أخرجه الترمذي ببعض الز یادات من حديث ابن عباس. وقال : هذا حديث لیس بإسناده بأس، ولکن لا نعرف وجه هذا الحدیث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه، وقال صاحب تحفة الأحوذي : وحديث ابن عباس هذا صححه الحا کم. قال ابن كثير في الإرشاد : «هو حدیث جید قوي)» (تحفة الأحوذي ٢٩٦/٤، ٢٩٧ ط السلفية). النفقة : ٦ - لا يمنع اختلاف الدار وجوب نفقة الزوجة عند أحد ممن أثبت النكاح مع اختلاف الدارين. أما نفقة الأقارب فعند الحنفية يمنع اختلاف الدارين وجوب نفقة القرابة على الأصول والفروع والحواشي. قال الزيلعي : لا يجب على المسلم نفقة أبويه الحربيين، ولا يجبر الحربي على نفقة أبيه المسلم أو الذمّي، لأن الاستحقاق بطريق الصلة، ولا تستحق الصلة للحربي أو الذمّ للنهي عن برّهم. وفي الفتاوى الهندية: لا يجير أحدهما على النفقة ولو كان الحربي مستأمنا بدار الإسلام. وصرح بعضهم بأن لا نفقة بين الحربي الذي أسلم بدار الحرب ولم يهاجر، وبين قريبه المسلم بدار الإسلام، لاختلاف الدارين. وهذا الذي نقلناه من مذهب الحنفية خالف في بعضه صاحب البدائع، فرأى أن نفقة الأصول والفروع خاصة لا يمنع وجوبها اختلاف الدارين. قال : لأن وجوب نفقة غير الأصول والفروع بطريق الصلة، ولا تجب الصلة مع اختلاف الدارين، وتجب في قرابة الولادة، ولأن وجوب النفقة هناك بحق الوراثة، ولا وراثة - أي عندهم - مع اختلاف الدارين، والوجوب في قرابة الولادة بحق الولادة، وهو لا يختلف . والظاهر أن مذهب الشافعية وجوب النفقة بين الذَّمّيّ والمستأمن في قرابة الأصول والفروع، وكذا بين المسلم والمستأمن. أما الحربيّ غير المستأمن فلا تجب النفقة بينه وبين قريبه المسلم أو الذمّيّ لعدم عصمته. وأما قرابة ماعدا الأصول والفروع فلا يجب بها نفقة عند الشافعية أصلاً . وظاهر مذهب الحنابلة أن اختلاف الدار لا يمنع - ٣٠٦ - اختلاف الدار ٧ - ٨ وجوب نفقة الأقارب اذا تحققت شروطها . ولم يتضح لنا قول المالكية في هذه المسألة. (١) الوصية : ٧ - اختلف الفقهاء في وصية المسلم أو الذمّيّ للحربي، فرأي الحنابلة جوازها مطلقا. وللشافعية قولان أصحهما الصحة. وهي المذهب. والمالكية قولان، وعدم الصحة هو المعتمد. ومنعها الحنفية اذا كان الموصي في دار الإسلام، والموصى له حربي في دار الحرب. فإن كان الموصي والموصى له في دار الحرب فقد اختلف قول الحنفية في ذلك. ووجهة من منع الوصية لهم أن التبرع لهم بتمليكهم المال إعانة لهم على حرب المسلمين. وأيضا نحن قد أمرنا بقتل الحربي وأخذ ماله، فلا معنى للوصية له. ومن أجل هذا صرح الحنفية بعدم جواز هذه الوصية ولو أجازها الورثة، ولوجاء الحربي لدار الإسلام لأخذ وصيته لم یکن له ذلك. والذين أجازوها نظروا إلى أن الوصية تمليك، ولا يمتنع التمليك للحربّ، قياساً على البيع.(٢) أما الحربي المستأمن في دار الإسلام، لو أوصى له مسلم أو ذمّ صحت الوصية له على ظاهر الرواية عند الحنفية. وروي أنها لا تجوز، لأن المستأمن على قصد الرجوع، ويمكّن منه، ولا يمكّن من زيادة المقام على السنة إلا بجزية . (١) بدائع الصنائع ٣٧/٤، والزيلعي على الكنز ٦٣/٣، والهندية ٥٦٨/١، ونهاية المحتاج ٢٠٨/٧، والخرشي ٢٠١/٤ وما بعدها ط ١٣١٦ هـ، والمغني ٢٥٩/٩، ٢٦١، وانظر أحكام الذميين والمستأمنين ص ٤٧٨ - ٤٨١ (٢) الهندية ٩٢/٦، والدسوقي على الشرح الكبير ٤٢٦/٤ ط عيسى الحلبي، والعدوى علي الخرشي ١٧٠/٨، وكشاف القناع ٢٩٦/٤ مطبعة أنصار السُّنة ١٣٧٢ هـ ولو أوصى المستأمن لمسلم أو ذقي فقد صرح الحنفية بجوازه - وهو ما يقتضيه كلام غيرهم - لأن المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام. ويقول الحنفية : إن المستأمن لو أوصى لمسلم أو ذقي بكل ماله، ولم يكن معه من ورثته بدار الإسلام أحد جاز، ولا عبرة بورثته الذين في دار الحرب، لأنهم أموات في حقنا، ولأنه لا عصمة لأنفسهم ولا لأموالهم، فلأن لا يكون لحقّهم الذي في مال مورثهم عصمة أولى. فإن كان أحد من ورثته معه، وقف الجواز على إجازتهم. (١) القصاص : ٨- إذا قتل الذّمَي مستأمناً وجب عليه القصاص وكذلك إذا قتل المستأمن ذقيًّا. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة، إلا أن الحنفية استثنوا حالة كون القاتل ذميا والمقتول مستأمنا ، فلا قصاص عندهم، قال صاحب البدائع : لأن عصمة المستأمن لم تثبت مطلقاً، بل موقوتة إلى غاية مقامه بدار الإسلام، لأن المستأمن من أهل دار الحرب وإنما دخل دار الإسلام لا بقصد الإقامة بل لحاجة يقضيها ثم يعود إلى وطنه . فكان في عصمته شبهة الإباحة. وروي عن أبي يوسف أنه قال : يقتل به قصاصاً لقيام العصمة وقت القتل. ولا يقتل الذمي بالحر بي اتفاقاً، لأنه لا عصمة له أصلاً، ولا خلاف في ذلك، كما في المغني. ولم يصرحوا بحكم المستأمن إذا قتل حربيًّا، (١) الدر المختار بحاشية الطحطاوي ٣٣٦/٤ط بولاق؛ والبدائع ٣٣٥/١؛ وانظر العناية على الهداية ط بولاق ٤٨٨/٨ - ٣٠٧ - اختلاف الدار ٩ - ١٠ اختلاف الدین ١ - ٢ والظاهر انه لا يقتل به، لأن الحربي لا عصمة له أصلاً. (١) العقل ( حمل الدية ) : ٩ - عند الشافعية : يعقل الذمّ اليهودي أو المعاهد أو المستأمن عن النصراني المعاهد أو المستأمن، وبالعكس، في الأظهر عندهم. أما الحربّي فلا يعقل عن نحو ذمي، وعكسه، لانقطاع النصرة بينهما، لاختلاف الدار. والمقدم عند الحنابلة أن الذمّ لا يعقل عن الحربي، كما لا يعقل الحربي عن الذمّي. والقول الآخر: إن توارثا تعاقلا وإلا فلا.(٢) والظاهر أن الحربي في كلامهم هذا شامل للمستأمن. ولم نجد في كلام كلٍ من الحنفية والمالكية تعرُّضاً لهذه المسألة . حد القذف : ١٠ - لا حد على المسلم أو الذمي إذا قذف حر بيا ولو مستأمنا، باتفاق المذاهب الأربعة، لعدم إحصان المقذوف، بسبب كفره. أما لو قذف المستأمن مسلماً فعليه الحد ، لأنه بدخوله دار الإسلام بالأمان التزم إيفاء حقوق العباد، وحد القذف حق للعبد. وهذا ما اتفق عليه الفقهاء عند الحنفية والمالكية - ماعدا أشهب - وعند الشافعية والحنابلة. وفي المدونة : إذا قذف (١) بدائع الصنائع ٢٣٦/٧؛ والخرشي ٤/٧، والأم للشافعي ط بولاق ٤٠/٦، ومطالب أولي النهى ٣١/٦ط المكتب الإسلامي بدمشق. وانظر احكام الذميين والمستأمنين ص ٢٤٨ وما بعدها (٢) نهاية المحتاج ٣٣٥/٧، وكشاف القناع ٤٨/٦، والفروع ٤٤٨/٣ ط المنار. الحربيّ في دار الحرب مسلما بالزنا ثم أسلم ودخل دار الإسلام فإنه لا حد عليه. (١) اختلاف الدين ١ - اختلاف الدين يستتبع أحكاماً شرعية معينة، كامتناع التوارث. واختلاف الدين الذي يستتبع تلك الأحكام إما أن يكون اختلافا بالإسلام والكفر، فهذا يستتبع أحكام اختلاف الدين اتفاقا، وإما أن يكون الشخصان كافرين، إلا أن كلا منهما يتبع غير ملة صاحبه، كأن يكون أحدهما يهوديا والآخر مجوسيّاً . وفي هذا النوع اختلاف یتبین ممايلي : ومن أهم الأحكام التي تبنى على اختلاف الدین: أ - التوارث : ٢ - اختلاف الدين أحد موانع التوارث، لبناء التوارث على النصرة، فلا يرث الكافر المسلم اتفاقا . إلا أن أحمد يرى توريث الكافر بالولاء من عتيقه المسلم. وروى مثله عن علي وعمر بن عبدالعزيز. ولو أسلم الكافر قبل قسمة التركة ورث عند أحمد ترغيبا له في الإسلام. وفي ميراث المسلم من المرتد خلاف. ولا یرث المسلم کافراً، عند الجمهور، (١) المدونة ٢٢/١٦، والخرشي ٨٦/٨، والمهذب ٢٧٣/٢ط ١٣٧٩ هـ - ٣٠٨ - اختلاف الدين ٣ - ٥ وروي توريثه عن بعض الصحابة، لما في الحديث ((الإسلام يعلو ولا يُغْلى)) والحديث الآخر ((الاسلام يزيد ولا ينقص)).(١) وأما توارث أهل الكفر فيما بينهم، فعند الإمامين أبي حنيفة والشافعي وفي رواية عن أحمد: يثبت التوارث بينهم وإن اختلفت مللهم، لقول الله تعالى : ((والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)) (٢) ولأن الكفار على اختلاف مللهم كالنفس الواحدة في معاداة المسلمين . وعند مالك : هم ثلاث ملل : فاليهود ملة، والنصارى ملة، ومن عداهم ملة. وعند أحمد في رواية عنه: هم ملل شتى، لقول الله تعالى: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا))(٣) ولحديث: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) (٤) ب - النكاح : ٣ - لا يتزوج كافر مسلمة، ولا يتزوج مسلم كافرة (١) العذب الفائض ٣٠/١ - ٣٢، وابن عابدين ٤٨٩/٥ ط بولاق ١٢٧٢هـ. وحديث ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي في السنن من حديث معاذ بن جبل. قال الحافظ في الفتح : قال الحاكم: صحيح. وتعقب بالانقطاع (فيض القدير ١٧٩/٣). وقال المنذري : فيه رجل مجهول (عون المعبود ١٢٣/٨ ط السلفية). (٢) سورة الأنفال/ ٧٣ (٣) سورة المائدة/٤٨ (٤) العذب الفائض ٣٢/١، والمبسوط للسَّرخسي ٣٠/٣٠ - ٣٣، وحديث ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) قال المنذري : أخرجه النسائي وابن ماجه وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر وقال : غريب لا نعرفه من حديث جابر الا من حديث ابن أبي ليلى. قال صاحب عون المعبود : ابن أبي ليلى هذا لا يحتج بحديثه (عون المعبود ١٢٢/٨ ط السلفية). إلا أن تكون من أهل الكتاب. وإن أسلم أحد الزوجين الكافرين فرّق بينهما إن كان لا يحل ابتداء النكاح بينهما . وتفصيل ذلك موطنه (النكاح). ج - ولاية التزويج : ٤ - اختلاف الدين بالإسلام والكفر أحد موانع ولاية التزويج باتفاق المذاهب الأربعة. فلا يلى كافر تزويج مسلمة، ولا مسلم تزويج كافرة، لقول الله تعالى: ((والذين كفروا بعضهم أولياء بعض» وقوله : ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)). (١) واستثنوا جميعا تزويج المسلم أمته الكافرة، لأنه إنما يزوجها بالملك لا بالولاية، وتزويج السلطان المسلم أو نائبه المرأة الكافرة إن تعذر وليها الخاص. وعند المالكية: إن زوّج المسلم ابنته الكافرة لكافر، يُثْرك، فلا يُتَعَرَّضُ له، وقد ظَلَم نفسه(٢). أما إن اختلف الدين بغير الاسلام والكفر، كتزويج اليهوديّ موليته النصرانية، وعكسه، فقد صرّح الشافعية بجواز ذلك. ولم يصرح به غيرهم،(٣) وعند الحنابلة يتخرج على الروايتين في التوريث، والمقدم منعه . د - الولاية على المال : ٥ - لا تثبت هذه الولاية لغير المسلم على المسلم، (١) سورة المائدة/٥٥ (٢) ابن عابدين ٣١٢/٢، والحطاب مع المواق ٤٣٨/٣ مكتبة النجاح في ليبيا عن طبعة القاهرة، والصاوي على الشرح الصغير ٣٨٧/١ط مصطفى الحلبي، والجمل على المنهج ١٥٦/٤، والمغني ٣٦٤/٧ ط الأولى. (٣) كشاف القناع ٤٠/٥ مطبعة أنصار السنة بالقاهرة. - ٣٠٩ - اختلاف الدين ٦ - ٧ لقول الله تعالى: ((ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)) (١) صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة. ولم يصرحوا بمنع ولاية المسلم على الكافر، إلا أنهم صرحوا بولاية القاضي المسلم على المحجور عليه الذمي. ولم يتعرض المالكية لهذه المسألة وإن صرحوا في الوصي خاصة أن من شرطه الإسلام. (٢) هـ - الحضانة : ٦ - للفقهاء في أثر اختلاف الدين في إسقاط حق الحضانة ثلاثة اتجاهات : فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الحضانة لا تثبت للكافر على المسلم ولو كان الكافر أمَّا ، وتثبت للمسلم على الكافر. وذهب المالكية إلى أنه لا أثر لاختلاف الدين في إسقاط حق الحضانة حتى لوكان الحاضن كافراً مجوسياً أو غيره، وكان المحضون مسلماً. وسواء أكان الحاضن ذكراً أو أنثى. فإن خيف على المحضون من الحاضن فساد، كأن يغذّيه بلحم خنزير أو خمر، ضمّ إلی مسلم لیکون رقيباً علیه، ولا ينزع منه . وذهب الحنفية إلى التفريق بين حضانة النساء وحضانة الرجال، فلا يشترط عندهم اتحاد الدين بين المرأة الحاضنة وبين المحضون. كذا في بدائع الصنائع نقلا عن الأصل. وعلله بأن الشفقة على المحضون المطلوبة في الحاضنة لا تختلف باختلاف الدين. قال : وكان الرازي من الحنفية يقول بالنسبة (١) سورة النساء/ ١٤١. (٢) كشاف القناع ٢٢٣/٢، ونهاية المحتاج ٣٦٣/٤ط مصطفى الحلبي، والبدائع ٥٣/٥ط سنة ١٣٢٧هـ، والخرشي ١٩٢/٨ ط ١٣١٦ هـ لحضانة الأم إذا كانت كتابية وولدها مسلم : إنها أحق بالصغير والصغيرة حتى يعقلا. فإذا عقلا سقط حقها لأنها تعودهما أخلاق الكفرة. وقيده فى النهر بسبع سنين. وإن خيف منها أن يألف الكفر ينزع منها وإن لم يعقل. أما حضانة الرجل فيمنع استحقاقها عند الحنفية اختلاف الدين، فلا حق للعصبة في حضانة الصبي إلا أن يكون على دينه، لأن هذا الحق لا يثبت إلا للعصبة، واختلاف الدين يمنع التعصيب، فلو كان للصبي اليهودي أخوان أحدهما مسلم والآخر يهودي فحضانته لأخيه اليهودي لأنه عصبته.(١) و- تبعية الولد في الدين : ٧ - أولا : إذا اختلف دين الوالدين بأن كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً فإن ولدهما الصغير، أو الكبير الذي بلغ مجنونا، يكون مسلماً تبعا لخيرهما دينا. هذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. واشترط الحنفية أن يكون الولد وخير أبو يه متحدي الدار حقيقة وحكما كأن يكون خير الأبوين مع الولد في دار الاسلام أو دار الحرب، أو حكما فقط بأن كان الصغير في دارنا والأب في دار الحرب. فإن اختلفت الدار حقيقة وحكما بأن كان الأب في دارنا والولد في دار الحرب لم يتبعه. (٢) (١) بدائع الصنائع ٤٢/٤، ٤٣، وحاشية ابن عابدين ٦٣٩/٢، وحاشية الدسوقي ٥٢٩/٢ط عيسى الحلبي، ونهاية المحتاج ٢١٨/٧، والمغني ٢٩٧/٩ (١) حاشية ابن عابدين ٣٩٤/٢، ٣٩٥، والزيلعي ١٧٣/٢، ومطالب أولي النهى ٣٠٦/٦، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج ١٢٦/٣، وما بعدهاط عيسى الحلبي. - ٣١٠ - اختلاف الدين ٨ - ١١ أما عند المالكية فإن الولد غير المميز يتبع في الإسلام أباه فقط لا أمه ولا جده. (١) ٨ - ثانيا: إذا اختلف دين الوالدين ولم يكن أحدهما مسلما، فإن الولد غير المميز يتبع خيرهما ديناً عند الحنفية . ومقتضى قول المالكية أن الولد تبع لأبيه في الدین دون أمه، واضح. وعند الشافعية إذا لم يكن أحدهما مسلما واختلفت ملتها فإن الولد يتخیر بعد بلوغه حتى لو كان أحد الأبوين نصرانياً والآخر يهودياً وكان لهما ولدان فاختار أحدهما اليهودية والآخر النصرانية .. (٢) حصل التوارث بينهم. ولم يعثر للحنابلة على نص في هذه المسألة . ز_النفقة : ٩ - لا يمنع اختلاف الدين وجوب نفقة الزوجية اتفاقاً، وكذلك نفقة المماليك. أما النفقة على الأقارب فيمنعها اختلاف الدين. فلا يجب على الشخص نفقة قريبه إن لم يكن دينهما واحداً. ولم يختلف في هذا في غير عمودي النسب . ١٠ - أما عمودا النسب، وهما الأصول والفروع ففيهما اتجاهان : الأول : تجب النفقة لهم سواء اتفق الدين أم اختلف وهذا مذهب جمهور العلماء : الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية مرجوحة عند الحنابلة، إلا أن (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٠٠/٢ و٣٠٨/٤ (٢) حاشية القليوبي ١٤٨/٣، والزيلعي ١٧٣/٢ المالكية يقصرون نفقة الأصول والفروع على الوالدين والولد، ولا يوجبونها للأجداد والجدات وولد البنين. واستثنى ابن الهمام الحربيين منهم فلا تجب نفقتهم على المسلم وان كانوا مستأمنين لأنا نهينا عن البرّ في حق من يقاتلنا في الدين. ودليل هذا الاتجاه أن هذا القريب يعتق على قريبه فيجب عليه نفقته، وأن وجوب النفقة هنا بحق الجزئية والبعضية بين الوالد والولد، ولا يختلف ذلك باختلاف الدين، وجزء المرء في معنى نفسه . والاتجاه الثاني : لا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين. وهو مذهب الحنابلة. ودليله أنها مواساة تجب على سبيل البرّ والصلة، فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب، ولأنهما غير متوارثين، فلم يجب لأحدهما نفقة على الآخر.(١) ح - العقل (حمل الدية) : ١١ - اختلاف الدين بالإسلام والكفر يمنع العقل، فلا يعقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر، باتفاق المذاهب الأربعة، حتى لقد نص المالكية والشافعية والحنابلة أن بيت مال المسلمين يعقل عن المسلم إن عجزت عاقلته، ولا يعقل عن كافر ذمي أو معاهد، أو مرتد، لاختلاف الدين. ثم قد صرح المالكية والحنابلة أنه لا يعقل هودي عن نصراني، ولا نصراني عن يهودي. وخالفهم الحنفية والشافعية، فالكفار عندهم يتعاقلون وإن (١) بدائع الصنائع ٣٦/٤، وفتح القدير ٣٤٨/٣ط بولاق، وحاشية الدسوقي ٥٢٢/٢، ونهاية المحتاج ٢٠٨/٧، والمغني ٢٥٩/٩ - ٣١١ - اختلاف الدين ١٢ - ١٣ اختلفت مللهم . قال صاحب الدر: لأن الكفر ملة واحدة، وفي نهاية المحتاج اشتراط اتحاد الدار. (١) ط - الوصية : ١٢ - يتفق الحنفية والحنابلة وأكثر الشافعية على صحة الوصية إذا صدرت من مسلم لذمي، أو من ذقّي لمسلم، واحتج لذلك بقول الله تعالى: ((لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين))، (٢) ولأن الكفر لا ينافي أهلية التملك، فكما يصح بيع الكافر وهبته فكذلك الوصية. ورأى بعض الشافعية أنها إنما تصح للذمّي إذا كان مُعَيَّناً، كما لوقال: أوصيت لفلان. أما لو قال : أوصيت لليهود أو للنصارى أو حتى لوقال : أوصيت لفلان الكافر فلا تصح، لأنه جعل الكفر حاملاً على الوصية. أما المالكية فيوافقون من سواهم على صحة وصية الذقي لمسلم. أما وصية المسلم الذمّي فيرى ابن القاسم وأشهب الجواز إذا كانت على وجه الصلة، بأن كانت لأجل قرابة، وإلا كرهت. إذ لا يوصى للكافر ويدع المسلم، إلا مسلم مريض الإيمان. وصرح الحنفية كما في الطحطاوي على الدر، وغيره، بأن الكافر إذا أوصى لكافرٍ من ملة أخرى جاز، اعتباراً للإرث، إذ الكفر كله ملّة واحدة. (٣) (١) الطحطاوي على الدر المختار ٣١٢/٤ط بولاق، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٨٣/٤، ونهاية المحتاج ٣٥٣/٧، وكشاف القناع ٤٩/٦ (٢) سورة الممتحنة /٨ (٣) الطحطاوي ٣٣٦/٤، والبدائع ٣٣٥/٧، والدسوقي على الشرح الكبير ٤٢٦/٤، ونهاية المحتاج ٤٨/٦، وكشاف القناع ٢٩٦/٤ ي - الشركة : ١٣ - لا يمنع اختلاف الدين قيام الشركة بين المسلم والكافر. واشترط المالكية والحنابلة ألا ينفرد الكافر بالتصرف لأنه يعمل بالربا ولا يحترز مما يحترز منه المسلم. قال الحنابلة : وما يشتريه الكتابى أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسداً وعليه ضمانه. وقال المالكية : شركة الذمي لمسلم صحيحة بقيد حضور المسلم لتصرف الكافر. وأما عند غيبته عنه وقت البيع والشراء فلا يجوز، ويصح بعد الوقوع. وبعد ذلك إن حصل للمسلم شك في عمل الذّمّي بالربا استحب له التصدق بالربح فقط لقوله تعالى : ((فلكم رءوس أموالكم)) (١) وإن شك في عمله بالخمر استحب له التصدق بالربح ورأس المال جميعاً لوجوب إراقة الخمر على المسلم. وإن تحقق وجب التصدق . وذكر الحنابلة أن الذمّي المجوسي تكره مشاركته أصلا وتصح بالقيود السابقة . والشافعية يعمّمون الكراهة في مشاركة كل کافر. أما الحنفية فإنهم اشترطوا في المفاوضة خاصة التساوي في الدين، فتصح بين مسلمين، وبين نصرانيين ولا تصح بين مسلم ونصراني، لأن من شرطها التساوي في التصرف ((لأن الكافر اذا اشترى خمرا أو خنزيرا لا يقدر المسلم أن يبيعه وكالة من جهته فيفوت شرط التساوي في التصرف)). وأجازها أبو يوسف مع الكراهة، وعلل الكراهة بأن الكافر لا يهتدي إلى الجائز من العقود. وأما بين (١) سورة البقرة/٢٧٩ - ٣١٢ - اختلاف الدين ١٤ اختلال ١ كافرين مختلفي الملة كيهودي ونصراني فتصح عند الحنفية وأما شركة العنان فتصح بين المسلم والكافر أيضا. وفي البدائع أن شركة المضاربة تصح بينهما أيضا ولم يتعرضوا لاختلاف الدين في شركة الوجوه وشركة الأعمال. (١) ك - حد القذف : ١٤ - إذا قذف الذمي بالزنى مسلما أو مسلمة فعليه حد القذف، إذا تمت شروطه، باتفاق المذاهب. وإذا قذف المسلم أو المسلمة كافرا، ذميا أو غيره، فلا حد عليه اتفاقاً كذلك، لأن إحصان المقذوف شرط إقامة الحد، والإحصان شرطه الإسلام. وفي هذه الحالة يعزر القاذف لأجل الفرية . وخالف سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى فيمن قذف ذمّة لها ولد مسلم ، فقالا : يحد لذلك. (٢) اختلاف المطالع أنظر: مطالع (١) الدروحاشية ابن عابدين ٣٣٧/٣، والزيلعي ٣١٤/٣، والبدائع ٨١/٦، ٨٢، وكفاية الطالب الرباني بحاشية العدوي ١٦٢/٢ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٧هـ، ونهاية المحتاج ٥/٥، والمغني ١٠٩/٥ (٢) البدائع ٤٠/٧، والخرشي ٨٦/٨، والمهذب ٢٧٣/٢ط ١٣٧٩ هـ، والمغني ٢٠٢/١٠ اختلال التعريف : ١ - الاختلال لغة مصدر اختلّ . وأصله يكون من الخلل،(١) وهو الفسادُ والوهن في الرأي والأمر، كأنه تُركَ منه موضع لم يُرَم ولا أُحْكِم. ومن هنا فإن الاختلال إما حسّ وإما معنوي. فالحسّ نحو اختلال الجدار والبناء. والمعنوي بمعنى الفقر والحاجة. (٢) والاختلال في اصطلاح الفقهاء لا يبعد عن المعنى اللغوي المذكور، إذ يأتي بمعنى مداخلة الوهن والنقص للشيء أو الأمر. ومنه ((اختلال العقل))، وهو العتَه الذي يختلط معه كلام صاحبه فيشبه مرة كلام العقلاء، ومرة كلامَ المجانين، و((اختلال العبادة أو العقد)» بفقد شرط أو ركن أو فسادهما ، و((اختلال الرضا)» بالإكراه أو تفريق الصفقة أو غيرهما، و(اختلال الضبط)) لدى الراوي الذي يتبين بمخالفته روايات الثقات. (٣) (١) وفي الصباح، والمرجع في اللغة. أن الخَلّ سمّى بذلك لاختلال طعم الحلاوة في العصير إذا تحول خلاً. (٢) لسان العرب . (٣) شرح مسلم الثبوت ١٧٣/١، والتلويح على التوضيح ١٦٨/٢٠ ط صبيح ، مقدمة ابن الصلاح ، بتحقيق الدكتور العتر، النوع ٢٣ ص ٥٦،٥٥ - ٣١٣ - اختلال ٢ - ٥ الألفاظ ذات الصلة : ٢ - أ- الإخلال: هو فعل الشخص إذا أوقع الخَلَل بشيء ما، والاختلال مطاوعُه، و(«الإخلال» بالعهد والعقد عدم الوفاء بها، (١) وإخلالُ التصرّف بالنظام العام أو الآداب كونه مخالفا لهما . (٢) ب - الفساد والبطلان : الاختلال أعم من الفساد والبطلان، إذ يدخل فيه اختلال العبادة أو العقد أو غيرهما بنقص بعض المكملات التي لا يقتضي نقصها بطلاناً ولا فساداً، كترك إزالة النجاسة نسياناً بالنسبة إلى الصلاة، وترك المبيت بمنى للحاج، وترك الإشهاد على البيع، أو بفعل مخالف لمقتضى الكمال في العبادة أو التصرف، كالحركة اليسيرة في الصلاة، وكإيقاع البيع بعد نداء الجمعة عند من لا يبطله بذلك. فإن كل ذلك لا يقتضي فساداً ولا بطلاناً، ولا تخرج به العبادة أو التصرف عن الصحة، ولكن تفقد بعض الكمال. الحكم الإجمالي : يتعرض الفقهاء للاختلال في مواضع كثيرة من كلامهم، ومن أبرزها ما يلي: ٣ - أ- قسم الشاطبي وغيره التكاليف الشرعية الضروريات، والحاجيات، ثلاثة أقسام : والتحسينيات (أو التكميليات)، ثم فعّد الشاطبي لتأثير اختلال كلٍّ منها فيما سواه ممّا له ارتباط به خمس قواعد : ١ - إن الضروري أصل لما سواه من الحاجيّ والتكميليّ. (١) المرجع في اللغة . (٢) مجلة الأحكام العدلية م ٣٨٨ ٢ - إن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق. ٣ - أنه لا يلزم من اختلال الباقيين بإطلاق اختلال الضروري. ٤ - أنه قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق، أو الحاجي بإطلاق، اختلالُ الضروري بوجه ما . ٥ - أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني والضروري . ثم أطال في بيان ذلك فليرجع إليه من شاء(١) ب - الاختلال في العبادات : ٤ - الخلل في العبادة إما أن يكون بترك شرط فيها أو ركن أو واجب أو مستحب، أو بارتكاب محظور فيها أو مكروه. وقد يترك ذلك، أو يفعل، عمداً أو خطأ أو نسياناً. ثم قد يؤدي بعض ذلك إلى بطلان العبادة أو فسادها. وقد يمكن تدارك المتروك أحيانا أو يجير بنحو سجود سهو أو فدية أو قضاء أو غيرهما . وينظر تفصيل كل ذلك في مواضعه (ر: استدراك. بطلان. سهو. فدية. فساد ... الخ) ج - اختلال العقود : ٥ - اختلال العقد إن كان بخلل في ركن العقد فإنه يمنع انعقاده. فبيع الصبي غير المميز وبيع المجنون وشراؤهما باطل. وإن كان بخلل في غير الركن بل في بعض أوصافه الخارجة، كما إذا كان المبيع مجهولا ، أو کان الخلل في أوصاف الثمن،فإن ذلك لا یوجب (١) الموافقات ١٦/٢ وما بعدها . - ٣١٤ - اختلال ٥ اختیار ١ - ٣ البطلان بل قد يوجب الفساد. وهذا مذهب الحنفية . (١) وقد يختل تنفيذ العقد نتيجة لحادث لا مجال معه لتنفيذ العقد على الصورة التي تم التعاقد عليها، كما في حالة تفرق الصفقة بهلاك بعض المبيع أو استحقاقه. وهذا يؤدي إلى تعيّب رضا الطرف الآخر، فيوجب الخيار. وكذلك قد يختلّ رضا أحد العاقدين بوجود العيب في المبيع أو الثمن المعيّن، فيثبت الخيار، جبراً لذلك. قال الكاساني: ((لأن السلامة لمّا كانت مرغوبة للمشتري، ولم تحصل، فقد اختل رضاه . وهذا يوجب الخيار، لأن الرضا شرط صحة البيع، لقول الله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم)) (٢) فامتناع الرضا يمنع صحة البيع، واختلاله يوجب الخيار فيه، إثباتاً للحكم على قدر الدليل)). (٣) وللتوسع في ذلك (ر: خيار) . (١) مجلة الأحكام العدلية وشروحها م ٣٤٦، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٤ (٢) سورة النساء / ٢٩ (٣) بدائع الصنائع ٢٧٤/٥ اختَيَار التعريف : ١ - الاختيار لغة : تفضيل الشيء على غيره. (١) واصطلاحاً : القصد إلى أمر متردد بين الوجود والعدم داخل في قدرة الفاعل بترجيح أحد الجانبين على الآخر. (٢) الألفاظ ذات الصلة : أ_ الخيار: ٢ - الخيار حق ينشأ بتخويل من الشارع، كخيار البلوغ، أو من العاقد، كخيار الشرط . فالفرق بينه وبين الاختيار أن بينهما عموما وخصوصا مطلقا ، فكل خيار يعقبه اختيار، وليس كل اختيار يكون مبنیا علی خیار. ب - الإرادة : ٣ - الإرادة لغة : المشيئة، وفي استعمال الفقهاء هي «القصد))، (٣) أي اعتزام الفعل والاتجاه إليه، فيقولون في طلاق الكناية مثلاً: إن أراد به الطلاق وقع طلاقاً، وإن لم يرد به طلاقاً لم يقع طلاقاً. (١) القاموس المحيط ، ومتن اللغة، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، مادة: خَيَر. (٢) كشف الأسرار ١٥٠٣/٤ طبع مكتب الصنائع سنة ١٣٠٧ هـ (٣) المقنع ١٤٣/٣ طبع السلفية، والبحر الرائق ٣٢٢/٣، وحاشية البجيرمي ٥/٤ - ٣١٥ - ٠ اختيار ٤ - ٧ ويقولون في العقود : يشترط لصحتها تلاقي الإرادتين. ويقولون في الأيمان : يُسأل الحالف عن مراده ... وهكذا. ومن هنا يتبين أن كل اختيار لابد أن يشتمل على إرادة، وليس من الضروري أن يكون في كل إرادة اختيار. ج - الرضا: ٤ - يفرق الحنفية دون غيرهم بين الاختيار والرضا. وإذا كان الاختيار كما تقدم ترجيح أحد الجانبين على الآخر، فإن الرضا. هو الانشراح النفسي، ولا تلازم بينهما بوجه عام! فقد يختار المرء أمراً لا يرضاه. ويظهر هذا التفريق عندهم - أي الحنفية - في مسائل الإكراه، فالإ كراه غير الملجىء - كالضرب المحتمل، والقيد، ونحوهما - يفسد الرضا ولكنه لا يفسد الاختيار، أما الإكراه الملجىء فانه يعدم الرضا ويفسد الاختيار. (٢) شروط الاختيار: ٥ - لكي يكون الاختيار صحيحاً لابد أن يكون من له الاختيار مكلفاً، وأن يكون في قصده مستبداً، أي : لاسلطان لأحد عليه. وعلى هذا فإن الاختيار يكون فاسداً إذا اختل شرط من شروط التكليف، بأن كان من له الاختيار مجنوناً، أو صغيراً غير مميز، أو كان اختياره مبنياً على اختيار غيره، فإذا اضطر إلى (١) كشف الأسرار ١٥٠٣/٤ (٢) كشف الأسرار ١٥٠٣/٤، وشرح المنار لابن ملك وحواشيه ص ٩٩٢ طبع المطبعة العثمانية سنة ١٣١٥ هـ، وبدائع الصنائع ١٧٩/٧ الطبعة الأولى مباشرة أمر بالإكراه الملجىء، كان قصده بالمباشرة دفع الإكراه حقيقة، فيصير الاختيار فاسداً، لابتنائه على اختيار المكرِه - بالكسر - وإن لم ينعدم أصلاً.(١) تعارض الاختيار الصحيح مع الاختيار الفاسد : ٦ - إذا تعارض الاختيار الفاسد والاختيار الصحيح، وجب ترجيح الاختيار الصحيح على الاختيار الفاسد إن أمكن نسبة الفعل إلى الاختيار الصحيح. وإن لم يمكن نسبته إلى الاختيار الصحيح بقي منسوباً إلى الاختيار الفاسد، كما هو الحال في الإكراه على الأقوال وعلى الأفعال التي لا يصلح أن يكون فيها الإنسان آلة لغيره، كالأكل والوطء ونحوهما .(٢) ومحل تفصيل ذلك بحث (إكراه). المخيّر: ٧ - التخيير إما أن يكون صادراً عن الشارع، كتخيير المستنجي بين استعمال الماء أو الحجارة ونحوها للاستنجاء، وتخيير الحانث في التكفير عن يمينه بين ما تضمنته الآية من خصال. وإما أن يكون صادراً عن غيره كتخيير الشريك شريكه بين شراء حصته من الد كان أو بيع حصته له، أو بيع الد كان كاملاً لشخص ثالث. ولا يملك التخيير إلا صاحب الحق أو من ينوب عنه شرعاً. وسيأتي الكلام على ذلك مفصلاً في مصطلح (تخيير) إن شاء الله تعالى. (١) كشف الأسرار ١٥٠٣/٤ (٢) شرح المنار وحواشيه ص ٩٩١ - ٣١٦ - اختیار ٨ - ١١ مایرد عليه الاختيار: ٨ - أ - الحقوق على نوعين: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد . أما ما يتعلق بحقوق الله تعالى من الواجب المعين كالصلاة ومن المحرم كالزنى، فلا اختيار للعبد فيها من الناحية التكليفية. أما ما يتعلق بحقوق العباد كالدّيْن، والهبة، والردّ بالعيب، والأخذ بالشفعة، ونحو ذلك، فإن له فيه اختياراً. قال الشاطبي: ((ما كان من حقوق الله فلا خيرة فيه للمكلف على حال، وأما ما كان من حق العبد في نفسه فله فيه الخيرة))،(١) من حيث جعل الله له ذلك لا من جهة أنه مستقل بالاختيار. (٢) ب۔۔ والتخییر قد یرد علی شیئین کلاهما حلال، وفي هذه الحالة يجوز أن يرد الاختيار على أي الشيئين يريده المخيِّر (بكسر الياء). وقد يرد على شيئين كلاهما محرم، فاذا ما أكره المخيَّر (بفتح الياء) على اختيار واحد منهما لزمه اختيار ما كان أخف ضرراً، لأنه يرتكب أخف الضررين لا تقاء أشدهما . (٣) وقد يرد على شيئين أحدهما حلال والآخر حرام، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يرد الاختيار على غير الحلال . اشتراط الاختيار لترتيب الثواب والعقاب : ٩ - الاختيار شرط لترتب الثواب والعقاب فى (١) الموافقات ٢٨٥/٢، المطبعة الرحمانية. (٢) الموافقات ٢٧٨/٢ (٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم مع حاشية الحموي ص ١٢١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٧ طبع البابي الحلبي. الآخرة، وهو شرط لترتب العقوبة على الفعل في الدنيا، ومحل بحث ذلك كله مصطلح (إكراه). حكمة مشروعية الاختيار: ١٠ - شرع الاختيار لتحقيق مصالح العباد التي هي غاية من غايات الشريعة، وهذه المصلحة قد تكون مصلحة فردية للمختار نفسه أو غيره عندما يكون محل الاختيار قاصراً عليه لا يتعداه إلى غيره. وقد تكون المصلحة التي يجب توخيها في الاختيار مصلحة جماعية . مواطن البحث : ١١ - اختيار المستنجي بين استعمال الماء وغيره من أدوات التطهير، ذكره الفقهاء في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء. واختيار المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلوات الجهرية، ذكره الفقهاء في كتاب الصلاة. واختيار من رخص له في الجمع بين الصلاتين بين الجمع وعدمه ذكره الفقهاء في كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر. واختيار الذي قرأ آية السجدة في الصلاة، بين السجود حالاً والإرجاء، ذكره الفقهاء في كتاب الصلاة باب سجود التلاوة. واختيار الحاج بين الإفراد والتمتع والقران، واختياره في فدية حلق الشعر بين الصيام والصدقة والنسك، واختياره بين الحلق والتقصير في التحلل من الإحرام، واختياره بين التعجل في يومين - من - ٣١٧ - اختيار ١١ اختيال ١ - ٢ أيام منى - وبين التأخر، ذكر الفقهاء ذلك كله في کتاب الحج. - واختيار دافع الزكاة - عند البعض - ان لم يجد السن المطلوبة في زكاة الإبل أن يدفع السن الأدنى مع دفع الفرق - وهو عشرة دراهم - او يدفع السن الأعلى مع أخذ الفرق. كما نصوا على ذلك في كتاب الزكاة. - واختيار المسافر بين الصوم والفطر، عند البعض، كما ذكروا ذلك في كتاب الصيام. - واختيار الحانث بين الإعتاق والكسوة والإطعام. في الكفارة كما نصوا على ذلك في كتاب الأيمان. - واختيار الزوج في الطلاق الرجعي بين إرجاع زوجته أو بت طلاقها، واختيار الزوجة التي خيرت بين إيقاع الطلاق وعدمه كما هو منصوص عليه في كتاب الطلاق من كتب الفقه. - واختيار الصغير عند انتهاء مدة الحضانة أحد والديه ليكون معه - عند البعض - كما هو منصوص عليه في كتاب الحضانة من كتب الفقه. - واختيار صاحب الحق بين مطالبة الأصيل أو الوكيل، أو مطالبة أي الكفيلين شاء كما هو مذ كور في كتاب الوكالة، وفي كتاب الكفالة من كتب الفقه . - واختيار الصغيرة المتزوجة حين بلوغها بين البقاء على النكاح أو فسخه، كما هو مذ كور في خيار البلوغ من كتب الفقه. - واختيار الأمة المتزوجة اذا عتقت بين البقاء على النكاح أو فسخه كما هو مذكور في خيار العتق من كتب الفقه. - والاختيار يبحث أيضا)» في العيب وفي تفرق الصفقة وغيرها من الخيارات العقدية. - واختيار من له الشفعة بين الأخذ بالشفعة والترك كما هو مذ كور في كتاب الشفعة من كتب الفقه. - واختيار الإمام في الأراضي المفتوحة عنوة بين قسمتها ووقفها كماذكر ذلك الفقهاء في كتاب الجهاد باب الغنائم. - واختيار الإمام بين التنفيل وعدمه في الجهاد كما هو مذ كور فى بابه . - واختيار الإمام بين الاجابة إلى الهدنة وعدمها كما هو مذ كور في کتاب الجهاد من كتب الفقه. - واختيار القاضي العقوبة الرادعة في التعزير كما هو مذ كور في باب التعزير من كتب الفقه. اختَيَالْ التعريف : ١ - الاختيال في اللغة يطلق بمعنى الكِبر، كما يطلق بمعنى العجب . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن هذين الإطلاقین. الألفاظ ذات الصلة : أ _ الكبر: ٢ - من المعلوم أن الكبرينقسم إلى باطن، وظاهر. - ٣١٨ - اختيال ٣ - ٥ فالباطن هو خلق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح. واسم الكبر بالخلق الباطن أحق، وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق. وخلق الكبر موجب للأعمال، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال : تكبر، وإذا لم يظهريقال : في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق الذي في النفس، وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس. فوق المتكبر عليه . ولهذا فإن الكبريستدعي متكبرا عليه، لأنه لا يتصور أن يكون متكبر، إلا أن يكون مع غيره، وهو يرى نفسه فوق هذا الغير في صفات الكمال، فعندئذ يكون متكبرا، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متکبرا، فإنه قد يستعظم نفسه، ولکنه یری غیره أعظم من نفسه، أو مثل نفسه، فلا يتكبر عليه . ولا يكفي أن يستحقر غيره. فإنه مع ذلك لو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر. بل ينبغي ليكون متكبرا أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر. بل إن هذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه اعتداد، وهزة، وفرح، وركون إلى ما اعتقده، وعز في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزة، والهزة، والركون إلى العقيدة هو خلق الكبر. (١) ب - العجب : ٣ - العجب في اللغة هو: الزهوّ، يقال رجل معجب : يعني مزهوّ بما يكون منه حسنا أو قبيحا .(٢) (١) إحياء علوم الدين للغزالي ١٨/١١، ١٩ (٢) لسان العرب لابن منظور ٥٨٢/٥ وأصل العجب عند العلماء هو حمد النفس ، ونسيان النعمة، وهو نظر العبد إلى نفسه، وأفعاله، وينسى أن ذلك إنما هو منّة من الله تعالى عليه، فیحسن حال نفسه عنده، و یقل شكره، و ینسب إلى نفسه شيئا هو من غيرها، وهي مطبوعة على خلافه. (١) ج - التبختر: ٤ - التبختر مشية خاصة، وهي مشية المتكبر المعجب بنفسه. والتبختر آفة من الآفات المهلكة، لأنه مظهر من مظاهر العجب والكبر. ٥ - وهذه الألفاظ المتشابهة يفرق بينها بأن الكبر يكون بالمنزلة، والعجب يكون بالفضيلة، فالمتكبر يجل نفسه، والمعجب يستكثر فضله. (٢) والكبر يستلزم متكبراً عليه، لأنه لا يتحقق إلا بذلك، أما العجب فلا يستلزمه ، لأن العجب صفة نفسية، فقد يعجب الشخص بلبسه أو مشيته أو علمه ... الخ. كما أن العجب قد يحدث بأسباب الكبر كالعلم، والعمل، والنسب، والجمال، والمال ... الخ، وقد يحدث بغير أسباب الكبر كعجبه برأيه الخطأ الذي يزين له بجهله . (٣) والاختيال أحد مظاهر الكبر، سواء في المشي، أو الركوب، أو اللباس، أو البنيان. (٤) (١) المدخل لابن الحاج ٥٤/٣ (٢) أدب الدنيا والدين للماوردي بها مش الكشكول للعاملي ص ١٨٢ (٣) إحياء علوم الدين ٢٢/١١ (٤) المرجع السابق . - ٣١٩ - اختيال ٦ - ٧ وقد يكون مظهرا لإعجاب المرء بنفسه، ذلك أن من أسباب العجب الجمال، والمال. واللباس والركوب والمشي من الجمال والزينة. وكذلك فإن العجب آفة نفسية تحتاج إلى إظهار آثارها، ولهذا فقد يظهر العجب في صورة اختيال في المشي أو اللباس .. الخ . أما التبختر فهو مظهر من مظاهر الكبر، والعجب، والاختيال، وهو خاص بالمشي، يقال : فلان يمشي البخترى، أي مشية حسنة. فأهل هذا الخلق ملازمون للفخر، والخيلاء. فالمرح مختال في مشيته . صفة الاختيال (حكمه التكليفي): ٦ - الأصل في الاختيال أنه حرام، وهو من الكبائر، لنهي الله ورسوله (ص) عنه، وسيأتي دليل كل مظهر من مظاهر الاختيال عند بيانه . ومظاهر الاختيال كثيرة، منها الاختيال في المشي والركوب، ومنها الاختيال فى اللباس، ومنها الاختيال في البنيان. أ - الاختيال في المشي: ٧ - الاختيال في المشي يحدث بتجاوز الإنسان حد القصد والاعتدال في مشيته. والقصد في المشي يكون بين الإسراع والبطء. والمعنى أن الإنسان لا يسرع في مشيته بأن يثب وثب الشطار، لقوله عليه السلام: ((سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن)) (١) كما (١) حديث ((سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن)) أخرجه أبونعيم في الحلية عن أبي هريرة. قال في الميزان: ((حديث منكر جداً)) (فيض القدير ١٠٤/٤) أنه لا يبطىء في مشيته بحيث يدب على الأرض دبيب المتماوتين المتثاقلين. ولهذا أمر الله بالقصد في المشي، فقال تعالى : ((وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ))، (١) كما امتدح الله تعالى من يقتصد فى مشيته ولا يتجاوز الاعتدال بقوله : ((وَعِبَادُ الرَّحْمُنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُّونَ قَالُوا سَلَاَماً)). (٢) ومن ثم إذا تجاوز الإنسان حد الاعتدال(٣) والقصد في المشي يكون قد وقع في المحظور، وهو الاختيال . والأصل في تحريم الاختيال في المشي وأنه من الكبائر قوله تعالى: ((وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحّاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الحِبَالَ طُولاً . كُلُّ ذُلِكَ كَانَ سَيَّهُ عِنْدَ رَبِكَ مَكْرُوهاً)). (٤) والمراد بالمرح المنهي عنه في الآية الكريمة هو الخيلاء في المشي. والمعنى أن الله نهى عن الخيلاء وأمر بالتواضع. وقد استدل العلماء بالآية على ذم الاختيال. ووجه الاستدلال أن الله تعالى قد أعقب النهي عن المرح بأن ذلك عمل سيء مكروه، في قوله تعالى: (( كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها)) فهذا يدل على حظره وتحريمه، كما أنه قرنهبالزنى والقتل وسائر الكبائر، فدل على أنه من جملة هذه الكبائر.(٥) ومن معاني المرح : الكبر، وتجاوز الإنسان (١) سورة لقمان / ١٨ (٢) سورة الفرقان / ٦٣ (٣) تفسير القرطبي ٢٦١/٧ (٤) سورة الإسراء / ٣٨،٣٧ (٥) تفسير القرطبي ٢٦١/٧ - ٣٢٠ -