Indexed OCR Text

Pages 221-240

إحصار ٥٦
تطوعا ، فلا يجب عليه شيء.
ب - وإن كان الوقت واسعا وكانت الحجة قد
تقدم وجوبها بقي وجوبها كما كان. والأولى أن يحرم
بها في هذه السنة، وله التأخير.
ج - وإن كانت الحجة حجة الاسلام وجبت
هذه السنة بأن استطاع هذه السنة دون ما قبلها فقد
استقر الوجوب في ذمته لتمکنه، والأولى أن يحرم بها
في هذه السنة، وله التأخير، لأن الحج عند الشافعية
على التراخي. انظر مصطلح (حج).
د - وإن كان الوقت ضيقا بحيث لا يمكنه
إدراك الحج، أي ولم يستقر الوجوب في ذمته لكونها
وجبت هذه السنة - سقط عنه الوجوب في هذه
السنة، فإن استطاع بعده لزمه، وإلا فلا .
وأما الحنابلة فقالوا : (١)
أ - إن لم يحل المحصر حتى زال الحصر لم يجز له
التحلل ، لأنه زال العذر.
ب - إن زال العذر بعد الفوات تحلل بعمرة،
وعليه هدي للفوات، لا للحصر، لأنه لم يحل
بالحصر.
ج - إن فاته الحج مع بقاء الحصر فله التحلل
به، لأنه إذا حل بالحصر قبل الفوات فمعه أولى،
وعليه الهدي للحل، ويحتمل أن يلزمه هدي آخر
للفوات .
د - إن حل بالإحصار ثم زال الإحصار وأمكنه
الحج من عامه لزمه ذلك إن قلنا بوجوب القضاء(٢) أو
(١) الكافي ٦٢٧/١، والمغني ٣٦٠/٣
(٢) انظر ماسبق في فقرة ( ٥٠ ) أن عند الحنبلية قولاً بوجوب
قضاء النسك النفل الذي أحصر عنه المحرم كالحنفية.
كانت الحجة واجبة لأن الحج على الفور، وإن لم نقل
بوجوب القضاء ولم تكن الحجة واجبة فلا يجب
شيء.
زوال الإحصار بالعمرة :
٥٦ - معلوم أن وقت العمرة جميع العمر، فلا يتأتى
فيها كل الحالات التي ذكرت في زوال الإحصار
بالحج.
ويتأتى فيها عند الحنفية الأحوال التالية: (١)
الحال الأولى : أن يزول الإحصار قبل البعث
بالهدي. وهذا يلزمه التوجه لأداء العمرة، ووجهه
ظاهر وقد تقدم .
الحال الثانية : أن يتمكن بعد زوال الإحصار
من إدراك الهدي والعمرة، وهذا يلزمه التوجه لأداء
العمرة أيضا كما تقدم.
الحال الثالثة : أن يتمكن من إدراك العمرة فقط
دون الهدي .
وهذه حكمها في الاستحسان ألا يلزمه التوجه،
وفي القياس أن يلزمه التوجه. (٢)
وأما المالكية فقالوا : (٣)
أ - إن انكشف العدو عن المحصر بالعمرة وكان
بعيدا من مكة وبلغ أن يحل فله أن يخل.
ب - وإن انكشف العدو و کان قر یبا من مكة
((ينبغي ألا يتحلل، لأنه قادر على فعل العمرة، كما
(١) المسلك المتقسط ٢٨١ - ٢٨٢، ورد المختار ٣٢٢/٢ مع
التصرف بالتفصيل والتوجيه .
(٢) غير أن تحقق هذه الحال متفق عليه بين أئمة الحنفية.
(٣) مواهب الجليل ١٩٧/٣
- ٢٢١ -

إحصار ٥٧ - ٥٨ إحصان ١ - ٢
لو انكشف العدو في الحج والوقت متسع».
أما الشافعية والحنابلة فعندهم :
أ - إن انصرف العدو قبل تحلل المحصر بالعمرة
لم يجزله التحلل، ووجب عليه أداء العمرة.
ب - إن انصرف العدو بعد التحلل وكانت
العمرة التي تحلل عنها واجبة، وجب عليه قضاؤها،
لكنه لا يلزم به في وقت معين، لأن العمرة غير مؤقته.
ج - إن زال الحصر بعد التحلل وكانت العمرة
تطوعا فعلى القول بعدم وجوب قضاء التطوع لا شيء
عليه .
تفريع على التحلل وزوال الإحصار:
أ- (فرع) في تحلل المحصر من الإحرام الفاسد ثم
زوال إحصاره :
٥٧ - يتفرع على تحلل المحصر من الإحرام الفاسد ثم
زوال إحصاره: أنه إذا تحلل المحصر من الإحرام
الفاسد، ثم زال الإحصار وفي الوقت متسع، فإنه
يقضي الحج الفاسد من سنته، و يلزمه ذلك بناء على
من ذهب إلى أن القضاء على الفور.
وهذه لطيفة : أن يتمكن من قضاء الحج الفاسد
في سنة الإفساد نفسها، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا
في هذه المسألة. وهذا متفق عليه.(١)
ب - (فرع) في الإحصار بعد الإحصار:
٥٨ _ إن بعث المحصر بالهدي إلى الحرم ثم زال
إحصاره، وحدث إحصار آخر، فإن علم المحصّر أنه
يدرك الهدي حيا، ونوى به التحلل من إحصاره
(١) المجموع ٢٤٩/٨ - ٢٥٠، والمغني ٣٦٠/٣ - ٣٦١
الثاني بعد تصور إدراكه جاز وحل به، إن صحت
شروطه، وإن لم ينولم يجز أصلا.(١)
وهذا بناء على مذهب الحنفية بوجوب بعث
المحصر هديه إلى الحرم، أما عند غيرهم فهو إحصار
قبل التحلل، يتحلل منه بما يتحلل من الإحصار
السابق والله تعالى أعلم.
إحصَان
التعريف :
١ - الإحصان في اللغة : معناه الأصلي المنع، ومن
معانيه: العفة والتزوّج والحرية. (٢)
ويختلف تعريفه في الاصطلاح بحسب نوعيه :
الإحصان في الزنى، والإحصان في القذف.
صفته ( حكمه التكليفي ) :
٢ - أهم شروط إحصان الرجم لعقوبة الزنى:
التزوج، وهو مما تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة
على تفصيل موطنه مصطلح ((نكاح)). وأهم شروط
إحصان القذف العفة، وهي مطلوبة شرعا، وورد
فيها كثير من الآيات والأحاديث، كقوله تعالى:
((وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا)). (٣)
(١) المسلك المتقسط ص ١٨٢ وانظر رد المحتار ٣٢٢/٢
(٢) لسان العرب ، والمصباح (حصن) وتعريفات الجرجاني ص ٧
(٣) شرح فتح القدير ١٣١/٤، وحاشية ابن عابدين ١٤٨/٣،
والدسوقي ٣٢٠/٤، والمغني مع الشرح الكبير ١٢٦/١٠،
والآية من سورة النور /٣٣
- ٢٢٢ -

إحصان ٣ - ٦
أنواع الإحصان :
الإحصان نوعان :
٣ - أ - إحصان الرجم : وهو مجموعة من
الشروط إذا توفرت في الزاني كان عقابه الرجم
فالإحصان هيئة يكونها اجتماع الشروط التي هي
أجزاؤه، وهي ثمانية، وكل جزء علة. فكل واحد
من تلك الأجزاء شرط وجوب الرجم.
٤ - ب - إحصان القذف : وهو عبارة عن
اجتماع صفات في المقذوف تجعل قاذفه مستحقا
للجلد. وتختلف هذه الصفات بحسب كيفية
القذف: بالاتهام بالزنى، أو بنفي النسب.(١)
حكمة مشروعية الإحصان :
٥ - سيأتي أن إحصان الرجم هو أن يكون حراً
عاقلا بالغا مسلما قد تزوج امرأة نكاحا صحيحا
ودخل بها وهما على صفة الإحصان. والحكمة في
اشتراط ذلك أن العقل والبلوغ شرط لأهلية العقوبة،
إذ لا خطاب دونهما، وما وراءهما يشترط لتكامل
الجناية بواسطة تكامل النعمة، إذ كفران النعمة
يتغلظ عند تكثرها. وهذه الأشياء من جلائل النعم،
وقد شرع الرجم بالزنى عند استجماعها فيناط به
بخلاف الشرف والعلم لأن الشرع ما ورد به
باعتبارهما، ونصب الشرع بالرأي متعذر، ولأن
الحرية ممكنة من النكاح الصحيح، والنكاح
الصحيح ممكن من الوطء الحلال، والإصابة شبع
بالحلال، والإسلام يمكنه من نكاح المسلمة ويؤكد
اعتقاد الحرمة فيكون الكل مزجرة عن الزنا، والجناية
(١) فتح القدير ١٣٠/٤ - ١٣١
بعد توفر الزواجر أغلظ .(١) وأما اشتراط العفة في
إحصان القذف فلأن غير العفيف لا يلحقه العار
بنسبته إلى الزنى، لأن تحصيل الحاصل محال . ولو
لحقه عار آخر فهو صدق، وحد القذف للفرية لا
للصدق.(٢)
شروط إحصان الرجم :
٦ - اتفق الفقهاء على بعض شروط الإحصان في
جريمة الزنى، واختلفوا في البعض الآخر :
أولا وثانيا : البلوغ والعقل :
وهما شرطان لأصل التكليف، فيجب توفرهما في
المحصن وغير المحصن وقت ارتكاب الجريمة، فالوطء
الذي يحصن يشترط أن يكون من بالغ عاقل فإذا
حصل الوطء من صبي ومجنون ثم بلغ أو عقل بعد
الوطء لم يكن بالوطء السابق محصنا. وإذا زنى عوقب
بالجلد على أنه غير محصن.(٣)
وخالف في هذا بعض أصحاب الشافعي وهو
المرجوخ في المذهب، فقالوا: إن الواطىء يصير محصنا
بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون. وحجتهم أن ذلك
الوطء وطء مباح، فيجب أن يثبت به الإحصان،
(١) فتح القدير ١٩٣/٤
(٢) الدسوقي ٣٢٦/٤، والمغني ٢٠٢/١٠، وابن عابدين
١٦٨/٣، والمهذب ٢٧٣/٢
(٣) شرح فتح القدير ١٣٠/٤، والمغني ٣٩/٩ الناشر مكتبة
القاهرة، والمهذب ٢٦٧/٢، والدسوقي ٣٢٠/٤، وحاشية
ابن عابدين ١٤٩/٣، والشرح الصغير ١٥٧/٤ والخرشي
٨١/٨
- ٢٢٣ -

إحصان ٧ - ٨
لأن النكاح إذا صَحّ قبل البلوغ وأثناء الجنون فإن
الوطء يصبح تبعا له. وحجة جمهور الفقهاء أن الرجم
عقوبة الثيب، ولو اعتبرت الثيوبة حاصلة بالوطء
قبل البلوغ وأثناء الجنون لوجب رجم الصغير
والجنون، وهذا ما لا يقول به أحد.
وعند مالك ، وهو الصحيح عند الشافعية و وجه
للحنابلة، أنه يكفي أن تتوفر شروط الإحصان في
أحد الزوجين ليكون محصنا بغض النظر عما إذا كان
الزوج الآخر تتوفر فيه هذه الشروط أم لا ، إلا أن
المالكية لا يعتبرون الزوجة محصنة إلا إذا كان
واطئها بالغا: فشرط تحصين الذكر أن تتوفر فيه
شروط الإحصان مع إطاقة موطوءته له ولو كانت
صغيرة أو مجنونة، وتتحصن الأنثى عند المالكية بتوفر
شروط الإحصان فيها وببلوغ واطئها ولو كان مجنونا .
· واشترط الحنفية - وهو مقابل الصحيح عند
الشافعية ووجه للحنابلة- البلوغ والعقل في الطرفين
عند الوطء لیکون کل منهما محصنا فإن توافر في
أحدهما فقط لم يعتبر أي منهما محصنا. وللحنابلة وجه
آخر بالنسبة للصغيرة التي لم تبلغ تسعا ولا يشتهى
مثلها فإنه لا يعتبر وطء البالغ العاقل لها إحصانا .
٧ - ثالثا : الوطء في نكاح صحيح :
يشترط لقيام الإحصان أن يوجد وطء في نكاح
صحیح، وأن يكون الوطء في القبل، لقوله صلى الله
عليه وسلم: ((والثيب بالثیب الجلد والرجم»،
والثيوبة تحصل بالوطء في القبل، ولا خلاف في أن
عقد النكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان
ولو حصلت فيه خلوة صحيحة أو وطء فيما دون
الفرج، أو وطء في الدبر، لأن هذه أمور لا تعتبربها
المرأة ثيبا، ولا تخرج عن الأبكار اللائى حدهن
الجلد. والوطء المعتبر هو الإيلاج في القبل على وجه
يوجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل. وإن كان الوطء
في غير نكاح كالزني ووطء الشبهة فلا يصير الواطىء
به محصنا باتفاق. ويشترط في النكاح أن يكون
صحیحا، فإن كان فاسدا فإن الوطء فيه لا يحصن،
وهذا رأي جمهور الفقهاء، لأنه وطء في غير ملك فلا
يحصل به إحصان كوطء الشبهة.
ويشترط إذا كان الوطء في نكاح صحيح ألا
يكون وطئًا محرماً كالوطء في الحيض أو الإحرام،
فإن الوطء الذي يحرمه الشارع لا يحصن ولو كان في
نكاح صحيح. وزاد المالكية اشتراط أن يكون
النكاح الصحيح لازما. ويترتب على ذلك أنه لو
كان في أحد الزوجين عيب أو غرريثبت به الخيار
فلا يتحقق به الإحصان.(١) وقال أبوثور: يحصل
الإحصان بالوطء في نكاح فاسد، وحکي ذلك عن
الليث والأوزاعي، لأن الصحيح والفاسد سواء في
أكثر الأحكام مثل وجوب المهر وتحريم الربيبة وأم
المرأة ولحوق الولد، فكذلك في الإحصان.
٨ - ويتفرع على اشتراط الوطء في القبل ما يلي:
أ - وطء الخصيّ إذا كان لا يجامع، وكذلك
المجبوب والعنين لا يحصن الموطوءة، على أنه إن
جاءت بولد وثبت نسبه من الزوج فالخصي والعنين
يحصنان الزوجة، لأن الحكم بثبوت النسب حكم
بالدخول. والمجبوب عند أكثر العلماء لا تصير الزوجة
(١) الخرشي ٨١/٨
- ٢٢٤ -

إحصان ٩ - ١٠
به محصنة لعدم الآلة. ولا يتصور الجماع بدونها وثبوت
حكم الإحصان يتعلق بالجماع، وخالف في ذلك
زفر، لأن الحكم بثبوت النسب من المجبوب يجعل
الزوجة محصنة .
ب - وطء الرتقاء لا يُحصها لانعدام الجماع
مع الرتق، كما أنه لا يصبح محصناً بذلك إلا إذا
وطىء غيرها بالشروط السابقة .
رابعا : الحرية :
٩ - الرقيق ليس بمحصن ولو مكاتبا أو مبعضا أو
مستولدة لأنه على النصف من الحر، والرجم لا
نصف له وايجابه كله يخالف النص مع مخالفة
الاجماع. قال الله تعالى: ((فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةَ فَعَلِهْنّ
نِصْفُ مَا عَلَىَ المُخْصَنَاتِ مِن العَذَاب)).(١)
وخالف في ذلك أبو ثور وقال : العبد والأمة هما
محصنان يرجمان إذا زنيا. وحكي عن الأوزاعي في
العبد تحته حرة هو محصن، وإن كان تحته أمة لم
يرجم. ثم ذهب الفقهاء إلى أن العبد إذا عتق مع
امرأته الأمة فإن جامعها بعد العتق يكونا محصنين،
علما بالعتق أو لم يعلما. وكذا لونكح الحُرّ أمة أو
الحرة عبدُ فلا إحصان إلا أن يطأها بعد العتق.
خامسا: الإسلام :
١٠ - أما شرط الإسلام فالشافعي وأحمد وأبو
يوسف من أصحاب أبي حنيفة لا يشترطون الاسلام
في إحصان الرجم، فإن تزوج المسلم ذمية فوطئها
صارا محصنين، لما روي مالك عن نافع عن ابن عمر
(١) سورة النساء / ٢٥
أنه قال: ((جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فذ کروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فأمر بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجا)). متفق عليه،
ولأن الجناية بالزنى استوت من المسلم والذمي،
فيجب أن يستويا في الحد. وعلى هذا يكون الذميان
محصنين. وحدّهما الرجم إذا زنيا فبالأولى إذا كانت
الذمية زوجة لمسلم.(١)
وجعل مالك وأبو حنيفة الإسلام شرطا من
شروط الإحصان، فلا یکون الکافر محصنا، ولا
تحضّن الذمية مسلما عند أبي حنيفة. لأن كعب بن
مالك لما أراد الزواج من يهودية نهاه النبي صلى الله
عليه وسلم وقال: ((إنها لا تحصنك))، (٢) ولأنه
إحصان من شرطه الحرية فكان الإسلام شرطا فيه
كإحصان القذف. وعلى هذا فالمسلم المتزوج من
كتابية إذا زنى يرجم عند أكثر الفقهاء ولا يرجم عند
أبي حنيفة لأنه لا يعتبر محصنا، لان الكتابية عنده لا
تحصن المسلم. ونظرا لأن مالكا - وهو الصحيح عند
الشافعية ووجه عند الحنابلة - لا يعتبر توفر شروط
الإحصان في الزوجين فقد قال برأي الجمهور: أن
الذمية تحصن المسلم، ويستحق الرجم إذا زنى. (٣)
أما وجود الكمال في الطرفين بمعنى وجود شروط
الإحصان في الواطىء والموطوءة حال الوطء الذي
يترتب عليه الإحصان فيرى ابو حنيفة وأحمد - وهو
رأي عند الشافعي - أن هذا من شروط الإحصان،
فيطأ مثلا الرجل العاقل امرأة عاقلة. وإذا لم
تتوفر هذه الشروط في أحدهما فهما غير محصنین،
(١) الشرح الكبير ٢٨٤/٤، والمغني ١٢٩/١٠:
(٢) قال الدارقطني فيه أبو بكر بن مريم ضعيف (١٤٨/٣)
(٣) المنتقى شرح الموطأ ٣٣١/٣
- ٢٢٥ -

إحصان ١١ - ١٣
فالزاني المتزوج من مجنونة أو صغيرة غير محصن ولو
كان هو نفسه عاقلا بالغا، ولكن مالكا لا يشترط
هذا ويكفي عنده أن تتوفر شروط الإحصان في أحد
الزوجين ليكون محصناً بغض النظر عما إذا كان الآخر
تتوفر فيه هذه الشروط أم لا .
أثر الإحصان في الرجم :
١١ - مما سبق يتبين ما اتفق عليه الفقهاء من
شروط الإحصان وما اختلفوا فيه وإذا كان بعض
الفقهاء يوجب توفر هذه الشروط في كل من الزوجين
لاعتبار أحدهما محصنا فإن الفقهاء جميعا لا يشترطون
إحصان کل من الزانیین، فإذا كان أحدهما محصنا
والثاني غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن(١).
لما روى «أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال يارسول الله أنشدك الله إلا قضيت
لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر ــوهو أفقه
منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال
صلى الله عليه وسلم قل، فقال: إن ابني كان عسيفا
على هذا، فزنى بامرأته، واني اخبرت أن على ابني
الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل
العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب
عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين
بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم رد عليك، وعلى
ابنك جلد مائة وتغریب عام. واغد يا أنيس ـ لرجل
من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها .
(١) شرح فتح القدير ١٣٠/٤، والمغني ١٢٨/١١، والمهذب
٢٦٧/٢
قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمربها رسول الله صلى
الله عليه وسلم فرجمت)) (١) ومما تجدر الإشارة إليه أنه
لا يجب بقاء النكاح لبقاء الإحصان، فلونكح في
عمره مرة ثم طلق و بقی مجردا، وزنی رجم.
إثبات الإحصان :
١٢ - يثبت الإحصان في الرجم بالإقرار الصحيح
وهو ما صدر من عاقل مختار فيجب أن يكون المقر
بالإحصان عاقلا مختارا لأن المكره والمجنون لا حكم
لكلامهما .
كما يثبت بشهادة الشهود . ويرى مالك
والشافعي وأحمد وزفر أنه يكفي في اثبات الإحصان
شهادة رجلين، لأنه حالة في الشخص لا علاقة لها
بواقعة الزنى، فلا يشترط أن يشهد بالاحصان أربعة
رجال كما هو الحال في الزنى(٢)
ولكن أبا يوسف ومحمد يريان أن الإحصان
يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.(٣)
وكيفية الشهادة أن يقول الشهود : تزوج امرأة
وجامعها أو باضعها، ولو قال : دخل بها يكفي عند
أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه متى اقترن الدخول
بحرف الباء يراد به الجماع، وقال محمد : لا يكفي،
لأن الدخول يطلق على الخلوة بها .
ثبوت حد المحصن :
١٣ - اتفق الفقهاء على وجوب رجم المحصن إذا
زنی حتی یموت، رجلا كان أو امرأة، مع خلاف في
(١) رواه الجماعة .
(٢) شرح الزرقاني ١٩٧/٧
(٣) شرح فتح القدير ١٧٦/٤، وبدائع الصنائع ٢٨٠/٦
- ٢٢٦ -

إحصان ١٤ - ١٥
الجمع بين الجلد والرجم .
وعقوبة الرجم ثابتة بالسنة والإجماع. فالرجم
ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا
على تفصيلٍ محله مصطلح ((زنى)).
إحصان القذف :
١٤ - لصيانة أعراض ذوي العفة من الرجال
والنساء حرم الله قذف المحصنين والمحصنات ورتب
على ذلك عقوبة دنيوية وأخروية.
شروط إحصان القذف :
١٥ - المحصن الذي يحد قاذفه هو من تتوفر فيه
الشروط الآتية باتفاق الفقهاء، إذا كان القذف
بالزنى، أما في حالة نفي النسب فيشترط أبوحنيفة
فضلاً عن ذلك أن تكون الأم مسلمة وأن تكون
حرة.(١)
أ - الحرية: فلا حد على قاذف العبد والأمة.
ب - الإسلام: فلا حَدّ على قاذف مرتد أو
كافر أصلى، لأنه غير محصن. وإنما اعتبر الكافر
محصنا عند أكثر أهل العلم في حد الزنی دون حد
القذف لأن حده في الزنی بالرجم إهانة له، وحد
قاذف الکافر إ کرام له، والکافر لیس من أهل
الاكرام.
ج، د - العقل والبلوغ: خرج الصبي والمجنون
لأنه لا يتصور منهما الزنى، أو هو فعل محرم، والحرمة
بالتكليف، وأبو حنيفة والشافعي يشترطان البلوغ
مطلقاً، سواء أكان المقذوف ذكراً أم أنثى، ولا
(١) فتح القدير ١٩٣/٤
يشترط مالك البلوغ في الأنثى، ولكنه يشترطه في
الغلام، ويعتبر الصبية محصنة إذا كانت تطيق
الوطءٍ، أو كان مثلها يوطأ ولو لم تبلغ، (١) لأن مثل
هذه الصبية يلحقها العار. واختلفت الروايات عن
أحمد في اشتراط البلوغ، ففي رواية أن البلوغ شرط
يجب توفره في المقذوف، لأنه أحد شرطي التكليف،
فأشبه العقل، ولأن زنى الصبي لا يوجب حداً، فلا
يجب الحدّ بالقذف به، كزنى المجنون.
وفي رواية ثانية أن البلوغ ليس شرطاً، لأنه حر
عاقل عفيف يتعيّر بهذا القول الممكن صدقه، فأشبه
الكبير. وعلى هذه الرواية لابد أن يكون كبيراً ممن
يتأتى منه الجماع . (٢)
و یرجع فيه إلى اختلاف البلاد.
هـ - العفة عن الزنى : معنى العفة عن الزنى ألا
يكون المقذوف وطىء في عمره وطناً حراماً في غير
ملك ولانكاح أصلاً، ولا في نكاح فاسد فساداً مجمعا
علیه، فإن كان قد فعل شيئاً من ذلك سقطت عفته،
سواء أكان الوطء زنى موجباً للحد أم لا ، فالعفة
الفعلية يشترطها الأئمة الثلاثة، وأحمد يكتفي بالعفة
الظاهرة عن الزنى، فمن لم يثبت عليه الزنا ببينة أو
إقرار، ومن لم يجد للزنا فهو عفيف.
ثم إن كان القذف بنفي النسب حد اتفاقاً، وإن
كان بالزنى فيمن لا يتأتى منه الوطء فلا يحد قاذفه
عند أبي حنيفة والشافعي ومالك. وقالوا : لا حد على
(١) مواهب الجليل ٢٩٨/٦، ٢٩٩، وابن عابدين ١٦٨/٣،
والمهذب ٢٧٣/٢
(٢) المغني ٨٤/٩ ط مكتبة القاهرة.
- ٢٢٧ -

إحصان ١٦ - ١٩
قاذف المجبوب، وقال ابن المنذر: وكذلك الرتقاء،
وقال الحسن : لا حد على قاذف الخصي، لأن العار
منتف عن هؤلاء للعلم بكذب القاذف والحد إنما
يجب لنفي العار.
وعند أحمد يجب الحد على قاذف الخصي
والمجبوب والمريض والرتقاء والقرناء لعموم قوله
تعالى: ((وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةٌ)).(١)
والرتقاء داخلة في عموم هذا، ولأنه قاذف
محصن فيلزمه الحد كقاذف القادر على الوطء، ولأن
إمكان الوطء أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس فلا
ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد، فيجب
كقذف المريض.(٢)
إثبات الإحصان فى القذف :
١٦ - كل مسلم محمول حاله على العفة مالم يقر
بالزنى، أو يثبت عليه بأربعة عدول، فإذا قذف
إنسان بالزنى فالمطالب بإثبات الزنى وعدم العفة هو
القاذف، لقوله تعالى: ((وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُخْصَنَاتِ
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِيْنَ
جَلْدَةٌ)).
وأما المقذوف فلا يطالب بإثبات العفة، لأن
الناس محمولون عليها حتى يثبت القاذف خلافه،
فإذا أقر القاذف بإحصان المقذوف ثبت الإحصان.
وإن أنكر القاذف الإحصان فعليه أن يقيم البرهان
(١) سورة النور /٤
(٢) المغني ٨٤/٩ ط القاهرة، وابن عابدين ١٦٨/٣، والدسوقي
٣٢٦/٤
على سقوط عفة المقذوف، فإن عجز عن الإثبات
فليس له أن يحلف المقذوف.
سقوط الإحصان :
١٧ - يسقط الإحصان بفقد شرط من شروطه، فمن
أصابه جنون أو مُنَّة أو رق بطل إحصانه. والمرتد
يبطل إحصانه عند من يجعل الإسلام شرطاً في
الإحصان. ولا حد على القاذف إذا تخلف شرط من
شروط الإحصان في المقذوف، وإنما عليه التعزير إذا
عجز عن إثبات صحة ماقذف به. ويرى الأثمة
الثلاثة توفر شروط الإحصان إلى حالة إقامة الحد،
خلافا لأحمد فانه يرى أن الإحصان لا يشترط إلا
وقت القذف ولا يشترط بعده.(١)
أثر الإحصان في القذف :
١٨ - إحصان المقذوف يوجب عقوبتين : جلد
القاذف، وهي عقوبة أصلية، وعدم قبول شهادته،
وهي عقوبة تبعية على تفصيل موطنه مصطلح :
«قدّف)).
أثر الردة على الإحصان بنوعيه :
١٩ - لو ارتد المحصن لا يبطل إحصانه عند من لا
يشترط الإسلام في الاحصان كالشافعي وأحمد (٢)،
ويوافقهما أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة.
وحجتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين
(١) ابن عابدين ١٦٨/٣، والدسوقي ٣٢٦/٤، والمهذب ٢٧٤/٢،
والمغني ٩٣/٩ ط القاهرة.
(٢) المغني ٤١/٩ الناشر مكتبة القاهرة
- ٢٢٨ -

إحصان ١٩ - إحلال ١
زنيا، ولو كان الإسلام شرطاً في الإحصان مارجهما.
ثم هذا داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم :
((أو زنى بعد إحصان)) (١)، ولأنه زنى بعد إحصان
فکان حده الرجم کالذي لم يرتد .
ونظراً لأنّ أبا حنيفة يجعل الإسلام شرطاً في
الإحصان فالمحصن إذا ارتد يبطل إحصانه. وحجته
حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من أشرك
بالله فليس بمحصن)).(٢)
فكذلك المرتد لا يبقى محصنا لفقد شرط من
شروط الإحصان وهو الإسلام. وبهذا أخذ مالك،
وذهب إلى أنه إذا ثبت للرجل والمرأة حكم
الإحصان سواء في إحصان الرجم أو القذف، ثم ارتد
عن الإسلام فإنه يسقط عنه حكم الإحصان، فإن
رجع إلى الإسلام لم يكن محصنا إلا بإحصان
مستأنف. واستدل مالك على ذلك بقول الله تعالى :
((لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ))(٣)، وهذا قد أشرك،
فوجب أن يحبط كل عمل كان عمله ..
(١) حديث: ((أو زنى ... )) رواه الجماعة.
(٢) حديث: ((من أشرك بالله ... )) أخرجه إسحاق بن راهوية في
مسنده، ومن طريقه رواه الدارقطني، وقال: ((الصواب
موقوف))، ورجح صاحب الفتح رفعه، (نصب الراية
٣٢٧/٣، وفتح القدير ٢٤/٥)
(٣) سورة الزمر/ ٦٥ وانظر الدسوقي ٣٢٥/٤
إخلال
التعريف :
١ - الإحلال في اللغة مصدر أحلّ ضد حرّم،
يقال: أحللت له الشيء، أي جعلته له حلالا .
ويأتي بمعنى آخر وهو أحلّ لغة في حل، أي دخل في
أشهر الحل، أو جاوَزَ الحَرَمَ، أو حلَّ له ما حرم عليه
من محظورات الحج.(١)
ولم يستعمل الفقهاء، لفظ ((إحلال)) إلا
للتعبير عن معاني غيره من الألفاظ المشابهة مثل
((استحلال، وتحليل، وتحلل، وحلول)) فهي التي
أكثر الفقهاء استعمالها، لكنهم استعملوا
((الإِحلال)) بمعنى الإبراء من الدين أو المظلمة.
وأما استعمال البعض الإحلال بالمعنى اللغوي
فيراد به الإطلاقات التالية:
أ _ ففي مسألة الخروج من الإحرام عبر الفقهاء
بالتحلل، أما التعبير بالإحلال في هذه المسألة فهو
لغوي.(٢) (ر: تحلل).
ب - وفي مسألة جعل المحرَّم حلالاً عبر الفقهاء
بالاستحلال، سواء كان قصداً أو تأويلا.(٣)(ر:
استحلال).
(١) الصحاح، ولسان العرب، وأساس البلاغة ، وتاج العروس
( حلل )
(٢) لسان العرب ، وتاج العروس، والبيجوري ٣٥١/١
ط مصطفى الحلبي ، والمغني ٣٩١/٣ ط الرياض.
(٣) البحر الرائق ٢٠٧/١ نشر عمر هاشم الكتبي،
والحطاب ٢٤٠/٥ ط ليبيا .
- ٢٢٩ -

إحلال ٢ - ٣ - أحماء - إحياء البيت الحرم ١
جـ ــ وفي المطلقة ثلاثا عبروا بالتحليل (ر:
تحلیل). (١)
د - وفي الدين المؤجل إذا حلّ عبروا بالحلول
(ر: حلول).(٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - يختلف الحكم بحسب اختلاف إطلاق لفظ
(إحلال) على ما سبق في التعريف.
مواطن البحث :
٣ - يرجع في كل إطلاق إلى مصطلحه .
احْمَاء
انظر : حمو
إحياء البَيت الحَرَام
التعريف :
١ - الإحياء مصدر (( أحيا)) وهو جعل الشيء
حياً، أو بث الحياة في الهامد، (٣) ومنه قولهم: أحياه
الله إحياء، أي جعله حياً، وأحيا الله الأرض، أي
(١) القليوبي ٢٤٦/٣ ط عيسى الحلبي
(٢) الخطاب ٣٧/٥
(٣) معجم مقاييس اللغة ، والقاموس المحيط.
أخصبها بعد الجدب،(١) جاء في كتاب الله تعالى:
(وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى
بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوّها كَذْلِك
النُّشُورُ).(٢)
ولم يخرج استعمال الفقهاء لكلمة («إحياء)» عن
المعنى اللغوي، فقالوا: ((إحياء الموات»، وأرادوا
بذلك إنبات الأرض المجدِبة، وقالوا: إحياء الليل،
وإحياء ما بين العشاءين، وأرادوا بذلك شغله
بالصلاة والذكر، وعدم تعطيله وجعله كالميت في
عطلته.(٣) وقالوا: إحياء البيت الحرام، وأرادوا بذلك
دوام وصله بالحج والعمرة، وعدم الانقطاع عنه
كالانقطاع عن الميت. وهكذا. وقالوا : إحياء السنة
وأرادوا اعادة العمل بشعيرة من شعائر الاسلام بعد
اهمال العمل بها.
ويختلف الإحياء بحسب ما يضاف اليه،
فهناك :
أ - إحياء البيت الحرام .
ب - إحياء السنة .
ج - إحياء الليل.
د - وإحياء الموات .
والمراد بإحياء البيت الحرام عند الفقهاء عمارة
البيت بالحج، وبالعمرة أيضا عند بعضهم، تشبيها
للمكان المعمور بالحي، ولغير المعمور بالميت . (٤)
(١) محيط المحيط .
(٢) سورة فاطر /٩
(٣) النهاية لابن الأثير، مادة (حيي).
(٤) حاشية الشرقاوي على شرح التحرير ١٧٨/٢ ط الحلبي،
والنهاية لابن الأثير (حيا)، والخرشي ١٠٨/٣
ط بولاق، والخطاب ٤٦٥/٢
- ٢٣٠ -

إحياء البيت الحرام ٢ - ٣ إحياء السنة ١ - ٢
الحكم الاجمالي :
٢ - نص المالكية والشافعية والحنابلة على أن إحياء
البيت الحرام بالحج فرض كفاية كل عام على
المسلمين في الجملة. وهذا لا يتعارض مع کونه فرض
عين في العمر مرة واحدة على كل من استطاع إليه
سبيلا كما هو معلوم من الدين بالضرورة، لأن المسألة
مفروضة فيما إذا لم يحج عدد من المسلمين فرضاً ولا
تطوعاً ممن يحصل بهم الشعار عرفاً في كل عام، فإن
الإثم يلحق الجميع، إذ المقصود الأعظم ببناء الكعبة
هو الحج، فكان به إحياؤها، ولما أخرجه عبد الرزاق
في مصنفه عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لو ترك
الناس زيارة هذا البيت عاماً واحدا ما أمطروا».
ومثل الحج في ذلك العمرة عند الشافعية والتادلي
من المالكية.
ولا يغني عنهما الطواف والاعتكاف والصلاة
ونحو ذلك، وإن كانت هذه الطاعات واجبة أيضا في
المسجد الحرام وجوباً على الكفاية، فإن التعظيم
وإحياء البقعة يحصل بجميع ذلك.
وتطبيقا على هذا فقد نص المالكية على أنه يجب
على إمام المسلمين أن يرسل جماعة في كل سنة لإقامة
الموسم، فإن لم يكن هناك إمام فعلى جماعة
المسلمين.(١)
هذا ولم أجد فيما وقفت عليه نصاً للحنفية على
ذلك.
(١) الجمل ١٨٣/١، وكشاف القناع ٣٧٥/٢ ط الرياض،
وإعلام الساجد ص ٨٤، والخطاب ٤٦٥/٢ ، والخرشي
١٠٨/٣
مواطن البحث :
٣ - تناول الفقهاء حكم إحياء البيت الحرام
بالتفصيل في أول كتاب الجهاد، لمناسبة حكم
الجهاد، وهو الوجوب الكفائي، حيث تعرضوا
لتعريف الواجب على الكفاية وذكر شيء من
فروض الكفايات وأحكامها، كما ذكره بعضهم في
أول كتاب الحج عند الكلام على حكم الحج.
والذين جمعوا أحكام المساجد في تآليف خاصة، أو
عقدوا في كتبهم فصلا خاصاً بأحكام المسجد الحرام،
تعرضوا له أيضا كالبدر الزركشي رحمه الله في كتابه:
((إعلام الساجد بأحكام المساجد)).
إحيَاء السُنّة
التعريف :
١- السنة : الطريقة المسلوكة في الدين. والمراد
بإحياء السنة هنا : إعادة العمل بشعيرة من شعا؛
الإسلام بعد إهمال العمل بها .
الحكم الإجمالي ، ومواطن البحث :
٢ - إحياء السنة المماتة مطلوب شرعاً إما على
سبيل فرض الكفاية، وهو الأصل، وإما على سبيل
فرض العين، وإما على سبيل الندب. وتفصيل ذلك
في مصطلح: أمر بالمعروف.(١)
(١) كشاف اصلاحات الفنون ٧٠٤/٣ ط كلكتة.
- ٢٣١ -

إحياء الليل ١ - ٤
احيَاء الليْل
التعريف :
١ - الإحياء في اللغة جعل الشيء حيّاً (١) و يريد
الفقهاء من قولهم: ((إحياء الليل)) قضاء الليل أو
أكثره بالعبادة، كالصلاة والذكر وقراءة القرآن ونحو
ذلك.(٣) وبذلك تكون المدة هي أكثر الليل، ويكون
العمل عاماً في كل عبادة.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - قيام الليل :
٢ - المستفاد من كلام الفقهاء أن قيام الليل قد لا
يكون مستغرقاً لأكثر الليل، بل يتحقق بقيام ساعة
منه.(٣) أما العمل فيه فهو الصلاة دون غيرها. وقد
يطلقون قيام الليل على إحياء الليل. فقد قال في
مراقي الفلاح: معنى القيام أن يكون مشتغلا معظم
الليل بطاعة، وقيل ساعة منه، يقرأ القرآن أو يسمع
الحديث أو يسبح أو يصلي على النبي صلى الله عليه
وسلم .(٤)
(١) معجم مقاييس اللغة، والقاموس المحيط.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٦٠/١ طبعة بولاق الأولى، وشرح
المنهاج ١٢٧/٢ طبع مصطفى الحلبي ١٣٦٩ هـ.
(٣) ابن عابدين ٤٦١/١
(٤) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢١٩ طبع المطبعة
العثمانية.
وكل واحد منهما قد يسبقه نوم بعد صلاة العشاء
وقد لا يسبقه نوم.
ب - التهجد :
٣ - التهجد لا يكون إلا بعد نوم.(١) ولكن يطلقه
كثير من الفقهاء على صلاة الليل مطلقاً .(٢)
مشروعيته :
٤ - اتفق الفقهاء على أنه يندب إحياء الليالي
الفاضلة التي ورد بشأنها نص، كما يندب إحياء أي
ليلة من الليالي، لقول عائشة رضي الله عنها: (( كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويحيي
آخره))،(٣) لأن التطوع بالعبادة في الليل، كالدعاء
والاستغفار في ساعاته مستحب استحباباً مؤكداً،
وخاصة في النصف الأخير من الليل، ولاسيما في
الأسحار، لقوله تعالى: ((وَالمُسْتَغْفِرِينّ
بالأُسْحَارِ))،(٤) ولحديث جابر مرفوعاً: «إن في الليل
لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر
الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه)) رواه مسلم(٥)،
(١) مغني المحتاج ٢٢٨/١، والفروع ٤٣٠/١ ط الأولى للمنار،
وحاشية ابن عابدين ٣٥٩/١، وحاشية الدسوقي ٢١١/٢ طبع
دار الفكر.
(٢) حاشية الدسوقي ٢١١/٢
(٣) حديث عائشة (( كان رسول الله ينام أول الليل ... )) أخرجه
البخاري بلفظ (( كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلى)) وقال
ابن حجر: وأخرجه مسلم (فتح الباري ٣٢/٣ط السلفية).
(٤) سورة آل عمران/١٧
(٥) حديث جابر ((إن في الليل لساعة)) أخرجه الإمام أحمد
ومسلم في الصلاة عن جابر (فيض القدير ٤٧٢/٢)
- ٢٣٢ -

إحياء الليل ٥ - ٨
فهو مما يدخل في النصوص الكثيرة التي تحض على
العبادة.(١)
أنواعه :
٥ - أ - إحياء ليال مخصوصة ورد نص بإحيائها
کالعشر الأواخر من رمضان، والعشر الأُوّل من ذي
الحجة.
ب - إحياء ما بين المغرب والعشاء من كل
ليلة. وهذان النوعان موضوع البحث
الاجتماع لإحياء الليل :
٦ - كره الحنفية والشافعية الاجتماع لإحياء ليلة
من الليالي في المساجد غير التراويح،(٢) ويرون أن
من السنة إحياء الناس الليل فرادى. (٣) وذهب
الشافعية إلى أنه يكره ذلك، ويصح مع الكراهة.
وأجاز الحنابلة إحياء الليل بصلاة قيام الليل جماعة،
کما أجازوا صلاته منفردا، لأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم فعل الأمرين، ولكن كان أكثر تطوعه
منفردا، فصلى بحذيفة مرة، وبابن عباس مرة،
وبأنس وأمه مرة. (٤)
وفرق المالكية في الاجتماع على إحياء الليل
بقيامه بين الجماعة الكثيرة والجماعة القليلة، وبين
المكان المشتهر والمكان غير المشتهر، فأجازوا - بلا
(١) المجموع ٤٧/٤ ط الأولى بالمطبعة المنيرية.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٦١/١، والبحر الزخار ٥٦/٢ مطبعة
السعادة، والمبسوط ١٤٤/١ طبع مطبعة السعادة.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤٦١/١، وأسنى المطالب شرح روض
الطالب ٢٠٨/١ نشر المكتبة الاسلامية.
(٤) المغني ٧٧٩/١ ط الثالثة للمنار.
كراهة - اجتماع العدد القليل عليه إن كان
اجتماعهم في مكان غير مشتهر، إلا أن تكون الليلة
التي يجتمعون لإحيائها من الليالي التي صُرِّح ببدعة
الجمع فيها، كليلة النصف من شعبان، وليلة
عاشوراء، فيكره. (١)
إحياء الليل كله :
٧ - صرح الشافعية والحنابلة بكراهة قيام الليل
كله لحديث عائشة: ((ما رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح». (٢) رواه مسلم.
واستثنوا إحياء ليال مخصوصة، لحديث عائشة:
(( كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا
الليل كله)). (٣) متفق عليه.
کیفیته :
٨ - يكون إحياء الليل بكل عبادة، كالصلاة،
وقراءة القرآن والأحاديث، وسماعها، وبالتسبيح
والثناء والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه
وسلم. (٤)
ويصلي في إحياء الليل ولوركعتين.
والتفصيل في عدد ما يصلي وكونه مثنى أو
(١) الخرشي ٣٦٦/١ ط دار صادر بيروت.
(٢) المجموع ٤٧/٤، وشرح الروض ٢٠٨/١، وكشاف القناع
٤٣٧/١ط الثانية. وحديث عائشة عزاه النووي في المجموع
(٤٧/٤) بهذا اللفظ إلى صحيح مسلم، ولم نجده به عند مسلم .
والذي عنده من حديث طويل ((ولا صلى ليلة الى الصبح
... الحديث)) (صحيح مسلم ٥١٤/١ بتحقيق محمد
عبدالباقي).
(٣) رياض الصالحين ص ٤٣٦
(٤) الدر المختار بها مش حاشية ابن عابدين ٤٦٠/١ - ٤٦١
- ٢٣٣ -

إحياء الليل ٩ - ١٠
رباع، موطنه ((قيام الليل)). (١)
وكما يجوز له أن يحيي الليل بالصلاة يجوز له أن
يحييه بالدعاء والاستغفار، فيستحب لمن أحيا الليل
أن يكثر من الدعاء والاستغفار في ساعات الليل
كلها. وآكده النصف الأخير، وأفضله عند
الأسحار. (٢)
وكان أنس بن مالك يقول : أمرنا أن نستغفر
بالسحر سبعين مرة. (٣) وقال نافع : كان ابن عمر
يحيي الليل، ثم يقول: يانافع! أسحرنا؟ فأقول: لا ،
فيعاود الصلاة. ثم يسأل، فإذا قلت : نعم، قعد
يستغفر. (٤) وعن ابراهيم بن حاطب عن أبيه قال :
سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد يقول :
يارب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر، فاغفر لي،
فنظرت فإذا هوابن مسعود . (٥)
(١) حاشية ابن عابدين ٤٦٠/١، والطحطاوي على مراقي الفلاح
ص ٢١٧، والجمل ٤٨٤/١ نشر دار إحياء التراث العربي.
(٢) المجموع ٤٧/٤، ومغني المحتاج ٢٢٩/١، طبع مصطفى البابي
الحلبي.
(٣) قول أنس: ((أُمّرنا أن نستغفر ... )) ذكره القرطبي ٣٩/٤ط
دار الكتب بالقاهرة ولم ينسبه الى شيء من كتب الحديث.
وقد رواه الطبري بسنده في تفسيره ٢٦٦/٦، ط دار المعارف.
(٤) أثر ابن عمر ذكره القرطبي (٣٩/٤) ط دار الكتب بالقاهرة
ولم ينسبه إلى شيء من كتب الحديث، وقد رواه الطبري
بسنده في تفسيره (٢٦٦/٦) ط دار المعارف ببعض اختلاف.
(٥) الأثر عن ابن مسعود ذكره القرطبي ٤٠/٤ والطبري في
تفسيره ٢٦٦/٦ ط دار المعارف وقال محققه : فيه حريث
الحنّاط قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبوحاتم : ضعيف
الحدیث.
إحياء الليالي الفاضلة :
٩ - الليالي الفاضلة التي وردت الآثار بفضلها
هي:
ليلة الجمعة، ولیلتا العیدین، وليالي رمضان،
ويخص منها ليالي العشر الأواخر منه، ويخص منها ليلة
القدر، وليالي العشر الأول من ذي الحجة، وليلة
نصف شعبان، والليلة الأولى من رجب .
وحکم إحياء هذه الليالي فيما يلي:
إحياء ليلة الجمعة :
١٠ - نص الشافعية على كراهة تخصيص ليلة
الجمعة بقيام بصلاة، لما رواه مسلم في صحيحه من
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تخصوا ليلة
الجمعة بقيام من بين الليالي)). (١)
أما إحياؤها بغير صلاة فلا يكره، لاسيما بالصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك مطلوب
فيها .
ولا يكره إحياؤها مضمومة إلى ما قبلها، أو إلى
ما بعدها، أو إليها، قياساً على ماذكروه في
(٢)
الصوم. (٢)
وظاهر كلام بعض الحنفية ندب إحيائها بغير
الصلاة، لأن صاحب مراقي الفلاح ساق حديث :
((خمس ليال لا يرد فيهن الدعاء: ليلة الجمعة، وأول
ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا
(١) حديث ((لا تخصوا ليلة الجمعة ... )) رواه مسلم من
حديث أبي هريرة ولفظه ((لا تختصوا))، وله تكملة (الفتح
الكبير ٣١٨/٣)
(٢) مغني المحتاج ٢٢٨/٢
- ٢٣٤ -

إحياء الليل ١١ - ١٣
العيد)). (١) ولم يعلق عليه .
إحياء ليلتي العيد :
١١ - يندب إحياء ليلتي العيدين (الفطر،
والأضحى) باتفاق الفقهاء. (٢) لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((من قام ليلتي العيد محتسباً لم يمت قلبه
يوم تموت القلوب)). (٣) وذهب الحنفية اتباعا
لابن عباس إلى أنه يحصل له ثواب الإحياء بصلاة
العشاء جماعة، والعزم على صلاة الصبح جماعة. (٤)
إحياء ليالي رمضان :
١٢ - أجمع المسلمون على سنية قيام ليالي رمضان
عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : ((من قام رمضان
إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)). (٥)
(١) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢١٩، حديث ((خمس
ليال لا يرد فيهن الدعاء .. )) ذكره في فيض القدير بلفظ
((خمس ليال لا ترد فيهن الدعوة أول ليلة من رجب وليلة
النصف من شعبان وليلة الجمعة وليلة الفطر وليلة النحر)) وقال
رواه ابن عساكر، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي
أمامة، والبيهقي، من حديث عمر، قال ابن حجر: وطرقه
كلها معلولة (فيض القدير ٤٥٥/٣)
(٢) المجموع ٤٥/٤، وشرح المنهاج ١٢٧/٢، وابن عابدين
٤٦٠/١، ومراقي الفلاح ص ٣١٨، وكشف المخدرات ص
٨٦، والبحر الرائق ٢٥٦/٢ط الأولى بالمطبعة العلمية،
وحاشية الرهوني ١/ ١٨١ طبع بولاق ١٣٠٦، والمغني ١٥٩/١
(٣) حديث ((من قام ليلتي العيد محتسباً لم يمت ... )) أخرجه ابن
ماجه، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: فيه بقية بن
الوليد مدلس.
(٤) ابن عابدين ٤٦٢/١
(٥) حديث ((من قام رمضان إيماناً ... )) رواه البخاري ومسلم
وأصحاب السنن الأربعة (الفتح الكبير ٢٢١/٣)
ويخص منها العشر الأخير، (١) لأن رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( كان إذا كان العشر الأواخر
طوى فراشه، وأيقظ أهله، وأحيا ليله». (٢) وذلك
طلباً لليلة القدر التي هي إحدى ليالي العشر الأخير
من رمضان. قال صلى الله عليه وسلم: ((اطلبوا ليلة
القدر في العشر الأواخر» (٣) وكل هذا لا خلاف فيه.
إحياء ليلة النصف من شعبان:
١٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى ندب إحياء ليلة
النصف من شعبان، (٤) لقوله عليه الصلاة والسلام:
((إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها
وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس
إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له،
ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه ... كذا ...
كذا ... حتى يطلع الفجر)». (٥) وقوله صلى الله عليه
(١) مراقي الفلاح ص ٢١٨، والبحر الرائق ٥٦/٢، وابن عابدين
٤٦٠/١، وشرح المنهاج ١٢٧/٢
(٢) حديث ((كان رسول الله إذا كان العشر الأواخر ... )) أخرجه
الترمذي. وفي البخاري معناه. (مجمع الزوائد ١٧٢/٣)
(٣) حديث ((اطلبوا ليلة القدر ... )) رواه أحمد وابنه عبدالله في
زوائد المسند، والبزار. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد
رجال الصحيح. ورواه الضياء والطبراني في الكبير (تحقيق
المعجم الكبير للطبراني ٢٤٤/٢)
(٤) البحر الرائق ٥٦/٢، وحاشية ابن عابدين ٤٦٠/١، ومراقي
الفلاح ص ٢١٩، وشرح الإحياء للزبيدي ٤٢٥/٣، ومواهب
الجليل ٧٤/١، والخرشي ٣٦٦/١، والفروع ٤٤٠/١
(٥) حديث (إذا كانت ليلة النصف ... )) رواه ابن ماجه
والبيهقي في شعب الإيمان كلاهما عن علي. قال في الزوائد
إسناده ضعيف، وفيه ابن أبي سبرة قال فيه أحمد وابن معين :
يضع الحديث (الفتح الكبير ١٤٨/١ ومحمد فؤاد عبد الباقي في
تحقيقه لابن ماجة ٤٤٤/١)
- ٢٣٥ -

إحياء الليل ١٤ - ١٦
وسلم: «ينزل الله تعالى ليلة النصف من شعبان إلى
السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم
كلب.)) (١) وقوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله يطلع
ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا
لمشرك أو مشاحن)». (٢)
و بين الغزالي في الإحياء کيفية خاصة لإحيائها، وقد
أنكر الشافعية تلك الكيفية واعتبروها بدعة
قبيحة، وقال الثوري هذه الصلاة بدعة موضوعة
قبيحة منكرة. (٣)
الاجتماع لإحياء ليلة النصف من شعبان:
١٤ - جمهور الفقهاء على كراهة الاجتماع لإحياء
ليلة النصف من شعبان، نص على ذلك الحنفية
والمالكية، وصرحوا بأن الاجتماع عليها بدعة وعلى
الأثمة المنع منه. (٤) وهو قول عطاء بن أبي رباح وابن
أبي مليكة. وذهب الأوزاعي إلى كراهة الاجتماع
لها في المساجد للصلاة، لأن الاجتماع على إحياء
(١) حديث: ((ينزل الله ... )) أخرجه الترمذي ٣/ ١١٦ ( ط
الحلبي) وابن ماجه (٤٤٤/١ ط الحلبي) وصححه الألباني
فى تعليقه على السنة لابن أبي عاصم (٢٢٣/١ - ط
المكتب الاسلامي) .
(٢) حديث ((إن الله يطلع ... )) رواه ابن ماجه من حديث أبي
موسى الأشعري ٤٤٥/١ ط البابي الحلبي، وقال محققه: في
الزوائد: إسناده ضعيف. وقال المنذري : ورواه الطبراني في
الأوسط وابن حبان في صحيحه، والبيهقي من حديث معاذ.
ورواه البزار والبيهفي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله
عنه بنحوه بإسناد لا بأس به (تحفة الأحوذي ٤٤١/٣ نشر
المكتبة السلفية بالمدينة المنورة).
(٣) اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٤٢٣/٣
(٤) مواهب الجليل ٧٤/١ دار الفكر بيروت، والخرشي ٣٦٦/١
هذه الليلة لم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم
ولا عن أحد من أصحابه.
وذهب خالد بن معدان ولقمان بن عامر
واسحاق بن راهويه إلى استحباب إحيائها في
جماعة. (١)
إحياء ليالي العشر من ذي الحجة:
١٥ - نص الحنفية والحنابلة على ندب إحياء
الليالي العشر الأول من ذي الحجة. (٢) لما رواه
الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من
أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي
الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام
كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)). (٣)
إحياء أول ليلة من رجب :
١٦ - ذكر بعض الحنفية وبعض الحنابلة من جملة
الليالي التي يستحب إحياؤها أول ليلة من رجب،
وعلل ذلك بأن هذه الليلة من الليالي الخمس التي لا
يرد فيها الدعاء، وهى: ليلة الجمعة، وأول ليلة من
رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيد. (٤)
(١) مراقي الفلاح ص ٢١٩ - ٢٢٠
(٢) مراقي الفلاح ٢١٩، وحاشية ابن عابدين ٤٦٠/١، والبحر
الرائق ٥٦/٢، والفروع ٣٩٨/١، والشرح الكبير بهامش المغني
٢٦٤/٢
(٣) حديث ((مامن أيام أحب إلى الله ... )) أخرجه ابن ماجه
والترمذي وقال : هذا حديث غريب، وسألت محمداً (يعني
البخاري) عن هذا الحديث فلم يعرفه. وقال ابن الجوزي :
ضعيف. واورده في الميزان من المناكير (فيض القدير ٤٧٤/٥)
(٤) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢١٩، والفروع ٤٣٨/١
- ٢٣٦ -

....
إحياء الليل ١٧ - ٢١
إحياء ليلة النصف من رجب:
١٧ - ذهب بعض الحنابلة إلى استحباب إحياء
ليلة النصف من رجب. (١)
إحياء ليلة عاشوراء :
١٨ - ذهب بعض الحنابلة إلى استحباب إحياء
ليلة عاشوراء .
إحياء ما بين المغرب والعشاء : (٢)
مشروعيته :
١٩ - الوقت الواقع بين المغرب والعشاء من
الأوقات الفاضلة، ولذلك شرع إحياؤه بالطاعات،
من صلاة - وهي الأفضل - أو تلاوة قرآن، أو ذكر
الله تعالى من تسبيح وتهليل ونحو ذلك. (٣)
وقد كان يحييه عدد من الصحابة والتابعين وكثير
من السلف الصالح. كما نقل إحياؤه عن الأئمة
الأربعة. (٤)
وقد ورد في إحياء هذا الوقت طائفة من
الأحاديث الشريفة، وإن كان كل حديث منها على
حدة لا يخلو من مقال، إلا أنها بمجموعها تنهض دليلا
على مشروعيتها ، منها :
١ - ما روته السيدة عائشة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى بعد المغرب
(١) الفروع ٤٣٨/١، ٤٤٠
(٢) ممن عبر بذلك بصراحة الغزالي في إحياء علوم الدين ٣٦٣/١،
وابن مفلح في الفروع ٤٣٩/١، وغيرها . ولم نقف على تسميته
بذلك عند المالكية .
(٣) اعانة الطالبين ٢٥٨/١ ط مصطفى الحلبي.
(٤) نيل الأوطار ٥٨/٣ المطبعة العثمانية المصرية ١٣٥٧ هـ،
والفروع ٤٣٩/١
عشرين ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة)). (١)
٢ - وعن ابن عمر، قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((من صلى بعد المغرب ست ركعات
كُتب من الأوابين)». (٢)
حکمه :
٢٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن إحياء ما بين
المغرب والعشاء مستحب. وهو عند الشافعية
والمالكية مستحب استحباباً مؤكدا. وكلام الحنابلة
يفيده. (٣)
عدد ر کعاته :
٢١ - اختلف في عدد ركعات إحياء ما بين
العشائين تبعا لما ورد من الأحاديث فيها .
فذهب جماعة إلى أن إحياء ما بين العشائين،
يكون بست ركعات، وبه أخذ ابو حنيفة، وهو
(١) حديث عائشة: ((من صلى بعد المغرب ... )) رواه ابن
ماجه ٤٣٧/١، من حديث عائشة قال محققه: في إسناده
يعقوب بن الوليد اتفقوا على ضعفه، قال فيه الإمام أحمد : من
الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث.
(٢) الحديث عن ابن عمر مرفوعاً ذكره ابن الهمام في شرح فتح
القدير بهذا اللفظ، ولم نجده. والمرويّ عن ابن عمر ((من صلى
ست ركعات بعد المغرب قبل أن يتكلم غفر له بها ذنوب
خمسين سنة)) رواه ابن نصر. وعن محمد بن المنكدر: ((من
صلى مابين المغرب والعشاء فإنها صلاة الأوابين)) رواه ابن
نصر مرسلاً (كنز العمال ٣٨٧/٧، ٣٨٨).
(٣) إعانة الطالبين ٢٥٨/١، وبلغة السالك ١٤٥/١، وحاشية
كنون بهامش الرهوني ٣٢/٢، والفروع ٤١٨/١٤، والكافي
١٩٢/١، نشر مكتبة الرياض الحديثة، والمغني ٧٧٤/١،
والبحر الرائق ٥٣/٢، ٥٤، وفتح القدير ٣٧١/١
- ٢٣٧ -

الليل ٢١ - إحياء الموات ١ - ٢
الراجح من مذهب الحنابلة . (١) واستدلوا على ذلك
بحديث ابن عمر السابق. وفي رواية عند الحنابلة أنها
أربع ركعات، وفي رواية ثالثة أنها عشرون
ركعة. (٢)
وذهب الشافعية إلى أن أقلها ركعتان وأكثرها
عشرون ركعة. (٣) وذلك جمعاً بين الأحاديث الواردة
في عدد ركعاتها .
وذهب المالكية إلى أنه لا حد لأكثرها ولكن
الأولى أن تكون ست ركعات. (٤)
وتسمى هذه الصلاة بصلاة الأوابين، للحديث
السابق. وتسمى صلاة الغفلة. وتسميتها بصلاة
الأوابين لا تعارض ما في الصحیحین من قوله صلى
الله عليه وسلم: ((صلاة الأوابين إذا رمضت
الفصال)) (٥) ، لأنه لا مانع من أن تكون كل من
الصلاتين صلاة الأوابين. (٦)
صلاة الرغائب :
٢٢ _ ورد خبر بشأن فضل صلاة تسمى صلاة
الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب، بين العشاءين.
وممن ذكره الغزالي في الإحياء. وقد قال عنه الحافظ
(١) فتح القدير ٣١٧/١، البحر ٥٣/٢، ٥٤، والكافي ١٩٢/١
(٢) الفروع ٤١٨/١، والشرح الكبير بها مش المغني ٧٧٤/١ ط
المنار.
(٣) الإقناع ١٠٨/١ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٩ هـ.
(٤) بلغة السالك على الشرح الصغير ١٤٥/١، وانظر المدني على
هامش الرهوني ٥٣/٢
(٥) حديث: ((صلاة الأوابين ... )) رواه أحمد ومسلم (الفتح
الكبیر ١٩٥/٢)
(٦) نيل الأوطار ٥٥/٣، وفتح القدير ٣١٧/١، والإقناع ١٠٨/١
العراقي: إنه موضوع. وقد نبه الحجاوي في الاقناع
على أن تلك الصلاة بدعة لا أصل لها. (١)
إحيَاء الموات
١ - الإحياء في اللغة جعل الشيء حياً، والموات :
الأرض التي خلت من العمارة والسكان. وهي
تسمية بالمصدر. وقيل : الموات الأرض التي لا مالك
لها، ولا ينتفع بها أحد.(٢)
وإحياء الموات في الاصطلاح هو كما قال
الإتقاني شارح الهداية : التسبب للحياة النامية ببناء
أو غرس أو كرب (حراثة) أو سقي.(٣) وعرفه
ابن عرفة بأنه لقب لتعمير دائر الأرض بما يقتضي
عدم انصراف المُعْمِر عن انتفاعه بها . (٤) وعرفه
الشافعية بأنه عمارة الأرض الخربة التي لا مالك
لها، ولا ينتفع بها أحد .(٥) وعرفه الحنابلة بأنه عمارة
مالم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة . (٦)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - من الألفاظ ذات الصلة : التحجير أو
الاحتجار، والحوز، والارتفاق، والاختصاص،
(١) تخريج الإحياء للحافظ العراقي بها مش الإحياء ٢٠٢/١،
مطبعة الاستقامة، والإقناع للحجاوي ١٥٤/١ ط دار المعرفة.
(٢) القاموس والمصباح .
(٣) متن الدر وحاشية ابن عابدين ٠٢٧٧/٥ط الأميرية.
(٤) مواهب الجليل ٢/٦ نشر مكتبة النجاح.
(٥) البجيرمي علي الخطيب ١٩٢/٣ نشر دار المعرفة.
(٦) المغني ٥٦٣/٥ط الرياض.
- ٢٣٨ -

إحياء الموات ٣ - ٩
والإقطاع، والحمى.
أ - التحجير:
٣ - التحجير أو الاحتجار لغة واصطلاحاً : منع الغير
من الإحياء بوضع علامة، كحجر أو غيره، على
الجوانب الأربعة. وهو يفيد الاختصاص لا
التملیك.(١)
ب - الحوز والحيازة :
٤ - الحوز والحيازة لغة الضم والجمع. وكل من ضم
إلى نفسه شيئاً فقد حازه. والمراد من الحيازة
اصطلاحاً وضع اليد على الشيء المحوز. وهي لا تفيد
الملك عند الجمهور خلافاً لبعض المالكية. وتفصيله
في مصطلح: ((حيازة)). (٢)
ج - الارتفاق :
٥ - الارتفاق بالشيء لغة الانتفاع به.(٣) وهو في
الاصطلاح لا يخرج - في الجملة - عن المعنى
اللغوي، على خلاف فيما يرتفق به. وموضعُه
مصطلح : (ارتفاق).
د - الاختصاص :
٦ - الاختصاص بالشيء في اللغة : كونه لشخص
دون غيره.(٤) وهو في الاصطلاح لا يخرج عن ذلك.
(١) المصباح، وحاشية ابن عابدين ٢٨٢/٠ط الأميرية، والفتاوى
الهندية ٠٣٨٦/٥
(٢) البهجة في شرح التحفة ٢٥٤/٢ط الحلبي.
(٣) المصباح.
(٤) المصباح.
والاختصاص أحد الطرق المؤدية إلى إحياء الموات.
هـ - الإقطاع :
٧ - الإقطاع في اللغة والاصطلاح : جعل الإمام غلة
أرض رزقا للجند أو غيرهم.
ونص الحنابلة وغيرهم على أن للإمام إقطاع
الموات لمن يحييه، فيكون أحق به كالمتحجر الشارع
في الإحياء.(١) وهو نوع من أنواع الاختصاص.
وتفصيله في مصطلح (إقطاع). (٢)
صفة الإحياء (حكمه التكليفي):
٨ - حكمه الجواز، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له)).(٣) على أن
الشافعية ذهبوا إلى أنه مستحب، للحديث الذي
رواه النسائي: ((من أحيا أرضاً ميتة فله فيها
أجر)). (٤) وحكمة مشروعيته أنه سبب لزيادة
الأقوات والخصب للأحياء.
أثر الإحياء (حکمه الوضعي):
٩ - ذهب الجمهور الى أن المحيي يملك ما أحياه إذا
توافرت الشروط ، وذلك للحديث السابق، خلافا
(١) المغني ٥٧٨/٥
(٢) هامش مواهب الجليل ١٦٥/٦ نشر مكتبة النجاح.
(٣) حديث: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له)) رواه الترمذي
(٦٣٠/٤ ط السلفية)، وعله الترمذي بالإرسال لكن له شاهد
من حديث عائشة في البخاري (١٨/٥ تلخيص الجيد ص
٥٤/٣)
(٤) حديث ((من احيا أرضا ميتة فله فيها أجر)) رواه أحمد
والنسائي وابن حبان عن جابر، (تلخيص الحبير ٦٢/٣)،
وأخرجه الترمذي من وجه آخر بلفظ: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي
له)) وصححه (فتح الباري ١٩/٥ ط السلفية)
- ٢٣٩ -

إحياء الموات ١٠ - ١٢
لبعض الحنفية، كالفقيه أبي القاسم أحمد البلخي،
إذا قالوا : إنه يثبت ملك الاستغلال لا ملك الرقبة،
قياساً على السبق للانتفاع بالمرافق العامة،
كالمجالس، وخلافا لبعض الحنابلة الذين ذهبوا إلى
أن الذمي لا يملك الإحياء في دار الإسلام، إنما يملك
الانتفاع.(١)
أقسام الموات :
١٠ - الموات قسمان : أصلى وهو مالم يعمر قط ،
وطارىء : وهو ماخرب بعد عمارته. (٢)
الأراضي التي كانت جزائر وأنهاراً:
١١ - اتفق الفقهاء على أن الأنهار والجزائر ونحوهما
إذا انحسر عنها الماء فصارت أرضاً يابسة ترجع إلى
ما كانت عليه. فإن كانت مملوكة لأحد أو وقفاً أو
مسجداً عادت إلى المالك أو الوقف أو المسجد، ولا
يجوز إحياؤها، لكن قيد المالكية ذلك بما إذا كان
المالك ملك الأرض بالشراء، فإن كان ملكها
بالإحياء جاز للغير إحياؤها .(٣)
واختلفوا فيما إذا لم تكن مملوكة لأحد أو لم يعرف
للأرض مالك : فذهب الحنفية إلى أن النهر إذا كان
بعيدا، بحيث لا يعود إليه الماء، تكون أرضه مواتا
(١) ابن عابدين ٢٧٨/٥، والزيلعي ٣٥/٦، والخطاب ١١/٦
و١٢، والإقناع على الخطيب ٢٩٥/٣، والمغني ٥٦٦/٥
(٢) شرح الخطيب ١٩٤/٣ نشر دار المعرفة.
(٣) الفتاوى الهندية ٣٨٦/٥، وابن عابدين ٢٧٨/٥، والتاج
والإكليل بهامش الحطاب ٢/٦ نشر مكتبة النجاح، والخطيب
١٩٥/٣ نشر دار المعرفة .
يجوز إحياؤها. وكذلك الحكم إذا كان النهر قريباً في
ظاهر الرواية، وهو الصحيح، لأن الموات اسم لما لا
ينتفع به، فإذا لم يكن ملكاً لأحد، ولا حقا خاصاً
له، لم يكن منتفعاً به، فكان مواتا، بعيدا عن البلد،
أو قريبا منها. وعلى رواية أبي يوسف رحمه الله
تعالى - وهو قول الطحاوي الذي اعتمده شمس
الأثمة - لا یکون مواتا إذا كان قر یبا، وذلك لأن
ما يكون قريباً من القرية لا ينقطع ارتفاق أهلها
عنه، فيدار الحكم عليه. وعند محمد يعتبر حقيقة
الانتفاع، حتى لا يجوز إحياء ما ينتفع به أهل القرية
وإن كان بعيداً، ويجوز إحياء مالا ينتفعون به وإن
كان قريبا من العامر .(١)
١٢ - واختلفوا في حد القرب والبعد. وأصح ما قيل
فيه أن يقوم الرجل على طرف عُمْران القرية،
فينادي بأعلى صوته، فأي موضع ينتهي إليه صوته
يكون من فِناء العمران، لأن أهل القرية يحتاجون
إلى ذلك الموضع لرعي المواشي أو غيره، وما وراء
ذلك یکون من الموات.
ورأى سحنون من المالكية ومن وافقه كمطرف
وأصبغ مثل ظاهر الرواية في مذهب الحنفية، غير أنه
لم يقيد بجواز عود المياه، لأن الأنهار التي لم ينشئها
النَّاس ليست ملكا لأحد، وإنما هي طريق
للمسلمین لا يستحقها من کان يلي النهر من جهتيه .
وعند غيرهم أن باطن النهر إذا یبس یکون ملكا
لصاحبي الأرض التي بجنب النهر، لكل واحد منهما
ما يجاور أرضه مناصفة. والحكم كذلك إذا ما له النهر
(١) اللجنة ترى وجاهة هذا الرأي لأنه يحقق المصلحة العامة.
- ٢٤٠ -