Indexed OCR Text

Pages 121-140

..........
٠٠١
إحراق ٢٠ - ٢٣
التحجیر بالإحراق :
٢٠ - من حجر أرضا ميتة بأن منع غيره منها بوضع
علامة فهو أحق بها. ومما يتحقق به التحجير إحراق
ما في الأرض من الشوك والأشجار لاصلاح
(١)
الأرض. (١)
إيقاد النار في المساجد والمقابر:
٢٠ - يكره إيقاد النار في المسجد لغير مصلحة،
كالتبخير، والاستصباح والتدفئة، لأنه إذا لم يكن
لمصلحة كان تشبها بَعَبَدَة النار، فهو حينئذ حرام.
وأما إيقاد النار، كالسرج وغيرها، عند القبور
فلا يجوز، لحديث: ((لعن الله زائرات القبور
والمتخذين عليها السرج)). (٢)
فإذا كانت هناك مصلحة ظاهرة تقتضي
الإضاءة کدفن الميت ليلا فهو جائز.(٣)
التبخير عند الميت :
٢٢ - يستحب عند الجمهور تبخير أكفان الميت
بالعود، وهو أن يترك العود على النار في مجمر، ثم
یبخّر به الكفن حتى تعبق رائحته و يطيب. ويكون
ذلك بعد أن يرش عليه ماء الورد لتعلق الرائحة به .
(١) حاشية ابن عابدين ١٦٦/١، ٢٦/٤، وحاشية الدسوقي
٣١٦/٤
(٢) رواه أبوداود والترمذي والنسائي والحاكم (الفتح الكبير)
وحسنه الترمذي وابن القطان وضعفه عبدالحق (فيض
القدير ٢٧٤/٥).
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٦٧/٤ و٣٥٤/٦، ٤٣٩/٢، ٤٤٠،
وبدائع الصنائع ٢٢٠/٩، وحاشية الدسوقي ١٧١/٢ و٧١/٤
ونهاية المحتاج ٣٦٥/٥، ٣٦٦، و٢٣/٣، ٣٥ ومغني المحتاج
٣٦٠/١ والمغني والشرح الكبير ١٩١/١، ١٩٣، ٢٣٥،
٢٣٦ و٣٦٤/٢، ٣٨٧، ٣٨٨، ٤١٧
وتجمر الأكفان قبل أن يدرج الميت فيها وثراً.
والأصل فيه ما روي عن جابر، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إذا أجمرتم الميت فأجروه
ثلاثا)) رواه أحمد، وأخرجه أيضا البيهقي والبزار.
وقيل: رجاله رجال الصحيح. وأخرج نحوه أحمد بن
حنبل.(١)
واختلفوا في الميت المحرم على رأيين:
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى جواز
تجميره، قياساً على الحيّ، ولأنه انقطع إحرامه بموته،
وسقط عنه التكليف.
وقال الحنابلة : لا يبطل إحرامه، فلا يجمّر هو
ولا أكفانه.
والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم
في الذي وقصته الناقة («اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه
في ثوبين، ولا تمسوه طيباً، ولا تخمّروا رأسه، فإنه
يبعث يوم القيامة ملبياً)). (٢)
اتباع الجنازة بنار:
٢٣ - اتفق الفقهاء على كراهة اتباع الجنازة بنار
في مجمرة أو غيرها، وإن كانت بخوراً. وكذلك
مصاحبتها للميت، للأخبار الآتية.
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الكراهة ، لأن
ذلك من فعل الجاهلية، وقد حرّم النبي صلى الله عليه
وسلم ذلك، وزجر عنه. فقد روي أنه خرج في
(١) نيل الأوطار ٤٥/٤، ٤٦، باب تطييب بدن الميت.
(٢) ابن عابدين ١٦٢/٢، والدسوقي ٤١٨/١، والمجموع ٢٠٩/٥،
والمغنى ٣٣٢/٢، وحديث : اغسلوه بماء .. أخرجه الشيخان
عن ابن عباس (الفتح الكبير ٢٠٥/١)
- ١٢١ -

إحراق ٢٤ - ٢٥
جنازة، فرأى أمرأة في يدها محمر، فصاح عليها
وطردها حتى توارت بالآ كام، (١) وروى أبوداود
بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
تتبع الجنازة بصوت ولا نار))، (٢) وقد أوصى كثير من
الصحابة بألا يتبعوا بنار بعد موتهم٣) وروى ابن ماجه
أن أبا موسى حين حضره الموت قال: لا تتبعوني
بمجمر. قالوا له: أو سمعت فيه شيئاً؟ قال: نعم من
رسول الله صلى الله عليه وسلم . (٤)
فإن دفن ليلا ، فاحتاجوا إلى ضوء، فلا بأس
به. وإنما كره المجامر التي فيها البخور. (٥)
الإحراق المضمون وغير المضمون :
٢٤ - إذا أوقد الشخص ناراً في أرضه. أو في
ملكه، أو في موات حجّره، أو فيما يستحق الانتفاع
به، فطارت شرارة إلى دار جاره فأحرقتها، فإن كان
الإيقاد بطريقة من شأنها ألا تنتقل النار إلى ملك
الغیر، فإنه لا یضمن.
(١) حديث: ((رأي امرأة ... )) رواه أبونعيم (كنز العمال
٧٢٣/١٥) ولم نجد من تكلم على إسناده.
(٢) حديث: ((لا تتبع الجنازة)) رواه أبوداود. قال عبدالحق :
سنده منقطع. قال ابن القطان: والحديث لا يصحح وإن كان
متصلاً (فيض القدير ٣٨٧/٦)
(٣) منهم أبوهريرة وعائشة وعمرو بن العاص (المدونة ١٨٠/١)
(٤) حديث أبي موسى في مسند أحمد ٣٩٧/٤ ط الميمنية.
(٥) حاشية ابن عابدين ٢٣٧/٢، وبدائع الصنائع ٣١٠/١،
وحاشية الدسوقي ٤٢٤/١، وبلغة السالك لأقرب المسالك
٢٠٢/١، ونهاية المحتاج ٢٣/٣، وروضة الطالبين ١١٦/٢،
والمغني لابن قدامة والشرح الكبير ٣٦٤/٢، ومغني المحتاج
٣٦٠/١
أما إن كان الإيقاد بطريقة من شأنها انتقال
النار إلى ملك الغير، فإنه يضمن ما أتلفته النار،
وذلك كأن كان الإيقاد والريح عاصفة، أو وضع
مادة من شأنها انتشار النار، إلى غير ذلك مما هو
معروف.
وعدم الضمان في الحالة الأولى مرجعه إلى
قياسها على سراية الجرح في قصاص الأطراف، وفي
الثانية بسبب التقصير. فإن أوقد ناراً في غير ملکه أو
ما لا يملك الانتفاع ضمن ما أتلفته النار لأنه متعد (١)
ملكية المغصوب المتغير بالإحراق :
٢٥ - ذهب الحنفية والمالكية، وهو قول عند أحمد،
إلى أنه إذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب
حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب
منه عنها، وملكها الغاصب وضمنها . ولا يحل له
الانتفاع بها حتى يؤدّي بدلها، كمن غصب شاة
وذبحها وشواها أو طبخها، أو حديدا فاتخذه سيفاً، أو
نحاساً فعمله آنية. وسبب انتقال الملكية أن الغاصب
أحدث صنعة متقومة، لأن قيمة الشاة تزداد بطبخها
أو شيّها، وبهذا يعتبر حق المالك هالكاً من وجه، ألا
ترى أنه تبدل الاسم وفات معظم المقاصد. وحق
الغاصب في الصنعة قائم من كل وجه، وما هو قائم
(١) حاشية ابن عابدين ٢٢٧/٥، ٤٤٨ و٢١٤/٦، ٤٤٦،
والفتاوى الهندية ٤٥٩/٣، وشرح الخرشي ١١١/٨، ١١٢،
ومواهب الجليل للحطاب ٣٢١/٦، وكشاف القناع ٣٦٧/٢،
والمهذب ١٥٢/٢، ونهاية المحتاج ١٥٢/٥، ٣٣٣، ٣٣٤،
وروضة الطالبين ٢٨٥/٥، والمغني لابن قدامة ٤٥٣/٥،
١٨٣/٦، وبلغة السالك لأقرب المسالك ١٧٦/٢
- ١٢٢ -

إحراق ٢٦
....
من كل وجه مرجح على الأصل الذى هو فائت
وهالك من وجه.
وعلى هذا يخرج ما إذا كان المغصوب لحماً،
فشواه أو طبخه، أو حديداً فضر به سكيناً، أو تراباً له
قيمة فاتخذه خزفا، ونحو ذلك، لأنه ليس للمالك أن
يسترد شيئا من ذلك، ويزول ملكه بضمان المثل أو
القيمة، وتبطل ولاية الاسترداد، كما إذا استهلكه
حقيقة .
وقال الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة ورواية
عن أبي يوسف: لا ينقطع حق المالك، ولا يزول
ملك صاحبه عنه، لأن بقاء العين المغصوبة يوجب
بقاء ملك المالك، لأن الواجب الأصلي في الغصب
رد العين عند قيامها، والعين باقية، فتبقى على
ملكه، وتتبعه الصنعة الحادثة، لأنها تابعة للأصل،
ولا معتبر بفعله لأنه محظور فلا يصلح سبباً للملك.
وعن محمد بن الحسن أنه يخير بين القيمة أو العين
مع الأرش. وذكر أبو الخطاب: أن الغاصب يشارك
المالك بكل الزيادة لأنها حصلت بمنافعه، ومنافعه
أجريت مجرى الأعيان، فأشبه ما لو غصب ثوبا
فصبغه، وذلك بأن تقوّم العين المغصوبة غير مصنعة ،
ثم تقوم مصنعة، فالزيادة تكون للغاصب على هذا
الرأي .(١)
(١) نتائج الأفكار (تكملة فتح القدير) والعناية ٣٧٥/٧، ٣٧٨،
وبدائع الصنائع ١٤٨/٧، ١٥٣، ١٥٤، والمغني لابن قدامة
والشرح الكبير ٣٩٤/٥، ٣٩٦، ٤٠٣، ٤٠٥، وبلغة السالك
لأقرب المسالك ٢١٢/٢ وما بعدها، وروضة الطالبين ٢٤/٥
وما بعدها، ونيل الأوطار ٦٩/٦، ٧٠، وحاشية الدسوقي
٤٤٦/٣
ما یباح إحراقه وما لا يباح :
٢٦ - الأصل أن المصحف الصالح للقراءة لا
يحرق، لحرمته، وإذا أحرق امتهانا يكون كفراً عند
جميع الفقهاء.
وهناك بعض المسائل الفرعية ، منها :
قال الحنفية : المصحف إذا صار خلقاً، وتعذّر
القراءة منه، لا يحرق بالنار، بل يدفن، كالمسلم.
وذلك بأن يلف في خرقة طاهرة ثم يدفن. وتكره إذابة
درهم عليه آية، إلا إذا كسر، فحينئذ لا يكره
إذابته، لتفرق الحروف، أو لأن الباقي دون آية .
وقال المالكية : حرق المصحف الخلق إن كان
على وجه صیانته فلا ضرر، بل ربما وجب. (١)
وقال الشافعية : الخشبة المنقوش عليها قرآن في
حرقها أربعة أحوال: يكره حرقها لحاجة الطبخ
مثلا، وإن قصد بحرقها إحرازها لم یکره، وان لم یکن
الحرق لحاجة، وإنما فعله عبثا فيحرم، وإن قصد
الامتهان فظاهر أنه يكفر.
وذهب الحنابلة إلى جواز تحريق المصحف غير
الصالح للقراءة. (٢).
أما كتب الحديث والفقه وغيرها فقال المالكية :
إن كان على وجه الاستخفاف فإحراقها كفر مثل
القرآن، وأيضا أسماء الله وأسماء الأنبياء المقرونة بما
يدل على ذلك مثل: ((عليه الصلاة والسلام)) لا
مطلق الأسماء.
وقال الحنفية : هذه الكتب إذا كان يتعذر
(١) الدسوقي ٣٠١/٤
(٢) الفروع ١١٥/١، وكشاف القناع ١٣٧/١
- ١٢٣ -

.........
٠٠١
إحراق ٢٧ - ٣٠
الانتفاع بها يمحى عنها اسم الله وملائكته ورسله
ويحرق الباقي.(١).
إحراق السمك والعظم وغيرهما :
٢٧ - ذهب المالكية إلى جواز إلقاء السمك في
النار حياً لشيّه. كما أباحوا إحراق العظم وغيره
للانتفاع به. ووافقهم الشافعية على الراجح في
إحراق العظم. وكره الإمام أحمد شيّ السّمك الحيّ
ولكن لا يكره أكله.
ونص الحنابلة على أنه لا يكره شيّ الجراد حياً،
لما أثر من فعل الصحابة ذلك أمام عمر رضي الله عنه
من غير نکیر.
ولا يجوز عند الجميع إضاعة المال بالإحراق أو
(٢)
غيره.
الإحراق بالكي للتداوي : (٣)
٢٨ - إذا لم يكن حاجة إلى التداوي بالكي فإنه
حرام، لأنه تعذيب بالنار، ولا يعذب بالنار إلا
خالقها . (٤)
(١) حاشية ابن عابدين ١٧٧/١، ١٧٨، و٤٢٢/٦، وحاشية
الدسوقي ١٢٥/١، ٣٠١/٤، والمغني لابن قدامة ٥٣٣/١،
وروضة الطالبين ٨٠/١، ٨١، ونهاية المحتاج ١١٢/١، وشرح
الروض ٦٢/١
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٥٤/٦، وحاشية الدسوقي ٥٧/١، ٦٠،
٦١، ونهاية المحتاج ١٣٢/١
(٣) الكى هو أن يحمى حديد أو غيره ويوضع على عضو معلول
ليحرق ويحبس، أو لينقطع العرق الذي خرج منه الدم.
(٤) حاشية ابن عابدين ١٣٧/١ - ١٤٠ و٣٨٨/٦، والمغني لابن
قدامة ١٧٦/١، ١٧٨، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي
٣٠/٨، ونيل الأوطار ٢١٢/٨، ٢١٥ واللجنة ترى - نظراً =
وأما إذا تعين الكي علاجا فإنه مباح سواء أكان
ذلك بالحديد أم بغيره. وتفصيل ذلك في مصطلح
(تداوي).
الوسم بالنار :(١)
٢٩ - الوسم في الوجه بالنار منهي عنه بالإجماع في
غير الآدمي. ومن باب أولى وسم الآدمي، فهو حرام
لكرامته، ولأنه لا حاجة إليه، ولا يجوز تعذيبه .
وذهب جماعة في غير الآدمي إلى أن النهي للكراهة،
وذهب جماعة آخرون إلى تحريمه، وهو الأظهر، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله، واللعن يقتضي
التحريم، حيث قال: ((أما بلغكم أني لعنت من
وسم البهيمة في وجهها ؟))(٢)
أما وسم غير الآدمي في بقية الجسم فالجمهور
على أنه جائز، بل مستحب، لما روي من فعل
الصحابة في ماشية الزكاة والجزية. وذهب ابو
حنيفة إلى كراهته لما فيه من تعذيب ومثلة . (٣)
الانتقال من سبب موت - لآخر أهون :
٣٠ - لوشبت النار في سفينة أو غيرها فما غلب
على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في أماكنهم أو
تركها فعلوه.
= لعموم البلوي ان في مذهب الشافعي سعة. وفي حكم المصحف
المحرّف .
(١) الوسم - أثر الكية.
(٢) رواه مسلم والترمذي بمعناه وأبو داود (عون المعبود ٢٣٢/٧)
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٨٨/٦، والمغني لابن قدامة ٥٧٤/٣،
ونيل الأوطار ٩٠/٨، ٩٢ ط الحلبي.
- ١٢٤ -

إحراق ٣١ - ٣٢
وإن استوى عندهم الأمران فقال الشافعي
وأحمد: كيف شاءوا صنعوا، وقال الأوزاعي: هما
موتتان فاختر أيسرهما .
وصرح المالكية بوجوب الانتقال من سبب الموت
الذي حلّ، إلى سبب آخر إن رجا به حياة، أو
طولها، ولو حصل له معها ما هو أشد من الموت، لأن
حفظ النفوس واجب ما أمكن.(١)
الإحراق في الحرب :
٣١ - إذا قُدر على العدو بالتغلب عليه فلا يجوز
تحريقه بالنار من غير خلاف يعلم، لما روى حمزة
الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّره على
سرية، فقال: فخرجت فيها، فقال: ((إن أخذتم
فلانا فأحرقوه بالنار)» فولیت، فناداني، فرجعت،
فقال: ((إن أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنه لا
يعذب بالنار إلا رب النار)).(٢)
فأما رميهم بالنار قبل القدرة عليهم مع إمكان
أخذهم بغير التحريق فلا يجوز، لأنهم حينئذ في
حكم المقدور عليهم. وأما عند العجز عنهم بغير
التحريق فجائز في قول أكثر أهل العلم، لفعل
الصحابة والتابعين في غزواتهم .
هذا وإن تترس العدو في الحرب ببعض
المسلمين، فإن اضطررنا إلى رميهم بالنار فهو جائز
عند الجمهور. ومرجع ذلك إلى تقدير المصلحة العامة .
والحكم في البغاة والمرتدين في هذه المسألة
(١) حاشية الدسوقي ١٨٣/٢، ١٨٤، ونهاية المحتاج ٣٠/٨،
والمغني لابن قدامة والشرح الكبير ٥٥٤/١، ٥٥٥
(٢) رواه أبوداود واختلف في توثيق راو يه محمد بن حمزة
كالكفار في حال القتال. (١)
إحراق أشجار الكفار في الحرب :
٣٢ - إذا كان في ذلك نكاية بالعدو، ولم يرج
حصولها للمسلمين، فالإحراق جائز اتفاقا . بل ذهب
المالكية إلى تعيُّن الإحراق. أما إذا رجي حصولها
للمسلمين، ولم يكن في إحراقها نكاية، فإنه محظور.
وصرح المالكية بحرمته .
وأما إذا كان في إحراقها نكاية، ويرجى
حصولها للمسلمين، فذهب الحنفية والشافعية إلى
كراهة ذلك. بل صرح الشافعية بندب الإبقاء حفظا
لحق الفاتحين. وذهب المالكية إلى وجوب الإبقاء.
وإذا كان لا نكاية في إحراقها ، ولا يرجى
حصولها للمسلمين، فذهب الحنفية والمالكية إلى
جوازه. ومقتضى مذهب الشافعية الكراهة لأنه
الأصل عندهم.(٢)
أما الحنابلة فالأصل عندهم في هذه المسألة
المعاملة بالمثل، ومراعاة مصلحة المسلمين في القتال.
(١) حاشية ابن عابدين ١٢٩/٤، ١٣١، ٢٦٥، وفتح القدير
٢٨٦/٤، ٢٨٨، ٣٠٨، وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، ١٧٧/٢،
١٧٨، ونهاية المحتاج ٦١/٨، ٦٢، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد
٤٠١/١، والمغني لابن قدامة ٨٢/١٠، ٥٠٤، وبلغة السالك
لأقرب المسالك ٣٥٧/١، ومغني المحتاج ١٢٨٠١٢٧/٤،
١٤٠، وبدائع الصنائع ١٠٠/٧
(٢) فتح القدير ٢٨٦/٤، ٢٨٧، ٣٠٨، وبدائع الصنائع
١٠٠/٧، حاشية الدسوقي ١٠٨/٢، ونهاية المحتاج ٦٤/٨،
وبداية المجتهد ٤٠٢/١، والمغني والشرح الكبير ٥٠٩/١٠،
٥١٠، ونيل الأوطار ٢٦٢/٧، ٢٦٦، وحاشية ابن عابدين
١٢٩/٤
- ١٢٥ -

إحراق ٣٣ - ٣٤
حرق ما عجز المسلمون عن نقله من أسلحة وبهائم
وغيرها :
٣٣ - اختلف الفقهاء في الحرق والإتلاف، فقال
الحنفية والمالكية: إذا أراد الإمام العود، وعجز عن
نقل أسلحة وأمتعة وبهائم لمسلم أو عدو، وعن
الانتفاع بها تحرق، وما لا يحرق كحديد يتلف أو
يدفن في مكان خفي لا يقف عليه الكفار، وذلك
لئلا ينتفعوا بهذه الأشياء.
أما المواشي والبهائم والحيوانات فتذبح وتحرق،
ولا یتر کها لهم، لأن الذبح يجوز لغرض صحيح، ولا
غرض أصح من كسر شوكة الأعداء وتعريضهم
للهلكة والموت، ثم يحرق بالنار لتنقطع منفعته عن
الكفار، وصار كتخريب البنيان والتحر يق هذا
الغرض المشروع، بخلاف التحريق قبل الذبح، فلا
يجوز، لأنه منهى عنه. وفيه أحاديث كثيرة منها
ما أخرج البزار في مسنده عن عثمان بن حيان قال :
كنت عند أم الدرداء رضي الله عنها، فأخذت برغوثاً
فألقيته في النار، فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يعذب بالنار
إلا رب النار.
وللمالكية تفصيل، قالوا : يجهز على الحيوان
وجوباً، للإراحة من التعذيب بإزهاق روحه أو قطع
عرقوبه، أو الذبح الشرعي و ويحرق الحيوان ندباً بعد
إتلافه إن كان الأعداء يستحلّون أكل الميتة، ولو
ظناً، لئلا ينتفعوا به. فإن كانوا لا يستحلون أكل
الميتة لم يطلب التحريق في هذه الحالة وإن كان
جائزاً. والأظهر في المذهب طلب تحريقه مطلقاً ،
سواء استحلوا أكل الميتة أم لا ، لاحتمال أكلهم له
حال الضرورة. وقيل: التحر یق واجب، ورجح .
وقال اللخمي : إن كانوا يرجعون إليه قبل .
فساده وجب التحريق، وإلا لم يجب، لأن المقصود
عدم انتفاعهم به، وقد حصل بالإحراق.
٣٤ - وقال الشافعية والحنابلة وعامة أهل العلم،
منهم الأوزاعي والليث: لا يجوز في غير حال الحرب
عقر الدواب وإحراق النحل وبيوته لمغليظة الكفار
والإفساد عليهم، سواء خفنا أخذهم لها أو لم نخف.
وذلك بخلاف حال الحرب حيث يجوز قتل المشركين
ورمیہم بالنار، فیجوز إتلاف البهائم، لأنہ یتوصل
بإتلاف البهائم إلى قتل الاعداء.
واستدلوا بقوله تعالى: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في
الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيَها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ والله لا
يُحِبُّ الفَسَادَ)).(١) ولأن أبا بكر الصديق رضي الله
عنه قال في وصيته لیز ید بن أبي سفيان، حین بعثه
أميراً: ((يا يزيد لا تقتل صبياً ولا امرأة ولا هرماً،
ولا تخر بن عامراً، ولا تعقرن شجراً مثمراً، ولا دابة
عجماء، ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلا ولا
تغرقتّهُ، ولا تغلل ولا تجين)) (٢) ولأن النبي صلى الله
,(٣)
عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدواب صبراً،
ولأنه حيوان ذو حرمة فلم يجز قتله لغيظ المشركين (٤)
(١) وهذا ماذكره الفقهاء، وهو مناسب لعصرهم، واللجنة ترى
أن لقائد الجيش أن يتصرف بما يراه مصلحة للمسلمين بجلب
النفع ودفع الضرر في حدود القواعد العامة للشريعة. والآية من
سورة البقرة / ٢٠٥
(٢) وصية أبي بكر في الموطأ (٤٤٨/٢) والبيهقي رواتيه مرسلة
(نيل الأوطار ٧٥/٨)
(٣) متفق عليه (نيل الأوطار ٩٠/٨)
(٤) فتح القدير ٣٠٨/٤، ٣٠٩ ابن عابدين ١٤٠/٤، وحاشية
الدسوقي ١٨١/٢، ونهاية المحتاج ٦٤/٨، والمغني ٥٠٦/١٠
- ١٢٦ -

......
.....
إحراق ٣٥ - ٣٩
ما يحرق للغال وما لا يحرق :
٣٥ - الغالّ هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة،
فلا يطلع الإمام عليه، ولا يضمه إلى الغنيمة.
وقد اختلف الفقهاء في تحريق مال الغال
الغنيمة، فقال الحنفية والمالكية والشافعية والليث:
لا يحرق ماله. واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه
وسلم وعدم تحريقه فعن ابن عمر قال: جاء رجل
بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبنا
من الغنيمة، فقال: سمعت بلالا نادى ثلاثاً؟ قال:
نعم. قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر، فقال:
كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك))
أخرجه أبوداود. (١) ولأن إحراق المتاع إضاعة له، وقد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.(٢)
وقال بإحراق مال الغال الحنابلة وفقهاء الشام،
منهم مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام.
وقد أتي سعيد بن عبد الملك بغاّ فجمع ماله
وأحرقه، وعمر بن عبدالعزيز حاضر ذلك فلم
يعبه (٣) وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في
الذي يغل أن يحرق رحله. رواهما سعيد في سننه.
وقد استدلوا بما روى صالح بن محمد بن زائدة،
قال: ((دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل
قد غلّ، فسأل سالما عنه، فقال: سمعت أبي يحدث
عن عمربن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: إذا وجدتم الرجل قد غل
فأحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه
(١) سكت عنه المنذري وصححه الحاكم (نيل الأوطار ٣١٨/٧)
(٢) حديث النهي عن اضاعة المال : متفق عليه .
(٣) صوابه ((مسلمة بن عبدالملك)). وفي سنده اسحاق بن
عبدالله، وهو متروك (تقريب التهذيب).
مصحفاً. فسأل سالماً عنه، فقال : بعه وتصدق
بثمنه)).(١) وروى عبدالله بن عمرو أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع
الغال (٢)
٣٦ - قال أحمد : إن لم يحرق رحله حتى استحدث
متاعا آخرو وكذلك إن رجع إلى بلده، أحرق ما كان
معه حال الغلول .
٣٧ - ويشترط في الغال أن يكون بالغاً عاقلا
حراً، فتوقع عقوبة الإحراق في متاع الرجل والخنثى
والمرأة والذمي، لأنهم من أهل العقوبة. وإن كان
الغال صبياً لم يحرق متاعه عند الحنابلة والأوزاعي،
لأن الإحتراق عقوبة، والصبي ليس من أهل
العقوبة.
٣٨ - ويسقط إحراق متاع الغال إذا مات قبل
إحراق رحله، نص عليه أحمد، لأنها عقوبة فتسقط
بالموت، كالحدود، ولأنه بالموت انتقل المتاع إلى
ورثته، فإحراقه يكون عقوبة لغير الجاني.
وإن انتقل ملكه إلى غير الغال بالبيع أو الهبة
احتمل عدم تحريقه، لصيرورته لغيره فأشبه انتقاله
للوارث بالموت، واحتمل أن ينقض البيع والهبة
ويحرق، لأنه تعلق به حق سابق على البيع والهبة،
فوجب تقديمه كالقصاص في حق الجاني .
٣٩ - وما لا يحرق للغال بالاتفاق المصحف،
والحيوان. أما المصحف فلا يحرق، لحرمته، ولما تقدم
(١) رواه أحمد وأبوداود وصحح وقفه، والترمذي وفيه صالح بن
ابي زائدة، ضعيف. وقال الدار قطني المحفوظ ان سالماً أمر
بذلك. (تلخيص الحبير ١١٤/٤).
(٢) أخرجه أبوداود والحاكم والبيهقي والراجح وقفه (نيل الأوطار
٣٠٠/٧)
- ١٢٧ -

٠٠١
.........
إحراق ٤٠ - ٤٤. إحرام ١
من قول سالم فيه. وإن كان مع الغال شيء من
كتب الحديث أو العلم فينبغي ألا تحرق أيضاً، لأن
نفع ذلك يعود إلى الدين، وليس المقصود الإضرار به
في دينه، وإنما القصد الإضرار به في شيء من دنياه.
ويحتمل أن يباع المصحف ويتصدق به لقول سالم
فيه .
٤٠ - أما الحيوان فلا يحرق ولنهي النبي صلى الله
عليه وسلم أن يعذب بالنار إلا ربها ، ولحرمة الحيوان
في نفسه، ولأنه لا يدخل في اسم المتاع المأمور
بإحراقه.
٤١ - ولا تحرق ثياب الغال التي علیه، لأنه لا
يجوز تركه عرياناً، ولا سلاحه، لأنه يحتاج للقتال،
ولا نفقته، لأن ذلك مما لا يحرق عادة وللاحتياج إلى
الانفاق.
٤٢ - ولا يحرق المال المغلول ، لأن ما غل من
غنيمة المسلمين، والقصد الإضرار بالغال في ماله.
وقيل لأحمد: أي شيء يصنع بالمال الذي أصابه في
الغلول؟ قال: يرفع إلى المغنم.
٤٣ - واختلف في آلة الدابة، فنص أحمد على أنها لا
تحرق، لأنه يحتاج إليها للانتفاع بها، ولأنها تابعة لما
لا يحرق فأشبه جلد المصحف و کیسه، ولأنها ملبوس
حيوان، فلا يحرق، كثياب الغال. وقال الأوزاعي :
يحرق سرجه وإ کافه.
ملكية ما لم يحرق :
٤٤ - جميع ما ذكر مما لم يحرق، وكذلك ما بقى
بعد الإحراق. من حديد أو غيره وهو لصاحبه، لأن
ملكه كان ثابتاً عليه، ولم يوجد ما يز يله، وإنما عوقب
الغال بإحراق متاعه، فما لم يحرق يبقى على ما كان
علیه .(١)
إحرام
الفصل الأول
التعريف :
١- من معاني الإحرام في اللغة : الإهلال بحج أو
عمرة ومباشرة أسبابها ، والدخول في الحرمة . يقال:
أحرم الرجل إذا دخل في الشهر الحرام، وأحرم:
دخل في الحَرَم، ومنه حرم مكة، وحرم المدينة،
وأحرم: دخل في حرمة عهد أو ميثاق.
والخُزم - بضم الحاء وسكون الراء - :
الإحرام بالحج أيضاً، وبالكسر: الرجل المحرم، يقال
أنت حِلّ، وأنت حِزْم.
والإحرام في اصطلاح الفقهاء يراد به عند
الإطلاق الإحرام بالحج، أو العمرة. وقد يطلق على
الدخول في الصلاة. و يستعملون مادته مقرونة
بالتكبيرة الأولى، فيقولون: ((تكبيرة الإحرام»
ويسمونها ((التحريمة))(٢) وتفصيل ذلك في مصطلح
(صلاة).
(١) ابن نجيم ٨٣/٥، والز يلعي ٢٤٤/٣، والحطاب ٣٥٤/٣،
والأم ٢٥١/٤، والمغني لابن قدامة، والشرح الكبير ٥٣٢/١٠،
٥٣٥، ونيل الأوطار ٣١٨/٧، ٣١٩ ط الحلبي باب التشديد
فى الغلول وتحريق رحل الغال.
(٢) الحنفية لا يستعملون لفظ ((إحرام)) في افتتاح الصلاة ولا =
- ١٢٨ -

إحرام ٢ - ٤
ويطلق فقهاء الشافعية الإحرام على الدخول في
النسك، وبه فسروا قول النووي في المنهاج: ((باب
الإحرام».(١) .
تعريف الحنفية للإحرام :
٢ - الإحرام عند الحنفية هو الدخول في حرمات
مخصوصة .
غير أنه لا يتحقق شرعاً إلا بالنية مع الذكر أو
الخصوصية. (٢)
والمراد بالدخول في حرمات : التزام الحرمات.
والمراد بالذكر التلبية ونحوها مما فيه تعظيم الله
تعالى.
والمراد بالخصوصية : ما يقوم مقامها من سوق
الهَدي، أو تقليد البُدن. (٣)
تعريف المذاهب الثلاثة للإحرام :
٣ - أما تعريف الإحرام عند المذاهب الثلاثة :
المالكية - على الراجح عندهم _ (٤)
= مضافاً إلى تكبيرة الافتتاح إلا نادراً، كما وقع في حاشية
الشلبي على تبيين الحقائق للزيلعي ١٠٣/١ بلفظ ((تكبيرة
الإحرام»
(١) شرح المنهاج بهامش حاشية القليوبي وعميرة ٩٦/٢ ط محمد
علي صبيح ١٣٦٨ هـ، ونهاية المحتاج للرعلي ٣٩٤/٢ ط الأميرية
بولاق ١٢٩٢ هـ.
(٢) رد المحتار ٢١٣/٢ ط استانبول .
(٣) المرجع السابق .
(٤) الشرح الكبير على مختصر خليل وحاشيته للدسوقي ٢١/٢-
٢٦، وحاشية الصفتي على شرح العشماوية ص ١٩٢ المطبعة
العامرة الشرفية ١٣٠٤ هـ، وانظر نقاشاً مطولا حول التعريف
في مواهب الجليل شرح مختصر خليل للخطاب ١٣/٣ - ١٥
مطبعة السعادة ١٣٢٨ هـ.
والشافعية(١) والحنابلة(٢) فهو: نية الدخول في حرمات
الحج والعمرة.
حكم الإحرام :
٤ - أجمع العلماء على أن الإحرام من فرائض
النسك، حجاً كان أو عمرة، وذلك لقوله صلى الله
عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات))(٣) متفق
عليه .
لكن اختلفوا فيه أمن الأركان هو أم من
الشروط .
فذهب المالكية(٤) والشافعية(٥)والحنابلة(٦) أن
الإحرام ركن للنسك.
وذهب الحنفية إلى أن الإحرام شرط من شروط
صحة الحج، غير أنه عند الحنفية شرط من وجه،
رکن من وجه (٧)، أو «هو شرط ابتداء، وله حکم
(١) شرح المنهاج للمحلي ١٢٦/٢، ونهاية المحتاج للرملي ٣٩٤/٢ -
٤٤١
(٢) الكافي ٥٣٠/١ ط المكتب الإسلامي، وفيه قوله: ((النية هي
الإحرام)» وانظر المغني ٢٨١/٣، ٢٨٢ ط ثالثة، والمقنع
٣٩٣/١ ط السلفية ١٣٧٤ هـ، وفيهما أن الإحرام لا ينعقد إلا
بالنية ولا يجب شيء سواها .
(٣) البخاري في مطلع صحيحه ، ومسلم في الإمارة ٤٨/٦ المطبعة
العامرة باستانبول ١٣٣٠ هـ .
(٤) مختصر خليل بشروحه: الشرح الكبير وحاشيته ٢١/٢،
ومواهب الجليل ١٤/٣، ١٥ وفيه مناقشة حول كون الإحرام
ركنا أو شرطا، وشرح الزرقاني، وحاشية البناني ٢٤٩/٢ ط
مصطفى محمد.
(٥) شرح المنهاج ١٢٦/٢، والنهاية ٣٩٤/٢
(٦) مطالب أولى النهى ٤٤٦/٢ ط المكتب الإسلامي بدمشق
١٣٨٠ هـ
(٧) كما هي عبارة شرح اللباب وهو المسلك المتقسط لعلي القاري=
- ١٢٩ -

إحرام ٥ - ٧
الركن انتهاء))(١).
ويتفرع على كون الإحرام شرطاً عند الحنفية
و کونه یشبه الر کن فروع، منها :
١ - أجاز الحنفية الإحرام بالحج قبل أشهر
الحج، مع الكراهة، لكون الإحرام شرطاً عندهم،
فجاز تقديمه على الوقت. (٢)
٢ - لو أحرم المتمتع بالعمرة قبل أشهر الحج،
وأتى بأفعالها، أو بركنها، أو أكثر الركن - يعني
أربعة أشواط من الطواف - في أشهر الحج يكون
متمتعاً عند الحنفية. (٣)
٣ - تفرع على شبه الإحرام بالركن عند الحنفية
أنه لو أحرم الصبي، ثم بلغ بعدما أحرم، فإنه إذا
مضى في إحرامه لم يجزه عن حجة الاسلام. لكن لو
جدد الإحرام قبل الوقوف ونوی حجة الاسلام، جاز
عن حجة الاسلام عند الحنفية اعتباراً لشبه الركن في
هذه الصورة احتياطا في العبادة (٤).
حكمة تشريع الإحرام :
٥- فرضية الإحرام للنسك لها حكم جليلة،
وأسرار ومقاصد تشريعية كثيرة، أهمها : استشعار
= في شرح المنسك المتوسط المسمى اللباب لرحمة الله السندي
ص٤٥
(١) وهذه عبارة الدر المختار ٢٠٢/٢، وانظر فتح القدير لابن الهمام
١٣٠/٢ ط الأميرية ١٣١٥ هـ.
(٢) شرح اللباب ص ٤٥، ورد المحتار ٢٠٢/٢ - ٢٠٦، ويأتي
مزيد بحث في المسألة في المواقيت (ف ٣٤)
(٣) بدائع الصنائع ١٦٨/٢، ١٦٩ ط شركة المطبوعات العلمية
١٣٢٧ هـ ويأتي مزيد بحث لهذا فى (التمتع)
(٤) فتح القدير ١٣٠/٢، وانظر شرح اللباب ٤٥، ورد المختار
٢٠٢/٢
٠٠
تعظيم الله تعالى وتلبية أمره بأداء النسك الذي يريده
المحرم، وأن صاحبه يريد أن يحقق به التعبد
والامتثال لله تعالى.
شروط الإحرام :
٦ - يشترط الفقهاء لصحة الإحرام :
الإسلام والنية. وزاد الحنفية، وهو المرجوح عند
المالكية، اشتراط التلبية أو ما يقوم مقامها .
٧ - وقد اتفقوا على أنه لا يشترط في النية للنسك
الفرض تعيين أنه فرض في النية، ولو أطلق النية ولم
يكن قد حج حجة الفرض يقع عنها اتفاقا . بخلاف
ما لو نوى حجة نفل فالمذهب المعتمد عند الحنفية وهو
مذهب المالكية أنه يقع عما نوى.
وبهذا قال سفيان الثوري وابن المنذر، وهو رواية
عن الإمام أحمد.(١)
وأما الشافعية(٢) والحنابلة (٣) فقالوا: إن أحرم
بتطوع أو نذرهمن لم يحج حجة الإسلام وقع عن حجة
الإسلام. وبهذا قال ابن عمر وأنس.
وقالوا : من حج عن غيره ولم يكن حج عن
نفسه، رَدّ ما أخذ، وكانت الحجة عن نفسه، وبهذا
قال الأوزاعي(٤).
استدل الحنفية ومن معهم : (( بأن المطلق
(١) فتح القدير ١٤٠/٢، وشرح الخطاب ٤٩٠/٢، وانظر الشرح
الكبير ٥/٢، والزرقاني ٢٣٣/٢، والمغني ٢٤٦/٣، والمسلك
المتقسط ص ٧٤، والبدائع ١٦٣/٢، وشروح خليل، المواضع
السابقة .
(٢) المجموع للنووي ٩٨/٧، مطبعة العاصمة، والإيضاح بحاشية
ابن حجر الهيتمي ص ١١٨، ١١٩
(٣) المغني ٢٤٥/٣، ٢٤٦، والكافي ٥٢٢/١، ٥٢٣
(٤) مراجع الحاشيتين السابقتين ، والعبارة للمغنى.
- ١٣٠ -

إحرام ٧
ينصرف إلى الفرد الكامل، فإن كان عليه حجة
الإسلام يقع عنها استحسانا، في ظاهر المذهب(١) أي
إذا أطلق ولم يعين.))
وجه الاستحسان : (( أن الظاهر مِنْ حال مَنْ
عليه حجة الاسلام أنه لا يريد بإحرام الحج حجة
التطوع، ويُبْقِي نفسه في عهدة الفرض، فيحمل على
حجة الاسلام، بدلالة حاله، فكان الإطلاق فيه
تعيينا، كما في صوم رمضان)(٢).
وقالوا في اعتباره عما نواه من غير الفرض: ((إنما
أوقعناه عن الفرض عند إطلاق النية بدلالة حاله،
والدلالة لا تعمل مع النص بخلافه)) .
ويشهد لهم نص الحديث المشهور الصحيح :
((وإنما لكل امرىء مانوى)) (٤)
واستدل الشافعية والحنابلة بحديث ابن عباس
رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع
رجلا يقول: لبيك عن شُبْرمَة. قال: ((مَنْ
شبرمة؟)) قال: أخ لي، أو قريب لي. قال :
((حَجَجْتَ عن نفسك؟)) قال: لا. ((قال: حُجَّ عن
نفسك، ثم حج عن شبرمة)). أخرجه أبوداود وابن
· ماجه وغيرهما(٥). وفي رواية: ((اجعل هذه عن
(١) المسلك المتقسط شرح لباب المناسك ص ٧٤
(٢و ٣) بدائع الصنائع ١٦٣/٢
(٤) سبق تخريجه ( فقرة ٤ )
(٥) أبو داود بلفظ ( الرجل يحج عن غيره) ١٦٢/٢ وابن ماجه
(الحج عن الميت) ص ٩٦٧ رقم ٢٩٠٣ ط عيسى الحلبي
١٣٧٢ هـ، والدارقطني قد توسع في سرد أسانيده ٢٦٧/٢ -
٢٧١ بتحقيق اليماني، شركة الطباعة الفنية المتحدة بمصر،
والبيهقي (باب من ليس له أن يحج عن غيره) ٣٣٦/٤ ط
الهند.
نفسك ... )) فاستدلوا بها .
وقد صحح النووي أسانيده، وتكلم فيه غيره،
فرجح إرساله، ووقفه.(١)
واستدلوا بحديث ابن عباس أيضا : قال رسول
الله صلى عليه وسلم: ((لا صَرُورة في الإسلام)»
أخرجه أحمد وأبوداود(٢) واختلف في صحته
كذلك. (٣)
قال الخطابي في معالم السنن (٤): ((وقد يستدل
به من يزعم أن الصرورة لا يجوز له أن يحج عن غيره.
وتقدير الكلام عنده : أن الصرورة إذا شرع في الحج
عن غيره صار الحج عنه، وانقلب عن فرضه،
ليحصل معنى النفي، فلا يكون صرورة، وهذا
مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ... )).
واستدلوا من المعقول: ((أن النفل والنذر أضعف
من حجة الاسلام، فلا يجوز تقديمهما عليها، كحج
غيره على حجه)).
وبقياس النفل والنذر على من أحرم عن غيره
وعليه فرضه . (٥)
(١) المجموع ٩٩/٧ وتوسع الزيلعي في بيان إعلال الحديث من عدة
أوجه في نصب الراية ١٥٥/٣ ط دار المأمون ١٣٥٧ هـ، وانظر
الدراية ٤٩/٢ مطبعة الفجالة.
(٢) المسند ٣٠٣/٤ رقم ١٨٤٥، تحقيق أحمد شاكر وأبوداود (باب
لا صرورة) ١٤٠/٢، وانظر معالم السنن ٢٧٨/٢
(٣) ضعفه المنذري في مختصر السنن ٢٧٨/٢
(٤) ٢٧٩/٢ من نسخة مختصر السنن للمنذري مطبعة أنصار
السنة .
(٥) المهذب ٩٨/٧ من نسخة المجموع.
- ١٣١ -

إحرام ٨ - ١٠
التلبية :
٨ - التلبية لغة إجابة المنادي. والمراد بالتلبية هنا :
قول المحرم: ((لبيك اللهم لبيك ... )) أي إجابتي
لك يارب.
ولم يستعمل ((لبيك)) إلا على لفظ التثنيه.
والمراد بها التكثير.
والمعنى : أجبْتُك إجابة بعد إجابة، إلى مالا
نهاية .(١)
حكم التلبية :
٩ - التلبية شرط في الإحرام عند أبي حنيفة ومحمد
وابن حبيب من المالكية، لا يصح الإحرام بمجرد
النية، حتى يقرنها بالتلبية أو ما يقوم مقامها مما يدل
على التعظيم من ذكر ودعاء أو سوق الهدى. فإذا
نوی النسك الذي يريده من حج أو عمرة أو هما معا
ولبى فقد أحرم، ولزمه كل أحكام الإحرام الآتية،
وأن يمضي في أداء ما أحرم به.
والمعتمد عندهم ((أنه يصير محرما بالنية لكن عند
التلبية، كما يصير شارعا في الصلاة بالنية، لكن
بشرط التكبير، لا بالتكبير»(٢).
وقد نقل هذا المذهب عن عبد الله بن مسعود،
وابن عمر، وعائشة، وإبراهيم النخعي، وطاوس،
(١) النهاية لابن الأثير مادة ((لبب)) ٤٧/٤، وانظر المادة في لسان
العرب ٢٢٥/٢، ٢٣٠، والقاموس وشرحه تاج العروس
٤٦٨،٤٦٤/١
(٢) متن الكنز نسخة شرح العيني ٩٠/١، وشرح اللباب ص ٦٢،
ورد المختار ٢١٣/٢، ٢١٤، وانظر المبسوط ٦/٤، ١٨٧ مطبعة
السعادة ١٣٢٤ هـ، وشرح الزيلعي ١١/٢، ومواهب الجليل
٩/٣. وانظر المراجع السابقة في تعريف الإحرام.
ومجاهد، وعطاء. بل ادعي فيه اتفاق السلف.(١)
وذهب غيرهم إلى أن التلبية لا تشترط في
الإحرام، فإذا نوى فقد أحرم بمجرد النية، ولزمته
أحكام الإحرام الآتية، والمضي في أداء ما أحرم به .
ثم اختلفوا :
فقال المالكية: هي واجبة في الأصل، والسنة
قرنها بالإحرام، (٢) ويلزم الدم بطول فصلها عن النية.
ولو رجع ولبى لا يسقط عنه الدم. وسواء أكان
الترك أو طول الفصل عمداً أم نسياناً. (٣)
وذهب الشافعية(٤) والحنابلة(٥) - وهو منقول عن
أبي يوسف-(٦) إلى أن التلبية سنة في الإحرام
مطلقاً .
المقدار الواجب من لفظ التلبية :
١٠ - الصيغة التي أوردها الفقهاء للتلبية : هي:
«لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن
الحمد والنعمة لك والملك. لاشريك لك)).
هذه الصيغة التي لزمها رسول الله على الله عليه
وسلم في حجة الوداع، ولم يزد عليها (٧) والذي يحصل
(١) كذا أفاد أبو بكر الرازي الجصاص في احكام القرآن ٣٦١/١
المطبعة البهية المصرية .
(٢) شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني بحاشية العدوي ٤٦٠/١
(٣) الشرح الكبير ٤٤٠/٢ والمراجع السابقة.
(٤) المهذب والمجموع ٢٢٦/٧، ٢٢٧
(٥) المغني ٢٨٨/٣، والكافي ٥٤١/١، والمقنع ٣٩٨/١
(٦) شرح الكنز للعيني ٩٠/١، والمسلك المتقسط ص ٦٢
(٧) كما صرح بذلك في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي
صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم (باب حجة النبي صلى الله
عليه وسلم ٣٨/٤، ٤٣، وأبو داود ١٨٢/٢ - ١٨٦، وابن ماجه =
- ١٣٢ -

إحرام ١١ - ١٤
به أداء التلبية في الإحرام عند الحنفية هو ما يحصل به
التعظيم. فإن المشروط على الحقيقة عند الحنفية أن
تقترن النية ((بذكر يقصد به التعظيم، كتسبيح،
وتهليل))(١) ولو مشوباً بالدعاء)).(٢)
النطق بالتلبية :
١١ - يشترط لأداء التلبية أن تلفظ باللسان، فلو
ذكرها بقلبه لم يعتد بها عند من يقول إنها شرط، ومن
يقول إنها واجب، ومن يقول إنها سنة .
وتفرع على ذلك عند الحنفية فرعان :
١٢ - الفرع الأول : لو كان لا يحسن العربية،
فنطق بالتلبية بغير العربية، أجزأه اتفاقا .
أما لو كان يحسن العربية، فنطق بها بغير
العربية، فلا يجزئه عند الجمهور، خلافاً للحنفية في
ظاهر المذهب .
ودليلهم أنه ذكر مشروع، فلا يشرع بغير
العربية، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة.(٣)
ودليل الحنفية أنه ذكر مقصود به التعظيم، فإذا
حصل هذا المقصود أجزأه، ولو بغير العربية .
١٣ - الفرع الثاني في الأخرس : الأصح أنه عند
الحنفية يستحب له تحريك لسانه بالتلبية مع النية،
= رقم ٣٠٧٤ ص ١٠٢٢- ١٠٢٧، والدارمي ( باب في سنة
الحاج) ٤٤/٢، ٤٩ ط دمشق ١٣٤٩ هـ
(١) الدر المختار ٢١٧/٢، وانظر حاشيته ص ٢١٨، وشرح الكنز
للزيلعي ١١/٢، والبدائع ١٦١/٢
(٢) على الصحيح كما في شرح اللباب ص ٧٠، ورد المختار
٢١٧/٢
(٣) المغني ٢٩٢/٣
ولا يجب. وقيل: يجب تحر یك لسانه، فإنه نص
الإمام محمد على أنه شرط.(١)
وعلى هذا ((فينبغي)»(٢) ألا يلزمه في الحج
بالأولى، فإن باب الحج أوسع، مع أن القراءة فرض
قطعي متفق عليه، والتلبية أمر ظني مختلف فيه.(٣)
وقت التلبية :
١٤ - الأفضل عند الحنفية(٤) والحنابلة(٥)أن يلبي
بنية الحج أو العمرة أو نيتهما معا عقب صلاته
ركعتين سنة الإحرام، وبعد نية النسك. وإن لبي
بعدما استوت به راحلته أو ركوبته جاز، إلى أن يبلغ
نهاية الميقات، فإذا جاوز الميقات ولم يلب بنية
النسك صار مجاوزا للميقات بغير إحرام عند الحنفية،
ولزمه ما يلزم ذاك عندهم.
وعند الجمهور(٦) يستحب البدء بالتلبية إذا ركب
راحلته، واستوت به، لکن يلزمه الدم عند المالكية
إن تركها أو أخرها حتى طال الفصل بين الإحرام
والتلبية كما تقدم (ف ٩ ).
ولا يلزمه شيء عند الشافعية والحنابلة لقولهم إن
التلبية سنة.
(١) فتح القدير ١٣٩/٢، وشرح اللباب ص ٧٠، وانظر رد المحتار
٢١٧/٢
(٢) كما قال القاري في منسکه وهو شرح اللباب ص ٧٠
(٣) المبسوط ١٨٨/٤
(٤) الهداية ١٣٦/٢ - ١٣٧
(٥) غاية المنتهى ٣٢١/٢ نسخة مطالب أولي النهى.
(٦) مختصر خليل والشرح الكبير ٣٩/٢، والمنهاج ٩٩/٢، والكافي
٥٤٢/١
- ١٣٣ -

إحرام ١٥ - ١٨
ما يقوم مقام التلبية :
١٥ - يقوم مقام التلبية عند الحنفية لصحة الإحرام
أمران:
الأول : كل ذكر فيه تعظيم الله تعالى ،
كالتسبيح، والتحميد، والتكبير، ولو بغير اللغة
العربية، كما سبق بيانه (ف ١٠)
الثاني : تقليد الهدي،وسوقه،والتوجه معه.
والهدي يشمل الإبل والبقر والغنم. لكن يستثنى
من التقليد الغنم، لعدم سنية تقليد الغنم عند الحنفية(!)
(ر: هدي)
والتقليد هو أن يربط في عنق البدنة أو البقرة
علامة على أنه هدي.
شروط إقامة تقليد الهدي وسوقه مقام التلبية:
١٦ - يشترط :
١ - النية .
٢ - سوق البدنة والتوجَّهُ معها.
٣ - يشترط - إن بعث بها ولم يتوجّه معها -
أن یدر کها قبل الميقات و یسوقها، إلا إذا کان بعثها
لنسك متعة أو قران، وكان التقليد في أشهر الحج،
فإنه يصير محرماً إذا توجّه بنية الإحرام وإن لم
يلحقها استحساناً . (٢)
(١) الهداية ٣٢٦/٢ نسخة فتح القدير، وشرح الكنز للزيلعي
٩١/٢، ٩٢، بدائع الصنائع ١٦٢/٢
(٢) شرح اللباب ص ٧٢، ٧٣ وتبيين الحقائق ٣٩/٢ ط الأميرية
١٣١٣ هـ، والدر المختار وحاشيته ٢١٩/٢ - ٢٢٠
الفصل الثاني
حالات الإحرام من حيث إبهام النية وإطلاقها
إبهام الإحرام
تعريفه :
١٧ - هو أن ينوي مطلَقَ نُسُكٍ من غير تعيين، كأن
يقول: أحرمت لله، ثم يلبي، ولا يعين حجاً أو
عمرة، أو يقول: نويت الإحرام الله تعالى، لبيك
اللهم .. ، أو ينوي الدخول في حرمات نسك، ولم يعين
شيئا .
فهذا الإحرام صحيح باتفاق المذاهب . ويترتب
عليه كل أحكام الإحرام، وعليه اجتناب جميع
محظوراته، كالإحرام المعين.
ويسمى هذا إحراما مبها، ويسمونه أيضا
إحراما مطلقا .
تعيين النسك :
١٨ - ثم على هذا المحرم التعيين قبل أن يشرع في
أفعال أحدهما، وله أن يجعله للعمرة، أو للحج، أولهما
معا حسبما يشاء.
وترجع الأفضلية فيما يختاره و يعينه إلى خلاف
المذاهب في أي أوجه الإحرام أفضل: القران، أو
التمتع، أو الإفراد، وإلى حكم الإحرام بالحج قبل
أشهر الحج، إن وقع هذا الإحرام قبل أشهر الحج،
وأراد التعيين قبلها . (١)
(١) انظر المذاهب في حكم الإحرام قبل أشهر الحج في (ف ٣٥)
- ١٣٤ -

إحرام ١٩
واختلفوا في كيفية التعيين .
فقال الحنفية : إن عيَّنَ ما يريده قبل الطواف
فالعبرة لهذا التعيين، وإن لم يعين ثم طاف بالبيت
للعمرة، أو مطلقا بغير تعيين ولو شوطا، جعل إحرامه
للعمرة، فيتم مناسك العمرة، ثم يحرم بالحج ويصير
متمتعا. وعلة جعله للعمرة ((أن الطواف ركن في
العمرة، وطواف القدوم في الحج لیس بر کن، بل هو
سنة، فإيقاعه عن الركن أولى، وتتعين العمرة بفعله
كما تتعين بقصده».
أما إن لم يعين ، ولم يطف بالبيت ، بل وقف
بعرفة قبل أن يطوف، فينصرف إحرامه للحج. وإن
لم يقصد الحج في وقوفه، فإنه ينصرف إلى الحج
شرعاً، وعليه أن يتمم مناسك الحج، هذا معتمد
مذهب الحنفية .(١)
ومذهب المالكية ، وهو رواية عن أبي يوسف
ومحمد، أنه لا يفعل شيئاً إلا بعد التعيين، فإن طاف
قبل أن يصرف إحرامه لشيء - سواء أكان أحرم في
أشهر الحج أم لا - وجب صرفه للحج مفرداً،
ويكون هذا الطواف الواقع قبل الصرف والتعيين
طواف القدوم، وهو ليس ركناً من أركان الحج فلا
يضر وقوعه قبل الصرف. ولا يصح صرف ذلك
الإحرام لعمرة بعد الطواف، لأن الطواف ركن منها،
وقد وقع قبل تعيينها .(٢)
(١) بدائع الصنائع ١٦٣/٢، وفتح القدير ١٤٠/٢، وشرح اللباب
ص ٧٣، ٧٤، ورد المحتار ٢١٧/٢
(٢) الشرح الكبير بحاشيته ٢٦/٢، وانظر الخطاب ٤٦/٣)، والزرقاني
ص٢٥٦
أما الشافعية(١) والحنابلة (٢) فيشترطون التعيين قبل
الشروع بأي عمل من المناسك. فلو عمل شيئاً من
أركان الحج أو العمرة قبل التعيين، لم يجزئه، ولم
يصح فعله .
الإحرام بإحرام الغير
١٩ - هو أن ينوي المحرم في إحرامه مثل ما أحرم به
فلان، بأن يكون قاصداً مرافقته، أو الاقتداء به
لعلمه وفضله، فيقول: اللهم إني أهل أو أحرم أو
أنوي مثل ما أهل أو نوى فلان، ويلبي.
فهذا الإحرام صحيح، وينعقد على مثل ما أحرم
به ذلك الشخص عند الجمهور وظاهر مذهب
المالكية.(٣)
ودليلهم حديث علي رضي الله عنه أنه قدم من
اليمن ووافى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((بم
أهللت؟)) قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه
وسلم. فقال: «لولا أن معي الهدي لأحللت)).
(١) المنهاج بشروحه ٩٦/٢، والإيضاح ص ١٥٧، والمجموع
٢٣٠/٧، ونهاية المحتاج ٣٩٥/٢
(٢) الكافي ٥٣١/١، والمغني ٢٨٥/٣، ومطالب أولي النهى
٣١٦/٢
(٣) شرح اللباب ص ٧٤، ورد المختار ٢١٧/٢، والإيضاح
ص ١٦٣، ونهاية المحتاج ٣٩٥/٢، وشروح المنهاج ٩٦/٢،
والمجموع ٢٣١/٧، والمغني ٢٨٥/٣، والكافي ٥٣١/١، والشرح
الكبير وحاشيته ٢٧/٢، ومواهب الجليل ٤٩/٣، وشرح
الزرقاني ٢٥٧/٢
- ١٣٥ -

إحرام ٢٠ - ٢٢
زاد في رواية : قال : « فأهد وامکث حراما کما
أنت)).(١)
الاشتراط في الإحرام
٢٠ - الاشتراط في الإحرام أن يقول عند إحرامه:
((إن حَبَسني حابس فَمَحِلَي حيث حَبَسْتَني)».
٢١ - ذهب الشافعية إلى صحة الاشتراط، وأنه
يفيد إباحة التحلل من الإحرام عند وجود الحابس
كالمرض، فإذا لم يشترط لم يجز له التحلل ثم إن
اشترط في التحلل أن يكون مع الهدي وجب الهدي،
وإن لم يشترط فلا هدي عليه. على تفاصيل تجدها في
بحث الإحصار.
وتوسع الحنابلة فقالوا : يستحب لمن أحرم بنسك
حج أو عمرة أن يشترط عند إحرامه. ويفيد هذا
الشرط عندهم شيئين:
أحدهما : إذا عاقه عدو أو مرض أو غيرهما يجوز
له التحلل.
الثاني : أنه متى أحل بذلك فلا دم عليه ولا
صوم، سواء أكان المانع عدواً، أم مرضا، أو غيرهما.
وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم صحة
الاشتراط، وعدم إفادته للتحلل عند حصول المانع
له، بل يأخذ حاله حكم ذلك المانع، على ما هو مقرر
(١) البخاري ( باب أهل في زمن النبي کاهلال النبي صلى الله
عليه وسلم) ١٤٠/٢ ط الأميرية ١٣١٤ هـ، ومسلم ٥٩/٤.
واللفظ للبخاري. وجاء نحوه عن علي في حديث جابر الطويل
الذي رواه مسلم .
في مبحث الإحصار.
استدل الشافعية، والحنابلة بحديث عائشة رضي
الله عنها قالت: ((دخل النبي صلى الله عليه وسلم
على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يارسول الله إنى
أريد الحج وأنا شاكية ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: حجي واشترطي أن محلّي حيث
حبستني)). متفق عليه. (١)
واستدل الحنفية والمالكية بالآية الكريمة، وهي
قوله تعالى: «فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرٌ مِنّ
الهَدي)»(٢) وفي المسألة تفصيل مواطنه مصطلح
(إحصار).
إضافة الإحرام إلى الإحرام
أولاً
إضافة إحرام الحج إلى العمرة
٢٢ - وهو أن يحرم بالعمرة أولا، ثم بالحج قبل أن
يطوف لها، أو بعد ما طاف قبل أن يتحلل منها .
وتتنوع صور إضافة إحرام الحج إلى العمرة بحسب
حال إضافته، وبحسب حال المحرم، وتأخذ كل صورة
حكمها.
(١) البخاري في النكاح (الأكفاء في الدين) ٧/٧، ومسلم في
الحج (جواز اشتراط المحرم) ٢٦/٤، وأبو داود ١٥١/٢، ١٥٢،
والترمذي ٢٧٨/٣، ٢٧٩ بتحقيق احمد شاكر وآخرين
ط مصطفى الحلبي، والنسائي ١٦٧/٥ بحاشيتي السندي
والسيوطي، وابن ماجه ص ٩٧٩
(٢) سورة البقرة / ١٩٦
- ١٣٦ -

إحرام ٢٣ - ٢٥
٢٣ - وللحنفية تفصيل خاص في هذا، لقولهم
بكراهة القران للمكي، وأنه إن فعله جاز وأساء،
وعليه دم جبر لإساءته هذه. كما أن للمذاهب
الأخرى تفصيلا بحسب آرائهم في مسائل من الإحرام
وأوجه الإحرام.
والتفصيل عند الحنفية : أن المحرم إما أن يكون
مكياً أو آفاقيا . (١)
وأما بالنسبة لحال إضافة الإحرام بالحج إلى
العمرة فعلى وجوه.
٢٤ - الوجه الأول : أن يدخل الحج على العمرة
قبل أن يطوف للعمرة:
أ - إن كان آفاقياً صح ذلك، بلا كراهة،
وكان قارنا، باتفاق المذاهب.(٢) بل هو مستحب،
على ما صرح به الحنفية، لحمل فعله صلى الله عليه
وسلم على ذلك، على ما حققه ابن حزم وغيره، وتبعه
النووي،وغيره. (٣)
ومما يدل على جواز ذلك حديث عائشة في حجة
النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قولها: ((وكنت ممن
أهل بعمرة فحضت قبل أن أدخل مكة، فأدركني
(١) المراد بالمكي من كان بمكة أو في منطقة المواقيت ولو كان من
غير أهلها غير أنه دخلها ومكث فيها، لذا كان التعبير الأكثر منه
دقة هو ((الميقاتي))، والآفاقي من ليس كذلك. و(ر: آفاقي)
(٢) فتح القدير ٢٨٨/٢، والبدائع ١٦٩/٢، واللباب وشرحه
المسلك المتقسط ص ١٩٧، والمبسوط ١٨٢/٤، والشرح الكبير
٢٧/٢، ٢٨، ومواهب الجليل ٥٠/٣، وشرح الزرقاني
٢٥٨/٢، وشروح المنهاج ١٢٧/٢، والنهاية ٤٤٢/٢، والكافي
٥٣٣/١، والإيضاح، والمهذب ١٦٣/٧، والمجموع
١٦٤/٧، والمغني ٣/ ٤٧٢
(٣) شرح اللباب ص ١٩٧
يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: ((دعي عمرتك، وانقضي
رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج ... )). متفق
عليه.(١) وعلل المالكية صحة إرداف الحج على العمرة
بقولهم: ((لقوته وضعفها)).
ب - وإن كان مكيّاً ( أو ميقاتيّا) فترتفض
عمرته اتفاقا عند الحنفية، وعليه دم الرفض، لأن
الجمع بين النسكين غير مشروع للمكي عندهم،(٢)
«والنزوع عن المعصية لازم ويرفض العمرة هنا
لأنها أقل عملا، والحج أكثر عملا. فكانت العمرة
أخف مؤونة من الحجة، فكان رفضها أيسر، ولأن
المعصية حصلت بسببها، لأنها هي التي دخلت في
وقت الحج، فكانت أولى بالرفض، ومضي حجته،
وعليه دم لرفض عمرته. وعليه قضاء العمرة)). (٣)
أما غير الحنفية فحكم الآفاقي والمكي عندهم
سواء في صحة الإحرامین وصيرورته قارنا، تبعا
لمذهبهم في تجويز القران للمكي على تفصيل يأتي
في (ف ٣٠)
لكن شرط المالكية والشافعية أن تكون العمرة
صحيحة. وهذا شرط لصحة الإرداف في جميع صوره
عند المالكية، وعند الحنفية شرط لصحة القران فقط
وزاد الشافعية اشتراط أن يكون إدخال الحج عليها في
أشهر الحج.
٢٥ - الوجه الثاني : أن يدخل الحج على العمرة
(١) البخاري في ( باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي) ٤/٣، ٥
ومسلم ٢٧/٤- ٢٩
(٢) فتح القدیر ٢٨٨/٢ - ٢٨٩
(٣) بدائع الصنائع ١٦٩/٢، والمراد بالرفض في كلامهم: الترك.
- ١٣٧ -

إحرام ٢٥
بعد أن طاف شيئا قليلا، على ألا يتجاوز أقل أشواط
طواف العمرة، أي ثلاثة أشواط فما دون ذلك.
فذهب الحنفية في ذلك :
أ - إذا كان آفاقياً كان قارنا.
ب - وإن كان مكيّاً ( أي ميقاتيا): وجب
عليه رفض أحد النسكين، على التحقيق في عبارات
فقهاء الحنفية،(١) وإنما اختلفوا في أي الرفضين أولى:
قال أبو حنيفة : يرفض الحج . وعليه لرفضه دم.
وعليه حجة وعمرة، (٢) لأنه مثل فائت الحج، وحكم
فائت الحج أنه يتحلل بعمرة، ثم يأتي بالحج من
قابل.(٣) حتى لوحج في سنته سقطت العمرة، لأنه
حينئذ ليس في معنی فائت الحج، بل كالمحصر، إذا
تحلل ثم حج من تلك السنة، فإنه حينئذ لا تجب عليه
عمرة، بخلاف ما إذا تحولت السنة،(٤) فانه تجب عليه
العمرة مع حجته .
وقال أبو يوسف ومحمد : رفض العمرة أحب
إلينا، ويقضيها دون عمرة أخرى، وعليه دم
للرفض. وكذلك هو الحكم عند أبي حنيفة لو اختار
هذا المحرم رفض العمرة. (٥)
استدل أبو حنيفة على استحباب رفض الحج بأن
((إحرام العمرة قد تأكد بأداء شيء من أعمالها،
وإحرام الحج لم يتأكد، ورفض غير المتأكد أيسر.
(١) رد المحتار ٣١٥/٢، وتبيين الحقائق ٧٥/٢
(٢) كما أوضحه في رد المحتار ٣١٥/٢، وظاهر عبارة المبسوط
١٨٢/٤ اختلافهم في رفض أحدهما بعينه.
(٣) الهداية ٢٨٩/٢
(٤) رد المحتار ٣١٥/٢، وتبيين الحقائق ٧٥/٢، وانظر مصطلح
( حج )
(٥) تنوير الأبصار مع الحاشية ٣١٥/٢
ولأن في رفض العمرة والحالة هذه - إبطال
العمل، وفي رفض الحج امتناع عنه»(١) والامتناع
أولى من الإبطال.
واستدل الصاحبان على أن رفض العمرة أولى:
((بأنها أدنى حالا وأقل أعمالا، وأيسر قضاء، لكونها
غير مؤقتة)). (٢)
وقال المالكية(٣) والحنابلة(٤): يصح هذا
الإرداف. و یصیر قارنا، و يتابع على ذلك. وتندرج
العمرة في الحج.
أما الشافعية(٥)- وهو قول أشهب من المالكية -
فقالوا: يصح إدخال الحجة على العمرة قبل الشروع
في الطواف، فلو شرع في الطواف ولو بخطوة فإنه لا
يصح إحرامه بالحج.
واستدلوا على ذلك: بأنه « لا تصال إحرامها
بمقصوده، وهو أعظم أفعالها، فلا ينصرف بعد ذلك
إلى غيرها)».
لكن الشافعية قرروا أنه (( لو استلم الحجر بنية
الطواف فالأوجه جواز الإدخال، إذ الاستلام مقدمة
الطواف لا بعضه».
(١) الهداية ٢٩٠/٢، وانظر المبسوط ١٨٢/٤
(٢) الهداية الموضع السابق ، وتبيين الحقائق ٧٤/٢، ٧٥ وفيه
مزيد بسط للأدلة، وكذا في البدائع ١٦٩/٢، ١٧٠
(٣) الشرح الكبير وحاشيته ٢٨/٢، ومواهب الجليل ٣/ ٥٠، ٥١،
وشرح الزرقاني ٢٥٨/٢، ٢٥٩، وقارن بالمدونة ١٣١/٢ رواية
سحنون، مطبعة السعادة ١٣٢٣ هـ.
(٤) المغني ٤٧٢/٣، والكافي ٥٣٣/١
(٥) الإيضاح وحاشيته الهيتمي ص ١٥٦، ١٥٧، والمهذب
وشرحه ١٦٤،١٦٣/٧، ١٦٥، وشروح المنهاج ١٢٧/٢،
والنهاية ٤٤٢/٢، ومغني المحتاج ٥١٤/١ ط الحلبي، والسياق
هنا من النهاية ومغني المحتاج.
- ١٣٨ -

إحرام ٢٦ - ٢٧
٢٦ - الوجه الثالث : أن يدخل الحج على العمرة
بعد أن يطوف أكثر أشواط طواف العمرة.
فهذا حكمه عند الحنفية حكم ما لو أكمل
الطواف الآتي في الوجه الرابع التالي، لأن للأكثر
حكم الكل عندهم.(١)
وعند الجمهور حكمه حكم الوجه الثاني
السابق. (٢)
٢٧ - الوجه الرابع : أن يدخل الحج على العمرة
بعد إكمال طواف العمرة قبل التحلل. مذهب
الحنفية التفصيل المتقدم في الوجه الثاني .
وفصل المالكية تفصيلا آخر فقالوا:
أ - إرداف الحج على العمرة بعد طوافها قبل
ركعتي الطواف مكروه. فإن فعله صح، ولزمه،
وصار قارنا ، وعليه دم القران.
ب - إرداف الحج على العمرة بعد أن طاف
وصلى ركعتي الطواف قبل السعي مكروه، ولا
یصح، ولا یکون قارنا .
وكذلك الإرداف في السعي ، إن سعی بعض
السعي وأردف الحج على العمرة كُره له ذلك. فإن
فعل فليمض على سعيه، فيحل، ثم يستأنف الحج،
سواء أكان من أهل مكة أم غيرها .
وحيث أن الإرداف لم يصح بعد الركوع وقبل
السعي أو في أثنائه فلا يلزم قضاء الإحرام الذي
أردفه على المشهور. (٤)
(١) شرح الكنز للعيني ١٠٨/١
(٢) انظر مراجع المذاهب في الوجه السابق.
(٣) الشرح الكبير وحاشيته ٢٨/٢، ٢٩، ومواهب الجليل ٥٣/٣،
٥٥ وشرح الزرقاني وحاشية البناني ٢٥٩/٢، ٢٦٠
(٤) مواهب الجليل ٥٣/٣
جـ - إرداف الحج على العمرة بعد السعي
للعمرة قبل الحلق لا يجوز الإقدام عليه ابتداء، لأنه
يستلزم تأخير الحلق(١) فإن أقدم على إرداف الإحرام
في هذا الحال فإن إحرامه صحيح، وهذا حج
مستأنف. ويحرم عليه الحلق للعمرة، لإخلاله بإحرام
الحج، ويلزمه هدي لتأخير حلق العمرة الذي وجب
عليه بسبب إحرامه بالحج، ولا يكون قارناً ولا
متمتعا،(٢) إن أتم عمرته قبل أشهر الحج، بل يكون
مفردا. وإن فعل بعض ركنها في وقت الحج يكون
متمتعا .
ولو قدم الحلق بعد إحرامه بالحج وقبل فراغه من
أعمال الحج فلا يفيده في سقوط الهدي، ولابد من
الهدي، وعليه حينئذ فدية أيضا. وهي فدية إزالة
الأذى عند المالكية. (٣)
ومذهب الشافعية(٤) والحنابلة(٥) أنه لا يصح
إدخال الحج على العمرة بعد الطواف، لما ذكرنا من
العلة في الصورة السابقة .
وبعد السعي لا يصح ، من باب أولى.
إلا أن الحنابلة استثنوا من كان معه هدي
فقالوا:(٦) ((يصح إدخال الحج على العمرة ممن معه
(١) أو سقوطه على قول عند المالكية. انظر المرجع السابق ٥٤، ٥٥
(٢) لأن الإرداف لم يصح، بل صح الإحرام بالحج.
(٣) وهناك قول بسقوط الهدي، وانظر المناقشة حوله في مواهب
الجليل ٥٥/٣
(٤) المهذب ١٦٣/٧، ونهاية المحتاج ٢٤٢/٢، ومغني المحتاج
٥١٤/١
(٥) الكافي ٥٣٣/١، ٥٣٤، والمغني ٤٨٤/٣، وغاية المنتهى
وشرحه مطالب أولى النهى ٣٠٧/٢، ٣٠٨
(٦) وسياق الكلام من مطالب أولى النهى بتصرف يسير.
- ١٣٩ -

إحرام ٢٨ - ٣٠
هدي، ولو بعد سعيها، بل يلزمه كما يأتي، لأنه
مضطر إليه لقوله تعالى: ((وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوُسَكُمْ حَتّى
يَبْغَ الهَدْىُ مَحِلّهُ))(١) ويصير قارناً على المذهب.(٢)
وقال في الفروع ، وشرح المنتهى في موضع آخر:
لا يصير قارنا، ولو كان إدخال الحج على العمرة في
غير أشهر الحج يصح على المذهب، لصحة الإحرام به
قبلها عند الحنابلة .
ثانياً
إضافة إحرام العمرة إلى الحج.
٢٨ - ذهب المالكية (٣) والشافعية(٤)- في لجديد
وهو الأصح في المذهب- والحنابلةُ° إلى أنه لا يصح
إحرامه بالعمرة بعدما أحرم بالحج. وعلى ذلك لا
يصير قارنا، ولا يلزمه دم القران، ولا قضاء العمرة
التي أهل بها. وبه قال إسحاق بن راهويه وأبوثور
وابن المنذر.
(١) من الآية ١٩٦ من سورة البقرة، وانظر فيها تفصيلا في
مصطلح (إحصار) فقد تكررت فيه.
(٢) وعليه اقتصر ابن قدامة في الكافي والمغني، مما يؤكد اعتماده
في المذهب.
(٣) مختصر خليل بشروحه: مواهب الجليل ٤٨/٣، وشرح الزرقاني
٢٥٧/٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٧/٢، وانظر المدونة
١٣٠/٢
(٤) شرح المحلي للمنهاج ١٢٧/٢، ونهاية المحتاج ٤٤٢/٢،
والإيضاح ص ١٥٧، والمهذب ١٦٣/٧، والمجموع ١٦٦/٤،
ومغني المحتاج ٥١٤/١
(٥) المغني ٤٨٤/٣، والكافي ٥٣٢/١، و٥٣٣، ومطالب أولي
النھی ٣٠٨/٢
وصرح الحنفية والمالكية بكراهة هذا العمل،
لكن قال الحنفية بصحة الإحرام على تفصيل نذكره.
ثالثاً
الإحرام بحجتين معاً أو عمرتين معاً
٢٩ - إن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بإحداهما
ولغت الأخرى. وهذا مذهب المالكية والشافعية
والحنابلة، لأنها عبادتان لا يلزمه المضي فيها، فلم
يصح الإحرام بها. وعلى هذا لو أفسد حجه أو عمرته
لم يلزمه إلا قضاؤها .
ومذهب أبي حنيفة أن الإحرام ينعقد بهما، وعليه
قضاء إحداهما، لأنه أحرم بها ولم يتمها .
وفي الموضوع تفصيلات وفروع لا حاجة إلى
إيرادها هنا لندرة وقوعها . (١)
الفصل الرابع
حالات الإحرام
٣٠ - ينقسم الإحرام بحسب ما يقصد المحرم أداءه
به من النسك إلى ثلاثة اقسام:
الإفراد للحج أو العمرة أو الجمع بين النسكين،
وهو إما تمتع أو قران.
الإفراد :
هو اصطلاحا : أن يهل ـ أي ينوي ــ في
إحرامه الحج فقط، أو العمرة فقط .
(١) المغني ٢٥٤/٣، ومواهب الجليل ٤٨/٣، والمجموع ٢٣٥/٧،
وفتح القدير ٢٩١/٢
- ١٤٠ -