Indexed OCR Text

Pages 101-120

احتيال ١ - ٢
المقتضية لغيره. (١)
وذكروا أيضا مسألة جريان الاحتياط في
الوجوب والندب والتحريم، في الباب نفسه أيضا (٢)
ومحلّ ذلك الملحق الأصولي.
ويذكر الفقهاء القواعد المبنية على الاحتياط ،
ومنها قاعدة تغليب الحرام عند اجتماع الحرام
والحلال، وما يدخل في هذه القاعدة وما يخرج عنها،
في كتب القواعد الفقهية.(٣)
احتَيَال
التعريف :
١ - يأتي الاحتيال بمعنى طلب الحيلة ، وهي
الحذق في تدبير الأمور، أي تقليب الفكر حتى يهتدي
إلى المقصود. ويأتي بمعنى الاحتيال بالدين. (٤)
ولا يخرج استعمال الأصوليين والفقهاء له عن
هذا، إلا أن ابن القيم ذكر أنه غلب على الحيلة في
العرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل
بها الرجل إلى حصول غرضه بحيث لا يتفطن له إلا
-
(١) شرح جمع الجوامع بحاشية البناني ٣٧٤/٢ ط مصطفى
الحلبي، وشرح مسلم الثبوت ٢٠٣/٢
(٢) شرح جمع الجوامع ٣٧٤/٢
(٣) انظر مثلا: كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم
بحاشية الحموي ص ١٣٤ ط الهند، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص ١٠٥- ١١٧ ط م الحلبي ١٣٧٨
(٤) المصباح المنير ولسان العرب .
بنوع من الذكاء والفطنة. فهذا أخص من موضوعها
في أصل اللغة وسواء أكان المقصود أمراً جائزاً أم
محرماً، وأخص من هذا استعمالها في التوصل إلى
الغرض الممنوع منه شرعاً أو عقلا أو عادة. وهذا هو
الغالب عليها في عرف الناس .(١)
إطلاقاته :
الأول : بمعنى استعمال الطرق التي يتوصل بها
الانسان إلى غرضه. (٢)
الثاني : بمعنى نقل الدَّيْن من ذمة إلى ذمة، وهو
الحوالة . (٣)
الحكم الإجمالي :
أولا : بالمعنى الأول :
يختلف حكم الاحتيال باختلاف القصد
والنية، وباختلاف مآل العمل، وذلك على الوجه
الآتي:
٢ - يكون الاحتيال حراماً إذا تسبب به المكلف
في إسقاط ما وجب شرعاً، حتى يصير غير واجب في
الظاهر، أو في جعل المحرم حلالا في الظاهر. ذلك أن
العمل إذا قصد به إبطال حكم شرعي وتحويله في
الظاهر إلى حكم آخر، حتى يصير مآل ذلك العمل
(١) الموافقات ٢٠١/٤ نشر المكتبة التجارية، والفتاوى
الهندية ٣٩٠/٦ ط بولاق، وإعلام الموقعين ٢٥٢/٣ ط
السعادة بمصر.
(٢) اعلام الموقعين ٢٥٢/٣، والموافقات ٢٠١/٤
(٣) نهاية المحتاج ٤٠٨/٤ ط مصطفى الحلبي، ومنح الجليل
٢٢٨/٣ نشر ليبيا .
- ١٠١ -

احتيال ٣ - ٤
خرم قواعد الشريعة في الواقع، فهو حرام منهي عنه .
وذلك كما لو دخل عليه وقت الصلاة فشرب خمراً أو
دواء منوما حتى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى
علیه، أو كان له مال يقدر به على الحج فوهبه کیلا
يجب عليه الحج.(١)
وكذلك يحرم التصرف في المال بهبة أو غيرها
قبل الحول للفرار من الزكاة عند المالكية والحنابلة .
وقد اختلف الحنفية في ذلك، فقال أبو يوسف: لا
يكره ذلك، لأنه امتناع عن الوجوب لإبطال حق
الغير. وفي المحيط أنه الأصح. وقال محمد: يكره.
واختاره الشيخ حميد الدين الضرير، لأن فيه إضراراً
بالفقراء، وإبطال حقهم مآلًا . وقيل: الفتوى على
قول محمد .
كذلك الأمر بالنسبة للشافعية ، ففي نهاية المحتاج
والشرواني : يكره تنزيها إن قصد به الفرار من
الزكاة. وقال الشرواني: وفي الوجيز يحرم. زاد في
الإحياء: ولا تبرأ به الذمة باطناً، وأن هذا من الفقه
الضار.
وقال ابن الصلاح يأثم بقصده لا بفعله .(٢)
كذلك يحرم الاحتيال لأخذ أموال الناس
وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم.
والدليل على حرمة الاحتيال قوله تعالى: (وَلَقَّدْ
عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اْتدوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ... )(٣) لأنهم
(١) الموافقات ٣٧٩/٢، ٢٠١/٤ والشرح الصغير ٦٠٠/١ ط دار
المعارف، والمغني ٥٣٤/٢ ط المنار.
(٢) الأشباه لابن نجيم ٢٩٢/٢ ط استنبول، والشرواني
٢٣٥/٣ ط دار صادر.
(٣) سورة البقرة / ٦٥
احتالوا للاصطياد في السبت بصورة الاصطياد في
غيره. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يجمع
بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» (١)
٣ - ويكون الاحتيال جائزاً إذا قصد به أخذ
حق، أو دفع باطل، أو التخلص من الحرام، أو
التوصل إلى الحلال، وسواء أكانت الوسيلة محرّمة أم
مشروعة، إلا أنها إن كانت محرمة فهو آثم على الوسيلة
دون المقصود. وقد يطلب الاحتيال ولاسيما في
الحرب، لأنها خدعة. والأصل في الجواز قول الله
تعالى: ((وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئاً فاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْتَثْ))(٢)
٤ - ومنه ما يختلف فيه وهو ما لم يتبين فيه مقصد
للشارع يتفق على أنه مقصود له، ولا ظهر أنه على
خلاف المصلحة التي وضعت لها الشريعة بحسب
المسألة المفروضة .
فمن رأى من الفقهاء أن الاحتيال في أمر ما غير
مخالف للمصلحة فالتحیل جائز عنده فیه، ومن رأى
انه مخالف فالتحيل ممنوع عنده فيه. على أنه من المقرر
أن من يجيز التحيل في بعض المسائل فإنما يجيزه بناء
على تحري قصد المكلف المحتال، وأنه غير مخالف
(١) إعلام الموقعين ٣٤٠/٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم
٢٩١/٢، والفتاوى الهندية ٣٩٠/٦، والمغني ٣٠٤/٤
ط الرياض وحديث ((لا يجمع ... )) - أخرجه البخاري
وأبو داود وأحمد والترمذي والحاكم وغيرهم ( فتح
الباري ٣١٤/٣ ط السلفية ).
(٢) الفتاوى الهندية ٣٩٠/٦، وإعلام الموقعين ٣٤٧/٣،
والموافقات ٣٨٧/٢، والمغني ٣٩٦/١٠، والمخارج في
الحيل ص ٨٧ وما بعدها نشر مكتبة المثنى ببغداد.
والآية من سورة (ص)/ ٤٤
- ١٠٢ -

احتیال ٥ - ٨، إحداد ١
لقصد الشارع، لأن مصادمة الشارع صراحا ، علماً أو
ظناً، ممنوع، كما أن المانع إنما منع بناء على أن ذلك
مخالف لقصد الشارع، ولما وضع في الأحكام من
المصالح.
ومن ذلك نكاح المحلِّل، فانه تحيل إلى رجوع
الزوجة إلى مطلِّقها الأول بحيلة توافق في الظاهر قول
الله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه) (١) فقد نكحت المرأة هذا المحلل،
فكان رجوعها إلى الأول بعد تطليق الثاني موافقا .
ونصوص الشارع مفهمة لمقاصده. ومن ذلك بيوع
الآجال. (٢)
٥ - وأكثر الذين أخذوا بالاحتيال هم الحنفية
فالشافعية. أما المالكية والحنابلة فإن الأصل عندهم
هو منع الاحتيال غالباً، وهو لا يفيد في العبادات ولا
في المعاملات، لأن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع،
فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن،
والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة. (٣)
ثانياً : بالمعنى الثاني :
٦ - الاحتيال بالحق من جهة المحيل يكون نتيجة
عقد الحوالة، فالحوالة عقد يقتضي نقل دين من ذمة
إلى أخرى، وهي مستثناة - كما يقول بعض
الفقهاء- من بيع الدين بالدين.
(١) سورة البقرة /٢٣٫٠
(٢) الموافقات ٣٨٨/٢
(٣) إعلام الموقعين ١٧١/٣، والشرح الصغير ٦٠١/١ ط دار
المعارف، والفتاوى الهندية ٣٩٠/٦، والأشباه
والنظائر ٢٩١/٢، والموافقات ١٩٨/٤
٧ - وهي جائزة للحاجة إليها . والأصل فيها قول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أحيل أحدكم على
مليء فليحتل))(١) والحكم فيها براءة ذمة المحيل من
دين المحال له. وقد اشترط الفقهاء لصحتها شروطاً ،
كرضا المحيل المحال له، والعلم بما يحال به وعليه.(٢)
وغير ذلك من التفاصيل تنظر في مصطلح
(حوالة).
مواطن البحث :
٨- للاحتيال بمعنى الطرق التي يتوصل بها
الانسان إلى غرضه أحكام مفصلة في مصطلح
(حيلة) وفي كتب الأصول ولها علاقتها بمقاصد
الشريعة وبالذرائع. وينظر في الملحق الأصولي.
إحْدَاد
التعريف :
١ - من معاني الإحداد في اللغة: المنع، ومنه
(١) حديث ((إذا أحيل ... )) متفق عليه من حديث
أبي هريرة بلفظ ((مطل الغني ظلم ، وإذا اتبع
أحدكم على مليء فليتبع)) وأخرجه أحمد وابن
أبي شيبة بلفظ (( ومن أحيل على مليء فليحتل)).
(الدراية ١٦٤/٢) ورواه أصحاب السنن إلا الترمذي
من حديث أبي الزناد، ورواه الترمذي من حديث ابن
عمر نحوه ( تلخيص الحبير ٤٦/٣ )
(٢) نهاية المحتاج ٤٠٨/٤ ط مصطفى الحلبي، ومنح الجليل
٢٢٨/٣ نشر ليبيا، والمغني ٥٤/٥
- ١٠٣ -

إحداد ٢ - ٥
امتناع المرأة عن الزينة وما في معناها اظهاراً
للحزن. (١)
وهو في الاصطلاح : امتناع المرأة من الزينة
وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة ،
وكذلك من الإحداد امتناعها من البيتوتة في غير
منزلها (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
الاعتداد :
٢ - وهو تربّص المرأة مدة محددة شرعاً لفراق
زوجها بوفاة أو طلاق أو فسخ.
والعلاقة بين الاعتداد والإحداد أن الاعتداد
ظرف للإحداد، ففي العدة. تترك المرأة زينتها لموت
زوجها .
صفته ( حكمه التكليفي ) :
٣ - أجمع العلماء على وجوب الإحداد في عدة الوفاة
من نكاح صحيح ولو من غير دخول بالزوجة.
والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق
ثلاث ليال إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا.)) (٣)
(١) انظر لسان العرب ، والمصباح المنير، ومختار الصحاح (حدد).
(٢) فتح القدير ٢٩٣/٣، وابن عابدين ٦١٦/٢ وما بعدها الطبعة
الأولى، والحطاب ١٥٤/٤ مکتبة النجاح طرابلس- ليبيا،
ونهاية المحتاج ٧/ ١٤٠ ط الحلبي، والمغني لابن قدامة ١٦٦/٩
ط المنار.
(٣) حديث (( لا يحل لامرأة ... )) رواه البخاري ومسلم (اللؤلؤ
والمرجان ص ٢٥٨، ٢٥٩ نشر وزارة الأوقاف بالكويت=
كما أجمعوا على أنه لا إحداد على الرجل. وقد أجمعوا
أيضا على أنه لا إحداد على المطلقة رجعياً، بل يطلب
منها أن تتعرض لمطلقها وتتزين له، لعل الله يحدث
بعد ذلك أمراً. على أن للشافعي رأيا بأنه يستحب
للمطلقة رجعياً الإحداد إذا لم ترج الرجعة (١).
٤ - وأما المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو
كبرى فقد اختلف العلماء فيه على اتجاهين:
الأول : ذهب الحنفية والشافعي في قديمه، وهو
إحدى الروايتين في مذهب أحمد، أن عليها الإحداد،
لفوات نعمة النكاح. فهي تشبه من وجه من توفي
عنها زوجها. (٢)
الثاني : ذهب المالكية والشافعي في جديده وهو
إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (وقيل في بعض
الكتب إنها المذهب) إلى أنه لا إحداد عليها ، لأن
الزوج هو الذي فارقها نابذاً لها ، فلا يستحق أن تحد
عليه. وإلى هذا ذهب جماعة من التابعين، منهم
سعيد بن المسيب، وأبو ثور، وعطاء، وربيعة،
ومالك، وابن المنذر(٣) على أن الشافعي يرى في
جديده أنه يستحب لها أن تحدّ وإن كان لا يجب.
٥ - وأما المنكوحة نكاحاً فاسداً إذا مات عنها
= ١٣٩٧ هـ) وأبو داود (٣٨٩/٢ ط مطبعة السعادة بمصر)
وأخرجه النسائي (١٨٨/٦ المطبعة المصرية بالأزهر).
(١) الحمل ٤٥٨/٤
(٢) فتح القدير ٢٩١/٣ ط الأميرية الكبرى سنة ١٣١٦ هـ
الاولى، والمهذب للشيرازي ١٥٠/٢ ط الحلبي الثانية، والمغني
لابن قدامة ١٧٨/٩ ط المنار.
(٣) الخرشي ٢٨٧/٣، والمهذب للشيرازي ١٥٠/٢ ط الحلبي،
والمقنع لابن قدامة مع حاشيته ٢٨٩/٣ المطبعة السلفية،
والمغني لابن قدامة ١٧٨/٩ والروضة ٠٤٠٥/٨
- ١٠٤ -

............
إحداد ٦ - ٩
٠٠٠
......
زوجها فالجمهور على أنه لا إحداد علیها ، لأنها ليست
زوجة على الحقيقة، وأن بقاء الزواج الفاسد نقمة،
وز واله نعمة، فلا محل للإحداد .
وذهب القاضي أبو يعلى من الحنابلة إلى وجوب
الإحداد عليها تبعاً لوجوب العدة. وذهب القاضي
الباجي المالكي إلى أنه إذا ثبت بينها وبين زوجها
المتوفي شيء من أحكام النكاح، كالتوارث وغيره،
فإنها تعتد عدة الوفاة، و يلزمها الإحداد.(١)
٦ - أما إحداد المرأة على قر یب غير زوج فإنه جائز
لمدة ثلاثة أيام فقط، ويحرم الزيادة عليها. والدليل
على ذلك ما روته زينب بنت أبي سلمة، قالت :
((لما أتى أمّ حبيبة نعی أبي سفيان دعت في اليوم
الثالث بصفرة، فمسحت به ذراعيها وعارضيها،
وقالت: كنت عن هذا غنية، سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه
أربعة أشهر وعشرا.)) أخرجه البخاري ومسلم،
واللفظ له. (٢).
وللزوج منعها من الإحداد على القريب.
(١) فتح القدير ١٦٤/٤ ط الميمنية، وابن عابدين ٦١٧/٢ ط
أولى، وبدائع الصنائع ٢٠٩/٣ ط الأولى - الجمالية بمصر،
والخرشي ٢٨٧/٣ ط أولى- الشرفية، والباجي على الموطأ
١٤٥/٤ مكتبة السعادة بمصر، والأم ٢٣٢/٥ مطبعة الكليات
الأزهرية، والمجموع شرح المهذب للشيرازي ٣٢/٢٧ نشر مكتبة
الإرشاد بجدة، ونهاية المحتاج ٧/ ١٤٠ ط الحلبي، والمغني لابن
قدامة ١٦٧،١٦٦/٩ ط المنار، والكافي لابن قدامة ٩٥٠/٢
نشر المكتب الاسلامي بدمشق، ومغني المحتاج لشرح المنهاج
٣٩٩/٣ الحلبي ١٣٧٧ هـ.
(٢) صحيح مسلم بتحقيق عبد الباقي ١١٢٦/٢
إحداد زوجة المفقود :
٧- المفقود : هو من انقطع خبره، ولم تعلم حياته
من مماته. فإذا حكم باعتباره ميتاً فقد أجمع العلماء
على أن زوجته تعتد عدة وفاة من حين الحكم، ولكن
أيجب عليها الإحداد ؟ ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه
باعتبار أنها معتدة عدة وفاة، فتأخذ حكمها. وذهب
ابن الماجشون من المالكية إلى أنه وإن وجبت عليها
العدة فإنه لا إحداد عليها .(١)
بدء مدة الإحداد :
٨ - يبدأ الإحداد عقيب الوفاة سواء علمت الزوجة
بوقتها، أو تأخر علمها، وعقيب الطلاق البائن عند
من يرى ذلك. هذا إذا كانت الوفاة والطلاق
معلومين. أما إذا مات الزوج، أو طلقها، وهوبعيد
عنها فيبدأ الإحداد من حين علمها . وليس عليها
قضاء ما فات، وينقضي بانقضاء العدة. وإذا انتهت
مدة الإحداد وبقيت محدة بلا قصد فلا إثم عليها .
حکمة تشريع الإحداد :
٩ - شرع إحداد المرأة المتوفى عنها زوجها وفاء
للزوج، ومراعاة لحقه العظيم عليها، فان الرابطة
(١) الفتاوى الهندية ٣٠٠/٢ ط الأميرية سنة ١٣١٠ هـ، والشرح
الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤٧٨/٢ مطبعة إحياء الكتب
العربية، وشرح الخرشي على مختصر خليل ٢٨٧/٣، ٢٨٨ ط
الشرفية سنة ١٣١٦ هـ، وشرح روض الطالب ٤٠٠/٣ نشر
المكتبة الاسلامية ببيروت، والمقنع في فقه الحنابلة لابن قدامة
٢٨١/٣، والكافي في فقه الحنابلة لابن قدامة ٩٣٧/٢، والشرح
الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤٧٩/٢ ط الحلبي.
- ١٠٥ -

إحداد ١٠ - ١٢
الزوجية عقد وثيق ، فلا يصح شرعاً ولا أدباً أن
تنسى ذلك الجميل، وتتجاهل حق الزوجية التي
كانت بينهما. وليس من الوفاء أن يموت زوجها من
هنا، ثم تنغمس في الزينة وترتدي الثياب الزاهية
المعطرة، وتتحول عن منزل الزوجية، كأن عشرة لم
تكن بينهما. وقد كانت المرأة أول الاسلام تحد على
زوجها حولاً كاملاً تفجعاً وحزناً على وفاته، فنسخ
الله ذلك وجعله أربعة أشهر وعشرا.
هكذا قرر علماء أئمة المذاهب الأربعة فيما
یستخلص من كلامهم على أحکام الإحداد. فقد
ذكروا ((أن الحداد واجب على من توقّي عنها
زوجها، إِظهاراً للتأسف على ممات زوج وقّی
بعهدها، وعلى انقطاع نعمة النكاح، وهي ليست
نعمة دنيوية فحسب، ولكنها أيضا أخروية، لأن
النكاح من أسباب النجاة في المعاد والدنيا)» وشرع
الإحداد أيضا، لأنه يمنع تشوف الرجال إليها ، لأنها
إذا تزينت يؤدي إلى التشوف، وهو يؤدي إلى العقد
عليها، وهو يؤدي إلى الوطء، وهو يؤدي إلى اختلاط
الأنساب، وهو حرام. وما أدى إلى الحرام حرام))(١)
من تحد ومن لا تحد ؟
١٠ - تبين فيما سبق من يطلب منها الإحداد في
الجملة. وهناك حالات وقع فيها خلاف بين
الفقهاء، منها: الكتابية زوجة المسلم، والصغيرة .
١١ - أما الكتابية فقد ذهب مالك ــ في رواية
(١) حاشية سعدي جلبي على شرح فتح القدير ٢٩١/٣ ط المطبعة
الأميرية - بولاق القاهرة ١٣١٦ هـ.
ابن القاسم - والشافعية والحنابلة إلى أنها يجب عليها
الإحداد مدة العدة إذا مات زوجها المسلم، وذلك
لأن الإحداد تبع للعدة فمتى وجبت عليها عدة الوفاة
وجب عليها الإحداد. وذهب الحنفية ومالك في
رواية أشهب إلى أنه لا إحداد عليها، لأن الإحداد
مطلوب من المسلمة، لظاهر قوله صلى الله عليه
وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ...
الحديث)).(١)
١٢ - وأما الصغيرة فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى
أنها تحد، وعلى وليها أن يمنعها من فعل ما ينافي
الإحداد، لأن الإحداد تبع للعدة. ولما روي عن أم
سلمة رضي الله عنها أن أمرأة أتت النبي صلى الله
عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها
زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحُلُها(٢)فقال: لا
مرتين، أو ثلاثا، الحديث))(٣) ولم يسأل عن سنها،
وترك الاستفصال في مقام السؤال دليل على العموم.
وذهب الحنفية إلى عدم وجوب الإحداد عليها
لحديث ((رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى
يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى
يكبر)).(٤) فإن بلغت في العدة حدت فيما بقى. ومثلها
(١) تقدم تخريجه في الفقرة (٣)
(٢) لعل المنع من الاكتحال باعتباره زينة، مع وجود غيره لإزالة
المرض والتداوي، فإذا تعين علاجا فقواعد الشرع لا تمنع من
استعماله.
(٣) حديث أم سلمة أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٨٤/٩ ط
السلفية) ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه
(تحقيق سنن أبي داود ٣٨٩/٢ ط دار السعادة بمصر).
(٤) حديث ((رفع القلم عن ثلاث ... )). رواه أحمد وأبو داود=
- ١٠٦ -

إحداد ١٣ - ١٥
المجنونة الكبيرة إذا أفاقت. وأما الأمة فالفقهاء على
أنه يلزمها الإحداد مدة عدتها، لعموم الحديث في
وجوب الإحداد، وحكى الشافعية الاجماع على
ذلك)) (١)
ما تتجنبه المحدة :
١٣ - تجتنب المحدة كل ما يعتبرزينة شرعاً أو
عرفاً، سواء أكان يتصل بالبدن أو الثياب أو يلفت
الأنظار إليها، كالخروج من مسكنها، أو التعرض
للخطاب. وهذا القدر مجمع عليه في الجملة .
وقد اختلف الفقهاء في بعض الحالات فاعتبرها
البعض من المحظورات على المحدة، ولم يعتبرها
الآخرون. وذلك كبعض الملابس المصبوغة،
واختلافهم في الملابس السوداء والبيضاء والمصبوغة
بغير الزعفران والمعصفر. وعند التحقيق نجد أن
اختلافھم -فیما عدا المنصوص علیه_ ناشئ عن
اختلاف العرف: فما اعتبر في العرف زينة اعتبروه
محرماً، وما لم يعتبر اعتبر مباحاً. والممنوع يرجع كله
إما إلى البدن، أو الثياب، أو الحلي، أو التعرض
للخطاب، أو البيتوتة .
١٤ - فأما ما يتصل بالبدن فالذي يحرم عليها كل
ما يعتبر مرغباً فيها من طيب وخضاب وكحل
للزينة. ومن ذلك الأشياء المستحدثة للز ينة، ولیس
= والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم، وقال: على
شرطهما، ورواه ابن حبان وابن خزيمة من طرق عن علي وفيه
قصة جرت له مع عمر علقها البخاري (فيض القدير ٣٥/٤)
(١) فتح القدير ١٦٤/١٦٠/٤ ط الميمنية. وأنظر الباجي على
الموطأ ١٤٤/٤ ط السعادة ١٣٣٢هـ، والمغني لابن قدامة
١٦٦/٩ ط المنار، والأم ٢٣٢/٥ ط مكتبة الكليات الأزهر ية.
من ذلك ما تتعاطاه المرأة للتداوي.
وذهب الحنفية إلى كراهية الامتشاط بمشط
الأسنان وهوبلا طيب، لأنه يعتبر من الزينة
عندهم. على أن من لا كسب لها إلا من الاتجار
بالطيب أو صناعته فإن الشافعية ینصون على جواز
مسّها له.
وهذا كله في بدء التطيب بعد لزوم الإحداد، أما
لو تطيبت قبل ذلك فهل عليها إزالته بعد لزوم
الإحداد ؟ ذهب الشافعية _ إلى وجوب ذلك- وهو
قول للمالكية اختاره ابن رشد. والرأي الآخر
للمالكية واختاره القرافي أنه ليس عليها إزالته.
١٥ - واختلفوا في الأدهان غير المطيبة، كالزيت
والشيرج، فالحنفية والشافعية يرون أن استعمالها من
الزينة الممنوعة على المحدة، خلافا للمالكية
والحنابلة.(١)
ففي حديث أم سلمة رضي الله عنها (أن النبي
صلى الله عليه وسلم دخل عليها حين توفي زوجها أبو
سلمة، فنهاها أن تمتشط بالطيب ولا بالحناء، فإنه
خضاب. قالت: قلت بأي شيء امتشط ؟ قال:
((بالسدر تغلفين به رأسك)) أي تجعلين عليه من
السدر ما يشبه الغلاف .
(١) نهاية المحتاج ١٤٢/٧، ١٤٣، وفتح القدير ١٦٢/١٤، ١٦٣،
والخرشي ٢٨٨/٣ ط الشرفية، والمجموع للنووي ٣٠/١٧ ط
مطبعة الارشاد بجدة، والخطاب ١٥٤/٤، والمغني لابن قدامة
١٦٧/٩ - ١٧٠ ط المنار، وابن عابدين ٦١٧/٢ - ٦١٩،
والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤٧٩/٢ ط الحلبي.
(٢) حديث أم سلمة أخرجه أبوداود والنسائي. وفيه أم أم حكيم،=
- ١٠٧ -

إحداد ١٦ - ١٨
١٦ - وأما ما يتصل بالملابس فهو كما قلنا كل ما
جرى العرف باعتباره زينة، بصرف النظر عن
اللون، فقد يكون الشوب الأسود محظوراً إذا كان
يزيدها جمالاً، أو جرى العرف عند قومها باعتباره
من ملابس الزينة. ولكن ورد النص بالنهي عن
المعصفر والمزعفر من الثياب لأنهما يفوح منهما الطيب،
لحديث أم عطية في الصحيحين (( كنا ننهى أن نحد .
على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر
وعشراً، وأن نكتحل، وأن نتطيب، وأن نلبس ثوباً
مصبوغا .)) (١)
وأما من لم يكن عندها إلا ثوب واحد من المنهي
عن لبسه فلا يحرم عليها لبسه حتى تجد غيره، لأن
ستر العورة أوجب من الإحداد .
ونقل عن الخرقي من الحنابلة أنه يحرم عليها
استعمال النقاب، فإن اضطرت إلى ستروجهها،
فلتسدل النقاب وتبعده عن وجهها وذلك لأنه اعتبر
المحدة كالمحرمة ولكن المذهب على غير ذلك فلها
استعمال النقاب مطلقاً . (٢)
= مجهولة (الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في تحقيق سنن
أبي داود ٣٩١/٢، ٣٩٢)
(١) القليوبي وعميرة ٥٢/٤، ٥٣ ط دار إحياء الكتب العربية،
وبدائع الصنائع للكاساني ٢٠٨/٣ ط أولى، والمجموع شرح
المهذب ٢٧/١٧ - ٣٥ مكتبة الأرشاد بجدة والفتاوي الهندية
٥٣٣/١، ٥٣٤، ٥٥٧ المكتبة الاسلامية، والشرح الكبير
بحاشية الدسوقي ٤٧٨/٢، ٤٧٩.
وحديث أم عطية أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٩١/٩)
ورواه عبد الرزاق (المصنف ٥٢/٧ ط بيروت) وقال
الشوكاني: أخرجاه (نيل الأوطار ٩٧/٧)
(٢) الشرح الكبير للدردير ٤٧٨/٢، ومغني المحتاج ٣٩٩/٣ ط =
١٧ - أما الحلي : فقد أجمع الفقهاء على حرمة
الذهب بكل صوره عليها ، فيلزمها أن تنزعه حينما تعلم
بموت زوجها، لا فرق في ذلك بين الأساور والدمالج
والخواتم، ومثله الحلي من الجواهر. و يلحق به ما
يتخذ للحلية من غير الذهب والفضة كالعاج وغيره.
وجوز بعض الفقهاء لبس الحلي من الفضة، ولكنه
قول مردود لعموم النهي عن لبس الحلي على المحدة.
وقصر الغزالي من الشافعية الإباحة على لبس الخاتم
من الفضة، لأنه ليس مما تختص بحله النساء.
ويحرم على المحدة التعرض للخطاب بأي وسيلة
من الوسائل تلميحاً أو تصريحاً، لقوله صلى الله عليه
وسلم فيما رواه النسائي وأبو داود: ((ولا تلبس
المعصفر من الثياب، ولا الحلي)).(١)
ما يباح للمحدة :
١٨ - للمعتدة الخروج في حوائجها نهاراً سواء
کانت مطلقة أو متوفی عنها ، لما روى جابر قال:
((طلقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجذّ نخلها ، فلقيها
رجل فنهاها. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه
= الحلبي، والمحرر في فقه الحنابلة ١٠٨/٢ ط سنة ١٣٦٩ هـ،
والكافي ٩٥٣/٢ ط أولى، والفروع ٣٢٣/٣ ط المنار،
والإنصاف ٣٠٦/٩ ط أولى، والشرح الصغير ٣٤٣/٢ ط دار
المعارف .
(١) حاشية ابن عابدين ٦١٧/٢، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي
٤٧٨/٢، ونهاية المحتاج ١٤١/٧، ١٤٢، والمغني لابن قدامة
١٦٩/٩.
وحديث ((ولا تلبس المعصفر ... )) أخرجه
أبوداود من حديث أم سلمة (٣٩١/٢ دار السعادة
بمصر)، والنسائي (٢٠٣/٦ المطبعة المصرية بمصر.)
- ١٠٨ -

إحداد ١٩
وسلم، فقال: اخرجي فجذّي نخلك، لعلك أن
تتصدقي منه أو تفعلي خيراً .» رواه النسائي وأبو
داود.(١) وروى مجاهد قال: ((استشهد رجال يوم
أحد، فجاء نساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقلن: يارسول الله نستوحش بالليل، أفنبيت عند
إحدانا، فاذا أصبحنا بادرنا الى بيوتنا ؟ فقال رسول
الله صلى الله علیه وسلم: «تحدثن عند إحدا کن،
حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها)).(٢)
وليس لها المبيت في غيربيتها، ولا الخروج ليلا
إلا لضرورة، لأن الليل مظنة الفساد، بخلاف النهار
فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج
إلیه. وإن وجب عليها حق لا يمكن استیفاؤه إلا بها،
کالیمین والحدّ، وإن کانت ذات خدر، بعث إليها
الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها. وإن كانت
بززة جاز إحضارها لاستیفائه. فإذا فرغت رجعت
إلى منزلها . (٣)
على أن المالكية صرحوا بأنه لا بأس للمحدة أن
تحضر العرس، ولكن لا تتهيأ فيه بما لا تلبسه المحدة.(٤)
واتفق أئمة المذاهب الأربعة على أنه يباح للمحدة
في عدة وفاتها الأشياء التالية : (٥)
(١) حديث جابر قال ((طلقت خالتي ثلاثاً ... )) رواه أحمد
ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي (نيل الأوطار ٩٧/٧)
(٢) رواية مجاهد ((قال: استشهد رجال ... )) هكذا أوردها
صاحب المغني. رواها عبد الرزاق (المصنف ٣٦/٧ ط الأولى
بيروت) وقال ((تَبَدَّدنا)) بدل («بادرنا».
(٣) المغني ٥٢٦/٧ ط الرياض.
(٤) الخرشي على مختصر خليل ١٤٨/٤ ط الشرفية ١٣١٦هـ.
(٥) حاشية ابن عابدين ٦١٨/٢ ط أولى، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ٤٧٩/٢، والمجموع ٣٤/١٧، والمحرر في فقه الحنابلة =
يباح لها أن تلبس ثوباً غير مصبوغ صبغاً فيه
طيب وإن كان نفيساً.
ويباح لها من الثياب كل ما جرى العرف على
أنه لیس بز ینة مهما كان لونه.
ولما كان الإحداد خاصاً بالزينة في البدن أو
الحلي والثياب على التفصيل السابق، فلا تمنع من
تجميل فراش بيتها، وأثاثه، وستوره والجلوس على
أثاث وثیر.
ولا بأس بازالة الوسخ والتفث من ثوبها و بدنها،
كنتف الابط، وتقليم الأظافر الخ، والاغتسال
بالصابون غير المطيب، وغسل رأسها ويديها، ولا
يخفى أن للمرأة المحدة أن تقابل من الرجال البالغين
من لها حاجة إلى مقابلته ما دامت غیر مبدية ز ینتها
ولا مختلية به .
سكن المحدة :
١٩ - ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف،
ولا سيما أصحاب المذاهب الأربعة، إلى أنه يجب على
المعتدة من وفاة أن تلزم بيت الزوجية الذي كانت
تسکنه عندما بلغها نعي زوجها، سواء كان هذا
البيت ملكاً لزوجها، أو معاراً له، أو مستأجراً. ولا
فرق في ذلك بين الحضرية والبدويّة، والحائل
والحامل. والأصل في ذلك قوله تعالى: ((لا تخرجوهن
من بيوتهن) (١) وحديث فريعة بنت مالك وأنها
جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته
= ١٠٨/٢، والوجيز ٩٩/٢ ط الآداب والمؤيد سنة ١٣١٧ هـ،
والمقنع ٢٨٩/٣ ط السلفية.
(١) سورة الطلاق / ١
- ١٠٩ -

إحداد ٢٠
أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف
القدوم، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن
ملکه ولا نفقة. قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: نعم. قالت: فخرجت حتى إذا كنت في
الحجرة، أو في المسجد دعاني، أو أمر بي فدعيت له،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟
فرددت عليه القصة، فقال : امکثي في بيتك حتى
يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر
وعشرا، فلما كان عثمان بن عفان رضي الله عنه
أرسل إلَّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضی
به. رواه مالك في الموطأ (١)
وذهب جابر بن زيد والحسن البصري وعطاء
من التابعين إلى أنها تعتد حيث شاءت. وروي ذلك
عن علي وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم.
وحاصل ما استدلوا به : أن الآية التي جعلت
عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا وهي قوله
تعالى: ((والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً
يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)) (٢) نسخت
الآية التي جعلت عدة المتوفي عنها زوجها حولا ،
وهي قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم ويذرون
أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير
(١) حديث فريعة بنت مالك: في الموطأ بتحقيق محمد عبد الباقي
ص ٤٠٥ ط دار النفائس. بيروت. ورواه أبوداود ٣٩٠/٢،
والنسائي ١٩٩/٦ المطبعة المصرية بالأزهر. قال الشوكاني:
رواه الخمسة وصححه الترمذي ولم يذكر النسائي وابن ماجه
إرسال عثمان (نيل الأوطار ١٠٠/٧ ط بيروت).
(٢) سورة البقرة / ٢٣٤
إخراج))(١) والنسخ إنما وقع على ما زاد عن أربعة
أشهر وعشر، فبقى ما سوى ذلك من الأحكام، ثم
جاء الميراث فأسقط تعلق حق إسكانها بالتركة.
مسوغات ترك مسکن الإحداد :
٢٠ - إن طرأ على المحدة ما يقتضي تحولها عن
المسكن الذي وجب عليها الإحداد فیه، جاز ها
الانتقال إلى مسكن آخر تأمن فيه على نفسها ومالها،
كأن خافت هدماً أو عدواً، أو أخرجت من السكن
من مستحق أخذه، كما لو كان عارية أو إجارة
انقضت مدتها، أو منعت السكنی تعدياً، أو طلب به
أكثر من أجرة المثل. وإذا انتقلت تنتقل حيث
شاءت إلا عند الشافعية، وهو اختيار أبي الخطاب
من الحنابلة، فعليها أن تنتقل إلى أقرب ما يمكنها
الانتقال إليه قياساً على ما إذا وجبت الزكاة ولم
يوجد من يستحقها في مكان وجوبها، فإنها تنقل إلى
أقرب موضع يجدهم فيه. وللجمهور إن الواجب سقط
لعذر ولم يرد الشرع له ببدل فلا يجب، ولعدم النص
على اختيار الأقرب.
أما البدوية إذا انتقل جميع أهل المحلة الذين هي
معهم أو بقي منهم من لا تأمن معه على نفسها ومالها
فإنها تنتقل عن السكن الذي بدأت فيه الإحداد
کذلك.
وإذا مات ربان السفينة، أو أحد العاملين فيها،
و کانت معه زوجته، ولها مسکن خاص بها في
(١) سورة البقرة / ٢٤٠
- ١١٠ -

٠٠.
إحداد ٢١ - ٢٢
السفينة، فإنها تجد فيه، وتجري عليها الأحكام
السابقة .
أجرة سكن المحدة ، ونفقتها :
٢١ - اختلفت مذاهب الفقهاء فيمن يلزمه أجر
سكن المحدة هل هو عليها أم من مال المتوفى عنها .
فذهب الحنفية إلى أن أجرة سكن المحدة من
وفاة، من مالها، لأن الشرع ورد بتور يثها، ولم يثبت
لها أكثر من ذلك. أما المحدة من طلاق بائن
- عندهم- فأجرة سكناها على الزوج، لأن نفقتها
عليه في مدة العدة، فإن دفعت من مالها رجعت
عليه .(١)
وذهب المالكية إلى التفرقة بين المدخول بها
وغيرها، فغير المدخول بها سكناها مع أهلها أو من
مالها، للدليل السابق عند الحنفية. وأما المدخول بها
فإن كانت تسكن في ملكه أو في مسكن استأجره لها
وعجل اجرته فليس للورثة اخراجها حتى لوبيعت
الدار، فيستثنى منها مدة إحدادها. فإن لم یکن
كذلك فأجرة سكناها من مالها، وليس لها الرجوع
على مال التركة بشيء، سواء في ذلك الحامل
والحائل)).(٢)
وذهب الشافعية إلى أن المحدة تستحق أجرة
السكن من التركة، بل تتعلق بأعيان التركة. وتقدم
على مؤنة التجهيز والديون المرسلة في الذمة في الأظهر،
سواء أكانت حائلا أم حاملا، مدخولا بها أو غير
(١) رد المحتار ٦٢٠/٢، ٦٢١
(٢) التاج والإكليل ١٦٢/٤
مدخول . (١)
وفي غير الأظهر أن أجرة السكنی عليها، لأنها
وارثة، فتلزمها، كالنفقة. وهناك قول آخر: أن الذي
يقدم على مئونة التجهيز أجرة سكنى يوم الوفاة. وهذا
إذا لم تكن تسكن فيما يملكه أو يملك منفعته أو لم يكن
قد عجل الأجرة قبل الوفاة.
وذهب الحنابلة إلى التفرقة بين الحامل والحائل،
فالحائل أجرة سكناها في الإحداد من مالها بلا
خلاف عندهم، للدليل المذكور سابقا . وأما الحامل
فعندهم روايتان، إحداهما: لها أجرة السكنى من
مال المتوفى عنها، لأنها حامل من زوجها، فكانت
لها السكنى والنفقة، كالمفارقة في الحياة.
والثانية : ليس لها ذلك. وصحح القاضي
أبويعلى هذه الرواية.
هذا عن أجرة سكنى المحدة، أما نفقتها فموطن
بحثه مصطلح (عدة) لأن حكم النفقة تابع للاعتداد
لا للإحداد .
حجّ المحدة :
٢٢ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا
تخرج المعتدة إلى الحج في عدة الوفاة، لأن الحج لا
یفوت، والعدة تفوت. روي ذلك عن عمر وعثمان،
وبه قال سعيد بن المسيب والثوري وأصحاب الرأي.
وروي عن سعيد بن المسيب قال: ((توفي أزواج
نساءهنّ حاجات أو معتمرات، فردهن عمر رضي
(١) الجمل على شرح المنهج ٤٦١/٤، ونهاية المحتاج ١٤٥/٧،
وشرح الروض ٣٩٩/٣، والمغني ٢٩١/٩
- ١١١ -

إحداد ٢٣
الله عنه من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن)). (١)
فإذا خرجت المرأة إلى الحج فتوفي عنها زوجها
وهي بالقرب، أي دون مسافة قصر الصلاة، رجعت
لتقضي العدة، لأنها في حكم الإقامة. ومتى رجعت
وقد بقي من عدتها شيء أتت به في منزلها . (٢)
وإن كانت قد تباعدت بأن قطعت مسافة القصر
فأكثر، مضت في سفرها، لأن عليها في الرجوع
مشقة، فلا يلزمها. فإن خافت أن تتعرض لمخاطر في
الرجوع، مضت في سفرها ولو كانت قر یبة، لأن
عليها ضرراً في رجوعها . (٣)
وإن أحرمت بعد موته لزمتها الإقامة، لأن العدة
أسبق. (٤)
وفي رأي للحنفية : أن المرأة إذا خرجت إلى
الحج، فتوفي عنها زوجها، فالرجوع أولى لتعتد في
منزلها، فلا ينبغي لمعتدة أن تحج، ولا تسافر مع محرم
أو غير محرم، فقد توفى أزواج نساءهنّ حاجات أو
معتمرات، فردهن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
(١) رواه سعيد، هكذا في المغني لابن قدامة ١٨٤/٩ والشرح
الكبيرط المنار، ولعلها ( نساء هن ) بدون الواو. وهو عند مالك
في الموطأ بلفظ آخر (ص ٤٠٦ ط دار النفايس)
(٢) المغني لابن قدامة ١٧٤/٩ - ٢٩١ ط المنار، وابن عابدين
٠/٢ ٦- ٦٧٠ ط الأولى، والجوهرة النبيرة ٨٥/٢ ط الخشاب،
والخرشي على مختصر خليل ٢٩٠/٣، ٣٣٢، والمجموع
١٦٤/١٧، والمنتقى شرح الموطأ للباجي ١٣٦/٤ ط السعادة
والكافي ٩٨٢/٢ ط الأولى.
(٣) فتح القدير ٢٩٨/٣ ط الأميرية، ونهاية المحتاج ١٤٣/٧،
والقليوبي ٥٦/٤ ط الحلبي، والشرح الكبير مع المغني لابن
قدامة ١٨٣/٩، ١٦٦، ١٦٧ ط المنار، والكافي لابن قدامة
٩٤٨/٢
(٤) ومثله تعذر العودة بسبب ظروف وسائل السفر الحديثة .
من قصر النجف. فدل على أن المعتدة تمنع من
ذلك (١)
أما المالكية فيقولون: إذا أحرمت بحج أو عمرة،
ثم طرأت عليها عدة بأن توفي زوجها، بقيت على
ما هي فيه، ولا ترجع لمسكنها لتعتد به، لأن الحج
سابق على العدة. وإن أحرمت بحج أو عمرة بعد
موجب العدة من طلاق أو وفاة، فإنها تمضي على
إحرامها الطارئ، وأثمت بإدخال الإحرام على
نفسها بعد العدة بخروجها من مسكنها . (٢)
ولم يعتبر الشافعية المسافة التي تقطعها المحدة
المحرمة بالأيام التي تقصر فيها الصلاة. ولكن قالوا:
إن فارقت البنيان، فلها الخيار بين الرجوع والتمام،
لأنها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو السفر،
فأشبه ما لو بعدت .(٣)
٢٣ - ومثل الحج كل سفر، فليس لها أن تنشىء
ذلك السفر وهي محدة.
وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه إذا كان معها
محرم فلا بأس بأن تخرج من المصر قبل أن تعتد .(٤)
وحاصل ما تفيده عبارات فقهاء المذاهب المختلفة
أنه إذا أذن الزوج بالسفر لزوجته، ثم طلقها، أو مات
عنها وبلغها الخبر، فإن كان الطلاق رجعياً فلا يتغير
الحكم، لقيام الزوجية، حتى لو كان معها في السفر
تمضي معه. وإن لم يكن معها والطلاق بائن وكانت
(١) المبسوط للسرخسي ٣٦/٦ ط السعادة.
(٢) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٤٨٦/٢
(٣) نهاية المحتاج ١٤٣/٧
(٤) فتح القدير ٢٩٩/٣
- ١١٢ -

إحداد ٢٤، ٢٥
....
أقرب إلى بيت الزوجية وجب عليها أن تعود لتعتد
وتحد في بيت الزوجية. وإن كانت أقرب إلى
مقصدها فهي مخيرة بين المضي إلى مقصدها وبين
العودة، والعودة أولى.
إلا أن المالكية يوجبون العودة، ولو بلغت
مقصدها، ما لم تقم ستة أشهر، إلا إذا كانت في
حجة الإسلام وأحرمت فإنها تمضي عندهم في
حجتها . (١)
اعتكاف المحدة :
٢٤ - المعتكفة إذا توفي عنها زوجها، لزمها
الخروج لقضاء العدة عند الحنفية والشافعية
والحنابلة، لأن خروجها لقضاء العدة أمر ضروري،
كما إذا خرج المعتكف للجمعة وسائر الواجبات،
كانقاذ غريق، أو إطفاء حريق، أو أداء شهادة
تعيّن عليه، أو لفتنة يخشاها على نفسه أو أهله أو
ماله .
وإذا خرجت المعتكفة لهذه الضرورات، فهل
يبطل اعتكافها؟ وهل تلزمها كفارة يمين، أولا
كفارة عليها؟ ذهب الحنفية والحنابلة، وهو أصح
القولين للشافعية، أنه لا يبطل اعتكافها، فتقضي
عدتها، ثم تعود إلى المسجد، وتبني على ما مضى من
اعتكافها .
والقول الثاني للشافعية : يبطل اعتكافها، وقد
(١) فتح القدير ٢٩٨/٣، ٢٩٩، والدسوقي ٤٨٥/٢، والمواق
١٦٣/٤، والخرشي ١٥٧/٤، ١٥٨، والمغني ١٨٦/٩ ط
الأولى، وشرح الروض ٤٠٤/٣، والجمل ٤٦٥/٤
خرجه ابن سريج. وذكر البغوي أنها إذا لزمها
الخروج للعدة، فمكثت في الاعتكاف، عصت
وأجزأها الاعتكاف. قاله الدارمي.(١)
أما المالكية فيقولون: « تمضي المعتكفة على
اعتكافها إن طرأت عليها عدة من وفاة أو طلاق.
وبهذا قال ربيعة وابن المنذر. أما إذا طرأ اعتكاف
على عدة فلا تخرج له، بل تبقى في بيتها حتى تتم
عدتها، فلا تخرج للطارئ، بل تستمر على السابق))(٢)
( ر: اعتكاف )
عقوبة غير الملتزمة بالإحداد :
٢٥ - يستفاد من كلام أئمة المذاهب الأربعة في
الإحداد أن المحدة المكلفة لوتركت الإحداد الواجب
کل المدة أو بعضها، فإن کان ذلك عن جهل فلا
حرج، وإن كان عمداً، فقد أثمت متى علمت
حرمة ذلك، كما قاله ابن المقري من الشافعية،
ولكنها لا تعيد الإحداد، لأن وقته قد مضى ، ولا يجوز
عمل شيء في غير موضعه، في غير وقته، وانقضت
العدة مع العصيان، كما لو فارقت المعتدة المسكن
الذي يجب عليها ملازمته بلا عذر، فإنها تعصي
وتنقضي عدتها. (ف ٢٤)
وعلى ولي غير المكلفة إلزامها بالإحداد في مدته
وإلا كان آثماً .
(١) تبيين الحقائق شرح الكنز ٣٥١/١ ط الأمير ية - بولاق سنة
١٣١٣ هـ، والبحر الرائق ٣٢٦/٢ المطبعة العلمية، والفتاوى
الهندية ٢١٢/١، والمجموع ٤٤٥/٦، ٤٤٦، والمغني لابن قدامة
٢٠٧/٣
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤٨٦/٢
- ١١٣ -

إحداد ٢٦، إحراز ١ - ٤
ولم ترد في الشرع عقوبة محددة لمن تركت
الإحداد، ولكنها توصف بأنها عصت.(١)
هذا ومن المعلوم أن الإمام من حقه أن يعزر المرأة
المكلفة على ترك الإحداد إذا تعمدت ذلك بما يراه من
وسائل التعزير.
٢٦ - وإذا أمر المطلق أو الميت قبل الموت، الزوجة
بترك الإحداد ، فلا تتركه، لأنه حق الشرع، فلا
يملك العبد إسقاطه، لأن هذه الأشياء دواعي
الرغبة، وهي ممنوعة عن النكاح فتجتنبها لثلا تصير
ذريعة إلى الوقوع في المحرم.
إحْرَاز
التعريف :
١ - الإحراز لغة : حفظ الشيء وصيانته عن
الأخذ.(٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي
المذكور ، فقد عرّفه النسفي بأنه: جعل الشيء في
الحرز، وهو الموضع الحصين. (٣)
(١) الزواجر لابن حجر ٦٣/٢ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج
١٤٣/٧، والمغني لابن قدامة ١٦٦/٩ وما بعدها، وحاشية ابن
عابدين ٦١٧/٢، والمحلى لابن حزم ٢٨١/١٠ ط المنيرية.
(٢) القاموس المحيط ، وتاج العروس ، والنهاية لابن الأثير
٣٦٦/١
(٣) ابن عابدين ١٩٤/٣ وما بعدها ط بولاق ، وطلبة الطلبة
ص ٧٧ المطبعة العامرة، والصاوي على الشرح الصغير
٤٧٧/٤ ط دار المعارف.
هذا والإحراز إما أن يكون بحصانة موضعه، وهو
كل بقعة معدة للإحراز، ممنوع من الدخول فيها إلا
بإذن، كالدور والحوانيت والخيم والخزائن
والصناديق، وإما أن يكون بحافظ يحرسه.
والمحكّم في الحرز العرف، إذ لم يجد في الشرع ولا
في اللغة. وهو يختلف باختلاف الأموال والأحوال
والأوقات. وضبطه الغزالي بما لا يعد صاحبه مضیعا
.. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الحيازة: هي وضع اليد على الشيء
والاستيلاء عليه.(٢) وقد يكون الشيء المحوز في حرز أو
لا يكون، لهذا فالحيازة أعم من الإحراز.
٣ - الاستيلاء: هو القهر والغلبة ولوحكماً(٣)في
أخذ الشيء من حرزه ووضع اليد عليه. فهو مختلف
أيضا عن مطلق الإحراز، وأخص منه.
الحكم الإجمالي :
٤ - الإحراز عند جمهور الفقهاء شرط من شروط
القطع في السرقة للمال المملوك . (٤)
(١) ابن عابدين ١٩٤/٣ وما بعدها، ومغني المحتاج ١٦٤/٤
ط مصطفى الحلبي.
(٢) الشرح الصغير ٣١٩/٤ ط دار المعارف.
(٣) القليوبي ٢٦/٣ ط عيسى الحلبي.
(٤) البدائع ٤٢٢٣/٩ ومابعدها مطبعة الإمام، والشرح
الصغير ٤٦٩/٤ وما بعدها ط دار المعارف ، وشرح منهاج
الطالبين مع القليوبي وعميرة ١٩٠/٤ ط مصطفى
الحلبي ، والمغني ٤٢٩/١٠ ط الأولى.
- ١١٤ -

إحرازه، إحراق - ١ - ٤
مواطن البحث :
٥ - يبحث الإحراز في السرقة عند الحديث عن
شروطها، وفي العقود التي بها ضمان كالوديعة
وغيرها (١)
إحراق
التعريف :
١ - الإحراق لغة مصدر أحرق.
أما استعماله الفقهي فیؤخذ من عبارات بعض
الفقهاء أن الإحراق هو إذهاب النار الشي بالكلية،
أو تأثيرها فيه مع بقائه، ومن أمثلة النوع الأخير:
الكتيّ والشيّ (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - للإحراق صلة بألفاظ اصطلاحية كثيرة
أهمها :
أ _ الإتلاف: وهو الإفناء . وهو أعم من
الإحراق.
ب - التسخين : وهو تعريض الشيء للحرارة، فهو
غير الإحراق.
ج - الغلي : وهو آخر درجات التسخين ، ويختلف
(١) البدائع ٣٨٨١/٨ وما بعدها، والخرشي ١٠٨/٦ ط دار
صادر، ونهاية المحتاج ١٠٩/٦ ط مصطفى الحلبي ،
والمغني ٢٨٠/٧
(٢) لسان العرب (حرق) والدسوقي ٣٥٤/٣
باختلاف المادة المراد غليها، فهو غير الإحراق.
صفته ( حكمه التكليفي ) :
٣ - يختلف حكم الإحراق باختلاف ما يراد
إحراقه، فتعتريه الأحكام التكليفية الخمسة.
أثر الإحراق من حيث التطهير:
٤ - ذهب المالكية في المعتمد ومحمد بن الحسن من
الحنفية وهو المختار للفتوى وهو غير ظاهر المذهب عند
الحنابلة إلى أن الإحراق إذا تبدلت به العين النجسة
بتبدل أوصافها أو انقلاب حقيقتها حتى صارت شيئاً
آخر، وذلك كالميتة إذا احترقت فصارت رماداً أو
دخاناً، فإن ما يتخلف من الإحراق يكون طاهراً.
ومن باب أولى إذا كانت العين طاهرة في الأصل
وتنجست، کالثوب المتنجس.
ودليلهم قياس ذلك على الخمر إذا تخللت
والإهاب إذا دبغ.
وذهب الشافعية والمالكية في غير المعتمد، وأبو
يوسف، وهو ظاهر المذهب الحنبلى، إلى أن الإحراق
لا يجعل ما يتخلف منه شيئاً آخر، فيبقى على
نجاسته. وسواء في ذلك العين النجسة، أو المتنجسة،
لقيام النجاسة، لأن المتخلف من الإحراق جزء من
العين النجسة .
وفصل بعض المالكية فقالوا : إن أكلت النار
النجاسة أكلاً قوياً فرمادها طاهر، وإلا فنجس. (١)
(١) فتح القدير ١٣٩/١، وحاشية الدسوقي ٥٧/١، ٥٨، والمغني
٦٠/١، والبدائع ٨٥/١، ونهاية المحتاج ٢٣٠/١، وروضة
الطالبین ٢٩/١، ٣٠، وابن عابدين ٣٣٢/١
- ١١٥ -

إحراق ٥ _ ٦
هذا وإن من قال من الفقهاء بنجاسة المتخلف
من إحراق النجس ذهبوا إلى أنه يعفى عن قليله
للضرورة، ولأن المشقة تجلب التيسير.
طهارة الأرض بالشمس والنار:
٥ - إذا أصابت الأرض نجاسة، فجفت بالشمس
أو النار، وذهب أثرها، وهوهنا اللون والرائحة،
جازت الصلاة مكانها عند الحنفية، واستدلوا بقول
النبي عليه الصلاة والسلام: ((ذكاة الأرض
يبسها)).(١)
وعن ابن عمر قال: (( كنت أبيت في المسجد
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت فتى
شابا عزباً، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في
المسجد ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك.(٢)
كما ذهبوا إلى أنه لا يجوز التيمم به لأن طهارة
الصعيد شرط بنص الكتاب وقال الله تعالى:
((فَتَيَمَّمُوا صعيداً طَيِّباً)) (٣) وطهارة الأرض بالجفاف
ثبتت بدليل ظني، فلا يتحقق بها الطهارة القطعية
المطلوبة للتيمم بنص الآية .
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من
الحنفية إلى أن الأرض لا تطهر بالجفاف ، ولا يجوز
(١) حديث ((زكاة الأرض يبسها)) قال السخاوي لا يصح مرفوعاً
وقد ذكره ابن أبي شيبة من قول محمد بن علي بن الحسين وابن
الحنفية وأبي قلابة، وذكره عبدالرزاق من قول أبي قلابة بلفظ
((جفوف الأرض ظهورها)» (المقاصد الحسنة ص ٢٢٠).
(٢) حديث ابن عمر رواه البخاري وأبوداود (عون المعبود ١٤٦/١
الطبعة الهندية).
(٣) سورة النساء/٤٣، وسورة المائدة/٦
الصلاة على مكانها ولا التيمم بها، لأن النجاسة
حصلت في المكان، والمزيل لم يوجد (١)
تمو یه المعادن بالنجس :
٦ - الإجماع على أنه لوسقي الحديد بنجس، فغسل
ثلاثا، يطهر ظاهره، فإذا استعمل بعدئذ في شيء لا
ینجس .
وعند الحنفية عدا محمداً وهو وجه عند الشافعية
أنه يطهر مطلقاً لوسقي بالطاهر ثلاثاً، وذلك بالنسبة
لحمله في الصلاة .
وعند محمد بن الحسن أنه لا يطهر أبدا .
وهذا بالنسبة للحمل في الصلاة. أما لوغسل ثلاثا
ثم قطع به نحو بطيخ، أو وقع في ماء قليل، لا ينجسه.
فالغسل يطهر ظاهره اجماعا .
وهناك قول آخر للشافعية، اختاره الشاشي، أنه
يكتفى لتطهير الحديد المسقني بنجس بتطهيره ظاهراً
لأن الطهارة كلها جعلت على ما يظهر لا على
الجوف.
وعند المالكية إن سقي الحديد المحمى والنحاس
وغيرهما بنجس لا ينجسهما ويبقيان على طهارتهما
لعدم سريان النجاسة فيها لاندفاع النجاسة
بالحرارة .(٢)
(١) فتح القدير ١٣٨/١، ١٣٩، وروضة الطالبين ٢٩/١، وابن
عابدين ٣١١/١، والمغني ٧٣٩/١ مع الشرح الكبير، والحطاب
١٥٨/١، ١٥٩
(٢) روضة الطالبين ٣٠/١، وابن عابدين ٢٢٢/١، وحاشية
الدسوقي ٦٠/١
- ١١٦ -

....
إحراق ٧ - ٩
الاستصباح بالنجس والمتنجس
الاستصباح بالدهن النجس :
٧ - عند الحنابلة، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية،
شحوم الميتة لا يجوز الاستصباح بها. وعللوا ذلك بأنه
عين النجاسة وجزؤها. ويؤيده ما في صحيح
البخاري عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم عام الفتح يقول وهو بمكة: ((إن الله حرم بيع
الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يارسول الله
أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن
بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس؟ قال: لا ، هو
حرام)).(١) الحديث.
ونحوهم المالكية حيث قالوا: لا ينتفع بالنجس
إلا شحم ميتة لدهن العَجَلات ونحوها . وذلك في غیر
مسجد، لا فيه .
وعند الشافعية : يحل مع الكراهة في غير المسجد
الاستصباح بالدهن النجس. (٢)
الاستصباح بالدهن المتنجس :
٨- اختلفت الآراء في الاستصباح بالأدهان
المتنجسة :
(١) حديث ((أرأيت شحوم الميتة ... )) رواه أيضا مسلم وتمامه
((ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله
اليهود إن الله لمّا حَرّم شحومها جَمّلوة ثم باعوه فأكلوا ثمّنَهُ»
وفي بعض رواياته ((إن الله ورسوله حرَّما ... الحديث)) (فتح
الباري ٤٢٤/٤ ط السلفية).
(٢) المغنى ١٥/٤، وحاشية ابن عابدين ٣٣٠/١، ٣٣١ و٧٣/٥،
وحاشية الدسوقي ٦٠/١، ٦١، ونهاية المحتاج، وحاشية
الشبراملسي ٣٧٣/٢
ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في المشهور
عندهم وهو رواية عند الحنابلة اختارها الخرقي، أنه
يجوز الاستصباح به في غير المسجد، إلا إذا كان
المصباح خارج المسجد والضوء فيه فيجوز، لأنه
أمكن الانتفاع به من غير ضرر، فجاز كالطاهر. وهو
مروي عن ابن عمر.
وذهب الحنابلة في الرواية الأخرى، وهو اختيار
ابن المنذر، إلى أنه لا يجوز مطلقا ، لأن النبي صلى الله
عليه وسلم ((سئل عن شحوم الميتة تطلى بها
السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟
فقال: لا، هو حرام.)) متفق عليه(١) فقد سوَّوا بين
النجس والمتنجس.
دخان وبخار النجاسة المحرقة :
٩ - ذهب الحنفية في الصحيح عندهم وهو المعتمد
عند المالكية وهو اختيار ابن رشد وبعض من
متأخري الشافعية وهو غير ظاهر المذهب عند الحنابلة
إلى القول بالطهارة مطلقاً .
وذهب الحنفية في مقابل الصحيح ، وهو ظاهر
المذهب الحنبلي، واختاره من المالكية اللخمي
والتونسي والمازري وأبو الحسن وابن عرفة ووصفه
بعضهم بأنه المشهور، إلى عدم طهارة الدخان
المتصاعد من وقود النجاسة، والبخار المتصاعد من
الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم
صقيل ثم قطر فهو نجس، وما يصيب الثوب من بخار
النجاسة ينجسه .
(١) المغني مع الشرح الكبير ١٥/٤
- ١١٧ -

إحراق ١٠ - ١٢
وذهب بعض الشافعية إلى أن دخان النجاسة
نجس يعفى عن قليله. وبخار النجاسة إذا تصاعد
بواسطة نار نجس، لأن أجزاء النجاسة تفصلها النار
بقوتها فيعفی عن قليله.
وإذا طبخ طعام بروث آدمي ، أو بهيمة، أو أوقد
به تحت هباب فصار نشادرا، فالطعام طاهر إن لم
يكن ما أصابه من دخان النجاسة كثيرا، وإلا
تنجس. وكذا النشادر إن كان هبابه طاهراً، وإلا
فهو نجس. فالهباب المعروف المتخذ من دخان
السرجین أو الز یت المتنجس إذا أوقد به نجس،
كالرماد، ويعفى عن قليله، لأن المشقة تجلب
التيسير.(١)
التيمم بالرماد :
١٠ - كل شيء أحرق حتى صار رماداً لم يجز
التيمم به بالإجماع.
أما ما أحرق ولم يصر رماداً فذهب الحنفية وهو
أصح الأقوال عند الشافعية، إلى جواز التيمم منه،
لأنه بالإحراق لم يخرج عن أصله .
وذهب المالكية ، وهو المعتمد عند الحنابلة،
وقول للشافعية، إلى أنه لا يجوز التيمم بكل
ما احترق، لخروجه بذلك عن كونه صعيدا.
(١) الفتاوى الهندية ٤٧/١، وحاشية ابن عابدين ٣٢٥/١،
وحاشية الدسوقي ٣٨/١، ٥٨، ومغني المحتاج ٨١/١، ونهاية
المحتاج إلى شرح المنهاج مع حاشية الشبراملسي القاهريّ
٢٢٩/١، ٢٣٠، ١٧٣/٢، وروضة الطالبين ٦١/٢، والمغني
لابن قدامة ٦٠/١
وتفصيل ما يصح التيمم منه وما لا يصح في
مصطلح (تيمم).(١).
الماء المتجمع تحت الجلد بالاحتراق (النفطة):
١١ - النفطة تحت الجلد لا يحكم عليها بنجاسة ولا
نقض للوضوء. أما إذا خرج ماؤها فقد أجمعوا على
نجاسته، ويعفى عما يعتبر منه قليلا تبعا لكل مذهب
في ضابط القلة والكثرة في المعفوّات.
أما نقض الوضوء بخروجه فهو مذهب الحنفية إن
سال عن مكانه، والحنابلة إن کان فاحشا، خلافا
للمالكية والشافعية فهو غير ناقض عندهم، كما
يستفاد من عدم ذكرهم له بين نواقض الوضوء. (٢).
تغسيل الميت المحترق :
١٢ - ذهب الفقهاء إلى أن من احترق بالنار
يغُسَّل كغيره من الموتى إن أمكن تغسيله، لأن الذي
لا يغسّل إنما هو شهيد المعركة ولو كان محترقاً بفعل
من أفعالها. أما المحترق خارج المعركة فهو من شهداء
الآخرة. ولا تجري عليه أحكام شهداء المعركة. (٣)
فإن خيف تقطعه بالغسل يصب عليه الماء صباً
(١) ابن عابدين ٢٤١/١، وحاشية الدسوقي ١٥٦/١، ونهاية
المحتاج ٢٦١/١، ٢٧٤، ٢٧٥، والمغني لابن قدامة ٢٤٩/١،
٢٥٠، ومغني المحتاج ٩٦/١، وروضة الطالبين ١٠٩/١
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٤٨، والدسوقي ٥٦/١،
٥٧، ٧٣، ونهاية المحتاج - ونواقض الوضوء، والمغني مع الشرح
الكبير ١٧٧/١
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٤٩/٢، والفتاوى الهندية ١٦٧/١،
١٦٨، وفتح القدير ٤٧٤/١، وبدائع الصنائع ٣٢٣/١،
والمغنى ٤٠١/٢، وحاشية الدسوقي ٤٠٧/١
- ١١٨ -

٠٠١
...........
....
إحراق ١٣ - ١٦
ولا يمسّ. فإن خيف تقطعه بصب الماء لم يغسل
وييمّم إن أمكن، كالحي الذي يؤذيه الماء. وإن
تعذر غسل بعضه دون بعض غسل ما أمكن غسله
وبيمّم الباقي كالحيّ سواء. (١)
الصلاة على المحترق المترقد :
١٣ - ذهب ابن حبيب من المالكية والحنابلة
وبعض المتأخرين من الشافعية إلى أنه يصلى عليه مع
تعذر الغسل والتيمم، لأنه لا وجه لترك الصلاة
عليه، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، لما صح من قوله
عليه الصلاة والسلام: ((وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه
ما استطعتم))، (٢) ولأن المقصود من هذه الصلاة
الدعاء والشفاعة للميت.
أما عند الحنفية وجمهور الشافعية والمالكية فلا
يصلى عليه ، لأن بعضهم يشترط لصحة الصلاة على
الجنازة تقدم غسل الميت، وبعضهم يشترط حضوره
أو أكثره، فلما تعذر غسله وتيممه لم يصل عليه لفوات
الشرط . (٣)
(١) المبسوط السرخسي ٥٢/٢، وبدائع الصنائع ٣٢٠/١، ونهاية
المحتاج ١٩/٣، ومغني المحتاج ٣٥٨/١، وروضة الطالبين
١٠٨/٢، وحاشية الدسوقي ٤١٠/١، والمغني لابن قدامة
٤٠٧/٢
(٢) حديث ((إذا أمرتكم ... )) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن
ماجه (الفتح الكبير ١٢٠/٢).
(٣) مراقي الفلاح مع حاشية الطحطاوي ص ٣١٩
الدفن في التابوت :
١٤ - يكره دفن الميت في تابوت بالاجماع لأنه
بدعة، ولا تنفذ وصيته بذلك .
ولا يكره للمصلحة، ومنها الميت المحترق إذا
دعت الحاجة إلى ذلك. (١)
الإحراق
في الحدود والقصاص والتعزيز
الإحراق العمد :
١٥ - يعتبر الإحراق بالنار عمداً جناية عمد.
وتجري عليه أحكام العمد، لأنها تعمل عمل المحدد.
وتفصيله في (الجنايات). (٢)
القصاص بالإحراق :
١٦ - ذهب الشافعية، وهو المشهور عند المالكية،
ورواية عند الحنابلة، إلى قتل القاتل بما قتل به ولو
ناراً. ويكون القصاص بالنار مستثنى من النهى عن
التعذيب بها. واستدلوا بقوله تعالى: ((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِئْتُمْ بِهِ)) (٣) وقوله تعالى: ((فَمَّنَ
اعْتَدَى عَلَّيْكمْ فَاعْتَذُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ))(٤) وبما أخرجه البيهقي والبزار عن النبي صلى
(١) ابن عابدين ٢٣٤/٢، ٢٣٥، وحاشية الدسوقي ٤١٩/١،
ومغني المحتاج ٣٦٠/١، ونهاية المحتاج ٣٠/٣، والمغني
٤٠٩/٢، ٤١٥
(٢) المغني لابن قدامة ٣٢٥/٩، ٣٢٦، ونتائج الأفكار ٢٤٥/٨،
وحاشية ابن عابدين ٥٢٧/٦، ٥٢٨، ومغني المحتاج ٨/٤،
والدسوقي ٣١٢/٤
(٣) سورة النحل / ١٢٦
(٤) سورة البقرة / ١٦٤
- ١١٩ -

إحراق ١٧ - ١٩
الله عليه وسلم من حديث البراء، وفيه: ((من حرق
حرقناه)). (١)
وذهب الحنفية، وهو غير المشهور عند المالكية،
والمعتمد عند الحنابلة، إلى أن القود لا يكون إلا
بـ السيف وإن قتل بغيره، فلو اقتص منه بالالقاء في
النار عُزِّر. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير مرفوعا :
((لا قود إلا بنالسيف)). ورواه ابن ماجه والبزار
والطحاوي والطبراني والبيهقي بألفاظ مختلفة. (٢)
موجب تعذیب السيد عبده بالنار:
١٧ - اختلف العلماء في موجب تعذيب السيد
عبده بالنار، فقال أكثرهم: لا يعتق عليه. وذهب
مالك والأوزاعي والليث إلى عتق العبد بذلك.
ويكون ولاؤه له. ويعاقبه السلطان على فعله.
واستدلوا بأثر عمر رضي الله عنه، أخرجه مالك في
الموطأ بلفظ: ((إن وليدة أتت عمر، وقد ضربها
سيدها بنار، فأصابها بها. فأعتقها عليه)). وأخرجه
أيضا الحاكم في المستدرك. (٣)
(١) حديث ((من حرق حرقناه)) قال ابن حجر: رواه البيهقي في
. المعرفة وقال: في الإسناد بعض من يجهل، وانما هو من قول
زياد في خطبته (تلخيص الحبير ١٩/٤).
(٢) نيل الأوطار ١٦٠/٧، ١٦٥، وحاشية ابن عابدين ٥٣٧/٦،
والبدائع ٢٤٥/٧، وتبيين الحقائق ١٠٦/٦، والسرخسي
١٢٥/٢٦، ١٢٦، وحاشية الدسوقي ٢٦٥/٤، والخرشي
٢٩/٨، والتاج والإكليل ٢٥٦/٦، ومغني المحتاج ٤٤/٤،
ونهاية المحتاج ٢٩٠/٧، والمغني ٣٩٠/٩، وكشاف القناع
٥٣٨/٥، والحديث منكر ومعلول (فيض القدير ٤٣٦/٦).
(٣) نيل الأوطار ٢٠٥/٦، ٢٠٧، وهذا من تكريم الاسلام
للانسان ولو رقيقاً، ومن لم ير عتقه فقد أوجب تعز يره.
العقوبة في اللواط بالإحراق :
١٨ - يرى الإمام أبو حنيفة أن عقوبة اللواط سواء
اللائط والملوط به التعزير. ويجيز للحاكم أن يكون
التعزير بالإحراق. وإلى هذا الرأي ذهب ابن القيم.
وأوجب إحراقهما ابن حبيب من المالكية، خلافاً
للجمهور الذين يرون أن عقوبتهما لا تكون بالإحراق.
وتفصيل ذلك في (الحدود).
واستدل من رأى الإحراق بفعل الصحابة وعلى
رأسهم أبوبكر. وتشدد في ذلك عليّ رضي الله
عنهم.(١)
إحراق الدابة الموطوءة :
١٩ - لا يحد شخص بوطء بهيمة، بل يعزر وتذبح
البهيمة، ثم تحرق إذا كانت مما لا يؤكل، وذلك
لقطع امتداد التحدث به كلما رؤیت. ولیس
بواجب كما في الهداية. وإن كانت الدابة تؤكل جاز
أكلها عند أبي حنيفة والمالكية، وقال أبويوسف
ومحمد من الحنفية: تحرق أيضا. وفي القنية: تذبح
وتحرق على الاستحباب ولا يحرم أكلها . ولأحمد
والشافعي قول بقتلها بغير ذبح، لأن بقاءها يذكر
بالفاحشة فيعيرّ بها .(٢) والقول الآخر لا بأس بتركها .
(١) حاشية ابن عابدين ١٥٤/٣، ١٥٥، ومطالب أولي النهي
١٧٥/٦، وفتاوى ابن تيمية ٣٣٥/٢٨، والتبصرة بهامش
فتاوى عليش ٢٦١/٢، ومنح الجليل ٤٩٧/٤، والمهذب
٢٦٩/٢
(٢) حاشية ابن عابدين ١٦٦/١، ٢٦/٤، وحاشية الدسوقي
٣١٦/٤، والمغني ١٩٠/٨
- ١٢٠ -