Indexed OCR Text

Pages 41-60

ومن العجب أن بعض هؤلاء المغالين يقول : إنه يكفي الشخص ليكون
مجتهداً أن يكون لديه مصحف وسنن أبي داود وقاموس لغوي، فيصبح بذلك
مجتهداً لا حاجة له إلى تقليد إمام من أئمة المسلمين ، فلو أنه يكتفى بالمصحف
وبسنن أبي داود والقاموس لكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم
مجتهدين، لأنهم إما عرب خلص، أو نشؤوا في بيئة عربية خالصة، وشاهدوا
أحداث التنزيل، وقر يبو عهد برسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك الادعاء
يكذبه الواقع. والقول بأن تقليد الأثمة في الأمور الظنية شرك وتأليه لهم قول لا
أصل له، فليس هناك أمّ - فضلا عن متعلم - يرى أن للأئمة حق التحليل
والتحريم الذي هو حق خالص لله سبحانه وتعالى، بل كل ما يعتقد فيهم أن هذا
الإمام أو ذاك موثوق بعلمه، موثوق بدینه، أمین علی دین الله غیر متهم . ومن
العجب أن أكثر هؤلاء الذين يدعون الاجتهاد و يدعون إليه في هذه الأيام لا
يحسن أحدهم أن يقرا آية صحيحة من المصحف، فضلاً عن أن يستنبط منها
حكماً شرعياً، فأقل ما يجب أن يتصف به المجتهد أن يكون متعمقاً في اللغة
العربية، عالماً بالناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص والمطلق والمقيد، إلى غير ذلك
مما يتطلب إعداداً خاصاً لا يتوفر إلا القلة القليلة المتفرغة .
٣٧ - وبهذه المناسبة لابد أن يعرف المسلم أنه ليس من الضروري أن يلتزم
الشخص مذهباً خاصاً في عباداته ومعاملاته ، بل إذا نزلت به نازلة ، أو عرضت
له مشكلة، فعليه أن يلتمس الحكم الشرعي من شخص موثوق بعلمه ، موثوق
بدينه، يطمئن إليه قلبه . وهذا في غير المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، فإنه
لا يقبل فيها قول لقائل غير ما عرف بين المسلمين خلفاً عن سلف. فهما أفتى
بعض الناس بحل الربا، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة والاستعاضة عنها
بالصدقة مثلا ، فلا يقبل قوله، ولا تکون فتوى مثل هؤلاء عذرا يعتذر به بين
يدي الله سبحانه وتعالى.
- ٤١ -

إقفال باب الاجتهاد :
٣٨ _ ما إن أهل القرن السادس الهجري حتى نادى بعض العلماء بإقفال باب
الاجتهاد، وقالوا: لم يترك الأوائل للأواخر شيئاً . وكانت حجتهم في ذلك قصور
الهمم، وخراب الذمم، وتسلط الحكام المستبدين، وخشية أن يتعرض للاجتهاد
من ليس أهلاً له، إما رهبة أو رغبة ، فسدّاً للذرائع أفتوابإقفال باب الاجتهاد .
وتعرَّض بعض من خالف الأوائل في آرائهم لسخط العامّة والخاصّة، ولكن مع
هذا فقد كان يظهر بين الفينة والفينة من ادعى الاجتهاد ، أو ادُّعِيّ له، وكانت
لهم اجتهادات لا بأس بها كابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والكمال بن الهمام
الحنفي المذهب، فقد كانت له اجتهادات خرج فيها على المذهب ... ومن هؤلاء
تاج الدين السُبْكي صاحب جمع الجوامع ، وأبوه من قبله. وأيا ما كان فقد كان
اجتهاد هؤلاء لا يخرج عن ترجيح رأي على رأي ، أو حل لمشكلة عارضة لم
يتعرض لها الأئمة المتقدمون .
والذي ندين الله عليه أنه لابد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علم
بكتاب الله وسنة رسوله ومواطن الإجماع وفتاوى الصحابة والتابعين ومن جاء
بعدهم. كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن
الكريم، ودونت بها السنة النبوية، وأن يكونوا قبل ذلك وبعد ذلك على الصراط
المستقيم، لا يخشون في الله لومة لاثم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث ،
وما يجدّ من نوازل، وألا يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا
يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يحسن أن يجمع بين أشتات
الموضوع، ويرجّح بعضها على بعض .
والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد إنما نزعوا عن خوف من أن يدعي الاجتهاد
أمثال هؤلاء، وأن يفترى على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام من
غير دليل ولا برهان، وإنما يقولون ذلك إرضاء للحكام. ولقد رأينا بعض من
يدعى الاجتهاد يتوهم أن القول بكذا وكذا فيه ترضية لهؤلاء السادة، فيسبقونهم
- ٤٢ -

بالقول . ويعتمد هؤلاء الحكام على آراء هؤلاء المدعين. فقد رأينا في عصرنا هذا
من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقاً ،
لأن المصلحة - في زعمه - توجب الأخذ به. ومنهم من أفتى بجواز الإجهاض
ابتغاء تحديد النسل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه تنظيم الأسرة،
ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحد،
ومنهم ... ومنهم ... فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على
القول بإقفال باب الاجتهاد . ولكنا نقول : إن القول بحرمة الاجتهاد وإقفال بابه جملة
وتفصيلاً لا يتفق مع الشريعة نصاً وروحاً، وإنما القولة الصحيحة هي إباحته،
بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه. لأن الأمة في حاجة، إلى معرفة الأحكام
الشرعية فيما جد من أحداث لم تقع في العصور القديمة .
مصادر الاجتهاد :
٣٩ - بينا فيما سبق أن علماء الأمة جميعاً اتفقوا على أنه لا حكم إلا الله، وعليه
فإن مصدر الأحكام كلها منه تعالى بواسطة الوحي .
والوحي إما متلو وهو القرآن الكريم ، أو غير متلو وهو السنة النبوية المطهرة،
فإنه صلى الله عليه وسلم بصفته رسولاً لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي
يوحى .
ومن هنا يتبين أن مصادر الأحكام كلها ترجع إلى الكتاب والسنة بصفة
مباشرة .
أما الإجماع - إذا تحقق - فهو كاشف عن حكم الله سبحانه وتعالى، لأن
الأمة لا تجتمع على ضلالة .
وأما القياس - عند من يقول به - فهو كاشف عن حكم الله تعالى في ظن
المجتهد، وهذا الظن كاف في الاحتجاج متى توفرت شروط القياس الصحيح،
سواء قلنا بأن الحق لا يتعدد أم قلنا بغير ذلك .
- ٤٣ -

وسيتبين لنا من الملحق الأصولي توضيح ذلك بالتفصيل، إلا أننا سنتناول
مسألتين عاجلتين كثر الحديث عنها في هذه الأيام .
أ _ المسألة الأولى : حول السنة
٤٠ - أثار بعض الناس أن السنة ليست مصدراً للتشريع، وسموا أنفسهم
بالقرآنيين، وقالوا: إن أمامنا القرآن، نحل حلاله، ونحرم حرامه، والسنة كما
يزعمون قد دُسَّ فيها أحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهؤلاء امتداد لقوم آخرين نبأنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى
أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجلُ مُتَّكناً عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّث بِحَديثٍ مِنْ
حديثي فَيَقُول بيْننا وبينكم كتاب الله ، فَمَا وَجَدْنا فيهَ مِنْ حَلَاَل
اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدنا فِيه مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وإِنَّ مَا حَرَّم رَسُولُ الله مِثْلُ
مَا حَرَّمَ الله))(١) وهؤلاء ليسوا بقرآنيين، لأن القرآن الكريم أوجب طاعة الرسول
صلى الله عليه وسلم فيما يقرب من مائة آية ، واعتبر طاعة الرسول صلى الله عليه
وسلم من طاعة الله عزّ وجل (( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ الله وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا
أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفيظاً)) (٢) بل إن القرآن الكريم الذي يدّعون التمسك به نفی
الإيمان عمن رفض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقبل حكمه: ((فَلاَ
وَرَبِّكَ لاَ يؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً
مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِما)).(٣) وقولهم: إن السنة قد دُسّت فيها أحاديث
موضوعة مردود بأن علماء هذه الأمة مُنوا أشد العناية بتنقية السنة من كل
دخيل ، واعتبروا الشك في صدق راو من الرواة أو احتمال سهوه رداً للحديث .
وقد شهد أعداء هذه الأمة بأنه ليست هناك أمة عنيت بالسند وبتنقيح الأخبار
ولا سيما المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كهذه الأمة.
(١) الفتح الكبير ٤٣٨/٣ ورواه الترمذي باختلاف في اللفظ وقال: حسن صحيح (سنن الترمذي بشرح ابن
العربي ط الصاوي ١٣٢/١٠)
(٢) سورة النساء / ٨٠
(٣) سورة النساء /٦٥
- ٤٤ -

ويكفي لوجوب العمل بالحديث غلبة الظن بأنه صادر عن رسول الله صلى الله
علیه وسلم ، فقد کان -صلى الله عليه وسلم - يكتفي بإبلاغ دعوته بإرسال
واحد من أصحابه مما يدل على أن خبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه يجب
العمل به .
ثم نسأل هؤلاء أين هي الآيات التي تدل على كيفية الصلاة، وعلى أن
الصلوات المفروضة خمس، وعلى أنصبة الزكاة، وعلى أعمال الحج، إلى غير ذلك
من الأحكام التي لا يمكن معرفتها إلا من السنة .
وهناك فرقة أخرى لا تقل خطراً عن هذه الفرقة تقول : إننا نقبل السنة
كمصدر تشريعي فيما يتصل بالعبادات ، أما ما يتصل بأمور الدنيا من تشريعات
أو سلوك فليست بحجة علينا، ويتعلقون بشبهة واهية، وهي حادثة تأبير النخل،
وحاصلها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة رأى أهلها
يؤبرون النخل (أي يلقحون إناث النخل بطلع ذكورها) فقال لهم: ((لو لم
تفعلوا لصلح)) فتركوه فشاص (أي فسد وصار حمله شيصاً وهو رديء التمر) فمر
بهم فقال:«مالنخلكم))؟ قالوا: قلت كذا وكذا قال: «أنتم أعلم بأمر
دنيا كم.)) (١)
هذا الخبر إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمور الدنيوية التي لا صلة لها
بالتشريع تحليلاً أو تحريماً أوصحة أو فساداً ، بل هي من الأمور التجريبية، لا
تدخل تحت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم كمبلغ عن ربه ، بل هذا الحديث
يدل على أن مثل هذه الأمور خاضعة للتجربة ، والرسول صلى الله عليه وسلم بهذا
كان قدوة عملية لحثنا على أن الأمور الدنيوية البحتة التي لا علاقة لها بالتشريع
ينبغي علينا أن نبذل الجهد في معرفة ما هو الأصلح من غيره، وشتان بين هذه
(١) رواه مسلم ببعض اختلاف في ألفاظ الروايات ومنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما
أظن ذلك (يعني التلقيح) يغني شيئا)». قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ((إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا
تؤاخذني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل)).
(صحيح مسلم ١٨٣٥/٤ - ١٨٣٦ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط عيسى الحلبي)
- ٤٥ -

الحادثة وبين أن يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا حلال أو حرام، أو
أن هذا الأمر موجب للعقوبة أو غير موجب، أو أن هذا البيع صحيح أو غير
صحيح، لأن هذه الصور من صلب وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي
أوجب الله علینا طاعته في كل ما يبلغ عن ربه .
ب - المسألة الثانية :
٤١ _ تثار في هذه الأيام بين الفينة والفينة دعوى الاعتماد على المصلحة في
تشريعاتنا بحجة أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لخير البشرية ، فما كان خيراً
أخذنا به، وما كان شراً أعرضنا عنه. وهذه كلمة حق أريد بها باطل، فإن
التشريع الإسلامي - جملة وتفصيلا عبادات ومعاملات - إنما أريد به مصلحة
البشر. ولكن ما هي هذه المصلحة ؟! أهي مسايرة الأهواء وترضية النفوس
الجامحة ؟ أم هي المصلحة الحقيقية التي يستقيم عليها أمر الناس ؟ ثم ما السبيل
إلى التفرقة بين المصلحة الموهومة والمصلحة الحقيقية ؟
وطبائع الناس ، كما نعلم ونشاهد ، مختلفة، فما يحبه هذا يكرهه ذاك ، وما
يكرهه ذاك يحبه هذا، والمحب لا يرى فيما أحب إلا جانب الخير والمصلحة ،
والكاره لا يرى فيما يكره إلا جانب الشر والضر.
كما أن عين السخط تبدي المساويا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يختلط الخير بالشر في هذه الدنيا ،
فترجيح مصلحة على مصلحة، أو مفسدة على مفسدة، أو مقارنة المفاسد بالمصالح
وترجيح إحداها على الأخرى، كل ذلك يتطلب أن يكون المصدر في ذلك ممن
يتنزه عن الأهواء والأغراض، وهو الله سبحانه وتعالى، لأنه الغني عن العالمين،
وهو الذي يريد لعباده اليسر ولا يريد بهم العسر.
ومن هنا يتبين لنا أن المصالح ثلاث : مصلحة اعتبرها الشارع برغم ما قد
يختلط بها من بعض الأضرار البسيطة ، لأن الخير فيها أرجح كالمصلحة في الصوم
- ٤٦ -

مع ما فيه من بعض المشاق، والمصلحة في الجهاد مع ما فيه من بذل الأموال
والأرواح. ومثل ذلك يقال في الحج وغيره .
وهناك مصالح ألغاها الشارع إلغاء تاماً ، لأن ضررها أكثر من نفعها ،
كالمصلحة في الخمر والميسر، كما قال الله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ
والمَيْسِرِ قُلْ فِيهمَا إِثْمٌّ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ للنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ
نّفْعِهمَا)) (١) وكَالمصلحة في الربا، فإن الله سبحانه وتعالى حرمه بأي صورة من
صوره أو شكل من أشكاله: (« وأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)) (٢) وكذلك
قوله تعالى : (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَذَّرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبا إنْ كُثُم
مُؤْمِنِين. فإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبِ من الله وَرَسُولِهِ وإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)» (٣) *
وهناك مصالح سكت عنها الشارع فلم يعتبرها ولم يلغها بخصوصها ، فهذه
المصالح إنما يقدرها المختصون دون غيرهم، مع وجوب مراعاة حمايتهم - قدر
الإمكان - من ذهب المعز وسيفه، وأن يكون البت في هذا الأمر من شأن
الجماعة لا الأفراد، كما ينبغي أن تكون مثل هذه المصالح تحت التجربة ، فإن
أمثالها تختلف من عصر إلى عصر، ومن بلد إلى بلد .
تقسيمات الفقه :
للفقه تقسيمات شتى لاعتبارات شتى، نكتفي منها بذكر التقسيمات
الآتية :
أ - تقسيم مسائله باعتبار أدلته :
٤٢ - وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين :
أولهما : فقه معتمد على أدلة قطعية في ثبوتها ودلالتها، كوجوب الصلاة
والزكاة والصوم والحج على المستطيع، وكحرمة الزنى والربا وشرب الخمر وإباحة
(١) سورة البقرة / ٢١٩
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥
(٣) سورة البقرة /٢٧٨، ٢٧٩
- ٤٧ -

الطيبات من الرزق .
وثانيهما : فقه يعتمد على أدلة ظنية كتحديد القدر الممسوح من الرأس،
والقراءة المتعينة في الصلاة، وتعيين عدة المطلقة ذات الحيض أبالطهر أم
بالحيض ؟ وهل الخلوة الصحيحة موجبة لتمام المهر ووجوب العدة ؟ .. إلى غير
ذلك.
وكما تقدم فإن الأحكام الثابتة بأدلة قطعية معلومةٍ من الدين بالضرورة لا
تعتبر في نظر الأصوليين فقهاً، وإن اعتبرت في نظر الفقهاء.
ب- تقسيم الفقه باعتبار موضوعاته :
٤٣_ لما كان علم الفقه هو العلم الذي تعرف منه أحكام الله سبحانه وتعالى في
أفعال العباد، اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً، فإنه بهذا الاعتبار يتناول كل ما يصدر
عن العباد. وبهذا تعددت موضوعاته، فالأحكام التي تنظم علاقة العبد بالله
تعالى سميت بالعبادات، سواء كانت هذه العبادات بدنية محضة وهي الصوم
والصلاة، أو مالية محضة وهي الزكاة، أو منهما وهي فريضة الحج. والأحكام
التي تنظم الأسرة من زواج وطلاق ونفقة وحضانة وولاية ونسب وما يتصل
بذلك أطلق عليها الآن فقه الأحوال الشخصية، وألحقوا بها الوصايا والإرث
لا تصالهما الوثيق بأحكام الأسرة .
والأحكام التي تنظم معاملات الناس من بيع وشراء وشركة -بکل
صورها - ورهن وكفالة ووكالة وهبة وإعارة وإجارة قد أطلقوا عليها الآن اسم
القانون المدني أو التجاري .
والأحكام التي تنظم القضاء وما يتصل به من طرق الإثبات أطلقوا عليها
اسم قانون المرافعات .
والأحكام التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكومين، والمحكومين بالحاكم أطلقوا
عليها الآن اسم القانون الدستوري .
والأحكام التي نظمت علاقة المسلمين بغيرهم سلماً وحرباً قد اطلق عليها
الفقهاء القدامى اسم السِّيّر، وسماها المحدثون باسم القانون الدولي .
- ٤٨ -

والأحكام التي تتناول تصرفات العباد في مأكلهم وملبسهم وسلوكهم أطلق
عليها الفقهاء مسائل الحظر والإباحة .
والأحكام التي حددت الجرائم والعقوبات قد أطلق عليها فقهاؤنا اسم
الحدود والجنايات والتعزيرات، وسماها المحدثون باسم القانون الجزائي أو
الجنائي .
ومن هذا البيان المختصر يتبين لنا أن الفقه تناول كل ما يتصل بالإنسان،
فليس قاصراً - كما يزعم البعض - على تنظيم علاقة الإنسان بربه، فمن ذهب
هذا المذهب إما جاهل أو متجاهل بالفقه الإسلامي وموضوعاته .
ج - تقسيم الفقه باعتبار حكمته :
٤٤ - تنقسم مسائل الفقه من حيث إدراك حكمة التشريع فيه أو عدم
إدراكها إلى قسمين :
أولهما : أحكام معقولة المعنى ، وقد تسمى أحكاما معللة ، وهي تلك
الأحكام التي تدرك حكمة تشريعها، إما للتنصيص على هذه الحكمة، أو يسر
استنباطها . وهذه المسائل هي الأكثر فيما شرع الله سبحانه وتعالى ، حيث :
لم يمتحنا بما تعيا العقول به
حرصاً علينا فلم نَرْتَبْ ولم نَهِم
وذلك كتشريع الصلاة والزكاة والصيام والحج في الجملة ، وكتشريع
إيجاب المهر في النكاح، والعدة في الطلاق والوفاة، ووجوب النفقة للزوجة
والأولاد والأقارب، وكتشريع الطلاق عندما تتعقد الحياة الزوجية ... إلى
آلاف المسائل الفقهية .
وثانيهما : أحكام تعبدية ، وهي تلك الأحكام التي لا تدرك فيها المناسبة بين
الفعل والحكم المرتب عليه، وذلك كعدد الصلوات وعدد الركعات وكأكثر
أعمال الحج. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن هذه الأحكام قليلة بالنسبة إلى
الأحكام المعقولة المعنى.
وتشريع هذه الأحكام التعبدية إنما يراد به اختبار العبد هل هو مؤمن حقا ؟
- ٤٩ -

ومما ينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الشريعة في أصولها وفروعها لم تأتٍ بما ترفضه
العقول، ولكنها قد تأتي بما لا تدركه العقول، وشتان بين الأمرين، فالإنسان
إذا اقتنع ـ عقلياً - بأن الله موجود، وأنه حكيم، وأنه المستحق وحده للربوبية
دون غيره، واقتنع ـ عقلياً - بما شاهد من المعجزات والأدلة ـ- بصدق الرسول
صلى الله عليه وسلم المبلغ عنه فإنه بذلك قد أقر لله سبحانه وتعالى بالحاكمية
والربوبية، وأقر على نفسه بالعبودية، فإذا ما أُمر بأمر، أو نهى عن شيء، فقال:
لا أمتثل حتى أعرف الحكمة فيما أمرت به أو نهيت عنه، يكون قد كذب نفسه
في دعوى أنه مؤمن بالله ورسوله، فإن للعقول حداً ينتهي إليه إدراكها، كما أن
للحواس حداً تقف عنده لا تتجاوزه .
وما مثَل المتمرد على أحكام الله تعالى التعبدية إلا كمثل مريض ذهب إلى
طبيب موثوق بعلمه وأمانته، فوصف له أنواعاً من الأدوية، بعضها قبل الأكل
وبعضها أثناءه وبعضها بعده مختلفة المقادير، فقال للطبيب : لا أتعاطى دواءك
حتى تبين لي الحكمة في كون هذا قبل الطعام وهذا بعده، وهذا أثناءه، ولماذا
تفاوتت الجرعات قلة وكثرة ؟
فهل هذا المريض واثق - حقاً - بطبيبه؟ فكذلك من يدعى الإيمان بالله
ورسوله، ثم يتمرد على الأحكام التي لا يدرك حكمتها ، إذ المؤمن الحق إذا أمر
بأمر أو نهي عنه يقول سمعت وأطعت، ولا سيما بعد أن بيّنا أنه ليس هناك أحكام
ترفضها العقول السليمة ، فعدم العلم بالشيء ليس دليلاً على نفیه، فكم من
أحكام خفيت علينا حكمتها فيما مضى ثم انكشف لنا ما فيها من حكمة بالغة، فقد
كان خافياً على كثير من الناس حكمة تحريم لحم الخنزير، ثم تبين لنا ما يحمله
هذا الحيوان الخبيث من أمراض وصفات خبيثة أراد الله سبحانه وتعالى أن يحمي
منها المجتمع الإسلامي. ومثل ذلك يقال في الأمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه
الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب .. إلى غير ذلك من الأحكام التي تكشف
الأيام عن سرتشريعها وإن كانت خافية علينا الآن .
- ٥٠ -

التعريف بالموسوعة الفقهية
تطوير عرض الفقه و(التدوين الجماعي ) :
٤٥- لقد مر الفقه الاسلامي في رحلة تدوينه بأطوار مختلفة تشبه أطوار
تكوينه، ولا يتسع المجال لأكثر من الاشارة إلى أنه بدأ ممتزجا بالسنة والآثار، ثم
ظهر في صورة الأمالي والمسائل والجوامع المهتمة بالصور والفروع أكثر من
المبادىء، ثم تلا ذلك تأليف المدونات وأمهات الكتب المبسوطة التي حفظت
بها المذاهب من الاندثار، وقد آل التصنيف في الفقه بعدئذ إلى عرضه بأسلوب
علمي شديد التركيز، متفاوت الترتيب، مستغلق العبارة لغير المتمرس، وظهرت
(المتون) التي استلزم ايضاحها وضع (الشروح) وتعليق (الحواشي) على نمط
صعب لا تكل الفائدة منه إلا للمتخصص، بل ربما تنحصر خبرة الفرد بمذهب
دون آخر، لما تعارف عليه أهل كل مذهب، في دراسته والافتاء به والتأليف
فيه، من أصول ورموز واصطلاحات ، بعضها مدون في مواطن متفرقة، وبعضها
لا يدرك إلا بالتلقين والتوقيف عليه.
والغرض هنا الاشارة إلى ظهور بعض المؤلفات المطورة في عرض الفقه
تشبه الموسوعة - إذا غُضَّ النظر عن قضية الترتيب ، على أهميتها - لاشتمالها
على بعض خصائص الكتابة الموسوعية كالشمول واطلاق البحث عن التقيد
بإيضاح كتاب، أو منهج تدريس، أو طاقة الفرد العادي ... والأمثلة على ذلك
كثيرة في الكتب التي تجمع في صعيد واحد ما تفرق في غيرها من المؤلفات،
وتعنى بما كان يسمى : علم الخلاف (مقارنة المذاهب ) وتجرى على أسلوب
البسط والاستيفاء لكل ما يحتاج إليه بحسب تقدير المؤلف .. لكن تلك الأشباه
الموسوعية كانت جهودا فردية (أو شبه فردية حين تخترم المنية المؤلف فيأتي من
- ٥١ -

يضع تكملة لكتابه) والنزر اليسير منها كان جهداً جماعياً وغالبه ثمرة اهتمام أولي
الأمر اقتراحاً، أو تشجيعاً ، أو تبتّياً واحتضاناً.
٤٦- ومن الأمثلة للجهد الجماعي في المؤلفات الفقهية الجارية مجرى
الموسوعات : الكتاب المعروف في الفقه الحنفي بالفتاوى الهندية ، والذي اشترك
في انجازه (٢٣) فقيهاً من كبار علماء الهند بطلب وتمويل ملكها (محمد
أورنكزيب) الملقب: ((عالم كير)) أي فاتح العالم، ولذا سميت (( الفتاوى
العالمكيرية)).(١)
ويجرى على هذا المنوال من حيث تحقق بعض أهداف الموسوعة بالرجوع اليها
والاعتماد على ما فيها : المختارات التشريعية الفقهية التي كانت مثابةً للقضاة
والمفتين بالالتزام فضلا عن الإلزام، كمجلة الأحكام العدلية المعروفة والتي
وضعتها لجنة من الفقهاء بتكليف من الخلافة العثمانية ، وكان بين أعضائها
الشيخ علاء الدين ابن عابدين (نجل صاحب الحاشية المشهورة في الفقه
الحنفي). ويقاربها في الذيوع ثلاثة كتب للعلامة محمد قدري باشا مصوغة
كقوانين مقترحة ( وهي مرشد الحيران في معرفة أحوال الانسان، والأحكام
الشرعية في الأحوال الشخصية، والعدل والانصاف في أحكام الأوقاف ) تلك
الكتب التي يورد بعض الكتاب احتمال أن يكون مؤلفها قد أعانه عليها قوم
آخرون، بالرغم من أهليته العلمية التي لا يستغرب معها نهوضه بهذا العمل
وحده، وهو مما ينوء به الأفراد .
ولا يتسع المقام للإفاضة في هذا الموضوع وضرب الأمثلة الكثيرة علیه، فهو
مما يعنى به علم وصف الكتب ( الببليوغرافيا ) وما كتب في تاريخ الفقه
والتشريع، والمداخل إلى الفقه ومذاهبه وسير الأثمة وطبقات الفقهاء.
(١) للاستاذ أنور أحمد قادري (الحقوقي الباكستاني) مقال نفيس مفصل عن الفتاوى الهندية
منشور في مجلة الوعي الاسلامي (العدد ٧٠ و٧١ من السنة السادسة ١٣٩٠ هـ)
- ٥٢ -

تعريف («الموسوعة .. ))
٤٧ - تطلق الموسوعة - أو دائرة المعارف، أو المعلمة ــ على المؤلف الشامل
لجميع معلومات علم أو أكثر، معروضة من خلال عناوين متعارف عليها ،
بترتيب معين لا يحتاج معه إلى خبرة وممارسة ، مكتوبة بأسلوب مبسط لا يتطلب
فهمه توسط المدرس أو الشروح بل يكفي للاستفادة منها الحد الاوسط من الثقافة
العامة مع الإلمام بالعلم الموضوعة له، ولابد مع هذا كله من توافر دواعي الثقة
بمعلوماتها بعزوها للمراجع المعتمدة، أو نسبتها إلى المختصين الذين عهدَ إليهم
بتدوينها ممن يطمأن بصدورها عنهم .
فخصائص ( الموسوعة) التي توجب لها استحقاق هذه التسمية هي :
الشمول ، والترتيب السهل ، والأسلوب المبسط ، وموجبات الثقة .
ويتبين من هذا التعريف التوضيحي العام أن ((الموسوعة الفقهية)) هي
ما كانت فيه هذه الخصائص، وأن أساس الترتيب فيها هو المصطلحات المتداولة
في الفقه (وهي الكلمات العنوانية لأبوابه ومسائله المشهورة) ، والتي ترتب
الغبائياً لتمكين المختص وغيره من الوصول لمظانّ البحث ، وان موجبات الثقة هي
بيان الأدلة والعزو للمراجع الأصلية ، وأنه لابد من التنسيق بين جميع معلوماتها بما
يتحقق به الترابط والتكامل والبيان المتكافىء.
فهي إذن غير ما يطلق عليه اسم: المدونات، أو المطولات، او المبسوطات،
أو الأمهات من كتب فقهية لم تراع فيها جميع الخصائص المشار إليها ، وإن وجود
خصيصة منها أو أكثر، بالقصد أو التوافق، ولا سيما شمول قدر كبير من المادة
الفقهية الموثقة، هو الذي يسيغ إطلاق اسم الموسوعات عليها ، من باب التجوزلا
الحقيقة ، لأنها تفتقر إلى أهم الخصائص : اتخاذ المصطلحات المرتبة أساسا
للبحث فيها ، فضلا عن سهولة الاسلوب واطلاق الحدود للبيان المتناسق. والفقه
الاسلامي غني بأمثال تلك المراجع التي إن خدمت بفهارس تحليلية كانت بمثابة
موسوعات مبدئية لمذهب أو أكثر، وهي بهذه الخدمة ستكون مما يوطىء للموسوعة
ويسد الفراغ إلى حين.
- ٥٣ -

أهداف الموسوعة الفقهية :
٤٨ - فضلاً عما في إصدار الموسوعة الفقهية من إثراء للمكتبة الإسلامية
ببحوث تتصف بجدة الصياغة ومعالجة الموضوعات بتعمق كل على حدة، ويجهد
جماعي تتلاقح فيه الأفكار والانظار قبل اخراجه للناس ، فإنها هي السبيل لتوفير
الوقت على المختصين _ وغيرهم بالأحرى - في التعمق بدراساتهم الشرعية
ولا سيما في التعليم العالي والقضاء والتشريع، وفي إحياء التراث الفقهي وترشيحه
للدراسات الدولية الحقوقية المقارنة (وهو الهدف التاريخي لبزوغ فكرة
الموسوعة ).
وبالموسوعة تسهل العودة إلى الشريعة الإسلامية لاستنباط الحلول القويمة منها
لمشكلات القضايا المعاصرة ولا سيما مع الاقبال العام على تطوير التشريعات
باستمدادها من الشريعة، وهي أيضا وسيلة للإلمام بأحكام الدين والاطلاع على
ما استنبطه الفقهاء من الكتاب والسنة لتنظيم جميع شئون الحياة، ولهذا اعظم
الأثر في الفلاح والفوز برضا الله سبحانه والحياة الطيبة .
وبإنجاز الموسوعة يتحقق للفقه الاسلامي مواكبة ما وصلت إليه العلوم
والمعارف من تطوير في الشكل والاسلوب ، فيجمع إلى اصالة مضمونه وغزارة
تراثه جمال الإخراج وسهولة الترتيب ، وذلك لتدارك الفجوة التي حدثت بالتطور
السريع في عالم النشر وعرض المعلومات بطرق تجمع بين السهولة وتحقيق السرعة .
تاريخ الموسوعة الفقهية :
٤٩ - إصدار الموسوعة الفقهية أمل إسلامي قديم ومتجدد ، فقد تطلع إلى ذلك
كثير من المهتمين بنهضة الأمة الاسلامية، على تفاوت في وضوح الفكرة
والطريقة المقترحة.(١)
(١) من ذلك ما تضمنته المقدمة التي كتبها الشيخ محمد راغب الطباخ عند نشره ((الافصاح))
لابن هبيرة (ط. حلب ١٣٤٨) وأوضح منه ما تضمنه صدر مقال ((منزلة الفقه في الاسلام»
للشيخ محمد بن الحسن الحجوي (مجلة المحاماة الشرعية، القاهرة ١٣٤٩ هـ، السنة
الثانية ص ٦٨٣).
- ٥٤ -

غير أن أهم النداءات التي ترددت لانجاز هذا المشروع العلمي المبتكر
بالنسبة للفقه تمثل في النداء الصادر عن مؤتمر اسبوع الفقه الاسلامي في
باريس ١٣٧٠ هـ (١٩٥١م) واشترك فيه ثلة من فقهاء العالم الاسلامي. فكان
بين توصياته الدعوة إلى تأليف موسوعة فقهية تعرض فيها المعلومات الحقوقية
الإسلامية وفقاً للأساليب الحديثة والترتيب المعجمي.
وفي ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦م) كانت بداية المحاولات الرسمية (١) لا براز هذا
القرار التاريخي العالمي إلى حيز الواقع من قبل لجنة ملحقة بكلية الشريعة في
جامعة دمشق(٢) مكونة بمرسوم جمهوري، تم تعزيزه بعد الوحدة السورية المصرية
بقرار جمهوري . فصدر عام ١٣٨١ هـ (١٩٦١ م) جزء يتضمن نماذج من بحوث
الموسوعة - لتلقي الملاحظات - كتبها فقهاء من البلدين(٣) ثم صدر عن الموسوعة
بعدئذ في سورية بعض الأعمال التمهيدية كمعجم فقه ابن حزم، ودليل مواطن
البحث عن المصطلحات الفقهية .
أما في مصر، فإن فكرة الموسوعة التي احتضنتها وزارة الأوقاف عام
١٣٨١ هـ (١٩٦١م) بين لجان المجلس الأعلى للشئون الإسلامية صدر أول
أجزائها ١٣٨٦ هـ وبلغت (١٥) جزءاً ولا تزال في مصطلحات الهمزة، وهي
ليست كل ما أنجزته فإن النشر يتأخر في مسيرته عن الانجاز.
وفي ١٣٨٦ هـ (١٩٦٧ م) - ومع ظهور الحاجة إلى تكاتف الجهود الاسلامية
لضمان إنجاز هذا المشروع في أي قطر إسلامي مقتدر بالمال أو الرجال -
احتضنت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت هذا المشروع،
(١) أهم المحاولات غير الحكومية مشروع جمعية الدراسات الاسلامية بالقاهرة أصدرت جزأين فقط .
(٢) أول نشرة عن مولد الفكرة وخطوات التنفيذ صدرت عن تلك اللجنة بعنوان ((موسوعة الفقه
الاسلامي: فكرتها ، منهجها)» (ط. جامعة دمشق ١٣٧٩ هـ).
(٣) نشر وزارة الأوقاف في الاقليم المصري من الجمهورية العربية المتحدة ١٣٨١ هـ وفي مقدمته
ص ٥٤ _ ٥٥ لمحة عن خطوات تالية لتنفيذ الفكرة .
- ٥٥ -

باعتباره من الفروض الكفائية التي يتم بها واجب تقديم الفقه بالصورة العصرية
الداعية لتعلّمه والميسّرة للعمل به، ومثل ذلك لابد من المبادرة إلى القيام به
لاغتنام الفضل والأجر، واسقاط المؤاخذة والمسئولية عن الأمة كافة .
ومما لابد من بيانه هنا أنه لا ضير من تعدد الجهود في خدمة الفقه الإسلامي
لافتقاره الشديد في مجال العرض الحديث والاخراج الفني. ومن الملحوظ فيما ظهر
من نتاج الموسوعات الثلاث القائمة (في سورية ومصر والکویت ) آن لكل منها
وجهة تسعى من خلالها إلى اغناء الفقه في مجال ، أو بطريقة، غير ما تسعى إليه
الاخرى وإن في هذا التنوع ما يفي بالحاجات المختلفة وألوان العناية بالفقه
وتقريبه إلى طالبيه.
مراحل مشروع الموسوعة الفقهية في الكويت :
(أولا ) : الدورة السابقة للمشروع :
٥٠ - استمر العمل في مشروع الموسوعة الفقهية في دورته الأولى خمس سنوات ،
تم فيها وضع الخطة وصنع معجم فقهي مستخلص من ((المغني)) لابن قدامة
الحنبلي، وكتابة خمسين بحثاً متفاوتة في الكمية والنوعية، نشر منها ثلاثة في طبعة
تمهيدية لتلقي الملاحظات. وقد انتهت هذه الدورة أواخر عام ١٩٧١م، ثم تلتها
فترة تريّث قطعتها المباشرة في عام ١٩٧٥ ببعض الأعمال التحضيرية
والاتصالات بالمختصين لحشد الطاقات وتجميع الجهود الإسلامية لمواصلة
هذا المشروع وظل ذلك خلال العامين التاليين لجمع الاقتراحات ودراستها
بقصد الوصول إلى الطريقة المثلى لاستئناف العمل استجابة للمطالب الإسلامية
- من الداخل والخارج - بمواصلة السير في انجازه. ولهذا تم وضع تقرير مفصل
عن المشروع وخطواته السابقة وانجازاته واحتياجاته، ثم صدر قرار استئنافه ورافق
ذلك إجراءات عديدة أهمها :
أ - الاتصال ثانية بالجهات العلمية المعنية بالفقه والدراسات والشئون
الاسلامية التي قدمت مقترحاتها ووضعت امكاناتها للتعاون والعمل المشترك ،
وذلك لتجنيد الطاقات العلمية التي تنتسب اليها .
- ٥٦ -

ب - اختيار تسعة نماذج أخرى من البحوث السابقة لنشرها في طبعة
تمهيدية ، على نمط النماذج الثلاث المنشورة في الدورة الأولى، وذلك لتلقي المزيد
من الملاحظات، وللاعلام الفعلي عن استئناف المشروع.
( ثانيا ) الدورة الحالية للمشروع :
٥١ - بدأت مرحلة التخطيط الجديد للموسوعة بتشكيل اللجنة العامة
للموسوعة الفقهية ، بالقرار الوزاري رقم ٧٧/٨ بتاريخ ١١ ربيع الأول ١٣٩٧ هـ
الموافق ١٩٧٧/٣/١ م والتي يرأسها وزير الأوقاف والشئون الاسلامية فضلا عن
ثمانية أعضاء من كبار الاداريين في الوزارة وبعض الخبراء المختصين في الفقه
وبعض المستشارين العاملين في مجال القضاء . وقد توالت اجتماعاتها منذ ذلك
التاريخ بحسب الحاجة لتقويم نتاج الدورة السابقة ووجه الاستفادة منه للدورة
الجديدة، والاشراف على تنفيذ ما تصدره من قرارات وتوصيات والعمل لتوفير
المتطلبات .
ومن أبرز ما بدأت به اللجنة العامة :
أ - وضع خطة منقحة للكتابة ، وخطط اخرى علمية للأعمال الموسوعية
لضمان الجودة والتنسيق.
ب - الافادة من رصيد الدورة السابقة بتبني ما أمكن منه بعد اخضاعه
لدراسة أولية لتقويه ومطابقته للخطة المنقحة .
وقد رأت اللجنة العامة الاكتفاء بالنماذج الاثني عشر التي تم نشرها في طبعة
تمهيدية لانها أدت مهمتها ، ولتوفير الزمن للعمل النهائي وتكثيف الجهود للانتاج
الجديد، واستعيض عن تلقى الملاحظات (المتوقع منها) بالتزام إجراء مراجعة
خارجية للبحوث الكبيرة يقوم بها عدد من الفقهاء المختصين في العالم الاسلامي
لتوثيق المادة العلمية وتوسيع ساحة التعاون المشترك ، فضلا عما يقوم به الجهاز
العلمي بالنسبة لجميع البحوث من مراجعات وتنقيح وتنسيق .
***
- ٥٧ -

مشتملات الموسوعة :
موضوع الموسوعة :
٥٢ - تشتمل هذه الموسوعة الفقهية على صياغة عصرية لتراث الفقه الاسلامي
( لغاية القرن الثالث عشر الهجري ) مراعى فيها خطة موحدة للكتابة سيأتي
الحديث عنها ، على أن هناك أقساما ذات صلة بالفقه اقتضت طبيعتها ، والالتزام
بالخطة، أن تكتب منفصلة عن صميم الموسوعة ، مع أنها صالحة للدخول في
شمولها العام لولا تحري الدقة في الموقع المناسب ، وتوقى اللبس من النظر إلى كل
ما في الموسوعة - ان ادرجت فيها تلك الاقسام - على أنه محكوم بخطة واحدة ،
ومستمد من المراجع القديمة ، لذا اختير لهذه الاقسام صورة الملاحق بعد اجمال
الكلام عن الضروري منها بين مصطلحات الموسوعة . وليس اطلاق اسم الملحق
هنا مانعاً من ظهور بعضها عند مواتاة الفرصة ولو قبل استكمال مشتملات
الموسوعة الأساسية. كما أن هناك أقساما أخرى من الفقه ليست من شأن
الموسوعة بل تطلب في المراجع أو الكتب المخصصة لها ، كمفردات الائمة أصحاب
المذاهب، ورسم المفتي (أصول الافتاء والترجيح) والاجماعات، والألغاز
الفقهية، والحيل، والشروط (المحاضر والتوثيقات ) الخ.
ما يخرج عن الموسوعة :
وعلى الأخص لا تشتمل الموسوعة على (المناقشات المذهبية، والترجيح
الشخصي، والتقنينات ) وإن كان النوعان الأولان يذكران في المراجع الفقهية ،
والأخير تتعرض له بعض الكتب الفقهية الحديثة . وذلك للأسباب التالية :
أ- التقنينات :
٥٣ - وضعية كانت أو شرعية، أما الوضعية فلعدم اعتبارها فقهاً إسلاميا ،
وأما الشرعية فلاعتمادها غالباً على اجتهاد حديث أو تخريجات معاصرة، وهي
بهذا ذات مصادر خارجة عن الاطار الزمني للموسوعة الأساسية، فضلاً عن
- ٥٨ -

اختلاف التقنينات بحسب البلاد الإسلامية ، وتعرضها للتعديلات الكثيرة
بحيث يغدو القديم منها قليل الأهمية بعد زوال أهم ما يمتازبه وهي صفة الالزام
الناشئة من تخصيصه للحكم به.
ولا ينطبق هذا على الاشارة إلى بعض المصطلحات القانونية التي اشتهرت
بحيث يفيد بيانها في تمييز المصطلح الفقهي (الموافق لها في اللفظ ) عن المعاني
القانونية أو العرفية غير المرادة للفقهاء.
ب- الترجيح الشخصي :
٥٤ - يقصد بهذا الترجيح الخارج عن شمول الموسوعة كل ما لم ينقل عن فقهاء
المذاهب خلال القرون الثلاثة عشر الهجرية، ومحل ذلك ملحق المسائل
المستحدثة. ويدخل في المنع بالأولوية رأي الكاتب الشخصي فلا يُثبت منه
شيئا إلا حين تمس الحاجة لإبداء ما فهمه من المنقول حسب أصول المذاهب
وبعبارة تشعر بذلك.
وهناك بديل عن الترجيح الذي يركن إليه البعض في مواطن الخلاف هو
الاتجاه الموافق للجمهور، والمقدم غالباً على غيره عند عرض الاتجاهات.
ج - المناقشات المذهبية :
٥٥ - يقتصر في الاستدلال لكل اتجاه بمذاهبه على ما يحتج به أصحابه من أدلة
المنقول والمعقول إذا جاء بطريق الدلالة المباشرة، أما الاستدلال القائم على
مناقشة أدلة الآخرين والإيراد عليها على طريقة (النقائض المذهبية) فموطنه
الشروح وكتب اختلاف الفقهاء وما يكتب من دراسات حديثة مخصصة لذلك.
ولا شأن للموسوعة بهذا لصلته بالترجيح الشخصي ولأنه ليس له في الغالب حدّ
ینتهي اليه.
- ٥٩ -

ملاحق الموسوعة :
أ - تراجم الأعلام :
٥٦ - من البدهي أن تعنى الموسوعة بذلك بعد أن اصبح ملتزماً في جميع
المؤلفات المحققة، ولذا التزم بترجمة الأعلام الذين يرد ذكرهم في بحوث الموسوعة
من فقهاء دون غيرهم بصورة موجزة يحصل بها التعر یف بهم وتمییزهم حيث
تتفق أحياناً شهرة أو نسبة الكثيرين، مع الاشارة لأشهر مؤلفاتهم ومنزلتهم في
الفقه، ليراعى ذلك فيما ينقل عنهم من ترجيح أو تخريج ، وتختم الترجمة ببيان
بعض المراجع التي كتبت عنهم .
وهذه التراجم تنشر كملحق مفرق على أجزاء الموسوعة ، فيعجل في كل جزء
منها بترجمة من جرى ذكره لأول مرة ( مرتبة ترتيباً الفبائيا فيما بينها). أما من
يتكرر ذكره في جزءتال وقد سبقت ترجمته فإنه يورد في ترتيب التراجم لذلك
الجزء ويكتفى بالدلالة إلى الموطن السابق .
ب - أصول الفقه وتوابعه :
٥٧ - أصول الفقه هو العلم الذي قال عنه المختصون : إنه علم محصور في حین
أن الفقه مستمر متزايد، والكتابات في الأصول كثيرة ومتنوعة قديماً وحديثاً ،
حتى وصفوه أيضاً بأنه العلم الذي نضج واحترق. وليست الحاجة إلى تجديد
عرضه كالحاجة القائمة بالفقه .
للأصول طبيعته الخاصة في اعتماد فهمه واستثماره على انضمام معلوماته
وترتيبها المنطقي في النشأة والاستناد، كما أن للخلاف فيه منحى آخر تمتد فيه
الموازنة حتى تشمل كل من عني بقضايا الاستدلال من أصحاب الفرق فضلاً
عن المذاهب .
لهذه الأسباب أفرد عن الموسوعة بملحق، واكتفى بإدراج جميع المصطلحات
الأصولية مرتبة في تضاعيف المصطلحات الفقهية، للتعريف والاشارة للحكم
- ٦٠ -