Indexed OCR Text
Pages 21-40
مذاهب العلماء في حكم المرسل من حيث الاحتجاج به إِنَّ مذاهبَ علماءِ الحديث والفقهاء في شأن المرسلِ ثلاثة : ١ - المذهب الأولُ: ضعيفٌ يُرَدُّ ولا يَجِبُ العملُ به، وذكر الإمامُ النووي في ((التقريب)) أنّ ذلك رأيُ قولِ أكثر الأئمة من حُقَّاظِ الحديث ونُقَّادِ الأثر، ونقله الإمامُ مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ١ /٣٠ عن قول أهل العلم بالأخبار. ٢ - المذهب الثاني: قبولُه مطلقاً، وهو مذهب مالك، وأحمد ، وأبي حنيفة ، ونقل الغزالي أنه مذهبُ الجماهير، لكنّهم شرطوا في المُرْسِلِ أن يكون ثقةً، وأن يتحرز في روايته عن غيرِ الثقات . ٣ - المذهبُ الثالث: مذهبُ الشافعي ، وهو وَسَطُ بين الردّ والقبول ، فهو يأخذ بالمرسل الذي ينتهي إلى كبار التابعين إذا أسند مرسل ذلك التابعي ، أو قوي بمرسل مقبولٍ ، أو قول صحابي ، أو فتوى لجماعات من العلماء بمثل ما نصَّ عليه . حجة من ردَّ المرسل إِن حُجّةَ من ردَّ المرسلَ هو جهلُ مَنْ روى عنه إلى رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وعَدَمُ تسميته ، ولأنه إذا كانت الروايةُ عن المُسَمَّى المجهولِ مردودةً ، فأولى أن تُدَّ عمن لا يُسمّى قَطُّ . قال أبو عمر بن عبد البرفي ((التّمهيد)) ١ / ٦: وحُجَّهُمْ في ردِّ المراسيل ما أجمع عليه العلماءُ مِن الحاجة إلى عدالةِ المخبر، وأنه لا بُدَّ من علم ذلك ، فإذا حكى التابعيُّ عمن لم يلقه، لم يكن بُدَّ من معرفة الواسطة، إذ قد صَحَّ أن التابعين أو كثيراً ٢١ منهم رَوَوْا عن الضعيفِ وغيرِ الضعيف ، فهذه النكتةُ عندهم في ردِّ المرسل ، لأنَّ مرسله يمكن أن يكونَ سَمِعَهُ ممن يجوزُ قبولُ نقله ، ومن لا يجوزُ ، ولا بُدَّ من معرفة عدالة الناقلِ ، فَبَطَلَ لذلك الخبرُ المرسل للجهلِ بالواسطة . قالوا : ولو جاز قبولُ المراسيل ، لجاز قبولُ خبِرِ مالكٍ ، والشافعي ، والأوزاعي ومثلهم ، إذا ذَكَرُوا خبراً عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، ولو جاز ذلك فيهم ، لجاز فيمن بعدهم إلى عصرنا ، وبَطَلَ المعنى الذي عليه مَدارُ الخبر . وقال الخطيب في ((الكفاية)) ص ٣٨٧ - ٣٨٨: إرسالُ الحديثِ يُؤدي إلى الجهل بعينٍ راويه ، ويستحيلُ العلمُ بعدالته مع الجهل بعينه ، ولا يجوزُ قبولُ الخير إلّا ممن عُرِفَتْ عدالتُه، فَوَجَبَ لذلك كونُه غيرَ مقبول . وأيضاً فإنَّ العدلَ لو سُئِلَ عمّن أرسل عنه ، فلم يُعَدِّلْهُ ، لم يَجِبِ العملُ بخبره إذا لم يكن معروفَ العدالة من جهة غيره ، وكذلك حالُه إذا ابتدأ الإمساكَ عن ذكره وتعديله ، لأنه مع الإمساك عن ذكره غيرُ مُعَدِّلٍ له ، فوجب أن لا يُقْبُلَ الخبرُ عنه . وقال القاضي أبو بكر فيما نقله عنه الحافظُ في ((النكت)) ٢ / ٥٤٩: مِن المعلوم المشاهَدِ أن المحدثين لم يَتَطابقُوا على أن لا يُحَدُِّوا إلّا عن عدلٍ ، بل نَجِدُ الكثيرَ منهم يُحدِّثُونَ عن رجال ، فإذا سُئِلَ الواحدُ منهم عن ذلك الرجل ، قال : لا أعرفُ حاله ، بل ربما جزم بكذبه ، فمن أين يَصِحُّ الحُكْمُ على الراوي أنه لا يُرْسِلُ إلّا عن ثقة عنده . قال الحافظ ابن حجر: فقد اختار ردَّ المرسل مع كونه مالكيًا ، لكن تعليلَه يقتضي أن مَنْ عُرف من عادته أو صريح عبارته أنه لا يرسل إلّا عن ثقة أنه يُقبل . وسيأتي تقرير هذا المذهب آخراً . وما قال القاضي صحيح ، فإن كثيراً من الأئمة وثَّقُوا خلقاً من الرواة بحسب اعتقادهم فيهم ، وظهر لغيرهم فيهم الجرحُ المعتبر، وهذا بَيِّن واضح في كتب الجرح ٢٢ والتعديل . فإذا كان مع التصريح بالعدالة ، فكيف مع السكوتِ عنها؟ . وقد فُتِّشَتْ كثيرٌ من المراسيل، فُوجِدَتْ عن غيرِ العدول ، بل سُئِلَ كثيرٌ منهم عن مشايخهم ، فذكروهم بالجرح ، كقولِ أبي حنيفة : ما رأيتُ أكذبَ من جابر الجعفي ، وحديثُ عنه موجود ، وقولِ الشعبي : حدّي الحارثُ الأعورُ، وكان كذّاباً، وحديثُه عنه موجودٌ ، فَمِنْ أين يَصِحُّ الحكمُ على الراوي أنه لا يُرْسِلُ إلّا عن ثقة عنده على الإطلاق ؟(١) . وقد اتفقوا على أن الإرسالَ في الشهادة غيرُ مقبول ، بل لا بُدَّ أن يذكر شهودُ الفرعِ شهودَ الأصل الذين تَقَّوْا منهم الشهادةَ بعيونهم ، والجامع بينَ الشهادة والخبر أن كلّ منهما يثبت به الحكمُ ، لكن الأول حكم خاص ، وهُذا حكمٌ عام ، والعدالةُ مشترطة فيهما اتفاقاً ، فلما لم يَصِحَّ الإرسالُ في الشهادة إجماعاً ، لزم مثله في الرواية . قال ابن عبد البرفي ((التمهيد)) ١ / ٦ : ومِنْ حجتهم أيضاً في ذلك أن الشهادةَ قد أجمع المسلمون أنه لا يَجُوزُ فيها إلّ الاتصالُ والمشاهدة ، فكذلك الخبرُ، يحتاجُ من الاتصال والمشاهدة إلى مثل ما تحتاج إليه الشهادة ، إذ هو باب في إيجاب الحكم واحد . حجة من قبل المرسل مطلقاً ١ - اتفاق التابعين على قبوله ، فقد قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة المتداولة بينَ أهل العلم بالحديث ص ٢٤ : وأما المراسيلُ، فقد كان يَحْتَجُّ بها العلماءُ فيمَا مضى ، مثل سفيان الثوري ، ومالكِ بن أنس ، والأوزاعي حتى جاء الشافعيُّ ، (١) وانظر أيضاً، ((جامع التحصيل)) ص ٨٢ - ٨٧ . ٢٣ ١ فتكلّم فيها ، وتابعه على ذلك أحمدُ بن حنبلٍ ، فإذا لم يكن مُسنَدُ ضِدَّ (١) المراسيلِ، ولم يُوجَدِ المسندُ ، فالمَرْسَلُ يُحتج به ، وليس هو مثلَ المتصل في القوّة . وقال ابنُ جرير الطبري فيمَا حكاه عنه ابنُ عبد البر في ((التّمهيد)) ١ / ٤: إن التابعينَ بأسرهم أجمعوا على قبولِ المرسل ، ولم يأتِ عنهم إنكارُه ، ولا عَنْ أحدٍ من الأئمة بعدَهم إلى رأس المئتين . كأنّه يعني أن الشافعيَّ أَوَّلُ من أبى قبولَ المرسل . وإرسال التابعين للأحاديث التي لا تدخل تحتَ الحصر مشهورٌ شائع بينَهم كابن المسيّب ، وسعيد بن جبير، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي، ومن يَطُولُ الكلامُ بذكرهم ، ولم يكن روايتُهم لها إلّ للعملِ بها ، وإلّا فلو كانت لغواً لا تُفِيدُ شيئاً ، ولا يُحْتَجُّ بها ، لأنكرها عليهم العلماءُ، وبيَّنوا أن إرسالَهم للحديث يقتضي التوهينَ له ، وعدمَ الاحتجاج به ، فمَا أنكر عليهم نُظراؤهم ، ولا مَنْ فوقهم ، وإنما أنكره مَن جاء بعدهم . ٢ - إن عدالة الراوي وأمانته يَمنعانِهِ أن يَشْهَدَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بخبر ويكونُ راويه له غيرَ ثقة ولا حجة ، فلا يستجيزُ أن يحزِمَ بالحديثِ إلّا بَعْدَ صحته عنده ، وإلّا لَزِمَ أن يكونَ فاسقاً مرهودَ الرواية ، لكونه يروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم شيئاً بصيغة الجزم وهو لا يعلم ثبوتَه ، أو لا يَغْلِبُ ثبوتُه على ظنّه، فالقولُ بردٌ المرسل يلزم منه القدحُ في الراوي ، وذلك باطلٌ ، لأن الإرسالَ لو كان مقتضياً للقدح في المرسل ، لم يَقْبَلِ الأمّةُ من الراوي شيئاً مما أسنده إذا كان قد روى مراسيلَ (١) كذا الأصل ((ضد)) كما ذكر محققُ الرسالة، والمعنى عليها صحيحٌ ، لأن مراد أبي داود أن يقول : إذا لم يكن مسند مضاد مرسل ، ولم يوجد في الباب مسند يغني عن المرسل ،فإنه محتج بالمرسل ، ومع وضوحِ المعنى فقد حذف المحققُ ما في الأصل ، وأثبت كلمةَ ((غير)) مكانه ، ثم قال في الهامش : في الأصل : ضد ، والتصويب من ((توجيه النظر)) ! . ٢٤ وخصوصاً إذا أكثر منها ، وقد اتفقت الأمةُ على قبول خلق كثير من الرواة مع كثرة ما أرسلوه ، وذلك يستلزم قبول مراسيلهم ، ولا انفكاك عن واحد من الأمرين . ٣ - إن هذا الواسطة الذي بَيْنَ التابعي وبَينَ النبي صلّى الله عليه وسلّم، إمَّا أن يكونَ صحابيًّا ، أو تابعيًّاً ثقة، أو مجروحاً متهماً، أو مجهولاً لا يُتْرَى حالُه . فهذه أربعة أمور لا بُدَّ من أحدِها أن يكونَ موجوداً عند المرسل عنه ، فعلى التقديريْنِ الأولين يجب قبولُ الخبر، وعلى التقديرين الأخيرين لا يُقْبُلُ، لكنّا نقول : إن احتمالَ التقديرين الأخيرين بَعِيدٌ جداً في التابعين ، وخصوصاً أن يكونَ ذلك الواسطة متهماً بالكذب ، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أثنى على عصر التابعين، وجعلهم خيرٌ القرون بَعْدَ قرنِ الصحابة رضي الله عنهم ، فالمجروحُ المتهم بالكذب فیهم ناثِرُ بخلاف القرون التي بعدهم ، ولما تقدَّم مِن استحالة أن يكونَ التابعيُّ الثقة الذي اطَّع على كونِ شيخه الذي تلقَّى منه ذلك الحديثَ متهماً، ثم أرسله عنه جازماً به عن النبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلّم ، وبتقدير أن يكونَ ذلك غيرَ مستحيل ، فلا شَكَّ في أنَّه بعيد جدًّا ، وكذلك يَبْعُدُ أيضاً أن يكونَ هذا الراوي مجهولاً قد خفي حالُّه على التابعي ، ويقطع بروايته على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مع كونه لم يَطَّلِعْ على ثقته وعدالته، فإذا تَّنَ أن هذين الاحتمالين مرجوحانِ بالنسبة إلى الاحتمالين الأولين تَعَّنَ العملُ بالراجح ، لأنه أغلبُ على الظن . وقال القاضي أبو يعلى الفراء في ((العدة)) ٣ / ٩١٠ بعد أن نقل عن الإمام أحمد في الخبر المُرْسَلِ روايتين، الأولى: حُجَّة يجب العملُ به، والثانية: أَنَّه ليس بحجة -: وجهُ الرواية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلْثِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] ولم يُقَرِّقْ بين من أنذر بمرسَلٍ أو مسَدٍ، ولأن مِن عادة التابعين إرسالَ الأخبارِ ، من ذلك ما رُوي عن الأعمش أنه قال: قلتُ لإبراهيم : إذا حدّثُني فَأَسْنِدْ، فقال : إذا قلتُ لك : حدّي فلان عن عبد اللّه، فهو الذي حدّثّني ، وإذا قلتُ ٢٥ لك : قال عبدُ اللّه، فقد حدّثّي جماعة عنه، ورُوي ذلك عن الحسن ، وسعيد بن المسيّب ، والشعبي ، ولهذا كان معروفاً مِن عادتهم ، فلو كان عندهم أنَّها غيرُ مقبولة ، كانوا قد ضيَّعوا سُنَّنَ رسولِ اللّه صلّى الله عليه وسلّم بهذا الفعل، وهذا لا يجوز. ولأن المرسل للخبر مثبتٌ لعدالة راويه من وجهين : أحدُهما : أنه لا يجوز أن يُحدّثه ويَكُمَ اسمَه ، ثم يحدّث به غيرَه ، فيلزمه قبولُه . والثاني : أنه لو أرسلَ عن غير ثقة ، كان قد قطع على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بقول من هو كَذَّبٌ عنده ، وهذا فعلٌ ممنوع منه ، وإذا كان ذلك تعديلاً له لم يعتبر جواز أن يجرحه غيرُه لو ظهر اسمه ، يُدلل عليه أن مَنْ زكاه الحاكمُ ، فله أن يقضيَ بشهادته ، ولا يُراعي جوازَ جرحه أن لو نادى في البلد باسمه ، أو كتب به إلى البلدان التي تقرب منه ، فبان أن تعديله موجب قبول خبره ، ولهذا جعل أحمد - رحمه الله - روايةَ العدل عن غيره تعديلاً للغير، فقال في كتاب ((العلل)) للأثرم : إذا روى عبدُ الرحمن عن رجل ، فروايُ عنه حجة ، وقال أيضاً في رواية أبي زرعة الدمشقي : مالك بن أنس إذا روى ، يعني عن رجلٍ لا يُعرف ، فهو حجة ... تقييد قبول المرسل بشروط إن الشافعي - رحمه الله - يقبل مُرْسَلَ كبار التابعين الذين لَقُوا كثيراً من الصحابةِ بشروط دقيقة : ١ - أن ينظر إلى ما أرسله التابعيُّ الكبيرُ، فإن وَجَدَ أن الحفاظَ الثقاتِ أسندوا إلى رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم معنى ما روى، كان هُذا دلالةً واضحةً على صحة ٢٦ المرسل ، وصدقٍ مَنْ رواه(١) . ٢ - وأن ينظر إذا أرسله مَنْ أَخَذَ عن غيرِ رجالِ الأول ممن يُقْبُلُ عنه العلمُ ، فإن وُجِدَ ، كان ذلك دلالةٌ تُسوِّغ القبولَ . ٣ - وأن ينظر إلى ما يُروى عن بعضِ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قولٍ أو عملٍ ، فإن وافق المرسل قُلَ، لأنه يَدُلُّ على أن له أصلاً ، ولا يُطرح . ٤ - وأن يُوجد جماعاتٌ من أهل العلم يُقتون بما يوافِقُ المرسل. ٥ - وأن ينظر في حالِ المرسِل ، فإن كان إذا سمَّى شيخَّه لم يُسَمِّ إلّا مقبولَ القولِ ثقةً، قُلَ منه ، وإن كان يُرْسِلُ عن كل ضربٍ من الناس ، وإذا سَمَّى شيخه ، سمى تارةً ضعيفاً، وأخرى مجهولاً ، وأخرى واهياً ، لم يُحتج بمرسله . نصّ الإمام الشافعي من (( الرسالة)) ص ٤٦١ - ٤٦٥: فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللّه من التابعين، فحدَّث حديثاً منقطعاً عن النبي ، اعتُبرَ عليه بأمور : منها : أن يُنْظَر إلى ما أرسَلَ مِن الحديث، فإن شَرِكَه فيه الحفاظُ المأمونون فأسندوه إلى رسولِ الله بمثل معنى ما رَوَى ، كانت هذه دلالةً على صحة من قَبِلَ عنه وحِفْظِهِ ، وإن انفردَ بإرسال حديثٍ لم يَشْرَكْهُ فيه من يُسْنِدُهُ ، قُبِلَ ما ينفِدُ به من ذلك . ويُعتبر عليه بأن يُنْظَر: هل يُوافقه مُرسِلٌ غيرُه ممن قُبِلَ العلمُ عنه من غير رجاله (١) ويستفادُ من تقوي المرسل بالمسند أنه إذا عارضه مسندٌ آخر لم يَنْضَمَّ إليه مرسل : يُرجَّحُ عليه ، وكذلك فإنَّ المسند إذا كان حسناً ، فإنَّه يتقوى بهذا المرسل ، ويرتقي إلى درجة الصحة . ٢٧ الذين قُبلَ عنهم ؟ فإن وُجِدَ ذلك، كانت دلالةٌ يَقْوى له مُرْسُه ، وهي أضعفُ من الأُولى ، وإن لم يُوجد ذلك، نُظِرَ إلى بعض ما يُروى عن بعضٍ أصحاب رسول الله قولاً له ، فإن وُجد يُوافِقُ ما رَوَى عن رسول اللّه، كانت في هذه دلالةٌ على أنه لم يأخذ مُرُسَلَّهُ إلّا عن أصل يَصِحُّ إن شاء اللّه، وكذلك إن وُجِدَ عوامُ من أهل العلم يُقتون بمثل معنى ما رَوَى عن النبي . قال الشافعي : ثم يُعتَبِرُ عليه : بأن يكونَ إذا سمَّى من رَوَى عنه لم يُسمِّي مجهولاً ، ولا مرغوباً عنِ الرواية عنه ، فُيُستدلُّ بذلك على صحته فيمَا رَوَى عنه . ويكونَ إذا شَرِك أحداً من الحُفاظ في حديثٍ لم يُخالِفْهُ ، فإن خالفه ، وُجِدَ حديثُه أنقصَ . كانت في هذه دلائلُ على صحة مَخْرَجٍ حديثه ، ومتى خالف ما وَصَفْتُ ، أضَّ بحديثه ، حتى لا يَسَعَ أحداً منهم قبولُ مُرُسله . قال : وإذا وُجِدَتِ الدلائلُ بصحة حديثه بمَا وصفتُ ، أحببنا أن نَقْبَلَ مُرْسَلَه ، ولا نستطيعُ أن نزعُم أن الحجة تثبتُ به ثبوتَها بالمُوتَصِلِ ، وذلك أن معنى المنقطع مُغَيَّبٌ، يحتمل أن يكون حُمِلَ عن مَنْ يُرغبُ عن الرواية عنه إذا سُمِّي، وأنَّ بعضَ المنقطعات - وإن وافقه مرسَلٌ مثلُه - فقد يحتمل أن يكون مَخَرَجُها واحداً من حيث لو سُمِّي لم يُقْبُلْ ، وأن قول بعض أصحاب النبي - إذا قال برأيه - لو وافقه يدلُّ على صحة مَخرِجِ الحديث دلالةً قوية إذا نُظر فيها ، ويمكنُ أن يكون إنما غَلِط به حين سَمِعَ قولَ بعض أصحاب النبي يُوافِقُه ، ويحتملُ مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء . فأمَّا مَنْ بَعدَ كبارِ التابعين الذين كثرت مشاهدتُهم لبعضٍ أصحاب رسول اللّه ، فلا أعلمُ منهم واحداً يُقْبَلُ مرسُه لأمورٍ : أحدها : أنهم أشد تجُّزاً فيمن يَرُؤُون عنه . ٢٨ والآخر : أنهم توجد عليهم الدلائلُ فيمَا أرسلوا بضعفِ مَخَرَجِهِ . والآخر : كثرةُ الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يُقبل عنه . تفسير الحافظ ابن رجب لكلام الشافعي : قال الحافظ ابن رجب في ((شرح العلل)) ١ / ٣٠١: وهو كلام حسن جدًّا ، ومضمونه أن الحديثَ المرسل يكون صحيحاً ، ويُقبل بشروط ، منها في نفس المرسل ، وهي ثلاثة : أحدها : أن لا يُعرف له روايةٌ عن غيرِ مقبول الرواية من مجهولٍ أو مجروح . وثانيها : أن لا يكونَ ممّا يُخالف الحفاظ إذا أسند الحديثَ فيمَا أسندوه ، فإن كان ممن يُخالِفُ الحفاظَ عند الإسناد ، لم يُقبل مرسله . وثالثها : أن يكونَ مِن كبار التابعين ، فإنهم لا يروون غالباً إلّا عن صحابي ، أو تابعيٍّ كبير، وأمّا غيرُهم من صغار التابعين ومَنْ بعدهم ، فيتوسّعون في الرواية عمّن لا تُقبل روايته . وأيضاً فكبارُ التابعين كانت الأحاديثُ في وقتهم الغالبُ عليها الصحةُ ، وأما مَن بَعدَهم ، فانتشرت في أيامهم الأحاديثُ المستحيلة ، وهي الباطلةُ الموضوعة ، وكُزَ الكذبُ حينئذٍ . فهذه شرائطُ من يُقبل إرسالُه . وأمَّا الخبر الذي يُرسِلُه، فيُشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يَعضُدَهُ ما يدل على صحته ، وأن له أصلاً ، والعاضِدُ له أشياء : أحدُها - وهو أقواها - : أن يُسنِدِه الحفاظ المأمونون من وجه آخرَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بمعنى ذلك المرسلِ، فيكون دليلاً على صحة المرسل ، وأن الذي أرسل عنه كان ثقة . ٢٩ والثاني : أن يُوجد آخر موافقٌ له عن عالم يروي عن غير من يروي عنه المُرسِلُ الأول ، فيكون ذلك دليلاً على تعدُّدِ مخرجه ، وأن له أصلاً بخلاف ما إذا كان المرسل الثاني لا يروي إلّا عمن يروي الأولُ ، فإن الظاهرَ أن مخرجها واحدٌ لا تعدّد فيه ، وهذا الثاني أضعفُ من الأول . والثالث : أن لا يُوجَدَ شيء مرفوع يُوافِقُه، لا مسندٌ ، ولا مرسل ، لكن يوجد ما يُوافقه مِن كلام بعض الصحابة ، فيستدل به على أن للمرسلِ أصلاً صحيحاً أيضاً ، لأن الظاهر أن الصحابيَّ إنما أخذ قولَه عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم . والرابع : أن لا يُوجد للمرسل ما يُوافقه ، لا مسند ، ولا مرسل ، ولا قولُ صحابي ، لكنه يُوجَدُ عامة أهلِ العلم على القول به ، فإِنَّه يدلّ على أن له أصلاً ، وهم مستندون في قولهم إلى ذلك الأصل . فإذا وجدت هذه الشرائطُ دَّت على صحة المرسل ، وأن له أصلاً، وقُلَ ، واحتجَّ به ، ومع هذا فهو دون المتصل في الحجة . وقد قال البيهقيُّ: إن الشافعيَّ أخذ بمرسل الحسن حين اقترن به ما يَعْضُنُه في مواضع، منها: ((لا نكاح إلّ بولي))، وفي النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان ، وقال بمرسل طاووس ، وعروة ، وأبي أمامة بن سهل ، وعطاء بن أبي رباح ، وعطاء بن يسار ، وابن سيرين ، وغيرهم من كبار التابعين حين اقترن به ما أكده ، ولم يجد ما هو أقوى منه ، كما قال بمرسلٍ ابنِ المسيّب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان ، وأكّله بقول الصديق ، وبأنه رُوي من وجه آخر مرسلاً ، وقال : مرسلُ ابن المسيّب عندنا حسن ، ولم يقل بمرسل ابن المسيّب في زكاة الفطر بمدين من حنطة ، ولا بمرسله في التولية في الطعام قبل أن يستوفى ، ولا بمرسله في دية المعاهدِ ، ولا بمرسله: ((من ضرب أباه فاقتلوه)) لما لم يقترن بها مِن الأسباب ما يُؤكِّدُوه ، أو ما وُجِدَ من المُعارِضِ لها ما هو أقوى منها . ٣٠ وفي ((شرح العلل)) للحافظ ابن رجب ١ / ٢٩٧: واعلم أنه لا تنافي بينَ كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب ، فإنَّ الحفاظ إنما يُريدون صحةَ الحديث المعَّنِ إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيحٍ على طريقهم ، لانقطاعه وعدمِ اتصال إسناده بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمّ الفقهاءُ، فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دَلَّ عليه الحديثُ، فإذا عَصَدَ ذلك المرسلَ قرائنُ تدلّ على أن له أصلاً، قويَ الظنُّ بصحة ما دلَّ عليه ، فاحتجَّ مع ما احتُفَّ به من القرائن . رأي الإمام أحمد ثم قال ١ / ٣١٠ - ٣١٧ : ولم يصحح أحمد المرسل مطلقاً ، ولا ضعفه مطلقاً، وإنما ضعف مرسلَ مَنْ يأخذ عن غيرِ ثقة ، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء : هي أضعفُ المراسيل ، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد . وقال أيضاً : لا يُعجبنى مراسيلُ يحيى بنِ أبي كثير ، لأنه يروي عن رجالٍ ضعافٍ صغار ، وكذا قولُه في مراسيل ابن جريج ، وقال : بعضُها موضوعة . وقال مُهَّا : قلت لأحمد : لِمَ كرهتَ مرسلاتِ الأعمش ؟ قال : كان الأعمش لا يُبالي عمن حدث . وهذا يدل على أنه إنما يضعف مراسيلَ من عُرِفَ بالرواية عن الضعفاء خاصة . وكان أحمد يقوِّي مراسيلَ من أدرك الصحابة ، وأرسل عنهم ، قال أبو طالب: قلتُ لأحمد : سعيد بن المسيّب عن عمر حجة؟ قال : هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه ، وإذا لم يُقبل سعيد عن عُمر، فمن يُقبل؟ ومرادُه أنه سمع منه شيئاً يسيراً ، لم يرد أنه سمع منه كل ما روى عنه ، فإنه كثير الرواية عنه ، ولم يسمع ذلك كله منه قطعاً . ونقل مهنّا عن أحمد أنه ذكر حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة قال : قال عمر : ٣١ لِأَمْتَعَنَّ فروجَ ذواتِ الأحسابِ إلّ مِن الأكفاء . قال : فقلتُ له : هذا مرسل عن عمر؟ قال : نعم ، ولكن إبراهيم بن محمد بن طلحة كبير. وقال في حديث عكرمة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: ((مَنْ لَمْ يَسْجُدْ على أَنْفِهِ مَعَ جَبْهَتِهِ، فلا صَلَاةَ لَهُ)) : هو مرسل أخشى أن لا يكونَ ثبتاً . وقال في حديث ◌ِراك عن عائشة حديث: ((حوِّلوا مقعدتي إلى القبلة)): هو أحسنُ ما رُوِي في الرخصة ، وإن کان مرسلاً ، فإن مخرجه حسن . ويعني بإرساله أن عراكاً لم يسمع من عائشة . وقال : إنما يُروى عن عروة عن عائشة، فلعله حسنه لأن عراكاً قد عُرِف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها . وظاهر كلامٍ أحمد أن المرسلَ عنده مِن نوع الضعيف ، لكنه يأخُذُ بالحديث إذا كان فيه ضعفٌ ، ما لم يجىء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أو عن أصحابه خلا(١). قال الأثرم : كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وفي إسناده شيء ، فيأخذ به إذا لم يجىء خلاقُه أثبت منه ، مثل حديث عمرو بن شعيب ، وإبراهيم الهَجَري ، وربما أخذ بالحديث المرسلِ إذا لم يجىء خلافه . وقال أحمد في رواية مهنّا في حديث معمر ، عن سالم ، عن ابن عمر : أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة . قال أحمد : ليس بصحيح ، والعمل عليه ، كان عبد الرزاق يقول : عن معمر ، عن الزهري مرسلاً. وظاهر هذا أنه يعمل به مع أنه مرسل وليس بصحيح ، ويحتمل أنه أراد ليس بصحيح وصله . (١) وقد صرح ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ١ / ٣١، وهو بصدد ذكر الأصول التي بنيت عليها فتاوى الإمام أحمد أنه يأخذ بالحديث المرسل إذا لم يكن في الباب شيء بدفعه ، ويُرجحه على القياس . ٣٢ رأي الإمام مالك وأما الإمام مالك ، فقد قال أصحابُه : إن المرسلَ يُقْبُلُ ، إذا كان مُّرْسِلُهُ ممن لا يروي إلّا عن الثقات. وقد ذكر ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماعٌ ، فإنه قال : كُلُّ مَنْ عِفَ بالأخذ عن الضعفاء ، والمسامحة في ذلك ، لم يُحتج بمَا أرسله ، تابعاً كان أه مَنْ دونه ، وكل مَن عُرِفَ أنه لا يأخذ إلّا عن ثقة ، فتدليسُه ومرسله مقبول ، فمراسيلُ سعيد بن المسيب ، ومحمد بن سيرين ، وإبراهيم النخعي عندهم صحاح . وقالوا : مراسيلُ الحسن وعطاء لا يحتج بها ، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد ، وكذلك مراسيل أبي قلابة ، وأبي العالية . وقالوا: لا يقبل تدليسُ الأعمش، لأنه إذا وُقِّفَ ، أحال على غير مليءٍ ، يعنون على غير ثقة ، إذا سألتَه : عمن هذا؟ قال : عن موسى بن طريف ، وعباية بن ربعي ، والحسن بن ذكوان . قالوا : ويقبل تدليس ابن عيينة ، لأنه إذا وُقِّفَ، أحال على ابن جُريج ، ومعمر ، ونظراتهما ... ثم ذكر بعد ذلك كلام إبراهيم النخعي - حين قال له الأعمش : إذا حدثني حديثاً فأسنده - إذا قلت : عن عبد الله بن مسعود ، فاعلم أنه عن غير واحد ، وإذا سميت لك أحداً فهو الذي سميت ، ثم قال : إلى هذا نزع من أصحابنا مَن زعم أن مرسل الإمام أولى من مسنده ، لأن في هذا الخبر ما يدلّ على أنّ مراسيل النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلّا أن إبراهيم ليس بمعيار على غيره. ((التّمهيد)) ١ / ٣٠ - ٠٣٨ ٣ ٣٣ رأي الإمام أبي حنيفة وأمَّا أبو حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - فقد قبلوا الحديثَ الذي يُرسله التابعي ، وتابع التابعي بشرط أن يكون المرسل ثقة ، يعرف ما يروي وما يحفظ ، وأن مِن عادته أنه لا يرسل إلّا عن ثقة مشهور. قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص المتوفى سنة ٣٧٠ هـ ، فيما نقله عنه الحافظ العلائي في ((جامع التحصيل)) ص ٩٢ : والصحيح عندي ما يدل عليه مذهبُ أصحابنا أن مرسلَ التابعين وأتباعهم مقبولٌ ما لم يكن الراوي ممن يُرْسِلُ الحديثَ من غير الثقات . وإذا رجعنا إلى كتاب ((الآثار)) للإمام أبي يوسف ، وغيره من الكتب التي تُعنى بذكر الأدلة ، تبيّن لنا أن المراسيلَ التي اعتمدها أبو حنيفة - رحمه الله - وأصحابه هي مراسيل التابعين وأتباعهم ، من أئمة الحديث الموثوق بهم ، المعروف تحرِّيهم وضبطهم ، وهي إلى ذلك محتفة بقرائن تقوي الظن بصحة ما تدل عليه . فالقول بأن أبا حنيفة وأصحابه يأخذون بالمراسيل من غير قيد ولا شرط قول غير محرر ، ولا هو مطابق لمروياته التي رواها أصحابه عنه . رأي شيخ الإسلام ابن تيميّة قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منهاج السنة النبوية)) ٤ / ١١٧ : والمراسيل قد تنازع الناسُ في قبولها وردها، وأصحُّ الأقوال أن منها المقبولَ ، ومنها المردودَ ، ومنها الموقوفَ ، فمن عُلِمَ من حاله أنه لا يرسل إلّا عن ثقةٍ ، قُبلَ مرسله ، ومن عُرِفَ أنه يُرسِلُ عن الثقة وغيرِ الثقة ، كان إرسالُه روايةً عمن لا يُعرف حاله ، ٣٤ فهذا موقوف ، وما كان مِن المراسيل مخالفاً لما رواه الثقاتُ، كان مردوداً ، وإذا كان المرسلُ مِن وجهين ، كل مِن الراوبين أخذ العلمَ عن شيوخ الآخر ، فهذا يَدُلُّ على صدقه ، فإن مثل ذلك لا يُتُصوّرُ في العادة تماثلُ الخطأ فيه وتعمدُ الكذب ، كان هذا مما يعلم أنه صِدْق ، فإن المخبر إنمَا يُؤتى من جهة تعمد الكذب ، ومن جهةِ الخطأ ، فإذا كانت القصة مما يعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبران ، فالعادة تمنع تمَاثُهما في الكذب عمداً وخطً . رأي الحافظ العلالي والقول المختار عند الحافظ العلالي كما في ((جامع التحصيل)) ص ٩٦ : هو أن من عُرِفَ من عادته أنه لا يُرسِلُ إلّا عن عدلٍ موثوق به مشهور بذلك ، فمرسلُه مقبول ، ومن لم يكن عادتُه ذلك ، فلا يُقبل مرسله ، وهذا القولُ والذي قبلَه ( يريد قول الشافعي الذي تقدّم ) أعدلُ المذاهب ، وبه يحصل الجمعُ بين الأدلة المتقدمة من الطرفين ، فإن قبول الصدر الأول لكثير من المراسيل لا يُمكن إنكارُه ، وقد صَدَرَ من جماعة منهم كثيرين ردُّ لكثير من المراسيل أيضاً ، فيُحمل قبولهم عند الثقة بمن أرسل منهم أنه لا يُرسل إلّا عن عدلٍ موثوق به ، وردُّهم عند عدم ذلك ، وإلى هذا أشار ابنُ عباس رضي الله عنهما بقوله : كنا إذا سمعنا أحداً يقول : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابتدرته أبصارُنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلمّا ركب الناسُ الصعبَ والذلولَ ، لم نأخذ من الناس إلّا ما نعرف . وقول ابن سيرين : لقد أتى على الناسٍ زمانٌ ، وما يسأل عن إسنادٍ حديث، فلما وقعت الفتنةُ، سُئِلَ عن الإسناد . وهذا ابنُ عمر رضي الله عنه كان يسأل سعيدَ بنَ المسيب عن قضايا أبيه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، ثم يُرْجِعُ إليه فيها ، وهي مرسلة لما وثق به وبمن يُرسل عنه ، ولذلك كان يقول كثيراً: سلوا سعيد بن المسيب ، فإنه قد جالس الصالحين . وقال يحيى بنُ ٣٥ سعيد الأنصاري : كان سعيد بن المسيب يُسمّى رواية عمر رضي اللّه عنه ، لأنه كان أحفظَ الناس لأحكامه وأقضيته . وقد تقدّم أن الشافعي - رحمه الله - استثنى مراسيلَ ابن المسيب من بقية المراسيل ، فجعلها مقبولةً ، وأن جماعة من الأصحاب علَُّوا ذلك بأنه كان لا يُرْسِلُ إلّا عن ثقة ، ومقتضى ذلك أن من كان مثلَه ، فمراسيلُه أيضاً مقبولة ، إلّا أن الحاكمَ أبا عبد اللّه قال: هذا لا يُوجَدُ في مراسيل غيره ، وقد خالفه غيره . وقال ابنُ عبد البرفي ((التّمهيد)) ١ / ٣٠: مراسيلُ سعيد بن المسيب، ومحمد ابن سيرين، وإبراهيم النخعي عندهم صحاح ، وقالوا : مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بهما ، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد ، وكذلك مراسيل أبي العالية ، وأبي قلابة . وهذا يقتضي أن جمهورَ أئمة الحديث فَّقوا بين من لا يرسل إلّا عن ثقة ، وبين غيرِه ، والظاهر أن المراد بالثقة من كان ثقة عنده وعند غيره أيضاً بحيث يكون معروفاً بالضبط والعدالة إن كان تابعياً ، أو هو من الصحابة المعروفين . وأما من يُرْسِلُ عن غيرِ المشهورين ، وإن كانوا عنده ثقات ، فالاحتمالُ المتقدّم قائم - أعني جوازَ كونه ضعيفاً - عند غيرٍ من أرسل عنه ضعفاً يترجَّحُ على تعديله ، وإنما يندفع هذا الاحتمالُ بقسميه ، والمعتمد إنما هو تحصيلُ غلبة الظنّ بصحة هذا المرسل ، كما هي أيضاً حاصلة مِن خبر الواحد المتصل بعد البحث عن رِجاله ، ومعرفة تزكيتهم ، ومن المعلوم أن ذلك لا يحصل بمجرد المرسل عن كل أحد ، لما قررناه فيما تقدّم ، فمتى حصل ذلك إما ببعضِ الوجوه التي قالها الإمامُ الشافعي ، أو بأنَّ الراوي لا يُرسل إلّ عن مشهور بالعدالة كان المرسلُ مقبولاً، وإلّ فلا. ٣٦ رأي الإمام الذهبي وقال الذهبي في ((الموقظة)) ص ٣٨ - ٤٠: فَمِنْ صحاحِ المراسيل: مرسلُ سعيد بن المسيب ، ومرسلُ مسروق ، ومرسل الصّنامحي ، ومرسلُ قیس بن أبي حازم ونحو ذلك ، فإن المرسلَ إذا صحّ إلى تابعيٍّ كبيرٍ، فهو حجة عند خلقٍ من الفقهاء ، فإن كان في الرواة ضعيف إلى مثل ابن المسيب ، ضعف الحديثُ مِن قبل ذلك الرجل ، وإن كان متروكاً أو ساقطاً، وَهَنَ الحديثُ وطُرِحَ ، ويُوجَدُ في المراسيل موضوعات . نعم، وإنْ صحّ الإسنادُ إلى تابعيٌّ متوسطِ الطبقة كمراسيل مجاهدٍ ، وإبراهيم ، والشعبي ، فهو مرسلٌ جيدٌ ، لا بأسَ به ، يقبلُه قوم ويردُّه آخرون . وأوهى من ذلك : مراسيلُ الزهري ، وقتادة ، وحميد الطويل مِن صغار التابعين ، وغالبُ المحققين يَعُدُّونَ مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات ، فإن غالب رواية هؤلاء عن تابعيٍّ كبير، عن صحابي ، فالظنُّ بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين . ٣٧ أقوال أهل العلم في ما إذا اختلف الثقات في إرسال الحديث ووصله قال ابن الصلاح في ((المقدمة)) ص ٧٧ : الحديث الذي رواه بعضُ الثقات مرسلاً، وبعضُهم متصلاً اختلف أهلُ الحديث في أنه مُلْحَقٌ بقبيلِ الموصول أو بقبيلٍ المُرْسَلِ، مثالُه ((لا نكاح إلّ بولي)) . رواه إسرائيلُ بنُ يونس في آخرين عن جدِّه أبي إسحاق السَّبيعي ، عن أبي بُردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى الأشعري ، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسنداً هكذا متصلاً، ورواه سفيانُ الثوري ، وشعبةُ ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بُردة ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرسلاً هكذا. فحكى الخطيبُ الحافظ أن أكثر أصحابِ الحديث يَرَوْنَ الحُكمَ في هذا وأشباهِهِ للمرسِل ، وعن بعضهم : أن الحُكمَ للأكثرِ ، وعن بعضِهم: أنّ الحُكم للأحفظ ، فإذا كان مَنْ أرسله أحفظَ ممن وَصَلَهُ ، فالحكمُ لمن أرسله ، ثم لا يَقْدَحُ ذلك في عدالةِ مَن وصله وأهليته . ومنهم مَنْ قال : مَنْ أسند حديثاً قد أرسله الحفاظُ ، فإرسالُهم له يقدَحُ في مسنده ، وفي عدالته وأهليته ، ومنهم من قال : الحكمُ لمن أسنده إذا كان عدلاً ضابطً ، فَيُقْبُلُ خبره ، وإن خالفه غيرُه سواء كان المخالِفُ له واحداً أو جماعة ، قال الخطيب : هذا القولُ هو الصحيحُ . قلت : وما صححه هو الصحيحُ في الفقه وأصوله(١)، وسئل البخاريُّ عن حديث (١) قال البرهان البقاعي: إن ابنَ الصلاح خلط هنا طريقةَ المحدثين بطريقة الأصوليينَ ، فإن للحذاق مِن المحدثين في هذه المسألة نظراً لم يحكه ، وهو الذي لا ينبغي أن يُعْدَلَ عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحُكْمِ مُطَرِدٍ، وإنما يُديرون ذلك على القرائن . ٣٨ ((لا نِكاحَ إلا بِوَلِيٍّ)) المذكور، فحكم لمن وَصَلَهُ، وقال: الزيادةُ عن الثقة مقبولة (١)، فقال البخاريُّ هذا مع أن من أرسله شعبةُ وسفيان ، وهما جبلان ، لهما من الحفظ والإتقان الدرجةُ العالية . وقال ابنُ دقيق العيد في مقدمة ((شرح الإلمام)) فيما نقله عنه الحافظ في ((النكت)) (١) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) ٢ / ٦٠٦: الاستدلال بأن الحُكْمَ للواصل دائماً على العمومِ من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص لَيْسَ بمستقيمٍ ، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصالِ من أجل كون الوَصْلِ زيادة، وإنما حَكّمَ له بالاتصالِ لمعانٍ أخرى رجحت عنده حكم الموصولِ . منها : أن يونسَ بنَ أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى ، رَوَوْهُ عن أبي إسحاق موصولاً . ولا شَكَّ أن آلَ الرجل أخصُّ به من غيرهم . ووافقهم على ذلك أبو عوانة ، وشريكٌ الُّخَعي ، وزهيرُ بنُ معاوية ، وتمامُ العشرة من أصحاب أبي إسحاق ، مع اختلافٍ مجالسهم في الأخذ عنه ، وسماعُهُم إياه مِن لفظه . وأما روايةُ مَنْ أرسله - وهما شعبة ، وسفيان - فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلسٍ واحد ، فقد رواه الترمذيُّ ، قال : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة قال : سمعتُ سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق : أسمعتَ أبا بردة رضي الله عنه يقول: قال رسولُ اللّهِ صلّى الله عليه وسلّم: ((لا نِكاحَ إلا بِوَلِيٍّ)) فقال : نعم. فشعبةُ ، وسفيان إنما أخذاه معاً في مجلسٍ واحد عرْضاً كما ترى ، ولا يخفى رجحانُ ما أخذ من لفظ المحدث في مجالسَ متعددة على ما أخذ عنه عرْضاً في محلٌّ واحد. هذا إذا قلنا : حفظُ سفيان، وشعبة في مقابل عددِ الآخرين ، مع أن الشافعي رضي الله عنه يقول : العددُ الكثيرُ أولى بالحفظ من الواحد . فتبيَّن أن ترجيحَ البخاري لوصل هذا الحديثِ على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصلَ معه زيادةٌ ليست مع المرسل ، بل بما يظهر من قرائن الترجيح ، ويزيدُ ذلك ظهوراً تقديمُهُ الإرسالَ في مواضع أُخر، مثالُه : ما رواه الثوريُّ عن محمد بن أبي بكر ابن حزم ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أُمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ((إن شئتِ سبعت لك)). ورواه مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن الحارث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأم سلمة رضي الله عنها :... قال البخاري في ((تاريخه)): الصوابُ قول مالك، مع إرساله . فصَّوَّب الإرسال هنا لقرينةٍ ظهرت له فيه ، وصوب المتصلَ هناك لقرينة ظهرت له فيه ، فتبين أنه ليس له عَمَلُ مطرد في ذلك ، والله أعلم . ٣٩ ٢ / ٦٠٤ : ومَنْ حكى عن أهلِ الحديث أو أكثرِهم أنه إذا تَعَارَض روايةُ مرسل ومسنَدٍ ، أو رافع، أو واقفٍ ، أو ناقصٍ ، أو زائدٍ - : أنَّ الحكم للزائدِ ، فلم يُصِبْ في هذا الإطلاق ، فإنَّ ذلك ليس قانوناً مضطرداً ، وبمراجعة أحكامِهم الجزئية يُعرف صَوَابُ ما نقول . وبهذا جزم الحافظ العلالي ، فقال : كلامُ الأئمة المتقدمين في هذا الفنِّ ، كعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري وأمثالهم ، يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحُكم كليّ ، بل عملُهم ذلك دائرٌ مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كُلِّ حديثٍ حديثٍ . وقال ابن حجر: وهذا العملُ الذي حكاه عنهم إنما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيحُ ، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح ، فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة . وقال الإمام النظار محمد بن إبراهيم بن الوزير في ((تنقيح الأنظار)) ١ / ٣٣٩ - ٣٤٦ بعد أن أورد أقوال أهل العلم في هذه المسألة على نحوٍ مما ذكره ابن الصلاح : وعندي أن الحُكْمَ في هذا لا يستَمر ، بل يختلِفُ باختلافٍ قرائن الأحوال ، وهو موضِعُ اجتهاد ، فإن غُلَبَ على الظنّ وَهْمُ الثقة في الرفع والوصل بمخالفة الأكثرين من الحفاظ الذين سمعوا الحديث معه من شيخه في موقف واحد ، ونحو ذلك من القرائن ، فإنَّ الرفع والوصل حينئذٍ مرجوحان ، والحكمُ بهما حكمٌ بالمرجوح ، وهو خلاف المعقول والمنقول ، أما المعقول ، فظاهر، وأما المنقولُ ، فلأن جماعةً من الصحابة ، وقفوا عن قبولِ خبرِ الواحد عند الرِّيبة، وشاع ذلك، ولم يُنكر، كما فعله عُمُرُ في حديث فاطمة بنتِ قيس في أنه لا نفقة ولا سكنى للمطلقة المبتوتة ، وحديث أبي موسى في الأمر بالاستئذان ، وأبو بكر في حديث المغيرة بنِ شُعبة في ميراثِ الجَدَّةِ ، بل كما فعله علي في استحلافِ مَن اثَّهمه وتوقفه عن قبولِه حتى يحلف ، بل كما فعله رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم عندما أخبره ذو اليدين أنه قصر صلاته، فإنّه أنكر ذلك لأجل ٤٠