Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
کتاب السِّير
ولا ينبغي أن يُباع السلاحُ من أهل الحرب، ولا يُجهَّزَ إليهم.
ولا يُقَادَوْن بالأُسَارى عند أبي حنيفة، ..
.
[حرمة بيع السلاح ونحوه لأهل الحرب :]
* (ولا ينبغي)، بل يحرم - كما في الزيلعي - (أن يُباعَ السلاحُ)،
والكُرَاعُ(١) (من أهلِ الحرب)؛ لِمَا فيه من تَقْويتهم على قتال
المسلمين، وكذا كلّ ما فيه تقويةً لهم، كالحديد، والعبيد، ونحو
ذلك.
* (ولا يُجهَّزَ): أي يُتَاجَر بذلك (إليهم).
قال في ((الغاية)): أي لا يَحمل إليهم التجَّارُ الجهازَ، وهو المتاع،
يعني هنا السلاح. اهـ
[حكم الفداء بالأسرى :]
* (ولا يُفَادَوْنَ بالأُسَارى عند أبي حنيفة)؛ لأن فيه معونةً
للكَفَرَة؛ لأنه يعود حَرْباً علينا، ودَفْعُ شرِّ حِرَابه: خيرٌ من استنقاذ
الأسير المسلم؛ لأنه إذا بقيَ في أيديهم: كان ابتلاءً في حقُّه: غيرَ
مضافٍ إلينا، والإعانةَ بدفع أسيرهم: مضافٌ إلينا.
(١) أي الخيل. ينظر المغرب (كرع)، مختار الصحاح (كرع).

٢٦٢
كتاب السير
وقالا : يُقادَى بهم أُسارى المسلمين .
(وقالا: يُفادى بهم أُسَارى المسلمين)؛ لأن فيه تخليصَ
المسلم، وهو أَوْلى من قَتْل الكافر، والانتفاع به.
قال الإسبيجابي: والصحيحُ قولُ أبي حنيفة، واعتمده المحبوبيّ،
و
والنسفي، وغيرهما.
* قال الزاهديُّ: والمفاداة بالمال لا تجوز في ظاهر المذهب. كذا
في ((التصحيح)).
وفي ((السِّير الكبير)): أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجةً؛
استدلالاً بأُسارى بدر (١).
* ولو كان الأسيرُ أسلم في أيدينا: لا يُفادى بمسلمٍ أسيرٍ في
أيديهم؛ لأنه لا يفيد (٢)، إلا إذا طابت نفسُه به، وهو مأمونٌ علىُ
إسلامه. ((هدایة)».
(١) حيث فادى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُسارى المشركين بفدية أخذها منهم،
موافقاً رأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما في صحيح مسلم ١٣٨٥/٣
(١٧٦٣)، وينظر نصب الراية ٤٠٢/٣.
(٢) أي لا فائدة في تخليص المسلم بالمسلم، إلا إذا رضي بذلك نفسُ الأسير
المسلم، وهو مأمونٌ على إسلامه لا تُخاف عليه الردة. البناية ١٦٥/٩.

٢٦٣
کتاب السِّير
ولا يجوز المَنُّ علیھم.
وإذا فَتَحَ الإِمامُ بلدةً عَنوةً: فهو بالخيار : إن شاء قَسَمَه بين
الغانمين، وإن شاء أقرَّ أهلَه عليه، ووَضَع عليهم الخَرَاجَ .
* (ولا يجوز المَنُّ عليهم)؛ لِمَا فيه من إبطال حقِّ الغانمين.
[ما يفعله الإمام في الأرض التي فُتحت عَنوة : ]
* (وإذا فَتَحَ الإمامُ بلدةً عَنْوَةً): أي قَهْراً: (فهو) في العقار
(بالخيار) بين أمرين: (إن شاء قَسَمَه بين الغانمين)، كما فَعَلَ رسولُ
الله صلی الله عليه وسلم بخَیْبر(١).
(وإن شاء أقرَّ أهلَه عليه، ووَضَعَ عليهم الخَرَاجَ)، كما فَعَلَ عمرُ
رضي الله عنه بسَوَاد العراق بموافقة الصحابة رضوان الله تعالى
(٢)
عليهم(٢).
وفي كلِّ من ذلك قُدْوَةٌ، فَتخيَّر.
وقيل: الأَوْلى هو الأول عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم
الحاجة.
(١) صحيح البخاري ٢٢٤/٦ (٢١٢٥)، ٤٩٠/٧ (٤٢٣٥)، الأموال لأبي عبيد
ص ٥٨، وينظر التلخيص الحبير ١١٥/٤.
(٢) الأموال لأبي عبيد ص ٥٩-٦٢، صحيح البخاري ٤٩٠/٧ (٤٢٣٥)، وينظر
نصب الراية ٤٣٨/٣، فتح الباري ٢٢٤/٦.

٢٦٤
کتاب السِّير
وهو في الأسرى بالخيار : إن شاء قَتَلَهم، وإن شاء استرقَّهم، وإن
شاء تَرَكهم أحراراً ذِمَّةً للمسلمين .
ولا يجوز أن يردَّهم إلى دار الحرب.
قيَّدنا بالعقار؛ لأن المنقولَ لا يجوز المَنُّ فيه بالردِّ
علیھم.
[ما يفعله الإمام بالأسرى : ]
* (وهو): أي الإمامُ (في الأسرى بالخيار) بين ثلاثة أمور:
(إن شاء قَتَلَهم)؛ حَسْماً لمادة الفساد.
(وإن شاء استرقّهم)؛ توفيراً لمنفعة الإسلام.
(وإن شاء تَرَكهم أحراراً ذمَّةً للمسلمين) إذا كانوا أهلاً للذمة، كما
فعل عمر رضي الله عنه بسَوَاد العراق(١).
* قيَّدنا بكونهم أهلاً للذمة؛ احترازاً عن المرتدِّين، ومشركي
العرب، كما سبق.
* (ولا يجوز) للإمام (أن يردّهم إلى دار الحرب)؛ لما فيه من
تقويتهم على المسلمين، كما مرَّ.
(١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

٢٦٥
کتاب السِّير
وإذا أراد العَوْدَ إلى دار الإسلام ومعه مواشٍ، فلم يَقْدِر على نَقْلُها
إلى دار الإسلام: ذَبَحَها، وحَرَقها، ولا يَعْقِرُها، ولا يتركها.
ولا يَقْسِمُ غنيمةً في دار الحرب حتى يُخْرِجَها إلى دار الإسلام.
والرِّدْءُ، والمقاتِل في العسكر : سواء.
[ما يفعله الإمام بالمواشي التي غَنِمَها ولم يستطع نَقْلها: ]
* (وإذا أراد) الإمام (العَوْدَ إلى دار الإسلام، ومعه مواشٍ، فلم
يقدر على نقلها إلى دار الإسلام: ذبحها، و) بعده (حَرَقها)؛ لأن ذَبْحَ
الحيوان يجوز لغرضٍ صحيح، ولا غَرَضَ أصحُّ من كَسْر شوكة أعداء
الله.
(ولا يَعْقِرُها): بأن يقطع قوائمها، ويَدَعَها حيَّةً؛ لما فيه من المُثْلة
والتعذيب، (ولا يتركُها) لهم حيَّةً، ولا معقورةً، ولا من غير حَرْق؛
قطعاً لمنفعتهم بها.
[لا تُقْسَم الغنائم في دار الحرب :]
* (ولا يَقْسم) الإمامُ (غنيمةً في دار الحرب)، بل (حتى يُخْرِجَها
إلى دار الإسلام)؛ لأن الملك لا يثبت للغانمين إلا بالإحراز في دار
الإسلام.
[التسوية في القسمة بين المقاتل والمُعِين على القتال:]
(والرِّدْءُ): أي المُعينُ، (والمقاتِل في العسكر: سواء)؛ لاستوائهم
في السبب، وهو المجاوزة، أو شهود الوَقْعة، على ما عُرِف.

٢٦٦
کتاب السِّير
وإذا لَحِقَهمُ المدَدُّ في دار الحرب قَبْل أن يُخرِجوا الغنيمةَ إلى دار
الإسلام : شاركوهم فيها .
ولا حقَّ لأهل سوق العسكر في الغنيمة، إلا أن يقاتلوا.
* وكذلك إذا لم يقاتل لمرضٍ، أو غيره؛ لما ذكرناه. ((هداية)).
[مشاركة مَدَدِ الجيشِ الجيشَ في الغنيمة : ]
(وإذا لَحِقَهمُ المدَدُ)، وهو: ما يُرسَل إلى الجيش ليزدادوا،
وفي الأصل: ما يُزاد به الشيء، ويكثُر. قهستاني. (في دار الحرب قَبْل
أن يُخرِجوا الغنيمة إلى دار الإسلام)، وقبل القسمة، وبَيْع الغنيمة،
ولو بعد انقضاء القتال: (شاركوهم فيها)؛ لوجود الجهاد منهم معنى
قَبْل استقرار المِلْك للعسكر.
* ولذا ينقطع حقُّ المشاركة بالإحراز، أو بقسمة الإمام في دار
الحرب(١)، أو بَبَيْعه المغانمَ فيها؛ لأن بكل منها: يتم الملك، فينقطع
3%
حقُّ شركة المدد.
[لا يشارك أهلُ سوق العسكر في الغنيمة : ]
* (ولا حقَّ لأهل سوق العسكر في الغنيمة، إلا أن يقاتلوا)؛
لأنهم لم يجاوزوا على قَصْد القتال؛ فانعدم السببُ الظاهر، فيُعتبر
(١) أي وإن لم تجز قسمة الغنائم في دار الحرب.

٢٦٧
کتاب السِّير
وإذا أَمَّنَ رجلٌ حُرٌّ، أو امرأةٌ حرَّةٌ كافراً، أو جماعةً، أو أهلَ
حِصْنٍ، أو مدينةٍ : صحَّ أمانُهم، ولم يَجُزْ لأحدٍ من المسلمين قتلُهم،
السببُ الحقيقي، وهو قَصْد القتال، فيُفيدُ(١) الاستحقاقَ على حسب
حاله: فارساً، أو راجلاً عند القتال. ((هداية)).
[عقد الأمان : ]
* (وإذا أَمَّنَ رجلٌ حُرٌّ، أو امرأةٌ حرَّةٌ كافراً) واحداً، (أو جماعةً)
من الكفار، (أو أهلَ حِصْنٍ، أو مدينةٍ: صحَّ أمانُهم)؛ لأنه (٢) مِن أهل
القتال، إذ هو من أهل المَنَعَة، فيتحقَّق منه الأمان، ثم يتعدّى إلى
غيره، ولأن سببه - وهو الإيمان - لا يتجزّاً، فكذا الأمان، فيتكامل
كولاية النكاح.
* (و) حيث صحَّ أمانُهم: (لم يَجُزْ لأحدٍ من المسلمين قتلُهم)،
ولا التعرُّضُ لما معهم.
والأصلُ في ذلك: قولُه صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون
تتكافأ دماؤهم، ويَسعىُ بذمَّتهم أدناهم)»(٣): أي أقلّهم، وهو
(١) أي يُفيد القتالُ استحقاقَ السهم. البناية ١٧٣/٩.
(٢) أي الرجل الحرُّ، والمرأة الحرة.
(٣) بلفظ: ((ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم)): في صحيح البخاري
=

٢٦٨
كتاب السير
إلا أن تكون في ذلك مفسدةٌ، فَيَنْبِذُ الإمامُ إليهم.
ولا يجوز أمانُ ذمِّي، ولا أسيرٍ، ولا تاجرٍ يَدخل عليهم .
الواحد(١). ((هداية)).
* (إلا أن تكون في ذلك مفسدةٌ) تلحق المسلمين: (فَيَنْبِذُ الإمامُ
إليهم) أمانَهم، كما إذا كان الأمان منهم، ثم رأى المصلحةَ في النَّبْذ،
كما مرَّ.
[عدم جواز أمان الذمِّي والأسير والتاجر :]
* (ولا يجوز أمانُ ذمِّيٍّ)؛ لأنه متَّهمٌ بهم، ولا ولايةَ له على
المسلمين، (ولا أسيرٍ، ولا تاجرٍ يدخل عليهم (٢))؛ لأنهما مقهوران
٢٨٠/٦ (٣١٧٩)، وصحيح مسلم ٩٩٨/٢ (١٣٧٠)، وباللفظ الذي ذكره
المؤلِّف: في سنن أبي داود ٣٣٢/٣ (٢٧٤٥)، ١٥٠/٥ (٤٥١٩)، سنن ابن
ماجه ٨٩٥/٢ (٢٦٨٣)، وينظر نصب الراية ٣٩٣/٣، ونص حديث ابن ماجه:
((المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهو يدٌ على مَن سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم
... )). اهـ
(١) فقوله صلى الله عليه وسلم: ((ويسعى بذمَّتهم أدناهم)): يدل على جواز أمان
الرجل الواحد، أو المرأة الواحدة.
(٢) أي لا يصح للأسير والتاجر أن يعطيَ الأمان لأحد إن كان يدخل على أهل
الحرب، لأن الأمان لدفع الخوف، ولا يخاف أهل الحرب من الأسير والتاجر. البناية
٥٢٧/٦.

٢٦٩
کتاب السِّير
ولا يجوز أمانُ العبد عند أبي حنيفة، إلا أن يأذن له مولاه في
القتال .
وقال أبو يوسف ومحمد : يصحُّ أمانُه.
تحت أيديهم، فلا يخافونهما، والأمان يختصُّ بمحلّ الخوف،
ولأنهم كلما اشتدَّ الأمر عليهم: يجدون أسيراً، أو تاجراً، فيتخلَّصون
بأمانه، فلا ینفتح باب الفتح. ((هدایة)).
[أمان العبد : ]
* (ولا يجوز أمان العبد عند أبي حنيفة)؛ لأن الأمانَ عقدٌ(١)
من جملة العقود، والعبدُ محجورٌ عليه، فلا يصحُّ عَقْدُه، (إلا أن
يَأذن له مولاه في القتال)؛ لأنه يصير مأذوناً؛ فيصحُّ عقدُ الأمان
منه.
(وقال أبو يوسف ومحمد: يصحُّ أمانُه)؛ لأنه مؤمَّنٌ، ذو قوة
وامتناعٍ يتحقّق منه الخوف، والأمان مختصُّ بمحلّ الخوف.
قال جمال الإسلام في ((شرحه)): وذكر الكرخي قول أبي يوسف
مع أبي حنيفة، وصحَّح قولَ أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمّة البرهاني،
والنسفي، وغيرهما. ((تصحيح)).
(١) وفي نسخة د فقط من اللباب: ((عنده)).

٢٧٠
کتاب السِّير
وإذا غلب التُّرْكُ على الرُّوم، فسَبَوْهم، وأخذوا أموالَهم:
مَلَكُوها .
فإن غَلَبنا على التُّرْك والرُّوم، فسَبَيْناهم، وأخذنا أموالَهم: حلَّ لنا
ما نجده من ذلك.
وإذا غلبوا على أموالنا، فأحرزوها بدارهم : مَلَكُوها.
[تَملُّك أموال الكفار بالغلبة عليهم : ]
** (وإذا غلب التُّرْكُ) - جَمْعَ: تركي - (على الرُّوْم) - جَمْع: رومي
- والمراد كفارُ الترك، وكفارُ الرُّوم، (فَسَبَوْهم، وأخذوا أموالَهم)،
وسَبَوْا ذراريهم: (مَلَكُوها)؛ لأن أموال أهل الحرب، ورقابَهم مباحة،
فتُملك بالأخذ.
* (فإن غَلَبنا على الترك، والرومِ (١)) بعد ذلك: (فِسَبَيْناهم،
وأَخَذْنا أموالَهم(٢): حلَّ لنا ما نَجِدُه من ذلك) الذي أخذوه من الروم؛
اعتباراً بسائر أموالهم.
* (وإذا غلبوا): أي الكفارُ (على أموالنا)، ولو عبيداً، أو إماءً
مسلمين، (فأحرزوها بدارهم: مَلَكُوها)؛ لأن العصمة من جملة
(١) كلمة: ((والروم)): مثبتة في نسخة القدوري (٦٤٩ هـ).
(٢) جملة: ((فسبيناهم، وأخذنا أموالهم)): مثبتة في القدوري (٨٤٠ هـ).

٢٧١
کتاب السِّير
فإن ظَهَر عليها المسلمون، فوجدوها قبل القسمة : فهي لهم بغير
شيءٍ .
وإن وجدوها بعد القسمة : أخذوها بالقيمة إن أحبُّوا.
وإن دخل إلى دار الحرب تاجرٌ، فاشتری ذلك، وأخرجه إلى دار
الإسلام : فمالكُه الأولُ بالخيار : إن شاء أَخَذَه
الأحكام الشرعية، والكفارُ غيرُ مخاطَبين بها؛ فبقيَ في حقهم مالاً
غيرَ معصوم، فيملكونه، كما حقّقه صاحب ((المَجْمع)) في ((شرحه)).
* قيَّد بالإحراز؛ لأنهم قبل الإحراز بها: لا يملكون شيئاً، حتى
لو اشترى منهم تاجرٌ قبل الإحراز، ووجده مالكُه: أَخَذَه بلا شيء.
** (فإن ظَهَر عليها): أي على دارهم (المسلمون) بعد ذلك،
(فوجدوها): أي وَجَدَ المسلمون أموالَهم (قبل القسمة) بين الغانمين:
(فهي لهم بغير شيءٍ)؛ لأن المالك القديم زال ملكُه بغير رضاه، فكان
له حقُّ الأخذ؛ نظراً له.
* (وإن وجدوها بعد القسمة: أخذوها بالقيمة إن أحبُّوا)؛ لأن
مَنْ وَقَعَ المالُ في نصيبه: يتضرَّر بالأخذ منه مجاناً؛ لأنه استحقَّه
عوضاً عن سهمه في الغنيمة، فقلنا بحقِّ الأخذ بالقيمة؛ لما فيه من
النظر للجانبين، كما في ((الهداية)).
* (وإن دخل إلى دار الحرب تاجرٌ، فاشترى ذلك) المالَ،
(وأخرجه إلى دار الإسلام: فمالكُه الأول بالخيار: إن شاء أَخَذَه

٢٧٢
كتاب السير
بالثمن الذي اشتراه به التاجرُ، وإن شاء تَرَكَه.
ولا يَملكُ علينا أهلُ الحرب بالغَلَبَةِ مُدَّبَّرِينا، وأمَّهاتِ أولادِنا،
ومكاتَبِينا، وأحرارَنا .
ونَمْلِك علیھم جمیعَ ذلك.
ىالثمن الذي) كان (اشتراه به التاجرُ) من العدوِّ، (وإن شاء ث (،)؛
لأنه (١) يتضرَّر بالأخذ مجاناً، ألا يُرى أنه دَفَعَ العوضَ بمقابلته، فكان
اعتدالُ النظر فيما قلنا.
ولو اشتراه بعَرْضٍ: يأخذه بقيمة العَرْض.
ولو وهبوه له: يأخذه بقيمته؛ لأنه ثَبَتَ له ملْكٌ خاصٌّ، فلا يُزال
إلا بالقيمة. ((هداية)).
* (ولا يَملكُ علينا أهلُ الحرب بالغَلَبَة) علينا (مُدَبَّرينا، وأنَّهات
أولادنا، ومكاتبينا، وأحرارَنا)؛ لأنهم أحرارٌ من وجه، والحرُّ معصومٌ
بنفسه، فلا يُمْلَك.
(ونَمْلِك عليهم) إذا غلبنا عليهم (جميعَ ذلك)؛ لعدم
عصمتھم.
(١) أي التاجر.

٢٧٣
کتاب السِّير
وإذا أَبَقَ عبدٌ لمسلمٍ، فدخل إليهم فأخذوه: لم يملكوه عند أبي
حنيفة .
وإن نَدَّ بعيرٌ إليهم، فأخذوه : مَلَكوه.
(وإذا أَبَقَ عبدٌ؛ من دارنا، سواءٌ كان (لمسلمٍ)، أو ذمِّي،
*
(فدخل إليهم): أي إلى دارهم، فأخذوه: لم يملكوه عند أبي
حنيفة)؛ لظهور يده على نفسه بزوال يد مولاه، فصار معصوماً
بنفسه، فلم يبق محلاً للملك.
وقالا : يملكونه.
والصحيح قولُه، واعتمده المحبوبي، والنسفي، وغيرُهما.
((تصحیح)).
* وإذا لم يثبت الملك لهم: يأخذه المالكُ القديم بغير شيء:
موهوباً كان، أو مشترىً، أو مغنوماً: قبلَ القسمة، وبعدَها، إلا أن
بعدَ القسمة يُؤدَّى(١) عوضه من بيت المال؛ لأنه لا يُمكن إعادة
القسمة.
(وإن نَدَّ) منَّا (بعيرٌ)، أو فرسٌ (إليهم، فأخذوه: مَلَكوه)؛
لتحقَّق الاستيلاء، إذ لا يَدَ للعجماء.
(١) على صيغة المبني للمجهول: أي يؤدّى المولىُ عوضَه من بيت المال. البناية
٦١٣/٦.

٢٧٤
کتاب السِّير
* وإذا لم يكن للإمام حَمُولةٌ يَحْمِلُ عليها الغنائمَ: قَسَمَها بين
الغانمين قِسْمةَ إيداع؛ ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يَرتجعُها منهم،
فَيَقسِمُها .
ولا يجوز بيعُ الغنائم قبل القسمة .
[حَمْل الغنائم إلى دار الإسلام : ]
* (وإذا لم يكن للإمام حَمُولةٌ) : - بفتح أوَّله -: الإبلُ التي
تَحمِل، وكذا كلّ ما احتَمَلَ عليه الحيُّ من حمارٍ، وغيرِهِ، سواء كانت
عليه الأحمال، أو لم تكن. ((صحاح)). (يَحْمِلُ عليها الغنائمَ: قَسَمَها
بين الغانمين قِسْمةً إيداع؛ ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم) إذا رجعوا
إلى دار الإسلام: (يرتجعُها منهم، فيقسمُها) قسمةَ تمليكٍ بينهم.
** فإن أَبَوْا أن يَحملوها: أجبرهم على ذلك بأجرِ المثل في رواية
((السِّيَر الكبير))؛ لأنه دَفْعُ ضررٍ عامٍّ بتحمُّل ضررٍ خاصٍّ.
ولا يُجبرهم على رواية ((السِّيَر الصغير))، وتمامُه في ((الهداية))،
و((الدرر)).
* (ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة) في دار الحرب (١)؛ لأنها لا
(١) أو بعد الإحراز في دار الإسلام، ولو باعها الإمام: صحَّ البيع، لأنه مجتهَدٌ
فيه، فعُلم بقوله: ((لا يجوز)): الكراهة، لا نفي ترتّب الأحكام. البناية ٦/ ٥٥٢.
كما نقل ابن عابدين ٥٤٥/١٢، عن فتح القدير ٢٢٧/٥، عن الطحاوي: أن

٢٧٥
کتاب السِّير
ومَن مات من الغانمين في دار الحرب : فلا حقَّ له في الغنيمة.
ومَن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام : فنصيبُه لورثته.
ولا بأس بأن يُنَفَّلَ الإمامُ في حال القتال، ويُحرِّضَ بالَّفَل على
القتال،
تُملك قَبْلَها.
* (ومَن مات من الغانمين في دار الحرب) قبل القسمة، وبَيْعِ
الغنيمة: (فلا حقَّ له في الغنيمة)؛ لأن الإرث يجري في الملك، ولا
مِلْكَ قبلَ ما ذُكِرٍ، كما مرَّ.
* (ومَن مات منهم): أي الغانمين (بعد إخراجها): أي الغنيمةِ
(إلى دار الإسلام)، أو بعد قِسْمتها، أو بيعها ولو في دار الحرب:
(فنصيبُه لورثته)؛ لأن حقَّهم قد استقرَّ بما ذُكِر، فينتقل إلى الورثة.
[تشجيع المقاتلين بإعطائهم النَّفَل والسَّلَب: ]
* (ولا بأس)، بل يندب (بأن يُنَفَلَ الإمامُ في حال القتال)، وقبله
بالأولى.
* (ويُحرِّضَ): أي يَحُثَّ ويُغريَ (بالنَّفَل على القتال)، والنَّفَل:
للإمام بيعها إن رأى المصلحة في ذلك.

٢٧٦
کتاب السِّير
فيقولُ: مَن قَتَل قتيلاً: فله سَلَبُه، أو يقولُ لسَرِيَّةٍ: قد جعلتُ
لكم الرَّبُعَ بعد الخُمُس.
ولا يُنَفِّلُ بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس.
وإذا لم يَجعلِ السَّلَبَ للقاتل : فهو من جملة .
٠
و
إعطاء شيءٍ زائدٍ علىُ سَهْم الغنيمة، وقد فسَّرَه بقوله: فيقول: من
قبل قتيلاً: فله سَلَبُهُ)، وسيأتي معناه(١).
(أو يقول لمريَّة)، وهي القطعة من الجيش: (قد جعلتُ لكم
الرُّبُعَ)، أو النصفَ (بعد؛ رَفْع (الخُمُس)؛ لما في ذلك من تقوية
القلوب، وإغراءِ المقاتِلةِ على المخاطرة، وإظهار الجَلادة رغبةً في
ذلك، وقد قال تعالى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾(٢)، وهو نوعُ
تحریضٍ.
* (ولا يُنَفِّلُ بعد إحراز الغنيمة) في دار الإسلام؛ لتأكَّد حقٍّ
الغانمين بها، ولذا يُورَث عنهم، (إلا من الحُمُس)؛ لأن الرأي فيه
إلى الإمام، ولا حقَّ فيه للغانمين.
* (وإذا لم يَجعل) الإمامُ (السَّلَبَ للقائل) نَفَلاَ: (فهو من جملة
(١) في الصفحة التالية.
(٢) الأنفال / ٦٥.

٢٧٧
کتاب السِّير
الغنيمة، والقاتلُ وغيرُه فيه سواء.
والسَّلَبُّ ما على المقتولِ من ثيابه، وسلاحه، ومَرْكَبه.
وإذا خَرَجَ المسلمون من دار الحرب : لم يَجُزْ أن يَعْلِفُوا من
الغنيمة، ولا يأكلوا منها .
ومَن فَضَلَ معه عَلَفٌ، أو طعامٌ: ردَّ إلى الغنيمة.
الغنيمة، والقاتلُ وغيرُه فيه)؛ أي في سَلَبه (سواء)؛ لأنه مأخوذٌ بقوة
الجيش؛ فيكون غنيمةً لهم.
[تعريف السَّلَب : ]
(والسَّلَبُّ) هو: (ما على المقتولِ من ثيابه، وسلاحه،
ومَرْكَبه)، وكذا ما علىُ مَرْكَبِه من السَّرْج، والآلة، وكذا ما معه على
الدابّة من ماله في حقيبته، أو على وَسْطه.
وما عدا ذلك، فليس بسَلَب، وما كان مع غلامه على دابةٍ
أخرى: فليس بسَلَبِه. ((هداية)).
[لا تُعلف الدواب من الغنيمة بعد الخروج من دار الحرب : ]
* (وإذا خَرَجَ المسلمون من دار الحرب: لم يَجُزْ) لهم (أن
يَعْلِفُوا) دوابَّهم (من الغنيمة، ولا يأكلوا منها)؛ لأن حقَّ الغانمين قد
تأكَّد فيها، كما مرَّ.
(ومَن فَضَلَ معه عَلَفٌ، أو طعامٌ: ردَّ إلى الغنيمة) إذا لم
تُقْسَم.
٥

٢٧٨
کتاب السِّير
ويَقْسِمُ الإمامُ الغنيمةَ، فيُخرِجُ خُمُسَها، ويَقْسِمُ أربعةَ أخماسها
بين الغانمين : للفارس سهمان، وللرَّاجل سهمٌ عند أبي حنيفة،
وقالا : للفارس ثلاثةُ أسهم.
وبعد القسمة: تصدَّقوا به إن كانوا أغنياء، وانتفعوا به إن كانوا
مَحَاويج؛ لأنه صار في حُكْم اللقطة؛ لتعذُّر الردِّ، وتمامُه في
((الهداية)).
[بيان قسمة الغنيمة : ]
* (ويَقسمُ الإمامُ الغنيمةَ) بعد الإحراز بدار الإسلام، كما تقدَّم،
(فُيُخرِجُ) أوَّلاً (خُمُسَها) للأصناف الثلاثة الآتية(١).
* (ويَقْسِم أربعة أخماسها) الباقية (بين الغانمين: للفارس): أي
لصاحب الفرس (سهمان، وللرَّاجل) - ضدِّ الفارس - (سهمٌ عند أبي
حنيفة.
وقالا: للفارس ثلاثةُ أسهم)، وللرَّاجل سهمٌ.
قال الإمامُ بهاء الدين في ((شرحه)): الصحيحُ قولُ أبي حنيفة،
واختاره الإمامُ البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرُهم.
(تصحیح)).
(١) اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، كما سيأتي قريباً.

٢٧٩
کتاب السير
ولا یُسْهِمُ إلا لفرسٍ واحد .
والبَرَاذِينُ، والعِتاقُ سواء.
ولا يُسْهِمُ الراحلةٍ، ولا بغلٍ .
* (ولا يُسْهِمُ إلا لفرسٍ واحدٍ)؛ لأن القتال لا يتحقّق إلا على
فرسٍ واحدٍ.
قال الإسبيجابي: وهذا قولُ أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: يُسهم لفرسَیْن.
والصحيح قولُهما، وعليه مشى الأئمَّةُ المذكورون قبله.
((تصحیح)).
* (والبَرَاذِينُ) - جَمْعُ: بِرْذَوْن: التركيُّ من الخيل - (والعِتاق) -
جمع: عَتَيق: العربيُّ منها -: (سواءً)؛ لأن اسم الخيل ينطلق على
الكل، والإرهابُ مضافٌ إليها، ولأن العربي إن كان في الطَّلَب
والهَرَب أقوى، فالبِرْذَوْن أصبرُ وألينُ عطفاً؛ فمِن كلِّ منهما منفعةٌ
معتبرةٌ، فاستویا.
* (ولا يُسْهِم الراحلةٍ)، وهي المركب من الإبل، ذكراً كان أو
أنثى، (ولا بغلٍ)، ولا حمارٍ، فصاحبُ ما ذُكر والراجلُ: سواء؛ لأن
المعنى الذي في الخيل معدومٌ فيهم.

٢٨٠
كتاب السير
ومَنْ دَخَلَ دارَ الحرب فارساً، فَتَفَقَ فرسُهُ : استَحَقَّ سهمَ فارس.
ومَن دَخَلَ راجلاً، فاشترى فرساً : استَحَقَّ سهمَ راجلٍ .
ولا يُسْهِمُ لمملوكٍ، ولا امرأةٍ، ولا ذمِّيٍّ، ولا صبيٍّ، ولكن
يَرْضَخُ لهم على حسب ما يراه الإمامُ.
(ومَنْ دَخَلَ دارَ الحرب فارساً، فَنَفَقَ): أي هَلَكَ (فرسُه)،
فشهد الوقعةَ راجلاً: (اسْتَحَقَّ سهمَ فارسٍ.
* ومَن دَخَلَ راجلاً، فاشترى) هناك (فرساً)، فشهد الوقعة
فارساً: (استَحَقَّ سهمَ راجلٍ)؛ لأن الوقوف على حقيقة القتال متعسِّرٌ،
وكذا شهودُ الوَقْعة؛ فتُقام المجاوزة(١) مقامه؛ لأنه السبب المُفْضِي
إليه ظاهراً إذا كان على قَصْد القتال، فيُعتبر حالُ الشخص حالةً
المجاوزة: فارساً أو راجلاً.
[إعطاء الرَّضْخ لمن لا سهم له : ]
* (ولا يُسْهِمُ لمملوكٍ)، ولا مكاتَبٍ، (ولا امرأةٍ، ولا ذمِّيٍّ، ولا
صبيٍّ)، ولا مجنونٍ، ولا معتوهٍ، (ولكن يَرْضَخُ لهم): أي يعطيهم
من الغنيمة(٢) (على حسب ما يراه الإمامُ).
(١) أي مجاوزة الدَّرب، وهو البرزخ الذي بين دار الحرب، ودار الإسلام.
البناية ٦ /٥٧٥.
(٢) يرضخ: أي يعطي شيئاً قليلاً دون السهم. طلبة الطلبة ص١٨٩.