Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
کتاب الشهادات
وإنْ ألَمَّ بمعصيةٍ .
ـدُ(١) العدالة المعتبرة؛ إذ لا بدَّ
* قال في ((الجوهرة)): هذا هو حد١ٍّ
من توقّي الكبائر كلِّها، وبعد توقّيها يُعتبر الغالب: فمن كثُرت
معاصيه: أثَّر ذلك في شهادته، ومَنْ نَدَرت منه المعصية: قُبلت
شهادته؛ لأن في اعتبار اجتنابه الكلّ: سَدَّ باب الشهادة، وهو مفتوحٌ؛
إحياءً للحقوق. اهـ
وفي ((الهداية))، و((المجتبى))، و((مختارات النوازل)): هذا هو
الصحيح في حدِّ العدالة المعتبرة.
* (وإنْ (٢) ألمَّ بمعصيةٍ)؛ لأن كلّ واحدٍ من سوى الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام لا يخلو من ارتكاب خطيئة، فلو وَقَفَت
الشهادةُ على مَن لا ذنب له أصلاً؛ لتعذَّر وجودُه أصلاً، فاعتُبر
الأغلب.
* وحاصله: أن مَن ارتكب كبيرةً، أو أصرَّ على صغيرةٍ: سَقَطَتْ
عدالتُه، كما في ((الجوهرة)).
(١) كلمة: ((حدُّ)): سقطت من نسخ اللباب كلها، وأثبتها من الجوهرة ٣٣٣/٢،
وبها يتمُّ الكلام.
(٢) (إنْ): هنا وصليّة، وينظر أول الجملة في متن المختصر، ليتم تقدير الكلام.

١٤٢
کتاب الشهادات
وتُقبل شهادةُ الأقلفِ، والخصيٌّ، وولد الزنى.
وشهادةُ الخُنْىُ جائزةٌ.
وإِذا وافقت الشهادةُ الدعوىُ : قُبِلت،
.
[شهادة الأقلف والخصي وولد الزنى : ]
* (وتُقبل شهادة الأقلف(١))؛ لأنه لا يُخلّ بالعدالة؛ إلا إذا تَركَه
استخفافاً بالدِّين؛ لأنه لم يبق بهذا الصنيع عَدْلاً. ((هداية)).
(والخَصيِّ)؛ لأنه قُطِعَ عضوٌ منه ظلماً، فصار كما إذا قُطعت
يده.
* (وولد الزنى) إذا كان عدلاً؛ لأن فسْقَ الأبوين: لا يوجب فِسْقَ
الولد.
* (وشهادةُ الخُنْثى جائزةٌ)؛ لأنه رجلٌ، أو امرأةٌ، وشهادة
الجنسین مقبولةٌ، إلا أنه کأنثى.
[الاختلاف في الشهادة : ]
* (وإذا وافقت الشهادةُ الدعوى) لفظاً ومعنىً، أو معنىً فقط:
(قُبلت) تلك الشهادة.
(١) وهو الذي لم يختتن. البناية ١٨٨/٨.

١٤٣
كتاب الشهادات
وإن خالفتها : لم تُقبل .
ويُعتبر اتفاقُ الشاهدَيْن في اللفظ، والمعنى عند أبي حنيفة، فإن
شَهِدَ أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألفين : لم تُقبل الشهادةُ عند أبي
حنيفة .
* (وإن خالفتها): أي خالفت الشهادةُ الدعوى لفظاً ومعنىً: (لم
تُقبل) تلك الشهادةُ؛ لأن تقدُّم الدعوى في حقوق العباد شَرْطُ قبول
الشهادة، وقد وُجدت فيما يوافقها، وانعدمت فيما يخالفها. ((هداية)).
* (ويُعتبر): أي يُشترط (اتفاق الشاهدين في اللفظ، والمعنى)
جميعاً، بطريق الوضع(١)، لا التضمُّن (عند أبي حنيفة).
وعندهما: يُكتفى بالموافقة المعنويَّة.
* (فإن شَهِدَ أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألفين)، والمدَّعي يدَّعي
الألفين: (لم تُقبل الشهادةُ عند أبي حنيفة)؛ لاختلافهما لفظاً، وذلك
يدل على اختلاف المعنى؛ لأنه يستفاد باللفظ، وذلك لأن الألف لا
يُعبَّر به عن الألفين، بل هما جملتان متباينتان، فصار كما إذا اختلف
جنسُ المال.
(١) أي بمعناه المطابقي: أي تطابق اللفظين على إفادة المعنى، وهذا ما شرطه
الإمام، وأما الصاحبان فأجازا مطابقة اللفظين ولو بالتضمُّن: أي أحدهما يتضمَّن
الآخر ويحويه. وينظر ابن عابدين ٤٩٣/٥ (ط البابي)، الجوهرة النيرة ٣٣٤/٢،
وسيتّضح هذا بأكثر بالمثال الذي سيذكره المصنف رحمه الله.

١٤٤
كتاب الشهادات
وعندهما تُقبل على ألف.
وإن شهد أحدُهما بألف، والآخرُ بألفٍ وخمسمائة، والمدَّعي
يدَّعي ألفاً وخمسمائة : قُبِلت شهادتُهما بألفٍ .
(وعندهما: تُقبل على الألف)؛ لأنهما اتفقا على الألف، وتفرَّد
أحدُهما بالزيادة، فَيَثبت ما اجتمعا عليه، فصار كالألف والألف
والخمسمائة(١).
وعلى هذا: المائة والمائتان، والطلقة والطلقتان.
قال الإسبيجابي: والصحيحُ قول أبي حنيفة، وعليه مشى الأئمّة
المصحّحون. ((تصحیح)).
* قيَّدنا بدعوى الألفَيْن؛ لأنه إذا ادَّعى المدَّعي الألفَ: لا تُقبل
الشهادة بالإجماع.
(وإن شهد أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألف وخمسمائة،
والمدَّعي يدَّعي ألفاً وخمسمائة: قُبلت شهادتهما بألف)، اتفاقاً؛
لاتفاق الشاهدَيْن عليها لفظاً ومعنىًّ؛ لأن الألف والخمسمائة
جملتان، عُطفت إحداهما على الأخرى، والعطف يقرِّر الأول.
* ونظيرُه الطَّلقةُ والطلقة والنصف، والمائةُ والمائة والخمسون.
(١) ستأتي هذه المسألة في آخر هذه الصفحة.

١٤٥
کتاب الشهادات
وإذا شَهِدا بألفٍ، وقال أحدُهما : قضاه منها خمسَمائة : قُبلت
شهادته بألفٍ، ولم يُسمَع قولُه : إنه قضاه، إلا أن يشهد معه آخر .
وينبغي للشاهد إذا عَلِمَ ذلك أن لا يشهدَ بألفٍ حتى يُقِرَّ المدَّعي
أنه قَبَضَ خمسمائة .
بخلاف الخمسة والخمسة عشر؛ لأنه ليس بينهما حَرْف
العطف، فهو نظير الألف والألفَيْن. ((هداية)).
(وإذا شَهِدا بألفٍ، وقال أحدُهما(١)) في شهادته: لكنَّه قد
(قضاه منها خمسمائة: قُبلت شهادته بألفٍ)؛ لاتفاقهما عليه (٢)، (ولم
يُسمَعَ قولُه: إنه قضاه)؛ لأنها شهادةُ فَرْدٍ، (إلا أن يشهد معه آخرٌ)؛
ليتمَّ نصابُ الشهادة.
* (وينبغي للشاهد إذا عَلِمَ ذلك): أي عَلِم قضاءَ المديون،
وخَشِي إنكارَ المدَّعي لما قبضه: (أن لا يشهد) له (بألف حتى
يُقِرَّ المدَّعي أنه قَبَضَ خمسَمائة)؛ كي لا يصيرَ مُعِيناً على
الظلم.
(١) وفي نسخة د فقط من اللباب: ((وإذا شهد أحدهما بألف، وقال في
شهادته ... ))، وما أثبته فهو من نسخ القدوري العديدة، ومن بقية نسخ اللباب.
(٢) أي على الألف.

١٤٦
كتاب الشهادات
وإذا شهد شاهدان أن زيداً قُتِلَ يومَ النحر بمكة، وشهد آخران أنه
قُتِل يوم النحر بالكوفة، واجتمعوا عند الحاكم : لم يَقبلِ الشهادتين .
فإن سَبَقت إحداهما الأخرى، وقضى القاضي بها، ثم حَضَرَتِ
الأخرى : لم تُقبل .
ولا يَسمعُ القاضي الشهادةَ علىُ جَرْح، ولا يَحکمُ بذلك.
[الشهادة على القتل : ]
* (وإذا شهد شاهدان أن زيداً قُتلَ يومَ النحر) من هذا العام مثلاً
(بمكة، وشهد) شاهدان (آخران أنه قُتِل يوم النحر) من هذا العام
193
(بالكوفة، واجتمعوا): أي الشهودُ كلّهم (عند الحاكم: لم يَقبل)
الحاكم (الشهادتين)؛ للتيقن بكذب إحداهما، وليست إحداهما بأوْلى
من الأخرى.
* (فإن سَبَقت إحداهما الأخرى، وقضى القاضي بها، ثم
حضرت الأخرى: لم تُقبل) الثانية؛ لأن الأولى قد ترجَّحت باتصال
القضاء بها؛ فلا تنتقِضُ بالثانية.
* (ولا يَسمعُ القاضي الشهادةَ علىُ جَرْح) الشهود، بأن ادَّعى
المدَّعى عليه أن شهود المدَّعي فَسَقَةٌ، أو مستأجرون، وأقام بيِّنةً على
ذلك، فإنَّ القاضي لا يلتفتُ إليها، (ولا يَحكمُ بذلك)، ولكن يسأل
عنهم سرّاً وعلانية، فإن ثبتَتْ عدالتُهم: قُبِلت شهادُتهم، وإلا: لا.

١٤٧
كتاب الشهادات
ولا يجوز للشاهد أن يَشهد بشيءٍ لم يُعايِنْه، إلا النسبَ،
والموتَ، والنكاحَ، والدخولَ، وولايةَ القاضي، فإنَّه يَسَعُه أن يشهد
بهذه الأشياء إذا أخبره بها مَن يَثِقُ به .
[الشهادة بالتسامع : ]
* (ولا يجوز للشاهد أن يَشهد بشيءٍ لم يُعايِنْه)؛ لأن الشهادة
مشتقّةٌ من المشاهَدَة، وذلك بالعلم، ولم يحصل، (إلا النسبَ،
والموتَ، والنكاحَ، والدخولَ، وولايةَ القاضي؛ فإنَّه يَسَعُه أن يشهد
بهذه الأشياء إذا أخبره بها مَن يَثِق به)؛ استحساناً؛ لأن هذه الأمورَ
يختص بمعاينة أسبابها الخواصُّ من الناس، ويتعلَّق بها أحكامٌ تبقى
على انقضاء القرون والأعوام، فلو لم تُقبل فيها الشهادة بالتسامع؛
لأدَّى إلى الحرج، وتعطيل الأحكام.
* قال في ((الهداية)): وإنما يجوز للشاهد أن يشهد بالاشتهار،
وذلك بالتواتر، أو إخبار مَن يثق به، كما قال في ((الكتاب))(١).
* ويُشترط أن يُخْبره رجلان عَدْلان، أو رجلٌ وامرأتان، ليحصل
له نوعٌ من العلم.
* وقيل في الموت: يُكتفَى بإخبارٍ واحدٍ، أو واحدة؛ لأنه قلّ ما
يُشاهِد حالَه غيرُ الواحد.
(١) أي مختصر القدوري.

١٤٨
كتاب الشهادات
والشهادةُ على الشهادة جائزةٌ في كلِّ حقٍّ لا يَسقطُ بالشبهة .
* ثم قال(١): وينبغي أن يُطْلِقَ أداءَ الشهادة ولا يفسِّر، أما إذا فسَّر
للقاضي أنه يَشهد بالتسامع؛ لم تُقبل شهادته، كما أن معاينة اليد في
الأملاك تُطلَق فيه الشهادة، ثم إذا فسَّر (٢): لا تُقبل، كذا هذا.
* ثم قَصْرُ الاستثناء في ((الكتاب)) على هذه الأشياء: ينفي اعتبار
التسامع في الوَلاء، والوقف.
وعن أبي يوسف آخِراً: أنه يجوز في الولاء؛ لأنه بمنزلة النَّسَب.
وعن محمد: يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مرِّ الأعصار.
إلا أنا نقول: الولاء يُبْتَنى على زوال الملك، ولا بدَّ فيه من
المعاينة، فكذا فيما يُبتنی علیه.
وأما الوقف: فالصحيح أنه تُقبل الشهادة بالتسامع في أصله، دون
شرائطه؛ لأن أصله هو الذي يشتهر. اهـ
[الشهادة على الشهادة : ]
* (والشهادة على الشهادة جائزة في كلَّ حقٍّ لا يسقط بالشبهة).
قال في ((الهداية)): وهذا استحسانٌ؛ لشدة الحاجة إليها؛ إذ شاهدُ
(١) أي صاحب الهداية ١٢٠/٣.
(٢) أي قال: سمعت أن الدار لفلان.

١٤٩
كتاب الشهادات
ولا تُقبل في الحدود والقصاص.
وتجوز شهادةُ شاهدیْن على شهادة شاهدیْن.
ولا تُقبل شهادةُ واحدٍ على شهادة واحد .
الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة؛ لبعض العوارض، فلو لم
تَجُزِ الشهادة على شهادته: أدَّى إلى إتْوَاءِ(١) الحقوق، ولهذا جوَّزنا
الشهادةَ على الشهادة وإن كثُرت(٢)، إلا أن فيها شبهةً من حيث
البدليَّة، أو من حيث إن فيها زيادة احتمال، وقد أمكن الاحتراز عنه
بجنس الشهود، (و) لذا (لا تُقبل في الحدود والقصاص)؛ لأنها
تَسقط بالشبهة.
* (وتجوز شهادة شاهدَيْن)، أو رجلٍ وامرأتين (على شهادة
شاهدَيْن)؛ لأن نَقْل الشهادة من جملة الحقوق، وقد شهدا بحقٍّ(١)،
ثم بحقِّ آخر، فتُقبل؛ لأن شهادة الشاهدَيْن على حقَّيْن جائزةٌ.
* (ولا تُقبل شهادة واحدٍ على شهادةٍ واحدٍ)؛ لأن شهادة الفرد
لا تُثْبِت الحقَّ.
(١) أي ضياعها وهلاكها. البناية ٤٤٠/١١.
(٢) أي شهادةٌ على شهادة على شهادةٍ ... وهكذا.
(٣) لأن تحمل الشهادة حق، وأداؤها عند القاضي حق.

١٥٠
کتاب الشهادات
وصفةُ الإشهاد : أن يقول شاهِدُ الأصل لشاهد الفرع : اِشْهَدْ على
شهادتي، أني أشهَدُ أن فلانَ ابنَ فلانٍ أقرَّ عندي بكذا، وأَشهَدَني على
نفسه .
وإن لم يقل : أَشهَدَني على نفسه : جاز.
ويقول شاهدُ الفرع عند الأداء : أشهدُ أن فلاناً أشهَدَني علىُ
شهادته، أنه يشهد أن فلاناً أقرّ عنده بكذا، وقال لي :
[صفة الإشهاد على الشهادة : ]
(وصفة الإشهاد: أن يقول شاهدُ الأصل) مخاطباً (الشاهد
الفرع: اِشْهَدْ على شهادتي)؛ لأن الفرعَ كالنائب عنه، فلا بدَّ من
التحميل والتوكيل، كما مرَّ، (أني أشهد أن فلانَ ابنَ فلانٍ) الفلاني
(أقرَّ عندي بكذا، وأشهدني) به (على نفسه)؛ لأنه لا بدَّ أن يشهد
شاهدُ الأصل عند الفرع، كما يشهد عند القاضي، ليَنقله إلى مجلس
القضاء.
* (وإن لم يقل: أَشْهَدَني على نفسه: جاز)؛ لأن مَن سمع إقرارَ
غيره: حَلَّ له الشهادة وإن(١) لم يقل له: اشْهَدْ.
* (ويقول شاهدُ الفرع عند الأداء) لِمَا تحمَّله: (أشهدُ أن فلاناً
أَشْهَدَني على شهادته، أنه يشهد أن فلاناً أقرَّ عنده بكذا، وقال لي:
(١) (إن): هنا وصليّة.

١٥١
كتاب الشهادات
اشهد على شهادتي بذلك.
ولا تُقبلُ شهادةُ شهودِ الفَرْع إلا أن يموتَ شهودُ الأصل، أو
يَغِيبوا مسيرةَ ثلاثةِ أیامٍ، فصاعداً، .
اشهَدْ على شهادتي بذلك)؛ لأنه لا بدَّ من شهادته، وذكرٍ شهادة
الأصل، وذِكْرِ التحميل.
* ولها لفظٌ أطول من هذا، وأقصرُ منه، وخَيْر الأمور أوسطها.
((هداية)).
* قال في ((الدر)): والأقصر أن يقول الأصلُ: اِشْهَدْ على شهادتي
بكذا، ويقولَ الفرعُ: أَشْهَدُ على شهادته بكذا، وعليه فتوى
السرخسي، وغيرِه. ابن كمال، وهو الأصح، كما في القهستاني عن
الزاهدي. اهـ
[شروط قبول شهادة الفرع عن الأصل : ]
* (ولا تُقبل شهادةُ شهودِ الفَرْع إلا أن) يتعذَّر حضورُ شهود
الأصل، وذلك بأن (يموتَ شهودُ الأصل) عند الأداء، (أو يَغِيبوا
مسيرةَ) سفرٍ (ثلاثةِ أيامٍ، فصاعداً).
قال في ((الدر)): واكتفى الثاني(١) بغَيْبته، بحيث يتعذر أن يبيت
(١) أي الإمام أبو يوسف.

١٥٢
کتاب الشهادات
أو يَمْرَضوا مرضاً لا يستطيعون معه حضورَ مجلس الحاكم.
بأهله، واستحسنه غيرُ واحد، وفي القهستاني، و((السراجية)): وعليه
الفتوى(١)، وأقرَّه المصنّف(٢). اهـ
* (أو يَمْرَضوا مرضاً) قويّاً، بحيث (لا يستطيعون معه حضورَ
مجلس الحاكم)؛ لأن جوازها للحاجة، وإنما تَمسُّ عند عَجْز
الأصل، وبهذه الأشياء يتحقّق العجز.
(١) لكن قال في تصحيح القدوري ص ٥٤٦: ((قال في الهداية، وفي شرح
الزاهدي: وعن أبي يوسف: أنه إن كان في مكان لو غدا لأداء الشهادة، لا يستطيع أن
يبيت في أهله: صحَّ الإشهاد، إحياءً لحقوق الناس، قالوا: الأول - أي التقدير بثلاثة
أيام -: أحسن، والثاني - أي قول أبي يوسف -: أرفق، وبه أخذ الفقيه أبو الليث)).
اهـ، وكثير من المشايخ رحمهم الله، كما في البناية ٢٢٩/٨.
وفي حاشية ابن عابدين ٤٩٩/٥: نقل عن القهستاني أيضاً أن الأول ظاهر
الرواية، وعليه الفتوى، كما نقل عن البحر أن الأول أحسن، وهو ظاهر الرواية،
والثاني أرفق.
قلت: وعبارة القهستاني في جامع الرموز ٤٤٢/٣ كما يلي: (( ... أو سفرٍ شرعي،
في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى، فلو كان الفرع بحيث لو حضر الأصل مجلس
الحكم، أمكنه البيتوتة في منزله: لم تقبل شهادته، وتقبل عند أكثر المشايخ، وعليه
الفتوى، کما في المضمرات». اهـ
وعليه، فالخلاف في المفتى به ظاهر.
(٢) أي التمرتاشي صاحب تنوير الأبصار، حيث إن هذا هو كلام صاحب الدر
المختار شرح تنوير الأبصار ٤٩٩/٥.

١٥٣
کتاب الشهادات
فإن عَدَّلَ شهودَ الأصل شهودُ الفَرْع : جاز.
وإن سَكَتوا عن تعديلهم : جاز، ويَنْظُرُ القاضي في حالهم.
وإن أنكر شهودُ الأصل الشهادةَ :
.
** (فإن عَدَّلَ شهودَ الأصلِ) - بالنصب على المفعولِيَّة - (شهودُ
الفَرْع) - بالرفع: فاعل: ((عَدَّل)) -: (جاز)؛ لأنهم من أهل التزكية(١).
* وكذا إذا شهد شاهدان، فعدَّل أحدُهما الآخرَ: صحَّ؛ لما قلناه.
((هداية)).
* (وإن سكتوا عن تعديلهم: جاز) أيضاً، (ويَنْظُرُ القاضي في
حالهم): أي حال الأصول، كما إذا حضروا بأنفسهم، وشهدوا.
قال في ((التصحيح)): وهذا عند أبي يوسف، وعليه مشى الأئمّة
المصحّحون.
وقال محمد: لا تقبل. اهـ
[إنكار شهود الأصل شهادة الفرع: ]
: (وإن أنكر شهودُ الأصل الشهادةَ)، بأن قالوا: ما لنا شهادةٌ
على هذه الحادثة، وماتوا، أو غابوا، ثم جاء الفروعُ يشهدون على
شهادتهم، كما في ((الكافي)).
(١) ينظر البناية ٢٢٩/٨.

١٥٤
كتاب الشهادات
لم تُقبل شهادةٌ شهودِ الفرع.
وقال أبو حنيفة في شاهد الزُّور: أُشَهِّره في السوق، ولا أُعزِّره.
وقال أبو يوسف ومحمد : نوجِعُهُ ضرباً، ونَحْبِسُه.
وكذا: لو أنكروا التحمُّل، بأن قالوا: لم نُشْهِدهم على شهادتنا،
وماتوا، أو غابوا، كما في الزيلعي: (لم تُقبل شهادةَ شهودِ الفرع)؛
و
لأن التحميل شَرْطٌ، وقد فات؛ للتعارض بين الخبرين.
[عقوبة شاهد الزور : ]
* (وقال أبو حنيفة في شاهد الزُّور: أُشَهِّره في السوق)، بأن
يَبَعثه إلى سوقه إن كان سُوقيّاً، أو إلى قومه إن كان غير سُوقي،
بعد العصر أجمعَ ما كانوا، ويقول المرسَلُ معه: إنا وجدنا هذا
شاهِدَ زُورٍ، فاحذَروه، وحذَّروه الناسَ، كما نُقِل عن القاضي
شُرَيْح.
: (ولا أُعزِّره) بالضرب؛ لأن المقصود الانزجار، وهو يحصل
بالتشهير، بل ربما يكون أعْظَمَ عند الناس من الضرب، فيُكتفى به.
(وقال أبو يوسف ومحمد: نوجِعُه ضرباً، ونَحْبِسُه) حتى يُحدِث
توبةً.
قال في ((التصحيح)): وعلى قول أبي حنيفة مشى النسفيُّ،
والبرهانيّ، وصدرُ الشريعة. اهـ

١٥٥
کتاب الشهادات
.
[كيفية معرفة شاهد الزور : ]
* ثم شاهد الزور هو المُقرُّ على نفسه بذلك؛ إذ لا طريق إلى
إثباته بالبيِّنة؛ لأنه نفيٌ للشهادة، والبيِّنات للإثبات.
وقيل: هو أن يشهد بقتل رجلٍ، ثم يجيء المشهودُ بقَتْله حيّاً،
و
حتى يثبت گذِبه بیقین.
* أما إذا قال: أخطأتُ في الشهادة، أو: غَلطتُ: لا يُعزَّر.
((جوهرة)).

١٥٦
كتاب الرجوع عن الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة
إذا رَجَعَ الشهودُ عن شهادتهم قَبْل الحكم بها : سَقَطَت.
وإن حُكِمَ بشهادتهم، ثم رجعوا: لم يُفْسَخ الحكمُ، .
كتاب الرجوع عن الشهادة(١)
* هو بمنزلة الباب من كتاب الشهادات؛ لأنه مندرجٌ تحت أحكام
الشهادات.
* (إذا رَجَعَ الشهودُ عن شهادتهم)، بأن قالوا: رجعنا عمَّا شَهدنا
به، ونحوه، بخلاف الإنكار؛ فإنه لا يكون رجوعاً، وكان ذلك (قَبْل
الحكم (٢) بها): أي بالشهادة: (سَقَطَت) شهادتُهم؛ لأن الحقَّ إنما
يثبت بالقضاء، والقاضي لا يقضي بكلامٍ متناقض.
* ولا ضمانَ عليهما؛ لأنهما ما أتلفا شيئاً: لا على المدَّعي، ولا
على المشهود عليه. ((هداية)).
* (وإن) كان (حُكِمَ بِشهادتهم، ثم رجعوا: لم يُفْسَخِ الحكمُ)؛
لأن آخر كلامهم يناقضُ أوَّلَه، فلا يُنْقَضُ الحكم بالمتناقض؛ ولأنه
(١) وفي نسخ من القدوري: ((الرجوع عن الشهادات)): بالجمع.
(٢) وفي نسخة القدوري (٦٤٩ هـ): «قبل حُكْم الحاكم بها)).
١

١٥٧
كتاب الرجوع عن الشهادة
ووَجَبَ عليهم ضمانُ ما أتلفوه بشهادتهم .
ولا يصحُّ الرجوعُ إلا بحضرة الحاكم.
وإِذا شهد شاهدان بمالٍ، فحكم الحاکمُ به، ثم رجعا : ضمنا
المال للمشهود علیه.
في الدلالة على الصدق مثلُ الأول، وقد ترجَّح الأولُ باتصال القضاء
به.
(ووَجَبَ عليهم): أي الشهودِ (ضمانُ ما أتلفوه بشهادتهم)؛
الإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان؛ لأن رجوعهم يتضمَّن دعوى
بطلان القضاء، ودعوى إتلاف المال على المشهود علیه بشهادتهم؛
فلا يُصدَّقون في حق القضاء، ويُصدَّقون بسبب الضمان.
* (ولا يصحُّ الرجوعُ إلا بحضرة الحاكم) ولو غيرَ الأول؛ لأنه
فَسْخٌ للشهادة، فَيَختصُّ بما تختصُّ به الشهادة من المجلس، وهو
مجلس القاضي، كما في ((الهداية)).
* (وإذا شهد شاهدان بمالٍ، فحَكَم الحاكمُ به، ثم رجعا) عن
الشهادة عند الحاكم: (ضَمِنَا المالَ) المشهودَ به (للمشهود عليه)؛ لأن
السبب على وجه التعدِّي: سببُ الضمان، كحافر البئر(١)، وقد تسبَّبًا
(١) أي في قارعة الطريق.

١٥٨
كتاب الرجوع عن الشهادة
وإن رَجَعَ أحدُهما : ضَمِنَ النصفَ.
وإن شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فَرَجَعَ أحدُهم: فلا ضمان عليه، فإن
رَجَعَ آخرُ : ضَمِنَ الراجعان نصفَ المال.
طع
للإتلاف تعدِّياً، مع تعذّر تضمين المباشر، وهو القاضي؛ لأنه
كالمُلْجَأ إلى القضاء.
* (وإن رَجَعَ أحدُهما: ضَمِنَ النصفَ).
والأصل: أن المعتبر في هذا: بقاءُ مَن بقي، لا رجوعُ مَن رَجَع،
وقد بقيَ مَن يبقىُ بشهادته نصفُ الحقّ(١).
(وإنْ شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ) من الرجال، (فرَجَعَ أحدُهم: فلا
ضمان عليه)؛ لأنه بقيَ مَن يبقى بشهادته كلّ الحقِّ.
* (فإن رَجَعَ آخرُ: ضَمِنَ الراجعان نصفَ المال)؛ لأنه ببقاء
أحدهم: يبقى نصفُ الحقّ(٢).
(١) لأن وجوب الحق في الحقيقة بشهادة الشاهدَيْن، وما زاد فهو فضلٌ في حق
القضاء، إلا أن الشهود إذا كانوا أكثر من الاثنين: يضاف القضاء ووجوب الحق إلى
الكل، لاستواء حالهم، وإذا رجع واحدٌ: زال الاستواء، وظهر إضافة القضاء إلى
المثنى. البناية ٢٤٥/٨ (ط بيروت)، ٤٦١/١١ (ط باكستان)، مع التنبيه مراراً على
كثرة الأخطاء الفاحشة في طبعة بيروت.
(٢) وإن رجع الثلاثة: كان الضمان أثلاثاً.

١٥٩
كتاب الرجوع عن الشهادة
وإن شهد رجلٌ وامرأتان، فرجعت امرأةٌ: ضَمِنتْ رُبُعَ الحقِّ،
وإن رَجَعَتّا : ضَمِنَتَا نصفَ الحقِّ.
وإن شَهِدَ رجلٌ، وعَشْرُ نِسوةٍ، ثم رجع ثمانٍ منهنَّ: فلا ضمان
علیھنَّ.
فإن رجعت أخرى : كان على النسوة رُبُعُ الحقِّ.
فإن رَجَعَ الرجلُ، والنساءُ : فعلى الرجل سدسُ الحقِّ،
.
* (وإن شهد رجلٌ وامرأتان، فرجعت امرأةٌ: ضَمِنتْ رُبُعَ
الحقِّ)؛ لبقاء ثلاثةِ الأرباع ببقاء مَن بقي.
* (وإن رَجَعَتّا): أي المرأتان: (ضمنتا نصفَ الحقِّ)؛ لأن بشهادة
الرجل الباقي بقيَ نصفُ الحقِّ.
* (وإن شَهِدَ رجلٌ وعَشْرُ نِسوةٍ، ثم رجع ثمانٍ منهنَّ: فلا ضمان
عليهنَّ)؛ لأنه بقيَ مَن يبقىُ بشهادته كلّ الحقِّ.
* (فإن رجعت) امرأةٌ (أخرى: كان على النسوة) الراجعات(١)
(رُبُعُ الحقِّ)؛ لأنه بقيَ النصفُ بشهادة الرجل، والربعُ بشهادة الباقية.
* (فإن رَجَعَ الرجلُ والنساءُ) جميعاً: (فعلى الرجل سدسُ الحقِّ،
(١) في نسخ اللباب كلِّها: ((الراجعين)).

١٦٠
كتاب الرجوع عن الشهادة
وعلى النسوة خمسةُ أسداس الحقِّ عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد : على الرجل النصفُ، وعلى النسوة
النصفُ.
وإن شهد شاهدان على امرأةٍ بالنكاح بمقدارِ مهرٍ مِثْلِها، ثم
رجعا : فلا ضمان عليهما .
وعلى النسوة خمسةُ أسداس الحقِّ عند أبي حنيفة)؛ لأن كلَّ امرأتين
قامتا مقامَ رجلٍ واحدٍ، فصار كما إذا شهد بذلك ستةً رجال، ثم
رجعوا جميعاً.
(وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصفُ، وعلى النسوة
النصفُ)؛ لأنهنَّ - وإن كَثُرْن - يَقُمْن مقامَ رجلٍ واحدٍ؛ ولهذا لا تُقبل
شهادتهنَّ إلا بانضمام رجلٍ.
قال في ((التصحيح)): وعلى قول الإمام مشى المحبوبيّ،
والنسفيُّ، وغيرهما.
* (وإن شهد شاهدان على امرأةٍ بالنكاح) على مهرٍ (بمقدارِ مھرِ
مِثْلِها)، أو أقلَّ، أو أكثرَ، (ثم رجعا: فلا ضمان عليهما)؛ لأن منافع
البُضْعِ غيرُ متقوِّمة عند الإتلاف؛ لأن التضمين يستدعي المماثلة، ولا
مماثلة بين البُضْع والمال، وإنما تتقوَّم على الزوج عند التملُّك؛
ضرورةَ الملك؛ إظهاراً لخَطَر المحلِّ.