Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كتاب الصيد والذبائح الإنسان قلَّما يخلو عن النسيان، فكان في اعتباره حَرَجٌ، والحرجُ مدفوعٌ، ولأن الناسي غيرُ مخاطَبٍ بما نَسِيَه؛ بالحديث(١)، فلم يَتَرك فرضاً عليه عند الذبح، بخلاف العامد، كما في ((الاختيار)). [وقت اشتراط التسمية :] * قال في ((الهداية)): ثم التسمية في ذكاة الاختيار تُشترط عند الذبح، وهي على المذبوح، وفي الصيد: عند الإرسال، والرمي، وهي على الآلة؛ لأن المقدورَ له في الأول: الذبح، وفي الثاني: الرمي والإرسال، دون الإصابة، فتُشترط عند فِعْلٍ يقدر عليه. * حتى إذا أضجع شاةً، وسَمَّى، فَذَبَحَ غيرَها بتلك التسمية: لا يجوز. * ولو رمى الصيدَ، وسمَّى، وأصاب غيرَه: حَلّ. * وكذا في الإرسال. (١) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)). ابن ماجه ٦٥٩/١ (٢٠٤٣)، المستدرك للحاكم ١٩٨/٢ وصححه، ووافقه الذهبي، وقد حسَّنه الإمام النووي في الأربعين النووية ٣٦١/٢، (مع جامع العلوم والحكم لابن رجب، حديث ٣٩)، وفي كتابه: ((روضة الطالبين))، كما في التلخيص الحبير ٢٨١/١، وقال في المجموع ٣٠٩/٦: رواه البيهقي بأسانيد صحيحة، وينظر نصب الراية ٢/ ٦٤. ٥٦٢ کتاب الصيد والذبائح ولو أضجع شاةً، وسمَّى، ثم رمى بالشفرة، وذَبَحَ بأخرى: أُكلَ. * ولو سمَّى على سهمٍ، ثم رمى بغيره صيداً: لا يؤكل. اهـ [ما يُشترط في التسمية :] وفيها (١) أيضاً: والشرطُ في التسمية: هو الذكر الخالص * المجرَّد. * فلو قال عند الذبح: اللهم اغفر لي: لا يَحلُّ؛ لأنه دعاءٌ وسؤال. : ولو قال: الحمد لله، أو: سبحان الله: يريد التسمية: حَلَّ. : ولو عَطَسَ عند الذبحِ، فقال: الحمدُ لله: لا يَحِلُّ في أصحِّ الروايتين؛ لأنه يريد الحمدَ لله على نعمة العُطاس، دون التسمية. وما تداولته الألسن عند الذبح، وهو: بسم الله، والله أكبر: منقولٌ عن ابن عباس(٢). اهـ (١) أي في الهداية ٦٤/٤ (٢) هذا النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٣٣/٤، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَنَّ﴾، والبيهقيُّ في السنن الكبرى ٢٣٧/٥، لكن نبّه الزيلعي في نصب الراية ١٨٥/٤، أن هذه الصيغة وردت = ٥٦٣ كتاب الصيد والذبائح والذبحُ في الحَلْقِ، واللََّّةِ . [طريقة الذبح : ] (والذبحُ) الاختياري (في الحَلْق)، وهو في الأصل: الحَلْقوم، كما في ((القاموس))، (واللَبَّةِ) - بالفتح، والتشديد، بوزن: حَبَّة -: المَنْحَر: أي من العُقْدة إلى مَبدأ الصدر. وكلامُ ((التحفة))، و((الكافي))، وغيرِهما يدل على أن الحَلْقَ يُسْتَعمل في العُنُق، بعلاقة الجزئية، فالمعنى: مبدأ الحَلْق: أي أصل و العنق، كما في القَهُستاني. فكلام المصنّف محتمِلٌ للروايتين الآتيتَيْن عن ((الجامع))، و ((المبسوط)). قال في ((الهداية)): وفي ((الجامع الصغير)): لا بأس بالذبح في الحَلْق كلَّه: وسطِه، وأعلاهُ، وأسفَلِه (١). اهـ مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ٢٣/١٠ (٥٥٦٥)، وفي صحيح مسلم ١٥٥٧/٣ (١٩٦٦)، فقال: ولقد حَجَر المصنِّف - أي صاحب الهداية - على نفسه، ففيه حديث مرفوع، أخرجه الأئمة الستة، إلا أن يكون أراد الاستدلال بالقرآن مفسَّراً بقول صحابي، فيكون حسناً. اهـ (١) قال ابن عابدين في الحاشية ٢٩٤/٦: عبارة الجامع الصغير: بالواو، وأتى الشارح الحصكفي بـ ((أو))، إشارة إلى أن الواو فيها بمعنى: ((أو))، إذ ليس الشرط وقوع الذبح في الأعلى، والوسط، والأسفل، بل في واحد منها. اهـ ٥٦٤ كتاب الصيد والذبائح وعبارة ((المبسوط)): الذَّبْح ما بين اللََّّة، واللَّحْتَيْن، كالحديث(١). اهـ * قال في ((النهاية)): وبينهما اختلافٌ من حيث الظاهر؛ لأن رواية ((المبسوط)) تقتضي: الحِلَّ فيما إذا وقع الذَّبْح قَبْل العُقْدة؛ لأنه بين اللَّة واللَّحْيَيْن، وروايةُ ((الجامع)) تقتضي: عدمه؛ لأنه إذا وَقَعَ قبلها: لم يكن الحلقُ محلّ الذبح، فكانت روايةَ الجامع مقيِّدةً لإطلاق رواية ((المبسوط)). وقد صَرَّح في ((الذخيرة)): بأن الذبح إذا وقع أعلى من وہ و الحلقوم: لا يحلّ؛ لأن المَذْبَح هو الحلقوم. (١) قال الزيلعي في نصب الراية ١٨٥/٤: حديث: ((الذكاة ما بين اللَّبَّة واللَّحْيَيْن)): غريب بهذا اللفظ، لكن تعقبه العلامة قاسم في منية الألمعي ص ٤٠٥ بقوله: بل رواه محمد بن الحسن في الأصل، من حديث سعيد بن المسيب، وأخرج الدار قطني في سننه ٢٨٣/٤: ((الذكاة في الحلق واللَّبَّة))، ونقل عن صاحب التنقيح أن إسناده ضعيف بمرَّة، ثم قال الزيلعي: وأخرجه عبد الرزاق في مصنَّه موقوفاً على ابن عباس، وعمر رضي الله عنهم. اهـ. وأخرجه عنهما البيهقي في السنن ٢٧٨/٩، وذكره عن ابن عباس معلقاً البخاري في صحيحه ٦٤٠/٩ (الذبائح، باب النحر والذبح)، وقال ابن حجر في الفتح: ٦٤١/٩: وصله سعيد بن منصور، والبيهقي وإسناده صحيح، وأخرجه سفيان الثوري في جامعه عن عمر مثله، وجاء مرفوعاً من وجه واهِ. اهـ ٥٦٥ كتاب الصيد والذبائح . ــ ®(١) تخالف هذه، حيث قال: هذا ولكن رواية الإمام الرُّسْتُغْفَنِيُ (١) قول العوامِّ، وليس بمعتَبَرٍ، فَتَحِلَّ، سواءٌ بقيت العقدة مما يلي الرأس، أو الصدر؛ لأن المعتبَر عندنا: قَطْعُ أكثر الأوداج، وقد وُجِدَ. وكان شيخي (٢) يفتي بهذه الرواية، ويقول: الرُّسْتُغْفَنِيُّ إمامٌ معتمَدٌ في القول، والعمل. اهـ (١) أبو الحسن الرُّسْتُغْفَني: نسبةً إلى رُسْتُغْفَن، بضم الراء المهملة، وسكون السين المهملة، وضم التاء المثناة الفوقية، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، في آخره نون، قریة من قرئ سمرقند. واسمه علي بن سعيد، من كبار مشايخ سمرقند، كان من أجلِّ أصحاب أبي منصور الماتريدي، له كتاب: إرشاد المهتدي، وكتاب الزوائد والفوائد في أنواع العلوم، توفي نحو سنة ٣٤٥هـ، كما في الأعلام للزركلي ٢٩١/٤، وينظر الفوائد البهية ص ٦٥، تاج التراجم ص ٢٠٥، الجواهر المضية ٥٧٠/٢، ٢١٢/٤. (٢) أي شيخ صاحب النهاية، والله أعلم، وصاحب النهاية هو السِّغْناقي (الصغناقي) (الحسن) الحسين بن علي، (ت٧١١هـ)، ينظر تاج التراجم ص ١٦٠، الفوائد البهية ص ٦٢، ولعل المراد بشيخ صاحب النهاية، هو: حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، حيث تفقه السِّغناقي عليه، وفوَّضَ إليه الفتوى وهو شابٌ. كما في الفوائد البهية ص ٦٢، وينظر ص ١٩٩. وحافظ الدين هذا كان شيخاً كبيراً حافظاً ثقة متقناً محققاً مشتهراً بالرواية، وجَوْدة السماع، أخذ العلوم عنه حسام الدين السغناقي، ولد سنة ٦١٥، وتوفي سنة ٦٩٣. ينظر الفوائد البهية ص ١٩٩. ٥٦٦ كتاب الصيد والذبائح ءِ وأَيَّد الإتقاني هذه الرواية في ((غاية البيان))، وشَنَّع على مَن خالفها غايةَ التشنيع، وقال: ألا ترى قولَ محمدٍ في ((الجامع)): (أو أعلاه)، فإذا ذَبَحَ في الأعلىُ، لا بدَّ أن تبقى العقدة تحت، ولم يُلتَفَت إلى العقدة في كلام الله تعالى، ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الذكاة بين اللََّّة واللَّحْيَيْن بالحديث، وقد حصلت، لا سيما على قول الإمام من الاكتفاء بثلاثة من الأربع(١)، أيَّاً كانت، ويجوز تَرْك الحُلْقوم أصلا، فبالأَّوْلى إذا قَطَعَ من أعلاه، وبقيت العقدةُ أسفل. اهـ و ومثلَه في ((المِنَح))، عن ((البزازية))، وبه جزم صاحبُ ((الدرر))، و((الملتقى))، والعيني، وغيرهم. لكن جزم في ((النقاية))، و((المواهب))، و((الإصلاح)): بأنه لا بدَّ و أن تكون العقدةَ مما يلي الرأس، وإليه مال الزيلعي. قال شيخنا(٢): والتحرير للمَقام أن يُقال: إن كان بالذبح فوقَ (١) سيذكرها الشارح بعد قليل ص٥٦٨، وهي: الحُلْقوم، والمريء، والوَدَجان، وينظر ((منية الصيادين في تعلم الاصطياد وأحكامه))، لابن مَلَك ص ١٦٢، والدر المختار ٢٩٤/٦ مع ابن عابدين. (٢) أي ابن عابدين، وهذا النص بأكمله مع بعض اختصار هو في حاشية ابن عابدین ٦/ ٢٩٤. ٥٦٧ کتاب الصيد والذبائح والعُروقُ التي تُقْطَع في الذكاة أربعةٌ : الحُلقُومُ، العقدة قَطَعَ ثلاثةً من العروق: فالحقُّ ما قاله شُرَّاح ((الهداية)) (١)، تبعاً للرُّسْتُغْفَنِيِّ، وإلا: فالحقُّ خلافُه، إذا لم يوجد شَرْطُ الحِلِّ باتفاق أهل المذهب. ويظهر ذلك بالمشاهدة، أو سؤال أهل الخبرة، فاغتنم هذا المقال، ودَعْ عنك الجدال. اهـ [العروق التي تُقطع في الذكاة : ] (والعُروقُ التي تُقْطَع في الذكاة أربعةً: الحَلْقَومُ) - بضمٌّ و و = (٢) الحاء - أصله: الحَلْق، زِيدَ الواو، والميم، كما في ((المقاييس)): مجرىُ النَّفَس، لا غير. قهستاني. (١) كصاحب النهاية، وغاية البيان، اللَّذَيْن نقل عنهما ابن عابدين. (٢) جاء في نسخ اللباب كلها: ((بفتح الحاء))، والصواب: ((بالضم))، كما صرَّح بهذا النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٦٩/٣، والزبيدي في تاج العروس (حلقم) ٥٣٥/٣١، وقال: ((بالضم، وإنما تَرَكَ - أي صاحب القاموس - ضَبْطَه، اعتماداً على الشهرة». اهـ ونَقْلُ الميداني عن القهستاني عن ((المقاييس)» في تعريف الحلقوم، وجدتُه في جامع الرموز ٣٤١/٣، لكن بدون: ((بفتح الحاء))، وقد راجعت: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس، فلم أجد فيه ما نقله القهستاني، فلعله سقط من المطبوع، أو أراد القهستاني بـ ((المقاييس)): كتاباً آخر، وقد راجعت كشف الظنون وذيوله، فلم أجد بغيتي. ٥٦٨ كتاب الصيد والذبائح والمَرِيءُ، والوَدَجَان، فإن قَطَعها: حَلَّ الأكلُ. وإن قَطَعَ أكثرَها : فكذلك عند أبي حنيفة. وقالا: لا بُدَّ من قَطْعِ الحُلْقوم، والمريء، وأحدِ الوَدَجَيْن. (والمرِيء) - وزان: كريم -: رأسُ المعدة، والكَرِشِ اللازقِ و بالحُلقوم، يجري فيه الطعام والشراب، ومنه يدخل في المعدة، وهو مهموزٌ، وجَمْعُه: مُرُء - بضمتين -، مثل: بَرِيد، وبُرُد، وحكى الأزهريُّ الهمزَ، والإبدالَ، والإدغامَ. (مصباح)). (والوَدَجَان): تثنية: وَدَج - بفتحتين -: عِرْقان عظيمان في جانبي قُدَّام العُنَق، بينهما الحلقوم، والمريء. قهستاني. * (فإن قَطَعها): أي العروقَ الأربعة: (حَلَّ الأكلُ) اتفاقاً. (وإن قَطَعَ أكثرَها): يعني ثلاثةً منها، أيَّ ثلاثة كانت: (فكذلك): أي حَلّ الأكل (عند أبي حنيفة. وقالا: لا بُدَّ من قَطْعِ الحُلْقوم، والمَريء، وأحدِ الوَدَجَيْن). قال في ((الجواهر)): والمشهور في كتب أصحابنا: أن هذا قول أبي يوسف وحدَه. اهـ، وكذا قال الزاهدي، وصاحب ((الهداية)». ثم قال(١): وعن محمد: أنه يُعتبَر أكثرُ كلِّ فردٍ، وهو روايةٌ عن (١) هذا النص نفسه في الهداية ٦٥/٤. ٥٦٩ كتاب الصيد والذبائح ويجوز الذَّبِحُ باللَّيْطة، والمَرْوةِ، وبكلِّ شيءٍ أَنْهَرَ الدَّمَ، إلا السِّنَّ القائمَ، والظَّفُرَ القائمَ. الإمام؛ لأن كلّ فرد منها أصل بنفسه؛ لانفصاله عن غيره، ولورود الأمر بفَرْيه، فيُعتبر أكثرُ كل واحد منها. اهـ قال في ((زاد الفقهاء)): والصحيحُ قول أبي حنيفة، واعتمده الإمام المحبوبيُّ، والنسفي، وغيرُهما. ((تصحيح)). [ آلة الذبح : ] * (ويجوز الذّبحُ باللَيْطة) - بكسر اللام، وسكون الياء - هي: قِشْرُ القَصَب اللازق، كما في ((حاشية الحموي)). : (والمَرْوةِ) - بفتح الميم -، كما في ((المنح))، عن أخي زاده، قال في ((الجوهرة)): والمَروةَ: واحدة المَرْو، وهي حجارةٌ بِيْضُ برَّاقة، تُقْدَح منها النار. اهـ (وبكلّ شيءٍ) له حِدَّةٌ تَذبح به، بحيث إذا ذَبَحَ به: أفرَى الأوْدَاجَ، و(أَنْهَر): أي أسالَ (الدَّمَ)؛ لأن ذلك حقيقة الذّبح. (إلا السِّنَّ القائم): أي غيرَ المنزوع، (والظَّفُرَ القائمَ)، فإنه لا يَحلّ - وإن أفرى الأوداج، وأنهر الدم - بالإجماع؛ للنص(١)، ولأنه (١) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أَنْهَرَ الدمَ، وذُكِرَ اسمُ الله: فكُلْ، ليس السنَّ، والظُفرَ، وسأخبركم عنه: أما السِّنُّ فعَظْمٌ، وأما الظفرُ فمُدَى الحبشة)). صحيح = ٥٧٠ کتاب الصيد والذبائح ويُستحب أن يُحِدَّ الذَّابِحُ شَفْرَتَه. ومَنْ بَلَغَ بالسِّكين النُّخَاعَ، أو قَطَعَ الرأسَ كلَّه: كُرِهِ له ذلك، يقتل بالثَّقَل؛ لأنه يعتمد عليه. * قيَّد بالقائم؛ لأن المنزوعَ إذا عَمِلَ عَمَلَ السَّكِّين: حلَّ عندنا وُ وإن كَرِه. قهستاني. * (ويُستحب أن يُحِدَّ الذَّابِحُ شَفْرَتَه) - بالفتح -: السِّكِّين العظيم، وأن یکون قبل الإضجاع، وکرِه بعده. [حكم الذَّبح إذا وصل إلى النخاع، أو قطع الرأس :] * (ومَن بَلَغَ بالسِّكُّينِ النُّخَاعَ) - بتثليث النون -: هو: خيطٌ أبيض في جوف الفَقَار، يقال: ذَبَحَه فَنَخَعه: أي جاوز منتهىُ الذَّبح إلى النخاع، كما في ((الصحاح))، (أو قَطَعَ الرأسَ كلَّه) قبل أن تَسكُن: (كُره له ذلك)؛ لما فيه من زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة، وهو منهي البخاري ٦٢٣/٩ (٥٤٩٨)، صحيح مسلم ١٥٥٨/٣ (١٩٦٨). ومعنى: ((أما السنُّ ... )) أي: أما السن: فعَظْم، ولا تجوز التذكية بالعظم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وأما الظفر: فمُدَى الحبشة)): أي وهم كفار، وقد نهيتكم عن التشبه بهم، وقيل: لأن الذبح بها تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالباً إلا الخنق، فكانوا يُدمون مذابح الشاة بالظفر حتى تزهق أنفسها بالخنق، وقيل: هو طِيْبٌ من بلاد الحبشة، يُخنق به الحيوان. اهـ. ملخصاً من فتح الباري لابن حجر ٦٢٩/٩. ٥٧١ كتاب الصيد والذبائح وتُؤكل ذبيحتُه . وإن ذَبَحَ الشاةَ من قفاها: فإن بقيت حيةً حتىُ قَطَعَ العروقَ: جاز، ویکره. وإن ماتت قبل قَطْع العروق : لم تؤكل . وما استأنسَ من الصيد : فذكاتُه : الذَّبِحُ. عنه، (وتُؤكل ذبيحتُه)؛ لأن كراهة الفعل: لا توجب التحريم. [َذَبْحُ الشاة من قفاها : ] * (وإن ذَبَحَ الشاةَ من قفاها: فإن بقيت حيةً حتى قَطَعَ العروقَ) اللازمَ قَطْعُها: (جاز)، وحلَّت؛ لتحقّق الموت بما هو ذكاة، (و) لكن (يكره) ذلك؛ لما فيه من زيادة التعذيب من غير حاجة، كما مرَّ. (وإن ماتت) الشاة (قبل قَطْع العروق: لم تؤكل)؛ لوجود الموت بما ليس بذکاة. [ذكاة ما استأنس : ] (وما استأنسَ من الصيد)، وصار مقدوراً عليه، (فذكاتُه: الذّبحُ)؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يُصَار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار، ولا عَجْز إذا استأنس، وصار مقدوراً عليه. ٥٧٢ كتاب الصيد والذبائح وما توحَّش من النَّعَم : فذكاتُه : العَقْرُ، والجَرْحُ. والمستحبُّ في الإبل: النَّحْرُ، فإن ذَبَحَها : جاز، ويُكره. [ذكاة ما توخَّشَ من النَّعَم : ] * (وما توخَّش من النَّعَم)، وصار ممتنعاً لا يُقْدَر عليه: (فذكاتُه) ذكاةُ الضرورة: (العَقْرُ، والجَرْحُ)؛ لتحقَّق العَجْزِ. [استحباب نَحْر الإبل، وذبح البقر والغنم : ] * (والمستحبُّ في الإبل: النَّحْرُ) في اللَّبَّة، وهو موضع القِلادة من الصدر؛ لموافقة السُّنَّة المتوارَثة (١)، ولاجتماع العروق فيها في المَنْحر. (فإن ذَبَحَها) من الأعلى: (جاز، و) لكن (يُكره)؛ لمخالفة السُّنَّة. (١) نَحْر الإبل ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم، فقد نحر صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة، كما في صحيح البخاري ٥٥٣/٣ (١٧١٢)، وصحيح مسلم ٨٩٢/٢ (١٢١٨). وأما ذَبْح البقر، فقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أيضاً، كما في صحيح البخاري ٥٥١/٣ (١٧٠٩)، وصحيح مسلم ٨٧٦/٢ (١٢١١). وكذلك ذَبْح الغنم ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري ١٨/١٠ (٥٥٥٨)، وصحيح مسلم ١٥٥٦/٣ (١٩٦٦)، وينظر نصب الراية ١٦٣/٣. ٥٧٣ كتاب الصيد والذبائح والمستحبُّ في البقر والغنم: الذَّبِحُ، فإن نَحَرَهما: جاز، ويُكره. ومَن نَحَرَ ناقةً، أو ذَبَحَ بقرةً، أو شاةً، فوجد في بطنها جنيناً ميتاً : لم يؤكل، أشعر، أو لم يُشعِر. (والمستحبُّ في البقر والغنم: الذَّبِحُ) من أعلى العُنُق؛ لأنه المتوارث، ولاجتماع العروق فيهما في الذبح. (فإن نَحَرَهما) من أسفل العنق: (جاز) أيضاً، (و) لكن (يُكره)؛ لمخالفته السُّنَّة. [حكم الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذبح أمه :] * (ومَن نَحَرَ ناقةً، أو ذَبَحَ بقرةً، أو شاةً، فوجد في بطنها جنيناً ميتاً: لم يؤكل)، سواء كان (أشعر، أو لم يُشعِر): يعني تمّ خَلَقَه، أو 13 لم يَتِمَّ؛ لأنه لا يُشْعِر إلا بعد تمام الخَلْقِ. قال في ((الهداية)): وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول زفرَ، والحسنِ بن زياد. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تمَّ خَلْقُه: أُكِلَ. اهـ قال في ((التصحيح)): واختار قول أبي حنيفة: الإمامُ البرهاني، والنسفي، وغيرُهما. اهـ ٥٧٤ باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل * ولا يجوز أَكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السباعِ، ولا كلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير . ولا بأس بأكل غُرابِ الزرع. باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل * (ولا يجوز أكل كل ذي نابٍ) يصيد به (من السباع): بيان الذي ناب. يبِ والسباعُ: جَمْع: سَبُع، وهو: كلُّ حيوانٍ مختَطِفٍ منْتَهِبٍ جارحٍ قاتلٍ عادٍ عادةً. ((هداية)). * (ولا كلِّ ذي مِخْلَب) - بكسر الميم - يصيد به، والمخْلَبُ: ظَفُرُ كلَ سَبُع من الماشي، والطائر، كما في ((القاموس)): (من الطير): بيانٌ لذي مِخْلَب. * (ولا بأس بأكل غُراب الزرع)، وهو المعروف بـ: الزَّاغ؛ لأنه يأكل الحبّ، وليس من سباع الطير. * وكذا الذي يَخْلِطُ بين أكل الحبِّ، والجِيَف، كالعَقْعَق، وهو المعروف بـ: القَاق، على الأصح، كما في ((العناية))، وغيرها. وفي ((الهداية)): لا بأس بأكل العَقْعَق؛ لأنه يُخَلِّط، فأشبه الدجاجة. ٥٧٥ باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل ولا يُؤكل الأبقعُ الذي يأكل الجِيَف. وعن أبي يوسف: أنه يُكره؛ لأن غالب أكله الجيف. (ولا يُؤكل) الغُرابُ (الأبقعُ الذي يأكل الجِيَفَ): جَمْعُ: جِيْفَة: جُثّة الميت إذا أراح(١)، كما في ((الصحاح)). قال القُهُستاني: أي لا يأكل إلا الجيفةَ، وجُثَّةَ الميت. وفيه إشعارٌ بأنه لو أكل من الثلاثة: الجِيفةِ، والجثة، والحبِّ جميعاً: حَلّ، ولم یکره. وقالا: يُكره، والأول أصح. اهـ * وفي ((العناية)): والغرابُ ثلاثة أنواع: - نوعٌ يلتقط الحبَّ، ولا يأكل الجِیَف، وليس بمكروه. - ونوعٌ لا يأكل إلا الجِيَفَ، وهو الذي سمَّاه المصنَّف(٢). الأبقع، وأنه مكروه. - ونوعٌ يَخْلِط: يأكل الحبَّ مرةً، والجِيَفَ أخرى، ولم يذكره في ((الكتاب))(٣)، وهو غيرُ مكروهِ عند أبي (١) أراح اللحمُ: أي أنتن. مختار الصحاح (روح). (٢) أي المرغيناني صاحب الهداية. (٣) يحتمل أنه أراد: ((الهداية))، إذ هو كلام البابرتي في العناية شرح الهداية، ويحتمل أنه أراد: ((مختصر القدوري)). ٥٧٦ باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل ويُكره أكلُ الضَّبُّع، والضبِّ، والحشراتِ كلِّها. حنيفة(١)، مكروهٌ عند أبي يوسف. اهـ (ويُكره): أي لا يَحِلُّ(٢) (أكلُ الضَُّّع)؛ لأن له ناباً. * (والضبِّ): دابةً تُشبه الجرْذَوْن، لورود النهي عنه (٣)؛ ولأنه من الحشرات. * (والحشرات) وهي صغَار دوابِ الأرض (كلِّها): أي المائيِّ، والبرِّي، كالضِّفْدعِ، والسُّلَحْفَاةِ، والسرطانِ، والفأرِ، والوَزَغِ، والحَيَّات؛ لأنها من الخبائث، ولهذا لا يجب على المَحْرم بقتلها شيء. (١) في نسخ اللباب: ((عنده))، وهو في العناية ٤١٧/٨ بالتصريح كما أثبت، والنقل عنها. (٢) ونصَّ ابن عابدين ٣٠٥/٦ على عدم حلِّه، وكذلك ابنُ مَلَك في منية الصيادين ص٥٢، وينظر شرح مختصر الطحاوي للجصاص ٥٦٠/٨، والهداية ٦٨/٤، بدائع الصنائع ٣٧/٥، وينبه إلى أن المكروه تحريماً يطلق عليه: عدم الحل. (٣) فقد روى أبو داود في سننه ٢٩٧/٤ (٣٧٩٠) عن عبد الرحمن بن شبل ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضبِّ))، وإسناده حسن، كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦٦٥/٩، متعقباً مَن ضعَّفه، فقد قال بعد هذا: ( ولا يُغْتَرُّ بقول الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقولِ ابن حزم: فيه ضعفاء مجهولون، وقولِ البيهقي: تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجة، وقولِ ابن الجوزي: لا يصح، ففي كل ذلك تساهلٌ لا يخفى)). اهـ ٥٧٧ باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل ولا يجوز أكْلُ لحم الحُمُر الأهلية، والبِغَالِ . ويُكره أكْلُ لحم الفرس عند أبي حنيفة. * (ولا يجوز أكْلُ لحم الحُمُر) - بضمتين - (الأهلية)؛ لورود النهي عنها (١). : (والبغال)؛ لأنها متولِّدة من الحُمُر(٢)، فكانت مثلها. قيَّد بالأهلية؛ لأن الوحشيةَ حلالٌ وإن صارت أهليةً. وإن نَزَا أحدُهما (٣) على الآخر: فالحكم للأم، كما في ((النَّظْم))، قهستاني. (ويُكره أَكْل لحم الفرس عند أبي حنيفة). قال الإمام الإِسبيجابي: الصحيحُ أنها كراهةٌ تنزيه. وفي ((الهداية))، و((شرح الزاهدي)): ثم قيل: الكراهة عنده كراهة تحريم"، (١) صحيح البخاري ٦٥٣/٩ (٥٥٢١)، صحيح مسلم ١٥٤١/٣ (١٩٤١). (٢) البغل مركَّب من الفرس، والحمارة. ينظر حياة الحيوان للدميري ١٢٦/١. (٣) أي الحمار الأهلي والحمار الوحشي. (٤) والتحريم ليس لنجاسة لحمها، بل احتراماً لها، حيث هي آلة الجهاد، وبها يقع إرهاب العدو، ويضرب لها بسهم. ينظر الجوهرة ٢٨٠/٢، ابن عابدين ٣٠٥/٦. ٥٧٨ باب ما يَحِلّ أَكْلُه، وما لا يَحِل ولا بأس بأكل الأرنب. وإذا ذُبِحَ ما لا يؤكل لحمُهُ : طَهُرَ لحمُه، وجلدُه . و ء(١) وقيل: كراهة تنزيه، والأول أصحّ . وقالا : لا بأس بأكله. ورجَّحوا دليلَ الإمام، واختاره المحبوبيّ والنسفي والموصلي، وصدر الشريعة. (تصحیح)). (ولا بأس بأكل الأرنب)؛ لأنه ليس من السباع، ولا من آكلة الجيف، فأشبه الظبي. [ آثار تذكية ما لا يؤكل لحمه : ] (وإذا ذُبحَ ما لا يؤكل لحمه: طَهُرَ) - بفتح الهاء، وضمِّها - (لحمُهُ، وجلدُه)؛ لأن الذكاة تؤثر في إزالة الرطوبات، والدماء السيَّالة، وهي النجسة، دون الجلد واللحم، فإذا زالت: طَهُرت، كما في الدباغ. ((هداية)). (١) قوله: ((والأول أصح)): هو من تمام كلام صاحب الهداية ٦٩/٤، وينظر العناية، والكفاية ٤٢١/٨، لكن قال الحصكفي في الدر المختار ٣٠٥/٦ (مع ابن عابدين): ((وقيل إن أبا حنيفة رجع عن حرمته قبل موته بثلاثة أيام، وعليه الفتوى. عمادية)). اهـ، وقال ابن عابدين معلقاً: وعليه الفتوى، فهو مكروه كراهة تنزيه، وهو ظاهر الرواية، ثم نقل أقوال طائفة أخرى ممن يقول بترجيح كراهة التحريم، وتمامه في رد المحتار. ٥٧٩ باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل إلا الآدميَّ، والخنزيرَ، فإن الذكاة لا تَعملَ فيهما. ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك. ويُكره أكلُ الطافي منه. قال في ((التصحيح)): وهذا مختار صاحب ((الهداية))(١)، و((التحفة))، وفي ((المحيط)): وهو الصحيح من المذهب. وقال كثير من المشايخ: يطهر جلده، لا لحمه، وهو الأصحّ، كما في ((الكافي))، و(الغاية))، و((النهاية))، وغيرِها. اهـ (إلا الآدميَّ، والخنزيرَ، فإن الذكاة لا تعمل فيهما): الآدميُّ؛ لكرامته وحُرْمته، والخنزيرُ؛ لنجاسة عينه، وإهانته، كما في الدباغ. [حكم حيوان الماء :] * (ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾(٢)، وما سوى السمك خبيثٌ. (ويُكره أَكْلُ الطافي منه) على وجه الماء، الذي مات حَتْفَ (١) في نسخ اللباب: ((وهذا مختار صاحب الهداية أيضاً، وقال: كثير من المشايخ ... ))، وهكذا في التصحيح - والنقل عنه - في (ط دار الكتب العلمية ص٤١٧)، وكذلك في نسخ مخطوطة من التصحيح مما هو عندي، وجاء في نسخ أخرى مخطوطة من التصحيح كما أثبتُّ، وهو المثبت في (ط دار البشائر ص ٤٩٧). (٢) الأعراف / ١٥٧. ٥٨٠ باب ما يَحِلّ أكْلُه، وما لا يَحِل ولا بأس بأكل الجِرِّيث، والمَارْماهي. أنفه، وهو ما بَطْنُه من فوق، فلو ظَهْرُه من فوق، فليس بطافٍ: فيؤکل. كما يؤكل ما في بطن الطافي(١). وما مات بحَرِّ الماء، وبَرْدِه(٢). وبرَبْطه فيه(٣)، أو إلقاء شيءٍ (٤)؛ فمَوْتُه بآفة، ((در))، عن ((الوهبانية)). (ولا بأس بأكل السمك (الجرِّيث) - بكسر الجيم، وتشديد الراء - ويقال له: الجَرْي: ضربٌ من السمك مُدَوَّر، (والمَارْماهي): ضَرْبٌ من السمك في صورة الحيَّة. قال في ((الدرر)): وخصَّهُما بالذكر: إشارةً إلى ضَعْف ما نُقِل في (١) لموته بضيق المكان، وهذا إذا كانت المظروفة صحيحة. ابن عابدين ٣٠٧/٦. (٢) يعني يؤكل. (٣) أي في الماء، فَيَحِلُّ، لأنه مات بآفة. ابن عابدين ٣٠٧/٦. (٤) أي ألقى شيئاً في الماء، فأكلته السمكة فماتت منه، وكان يعلم أنها تموت منه: فتَحِلّ. ابن عابدين ٣٠٧/٦.