Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الحدود تُنْزَعُ عنه ثيابُه، ويُفَرَّقُ الضَّرْبُ على أعضائه، إلا رأسَه، ووجهَه، وفرجه . الإفضاء الأول إلى الهلاك، وخُلَوِّ الثاني عن المقصود، وهو الانزجار. و(تُنْزَع عنه ثيابُه)، دون الإزار، لستْر عورته. (ويُفَرَّق الضربُ على أعضائه)؛ لأن الجمع في عضوٍ واحدٍ قد يُفضي إلى التلف، (إلا رأسَه)؛ لأنه مَجْمَع الحواس، (ووجهَه)؛ لأنه مجمع المحاسن، فلا يُشَوَّه، (وفرجَه)؛ لأنه مَقْتَلٌ. * قال في ((الهداية)): ويُضرَب في الحدود كلها قائماً غير ممدود؛ لأن مبنى إقامة الحد على التشهير، والقيامُ أبلغُ فيه. * ثم قوله: ((غير ممدود)): فقد قيل: المدُّ: أن يُلقى على الأرض، ويُمَدَّ كما يُفْعَل في زماننا (١). وقيل: أن يُمَدَّ السوطُ، فيرفعُه الضاربُ فوقَ رأسه. وءُ وقيل: أن يَمُدَّه بعد الضرب، وذلك كُلّه لا يُفعل؛ لأنه زيادة على المستَحَقِّ. اهـ (١) هذا من كلام صاحب الهداية ٩٧/٢، المتوفى سنة ٥٩٣ هـ. ٤٦٢ كتاب الحدود وإن كان عبداً : جَلَدَه خمسين كذلك. فإن رَجَعَ المُقِرُّ عن إقراره قبل إقامة الحد عليه، أو في وَسَطه : قُبِلَ رُجوعُه، وخُلِّيَ سبيلُه. ويُسْتحبُّ للإمام أن يُلقِّن المقرَّ الرجوعَ، ويقولَ له : لعلَّكَ لَمَسْتَ، أو قَبَّلْتَ. [حدُّ العبد غير المحصن : ] * (وإن كان عبداً: جَلَدَه خمسين) جلدةً (كذلك(١)): أي كما مرَّ في جَلْد الحر؛ لأن الرِّقَّ مُنَصِّف للنعمة، ومُنْقص للعقوبة. [رجوع المقرِّ بالزنا عن إقراره : ] * (فإن رجع المُقِرُّ عن إقراره قبل إقامة الحد عليه، أو في وَسَطه: قُبِلَ رُجوعُه، وخُلِّيَ سبيلُه)؛ لأن الرجوعِ خبرٌ محتمِلٌ للصدق، و كالإقرار، وليس أحدٌ يكذّبه، فتتحقق الشبهة في الإقرار. بخلاف ما فيه حق العبد، كالقصاص، وحدٌّ القذف؛ لوجود من يُكذِّبه، ولا كذلك خالص حقِّ الشرع. ((هداية)). : (ويُستحبُّ للإمام أن يُلقَن المقرَّ الرجوعَ) عن إقراره، (ويقولَ له: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ، أو قَبَّلْتَ)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (١) وجاء في نسخ القدوري (٨٤٠هـ، ١٣٠٩ هـ، ١٣٢٤هـ): ((وكذلك الأمة)). ٤٦٣ كتاب الحدود والرجلُ والمرأةُ في ذلك سواءٌ، غيرَ أن المرأة لا تُنْزَع عنها ثيابُها، إلا الفَرْوُ، والحَشْوُ. وإن حُفِرَ لها في الرَّجْم : جاز. الماعز(١): (لعلَّك لَمَسْتَها، أو قَبَلْتَها))(٢). قال في ((الأصل)): وينبغي أن يقول له الإمامُ: لعلَّك تزوَّجْتَها، أو: وطئتها بشبهة، وهذا قريبٌ من الأول. ((هداية)). : (والرجلُ والمرأةُ في ذلك سواءٌ)؛ لأن النصوص تشملُهما، (غيرَ أن المرأة لا تُنزَع عنها ثيابُها)؛ تحرُّراً عن كشف العورة؛ لأنها عورة، (إلا الفَرْوُ والحَشْوُ)؛ لأنهما يَمنعان وصول الألم إلى المضروب، والسَّتْرُ حاصلٌ بدونهما. وتُضْرَبُ الحدَّ جالسةً؛ لأنه أسترُ لها. * (وإن حُفرَ لها في الرَّجْمِ: جاز)، وهو أحسن؛ لأنه أسترُ لها، وإن تَرَكَه: لا يضر؛ لأنها مستورة بثيابها، كما في ((الهداية)). (١) ماعز: هو ابن مالك الأسلمي، ترجم له الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣٣٧/٣، وقال فيه صلى الله عليه وسلم: ((لقد تابَ توبة، لو تابها طائفة من أمتي: لأجزأت عنهم)). صحيح مسلم ١٣٢١/٣ (١٦٩٥)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد رأيتُه يتحصص في أنهار الجنة))، كما في صحيح أبي عوانة، وابن حبان، وغيرهما. (٢) صحيح البخاري ١٢/ ١٣٥ (٦٨٢٤). ٤٦٤ كتاب الحدود ولا يقيمُ المولى الحدَّ على عبده وأمته إلا بإذن الإمام. وإذا رَجَعَ أحدُ الشهود بعد الحكم، وقَبْل الرجم : ضُرِبوا الحدَّ، وسَقَطَ الرَّجْمُ عن المحكوم عليه . [لا يقام الحد إلا بإذن الإمام : ] : (ولا يُقيم المولى الحدَّ على عبده وأمته إلا بإذن الإمام)؛ لأن الحدَّ حقُّ الله تعالى؛ لأن المقصد منه إخلاء العالَم عن الفساد، ولهذا لا يَسقط بإسقاط العبد، فيستوفيَه مَن هو نائبٌ عن الشرع، وهو الإمام أو نائبه، كما في ((الهداية)). [حكم ما لو رجع أحد الشهود عن شهادته : ] * (وإذا رَجَعَ أحدُ الشهود بعد الحكم، وقَبْل الرجم: ضُرِبوا): أي الشهودُ كلِّهم: الراجعُ والباقي، (الحدَّ): أي حدَّ القذف؛ لصيرورتهم قَذَفَةً بنقصان العدد قَبْل إقامة الحد، كما قَبْل الحكم، (وسَقَطَ الرَّجْمُ عن المحكوم (١) عليه)؛ لنقصان العدد قبل إقامة الحد، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يُحدُّ الراجعُ فقط. وعلى قولهما اعتمد الأئمة. ((تصحيح)). (١) وفي نسخ من القدوري: ((المشهود))، بدل: ((المحكوم))، وفي نسخ أخرى: ((سقط الرجم، فإن رجع ... ))، أي بدون لفظ: ((المشهود))، أو: ((المحكوم عليه)). ٤٦٥ كتاب الحدود فإن رَجَعَ بعد الرجم: حُدَّ الراجعُ وحدَه، وضَمِنَ رُبُعَ الدية. وإن نَقَصَ عددُ الشهود عن أربعةٍ : حُدُّوا جميعاً. وشَرْطُ الإحصانُ: أن يكون حُرَّاً، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، قد تزوج امرأةً نكاحاً صحيحاً، ودَخَلَ بها، وهما على صفة الإحصان. (فإن رَجَعَ) أحدُهم (بعد الرجم: حُدَّ الراجعُ وحدَه)؛ لأن الشهادة تأكَّدت بإقامة الحد، والراجعُ صار قاذِفاً في الحال بالشهادة السابقة، (وضَمِنَ رُبُعَ الدية)؛ لأن رُبُعَ النفس تَلِفَ بشهادته. (وإن نَقَصَ عددُ الشهود عن أربعة: حُدُّوا جميعاً)؛ لأنهم قَذَفَة. [شروط الإحصان : ] (وشَرْطُ الإحصان(١): أن يكون حُرَّاً، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، قد تزوج امرأةً نكاحاً صحيحاً، ودَخَلَ بها، وهما): أي الزوجان (على صفة الإحصان). * قال في ((الهداية)): فالعقل، والبلوغ شَرْطٌ لأهلية العقوبة؛ إذ لا خطاب دونهما، وما وراءهما يُشترط لتكامل الجناية، بواسطة تكامل النعمة، إذ كُفران النعمة يتغلَّظ عند تكثُّرها، وهذه الأشياء من جلائل النِّعَم، وقد شُرع الرجم بالزنا عند استجماعها، فيُناط به. (١) وفي نسخ أخرى من القدوري: ((وإحصان الرجم : ... )). ٤٦٦ كتاب الحدود ولا يُجمَع في المحصَن بين الجلد والرجم. * ثم قال: والمعتبر في الدخول: الإيلاج في القبل على وجهِ يوجب الغُسْل. وشَرْطُ صفة الإحصان فيهما: عند الدخول، حتى لو دخل بالمنكوحة الكافرة(١)، أو المملوكة، أو المجنونة، أو الصبية: لا يكون محصناً. ( وكذا إذا كان الزوج موصوفاً بإحدى هذه الصفات(٢)، وهي(٣) حرةٌ، مسلمةٌ، عاقلةٌ، بالغةٌ، وتمامُه فيها (٤). [لا يجمع بين الجلد والرجم : ] * (ولا يُجمَع في المحصَن بين الجلد والرجم)؛ لأن الجلد يَعْرَىُ (١) فلا يكون محصناً لو دخل بالكافرة النصرانية، فهي لا تحصِّن المسلم. ينظر البناية ٢٢١/٦، وفي تصحيح القدوري ص ٤٦٨: وعن أبي يوسف: أنه يصير محصناً بالكتابية، والمعتمد قولهما، وعليه مشى الأئمة. (٢) وهي: الكفر، والمملوكية، والجنون، والصبا، والعبودية، وصورة الكفر: أن يكونا كافرين، فأسلمت الزوجة، ودخل بها الزوج قبل عرض الإسلام عليه؛ لأنه لما لم يفرِّق القاضي بينهما بالإباء عند عرض الإسلام: فهما زوجان. ينظر العناية ٢٥/٥. (٣) أي الزوجة. (٤) أي في الهداية ٩٨/٢. ٤٦٧ كتاب الحدود ولا يُجْمَع في البِكْر بين الجلد والنفي، إلا أن يَرىُ الإمامُ ذلك مصلحةً، فيُغرِّبَه على قَدْر ما يراه. عن المقصود مع الرجم؛ إذ هو (١) في العقوبة أقصاها، وزَجْرُه لا یحصل بعد هلاکه. (ولا يُجْمَع في البِكْر بين الجلد والنفي)؛ لأنه زيادةٌ على النصِّ(٢)، والحديثُ منسوخٌ كشَطْره، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((والثيب بالثيب، جَلْدُ مائة ورَجْمٌ بالحجارة))(٣)، كما في ((الهداية)). (إلا أن يَرى الإمامُ ذلك مصلحةً، فيُغرِّبَه على قَدْر ما يراه) من المصلحة، وذلك تعزيرٌ وسياسة (٤)؛ لأنه قد يُفيد في بعض الأحوال، فيكون الرأيُ فيه للإمام، وعليه(٥) يُحمَلِ النَّفْيُ المرْوِيُّ عن بعض (١) أي الرجم. البناية ٨ /٣٦٢. (٢) وهو قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُواْ ﴾ النور /١. (٣) هذا حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: («خذوا عني. خذوا عني. قد جَعَلَ الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد والرجم)). صحيح مسلم ١٣١٦/٣ (١٦٩٠)، والشطر الأول في صحيح البخاري ١٥٦/١٢ (٦٨٣١)، وينظر نصب الراية ٣٣٠/٣، والبناية للعيني ٢٣٢/٦، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص ٢٠١، وفيه نَقَلَ نسخ حديث عبادة بن الصامت عن أكثر أهل العلم. (٤) لا على أنه حدٌّ. البناية ٦/ ٢٣٣. (٥) أي وعلى ما ذُكر من التعزير والسياسة. ٤٦٨ كتاب الحدود وإذا زَنَىُ المريضُ، وحَدُّه الرجمُ: رُجِمَ. وإن كان حدُّه الجلدَ : لم يُجْلَد حتى يبرأ. وإذا زَنَت الحاملُ: لم تُحَدَّ حتى تضَعَ حَمْلَها : فإن كان حدُّها الجلد : فحتى تتعالى من نفاسها . الصحابة(١) رضي الله عنهم. ((هداية)). [رجم الزاني المريض : ] * (وإذا زَنىُ المريضُ، وحَدُّه) الواجبُ عليه (الرجمُ: رُجِمَ)؛ لأن الإتلاف مستَحَقٌّ، فلا يمتنع بسبب المرض. * (وإن كان حدّه الجلدَ: لم يُجْلَد حتى يبرأ)؛ تحرُّزاً عن التلف. [إقامة الحد على الزانية الحامل : ] * (وإذا زَنَت الحاملُ) ووجب عليها الحدُّ: (لم تُحَدَّ حتى تضَعَ حَمْلَها)؛ تحرُّزاً عن إهلاك الولد؛ لأنه نَفْسٌ محترمة. (فإن كان حدُّها الجلدَ: فحتى تتعالى(٢)): أي ترتفع وتخرج (من نفاسها)؛ لأنه نوعُ مرضٍ، فيؤخَّر إلى البرء. (١) رُويَ التغريب عن أبي بكر وعمر وغيرهما. ينظر نصب الراية ٣٣١/٣. (٢) قال في الجوهرة ٢٤٣/٢: وفي بعض النسخ: ((تعالى)): وهو سهوٌ، والصواب ((تتعلَّى)). اهـ، قلت: وفي المُغرب ٢/ ٨٠ أثبت جواز اللفظين. ٤٦٩ كتاب الحدود وإن كان حدُّها الرَّجْمَ: رُجِمَتْ. وإذا شهد الشهودُ بحدٍّ متقادم، لم يَقْطَعْهم عن إقامته بُعدُهم عن الإمام : لم تُقبَل (وإن كان حدُّها الرَّجْمَ: رُجِمَتْ) بمجرَّد وَضْع الحمل؛ لأن التأخير لأجل الولد، وقد انفصل. وعن أبي حنيفة: أنها تُؤخَّر إلى أن يستغنيَ الولدُ عنها إذا لم يكن أحدٌ يقوم بتربيته؛ لأن في التأخير صيانةَ الولد عن الضياع(١)، كما في ((الهداية)). [الشهادة بحدٌّ متقادِم : ] * (وإذا شهد الشهودُ بحدٍّ متقادِم، لم يَقْطَعْهم(٢) عن إقامته بُعدُهم عن الإمام)، أو مرضُهم، أو خوفُ طريقهم: (لم تُقْبَل (١) وقد أخَّر صاحب الهداية دليل هذه الرواية، مما يدل على ترجيحه لها، كما هي عادته رحمه الله في الهداية. وعلى هذه الرواية، بأنها لا ترجم بعد الوضع إن لم يكن للمولود من يربِّيه: جرى صاحب الدر المختار، بدون ذكرٍ لغيرها من الروايات، وعلّق عليه ابن عابدين ١٥٢/١٢ (ط دمشق) بقوله: هذه روايةٌ عن الإمام، اقتصر عليها صاحب المختار، قال في البحر: وظاهره: أنها هي المذهب، وفي النهر: ولعَمْري إنها من الحُسْن بمكان. اهـ، وينظر البحر الرائق ١٢/٥، الهداية وشروحها مع فتح القدير ٣٠/٥. (٢) وفي نسخ من القدوري: (لم يمنعهم)). ٤٧٠ كتاب الحدود شهادتُهم إلا في حدِّ القذف خاصةً. شهادتُهم)؛ للتهَمَة؛ لأن التأخير: إن كان لاختيار السَّتْر، فالإقدام على الأداء بعد ذلك: لضَغِينةٍ هَيَّجَتْهُ، أو لعدَاوة حَرَّكَتْه، فيُّتَّهم فيها، وإن كان لغير السَّتْر: يصير فاسقاً آئماً، فتيقَنَاً بالمانع. * (إلا في حدِّ القذف خاصةً): أي فتقبل؛ لأن فيه حقَّ العبد، لما فيه من دَفْع العار عنه، والتقادمُ غيرُ مانع في حقوق العباد، ولأن الدعوی فیه شَرْط، فيُحْمَل تأخيرُهم على انعدام الدعوى، فلا يوجب تفسیقھم. [الزمن المعتبر في التقادم : ] * قال في ((الهداية)): واختلفوا في حدَّ التقادم، وأشار في ((الجامع الصغير)): إلى ستة أشهر، فإنه قال: بعدَ حين، وهكذا أشار الطحاوي. وأبو حنيفة لم يقدِّر في ذلك، وفوَّضه إلى رأي القاضي في كل عصر. وعن محمد: أنه قدَّره بشهر؛ لأن ما دونه عاجلٌ، وهو روايةً عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو الأصح. اهـ وفي قاضيخان: والشهرُ وما فوقَه متقادمٌ، فَيَمنع قبولَ الشهادة، وعليه الاعتماد. اهـ عد ٤٧١ كتاب الحدود ومَن وطىء امرأةً أجنبيةً فيما دون الفرج : عُزِّرَ. ولا حدَّ على مَن وطىء جاريةً ولدِهِ، وولدٍ ولدِهِ وإن قال: علمتُ أنها عليَّ حرام. [عقوبة الوطء فيما دون الفرج : ] * (ومَن وطئ امرأةً أجنبيةً فيما دون الفرج)، كتفخيذٍ، وتبطينٍ: (عُزِّرَ)؛ لأنه منْكَرٌ ليس فيه شيء مقدَّر. وشَمِلَ قولُه: فيما دون الفرج: الدبرَ، وهو قول الإمام؛ لأنه ليس بزنى، كما يأتي قريباً. * (ولا حدَّ على مَن وطئ جاريةَ ولده، أو ولد (١) ولده) وإن سَفَل، ولو ولدُه حيّاً. ((فتح)). (وإن (٢) قال: علمتُ أنها عليَّ حرام)؛ لأن الشبهة حُكمية، لأنها نشأت عن دليل، وهو قولُه صلى الله عليه وسلم: ((أنتَ ومالك لأبيك))(٣). * والأبوة قائمة في حقِّ الجدّ(٤). ((هداية)). (١) أي جارية ولدٍ ولده، وفي نسخ من القدوري: ((جارية ولده وولد ولده)). (٢) (إن): هنا وصلية، أي لا يجب عليه الحد وإن قال .... (٣) تقدم تخريجه. (٤) أي إن حُكْم الجد: مثل حكم الأب في عدم وجوب الحد وإن كان الأب = ٤٧٢ كتاب الحدود وإذا وطىء جاريةَ أبيه، أو أمِّه، أو زوجته، أو وطىء العبدُ جاريةً مولاه، وقال : علمتُ أنها عليَّ حرام : حُدَّ. وإن قال: ظننتُ أنها تَحِلُّ لي: لم يُحَدَّ. ومَن وطىء جاريةَ أخيه، أو عمِّه، وقال : ظننتُ أنها . ٠ : (وإذا وطئء جاريةَ أبيه، أو أمِّه(١)) وإن عَلَيا، (أو زوجته، أو وطى العبدُ جاريةَ مولاه، وقال: علمتُ أنها عليَّ حرام: حُدَّ)؛ لعدم الشبهة. وُ (وإن قال: ظننتُ أنها تَحلّ لي: لم يُحَدَّ)؛ لأن بين هؤلاء انبساطاً في الانتفاع، فظنُّه في الاستمتاع محتَمَلٌ(٢)، فكان شبهةً اشتباه. ءِ * وكذا لو قالت الجاريةُ: ظننتُ أنه يَحِلّ لي، والفَحْلَ لم يدَّع الحلّ؛ لأن الفعل واحد، كما في ((الجوهرة)). : (ومَن وطئ جاريةَ أخيه، أو عمِّه، وقال: ظننتُ أنها حياً. البناية ٢٤٨/١٢. (١) أي جارية أمه. (٢) لفظ: ((محتمل)): مثبت في الهداية ١٠١/٢، والنقل عنها بغير تصريحٍ، وكذلك مثبت في نسخة د من اللباب، وقد سقطت من بقية نسخ اللباب. ٤٧٣ كتاب الحدود حلالٌ: حُدَّ. ومَن زُفَّت إليه غيرُ امرأته، وقالت النساء: إنها زوجتُك، و فوطئها : فلا حدَّ علیه، وعلیه المھرُ . حلالٌ: حُدَّ)؛ لأنه لا انبساط في المال فيما بينهما. · وكذا سائر المحارم، سوى الولاد(١)؛ لما بيَّنًا. ((هداية)). [حكم مَن زُقَّت إليه غير امرأته فوطئها :] (ومَن زُفّت إليه غيرُ امرأته، وقالت النساء: إنها زوجتُك، و فوطئها: فلا حدَّ عليه)؛ لأنه اعتمد دليلاً - وهو الإخبار - في موضع الاشتباه، إذ الإنسانَ لا يميِّز بين امرأته وبين غيرها في أول الوَهْلة، فصار کالمغرور. * (وعليه المهر(٢))؛ لما تقرَّر أن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر (٣)، أو عُقْر، وقد سقط الحَدُّ بالشبهة، فيجب المهر. (١) أي سوى قرابةٍ فيما به الولاد، كالخال والخالة وغيرهما. البناية ٣٨٣/٨. (٢) أي يجب عليه مهر المثل، ويجب عليها العدة. الجوهرة النيرة ٢٤٥/٢، البناية ١٢/ ٢٥٠، وقال ابن الهمام في فتح القدير ٣٩/٥ عند قوله: (وعليه المهر)): وهذه إجماعية لا يُعلم فيها خلاف. اهـ (٣) العَقْر: بفتح العين: أي الحدّ، وأصلها: عَقَر: أي جَرَحَ، ثم اتسع العَقْر حتى استعمل في القتل والهلاك، وأما العُقْر: بالضم: فهو المهر. ينظر المغرب (عقر) بتصرف، والنهاية لابن الأثير (عقر) ٢٧٢/٣. ٤٧٤ كتاب الحدود وَمَن وَجَدَ امرأةً على فراشه، فوطئها : فعليه الحدُّ. ومَن تزوج امرأةً لا يَحِلُّ له نكاحُها، فوطئها : لم يجب عليه الحدُّ. [حكم من وطىء امرأة وجدها على فراشه : ] * (وَمَن وَجَدَ امرأةً) نائمةً (على فراشه، فوطئها: فعليه الحدِّ)؛ لأنه لا اشتباه بعد طول الصحبة، فلم يكن الظن مستنداً إلى دليل، وهذا لأنه قد ينام على فراشها غيرُها من المحارم التي في بيتها. وكذا إذا كان أعمى؛ لأنه يمكنه التمييزُ بالسؤال وغيرِهِ، إلا إذا دعاها، فأجابته، وقالت: أنا زوجتُك؛ لأن الإخبار دليل. ((هداية)). [حكم من تزوج امرأة لا تحل له، فوطئها : ] * (ومَن تزوج امرأةً لا يحل له نكاحها، فوطئها: لم يجب عليه الحدُّ)، لشُبْهة العقد. قال الإسبيجابي: وهذا قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تزوج مُحَرَّمَةً، وعَلِمَ أنها حرامٌ، فليس ذلك بشبهة، وعليه الحدُّ إذا وطئء، وإن كان لا يعلم: فلا حدَّ علیه. والصحيحُ قول أبي حنيفة وزفر، وعليه مشى النسفي والمحبوبي، وغيرهما. ((تصحیح)). ٤٧٥ كتاب الحدود ومن أتى امرأةً في الموضع المكروه، أو عَمِلَ عملَ قوم لوطٍ : فلا حدَّ عليه عند أبي حنيفة، ويُعَزَّر. [حكم من أتى امرأة في الدبر، أو عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط : ] : (ومن أتى امرأةً في الموضع المكروه): أي الدُّبْر، (أو عَمِلَ عملَ قوم لوطٍ): أي أتى ذَكَراً في دبره: (فلا حدَّ عليه عند أبي حنيفة(١)، ويُعَزَّر). زاد في ((الجامع الصغير)): ويودَع في السجن. اهـ؛ لأنه ليس بزنىّ؛ لاختلاف الصحابة(٢) رضي الله عنهم في موجَبِهِ: من الإحراق بالنار، وهَدْم الجدار، والتنكيس من مكان مرتفع، وإتباع الأحجار، وغير ذلك. ولا هو في معنى الزنا؛ لأنه ليس فيه إضاعةُ الولد، واشتباهُ الأنساب، إلا أنه يُعزَّر؛ لأنه أمرٌ مُنْكَرٌ، ليس فيه شيء مقدّر. (١) أطلق أبو حنيفة الحكم، فشمل دبر الصبي، والزوجة، والأمة، فإنه لا حدًّ عليه مطلقاً عند الإمام، ويعزَّر، لكن عند الصاحبين: إن فَعَل في الأجانب: حُدَّ، وإن في عبده، أو أمته، أو زوجته: فلا حدَّ، ويعزَّر، فصار فيهم إجماعاً بين الإمام وصاحبيه. ينظر الدر المختار مع ابن عابدين ٩٠/١٢ (ط دمشق)، الجوهرة ٢٤٥/٢. (٢) ينظر نصب الراية ٣٤٢/٣. ٤٧٦ كتاب الحدود وقال أبو يوسف ومحمد : هو كالزنا، فيُحَدُّ. ومَن وطىء بهيمةً: فلا حدَّ علیه. ومَن زنى في دار الحرب، أو في دار. . (وقال أبو يوسف ومحمد: هو كالزنا، فيُحدُّ )؛ لأنه في معنى الزنا. قال جمال الإسلام في ((شرحه)): الصحيحُ قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبيَّ، والنسفيُّ، وغيرُهما. ((تصحيح)). [حكم من وطىء بهيمة : ] * (ومَن وطئ بهيمةً) له، أو لغيره: (فلا حدَّ عليه)؛ لأنه ليس في معنى الزنا، إلا أنه يُعزَّر؛ لأنه منكرٌ، كما مرَّ. قال في ((الهداية)): والذي يُروى أنها تُذْبَح، وتُحرَق(١): فذلك لقطع التحدّثِ به، وليس بواجب. اهـ [حكم الزنا في دار الحرب :] * (ومَن زنى في دار الحرب، أو في دار (١) قال الزيلعي في نصب الراية ٣٤٢/٣: غريب بهذا اللفظ، وبمعناه من الأمر بقتل الفاعل، وقتل البهيمة، فقد أخرجه أصحاب السنن الأربعة: سنن أبي داود ١١٣/٥ (٤٤٥٩)، الترمذي ٥٦/٤ (١٤٥٥)، ثم نقل الزيلعي تضعيف الحديث عن الإمام البخاري، وابن معين، وأبي داود، وأنه شاذ، وقال ابن حجر في التلخيص الخبير ٥٥/٤: وفي إسناده كلام، وقال العيني في البناية ٦/ ٢٦٠: إنه حديث شاذ. ٤٧٧ كتاب الحدود البغي، ثم خَرَجَ إلينا : لم نُقِم عليه الحدَّ. البغي(١)، ثم خَرَجَ إلينا: لم نُقِم (٢) عليه الحدَّ)؛ لأن المقصود هو الانزجار، وولاية الإمام منقطعةً فيها، فيَعرى عن الفائدة(٣)، ولا تُقام بعد ما خرج؛ لأنها (٤) لم تنعقد موجبةً(٥)، فلا تنقلب موجبَةً. : ولو غزا مَن له ولايةُ الإقامة (٦) بنفسه، كالخليفة، وأمير المصر: يقيم الحدَّ على مَن زنى في معسكره؛ لأنه تحت أمره، بخلاف أمير العسكر، والسَّرِيَّة؛ لأنه لم تُفوَّض إليهما الإقامة، كما في ((الهداية)). (١) دار البغي: أي دار البغاة الذين صار لهم دار في جزء من دار الإسلام، بعد خروجهم على الإمام، ولم يستطع الإمام دَحْرهم، وأقاموا عليها حاكماً منهم، وصار لهم جيش ومَنعَة. ينظر البناية ٧٣٥/٦، بدائع الصنائع ١٤٠/٧، الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٠٥/٢٠. (٢) وفي نسخٍ: ((لم يُقَم)). (٣) وهو الاستيفاء. البناية ٦/ ٢٦٢. (٤) أي هذه الفعلة أو الزنية. البناية ٦ / ٢٦٢. (٥) أي لم يجب عليه الحد في دار الحرب بهذه الفعلة، فلا تنقلب موجبةً عليه الحدَّ في دار الإسلام. ينظر البناية ٦/ ٢٦٢. (٦) أي ولاية إقامة الحدود. البناية ٦/ ٢٦٢. ٤٧٨ باب باب حَدّ الشُّرب المحرَّم ومَن شَرِبَ الخمرَ، فَأُخِذَ ورِيْحُها موجودةٌ منه، فشَهِدَ الشهودُ بذلك عليه، أو أقرَّ وريحُها موجودةٌ : فعليه الحَدُّ . وإن أقرَّ بعد ذهابٍ رِيحها : لم يُحَدَّ. باب حَدُّ الشُّرب المحرَّم (ومَن شَرِبَ الخمرَ) طَوْعاً، ولو قَطْرَةً(١)، (فَأُخذَ وريْحُها موجودة منه)، أو جاؤوا به سكرانَ، (فشَهدَ الشهودُ بذلك عليه، أو أقرَّ) به، (وريحُها موجودةً: فعليه الحَدُّ)، سواء سكرَ، أم لا؛ لأن جناية الشرب قد ظهرت، ولم يتقادم العهدُ. (وإن أقرَّ) بذلك (بعد ذهاب رِيحِها: لم يُحَدَّ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يُحدُّ. : وكذلك إذا شهدوا عليه بعد ما ذهب ريحُها، إلا أن يتقادم الزمان، كما في الزنا، فالتقادمُ يَمنع قبول الشهادة بالاتفاق. (١) بلا قَيْد سُكْرٍ إذا وُجد ريحها. ينظر ابن عابدين ١٢٦/١٢. ٤٧٩ حَدُّ الشُّرب المحرَّم ومَن سَكِرَ من النبيذ : حُدَّ. غير أنه مقدَّرٌ بالزمان عنده؛ اعتباراً بحَدِّ الزنا، وعندهما: بزوال الرائحة. وأما الإقرار، فالتقادم لا يُبْطِلُه عنده، كما في حدٍّ الزنا، وعندهما: لا يُقام إلا عند قيام الرائحة. قال الإسبيجابي: والصحيح قولهما، واعتمده المحبوبيَّ والنسفي. ((تصحیح)). . وإن أخَذَه الشهودُ وريحُها توجد منه، أو سكرانَ، فذهبوا به من مصرٍ إلى مصرٍ فيه الإمام، فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به: حُدَّ في قولهم جميعاً؛ لأن هذا عُذرٌ، كُبُعد المسافة في حد الزنا. ((هداية)). * (ومَن سَكِرَ من النبيذ (١)): أيِّ نبيذٍ كان: (حُدَّ). · قيَّد بالسُّكر من النبيذ؛ لأنه لا يُحدَّ بشربه إذا لم يُسْكر اتفاقاً - وإن اختُلف (٢) في الحِلِّ والحرمة في شرب دون المسكِر، إذا كان (١) النبيذ: هو أي شراب كان غير الخمر، كالمتَّخذ من الحبوب، والعسل، ونحوها، إذ الخمر من ماء العنب. ابن عابدين ١٢ /١٢٦. (٢) أي في المذهب، تنظر الروايات في ذلك في مختصر الطحاوي ص ٢٧٧، والمفتى به هو حرمة شرب القليل غير المسكر من النبيذ إذا كان كثيره يسكر، لكن لا يُحدُّ شارب هذا القليل الذي لم يُسكر. ينظر ابن عابدين ١٢٧/١٢ (ط دمشق)، وسيأتي مثل هذا في كتاب الأشربة من اللباب، وكذلك في ابن عابدين أيضاً في = ٤٨٠ حَدُّ الشُّرب المحرَّم ولا حَدَّ على مَن وُجِدَ منه رائحةُ الخمر، أو مَن تقيَّأْها. ولا يُحَدُّ السكرانُ حتى يُعلَم أنه سَكِرَ من النبيذ، وشَرِبَه طَوْعاً. كثيرُهُ يُسكر -؛ للشبهة (١). [تعريف السكران : ] * والسكران عند أبي حنيفة: مَن لا يَعرف الرجلَ من المرأة، والأرضَ من السماء. وقالا: هو الذي يختلطُ كلامُه، ويَهذي؛ لأنه هو المتعارَف بين الناس، وهو اختيار أكثر المشايخ، كما في ((الاختيار))، وقال قاضیخان: والفتوى على قولهما. اهـ * (ولا حدَّ على مَن وُجد منه رائحة الخمر، أو مَن تقيَّأها)؛ لأن الرائحة محتملة، وكذا الشرب قد يقع عن إكراه واضطرار. * (ولا يُحَدُّ السكرانُ) بمجرَّد وُجْدانه سكرانَ، بل (حتى يُعلَم أنه سكرَ من النبيذ)، أو الخمر، (وشَرِبَه طَوْعاً)؛ لاحتمال سُكْره بما الأشربة ٦ / ٤٥٥ (ط البابي). (١) للشبهة في هل النبيذ مثل الخمر أم لا؟ والحدود تدرأ بالشبهات، وما ورد من الأحاديث في أن كل مسكر خمر ، وهل المراد به ثبوت الحرمة في القليل والكثير؟ ولا يلزم منها ثبوت الحد بلا إسكار. ينظر ابن عابدين ١٢٧/١٢، نقلاً عن فتح القدير لابن الهمام ٨١/٥.