Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ کتاب الصُّلْح وإذا كانت التركةُ بين ورثةٍ، فأخرجوا أحدَهم منها بمالٍ أعطَوْه إياه، والتركةُ عقارٌ أو عُروضٌ: جاز، قليلاً كان ما أعطَوْه أو كثيراً. المفتي عند القاضي(١)، وصاحب المحيط، وهو المعوَّل عليه عند النسفي. [التخارج(٢) : ] * (وإذا كانت التركة بين ورثة، فأخرجوا أحدَهم منها بمالٍ أعطَوْه إياه، والتركة عقارٌ أو عُروضٌ: جاز) ذلك، (قليلاً كان ما أعطَوْه أو كثيراً)؛ لأنه أمكن تصحيحُه بيعاً. وفيه أثر عثمانَ رضي الله عنه؛ فإنه صالَحَ تُماضِرَ الأشجعيةَ امرأةً عبد الرحمن بن عَوْف رضي الله عنه عن ربعٍ ثُمُنها على ثمانين ألف دينار(٣). ((هداية)). (١) أي ما ذَكره قاضي خان في مقدمة فتاواه ٣/١، وما رسمه من قواعد في الإفتاء بقول الإمام وصاحبيه، في حالة اجتماعهم، أو انفراد أحدهم، وهكذا. (٢) هكذا عَنْوَن لهذه المسائل صاحب الهداية ٢٠٠/٣، ((ومعنى التخارج شرعاً: إخراج بعض الورثة عما يستحقه في التركة بمالٍ يُدْفَع إليه، وسببه: طلب الخارج ذلك من الورثة عند رضا غيره، وله شروط ستأتي))، كما في البناية ٤٧/٩، وينظر شروح الهداية ٤٠٧/٧. (٣) قال الزيلعي في نصب الراية ١١٢/٤: غريب بهذا اللفظ، ثم ذكر عن = ٤٢٢ کتاب الصُّلْح وإن كانت التركةُ فضةً فأعطَوْه ذهباً، أو ذهباً فأعطَوْه فضةً: فهو کذلك. * (وإن كانت التركة (١) فضةً، فأعطَوْه ذهباً، أو) بالعكس، بأن كانت (ذهباً، فأعطَوْه فضةً: فهو كذلك) جائزٌ، سواء كان ما أعطَوْه مصنَّف عبد الرزاق أن امرأة عبد الرحمن بن عوف أخرجها أهلُه من ثلث الثُّمُن بثلاثة وثمانين ألف درهم، ونقل عن الطبقات لابن سعد ١٣٦/٣ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف أنه ترك أربع نسوة، وأُخرجت إحداهن من ثُمُنها بثمانين ألف. كما نقل عن ابن سعد في الطبقات ١٢٩/٣ في قصة زواج عبد الرحمن من تُماضِر هذه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الرحمن بن عوف في سبعمائة إلى دومة الجَنْدل سنة ست، فنقض عمامته، ثم عمَّمه بعمامة سوداء، فأرخى بين كتفيه منها، فقَدِمَ دومة الجندل، فدعاهم إلى الإسلام فأبَوْا ثلاثاً، ثم أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رأسَهم، فبعث عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكتب إليه أن تزوج تماضِرَ بنتَ الأصبغ، فتزوج بها، وأقبل بها، وهي أم ولده أبي سلمة. كما نقل الزيلعي في نصب الراية ١٣/٤ : عن ابن سعد في الطبقات ٢٩٩/٨ في ترجمة صاحبة القصة تُماضِر بنت الأصبغ أنه كان فيها سوء خلق، وكانت على تطليقتين من عبد الرحمن بن عوف، فطلقها الثالثة وهو في مرض موته، فورَّتُها عثمان منه بعد انقضاء العدة. وعدَّها ابن حجر في الإصابة ٢٥٥/٤ من الصحابيات رضي الله عنهن. (١) هكذا: ((التركة)): في نُسَخ القدوري كلها، وكذلك في الهداية مع العناية ٤٠٩/٧، لكن في القدوري (١٣٠٩ هـ) فقط، وفي الهداية ٢٠٠/٣، والتي مع فتح القدير ٤٠٩/٧: ((الشركة))، والصواب ما أثبت. ٤٢٣ کتاب الصُّلْح وإن كانت التركةُ ذهباً وفضةً، وغير ذلك، فصالحوه على فضة، أو ذهبٍ : فلا بدَّ أن يكون ما أعطَوْه أكثرَ من نصيبه من ذلك الجنس، حتى يكون نصيبُهُ بمثله، والزيادةُ بحقه من بقية الميراث. وإذا كان في التركة دَيْنٌ على الناس، فأدخلوه في الصلح، على أن يُخْرِجوا المصالَحَ عنه، ويكونَ الدَّيْنُ لهم : فالصلحُ باطلٌ. قليلاً أو كثيراً؛ لأنه بَيْع الجنس بخلاف الجنس، فلا يُعتبر التساوي، ولكن يُعتبر التقابض (١) في المجلس؛ لأنه صَرْف. * (وإن كانت التركة ذهباً، وفضة، وغيرَ ذلك) من عروضٍ، أو عقار، (فصالحوه على فضة أو ذهب، فلا بدَّ) من (أن يكون ما أعطَوْه) من الذهب والفضة (أكثرَ من نصيبه) من التركة (من ذلك الجنس) المدفوع إليه، (حتى يكون نصيبُه بمثله) من المدفوع إليه، (والزيادةَ بحقه): أي بمقابلة حقه (من بقية الميراث)؛ احترازاً عن الربا، ولا بدَّ من التقابض فيما يقابل نصيبه؛ لأنه صَرْفٌ في هذا القدر. * (وإذا كان في التركة دَيْنٌ على الناس، فأدخلوه): أي الدَّيْنَ (في الصلح، على أن يُخْرِجوا المصالَحَ عنه، ويكونَ الدينُ) كلّه كبقية التركة (لهم: فالصلح باطلٌ) في الدَّيْن والعَيْن معاً؛ لأن فيه تمليكَ (١) وفي نسخة د فقط: ((تقابض البدلين))، وكما أثبتُّ في بقية النسخ، وكذلك في الهداية ٢٠٠/٣، والنقل عنها بغير تصريح. ٤٢٤ كتاب الصُّلْح فإن شرطوا أن يُبرىء الغرماءَ منه، ولا يُرجَعَ عليهم بنصيب المصالَحِ : فالصلحُ جائزٌ. الدَّين من غير مَنْ عليه الدَّيْن، وهو باطلٌ، وإذا بَطَلَ في حصة الدين: بَطَلَ في الكل؛ لأن الصفقة واحدة. * وقد ذَكَرَ لصحته حيلةً، فقال: (فإن شرطوا) يعني المصالِحِين (أن يُبرىء) المخرَجُ (الغرماءَ منه): أي من حصته من الدَّيْن، (ولا يُرجَع) - بالبناء للمجهول - (عليهم): أي على الغرماء (بنصيب المصالَح: فالصلح جائزٌ)؛ لأنه إسقاطٌ، وهو تمليكُ الدَّين ممن عليه الدين، وهو جائز. ((هداية)). ثم قال(١): وهذه حيلة الجواز، والأخرى: أن يعجِّلوا قضاءَ نصيبه متبرِّعين، وفي الوجهين ضررٌ ببقية الورثة(٢)، فالأوْجَهُ أن يُقرضوا المصالَحَ مقدارَ نصيبه، ويصالحوا عما وراء الدين، ويحيلَهم على استيفاء نصيبه من الغرماء. اهـ (١) أي صاحب الهداية. (٢) أما في الوجه الأول: فلعدم تمكنهم من الرجوع على الغرماء، وفي الوجه الثاني: لزوم النقد عليهم بمقابلة الدين الذي هو نسيئة، والنقد خيرٌ من الدين. البناية ٥٠/٩. ٤٢٥ كتاب الهبة كتاب الهبة الهبةُ تصحُّ بالإيجاب والقبول، . كتاب الهبة * وَجْهُ المناسبة لما قبله مَرَّ، من أن في الصلح مساعدةً لقضاء الحاجة، وكذا في الهبة، فتناسبا. * (الهبة) لغةً: التبرُّعُ والتفضُّلُ بما ينفع الموهوبَ مطلقاً، وشرعاً: تمليك عَیْنٍ بلا عوض. * و(تصح بالإيجاب والقبول)؛ لأنها عقدٌ كسائر العقود، إلا أن الإيجاب من الواهب ركن، والقبولَ ليس بركن؛ استحساناً، خلافاً لزفر، كما في ((الفيض)». وفي ((الدرر)): قال الإمام حَمِيد الدين: ركن الهبة الإيجاب في حق الواهب؛ لأنه تبرعٌ، فيتم من جهة المتبرِّع، أما في حق الموهوب له، فلا تتم إلا بالقبول. اهـ * وفي ((الجوهرة)): وإنما عبَّر هنا بـ (تصح))، وفي البيع بـ (ينعقد))؛ لأن الهبة تتمُّ بالإيجاب وحده، ولهذا لو حلف: لا يَهَبُ، فَوَهَب، ولم يقبل الموهوبُ له: حَنِثَ، أما البيع: فلا يتمُّ إلا بهما جميعاً. اهـ ٤٢٦ كتاب الهبة وتتمّ بالقبض. فإن قَبَضَ الموهوبُ له في المجلس بغير أمْرِ الواهب : جاز. وإِن قَبَضَ بعد الافتراق: لم تصحَّ إلا أن يأذن له الواهبُ في القبض . ** ثم لا ينفُذُ مِلْكُ الموهوبِ له، (و) لا (تتمُّ) الهبة له إلا (بالقبض) الكامل الممكن في الموهوب، فالقبض الكامل في المنقول: ما يناسبه، وكذا العقار، كقبض المفتاح أو التخلية، وفيما يحتمل القسمة: بالقسمة، وفيما لا يحتملها: بتبعية الكل، وتمامُه في ((الدرر)). ** (فإن قَبَضَ الموهوبُ له) الهبةَ (في المجلس بغير أمر الواهب)، ولم يَنْهه: (جاز)؛ استحساناً؛ لأن الإيجاب إذنّ له بالقبض دلالةً. * (وإن قَبَضَ بعد الافتراق: لم تصح) الهبة؛ لأن القبض في الهبة منزَّلٌ منزلةَ القبول، والقبولُ مختصٌّ بالمجلس، فكذا ما هو بمنزلته بالأَولى، (إلا أن يأذن له الواهبُ في القبض)؛ لأنه بمنزلة عَقْد مستأنَف. * قيدنا بعدم نهيه؛ لأنه لو نهاه عن القبض: لم يصح قَبْضه، سواء كان في المجلس، أو بعده؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة. ٤٢٧ كتاب الهبة وتنعقد الهبةُ بقوله: وهبتُكَ، و: نَحَلْتُكَ، و: أعطيتُكَ، و: أطعمتُكَ هذا الطعام، و: جعلْتُ هذا الثوب لك، و: أعمرتُكَ هذا الشيءَ، و: حملتُكَ على هذه الدابة، إذا نوى بالحِمْلان الهبةَ. [الألفاظ التي تنعقد بها الهبة :] * (وتنعقد الهبة بقوله: وهبتُك، و: نَحَلْتُك، و: أعطيتُك)؛ لأن الأول صريحٌ في ذلك، والثاني والثالث مستعمَلان فيه. - (و) كذا: (أطعمتُك هذا الطعام)؛ لأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يُطْعَم عينُه: يراد تمليكُ العين، بخلاف ما إذا قال: أطعمتك هذه الأرض، حيث تكون عاريةً؛ لأن عينها لا تُطعَم. - (و: جعلْتُ هذا الثوب لك)؛ لأن اللام للتمليك. - (و: أعمرتُك هذا الشيء)، وكذا: جعلتُ هذا الشيء لك عُمُري، وسيأتي بيانه. - (و: حملتُك على هذه الدابة، إذا نوىُ بالحمْلان) عليها (الهبةَ)؛ لأنه ليس بصريح فيها، إذ هو الإركابُ حقيقة، فيكون عارية، لكنه يحتمل الهبة، فيُحمل عليه عند نيَّته. ٤٢٨ كتاب الهبة ولا تجوز الهبةُ فيما يُقسَم إلا مَحُوزةً مقسومةً. وهبةُ المُشَاعِ فيما لا يُقْسَم جائزةٌ. [الهبة فيما يُقْسَم : ] * (ولا تجوز(١) الهبة فيما يُقسم): أي يُمكن قَسْمُه، ويبقى منتَفَعاً به بعد القسمة من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة، ولو من الشريك، (إلا مَخُوزةً): أي مجموعةً مفرَّغةً عن مِلْك الواهب وحقوقه. * واحتُرِز به عما إذا وهب الثمر على النخل دونه، والزرعَ في الأرض دونها. * (مقسومةَ)؛ لأن القبض الكامل ممكنٌ فيه بالقسمة؛ فلا يُكتفى بالقاصر. [هبة المشاع الذي لا يُقْسَم : ] ** (وهبةُ المُشَاعِ فيما لا يُقْسَم): أي لا يبقى منتَفَعاً به بعد القسمة أصلاً كعبدٍ، ودابة، أوْ لا يبقى منتَفَعاً به من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة، كالحمَّام الصغير، والرَّحىُ: (جائزة)؛ لأن القبض القاصر هو الممكن، فيُكتَفَى به. (١) أي لا تُملك، ولا يثبت بها الملك. ينظر العناية ٤٩١/٧. ٤٢٩ كتاب الهبة ومَن وَهَبَ شِقْصاً مشاعاً: فالهبةُ فاسدةٌ. فإن قَسَمه وسلَّمه : جاز. ولو وَهَبَ دقيقاً في حنطة، أو دُهناً في سِمْسِم : فالهبة فاسدة. فإن طَحَن، وسلَّم : (ومَن وَهَبَ شقْصاً): أي جزءاً (مشاعاً) فيما يحتمل القسمة: (فالهبة فاسدةٌ)؛ لما مرَّ. * (فإن قَسَمه): أي قَسَم الشِّقْصَ الموهوبَ، (وسلَّمه) إلى الموهوب له: (جاز) ذلك؛ لأن تمامَه بالقبض، وعنده (١): لا شُيُوعَ. [وَهَبَ دقيقاً في حنطة : ] * (ولو وَهَبَ دقيقاً في حنطة (٢)، أو دُهناً في سمْسم)، أو سمناً في لبن: (فالهبة فاسدة): أي باطلة. ولذا قال: (فإن طَحَن) الحنطة، (وسلّم) الدقيق، أو أخرج الدهنَ (١) أي وعند القسم. (٢) فالموهوب وهو الدقيق، معدوم وقت عقد الهبة، ولا يوجد إلا بطحن الحنطة، ولذا لا تجوز هذه الهبة، فإذا طحن الحنطة وخرج الدقيق، فعليه أن يجدِّد عقد الهبة لتصح، وهكذا الدهن في السمسم، والسمن في اللبن، (ولا معتبر بكون الدقيق موجوداً في الحنطة بالقوة، لأن عامة الممكنات كذلك، ولا تسمى موجودة)). اهـ العناية ٤٩٢/٧. ٤٣٠ كتاب الهبة لم يجز. وإذا كانت العينُ في يد الموهوب له : مَلَكها بالهبة وإن لم يجدِّد فيها قبضاً. من السِّمْسِم، أو السمنَ من اللبن، وسلَّم للموهوب له: (لم يجز) ذلك؛ لأن الموهوب معدوم، والمعدوم ليس محلاً للملك، فوقع العقد باطلاً، فلا ينعقد إلا بالتجديد، بخلاف ما تقدَّم؛ لأن المشاع محلٌّ للتمليك. * وهبةُ اللبن في الضرع، والصوفِ على ظَهْر الغنم، والزرعِ والنخل في الأرض، والثمرِ في النخل، بمنزلة المُشَاعُ(١)؛ لأن امتناع الجواز؛ للاتصال (٢)، وذلك يمنع القبض، كالشائع. ((هداية)). [أحكام قبض الهبة : ] * (وإذا كانت العينُ) الموهوبة (في يد الموهوب له: مَلَكها بالهبة): أي بقبولها (وإن لم يجدِّد فيها قَبْضاً) جديداً؛ لأن العين في قبضته، والقبض هو الشرط. (١) ((يعني: لا يجوز، كما في المشاع، لكن لو حلب اللبن، وجَزَّ الصوف، وسلَّمه، وقبضه الموهوب له: جاز استحساناً، كما في المشاع إذا وهبه وسلمه)). اهـ البناية ٢١٤/٩. (٢) ((أي لاتصال الموهوب بما ليس بموهوب من ملك الواهب، مع إمكان الفصل، وذلك يمنع القبض، كالشائع)). اهـ الكفاية ٧ /٤٩٢. ٤٣١ كتاب الهبة وإذا وَهَبَ الأبُ لابنه الصغير هبةً: مَلَكَها الابنُ بالعقد وإن لم يوجد فيها قبضٌ. * بخلاف ما إذا باعه منه؛ لأن القبض في البيع مضمون؛ فلا ينوب عنه قَبْض الأمانة، أما قبض الهبة غير مضمون، فينوب عنه. ((هداية)). ، قال في (الينابيع)): يريد به(١): إذا كانت العينُ في يده وديعةً، أو عاريةً، أو مغصوبةً، أو مقبوضةً بالعقد الفاسد، أما لو كانت في يده رَهْناً: فيُحتاج إلى تجديد القبض. قال الإسبيجابي(٢): بأن يرجع إلى الموضع الذي فيه العين، ويمضيَ وقتٌ يتمكن فيه من قبضها، كذا في ((التصحيح)). [هبة الأب لابنه : ] * (وإذا وَهَبَ الأبُ لابنه الصغير هبةً) معلومة: (مَلَكَها الابنُ) الموهوبُ له (بالعقد وإن لم يوجد فيها قبضٌ)؛ لأنه في قَبْض الأب؛ فينوب عن قبض الهبة. ولا فَرْق بين ما إذا كان في يده، أو يد مودَعِه؛ لأن يده كيده. (١) أي يريد بقوله: ((كانت العين في يد الموهوب له)). (٢) في بيان معنى: تجديد القبض. ٤٣٢ كتاب الهبة فإن وَهَبَ له أجنبيٌّ هبةً: تمَّت بقبض الأب. وإذا وُهِبَت لليتيم هبةٌ، فقَبَضَها ولُّه له : جاز. * بخلاف ما إذا كان مرهوناً، أو مغصوباً، أو مبيعاً بيعاً فاسداً؛ لأنه في يد غيره، أو في ملك غيره. * والصدقَةُ في هذا: مثلُ الهبة. * وكذا (١) إذا وَهَبَتْ له أمُّه وهو في عيالها، والأب ميتٌ، ولا وصيَّ له. * وكذلك كلُّ مَن يعوله(٢). ((هداية)). [هبة الأجنبي للصغير :] * (فإن وَهَبَ له): أي الصغيرِ (أجنبيٌّ هبةً: تمّت بقبض الأب)؛ لأنه يملك عليه الدائرَ بين النفع والضرر، فمِلْكُه النافع أوْلى. * (وإذا وُهِبَت) - بالبناء للمجهول - (لليتيم هبةٌ، فقَبَضَها وليُّه) - وهو أحدُ أربعةٍ: الأب، ثم وصيّه، ثم الجد، ثم وصيُّه ــ (له): أي للصغيرِ: (جاز) القبض، وتمّت الهبة وإن لم يكن اليتيم في حِجْرهم. (١) أي يملك الابن ما وَهَبت له أمه. (٢) يعني كل من يعول الصغير إذا قبض الهبة له: يصح، كالأخ، والعم. البناية ٢١٨/٩. ٤٣٣ كتاب الهبة فإن كان في حِجْر أمه، فقَبْضُها له جائزٌ. وكذلك إن كان في حِجْر أجنبيِّ يربِّيه : فقَبْضُه له جائزٌ. وإن قَبَضَ الصبيُّ الهبةَ بنفسه وهو يعقلُ : جاز. * وعند عَدَمِ هؤلاء: تتم بقبض مَنْ هو في حِجره، كما ذكره بقوله: (فإن كان) اليتيمُ (في حِجْر أمه)، أو أخيه، أو عمِّه، (فقَبْضُها): أي الأمِّ ونحوها (له: جائزٌ)؛ لأن لهؤلاء الولايةَ فيما يرجع إلى حفظه، وحفظ ماله، وهذا من باب الحفظ؛ لأنه لا يبقى إلا بالمال. * (وكذلك إن كان) اليتيم (في حِجْر أجنبي يربِّيه)، ولو ملتقطاً(١)، (فقَبْضُه له: جائزٌ)؛ لأن له عليه يداً معتبرة، ألا يُرى أنه لا يتمكن أجنبي آخر أن يَنزِعه من يده؛ فيملك ما يتمخَّضُ نفعاً في حقه. * (وإن قَبَضَ الصبيُّ الهبةَ بنفسه وهو يَعقلُ): أي إذا كان مميِّزاً: (جاز)؛ لأنه في النافع المحض: كالبالغ. * قال في ((الهداية)): ويَمْلكه(٢) مع حضرة الأب، بخلاف الأم (١) أي أَخَذه على أنه لقيط. (٢) عبارة الهداية التي نقلها الشارح الميداني، جاءت في الهداية ٢٢٦/٣ في مسألة: حكم قَبْض الصغيرة لما وُهب لها فيما لو كانت متزوجة، لا في مسألة: قبض الصبي، حيث يجوز قبضه إن كان مميزاً، بحضرة والده، وبعدم حضوره. = ٤٣٤ كتاب الهبة وإن وَهَبَ اثنان من واحد داراً : جاز. وإن وَهَبَ واحدٌ من اثنين داراً: لم تصحَّ عند أبي حنيفة، ..... ونحوها، حيث لا يَملكونه(١) إلا بعد موت الأب، أو غَيْبته غَيْبةً منقطعةً في الصحيح؛ لأن تصرف هؤلاء للضرورة، ومع حضرة الأب: لا ضرورة. اهـ * (وإن وَهَبَ اثنان من واحدٍ داراً)، أو نحوَها مما يُقْسَم: (جاز)؛ لأنهما سلَّماه جملةً، وهو قَبَضَها جملةً؛ فلا شيوع. * (وإن وَهَبَ واحدٌ من اثنين داراً: لم تصحّ عند أبي حنيفة)؛ لأنها هبة النصف من كل واحد منهما، فيلزم الشيوع. وتمام كلام صاحب الهداية كما يلي: ((وفيما وُهب للصغيرة: يجوز قبض زوجها لها بعد الزفاف، لتفويض الأب أمورها إليه دلالة، بخلاف ما قبل الزفاف، ويملكه مع حضرة الأب، بخلاف الأم ... )) إلى آخر المسألة. وعلى هذا: يكون الضمير في قوله: ((ويملكه)): أي يملك الزوج قبض الهبة الموهوبة لزوجته الصغيرة. كما في البناية ٢٢٠/٩. ويظهر أن الشارح الميداني رحمه الله أراد أن يزيد في شرحه من الهداية مسألةً قبض الزوجة الصغيرة لما يُوهَب لها، لكن جاء نقله مختصراً، وليس من أول المسألة، فكان ما كان، وسبحان مَن له الكمال. (١) أي قبض الهبة للصغيرة المتزوجة. ينظر البناية ٢٢٠/٩. ٤٣٥ كتاب الهبة وقال أبو يوسف ومحمد : تصح. وإِذا وَهَبَ لأجنبيٌّ هبةً : فله الرجوعُ فيها، . (وقال أبو يوسف ومحمد: تصحُ)؛ لأنها هبةُ الجملة منهما، إذ التمليك واحدٌ، فلا يتحقق الشيوع. قال في ((التصحيح)): وقد اتفقوا على ترجيح دليل الإمام، واختار قولَه أبو الفضل الموصلي، وبرهانُ الأئمة المحبوبي، وأبو البركات النسفي. اهـ : قَيَّد بالهبة؛ لأن الإجارةَ والرهنَ والصدقةَ للاثنين: تصح اتفاقاً. [حكم الرجوع بالهبة : ] * (وإذا وَهَبَ لأجنبي هبةً)، وقَبَضَها الموهوبُ له: (فله): أي للواهب (الرجوعُ فيها)؛ لأن المقصود بها التعويضُ؛ للعادة، فتثبتُ ولايةُ الفسخ عند فَوَاته، إذ العقد يقبله(١). ((هداية)). ثم قال (٢): وقوله: ((فله الرجوع))؛ لبيان الحكم، أما (١) وسيأتي في آخر الكلام عن الهبة ٤٤١/٣ قبل العمرى، أن هذا الحق في الرجوع في الهبة لا يصح إلا بتراضي الطرفين، أو بحكم الحاكم، بأن يرفع أمره إلى الحاكم ليحكم على الموهوب له بالردِّ إليه، وينظر البناية ٢٤٣/٩ (ط بيروت). (٢) أي صاحب الهداية. ٤٣٦ كتاب الهبة الكراهة (١): فلازمةٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((العائد في هبته، کالعائد في قَيْئه))(٢). اهـ [موانع الرجوع في الهبة : ] * ثم ذكر المصنّفُ للرجوع موانعَ، فقال(٣): (١) والكراهة هنا للتحريم، وقيل: تنزيهاً، كما في الدر المختار مع ابن عابدين ٦٩٨/٥، وحاشية أبي السعود على شرح الكنز ٢٢٢/٣، البحر الرائق ٢٩٠/٧. (٢) صحيح البخاري ٢٣٤/٥ (٢٦٢١)، صحيح مسلم ١٢٤١/٣ (١٦٢٢)، ووجه الدلالة من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبَّه به لخساسة الفعل ودناءة الفاعل، وهذا يفيد القبح والاستقذار والكراهة. ينظر خلاصة الدلائل ص ١٥١، البناية ٥٢٨/١٢ (ط باكستان)، الاختيار ٥١/٣، تبيين الحقائق ٩٨/٥. (٣) يمنع الرجوع في الهبة سبعة أشياء، وقد رَمَزَ الإمام النسفي في كنز الدقائق ص٥٣٨ لكلّ منها بحرف، وجَمَعَ هذه الحروف بقوله: (دَمْع خَزْقَه)، وقد قيل: ومانعٌ من الرجوع في الهبة يا صاحبي حروف: دمع خزقه. وتفصيلها كما يلي: ١- الدال: لزيادة الموهوب ٢ - الميم: لموت أحد المتعاقدين ٣- العين: للعوض عن الهبة ٤- الخاء: لخروج الهبة من ملك الموهوب له ٥ - الزاء (الزاي): للزوجية ٦- القاف: للقرابة ٧- الهاء: الهلاك الموهوب، وهذه الأخيرة لم تُذكر في اللباب في هذا الموضع، وسيأتي ذكرها في مسألة مستقلة بعد ذكر الموانع الستة بفاصل قصير. ينظر: الكنز مع تبيين الحقائق ٩٨/٥، البحر الرائق ٢٩٠/٧، شرح الكنز لمنلا مسکین ٢٢/٣. ٤٣٧ كتاب الهبة إلا أن يُعوِّضه عنها، أو تزيدَ زيادةً متصلةً، .. [١ - العوض عن الهبة : ] * (إلا أن يُعوِّضه) الموهوبُ له (عنها)، ويَقبضه الواهب؛ الحصول المقصود، لكن بشرط أن يَذكر لفظاً يَعلم الواهبُ أنه عوضٌ عن كل هبته، كما يأتي قريباً (١). [٢ - زيادة الموهوب : ] * (أو تزيدَ) العينُ الموهوبة بنفسها (زيادةً متصلةً) موجبةً لزيادة القيمة، كالبناء، والغَرْس، والسِّمَن، ونحو ذلك؛ لأنه لا وجه للرجوع فيها دون الزيادة؛ لعدم الإمكان، ولا معها؛ لعدم دخولها تحت العقد. * قيَّد بالزيادة؛ لأن النقصان لا يمنع. * وبالمتصلة؛ لأن المنفصلة، كالولد، والأَرْش: لا تمنع، فيرجع بالأصل دون الزيادة. * وقيدنا الزيادةَ بنفسها؛ لأنها لو كانت بالقيمة: لا تمنع؛ لأنها للرغبة، إذ العين بحالها. * وبالموجبة لزيادة القيمة؛ لأنه لو كانت غيرَ موجبةٍ لزيادة (١) في آخر هذه الموانع ص ٤٤٠. ٤٣٨ كتاب الهبة أو يموتَ أحدُ المتعاقدين، أو تخرجَ الهبةُ من مِلْك الموهوب له. القيمة: لا تمنع؛ لأنها قد توجب نقصاً. [٣- موت أحد المتعاقدين : ] * (أو يموتَ أحدُ المتعاقدين)؛ لأن بموت الموهوب له: ينتقل الملك إلى الورثة، فصار كما إذا انتقل في حال حياته، وإذا مات الواهبُ: فوارثه أجنبيٌّ عن العقد، إذ هو ما أوجبه. ((هداية). [٤ - خروج الهبة من ملك الموهوب له :] * (أو تخرجَ الهبةُ من مِلْك الموهوب له)؛ لأنه حَصَلَ بتسليط الواهب، فلا يكون له نَقْضه؛ لأن نَقْض الإنسان ما تمّ من جهته: مردود؛ ولأن تبدُّل الملك، كتبدُّل العين، وقد تبدَّل الملكُ بتجدُّد السبب. * وفي ((المحيط)): لو ردَّه المشتري بعيب إلى الموهوب له: ليس للواهب الرجوع. ولو وهبه لآخر، ثم رجع: فللأول الرجوع. * ولو وَهَبَ داراً، فقبضها الموهوبُ له، ثم باع نصفَها: فللواهب الرجوع في الباقي؛ لخلوِّه من مانع الرجوع. كذا في (الفيض)). ٤٣٩ كتاب الهبة وإن وَهَبَ هبةً لذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه : فلا رجوعَ فيها. وكذلك ما وَهَبَ أحدُ الزوجين للآخر . [٥- القرابة : ] * (وإن وَهَبَ هبةً لذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه) نسباً(١): (فلا رجوع فيها)؛ لأن المقصود فيها صلة الرحم، وقد حصل. قيَّدنا بالمَحْرَم نسباً؛ لأنه لو كان مَحْرَماً من الرضاع، كأخيه رضاعاً، أو المصاهرة، كربيبته، وأمِّ امرأته: كان له الرجوع(٢). [٦- الزوجية : ] * (وكذلك (٣)) حكم (ما وَهَبَ أحدُ الزوجين للآخر)؛ لأن المقصود فيها الصلة، كما في القرابة. * وإنما يُنظَر إلى هذا وقت العقد، حتى لو تزوجها بعد ما وَهَبَ لها: فله الرجوع (٤). * ولو أبانها بعد ما وهب لها: فلا رجوع. ((هدایة)). (١) كالأخ والأخت، والعم والعمة، والخال والخالة. (٢) ولو كان ذا رحم غير محرم، كابن العم: لا رجوع. ابن عابدين ٧٠٤/٥. (٣) أي لا رجوع في الهبة. (٤) لأنها حين وهبها: لم تكن زوجة. ٤٤٠ كتاب الهبة وإذا قال الموهوبُ له للواهب: خُذْ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقَبَضَه الواهبُ : سقط الرجوعُ. وإن عوَّضه أجنبيٌّ عن الموهوب له متبرِّعاً، فقَبَضَ الواهبُ العوضَ : سقط الرجوعُ. وإذا استُحِقَّ نصفُ الهبة : رَجَعَ. . . [الهبة بعوض : ] * (وإذا قال الموهوب له للواهب: خُذْ هذا) الشيء - سواء كان قليلاً أو كثيراً، من جنس الموهوب أوْ لا؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة - (عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها)، أو نحو ذلك مما هو صريحٌ في أنه عِوضٌ عن جميع هبته، (فقَبَضَه الواهبُ: سَقَطَ الرجوع)؛ لحصول المقصود. * ولو لم يذكر أنه عوضٌ: كان هبةً مبتدأة، ولكلّ منهما الرجوع بهبته، ولهذا يُشترط فيها شرائط الهبة: من القبض، والإفراز، وعدم الشيوع. * (وإن عوَّضه أجنبي عن الموهوب له متبرعاً)، وكذا بأمر الموهوب له بالأَوْلى، (فقَبَضَ الواهبُ العوضَ: سقط الرجوع)؛ لأن العوض لإسقاط الحق، فيصح من الأجنبي، كبدل الخلع، والصلح. [استحقاق الهبة : ] * (وإذا استُحِقَّ نصفُ الهبة) المعوَّض عنها: (رَجَعَ) المعوِّضُ