Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب المضاربة كتاب المضاربة المضاربةُ عقدٌ على الشركة بمالٍ من أحد الشريكين، وعملٍ من الآخر . كتاب المضاربة * أوردها بعد الشركة؛ لأنها كالمقدمة للمضاربة؛ لاشتمالها عليها. * (المضاربة) لغةً: مشتقةٌ من الضَّرْب في الأرض(١)، سُمِّ به؛ لأن المضارب يستحق الربح بسَعْيه وعمله. وشرعاً: (عقدٌ) بإيجابٍ وقبولِ (على الشركة) في الربح، (بمالٍ من أحد الشريكين، وعملٍ من الآخر)، كما في بعض النسخ (٢). (١) أي السير والسفر للتجارة، وسمِّي العقد المذكور هنا: مضاربة، لأن العامل المضارب في الغالب يسير في الأرض طلباً للربح. فتح باب العناية ١٨٨/٢. (٢) أي نسخ القدوري، وواقع النسخ التي هي عندي: أن هذه الجملة: ((وعملٍ من الآخر)): مثبتة في أغلبها، وكذلك في الشروح، وفي الهداية، وأما نسخة: (٦١١ هـ، ٦٤٩هـ): فغير ثابتة فيهما، وبإثباتها يتم تعريف المضاربة ويكمل. ٣٢٢ كتاب المضاربة * ولا مضاربة بدون ذلك(١)؛ لأنها بشَرْط الربح لرب المال: بضاعةٌ(٢)، وللمضارب: قرضُّ(٣)، وإذا كان المال منهما: تكون شركةً عقد. [أدلة مشروعية المضاربة : ] * وهي مشروعة؛ للحاجة إليها، فإن الناس بين غنيٌّ بالمال، غبيِّ عن التصرف فيه، وبين مهتدٍ في التصرف، صِفْرِ اليد عنه(٤)، فمسَّت الحاجة إلى شَرْع هذا النوع من التصرف؛ لتنتظم مصلحة الغبيِّ والذكيِّ، والفقيرِ والغنيِّ. وبُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم والناسُ يباشرونه (٥)، فقرَّرهم (١) أي بدون المال من طرف، والعمل من طرف آخر. (٢) البضاعة: بالكسر: قطعة من المال تُعد للتجارة، واستبضعت الشيء: جعلته بضاعة لنفسي، وأبضعته غيري، والإبضاع: دفع المال للغير لكي يعمل به متبرعاً بدون عوض، وهذا هو المراد هنا، فإذا أعطاه المال للعامل ليتّجر به، والربح كله لرب المال، فهذا يسمى: إبضاعاً، وبضاعة، وليس بشركة، لأن المضاربة شركة في الربح، وبهذا الشرط لا تكون هناك مضاربة، ويكون العامل وكيلاً متبرعاً. ينظر المصباح المنير (بضع)، المغرب (بضع)، حاشية أبي السعود على منلا مسكين على الكنز ١٨٩/٣، العناية ٤١٦/٧. (٣) أي وإذا شُرط الربح للمضارب العامل، فهذا قرض، وليس بشركة مضاربة. (٤) أي عن المال، أي لا مال له. (٥) أي عقد المضاربة. ٣٢٣ كتاب المضاربة (١) عليه(١). (١) فعن السائب بن أبي السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم شاركه قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مرحباً بأخي وشريكي: كان لا يداري ولا يماري))، أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٢٥/٣، والمستدرك ٦١/٢، وصححه، ووافقه الذهبي. وفي رواية أبي داود ٢٨٧/٥ (٤٨٠٣)، وسكت عنه، فهو صالح، وابن ماجه ٧٦٨/٢ (٢٢٨٣)، وأخرى لأحمد في المسند ٤٢٥/٣: أن السائب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((كنتَ شريكي في الجاهلية، فكنتَ خير شريك، لا تداريني ولا تماريني))، واللفظ لابن ماجه. ومعنى: ((لا يداري ولا يماري)): أي سهل في المعاملة، لا يخالف ولا يمانع، ولا يجادل ولا يخاصم. قال المنذري في اختصار سنن أبي داود ١٨٨/٧ : ((قد اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً)). ونَقَلَ الزيلعي في نصب الراية ٤٧٤/٣ عن السهيلي (ت ٥٨١هـ) أن في الحديث اضطراباً كثيراً في السند والمتن، وأنه اضطراب لا تقوم به حجة. ونقل مثلَه المنذري في اختصار سنن أبي داود ١٨٨/٧ عن ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، وهو أصل كلام السهيلي. وينظر الدراية ١٤٤/٢، والتلخيص الحبير ٤٩/٣، وفيه: إعلال الحديث بالراوي عبد الله بن السائب، نقلاً عن أبي حاتم في (العلل))، أنه ليس بالقويم. * وقد عقَّب ابنُ الهمام في فتح القدير ٣٧٧/٥ على ما سبق من كلام السهيلي، وأن الحديث لا تقوم به حجة بقوله: ((إنما يصح إذا أراد الحجة في تعيين الشريك مَن كان؟ أما غرضنا، وهو ثبوت مشاركته صلى الله عليه وسلم، فثابت على كل حال، = ٣٢٤ كتاب المضاربة ولا تصحُّ المضاربةُ إلا بالمال الذي بيًّا أن الشركة تصحُّ به. وتعاملت به الصحابة(١) رضي الله تعالى عنهم. (هداية). * وركنها: العقد. * وحُكْمها إيداعٌ أولاً، وتوكيلٌ عند عمله، وغَصْبٌ إن خالف، عد وإجارة فاسدة إن فسدت، فله أجر عمله بلا زيادة على المشروط. [شروط صحة المضاربة : ] * وشَرْطُ صحتها غيرُ واحد: ١ - منها: ما عبّر عنه بقوله: (ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بَيَّنَا أن الشركة تصحُّ به)، وقد تقدَّم بیانُه. وكون الشركة مشروعة: أظهر ثبوتاً مما به ثبوتها من هذا الحديث ونحوه، إذ التوارث والتعامل بها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وهلمَّ جرّاً، متصل لا يُحتاج فيه إلى إثبات حدیث بعینه)). اهـ باختصار. (١) ينظر لهذه الآثار نصب الراية ١١٣/٤، الدراية ١٨١/٢، وقد عزاها الزيلعي للموطأ ٦٨٧/٢ وغيره. وينبه هنا إلى أن الزيلعي في هذا الموضع من نصب الراية ١١٣/٤ (كتاب المضاربة) بيَّض لتخريج الحديث المرفوع السابق، مع أنه تقدم تخريجه عنده في أول كتاب الشركة ٤٧٤/٣، وكذلك جاء ابن حجر في الدراية ١٨١/٢ (كتاب المضاربة) فقال عن المرفوع: لم أجده، مع أنه في الدراية ١٤٤/٢ أول كتاب الشركة لخَّص كلام الزيلعي فيه. ٣٢٥ كتاب المضاربة ومِن شَرْطِها : أن يكون الربحُ بينهما مُشَاعاً، لا يَستحقُّ أحدُهما منه دراهمَ مسمَّاةً. ولا بدَّ أن يكون المالُ مسلَّماً إلى المضارب، ولا يَدَ لربِّ المال فيه. * ولو دفع إليه عَرْضاً، وقال: بِعْهُ، واعمل مضاربة بثمنه، أو: اقبض مالي على فلان، واعمل به مضاربةً: جاز؛ لأنه عقدٌ يقبل الإضافة، من حيث إنه توكيل وإجارة(١)، فلا مانع من الصحة. * بخلاف ما إذا قال: اعمل بالدَّيْن الذي عندك، حيث لا يصح، وتمامُه في ((الهداية)). ٢ - ومنها: قوله: (ومِن شَرْطها: أن يكون الربحُ) المشروطُ (بينهما مُشَاعاً)، بحيث (لا يَستحق أحدُهما منه): أي الربح (دراهم مسمَّة) ؛ لأن ذلك يقطع الشركة بينهما؛ لاحتمال أن لا يحصل من الربح إلا قَدْرُ ما شَرَطه له، كما مرَّ. ٣- ومنها: قوله: (ولا بدَّ أن يكون المال مسلَّماً إلى المضارب)؛ ليتمكن من التصرف. ٤ - (و) منها: أن يكون (لا يَدَ لربِّ المال فيه)، بأن لا يُشرَط عملُ رب المال؛ لأنه يمنع خلوص يد المضارب. (١) لفظ: ((وإجارة)): سقط من نسخ اللباب كلها، وهي مثبتة في الهداية ٢٠٢/٣، والنقل عنها، وينظر البناية ٣٦٩/١٢ (ط باكستان). ٣٢٦ كتاب المضاربة فإذا صحَّت المضاربةُ مطلقةً: جاز للمضارب أن يشتريَ، ویبیعَ، ويسافرَ، ويُبْضِعَ، ويوكِّلَ. ٥ - ومنها: كون رأس المال معلوماً بالتسمية، أو الإشارة إليه. [ما يجوز للمضارب فِعْلُه : ] * (فإذا صحَّت المضاربة) باستيفاء شرائطها، وكانت (مطلَقةً) غيرَ مقيدةٍ بزمانٍ، أو مكان، أو نوع: (جاز للمضارب أن يشتريَ، ويبيعَ) بنقدٍ، ونسيئةٍ متعارَفة، (ويسافرَ) بَرَّاً وبحراً، (ويُبْضِعَ(١)، ويوكِّلَ)، ويودعَ، ويَرَهنَ، ويَرتهنَ، ويُؤْجِرَ، ويستأجرَ، ويُحيلَ، ويَحتالَ (٢)؛ لإطلاق العقد، والمقصود منه الاسترباح، ولا يتحصل إلا بالتجارة؛ فينتظم العقدُ صنوفَ التجارة، وما هو من صنيع التجار، والمذكورُ كله من صنيع التجار. (١) أي يدفع المال بضاعة للتجارة، كما في شرح منلا مسكين على الكنز ١٩١/٣، الدر المختار مع ابن عابدين ٦٤٩/٥. قال في فتح باب العناية ١٩١/٢: ((وله أن يبضع ولو لرب المال، والمراد بالإبضاع هنا: مجرد الاستعانة، لا ما هو المتعارف، من أن يكون المال للمبضع، والعمل من الآخر، ولمَّا صحَّ استعانة المضارب بالأجنبي، فلأن يصح استعانته برب المال وهو أشفق عليه: كان أولىُ)). اهـ (٢) أي يقبل الحوالة. ٣٢٧ كتاب المضاربة وليس له أن يدفعَ المالَ مضاربةً إلا أن يأذن له ربُّ المال في ذلك، أو يقول له : اعمل برأيك. وإن خَصَّ له ربُّ المال التصرُّفَ في بلدٍ بعينه، أو في سلعةٍ بعينها : لم يَجُزْ له أن يتجاوز ذلك. [ما ليس للمضارب فعله : ] * (وليس له): أي المضارب (أن يدفع المالَ مضاربةً)؛ لأن الشيء لا يتضمَّن مثله (إلا) بالتنصيص عليه، مثلُ (أن يأذن له ربُّ المال في ذلك) به، (أو) التفويضِ المطلق إليه، بأن (يقول له: اعمل برأيك). * ولا يملك الإقراضَ، ولا الاستدانةَ وإن(١) قيل له: اعمل برأيك، ما لم ينصَّ عليهما. * (وإن خَصَّ له ربُّ المال التصرفَ في بلدٍ بعينه، أو في سلعةٍ بعينها: لم يَجُزْ له): أي المضارب (أن يتجاوز ذلك) المعيّن؛ لأن المضاربة تَقْبل التقييد؛ لأنها توكيلٌ، وفي التخصيص فائدة(٢)، فیتخصص. (١) ((إن)): هنا وصلية. (٢) كصيانة ماله من خطر الطريق، ومن خيانة المضارب، وتجنب غلاء الأسعار ورخصها بحسب اختلاف البلدان، وغير هذا. ينظر البناية ٩ / ٦٧. ٣٢٨ كتاب المضاربة وكذلك إن وقَّت للمضاربة مدةً بعينها: جاز، وبطل العقدُ بمضيِّها . وليس للمضارب أن يشتريَ أَبَا ربِّ المال، ولا ابنَه، ولا مَن ... * فإن اشترى غيرَ المعيَّن، أو في غير البلد المعيَّن: كان ضامناً للمال(١)، وكان المشتَرَىُ: له، وله: ربحه(٢). * وإن خَرَجَ بالمال لبلدٍ غيرِ المعيَّن، ثم ردَّه إلى البلد المعيَّن قبل أن يشتري: برئ من الضمان، ورجع المالُ مضاربةً على حاله؛ لبقائه في يده بالعقد السابق. * وكذا لو عاد في البعض؛ اعتباراً للجزء بالكل. * (وكذلك إن وقَّت للمضاربة مدةً بعينها: جاز) التقييد، (وبطل العقد بمضيِّها)؛ لأن الحكم المؤقت ينتهي بمضيِّ الوقت. * (وليس للمضارب أن يشتريَ أَبَا ربِّ المال، ولا ابنَه، ولا مَن (١) لمخالفته صاحبَ المال، وصار غاصباً. حاشية أبي السعود على شرح الكنز ١٩٢/٣. (٢) ولكن يتصدق بالربح على قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يطيب له الربح، وعلى قول أبي يوسف: يطيب له، ولا يلزمه التصدق به، ينظر البناية ٦٨/٧، الجوهرة ٣٥٢/١، ابن عابدين ٦٥١/٥ نقلاً عن الإتقاني. قلت: وهذا يفيد أن ذلك يكون مع الإثم لو كان متعمداً، والله أعلم. ٣٢٩ كتاب المضاربة يعتِقُ علیه . فإن اشتراهم : كان مشترياً لنفسه، دون المضاربة. وإن كان في المال رِبْحٌ، فليس له أن يشتريَ مَن يَعْتِقُ علیه. فإذا اشتراهم : ضمن مالَ المضاربة. وإن لم يكن في المال ربحٌ: جاز له أن يشتريَهم. يَعْتِقُ عليه): أي على ربِّ المال(١)؛ لأن عَقْد المضاربة وُضع لتحصيل الربح، وهو إنما یکون بشراء ما یمکن بیعه، وهذا ليس كذلك. * (فإن اشتراهم: كان مشترياً لنفسه دون المضاربة)؛ لأن الشراء متىُ وَجَدَ نفاذًاً على المشتري: نَفَذَ عليه، كالوكيل بالشراء إذا خالف. * (وإن كان في المال رِبْحٌ: فليس له): أي المضارب (أن يشتريَ مَن يَعتِق عليه(٢))؛ لأنه يَعتق عليه نصيبه، ويُفسد نصيبَ رب المال. * (فإذا اشتراهم: ضمن مالَ المضاربة)؛ لأنه يصير مشترياً لنفسه(٣)، فيضمن بالنقد من مال المضاربة. * (وإن لم يكن في المال ربحٌ: جاز له أن يشتريَهم)؛ لأنه لا مانع (١) أي يعتق عليه بقرابة أو يمين، فلو مَلَكَ ربُّ المال ذا رحم مَحْرمٍ بشراء، أو هبة: فإنه يعتق عليه، كمن ملك أخاه. ينظر ابن عابدين ٦٥١/٥، الجوهرة ٣٥٣/١. (٢) أي على المضارب. (٣) لأنه اشترى ما لم يؤذن له فيه. خلاصة الدلائل ص ١٣٧. ٣٣٠ كتاب المضاربة فإن زادت قيمتُهم : عَتَقَ نصيبُه منهم، ولم يضمن لرب المال شيئاً . ويسعى المعتَقُ لرب المال في قيمة نصيبه منه . وإذا دفع المضاربُ المالَ مضاربةً إلى غيره، ولم. من التصرف، إذ لا شركة فيه(١) ليعتق عليه. * (فإن زادت قيمتُهم) بعد الشراء: (عَتَقَ نصيبُهُ(٢) منهم)؛ لملكه بعضَ قريبه، (ولم يضمن لرب المال شيئاً)؛ لأنه لا صُنْع من جهته في زيادة القيمة، ولا في ملكه الزيادة؛ لأن هذا شيء يَثبتُ من طريق الحکم، فصار کما إذا وَرِته مع غيره. * (ويسعى المعتَقُ لرب المال في قيمة نصيبه): أي ربِّ المال، (منه): أي المعتَق؛ لاحتباس ماليته عنده. [دَفْع المضارب المالَ لآخر مضاربة : ] * (وإذا دفع المضاربُ المالَ) لآخرَ (مضاربةً إلى غيره(٣)، ولم (١) أي لا شركة للمضارب في المال ليعتق عليه. البناية ٧٦/٩. (٢) أي نصيب المضارب. (٣) ((إلى غيره)): ثابتة في القدوري (١٣٠٩ هـ)، وكذلك في بداية المبتدي مع الهداية ٢٠٦/٣، وغير ثابتة فيما لدي من نسخ القدوري، وكذلك نسخة الشارح، ولذا أتى بلفظ: ((آخر))؛ ليوضح المعنى الذي صرَّحت به نسخة (١٣٠٩ هـ). ٣٣١ كتاب المضاربة يأذن له ربُّ المال في ذلك: لم يضمن بالدفع، ولا بتصرُّف المضارب الثاني حتى يربحَ، فإذا رَبِحَ : ضَمِنَ المضاربُ الأولُ المالَ لربِّ المال. وإذا دفع إليه المالَ مضاربةً بالنصف، وأَذِنَ له أن يدفعه مضاربةً، فدفعه بالثلث : جاز. يأذن له ربُّ المال في ذلك: لم يضمن) المضاربُ الأولُ (بالدفع) إلى المضارب الثاني، (ولا بتصرف المضاربِ الثاني) من غير أن يربح، بل (حتى يربحَ)؛ لأنه ما لم يربح: بمنزلة الوكيل، وللمضارب التوكيل. * (فإذا رَبِحَ) المضاربُ الثاني: (ضَمِنَ المضاربُ الأولُ المالَ لربِّ المال). قال في ((الهداية)): وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة. وقالا: إذا عمل به: ضمن، رَبِحَ أو لم يربح، وهو ظاهر الرواية. قال الإسبيجابي: قال صاحب (الكتاب))(١): ((ضَمِنَ المضاربُ الأول))، والمشهور من المذهب أن رب المال بالخيار: إن شاء ضمَّن الأول، وإن شاء ضمَّن الثاني في قولهم جميعاً. اهـ ((تصحیح)). * (وإذا دفع) ربُّ المال (إليه المالَ مضاربةً بالنصف، وأَذِنَ له أن يدفعه) إلى غيره (مضاربةً، فدفعه) إلى غيره (بالثلث: جاز)؛ لوجود الإذن من المالك. (١) أي مختصر القدوري. ٣٣٢ كتاب المضاربة فإن كان ربُّ المال قال له: على أن ما رَزَقَ الله تعالى بيتنا نصفان : فلربِّ المال نصفُ الربح، وللمضارب الثاني ثلثُ الربح، وللمضارب الأولِ السدسُ. وإن كان قال : على أن ما رَزَقَك الله تعالى بيننا نصفان : فللمضارب الثاني الثلثُ، وما بقيَ بين ربِّ المال، . . . (فإن كان ربُّ المال قال له) في اشتراط الربح: (على أن ما رَزَقَ الله تعالى)، أو: ما كان من فضلٍ فهو (بيننا نصفان: فلربِّ المال نصفُ الربح) عملاً بشرطه، (وللمضارب الثاني ثلث الربح)؛ لأنه المشروط له، (وللمضارب الأول(١)) الباقي، وهو (السدس)؛ لأن ربَّ المال شَرَطَ لنفسه نصفَ جميع ما رزق الله تعالى، فلم يبق للأول إلا النصف، فينصرف تصرفه إلى نصيبه، وقد جعل من ذلك بقدر ثلث الجميع للثاني، فيأخذه، فلم يبق للأول إلا السدس(٢). * (وإن كان قال) ربُّ المال للمضارب الأول: (على أن ما رَزَقَك الله تعالى): أي حصل لك من الربح، فهو (بيننا نصفان: فللمضارب الثاني الثلث)؛ لما مرَّ، (وما بقيَ) وهو الثلثان (بين ربِّ المال، (١) جاء في نسخ من القدوري: ((وللأول)): بدل: ((وللمضارب الأول)). (٢) فلو كان الربح (٩٠): أخذ رب المال النصف أي (٤٥)، وأخذ المضارب الثاني الثلث، أي (٣٠)، وبقي للأول (١٥)، وهو ما يعادل السدس. ٣٣٣ كتاب المضاربة والمضاربِ الأول نصفان. فإن قال : على أن ما رزق الله تعالى فلي نصفُه، فدَفَعَ المالَ إلى آخرَ مضاربةً بالنصف : فللمضارب الثاني نصفُ الربح، ولرب المال النصفُ، ولا شيءَ للمضارب الأول. فإِن شَرَطَ للمضاربِ الثاني ثلثي الربح : فلربِّ المال نصفُ الربح، وللمضارب الثاني نصفُ الربح، ويضمن المضاربُ الأولُ للمضارب الثاني مقدار سدس الربح من ماله. والمضارب الأول نصفان)؛ لأنه فوَّض إليه التصرف، وجَعَلَ لنفسه نصفَ ما رُزِق الأول، وقد رُزِق الأولُ الثلثين، فيكون بينهما. * (فإن) كان (قال: على أن ما رزق الله تعالى فليَ نصفُه)، أو: ما كان من فضلٍ فبيني وبينك نصفان، (فدَفَعَ المالَ إلى آخرَ مضاربةً بالنصف: فللمضارب الثاني نصفُ الربح)؛ لأنه المشروط له، (ولرب المال النصف، ولا شيء للمضارب الأول)؛ لأنه شَرَطَ للثاني النصفَ، فيستحقه، وقد جعل ربُّ المال لنفسه نصفَ مطلقِ الربح، فلم يبق للأول شيء. * (فإن) كان (شَرَطَ) المضاربُ الأول (للمضارب الثاني ثلثي الربح: فلرب المال نصف الربح)؛ لما مرَّ، (وللمضارب الثاني) الباقي، وهو (نصفُ الربح، ويضمن المضاربُ الأول للمضارب الثاني مقدارَ سدسِ الربح): أي مثله (من ماله)؛ لأنه شَرَطَ للثاني شيئاً ٣٣٤ كتاب المضاربة وإذا مات ربُّ المال، أو المضاربُ: بطلت المضاربةُ. وإن ارتدَّ ربُّ المال عن الإسلام، ولَحِقَ بدار الحرب : بطلت المضاربة . وإن عَزَلَ ربُّ المال المضاربَ، ولم يَعلم. . هو مستَحَقٌّ لرب المال، فلم يَنْفُذْ في حقه؛ لما فيه من الإبطال، والتسميةُ في نفسها صحيحة، فيلزم الوفاء بأداء المثل. [ما تبطل به المضاربة : ] * (وإذا مات ربُّ المال، أو المضاربُ: بطلت المضاربة)؛ لأنها توكيلٌ، على ما مرَّ، وموتُ الموكِّلِ، أو الوكيلِ: يبطل الوكالة. * (وإن ارتدَّ ربُّ المال عن الإسلام) - والعياذ بالله تعالى -، (وَلَحِقَ بدار الحرب)، وحُكِم بلُحوقه: (بطلت المضاربة) أيضاً؛ لزوال ملكه، وانتقاله لورثته، فکان کالموت. * وما لم يُحكَم بلُحوقه: فهي موقوفة، فإن رجع مسلماً: لم تبطل. * قيَّد برب المال؛ لأنه لو كان المضارب هو المرتد: فالمضاربة على حالها؛ لأن عبارته صحيحة، ولا توقّف في ملك رب المال. [تصرفات المضارب بعد عزله : ] * (وإن عَزَلَ ربُّ المال المضاربَ) عن المضاربة، (ولم يَعلم) ٣٣٥ كتاب المضاربة بعَزْله حتى اشترىُ، وباع : فتصرُّفه جائزٌ. وإن عَلِمِ بعَزْله والمالُ عُروضٌ في يده : فله أن يبيعَها، ولا يمنعه العزلُ من ذلك. المضاربُ (بعَزْله): أي عَزْلِ نفسه، (حتى اشترى وباع: فتصرُّفه) الصادرُ قبل العلم (جائزٌ)؛ لأنه وكيلٌ من جهته، وعَزْلُ الوكيل قَصْداً (١) : يتوقف على علمه. * (وإن عَلِم بعزله والمالُ عُروضٌ في يده) - هو هنا (٢): ما كان خلافَ جنس رأس المال، فالدراهم والدنانير هنا جنسان(٣) -: (فله أن يبيعها، ولا يمنعه العزل من ذلك) البيع؛ لأن له حقاً في الربح، ولا يظهر ذلك إلا بالنقد، فيَثبت له حق البيع؛ ليَظهر ذلك. (١) أي عزلاً قصداً من الموكِّل، وهذا العزل لا يسري إلا إذا علم الوكيل بالعزل، بخلاف العزل الحكمي، كما لو مات الموكِّل، فيسري بمجرد موت الموكّل، وینعزل وإن لم یعلم، ویکون تصرف الو کیل بعد ذلك غير جائز. وهذه التفرقة بين العزل الحكمي والقصدي، هي في الوكالة، وهذا ما قصده الشارح، وأما في المضاربة فلا فرق في اشتراط العلم بالعزل بين العزل الحكمي وغيره. ينظر حاشية فتح المعين على شرح الكنز ١٩٧/٣، البناية ٩٦/٩. (٢) أي المراد بالعروض هنا. (٣) أي لو كان رأسُ المال دنانيرَ، ومالُ الشركة عند العزل دراهمَ: فيجوز له وإن علم بالعزل أن يُبدل ويبيع الدراهم بدنانير؛ ليعيدها كمالٍ للشركة أصلاً. ينظر ابن عابدین ٦٥٥/٥. ٣٣٦ كتاب المضاربة ثم لا يجوز أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخر. وإن عَزَله ورأسُ المال دراهمُ أو دنانيرُ قد نَضَّت: فليس له أن يتصرّف فيها . وإذا افترقا وفي المال دیون، وقد ربحَ المضاربُ فيه : * (ثم لا يجوز) له (أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخر)؛ لأن العزل إنما لم يعمل والمالُ عروضٌ؛ ضرورةَ معرفة رأس المال، وقد اندفعت بصيرورته نقداً، فعَمِلَ العزلُ. * (وإن عَزَله ورأسُ المال دراهمُ أو دنانيرُ قد نَضَّت): أي تحوَّلْت عَيْناً(١) بعد أن كانت متاعاً. ((صحاح)): (فليس له أن يتصرف فيها)؛ لما قلناه. * قال في ((الهداية)): وهذا الذي ذكره، إذا كان من جنس رأس المال، فإن لم يكن: بأن كان دراهمَ، ورأسُ المال دنانير، أو على العكس: له أن يبيعها بجنس رأس المال استحساناً؛ لأن الربح لا يظهر إلا به، وصار كالعروض. اهـ، وقد أشرنا إليه. [تنضيض مال المضاربة : ] * (وإذا افترقا وفي المال ديون، و) كان (قد ربح المضاربُ فيه): (١) أي نقداً. ٣٣٧ كتاب المضاربة أجبره الحاكم على اقتضاء الديون. وإن لم يكن في المال ربحٌ: لم يلزمه الاقتضاء، ويُقال له: وكِّلْ ربَّ المال في الاقتضاء. وما هَلَكَ من مال المضاربة : فهو من الربح، دون رأس المال. وإذا زاد الهالكُ على الربح : فلا ضمانَ على المضارب فيه. أي المالِ: (أجبره الحاكم على اقتضاء الديون)؛ لأنه بمنزلة الأجير، فإن الربح کالأجر له. * (وإن لم يكن في المال ربحٌ: لم يلزمه الاقتضاء)؛ لأنه وكيلٌ مَحْض، وهو متبرِّعٌ، والمتبرِّعُ لا يُجبرعلى إيفاء ما تَبَرَّع به، (و) لكن (يقال له): أي للمضارب: (وكُلْ ربَّ المال في الاقتضاء)؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، والمالكُ ليس بعاقد، فلا يتمكن من الطلب إلا بتو کیله، فيُؤمر بالتوکیل؛ کی لا یضیع حقه. [الخسارة أو الهلاك في المضاربة : ] * (وما هَلَكَ من مال المضاربة: فهو من الربح دون رأس المال)؛ لأن الربح اسمٌ للزيادة على رأس المال؛ فلا بدَّ من تعيين رأس المال حتى تظهر الزيادة. * (وإذا زاد الهالكُ على الربح: فلا ضمان على المضارب فيه)؛ لأنه أمینٌ. ٣٣٨ كتاب المضاربة وإذا كانا قد اقتسما الربحَ، والمضاربةُ بحالها، ثم هَلَكَ المالُ كلُّه أو بعضُهُ : ترادًّا الربحَ؛ حتى يستوفيَ ربُّ المال رأسَ المال. فإن فَضَلَ شيءٌ : كان بينهما . وإن عَجَزَ عن رأس المال : لم يضمن المضاربُ. * (وإذا كانا): أي المضارِبان (قد اقتسما الربحَ، و) بقيت (المضاربة بحالها): أي لم تُفسخ، (ثم هَلَكَ المالُ كلَّه أو بعضُه: ترادًّا الربح؛ حتى يستوفيَ ربُّ المال رأسَ المال)؛ لأن قسمة الربح قبل استيفاء رأس المال: لا تصح؛ لأنه (١) هو الأصل، فإذا هَلَكَ ما في يد المضارب(٢) أمانةً: تبيَّن أن ما أخذاه(٣): من رأس المال؛ فوجب ردُّه. * (فإن فَضَلَ شيء) بعد استيفاء رأس المال: (كان بينهما)؛ لأنه رِبْحٌ. * (وإن عَجَزَ) الربحُ المردود: أي نَقَصَ (عن) إكمال (رأس المال: لم يضمن المضاربُ)؛ لما مرَّ من أنه أمين. (١) أي رأس المال. (٢) أي من رأس المال الذي هو أمانة في يد المضارب، حيث هو باقٍ في يده؛ لبقاء المضاربة على حالها في هذه الصورة. (٣) أي من الربح. ٣٣٩ كتاب المضاربة وإن كانا قد اقتسما الربحَ، وفَسَخا المضاربةَ، ثم عَقَداها، فهلك المال كلُّه أو بعضُهُ: لم يترادًا الربحَ الأول. ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنَّسيئة . ولا يُزوِّجُ عبداً، ولا أمةً من مال المضاربة. : (وإن كانا قد اقتسما الربح، وفَسَخا المضاربةَ) الأُولىُ، والمالُ في يد المضارب، (ثم عَقَداها) ثانياً، (فهلك المال كلَّه أو بعضُه: لم يترادًا الربحَ الأول)؛ لأن الأَولى قد انتهت بالفسخ، والثانيةَ عقدٌ جدید، لا تعلّق لها بالأُولى. * (ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد، والنسيئة) المتعارَفة؛ لأنها من صنيع التجار. * قيَّدنا بالمتعارَفة؛ لأنه إذا باع إلى أجل غير متعارَف: لا يصح؛ لأن له الأمر العام المعروف بين الناس. * (ولا يُزوِّجُ عبداً (١)) اتفاقاً، (ولا أمَةً) عند أبي حنيفة ومحمد، (من مال المضاربة)؛ لأنه ليس بتجارة، والعقد لا يتضمَّن إلا التوكيل بالتجارة، أو ما هو من ضرورياتها، والتزويجُ ليس كذلك. وقاس أبو يوسف تزويجَ الأمة على إجارتها؛ لأنه من باب الاكتساب؛ لأنه يستفيد به المهرَ، وسقوطَ النفقة. (١) أي والعبد من مال المضاربة. ٣٤٠ كتاب المضاربة قال في ((التصحيح)): والمعتمد قولُهما عند الكل، كما اعتمده المحبوبي، والنسفي، والموصلي، وغيرُهم. اهـ [نفقة المضارب : ] * تتمة: إذا عَمِل المضارب في المصر: فنفقته في ماله، وإن سافر: فطعامه وشرابه وكسوته وركوبه في مال المضاربة. ((هداية)).