Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب الشُّفْعة وإذا اختلف الشفيعُ والمشتري في الثمن : فالقولُ قولُ المشتري مع یمینه . فإن أقاما البينةَ: فالبينةُ بينةُ الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف : البينةُ بينةُ المشتري. [اختلاف الشفيع والمشتري في الثمن : ] (وإذا اختلف الشفيعُ والمشتري في) مقدار (الثمن: فالقول قول المشتري)؛ لأن الشفيعَ يَدَّعي استحقاقَ الدار عليه عند نَقْد الأقل، وهو يُنكر، والقولُ قولُ المنكِرِ (مع يمينه). ثم الشفيع بالخيار: إن شاء أخذ بما قال المشتري، وإن شاء ترك. وهذا إذا لم تَقُم للشفيع بينةٌ، فإن أقام بينةً: قُضِيَ له بها. * (فإن أقاما): أي كلّ من الشفيع والمشتري (البينةَ) على دعواه: (فالبينةُ) المقبولة (بينةُ الشفيع) أيضاً (عند أبي حنيفة ومحمد)؛ لأن بينته ملزمة(١)، وبينة المشتري غير ملزمة، والبينات للإلزام. (وقال أبو يوسف: البينةُ بينةُ المشتري)؛ لأنها أكثر إثباتاً. (١) أي ملزمةٌ للمشتري بأن يسلم الدار للشفيع، وأما كون بينة المشتري غير ملزمة أي للشفيع، لأنه غير ملزم بها بشيء، وهو مخيّر في أخذ الدار بالشفعة، وفي تركها. ينظر البناية ٣٨٨/١٠ (ط بيروت)، ١٤ / ٥٤ (ط باكستان). ٢٨٢ كتاب الشُّفْعة وإذا ادَّعى المشتري ثمناً أكثرَ، وادَّعى البائعُ أقلّ منه، ولم يقبضِ الثمنَ : أخذها الشفيعُ بما قال البائع، وكان ذلك حطّاً عن المشتري. وإن كان قَبَضَ الثمنَ : أخذها الشفيعُ بما قال المشتري، ولم يلتفت إلى قول البائع . قال في ((التصحيح)): ورُجِّح دليلُهما في الشروح، واعتمده المحبوبي، والنسفي، وأبو الفضل الموصلي، وصدر الشريعة. [اختلاف المشتري والبائع في الثمن : ] * (وإذا ادَّعى المشتري ثمناً أكثر، وادَّعى البائعُ) ثمناً (أقلّ منه): أي من الثمن الذي ادعاه المشتري، (و) كان البائع (لم يقبض الثمن: أخذها الشفيع بما قال البائع)؛ لأن القولَ قولُه في مقدار الثمن ما بقيت مطالبته، (وكان ذلك حطّاً عن المشتري (١))، وهو يَظهر في حق الشفيع، كما يأتي قريباً. * (وإن كان) البائع (قَبَضَ الثمنَ: أخذها الشفيعُ بما قال المشتري)، أو تَرَك، (ولم يُلتفت إلى قول البائع)؛ لأنه لما استوفى الثمنَ: انتهى حكم العقد، وخرج هو من البَيْن، وصار كالأجنبي، وبقيَ الاختلاف بين الشفيع والمشتري، وقد مرَّ. (١) أي من البائع عن ذمة المشتري. ٢٨٣ كتاب الشُّفْعة وإذا حطَّ البائعُ عن المشتري بعضَ الثمن: سَقَطَ ذلك عن الشفيع، وإن حطّ جميعَ الثمن : لم يسقط ذلك عن الشفيع. وإذا زاد المشتري البائعَ في الثمن : لم تلزمِ الزيادةَ الشفيعَ . (وإذا حطَّ البائعُ عن المشتري بعضَ الثمن: سَقَطَ ذلك) المحطوط (عن الشفيع)؛ لأن حطّ البعض يلتحق بأصل العقد، فيظهر في حق الشفيع؛ لأن الثمن ما بقي. * وكذا إذا حطَّ بعد ما أخذها الشفيعُ بالثمن: يُحَطّ عن الشفيع، 93 حتى يرجعُ عليه(١) بذلك القدر. ((هداية)). * (وإن حطّ) البائع عن المشتري (جميعَ الثمن: لم يسقط ذلك عن الشفيع) منه شيء؛ لأن حط الكل: لا يلتحق بأصل العقد؛ لعدم بقاء ما يكون ثمناً، كما مرَّ في البيع. * (وإذا زاد المشتري البائعَ في الثمن: لم تلزم) تلك (الزيادةَ الشفيعَ)؛ لأن في اعتبار الزيادة: ضرراً بالشفيع؛ لاستحقاقه الأخذ بما دونها، بخلاف الحط؛ لأن فيه منفعةً له. * ونظير الزيادة: إذا جَدَّد العقدَ بأكثر من الثمن الأول: لم يلزم الشفيعَ، حتى كان له أن يأخذها بالثمن الأول. ((هداية)). (١) أي يرجع الشفيع على المشتري. ٢٨٤ كتاب الشُّفْعة وإذا اجتمع الشفعاء : فالشفعةُ بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يُعتبر اختلافُ الأملاك. [ثبوت الشفعة لأكثر من الشفيع : ] و * (وإذا اجتمع الشفعاء)، وتساوَوْا في سبب الاستحقاق: (فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم (١))؛ لاستوائهم في سبب الاستحقاق، فيستوون في الاستحقاق، ولذا لو انفرد واحدٌ منهم: استحق كلّ الشفعة. * (ولا يُعتبر اختلافُ الأملاك) بالزيادة والنقصان. * ولو أسقط البعضُ حقّه ــ ولو للبعض -: فهي للباقين. * ولو كان البعض غائباً: يُقضى بها بين الحضور؛ لأن الغائب لعله لا يطلب. وإن قُضي للحاضر، ثم حضر الغائب: يُقضى له باستحقاقه. · فلو سلَّم الحاضرُ بعد ما قُضي له بالجميع: لا يأخذ القادم إلا النصف؛ لأن قضاء القاضي بالكلِّ للحاضر: قَطَعَ حقَّ الغائب عن النصف، بخلاف ما قبل القضاء. ((هداية)). (١) صورة المسألة: دارٌ بين ثلاثة، لأحدهم نصفُها، وللآخر ثلثُها، والثالث سدُسُها، فباع صاحب النصف جميع نصيبه، وطلب الشريكان الشفعة: قُضي بها بينهما نصفين. الجوهرة ٣٤٠/١. ٢٨٥ كتاب الشُّفْعة ومَن اشترىُ داراً بعَرْضٍ : أَخَذْها الشفيعُ بقيمته. وإن اشتراها بمكيلٍ، أو موزونٍ : أَخَذَها بمثله. وإن باع عقاراً بعقار: أَخَذَ الشفيعُ كلّ واحدٍ منهما بقيمة الآخر . وإذا بلغ الشفيعَ أنها بيعت بألف، فسلّم. * (ومَن اشترىُ داراً بعَرْضٍ): أي بشيءٍ من ذوات القِيَم: (أَخَذَها الشفيع بقيمته)؛ لأنه من ذوات القِيَم. * (وإن اشتراها بمكيلٍ، أو موزون)، أو عددي متقارب: (أَخَذَها بمثله)؛ لأنها من ذوات الأمثال. ** (وإن باع عقاراً بعقار)، وكان شفيعُهما واحداً: (أَخَذَ الشفيعُ كلّ واحدٍ منهما): أي العقارين (بقيمة الآخر)؛ لأنه بدلُه، وهو من ذوات القيم، فيأخذه بقيمته. * وإن اختلف شفيعُهما: يأخذ شفيعُ كلّ منهما ما لَه فيه الشفعة بقيمة الآخر. [تسليم الشفيع بالشفعة، ثم معرفته بخطأ في الثمن : ] * (وإذا بلغ الشفيعَ أنها): أي الدارَ (بيعت بألفٍ) مثلاً، (فسلّم ٢٨٦ كتاب الشُّفْعة الشفعةَ، ثم عَلِمَ أنها بيعت بأقلَّ من ذلك، أو بحنطةٍ، أو بشعيرٍ قيمتُها ألفٌ، أو أكثرُ: فتسليمُهُ باطل، وله الشفعةُ. وإن بان أنها بيعت بدنانيرَ قيمتُها ألفٌ: فلا شفعة له. وإذا قيل له : إن المشتري فلانٌ، فسلَّم الشفعةَ، ثم عَلِم أنه .... الشفعةَ(١)، ثم علم أنها بيعت بأقلَّ من ذلك، أو بحنطة، أو بشعير)، أو نحوهما من المثليات، ولو (قيمتُها): أي الحنطة أو الشعير (ألفٌ، أو أكثرُ: فتسليمه باطل، وله الشفعة)؛ لأنه إنما سلّم لاستكثار الثمن، أو لتعذّر الجنس الذي بَلَغه. * بخلاف ما إذا عَلِم أنها بيعت بعَرْضٍ قيمته ألفٌ، أو أكثر؛ لأن الواجب فيه (٢) القيمة، وهي دراهم أو دنانير (٣). ((هداية)). * (وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتُها ألفٌ)، أو أكثر: (فلا شفعة له)؛ لأن الجنس متَّحدٌ في حق الثمنية. [تسليم الشفيع بالشفعة، ثم معرفته أن المشتري شخص آخر :] ؛ (وإذا قيل له: إن المشتري فلانٌ، فسلَّم الشفعةَ، ثم عَلِم أنه (١) أي أسقط حقه في الشفعة. (٢) أي في العرض. (٣) فصار كما لو قيل: بيعت بألف، فسلَّم، ثم ظهر أكثر من ذلك. البناية ١٠ /٤٥٦. ٢٨٧ كتاب الشُّفْعة غيرُهُ : فله الشفعةُ. ومَن اشترى داراً لغيره : فهو الخصمُ في الشفعة، إلا أن يسلِّمها إلى الموكِّل. غيرُه: فله الشفعةُ)؛ لتفاوت الجوار. * ولو عَلِم أن المشتري هو مع غيره: فله أن يأخذ نصيبَ غيره؛ لأن التسلیم لم يوجد في حقه. ** ولو بَلَغَه شراءُ النصف، فسلّم، ثم ظهر شراء الجميع: فله الشفعة؛ لأن التسليم لضرر الشركة، ولا شركة. * وفي عكسه(١): لا شفعة في ظاهر الرواية(٢)؛ لأن التسليم في الكل: تسليمٌ في أَبْعاضه. ((هداية)). * (ومَن اشترى داراً لغيره، فهو الخصم) للشفيع (في الشفعة)؛ لأنه هو العاقد، والأخذ بالشفعة من حقوق العقد، فيتوجه عليه، (إلا أن يسلِّمها إلى الموكِّل)؛ لأنه لم يبق له يدٌ، ولا مِلْكٌ؛ فيكون الخصم هو الموكِّل. (١) وهو أن يُخبَرَ بشراء الكل، فيسلِّم، ثم يظهر شراء النصف. البناية ١٠ /٤٥٨. (٢) وهذا احتراز عما روي عن أبي يوسف على عكس هذا: أن له الشفعة، لأنه قد يتمكن من تحصيل ثمن النصف، وقد تكون حاجته إلى النصف ليُتِمَّ به مرافق ملكه، ولا يحتاج إلى الجميع. العناية ٣٤٢/٨، البناية ٤٥٨/١٠. ٢٨٨ كتاب الشُّفْعة وإذا باع داراً إلا مقدارَ ذراعٍ في طول الحدِّ الذي يلي الشفيعَ : فلا شفعةً له. وإن ابتاع منها سهماً بثمن کثیرٍ ، . [بعض الحِيَل لإسقاط الشفعة : ] * (وإذا باع داراً إلا مقدار ذراع) مثلاً (في طول الحدِّ الذي يلي الشفيعَ: فلا شفعة له) في المبيع؛ لانقطاع الجوار، وهذه حيلةٌ(١). * وكذا قوله: (وإن ابتاع): أي اشترى (منها سهماً بثمنٍ كثيرٍ(٢)، (١) أي لإسقاط شفعة الشفيع، فلربَّما يكون فاسقاً مؤذياً، أو ظالماً متعدياً، فُيحتاج إلى الاجتناب عن جواره. البناية ٤٥٩/١٠، العناية ٣٤٢/٨، وسيأتي بعد قليل بيان المؤلف لحكم الحِيَل في إسقاط الشفعة وغيرها. وبعضهم عبَّر مكان كلمة: ((الحيل))، بلفظ: ((المَخَارِج)). ينظر: غمز عيون البصائر، للحموي، شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم ٢١٩/٤. (٢) لفظ: ((كثير)): ثابت في نسخة القدوري (٨٩٢هـ)، دون غيرها. وهذه حيلة أخرى، وصورتها: رجل له دار تساوي ألفاً، فأراد بيعها على وجه لا يأخذها الشفيع، فإنه يبيع العُشْر منها مبتاعاً بتسعمائة، ثم يبيع تسعة أعشارها بمائة، فالشفعة إنما تثبت في عُشْرها خاصة بثمنه - وهو غالٍ جداً - مما يكون سبباً لصرف الشفيع عن شفعته وتسليمه، ولا تثبت له الشفعة في التسعة الأعشار، لأن المشتري حين اشترى تسعة أعشارها، صار شريكاً فيها بالعشر، فيُقدَّم على الجار. الجوهرة ٣٤٢/١ بتصرف. ٢٨٩ كتاب الشُّفْعة ثم ابتاع بقيمتها : فالشفعة للجار في السهم الأول، دون الثاني. وإذا ابتاعها بثمنٍ، ثم دفع إليه ثوباً عوضاً عنه : فالشفعةُ بالثمن، دون الثوب. ثم ابتاع بقيمتها: فالشفعة للجار في السهم الأول) فقط، (دون الثاني)؛ لأن المشتري صار شريكاً في السهم الثاني، فكان أُوْلى من الجار. * وكذا قوله: (وإذا ابتاعها بثمنٍ) ضِعْفٍ قيمتها مثلاً، (ثم دَفَعَ (١) إليه ثوباً عوضاً عنه) بقدر قيمتها: (فالشفعة) تكون (بالثمن) المسمَّى في البيع(٢)، (دون الثوب) المدفوع عوضاً عنه؛ لأنه عقدٌ آخر. * قال في ((الهداية)): وهذه الحيلة تَعُمُّ الجِوَار والشركة(٣)، فيباع بأضعاف قيمته، ويُعطى بها ثوبٌ بقدر قيمته، إلا أنه إذا استُحقَّت المشفوعة: يبقى كل الثمن على مشتري الثوب؛ لقيام البيع الثاني، فيتضرّر به. (١) أي المشتري للبائع. (٢) وهو غالٍ مما يسبب صرف الشفيع عن شفعته وتسليمه. (٣) بخلاف الأُولى، فهي حيلة في حق الشريك فقط، لا الجار. البناية ١٠ / ٤٦١. ٢٩٠ كتاب الشُّفْعة ولا تكره الحيلةُ في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند محمد . والأَوْجَهُ أن يباع بالدراهم الثمنِ (١) دينارٌ، حتى إذا استُحق المشفوع: يبطل الصرف، فيجب ردُّ الدينار، لا غير. اهـ [حكم الحِيَل لإسقاط الشفعة : ] * (ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة) قبل ثبوتها (عند أبي يوسف)؛ لأنه(٢) مَنْعٌ عن إثبات الحق، فلا يُعَدُّ ضرراً. وقيَّده في ((السراجية)): بما إذا كان الجار غيرَ محتاج إليه. (وتكره عند محمد)؛ لأنها إنما وجبت لدفع الضرر، ولو أبَحْنَا الحيلة: ما دفعناه. * وقيَّدنا بما قبل ثبوتها؛ لأنه بعد ثبوتها: مكروهٌ، اتفاقاً، كما في ((الواقعات)). وفي ((التصحيح)): قيل: الاختلاف قبل البيع، أما بعده: فهو مكروهٌ بالإجماع. (١) أي بالدراهم التي هي الثمن، فهي صفة للدراهم. البناية ١٠ / ٤٦١. (٢) أي الاحتيال. البناية ١٤/ ١١٧ (ط باكستان). ٢٩١ كتاب الشُّفْعة . وظاهر ((الهداية)): اختيار قول أبي يوسف، وقد صرَّح به قاضيخان، فقال: والمشايخ في حيلة الاستبراء(١)، والزكاة(٢): أخذوا بقول محمدٍ (٣)، وفي الشفعة: بقول أبي يوسف (٤). اهـ (١) أي الحيلة فى عدم لزومه، والاستبراء هو: طلب براءة الرحم من الحمل، وذلك حين يملك الرجل أمةً بقصد وطئها، فيتركها مدة مقدرة شرعاً، يستدل بها على براءة رحمها، وقَدْرها: حيضة كاملة، مع تفصيل في ذلك، وينظر لصور حيل الاستبراء شرح الأشباه والنظائر للحموي ٤ /٢٥٧. (٢) وحيلة الزكاة أي لإسقاطها. ينظر شرح الأشباه والنظائر للحموي ٢٢١/٤. (٣) أي بكراهتها التحريمية. (٤) أي بجواز الحيلة في الشفعة. * ضابط عام في حكم الحِيَل : ذكر الإمام السرخسي في المبسوط ٢١٠/٣٠ قاعدة عامة في حكم الحيل، فقال: ((والحاصل أن ما يتخلّص به الرجل من الحرام، أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل: فهو حسن، وإنما يكره من ذلك أن يحتال في حق شخص حتى يبطله، أو في باطل حتى يموِّهه، أو في حق حتى يُدخل فيه شبهة، فما كان على هذا السبيل: فهو مكروه)). اهـ، والمراد: مكروه تحريماً، كما في الفتاوى التتارخانية، بواسطة شرح الأشباه والنظائر للحموي ٢١٩/٤، وقد عزا هذا الضابط العام الذي ذكره السرخسي صاحبُ الفتاوى التتارخانية، دون النسبة إليه، عزاه إلى علماء الحنفية، فقال: ((مذهب علمائنا)). * كما صاغ هذا الضابط العام للحيل المشروعة العلامة المدقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، حيث قال: ((والضابط العام في الحِيَل المشروعة: أنها ما كان المقصودُ بها إحياءَ حق، أو دَفْع ظلم، أو فِعْلَ واجب، أو تَرْكَ محرَّم، أو إحقاق = ٢٩٢ كتاب الشُّفْعة وإذا بنى المشتري، أو غَرَس، ثم قضى القاضي للشفيع بالشفعة : فهو بالخيار: إن شاء أَخَذَها بالثمن، وقيمةِ البناء والغرسِ مقلوعاً، وإن شاء كَلَّف المشتري قَلْعَه. * (وإذا بنى المشتري) فيما اشتراه، (أو غَرَس، ثم قضى القاضي للشفيع بالشفعة: فهو): أي الشفيعُ (بالخيار: إن شاء أَخَذَها بالثمن وقيمةِ البناء والغرسِ مقلوعاً): أي مستحَقَّ القلع، (وإن شاء كَلَّف المشتري فَلْعَه)؛ لأنه وَضَعه في محلٌّ تعلَّقَ به حقٌّ متأكَّدٌ للغير، من غير تسليطٍ من جهته(١). حق، أو إبطال باطل، أو جَلْب محبوب مشروع ، أو دَفْعَ مكروه، أو نحو ذلك مما يُحقق مصلحةً مشروعة، ولا يناقضُ مقصودَ الشارع الحكيم، ولا يكون فيه تفويت حق للخالق أو المخلوق)). اهـ من تعليقاته على حديث عبدالله بن عمرو بن العاص حين قال رضي الله عنه: ((لاحَيْتُ أبي ... )) في كتابه النافع: ((الرسول المعلِّم صلى الله عليه وسلم) ص ١٨٣، وينظر مقدمة الإمام الخصاف (ت ٢٦١ هـ) لكتابه: ((الحيل)). وينظر أيضاً ما كتبه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في مقدمة تحقيقه لرسالة العلامة الغنيمي الميداني، صاحب اللباب: ((كشف الالتباس عما أورده الإمام البخاري على بعض الناس))، ص ٣٤، فقد بيَّن أنه لم ينفرد الحنفية بالقول بالحِيَل، بل شاركهم في القول بها المالكية والشافعية والحنابلة، ونَقَل عن ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين ٢٥٤/٣ أنه ذكر من أمثلة الحيل المباحة (١١٧) مثالاً. (١) وعن أبي يوسف: أنه لا يكلف القلعَ، ويخيَّر بين أن يأخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس، وبين أن يترك. الهداية ٣٣/٤، وما في مختصر القدوري هو ظاهر الرواية المعتمد في المذهب، وينظر البناية ١٠ / ٤٠٤. ٢٩٣ كتاب الشُّفْعة وإذا أخذها الشفيعُ، فبنى أو غَرَس: ثم استُحِقّت: رَجَعَ بالثمن، ولا يرجع بقيمة البناء، والغرس. وإذا انهدمت الدارُ، أو احترق بناؤها، أو جفَّ شجرُ البستان بغير فعل أحدٍ : فالشفيع بالخيار : إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء تَرَكَ. * (وإذا أخذها الشفيع) بالشفعة، (فبنى) بها، (أو غَرَس، ثم استُحِقَّت: رجع) الشفيعُ على المشتري إن أخذ منه، أو البائعِ، على ما مرَّ، (بالثمن)؛ لأنه تبيَّن أنه أَخَذَه بغير حق، (ولا يرجع بقيمة البناء، والغرس) على أحدٍ. * بخلاف المشتري، فإنه مغرورٌ من جهة البائع، ومُسَلَّطٌ عليه، ولا غرور ولا تسليط في حق الشفيع من المشتري؛ لأنه مجبورٌ عليه. (هداية)). * (وإذا انهدمت الدار) في يد المشتري، (أو احترق بناؤها، أو جفَّ شجر البستان)، وكان ذلك (بغير فعل أحدٍ: فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بجميع الثمن)؛ لأن البناء والغرس تابعٌ، حتى دخلا في البيع من غير ذِكر، فلا يقابلهما شيء من الثمن، مالم يَصِرْ مقصوداً، ولهذا جاز بَيْعها مرابحة بكل الثمن في هذه الصورة. بخلاف ما إذا غَرِق نصفُ الأرض: حيث يأخذ الباقي بحصته؛ لأن الفائت بعضُ الأصل. ((هداية)). (وإن شاء تَرَكَ)؛ لأن له أن يمتنع عن التملك. ٢٩٤ كتاب الشُّفْعة وإن نَقَضَ المشتري البناءَ : قيل للشفيع: إن شئتَ فخُذِ العَرْصةَ بحصتها، وإن شئتَ فَدَعْ. وليس له أن يأخذ النُّقْضَ. ومَن ابتاع أرضاً، وعلى نخلها ثمرٌ: أَخَذَها الشفيعُ بثمرها. * (وإن نَقَضَ المشتري البناءَ: قيل للشفيع): أنت بالخيار: (إن شئتَ فخُذِ العَرْصة): أي أرض الدار (بحصتها) من الثمن، (وإن شئتَ فَدَعْ)؛ لأنه صار مقصوداً بالإتلاف، فيقابلها شيء من الثمن، بخلاف الأول؛ لأن الهلاك بآفة سماوية. (وليس له): أي الشفيع (أن يأخذ النِّقْض) - بالكسر -: أي المنقوض؛ لأنه صار مفصولاً، فلم يبق تَبَعاً. * (ومَن ابتاع): أي اشترى (أرضاً، وعلى نخلها ثمرٌ: أخذها الشفيع بثمرها)، قال في ((الهداية)): ومعناه: إذا ذُكِرَ الثمر في البيع؛ لأنه لا يدخل من غير ذِكْر. وهذا الذي ذكره استحسانٌ، وفي القياس: لا يأخذه؛ لأنه ليس بتَبَع، ألا يُرى أنه لا يدخل في البيع من غير ذِكْر؛ فأشبه المتاع في الدار. وَجْهُ الاستحسان: أنه باعتبار الاتصال صار تَبَعاً للعقار، كالبناء في الدار، وما كان مركَّباً فيه: فيأخذه الشفيع. اهـ ٢٩٥ كتاب الشُّفْعة فإن أَخَذَه المشتري : سَقَطَ عن الشفيع حِصَّتُه. وإذا قُضي للشفيع بالدار، ولم يكن رآها : فله خيار الرؤية. وإن وجد بها عيباً: فله أن يردّها به وإن كان المشتري شَرَطَ البراءةَ منه . * (فإن أَخَذَه (١) المشتري: سَقَطَ عن الشفيع حِصَّتُه)؛ لدخوله في البيع مقصوداً. * (وإذا قُضي للشفيع بالدار، ولم يكن رآها) قبل: (فله خيار الرؤية) وإن کان المشتري قد رآها. * (و) كذا (إن وَجَدَ بها عيباً) لم يطلع عليه: (فله أن يردَّها به وإن (٢) كان المشتري شَرَطَ البراءةَ منه)؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء، فيثبت فيه (٣) الخياران (٤) كما في الشراء، ولا يسقط بشرط (١) في نُسَخ من القدوري: ((أخذه))، وفي نسخ أخرىُ: ((جَذَّه))، والمعنى واحد. (٢) ((إن)): هنا وصلية. (٣) هكذا: (فيه)): في الهداية ٣٠/٤، وكذلك في النسخة التي مع شروحها ٣١٤/٨، لكن في نسخ اللباب كلها: ((به))، وقد أثبت نص الهداية، إذ النقل عنها، والمراد: يثبت في هذا الشراء. (٤) أي خيار الرؤية، وخيار الشرط. البناية ١٠/ ٣٨٤. ٢٩٦ كتاب الشُّفْعة وإذا ابتاع بثمنٍ مؤجَّلٍ : فالشفيعُ بالخيار : إن شاء أخذها بثمن حالٍّ، وإن شاء صَبَرَ حتى ينقضيَ الأجلُ، ثم يأخذُها. وإذا اقتسم الشركاء العقارَ : فلا شفعةَ لجارهم بالقسمة . وإذا اشترىُ داراً، فسلَّم الشفيعُ الشفعةَ، ثم ردَّها المشتري .... البراءة من المشتري، ولا برؤيته؛ لأنه (١) ليس بنائب عنه، فلا يملك إسقاطَه. ((هداية)). * (وإذا ابتاع) المشتري (بثمنٍ مؤجل: فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بثمن حالِّ، وإن شاء صَبَرَ) عن الأخذ بعد استقرارها بالإشهاد، (حتى ينقضيَ الأجلُ، ثم يأخذها). * وليس له أن يأخذها في الحالِ بثمنٍ مؤجل؛ لأنه إنما يثبت بالشرط، ولا شَرْط منه، وليس الرضا به في حق المشتري: رِضاء به في حق الشفيع؛ لتفاوت الناس. ٩ * (وإذا اقتسم (٢) الشركاء العقارَ) المشترَك بينهم: (فلا شفعة لجارهم بالقسمة)؛ لأنها ليست بمعاوضة مطلقاً؛ ولأن الشريك أَوْلى من الجار. * (وإذا اشترى داراً، فسلّم الشفيع الشفعة، ثم ردَّها المشتري (١) أي المشتري. (٢) وفي بعض النسخ: ((فَسَم)). ٢٩٧ كتاب الشُّفْعة بخيارِ رؤيةٍ، أو خيارِ شَرْطٍ ، أو عيبٍ بقضاءِ قاضٍ : فلا شفعةَ للشفيع. وإن ردَّها بغير قضاءِ قاضٍ، أو تقايلا: فللشفيع الشفعةُ. بخيار رؤيةٍ، أو بخيار شَرْطِ) مطلقاً - خلافاً لما في ((الدرر)) -، (أو عيبٍ بقضاءِ قاضٍ: فلا شفعة للشفيع)؛ لأنه فَسْخٌ من كل وجهٍ، فعاد القديمٍ ملكه، والشفعةُ في إنشاء العقد. ولا فَرْق في هذا بين القبض، وعدمه. ((هداية)). * (وإن ردَّها) بالعيب. ((هداية))، (بغير قضاء قاضٍ، أو تقايلا) البيعَ: (فللشفيعِ الشفعةُ)؛ لأنه فَسْخٌ في حقهما؛ لولايتهما على أنفسهما، وقد قَصَدَا الفسخ، وهو بيعٌ جديد في حقِّ ثالثٍ؛ لوجود حَدِّ البيع، وهو: مبادلة المال بالمال بالتراضي، والشفيعُ ثالث. ومراده: الرد بالعيب بعد القبض؛ لأنه قبله: فَسْخٌ من الأصل وإن كان بغير قضاء، على ما عُرف. ((هداية)). ٢٩٨ كتاب الشركة كتاب الشركة الشركةُ على ضربين : شركةُ أملاكِ، وشركةُ عقودٍ . فشركةُ الأملاك : العينُ التي يَرِثُها رجلان، أو يشتريانها . كتاب الشركة * (الشركةُ) لغةً: الخُلْطَة، وشرعاً - كما في القُهُسْتاني عن ((المُضْمرات)) -: اختصاصُ اثنين أو أكثرَ بمحلٌ واحد. [أنواع الشركة : ] وهي (على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقودٍ. * فشركة الأملاك) هي: (العينُ التي يَرِثُها رجلان) فأكثر، (أو يشتريانها)، أو تصل إليهما بأي سببٍ كان: جَبْرِياً كان، أو اختيارياً، كما إذا اثَّهَبَ(١) الرجلان عيناً، أو ملكاها بالاستيلاء(٢)، أو اختلط مالُهما من غير صُنْع، أو بخلطهما خلطاً يمنع التمييز رأساً، أو إلا بحَرَجِ. (١) أي قَبِلا ما وُهب لهما معاً. (٢) أي مالٍ من أموال الحرب مثلاً. البناية ٥/٧. ٢٩٩ كتاب الشركة فلا يجوز لأحدهما أن يتصرّف في نصيب الآخر إلا بإذنه. وكلّ واحدٍ منهما في نصيب الآخر كالأجنبي. والضربُ الثاني : شركةُ العقود، وهي على أربعة أوجهٍ : مفاوَضَةٌ، وعِنانٌ، وشركةُ الصنائع، وشركةُ الوُجوه. وحكمهما: أن كلاً منهما أجنبيٌّ في حصة الآخر، (فلا يجوز لأحدهما أن يتصرَّف في نصيب الآخر إلا بإذنه)، كما في الأجانب. 93 كما صرَّح بذلك في قوله: (وكلّ واحدٍ منهما في نصيب الآخر كالأجنبي) في الامتناع عن التصرف إلا بوكالة أو ولاية؛ لعدم تضمُّنُها (١) الوكالة. * (والضرب الثاني: شركة العقود)، وهي الحاصلة بسبب العقد، ورُكنها: الإيجاب والقبول، وشَرْطها: أن يكون التصرف المعقود عليه قابلاً للوكالة؛ ليكون ما يُستفاد بالتصرف مشتركاً بينهما. [أنواع شركة العقود : ] (وهي): أي شركة العقود (على أربعة أوجه: مفاوَضَةٌ، وعنانٌ) - بالكسر، وتُفتَح - (وشركة الصنائع، وشركة الوجوه. (١) أي الشركة. ٣٠٠ كتاب الشركة * فأما شركةُ المفاوضة، فهي : أن يشترك الرجلان، فيتساويان في مالهما، وتصرُّفِهما، ودِینهما. [١- شركة المفاوضة : ] * فأما) الأولى، وهي (شركة المفاوضة، فهي: أن يشترك الرجلان) مثلاً، (فيتساويان في مالهما، وتصرُّفِهما، ودِينهما)؛ لأنها شركة عامة في جميع التجارات، يُفوِّض كلّ منهما أمرَ الشركة إلى صاحبه على الإطلاق، إذ هي من المساواة. قال قائلهم: ((لا يَصلُحُ الناسُ فوضىُ لا سَرَاةَ لهم)» (١): أي (١) هذا صَدْر بيتٍ للأَفْوَه الأَوْدي، صَلاءَة بن عمرو بن مالك، من بني أود، من مذحج، من شعراء اليمن الجاهليين، ولُقِّب بالأَفْوَه: لأنه كان غليظ الشفتين، توفي سنة ٥٠ قبل الهجرة، كما في الأعلام ٢٠٦/٣. وعَجُزُ البيت قوله: ((ولا سَراةَ إذا جُهَّالُهم سادوا))، وقد ذكره صاحب الهداية ٤/٣ كاملاً. ومكان الشاهد من البيت: ((فوضى))، يقال: الناس فوضى في هذا الأمر: أي: سواء، لا تباين بينهم، والسَّراة: جمع سَرِي، وهو: السيد، ويكون معنى البيت: لا تصلح أمور الناس حال كونهم متساوين، إذا لم يكن لهم أمراء وسادات، فإنهم إذا كانوا متساوين: تتحقق المنازعة بينهم، لأنهم إذا لم يكن فيهم أمير مطاع في أمره ونهيه: كان كل واحد منهم مستقلاً برأيه، فتتحقق المنازعة، ولا سادة إذا الجهال سادوا. ينظر البناية ٨/٧، وفتح القدير مع بقية الشروح ٣٨٠/٥.